" التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة":
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أسد بن الفرات؛ قال ابن الفرضي: ورأيت بعض الكتب المقروءة عليه في تاريخ 295 هـ 1.
وممن رواها أيضاً محمَّد بن أحمد بن أبي الأصبغ الحراني: المعروف بابن أبي الأصبغ المتوفى 339 هـ، رواها عن أبي الزنباع روح بن الفرج 2.
غير أن التغيير الكبير سيأتي على يد سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني تلميذ أسد بن الفرات الذي لاحظ مع غيره من فقهاء بلده بعض الخلل العلمي والمنهجي في الكتاب، فعزم على إعادة تصحيحه، وكان قد هم أن يرحل بها إلى ابن الماجشون 3. قال سحنون: كنت أختلف إلى أسد، فسألته عن بعض تلك الكتب فأبى علي، واحتلت على كَتْبها عن بعض من كتبها عنه، ثم قلت له: إن هذا لعجز أن يكون ابن القاسم بمصر وأحتاج إلى أسد! فرحلت إليه بتلك الكتب، ووقفته عليها وقلت له: إنها قد أخذت الدنيا وكتبت عنك وسارت في الأمصار، فالواجب عليك تصفحها.
فأخذ الكتب مني ونظر إليها وتصفحها، وضرب على كثير منها، وأبدل كثيراً، فلما تمت لي انصرفت إلى إفريقية وكتب معي إلى أسد يأمره أن يرد روايته إلى روايتي.
وأتيت إلى إفريقية والناس عند أسد، فأوصلت إليه كتاب ابن القاسم، فأبى من الرجوع عن روايته، ولم يزل الرجل والرجلان والثلاثة من أهل الطلب للعلم يأتونني ويكتبون عني حتى عرفوا فضلها على كتب أسد، ومالوا إلي وتركوا أسد بن الفرات 4.
ولنلاحظ الفرق بين جواب ابن القاسم لعيسى بن دينار الذي كاتبه، فأجابه ووكله لاجتهاده، وبين رده على سحنون، ويبدو أن مكمن الفرق هو في تحمل سحنون متاعب الرحلة وشرح القضية وآثارها على مستقبل
الفقه المالكي بعد أن ذاع صيت الكتاب، وأيضاً لأن سحنون ليس وقته طالباً عادياً، قال ابن حارث: رحل سحنون إلى ابن القاسم، وقد تفقه في علم مالك فكاشف ابن القاسم عن هذه الكتب مكاشفة فقيه يفهم (1). ويكفي أن نقرأ مباحثاته ومناقشاته مع ابن القاسم في "المدونة".
فهل كان ابن القاسم فيما أعاد فيه النظر معتمداً على ما يرويه من سماعه من مالك؟ أم كان يجتهد من عنده؟ فإن كان يرجع إلى سماعه فقد كان لدى أسد نسخة من السماع، وقد أمره ابن القاسم بالرجوع إليه، وإن كان عن اجتهاد فإنه أجاز لعيسى بن دينار أن يعتمد اجتهاده وعقله في التمييز بين ما يوافق المذهب وما يخالفه.
هذا مع العلم أن هذه الفروع تتغير أحكامها من حين لآخر، وأن ابن القاسم نفسه أُثرت عنه روايات مختلفة كثيرة في الفرع الواحد (2).
ثانياً: المشكلات المنعكسة عن هذا السياق:
هكذا قام سحنون بدور حاسم في حل بعض غوامض كتاب "الأسدية" وأخرجه في حلة جديدة وفي اسم جديد هو كتاب "المدونة"، غير أن مشاكل الرواية التي نحن بصددها لم تحل، بل زادت وتعقدت! فعلى يد سحنون أعيد انتشار الكتاب في أوسع نطاق جغرافي، وتتالت رواياته واختلفت كما رأينا من قبل.
فمن الطلبة من روى الكتاب ونشره في الناس قبل أن يدخل عليه سحنون من عنده ما أدخله، مثل: محمَّد بن خالد بن12
مرتنيل القرطبي 1، وأكثرهم رواه عنه بعد أن بدأ ينظر فيه نظراً آخر بالتهذيب والتبويب، وإضافة خلاف العلماء وآراء أصحاب مالك، وتذييل أبوابه بالأحاديث والآثار 2. غير أنه لم يتم مراجعة "المدونة" على هذا النهج كما قال القاضي عياض، بل "بقيت منها بقية لم ينظر فيها ذلك النظر إلى أن توفي، فبقيت على أصلها من تأليف أسد، فسميت: بالمختلطة لاختلاط مسائلها، وليفرق ما بينها وبين ما دون منها، وهي كتب معلومة" 3.
إذا كانت هذه المشاكل تعود إلى ظروف تأليف الكتاب قبل تدوينه من قبل سحنون، فإن الراوي والقارئ له بعد هذا يصطدم بعقبات أخرى غامضة بحاجة إلى بيان.
أولاها: تدخل الإمام سحنون في نص "المدونة" وتصرفه فيه بأنواع من التصرف - مخالفاً قوانين الرواية وضوابطها في الاحتفاظ بأصل المروي - حتى يكاد يقال - بل قد قيل -: إن سحنون أحد مؤلفي الكتاب! وذلك بارز في هيكلة الكتاب وفي إعادة ترتيب مادته، وإضافة كثير من الأحاديث والآثار والآراء، وإسقاط مسائل وحروف، والإحالة على مواضيع أخرى من الكتاب.
ثم هو مستمر في هذا الإصلاح كلما بدا له ذلك.
وهذا ما يفهم من بعض الإشارات مثل ما ورد في ترجمة أحمد بن سليم القروي نزيل بجانة المتوفى 290 هـ: أنه قرأ على سحنون العرضتين جميعاً 4، وقول المؤلف في "التنبيهات": ذكروا أن سحنون كان يقرأها أحياناً، وأحياناً يتركها.
وقوله أيضاً عن ابن وضاح: قرأه لنا سحنون في بعض العرضات، وطرحه في أخرى.
ولنر الآن بعض الأمثلة من تصرفات سحنون في الكتاب كما في "التنبيهات"، وهي كثيرة:
- "وقول ابن نافع عن مالك: لا أرى بأساً أن يبارئ الخليفة عن الصغيرة إلى آخر المسألة، أنكرها سحنون، وأسقطها عند السماع، وهي ثابتة في روايتنا وكتب الأندلسيين... ".
- "ومسألة من أسلفني دراهم فاشتريت بها منه مكاني حنطة أو ثياباً... وفي الأصل: أو إلى أجل.
وهذا الحرف موقوف في كتاب "ابن عتاب".
وقال أبو محمَّد: يريد: إلى أجل؛ كآجال السلم.
وقال سحنون: هو حرف سوء، وأمر بطرحه! قال ابن وضاح: هو لأشهب.
قال بعض شيوخنا: ومن قول أشهب أدخله سحنون، وهو يجيز ذلك، وليس لمالك.
قال فضل (ابن سلمة): قرأه لنا يحيى (ابن عمر)، وما أرى سحنون طرحه إلا لأنه يرد عليه سلفه". - "... قال سحنون: هذا غلط من قول ابن القاسم".
- "... قال ابن وضاح: هي لمالك، وطرح سحنون منها اسم مالك".
- "... قال سحنون: ليست هذه الرواية صحيحة عندنا".
ولم يقف هذا التدخل في نصوص "المدونة" عند راويها ومصححها الإمام سحنون، بل تعداه إلى غيره، لا سيما من الرواة عنه كابن وضاح وابن باز، فكان بعضهم يزيد وينقص أو يقدم ويؤخر، وأمثلة هذا من التنبيهات: - "وقوله فيمن جهر فيما يسر فيه: اعليه سجدتا السهو؟ قال: نعم.
كذا في جميع أمهات شيوخنا.
وحكى ابن لبابة فيها زيادة: "بعد السلام".
قال: وقد طرحت من غير رواية، لكنها إرادته، وكذا أدخلها غير واحد على التأويل، ومن المختصرين من أدخلها على النص".
- "وألحق في آخر الكتاب في أصل ابن باز: زاد في "الأسدية"... إلى آخر المسألة.
قال إبراهيم: لم يدخلها سحنون في "المدونة"، أنا ألحقتها". - "وقعت في كتاب "الصوم" - في بعض النسخ - مسألة الصوم في كتاب "الرهون" من المختلطة فيمن نذر شهراً متتابعاً أنه يكتفي بتبييت أول ليلة منه، وكانت هذه المسألة في كتاب "ابن عتاب" بعد المسألة التي نبهنا عليها قبلها، وكتب عليها: ألحق هذه المسألة إبراهيم بن باز من كتاب "الرهون".".
- "... ولم تكن المسألتان عند ابن وضاح هنا، وصحتا هنا في كتاب "ابن عتاب" لابن باز، وهما صحيحتان في كتاب "الرهون"، ولعل ابن باز نقلهما منه إلى هنا كما فعل بمسائل من الصيام... ".
يضاف إلى هذا عدد لا يستهان به من التصحيحات والإصلاحات لابن وضاح في المضمون، وفي الرواية ورجال الحديث خاصة.
ثانيتها: اختلاف روايات "المدونة" عن سحنون اختلافات شتى، بعضها في المضامين وبعضها في الأسانيد وأسماء الرواة، وبعضها في زيادة مسائل أو كلمات أو حروف أو نقصانها.
وهذه الاختلافات أحياناً تكون فيما بين الروايات القروية مع الأندلسية، وأحياناً بين الروايات القروية في حد ذاتها، وكذا بين الأندلسية، مما يعقد طبيعة السبب وراء هذه الاختلافات هل هو راجع إلى تقدم تاريخ الرواية وتأخره؟ أو إلى ضبط الراوي وتصحيحه؟ أو إلى تدخله وإصلاحه؟ والنماذج من هذا القبيل مما عرضه القاضي عياض يعد بالعشرات، فمن ذلك: - "مسألة وقعت في بعض روايات "المدونة" في النسخ القروية، وليست في الروايات الأندلسية عندنا، ولم أروها ولا كانت في كتب شيوخنا، وقد ذكرها أبو بكر بن يونس وأبو محمَّد السوسي من "المدونة"، وكذلك نقلها ابن مغيث الطليطلي، وهي صحيحة في غير "المدونة"".
- "وقول سحنون: وروى أشهب وابن نافع إلى آخر ما ذكر في
المسألة، ثابت عند شيوخنا، وقرأه ابن وضاح.
وفي حاشية كتاب "ابن سهل": ألحقه سحنون بالمدونة ولم يكن فيها أولاً، وكذلك حديث ابن وهب عن يونس بن يزيد، وحديثه بعده عن رجال من أهل العلم، ومسألة ابن القاسم وابن وهب بعده التي ذكرنا ساقط ليحيى ولأحمد، وقرأه الدباغ".
- "ومغيرة عن الحكم عن إبراهيم: أن رجلاً من أهل السواد.
كذا في أصل كتابي عن شيوخي، وكذا لأحمد بن خالد في كتاب "ابن سهل"، وله في كتاب "ابن المرابط": عن الحكم عن إبراهيم.
وكان عنده: معمر عن أبي الحكم، وأصلحه ابن خالد: مغيرة، وعند "ابن المرابط" للإبياني والقابسي: معمر عن أبي الحكم".
ثالثتها: الخلل في البناء التركيبي للكتاب، وهذا لا يرجع إلى لغة الكتاب وحمولتها التشريعية أو إلى الركاكة الأسلوبية أو الأخطاء النحوية، فلغة "المدونة" سهلة سلسة، لكن طريقة إملائها أول مرة سبب في تسرب ألفاظ غير مقصودة، أو ربما غفل الكاتب أو طغى القلم وسبق، فكان أن أثرت هذه الأخطاء في المعنى، وحملت الكلام ما لا يقصد منه، ومثل هذا لا يساعد من أراد أن يتمسك بألفاظ الكتاب ويستنبط منها كما يستنبط من ألفاظ الشارع، وهي قضية ناقشها الفقهاء قديماً... ومن أمثلة هذا: - "وقوله في منكس التيمم: إن صلى أجزأه، ويعيد التيمم لما يستقبل، قال بعض الشيوخ: هذا حرف مستغنى عنه، إذ لا بدّ من إعادته لكل صلاة، نكسه أو لا... ".
- "... وافهم أن قوله: حتى يؤدى ويقبل، لفظ مكرر مستغنى عن بعضه، فإنه متى ودي فقد رضي وقبل".
- "... وغيره يقول: هو لفظ رمي به وجاء على غير تحصيل وقصد... ".
- "كان أبو محمَّد اللوبي يقول: لا حاجة لهذه اللفظة في هذا الموضع... ". هذه أهم التحديات التي أورثها تناقل الكتاب وروايته، وبقيت تنتظر من يواجهها حتى تصدى لها القاضي عياض بعد أن استعد لذلك وأهله تعمقه في علوم الرواية والإسناد.
المبحث الخامس: اختلاف نسخ المدونة المطبوعة
أ - طبعة دار السعادة
:
كانت مطبعة السعادة بمصر، القاهرة، هي المطبعة الأولى التي كان لها شرف إخراج هذا الكتاب سنة 1323 هـ، وكان طبعها على يد حضرة الحاج محمَّد أفندي الساسي المغربي التونسي.
يقول الشيخ سليم البشري شيخ المالكية بمصر: بحمد الله تعالى قد اطلعنا على نسخة "المدونة" رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم عن عالم المدينة: الإمام مالك بن أنس الأصبحي رضي الله تعالى عنه، التي استحضرها من المغرب الأقصى، وطبع عليها بنفقته حضرة الحاج محمَّد أفندي الساسي المغربي التونسي الشهير، فإذاً هي مظنة الصحة، والضبط، جديرة بالاعتماد عليها، والركون في إجراء الطبع والتصحيح إليها، دون سواها لقدم عهد كتابتها، وكثرة تداولها بأيدي علماء المالكية المتقدمين، ولما على هوامشها من التقارير والفوائد لبعض أكابر المالكية، كالقاضي عياض، وابن رشد، وغيرهما من الأئمة الأعلام المتقدمين، وهي مكتوبة في رق غزال بخط مغربي واضح، كتبها عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي في أجزاء كثيرة جداً، وتاريخ كتابتها سنة 476 هـ 1، وقد شهد
على طبع هذه النسخة مجموعة من العلماء الذين أشرفوا على عملية طبعها (1). وقد طبعت في ثمان مجلدات تضم ستة عشر جزءاً.
ب - طبعة دار صادر
:
هذه الطبعة مصورة عن طبعة دار السعادة إلا أنها خالية من السنة التي وقع فيها تجديد هذه الطبعة، لكن تحمل كل المواصفات التي كانت على طبعة دار السعادة، من تاريخ الطبع، إلى الذي تحفظ له حقوق الطبع، إلى الهوامش، وإلى شهادة العلماء على صحتها.
وتتكون هذه النسخة من ستة مجلدات، تضم ستة عشر جزءاً.
ج - طبعة المكتبة الخيرية - القاهرة مصر -
: طبعت "المدونة" في هذه المطبعة سنة 1324 هـ، وتقع في أربعة مجلدات لكنها خالية من ذكر النسخة التي اعتمدت في طبعها، وقد صدرت بكتاب تزيين الممالك بمناقب مالك، للعلامة جلال الدين السيوطي، وبذيله كتاب مناقب مالك للشيخ الزواوي، وبهامش نسخة "المدونة" المقدمات الممهدات لابن رشد.
د - طبعة دار الفكر - بيروت لبنان - سنة 1398 هـ / 1978 م
: وهذه الطبعة مصورة عن طبعة المكتبة الخيرية وهي في أربعة مجلدات.
هـ - طبعة المكتبة العصرية، صيدا - بيروت
: ظهرت هذه الطبعة سنة 1419 هـ، موافق 1999 م، وكان الذي تولى نشرها مكتبة نزار مصطفى الباز، وهي أول نسخة محققة من نسخ "المدونة"، وقد حققها حمدي الدمرداش محمَّد، وهي جيدة في مظهرها، إلا أنها رديئة في مخبرها، لم تف بالمقصود رغم ما صرف فيها من مجهود, لأن تحقيق كتاب كهذا يصعب أن يقوم به إنسان واحد, لأنه قد1
يمل، وقد يصعب عليه أن يعود إلى قراءة ما كتب، المرّة بعد الأخرى، ليتأكد من ذلك، وليقوم بتصحيح ما يمكن أن يكون قد أخطأ فيه.
وهذا ما وقع للمحقق، فقد ذكر من بين من اختصر "المدونة" أبا محمَّد بن أبي زيد النضري 1، والصواب: النفزي.
وقال في الزرويلي: الزويلي 2. وخصص عنوانا لسحنون وابن القاسم وأشهب قال فيه: ترجمة الإمام سحنون، والإمام ابن القاسم، والإمام أشهب.
فتحدث تحت هذا العنوان عن سحنون وحده، وترك الباقيين، وتحدث بعد سحنون عن أسد بن الفرات وهو غير مذكور في العنوان.
أما فيما يتعلق بعملية التحقيق فالمقابلة بين النسختين منعدمة في الهامش، فليس في الهامش إلا تخريج الآيات أو الأحاديث.
وقد يشير في بعض الأحيان إلى ما أضافه من نقص إذا كان في هذه النسخة أو تلك، وقد يضعه بين معقوفين، وهذه مشكلة لا يمكن أن تحل بالمقابلة, لأن النقص هو نقص في الرواية من أصلها، فيجب أن تحتفظ كل نسخة بما وجد فيها في أصلها، وإذا كان بينهما اختلاف يثبت في الهامش، وتبقى النسخة سالمة، ويستثنى من هذا الرأي الأغلاط التي يظهر بأنها أخطاء مطبعية.
ولم يشر في الهامش إلى الفروقات الكثيرة الموجودة بين النسختين اللتين اعتمد عليهما.
وتتكون هذه الطبعة من تسعة مجلدات.
- نماذج من اختلاف نسخ "المدونة":
أ - الاختلاف في التراجم:
سأقتصر على عرض بعض النماذج في الأجزاء الأخيرة من "المدونة" ولن أتطرق إلى الاختلاف الذي ذكره عياض.
وسأشير إلى نسخة دار صادر بحرف الصاد، وإلى نسخة دار الفكر بحرف الكاف.
- في ك: في أكل المسافر من الثمرة إذا طابت 4/ 4، وهو ساقط من ص.
- في ص: جداد النخل وحصاد زرع المساقاة 5/ 6، وهو ساقط من ك.
- في ك: مساقاة الثمر الذي لم يبدو صلاحه 4/ 5، وهو ساقط من ص.
- في ك: ما جاء في مساقاة الذي قد بدا صلاحه وحل بيعه.
4/ 5، وهو ساقط من ص. - في ك: مساقاة الأرض سنين على أن يغرسها ويقوم عليها.
4/ 8، وهو ساقط من ص، كما سقط منها: في المساقاة سنين. - في ص: النخل يكون بين الرجلين يساقي أحدهما الآخر ومساقاة الوصي والمديان والمريض.
5/ 16. ضم هذا العنوان في دار الفكر التراجم الآتية: - ما جاء في النخل يكون بين الرجلين فيساقي أحدهما الآخر.
- مساقاة حائط الأيتام.
- مساقاة المأذون له في التجارة.
- مساقاة نخل المديان.
- مساقاة نخل المريض.
- مساقاة الرجلين.
- في ص: في الرجل يشتري أصول النخل وفيها ثمر فتصيبها جائحة.
5/ 34. الرجل يشتري الزرع على أن يحصده ثم يشتري الأرض بعد ذلك.
5/ 35. هاتان الترجمتان سقطتا من ك. - في ك: في الذي يأمره السلطان ببيع الرهن يقول: قد قضيت
المرتهن حقه، ويقول المرتهن: لم أقبض شيئاً.
4/ 157، هذه الترجمة ساقطة من دار صادر.
وأكتفي بهذه النماذج من الاختلاف في التراجم، وهي كثيرة لا يخلو منها كتاب من كتب "المدونة"، وإنما سقنا هذا القدر للاستدلال على الاختلاف الواقع بين النسخ المطبوعة.
وقد يطرح هذا الاختلاف السؤال الآتي، وهو: هل هذه التراجم من وضع سحنون؟ أو من وضع تلامذته؟
مع انعدام التفاصيل الدقيقة للمراحل التي مر منها تأليف "المدونة" إلى أن وصلت إلى وضعها الحالي، لا يمكن إلا أن نقول: بأن هذه التراجم منها: ما كان من وضع سحنون، ومنها: ما هو من وضع تلامذته، لأن فيها تراجم تتفق عليها النسخ، وتراجم وقع فيها اختلاف، وقد تكون هذه الأخيرة من عمل التلاميذ.
ب - الاختلاف في النص بالزيادة أو النقصان:
- في ك: في الذي يقارض عبده أو أجيره، قلت: أرأيت إن استأجرت أجيراً للخدمة فدفعت إليه مالاً قراضاً أيجوز ذلك؟ قال: قد أخبرتك أن مالكاً قال: لا بأس أن يدفع الرجل إلى عبده مالاً قراضاً، فإن كان الأجير مثل العبد فذلك جائز 4/ 56 - 57. هنا انتهت المسألة في دار الفكر.
وفي دار صادر: 5/ 107: زيادة: قال سحنون: ليس الأجير مثل العبد ويدخله في الأجير فسخ دين في دين. - في ص: في المقارض يشترط على رب القراض غلاماً بعينه قال في آخر الترجمة: قال: يصلح، وقد قال الليث مثل قول مالك في اشتراط العامل على رب المال الغلام بعينه: أنه لا بأس به.
5/ 111، هنا تمت المسألة في ص. وفي ك: زيادة: قال سحنون: وقال غيره: أحب إلي أن لا يشترط
شيئاً وأن يكون القراض على سنته، فإن وقع جاز 4/ 59.
- في ك: في شهادة النساء في قتل الخطإ: قال سحنون: وكذلك تجوز شهادتهن على الاستهلال إذا بقي بدن الصبي وشهد العدول أنهم رأوه ميتاً لأن الاستهلال لا يبقى والبدن يبقى فيرى، ابن وهب: وكذلك قال ربيعة، وكذلك الشاهد الواحد شهد على رجل بالقتل لا يجوز إلا أن يكون البدن قائماً، وكذلك شهادة الصبيان إنما تجوز في القتل إذا رئي البدن، وشهد العدول أنهم رأوا بدن الصبي.
4/ 83. هنا تمت مسائل الترجمة. - في ص: في نفس الترجمة: قال سحنون: وكذلك تجوز شهادتهن على الاستهلال إذا بقي بدن الصبي وشهد العدول أنهم رأوه ميتاً لأن الاستهلال لا يبقى والبدن يبقى فيرى، وكذلك قال ربيعة في الاستهلال.
قلت: أرأيت شهادة النساء في الجراحات الخطأ أجائزة في قول مالك؟ قال: نعم.
5/ 161. هنا تمت مسائل هذه الترجمة مع ما بين النسختين من الاختلاف في الزيادة والنقصان. - في ك: في آخر ترجمة: الرجل يدير قبل الرجل حقاً بغير شاهد.
ساق سحنون في آخر هذا الباب حديثاً ثم قال في آخره: من حديث ابن وهب.
4/ 91. - وفي ص: 5/ 175. قال: من حديث ابن مهدي، وبينهما ما بينهما.
- في ك: في المفلس يقر بالدين لرجل، في آخر الترجمة: وكان ابن أبي سلمة يقول بقول مالك الأول، وقول مالك الأول إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه ولا يرهنه.
4/ 118. - وفي ص: في نفس الترجمة: وكان ابن أبي سلمة يقول: هو قول مالك الأول، إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه أو يرهنه.
5/ 229. بين النصين اختلاف واضح. - في ك: في آخر ترجمة الرجل يطلب قبل الرجل حقاً فيطلب منه
حميلاً بالخصومة: قلت: فإن قال: أعطني كفيلاً بالحق حتى أقيم بينتي ولا أريد نفساً، أيلزمه أن يعطيه كفيلاً أم لا يلزمه؟ قال: لا أرى ذلك إلا أن يقيم شاهداً، هذا ما يعرف من قوله، إلا أن يكون المدعي يدعي بينة حاضرة يرفعها من السوق، أو من بعض القبائل فأرى للسلطان أن يوقف المطلوب عنده، ويقول للطالب: مكانك أثبت ببينتك، فإن أتى بها وإلا خلى سبيله، سحنون: وهذا الأصل في كتاب "الشهادات" قد بين.
4/ 140. وهذا النص كله ساقط من دار صادر.
- في ص: في آخر ترجمة كفالة المرأة التي قد عنست.
قلت: أليس قد كان مالك مرة يقول: إذا عنست جاز أمرها؟ قال: لم أسمعه أنا قط.
5/ 283. هنا انتهت المسألة. - وفي ك: بعد هذا زيادة: ولكن وجدته في كتاب عبد الرحيم.
4/ 145. وهذه الزيادة تطرح إشكالا، أهي من كلام سحنون، أم هي من زيادة تلامذته؟ - في ص: قلت: أرأيت إن ارتهنت نصف دابة كيف يكون قبضي لها؟ قال: يقبض جميعها.
5/ 297، وهذا النص ساقط من دار الفكر.
في ص: قلت: أرأيت إن كان إنما ورث الأرض عن أخيه، فأتى رجل فادعى أنه ابن أخيه، وأثبت ذلك، وذلك في إبان الحرث، أيكون له أن يقلع الزرع ويكريه الكراء؟ 5/ 375. هنا تمت المسألة من غير أن تظفر بالجواب، وقد علق الناشر على هذا في أسفل الصفحة، بقوله: لم يذكر جواب هذا السؤال، والتمس له تقديراً.
"المدونة": 5/ 375. - وفي ك: جاءت المسألة مقرونة بجوابها فجاء النص كما يلي:
قلت: أرأيت إن كان إنما ورث الأرض عن أخيه، فأتى رجل فادعى أنه ابن أخيه، وأثبت ذلك، وذلك في إبان الحرث، أيكون له أن يقلع الزرع؟ قال: ليس أن يقلع الزرع، ولكن له الكراء.
4/ 193. ولعل هذا الاختلاف هو من الأخطاء التي يمكن أن تنتج عن النسخ، لا عن اختلاف الروايات.
- في ك: في كتاب "التدليس": ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب، قال: وإن رسول عبد الرحمن وجد الفرس حين خلع رسنها قد هلكت، فكانت من عثمان، 3/ 298.
- وفي ص: وأخبرني ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: لأنه وجد الفرس حين خلع رسنها قد هلكت، فكانت من البائع.
4/ 306، 307. - في ك: في "الصلح من جناية العمد": فكذلك القصاص، والنكاح قبض ذلك وحده لا يجوز له الأخذ بغير شيء فكذلك لا يجوز له الأخذ بالغرر، فليس المرسل لما في يديه كالآخذ.
3/ 358. - وفي ص: ينتهي النص عند قوله: فكذلك القصاص.
وباقي النص ساقط من ص. 4/ 373. في ك: في "الجعل والإجارة": وإذا قال: اعمل عليها ولكل نصف ما يكون من عملها.
3/ 391. - وفي ص: فإذا قال: اعمل عليها ولك نصف ما يكون من عملها.
4/ 411. - في ك: وقال الليث بن سعد: وإن قضى بعض غرمائه وترك بعضاً جاز له وإن رهن رهنا جاز له ذلك، ما لم يقم به غرماؤه، وكان ابن أبي سلمة يقول بقول مالك الأول، وقول مالك الأول إذا تبين فلسه، ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه ولا يرهنه.
4/ 118. - وفي ص: وقال الليث بن سعد: وإن قضى بعض غرمائه وترك بعضاً جاز له، وإن رهن رهناً جاز له ذلك، ما لم يقم به غرماؤه، وكان ابن أبي سلمة يقول: هو قول مالك الأول، إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض غرمائه، أو يرهنه.
لابن وهب 5/ 229. هناك اختلاف في آخر النص بين النصين، كما أن في ص: زيادة: لابن وهب وهذه الزيادة غالباً ما توجد في آخر الباب بعد الآثار التي يذيل
بها سحنون المسائل الفقهية.
وهذه العبارة تكتب في بعض الأحيان: لابن وهب، وفي بعضها: هذه الآثار لابن وهب، وهذه الزيادة مختصة بدار صادر.
- في ك: في كتاب "الشفعة الثاني": فيما سمعنا من قول مالك أن أهل الصلح يبيعون أرضهم ممن أحبوا بمنزلة أموالهم، ولا جزية على من اشترى ذلك منهم، لأنه لو أسلم سقطت الجزية عنه وعن أرضه، وهو يتبع بما صالح عليه.
فإنما عليه ما صالح عليه، ويبيع من أرضه ومن ماله ما شاء.
4/ 237. كذا هذا النص في ص، إلا أن في آخره: ولا يبيع.
5/ 456، وهو مخالف للنص السابق لأن ما يثبته هذا ينفيه هذا، وليس هذا بالخطأ المطبعي فيصلح بناء على سياق الكلام، وقد أشار مصحح دار صادر إلى أن هذا اللفظ جاء هكذا في الأصل 1. - في ك: قال: وسئل مالك عن رجل تزوج امرأة على امرأة له أخرى فحلف للأولى بطلاق الثانية، إن آثر الثانية عليها، ثم إنه طلق الأولى البتة.
قال: قال مالك: تطلق الثانية أيضاً لأنه حين طلق الأولى فقد آثر الثانية عليها 2. هذه المسألة ساقطة من دار صادر، وهي ليست من كتاب الشفعة.
المبحث السادس: نصوص طرحها سحنون من المدونة
تحدث القاضى عياض في كتابه "التنبيهات" عن بعض النصوص التي طرحها سحنون من "المدونة"، والتي حوق عليها، والتي علم عليها بعض الرواة، فبقيت في بعض الروايات، وسقطت من روايات أخرى، وقد ذكر عياض بعض النسخ التي سقطت منها هذه النصوص، وهذا العمل يثير عدة تساؤلات، من بينها: هل كان هذا نتيجة مقارنة بين ما نقله عن ابن القاسم، وما أخذه من مدونة أشهب؟ أم هذه نصوص كانت في المختلطة فوجد من الروايات ما يخالفها؟ وما هو موقف الفقهاء من النصوص التي ثبت أنه طرحها وهي ما زالت ثابتة في بعض النسخ؟ أو في النسخ المطبوعة الآن؟ وهل هذه النصوص التي طرحها هي التي يجب أن تطرح وحدها، أم هناك نصوص أخرى؟ ولعل هذا ما أدى بالذهبي إلى أن يشير إلى أن "المدونة" فيها أشياء هي رأي محض، قال وهو يتحدث عن "المدونة": وأصل "المدونة" أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيراً، وأسقط منها ما أسقط، ثم رتبها سحنون، وبوبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها، بل رأي محض، وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر علم عليها، وهم بإسقاطها، وتهذيب "المدونة"،
فأدركته المنية رحمه الله، فكبراء المالكية يعرفون تلك المسائل، ويقررون منها ما قدروا عليه، ويوهنون ما ضعف دليله، فهي لها أسوة بغيرها من دواوين الفقه، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب ذاك القبر - صلى الله عليه وسلم - (1).
ولم يكن هذا الطرح كله على مستوى واحد، بل هو مختلف بحسب ما يقتضيه الفهم، فتارةً يطرح نصاً كاملاً، وتارةً يطرح جملة، وتارة يطرح كلمة ويستبدلها بغيرها، إلا أن هذا الطرح ما زال مفتقراً إلى المراحل التاريخية التي مر منها، وإلى التعرف على وصفية الأصل المعتمد الذي كانت تجرى عليه هذه التغييرات.
وفي كلام عياض ما يشير إلى أن سحنون كان ينقح كتابه أثناء إقرائه لتلامذته، فكان يقابل كلام ابن القاسم في بعض الكتب من "المدونة" بكلامه في كتب منها أيضاً.
ويتجلى هذا في كلام بعض تلامذته: أسقطه في العرضة الأخيرة، قرأه في بعض العرضات، ولم يقرأه في أخرى، قرأه سحنون، لم يقرأه.
وسنعرض هذه النصوص المطروحة مع كتابة نصوص "المدونة" في بداية الكلام إذا كان النص الذي ساقه عياض ناقصاً، أو غير واضح مع بعض الإشارات إلى الفرق بين نسختي دار صادر، ودار الفكر، غير أنني لن أطيل في هذا لأنني تطرقت إليه في مواضع أخرى.
وسأعرض هذه النصوص ضمن الكتب الآتية: