كتاب السَّلَم الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقوله 1: "بل اشتريت منك أربعة أرادب بدينار، أن 2 رأس مال السلم عين، لأن الانتفاع برأس المال إذا كان لا يعرف بعينه فوات له بيد البائع كفوات السلعة بيد المبتاع.
وكذلك لو لم يحل الأجل ولكنه مضى لقبض رأس ماله مدة ينتفع به، بخلاف لو كان سلعة معينة فيراعي فيها/ [خ 281] الفوات من عدمه كالسلعة المشتراة بالنقد.
وتأمل قوله في الباب في ذكر ما يشبه وما لا يشبه، إنما هو كله فيما فات.
ولا يختلف في مراعاة هذا بعد الفوات.
وأما قبل فلا يلتفت إليه عند ابن القاسم لظاهر قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركان" 3. وعبد الملك يراعي ما يشبه وإن كانت قائمة لأن ما يشبه شاهد لمدعيه، وهو مقتضى قول أشهب.
وقد أشار بعضهم أن قوله في الكتاب: القول قول مدعي الصحة، مراعاة لما يشبه مع قيام السلعة.
قوله في مشتري السلعة 4 على النقد فينقلب بها ثم يختلفان في الثمن: إنهما يتحالفان ويتفاسخان/ [ز 235] ما لم تفت.
وذكر عن ابن وهب
عنه هنا أن القبض يوجب كون القول للمشتري.
وقال في كتاب المكاتب: إذا قبضها وبان بها.
وقال أشهب: يتحالفان 1 وإن فاتت.
ذهب بعض شيوخنا أن روايته في كتاب المكاتب بزيادة: بان بها، قول آخر غير مراعاة مجرد القبض.
وانظر إذا اختلفا في الثمن قبل قبض المشتري لها وقد حالت أسواقها بيد البائع ما الحكم؟ وقد قال ابن محرز في مسألة الجارية المختلف في ثمنها: لو أصابها عيب بعد التحالف وهي بيد المشتري لوجب أن يكون ضامناً، إلا أنه ينظر فيما يضمن؛ هل جميعها أو ما أصيب منها كما قال ابن عبدوس؟
وقوله بعد هذا 2: إذ 3 اختلفا في الجنس فقال أحدهما في قمح، وقال الآخر في شعير أو قطنية، واختلفت الأنواع تحالفا وترادا.
وجعل عبد الملك القمح والشعير مما لا يتحالفان في الاختلاف فيه بعد الفوات.
وحكى ابن حبيب 4 ذلك في السمراء والبيضاء، ورأيا أن الاختلاف في النوع والصفة ليس باختلاف في الجنس.
ثم قال في الكتاب 5: وأما إذا اختلفا في الكيل بعد الأجل فالقول قول من يشبه 6، "وليس اختلافهما في الكيل إذا تصادقا في النوع كاختلافهم في الأنواع".
قيل: مراده بهذا أن اختلافهم في الكيل إذا جاء كل واحد منهما بما لا يشبه كان التحالف والتفاسخ لتشبيهه إياها بمسألة الجارية بعدها 7 وردها إلى القيمة، إذ القيمة
فيها كالتحالف والتفاسخ والرجوع لرأس المال.
وقد نبه ابن أبي زمنين وغيره على هذا وقال: تدبره فإنه خفي.
وقوله 1: "أرأيت ما اشتريت وانقلبت به من جميع السلع فبنت به وزعمت أني دفعت الثمن وأنكرني البائع؟ قال: قال مالك: أما ما يتبايعه الناس على الانتقاد شبه الصرف كالحنطة والزيت" إلى آخر المسألة "فذلك مثل الصرف، القول فيه قول المشتري.
وما كان مثل الدور والأرضين والبز والرقيق والعروض فالقول قول البائع وإن قبضه المبتاع، ولا يخرجه من أداء الثمن قبضه وبينوته 2 به".
فتأمل اشتراط الانقلاب والبينونة في المسألة، وتأمل قوله "مما 3 يتبايعه الناس على الانتقاد" ورد الأمر فيه إلى العرف.
ولا خلاف فيما يباع على النقد في هذا الفصل إذا بان به، فإن كان لم ينقلب ولم يبن به فروى أشهب 4
عن مالك أن القول قول رب الطعام.
وقال ابن القاسم 5 عنه: القول/ [خ 282] قول المبتاع.
قال ابن القاسم: وذلك إذا كانت عادة الناس في ذلك الشيء أخذ ثمنه قبل قبضه أو معه، فظاهر هذا أنه سواء كان بيد البائع أو المبتاع ما لم يبن به.
وعلى هذا حمل الاختلاف في المسألة أبو القاسم بن محرز.
وحمل ذلك غيره على كونه بيد المبتاع.
وأكثر الرواية 6 عن أشهب وابن القاسم أنه إذا لم يبن به وقبضه 7. قال ابن محرز: فقد نبه ابن القاسم أن المعنى الذي يعتمد عليه العادة؛ فمن ادعاها فالقول قوله.
واختلف هل حكم القليل والكثير من الطعام وشبهه سواء؟ وهو قول يحيى عن ابن القاسم، وذكره ابن أبي زمنين وابن لبابة.
قال ابن القاسم: وسواء كثر 1 للحكر أو قل للحاجة أو يختلف.
وإنما هذا في القليل،/ [ز 236] وهو قول يحيى بن عمر وهو الصحيح.
وقوله 2: إذا قال الذي له السلم: ضربنا له أجل شهرين، وقال الآخر: لم نضرب أجلا، "القول قول مدعي الصحة".
أشار بعضهم إلى أن هذا على مراعاة الأشبه قبل الفوت حتى لو كان العرف في البلد الفساد كان القول قول مدعيه.
قال: وعلى أصله في الكتاب يتحالفا ويتفاسخا 3.
وذهب بعضهم إلى أن معنى ما في الكتاب أن الأجل حل.
وهو من نحو قول 4 الأول.
وتأمل هذه المسألة في الكتاب فليس في الاختلاف فيها ما يول 5 إلى الاختلاف في رأس المال ولا في المبيع ولا فيما يعود بما يجر منفعة، كما لو قال أحدهما: لم أر السلعة، أو قال بعنا وقت صلاة الجمعة.
وإذا كان هذا لم تكن معارضة لما وقع له في كتاب ابن سحنون 6 إذا قال البائع: بعت بخمر، والآخر بدنانير: إنهما يتحالفان ويتفاسخان، وذلك أن هذا يؤول إلى الاختلاف في الثمن.
وإلى التفريق بين البابين نحا الشيخ أبو محمد وغيره من شيوخ القرويين لما ذكرناه.
وحمله بعضهم على الخلاف وأن مذهب الكتاب حلف مدعي الصحة أبداً.
وقال العتبي 1: إنما يكون القول قول مدعي الصحة إذا لم يكن على أصل معاملتهما بينة، فإن كانت على ظاهر صحيح سقطت اليمين.
قال فضل: إلا أن يقول مدعي الحرام كنا أشهدنا على الحلال وتعاملنا في السر على الحرام، فإن كان ممن يتهم بمثل ذلك يعني الآخر 2 أحلف 3 وإلا لم يحلف.
وقوله بعد هذا 4: "أرأيت إن تناقضا السلم واختلفا في رأس المال؟ قال: القول قول الذي عليه السلم"، ذهب كثير من الشيوخ أن معنى المسألة تناقضا سلماً فاسداً، بدليل عطفها على مسألة: من ادعى فساده، وأن المسألة لا تصح إلا على هذا، والا فلو كان من سلم صحيح كانت إقالة على أقل من رأس المال، أو على رأس مال مختلف فيه، ولا تصح هذه الإقالة، ويبقيا 5 على أصل البيع.
وقال بعضهم: بل تصح على الإقالة.
ولعله في عروض ولم يكن السلم في طعام، والإقالة فيه على أقل من رأس المال جائزة، وهو الذي يدعي الذي عليه السلم.
وقيل: لعلها كانت إقالة صحيحة على رأس مالها 6 أولاً، ثم نشأ بينهما الخلاف بعد،
فتصح في كل شيء.
وعورض هذا كله أن من شرط الإقالة قبض 1 رأس المال وإلا فهي باطل، وقبضه مع النزاع متعذر الصورة إلا أن يقول: لعل هذا النزاع بالقرب وحضرة الحاكم فيقع الفصل بينهما، والعمل كله في قرب.
ومسألة/ [خ 283] الذي قال المسلم إليه 2: "لم أقبض رأس المال منك إلا بعد شهر أو شهرين، أو قال: كنا شرطنا ذلك.
وقال الآخر: بل نقدتك عند العقدة.
القول قول مدعي الصحة".
استدلوا بها أن مذهب الكتاب أن تأخر العين في رأس المال بغير شرط يفسد به السلم.
كذا روايتنا: أو قال: كنا شرطنا.
وفي بعض النسخ: وقال.
وإن صحت هذه الرواية/ [ز 237] لم تكن فيها حجة لتأويل من تقدم وترجع المسألة كلها إلى الشرط.
وقد قدمنا الخلاف في تأويل الكتاب في هذا.
ومسألة القائل 3: "أسلمت هذا الثوب في مائة إردب حنطة، وقال الآخر: بل هذين الثوبين غير الثوب الأول في مائة، وأقاما البينة.
قال: تصير 4 الثلاثة الأثواب في مائتي إردب حنطة".
معناه أن المسلم قام بهما.
قال ابن عبدوس: وذلك إذا كانا في مجلسين، وإلا فهو تكاذب.
وقال غيره: سواء كانا في مجلس أو مجلسين.
وفي كتاب ابن حبيب اختلاف في هذا الأصل.
ولا يختلف أنهما يعملان معاً إذا كانا في مجلسين.
وأما إذا قال أحدهما: هذا الثوب في مائة والآخر: هذا الثوب والعبد في مائة.
فقال: هنا يقضي ببينة من زاد، ويكون العبد والثوب في المائة.
قال بعضهم: وسواء هنا كان في مجلس أو مجلسين لاعتراف 5 المتداعيين أن ذلك شيئاً
واحداً 1.
وقد اختلف قوله في الكتاب في هذا الأصل: هل يقضي بهذا أو هو تهاتر 2؟
وقوله 3 في مسألة الاختلاف في موضع القبض: "وتصادقا في السلم أنما دفعه إليه في موضع كذا، وليس يدعي واحد منهما أنه شرط القبض في موضع الدفع والسلم.
القول قول البائع".
قال فضل: مفهومه أنه إن ادعى أحدهما أنه شرط على صاحبه القبض بموضع دفع الدراهم فالقول قوله.
قال القاضي: وقع هذا اللفظ في "المدونة" من روايات كثيرة، وليست في كتبنا ولا عند شيوخنا.
وقد نقلها ابن أبي زمنين وغيره 4 وقال: لم يرو ابن وضاح: ومن ادعى منهما قبض الطعام في موضع دفع الدراهم كان القول قوله 5 وبه تتم المسألة.
ورواه غيره.
قال القاضي: لعل سحنون 6 طرحها آخراً لأنه لا يقول بذلك.
ومذهبه أن القول قول المسلم إليه وإن ادعى صاحبه القبض بموضع دفع رأس المال 7.
وقوله 8 في مسألة الجارية المختلف في ثمنها: "له نماؤها وعليه نقصانها يوم قبضها، لأنه كان ضامناً لها".
ذهب أبو محمد وغيره أن معنى يوم قبضها يوم ابتاعها، لأن شراءه كان صحيحاً، ومن يومئذ ضمنها.
وقال ابن شبلون وابن الكاتب: بل إنما يضمنها كما قال يوم القبض، وجعلا بيع الاختلاف في جنس الثمن كالبيع الفاسد.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: معناه أنها مما يتواضع، فضمانه إياها يوم القبض، وهو يوم خروجها من المواضعة.
ولو كانت في عظم دمها فيكون أيضاً يوم القبض، فلذلك لم يقل يوم العقد.
قالوا: والقيمة ها هنا بالعين لا بما 1 ادعاه المشتري من شرائها بالعرض.
وهذا ظاهر الكتاب لقوله 2: "كانت قيمة الجارية على المشتري" بعد ذكره مسألة الخلاف في السلم في الحمص والعدس أنهما يتحالفان ويترادَّان.
قال: فلما رد مالك الثمن وفسخ البيع بينهما ولم يكن فوات الزمان/ [خ 284] تصديقاً لقول البائع كانت الجارية كذلك ولم يقبل قول واحد منهما، وجعلت القيمة كأنها ذهب.
قال سحنون: هذا أصح ويرد قوله في "المختلطة".
قال فضل: الذي هنا أصح مما في كتاب 3 المصريين، يعني "الأسدية"، لأ 4 قال في كتبهم 5 في كراء الدور: عليه كراء المثل من النوع الذي ادعاه المكتري.
وقد أصلحه في "المدونة".
والحِمِّص 6، بكسر الميم وتشديدها 7 / [ز 238].
وشركة عِنان 1، بكسر العين.
كذا ضبطناه، وهذا هو المعروف.
وحكى بعضهم فيه الفتح 2، ووجدته في بعض كتب اللغة كذلك ولم أروه.
ولم يعرفها مالك في غير هذا الموضع.
ومعنى ذلك أنه لم يعرف استعمال هذا اللفظ ببلدهم.
وقد اختلف في تفسيرها واشتقاقها:
ففسرها سحنون أنه الشريك المخصوص ليس المفاوض 3 في كل شيء.
وقال القاضي أبو محمد بن نصر والقاضي أبو الحسن بن القصار وغيرهما في معانيها وما قيل في اشتقاق اسمها وجوها كثيرة:
منها أنها أخذت من عناني الفرسين إذا سارا 4 الفارسان بهما معاً، لاستواء هذين في المال المتشارك فيه وربحه.
وقيل: بل من عنان الفرس نفسه لاعتدال طرفيه واستوائهما، وأن أحدهما لا يزيد على الآخر.
وقيل: بل هو من الظهور، ومعناه شركة ظاهرة، ومنه: عنَّ لي الشيء: إذا ظهر.
وهذه الشركة تظهر في شيء دون غيره بخلاف المفاوضة.
وفي كتاب "العين": شركة العنان شركة في شيء خاص 5، كأنه عن؛ يقال: اعتن لنا ما عند القوم، أي اعلم خبرهم 6. وعنان السماء ما بدا منها.
وقيل: سميت بذلك لأن الفارس يمسك بيديه إحدى 1 عناني الفرس ويرسل الأخرى، يتصرف فيها كيف شاء، وكذلك هنا 2 يتصرف في بقية ماله كيف شاء.
وقيل: بل من منع الفرس بالعنان عن التصرف، كذلك هذا يمنع 3 مما شارك 4 فيه.
قال ابن القصار: وقال بعض أصحابنا: شركة العنان هو أن يشتركا في شيء بعينه على ألا يبيع أحدهما إلا بإذن شريكه، فكأن كل واحد منهما ممسك عنانه من صاحبه أو بعنان صاحبه عن التصرف بغير إذنه.
فعلى الاشتقاق من عنان الدابة يكون بالكسر على المشهور، وعلى أنه من الظهور ومن عنان السحاب يكون بالفتح.
ومسألة منعه إسلام المأمور 5 إلى ابنه الصغير ويتيمه، قال ابن وضاح: أمر سحنون بطرحها، وقال: ذلك جائز لأن العهدة في أموالهما.
وقوله 6: "لا ينبغي للمسلم أن يمنع عبده النصراني أن يشرب الخمر ويأكل الخنزير ويأتي الكنيسة أو يبيع الخمر أو يبتاعها"، ظاهره اللزوم له والوجوب وأنه ليس له منعه، لأن ذلك من دينهم، ولأنه حق للعبد بدخول 7 سيده في ملكه على ما يلزمه في دينه، كما قال في الزوجة في
"المدونة" 1. وقيل: بل معناه الإباحة أي إنه مباح له أن يتركه لذلك، وإن شاء حجر عليه.
ونحوه في كتاب محمد في منع الزوجة من ذلك، إذ ليس من دينها شرب الخمر وأكل الخنزير، وإنما هو مباح لها.
ولأنها دخلت في زواجه على حكم الإسلام، وهو يقبلها ويضاجعها، / [خ 285] فهو حكم 2 بين مسلم ونصراني يحكم فيه بحكم الإسلام، وأما الذي هو من دينها فلا يمنعها منه، كالصوم وأن تأتي الكنيسة فَرْطاً 3.
وقوله 4: وأن يبيع الخمر أو يبتاعها مع قوله قبل: "لا ينبغي له" إذا كان على القول بالوجوب فاختلف فيه؛ فقيل: لعل المراد بعبده هنا مكاتبه، إذ لا حجة عليه في تجارته وبيعه وشرائه والتحجير عليه.
وقيل: لعله في مأذون له فلس وعنده خمر، فقد تعلق بهذا حق للغرماء فليس لسيده منعه من بيعها.
وقيل: هو في عبد أذن له سيده أن يتجر بمال نفسه.
وقيل: بل هو فيما يحتاج إليه من قوته والمعاوضة فيه 5. وقيل: بل فيما تركه له السيد من ماله يوسع له/ [ز 239] به عليه فيشتري من ذلك 6 ما أحب لنفسه.
وانظر في النكاح الثالث والسلم الثالث.
وقوله 7: إذا وكل الوكيل على السلم غيره قال: "أراه غير جائز"، حمله بعضهم على ظاهره أنه غير ماض وأن للآمر أن يفسخ ذلك بكل حال إذا شاء، وله إجازته والرضى به، وعليه حمل قول سحنون.
وهو ظاهر بين
في "الواضحة" عن ابن القاسم عن مالك.
ولأصبغ وغيره إذا فعل وكيله مثل فعله في النظر والصحة لزمه، وإن كان بخلاف ذلك لم يلزمه ولا جاز له الرضى به.
وقال بعض شيوخنا: إن كان الرجل ممن لا يليه لشرفه مشهوراً بذلك إنما يولي غيره لزم الآمر، وليس يقبل دعواه جهله بحاله لشهرته.
وإن كان ممن مثله لا يليه ولم يكن مشهوراً بذلك ولم يعلم الآمر بذلك لزمه، وهو متعد لأن رضاه بالتوكيل إلزامه لنفسه ذلك حتى يعلم به الآمر.
ومنهم من حمل قوله في الكتاب "أراه غير جائز" على رضى الآمر بما فعل وكيل موكله الذي له السلم؛ إذ بتعديه صار الثمن دينا عليه للآمر، فلا يفسخه في سلم الوكيل الثاني إلا أن يكون قد حل وقبضه فيجوز لسلامته من الدين بالدين.
وقوله 1: "إذا وكلت رجلاً يبيع لي طعاماً أو سلعة فباعها بطعام أو عرض"، قيل معنى المسألة نجاع الطعام بالعرض أو العرض بطعام، وأما لو باع الطعام بالطعام لم يصح جوابه بقوله: "وإن شاء الآمر أن يقبض ثمن ما باع به إن كان عرضاً أو طعاماً"، لأنه كان يصير طعاماً بطعام فيه خيار.
وحمل بعض القرويين المسألة على وجهها وأنه جائز أن يقبض 2 ما اشترى ويجيز فعله ولم يعتبر الخيار.
وهذا أيضاً 3 مختلف فيه.
وقد مضى مثله 4 في الصرف في بائع الحنطة الوديعة بتمر مما تقف عليه إن شاء الله.
وإلى هذا نحا [يحيى] 5
في كتاب محمد في مسألة الوديعة في الصرف وسنذكرها 1. ونحا كثير من الشيوخ القرويين أن مذهب "المدونة" خلاف لما [في] 2 كتاب محمد وأن المسألة على وجهها باع طعاما بطعام.
ويتأول بعضهم المسألة أنه باعها لربها مضمرا لذلك ولم يعقده مع الآخر.
ولأشهب في كتاب محمد فيمن استودع طعاما فاشترى به تمرا قال أشهب: إن اشتراه لرب الوديعة لم يجز لكونه طعاما بطعام فيه خيار، وإن كان لنفسه جاز لرب الوديعة الرضى.
قال أبو عمران: ظاهره الخلاف وهذا يدل أن قول أشهب هناك لا يقوله ابن القاسم، وليس بتفسير له على ما ذهب إليه بعضهم، لأن الوكيل هنا إنما اشترى لرب/ [خ 286] الطعام، وإذا حملت المسألة على ما تقدم ذهب الاعتراض وصارت مسألتين.
وقد بينا المسألة في كتاب الصرف.
وقوله 3 في الذي أسلم في بساط الشعر: "وليس للآمر على البائع قليل ولا كثير" قال بعض الأندلسيين: دليل قوله هذا لا سبيل للآمر إلى الدراهم وإن أقر المسلم إليه أنها دراهمه أو قامت بينة بذلك 4. قال فضل: إذا علم البائع أنها من دراهم الآمر كيف لا يتبعه! قال ابن أبي زمنين: في لفظ الكتاب نظر، يعني قوله: "وليس للآمر على البائع"، ونحا إلى ما قاله فضل.
ويأتي على أصولهم إذا نص عليها المأمور عند عقد البيع أن لربها أخذها.
وصوبه ابن محرز قال: ولا ينفسخ السلم ويرجع.
ويغرمها المأمور للمسلم إليه/ [ز240] إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع السلم إن كان
مما يباع، وإن كان مما لا يباع كالطعام نقض لتأخر رأس مال السلم [فيه] 1، ولِحَق الذي له السلعة.
ووقع في رواية الدباغ أن العرض يباع مع قيام العرض المتعدى فيه، فإن كان فيه وفاء أخذه الآمر، وإن كان فيه نقصان ضمنه المأمور.
وطرحه سحنون في أكثر الروايات، وليس عندنا في "الأم".
قال جماعة من الشيوخ: ومعناه منصوص في الأمهات - كتاب محمد وغيره - وإن كان العرض المتعدى فيه قائماً 2 فالصواب ألا يباع، لأنه يمكنه أخذه ورد البيع.
ومسألة 3 الذي أمره أن يشتري له سلعة فاشتراها بعرض أو بشيء سوى العين إن ذلك لا يجوز على الآمر وإن شاء أن يدفع ما اشتراها به وأخذها.
ظاهره أنه يعطيه مثل العرض لا قيمته، كأنه قرض أقرضه إياه، قاله فضل؛ قال: وقد رأيته لسحنون كالمكيل والموزون.
وفي "اختصار الأسدية" لابن أبي الغمر 4: إنه يرجع بقيمة العرض.
وهذا إنما يكون إذا كان بقيمة السلعة فأدنى 5.
وقوله 6 في الذي أمره ببيعها بثمن إلى أجل، فباعها بالنقد: إن عليه القيمة سمى له أو لم يسم، إلا أن يكون ما باع به السلعة أكثر من القيمة نقداً فذلك لرب السلعة.
ظاهره أنه باعها بالنقد بمثل ما سمى له إلى أجل.
وإليه نحا ابن التبان 1. وقيل: معناه أنه كان جهل ثمن سلعته، أو إنما حد له أقل من الثمن وقال له: اجتهد في الزيادة 2. وقال أبو محمد: معناه باعها بالنقد بأقل مما سمى له، ولو باعها بما سمى لم تكن له حجة.
وقيل: إنما يكون له حجة ونقض فعله إذا كان ما سمي له غير العين، لرغبته في بقائه في الذمة بخلاف العين، وقاله التونسي.
وقوله 3 في اختلاف الآمر والمأمور في ثمن السلعة: القول قول الآمر إن لم تفت.
قال ابن القاسم في "تفسير" يحيى: الفوات هنا ذهاب العين، ولا يفيتها نقص ولا زيادة ولا عتق ولا غيره.
ومثله في الوكالات.
وقال في "سماع" عيسى: هو اختلاف الأسواق.
وقوله 4 فيمن أسلم في طعام وأخذ به رهنا فهلك لم يصلح أن يقاصه بقيمته من سلمه.
(ثم) 5 قال 6: "قلت: وكذلك إن حل الأجل لم يصلح أيضاً أن تقاصه بما صار له عليك من قيمة الرهن"، كذا في كتابي وعليه اختصرها أبو محمد وابن أبي زمنين وغيرهما 7 وسووا بين حلول الأجل وقبل حلوله.
وذكر ابن وضاح أن سحنون طرح المسألة إن كانت بعد حلول الأجل، قال: ولم يقرأه لنا.
وقوله 8 في الذي أسلم في طعام فرهنه مثله: / [خ 287] إن ذلك
جائز.
تأول ابن الكاتب منها 1 وتشبيهِها بجواز رهن 2 الدنانير إذا ختما عليها أن مذهب الكتاب جواز رهن مثل رأس المال في السلم من الذهب والفضة.
وخالفه في ذلك غيره وقال: لا يجوز لأن الدفع لرأس.
المال كأنه ما حصل، وإن مسألة الكتاب إنما هي في تشبيه الطعام بالعين في الرهن في أنهما لا يعرفان 3 إذا غيب عليهما.
وقوله في الكفيل/ [ز 241] يصالح مما ضمن 4: "إن كان باع الكفيل إياها بيعاً والذي عليه الدنانير 5 حاضر فلا بأس به"، كذا في كتابي، وعلى هذا اختصره ابن أبي زمنين وغير واحد.
واختصره أبو محمد وغيره 6 بزيادة "مقر" مع حاضر.
وكذلك في رواية العسال 7. وكذا في كتاب القسمة والصلح.
وكان أبو محمد اللوبي يقول: لا حاجة لهذه اللفظة في هذا الموضع، لأنه إنما يحتاج إلى إقراره فيما بيع عليه خوفا من جحوده فتقع الخصومة فيه، والحميل هنا غارم بكل حال أقر أو جحد.
وذهب غيره إلى تصويب إثبات إقراره، لأنه قد ينكره فيؤدي إلى الخصومة فيه، فيكون شراء ما فيه خصومة.
وقال بعضهم: إنما يحتاج إلى حضور الغريم إذا لم يحل الدين، فأما إذا حل فلا يحتاج، لأن الكفيل مطلوب بما تكفل به.
وفي هذا تنازع من 8 المتأخرين، ومنهم من منعه إذا غاب بكل حال.
وقوله 9 في مصالحته عن الغريم بعرض: "يجوز، لأنه كأنه قضاه
دنانير 1، لأن ذلك يرجع إلى قيمة الذي عليه إن كان دنانير".
قيل: معناه مثل الذي عليه، قاله ابن لبابة.
وفي نسخة: لأنه يرجع إلى جنس الذي (عليه) 2.
وقوله 3 بعد هذا: "وإن كان الذي عليه عرضاً أو حيواناً فلا خير فيه"، يريد: لتخيير الغريم في أداء ما عليه أو العرض الذي دفع عنه، بخلاف إذا دفع ما يرجع إلى القيمة وعليه دنانير، إذ ليس هناك تخيير، إنما يدفع دنانير.
قال فضل: إنما له الخيار هنا في نوع واحد في أن يدفع أقل الأمرين.
قال القاضي: وليس هذا بخيار هو إنما يدفع أبداً الأقل، إذ عليه دفع ما كان عليه إلا أن يكون ما دفع عنه أقل، فهو تخفيف عنه وإسقاط.
وعلى هذا اختصر أبو محمد قوله 4: "وإن كان الذي عليه عرضاً أو حيواناً فلا خير فيه" فقال: إن كان الذي عليه عرض 5 والذي دفع الكفيل عرض 6. وذهب غيره إلى أن المسألة راجعة إلى ما قبلها وأن معنى قوله: "إن كان الذي عليه عرضاً أو حيواناً"، أي إن كان الذي يطلب الكفيل الغريم بالعرض والحيوان لا بالقيمة.
ورد المسألة إلى مسألة: إذا كان على الغريم دنانير.
وغمر 7 بعضهم دفع الكفيل العرض عن الغريم وقال: هو يدفع عرضه ليرجع بما لا يدري أهو مثل ما على الغريم أو أقل من قيمته؟.
وللشيوخ عنه أجوبة معلومة في كتبنا، أَولاها قول من زعم أن هذا مقصده المعروف لا المكايسة، كهبة الثواب 1 وغير ذلك، كلها ضعيفة الوجوه.
وقوله 2: "إذا أسلم في حنطة وأخذ منه كفيلاً إنه لا يجوز أن يصالح الكفيل قبل محل الأجل بشيء إلا بمثل رأس مالك 3، تُوَلِّيه 4 تَوَلِّيه إياها أو إقالة برضى الذي عليه السلم.
فقوله: برضى، عائد إلى الإقالة لا التولية، إذ لا تحتاج التولية إلى رضى الذي عليه السلم، لكنه يحتاج إلى حضوره.
قال أبو عمران: لا بد في التولية من حضور الذي عليه السلم، اتفقوا على ذلك.
وقوله/ [خ 288] في الإقالة بعد هذا 5: "وهذا يجوز للأجنبي من الناس أن يعطي 6 ذهباً على أن أقيل الذي عليه السلم برضاه"، كذا هي في كتابي وفي أكثر النسخ.
وعليه/ [ز 242] اختصرها المختصرون.
في طرة كتاب شيخنا أبي محمد: وهذا لا يجوز، في بعض الروايات.
وكذا وقع في بعض النسخ 7.
وقوله 8 في المقيل إذا استرجع بعض رأس المال بعينه بزاً أو رقيقاً أو حيواناً أو صوفاً، قال فضل: "صوف" حرف سوء، لأنه مما لا يعرف بعينه ومن الموزون.
قال غيره: أراد ثوب صوف.
وقوله 1: إذا أسلم إليه في أرادب طعام فاستزاده بعد ذلك فزاده إلى محل أجل الطعام أو قبل ذلك أو بعد 2 فهو جائز.
اعترضها بعضهم بهدية المديان، وأجاب عنها غيره بوجوه معروفة أبينها أن هذا رغبة وسؤال من صاحب الحق.
وأما سحنون فعمزها 3 إذا كانت قبل الأجل.
قال فضل: أظنه لما رآه قبل الأجل كأنه عجل له حقه وزاده.
قال القاضي: تفسيره كأن الذي عجل له الآن هو من الحق الذي كان عليه على أن زاده قدر ذلك يوفيه توفية مع بقية السلم، فأسقط عنه الضمان مما قبض.
وهذا ليس ببين، إذ لم يعتر 4 منفعة ولا سقط عنه بالحقيقة ضمان شيء، إذ بقدر ما سقط عنه ترتب عليه في الزيادة، فانظر ذلك.
وقوله 5 في باب الإقالة وجوازها بعد تغير رأس مال السلم: "إنما قال لنا مالك في تغير البدن، ولم يقل لنا في تغير الأسواق، ولو كان عنده مثل تغير البدن في مسألتك لقاله".
ونص عليه في السلم الثالث 6 أن مالكاً أجاز الإقالة في ذلك، فحُمِل أنه لم يسمعه من مالك وبلغه عنه فيجتمع الكلامان على هذا.
أو أنه ذكر السماع حين سأله عن مسألة الكتاب الثالث ولم يذكرها هنا 7. أو يكون نسبها هناك إليه على قياس مذهبه وأصوله على نحو ماله هنا وتحرى هنا اللفظ 8.
وقول سحنون 1 في مسألة من أقال مما يوزن أو يكال بعد إتلافه، في جواب ابن القاسم: الإقالة جائزة وعليه مثله إذا علم الآخر بذلك 2. "قال سحنون: وكان عنده المثل حاضراً".
قيل: هو تفسير لقول ابن القاسم ووفاق.
وقيل: خلاف بدليل مسألة الاغتصاب بعد 3 والتزام 4 الغاصب ما أتلفه من ذلك، وسواء كان عنده حاضراً أم لا.
وقوله: وليس للشريك على شريكه حجة، يعني في الدخول عليه فيما اقتضى من رأس ماله كما فسره بعد هذا من قول مالك في الكتاب أيضاً.
وقد كثر كلام أئمتنا على هذا واختلفوا في تعليله؛ هل هو من باب الاقتضاء فمنع لعلة تفسد الإقالة، وهو مذهب الفضل بن سلمة وأبي محمد بن أبي زيد على اختلافهم 5 في العلة، وعليه تأول فضل إنكار سحنون المسألة.
وقيل: ليس من باب الاقتضاء، لأن هذا لم يقبض 6 من دينه شيئاً، بل أخذ رأس ماله، وإنما هو من باب المعروف وشبه 7 التولية.
وهو مذهب القابسي وغيره.
وقوله 8: "وإنما الحجة فيما بين شريكه وبين البائع"، حكى القاضي أبو الأصبغ عن أبي مروان بن مالك أن القرشي التيمي 9 وابن
الأصبغ الأمي 1 كانا يقولان: الحجة ها هنا/ [ز 243] هي العهدة.
وحكى مثله عن أحدهما عن ابن المكوي، قال أبو الأصبغ: / [خ 289] وأخبرني أبو مروان 2 وأبو المطرف بن سلمة 3 عن أبي بكر بن زهر 4 أن الحجة التي بين الشريك والبائع قوله له: لم يكن مذهبك في البيع من صاحبي، وإنما عقدت مع صاحبي ذلك، لتسهلا 5 علي معاملتك 6 حتى تنعقد، ثم تحله
كما فعلت.
وقال غير هؤلاء: الحجة أن يقول الشريك للبائع: لو لم نقله 1 لم يقبض 2 شيئاً إلا ودخلت فيه معه إذا 3 كان طعامنا عليك بحق واحد، وربما أفلست فلم أجد 4 ما آخذ منك، وهذا قد تخلص فلم تحسن فيما فعلت وأسأت.
ومعنى هذين الوجهين أن لهما متكلماً وملاماً لا حجة حكم وقضاء.
ومذهبه هنا في جواز الشراء على حمالة البائعين بعضهم من بعض وفي البيوع الفاسدة خلافه وأنه لا يجوز، وقد قيل: إن كان الأنصباء متساوية جاز، وهناك تمام المسألة.
ومسألة ويبة وحفنة تقدمت.