كتاب الزكاة الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بنت مخاض 1، هي التي كمُلت لها سنة فحملت أمُّها، لأن الإبل سنة تحمل وسنة تربي، فأمه 2 حامل قد مخض بطنها بالجنين، أو في حكم الحامل إن لم تحمل.
فإذا كمل له سنتان وضعت أمه وأرضعت فهي لبون، وابنها المتقدم ابن لبون.
فإذا دخل في الرابعة فهو حق، والأنثى حقة، لأنهما استحقا أن يحمل عليهما واستحقا أن يطرق الذكر منهما الأنثى، واستحقت الأنثى أن تطرق وتحمل - وجاء في الكتاب 3 في الحديث: طروقة الفحل وطروقة الجمل معاً عند ابن عيسى، والجمل وحده لابن عتاب 4 -.
فإذا أكملت الرابعة ودخلت في الخامسة فهو جذع، والأنثى جذعة، وهو آخر الأسنان المأخوذة في الزكاة من الإبل.
وكلها أناثي 5 إلا ابن لبون 6 عند تعذر ابنة المخاض في خمسة وعشرين.
وقوله 1: "ابن لبون ذكر"، قيل 2: هو تأكيد كما قال تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ 3 سُودٌ﴾ 4. وقيل 5: بل فسره بقوله: ذكر؛ إذ من الحيوان ما ينطلق على ذكره وأنثاه إبن، كابن عرس وابن آوى ليرفع الإشكال.
وقال لنا 6 بعض شيوخي: بل نبه بقوله: ذكر، على العدل والتسوية بين أرباب الأموال والمساكين فيه وفي ابنة مخاض وتفهيمًا للحكمة في ذلك لسامعه بأنه 7 - وإن كان أعلى سنًّا من ابنة مخاض وأكثر لحماً - ففيه نقص 8 الذكورية، فعدل كبرُه فضلَ الأنوثية في ابنة مخاض.
وفي الأثر: "وهي 9 التي نسخ عمر بن عبد العزيز من سالم وعبد الله"، كذا لهم 10. وعند أحمد بن أبي 11 داود: وعبيد الله 12، مكان "عبد الله".
وكذلك في آخر باب زكاة الغنم: ابن شهاب عن سالم وعبد الله.
وعن 13 ابن الطلاع وأحمد بن داود: عبيد الله 14. وكذلك لأحمد في آخر باب الخلطاء 15 ..........
ولغيره: عبد الله 1.
وقوله 2: "واقترف من غنم جارك"، أي اكتسب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ 3، أي يكتسبها.
والمقترف المكتسب، وهو معنى قوله في باب الفائدة المقترفة، أي المكتسبة المستفادة.
والشَنَق 4، بفتح الشين المعجمة والنون، فسره مالك بأنه ما يزكى من الإبل بالغنم 5، وعند ابن عتاب 6: هو ما بين الفريضتين كالأوقاص 7.
ومسألة الشنق في "المدونة" 8 من رواية أشهب عن مالك، كذا عند ابن عيسى.
وعند ابن عتاب: قال سحنون: قال مالك 9.
والوقَص 10، بفتح القاف 11: ما لا زكاة فيه مما بين الفريضتين، ..
كما بين الثلاثين من البقر إلى الأربعين.
وما بين فرائض الإبل والغنم، وجمعها أوقاص.
وقال أبو عمرو 1: الوقص هو ما وجبت الغنم فيه من فرائض الصدقة في الإبل ما بين الخمس إلى العشرين 2. قال أبو عبيد: هو عندنا ما بين الفريضتين، وهو ما زاد على الخمس إلى تسع 3. وبعض الناس 4 يجعل الأوقاص 5 في البقر خاصة.
وعليه تأول بعضهم قوله في الكتاب: "ولا يكون في العقد وقص، والعقد عشرة" 6 وقال: إنما هذا في/ [خ 110] البقر خاصة، وأما في الغنم والإبل فلا.
وقال غيره: بل لعله في الإبل فيما زاد على ثلاثين ومائة صحيح 7 هذا كله أنه في الوجهين، وأن قوله هذا إنما هو فيما كثر من البقر والإبل فيما زاد على ستين من البقر وعلى مائة وثلاثين من الإبل، حيث تطرد زكاتها بالسنين المفروضين فيهما واختلاف ذلك بزيادة العقد أو نقصه، وإلا فالوقص عنده 8 كل ما بين الفريضتين.
وقد قال 9: "ليس في الأوقاص من الإبل والبقر والغنم شيء"، وذلك مختلف باختلاف النصف؛ فأقلها في الإبل أربعة، وهي ما بين خمسة
عشر وكذلك إلى خمسة 1 وعشرين، وأكثرها فيها تسعة وعشرون، وهو ما بين أحد وتسعين إلى أحد 2 وعشرين ومائة، على قول ابن القاسم بالانتقال من الحقتين إلى ثلاث بنات لبون، وعلى إحدى 3 قولي مالك في التخيير بينهما، وأما على قوله الآخر بالتمادي على الحقتين إلى تسع وعشرين، فيأتي الوقص ثمانية وثلاثين 4. وأقل أوقاص الغنم ثمانون، وهو ما بين أربعين إلى 5 أحد 6 وعشرين 7، وأكثرها مائتان إلا اثنين، وهو ما بين مائتين وواحد إلى أربعمائة.
وأقل أوقاص البقر تسعة، وأكثرها تسعة عشر، وهو ما بين أربعين إلى خمسين 8.
والإبل العوامل 9 هي التي يعمل عليها في السقي والحرث والحمل، وكذلك البقر في الحرث والسقي وشبهه.
وذوات الْعَوَار 10: ذوات 11 العيب 12، والأعور من كل شيء
المعيب 1، والكلمة العوراء: القبيحة 2. وأما العور ففي العين خاصة.
وكذلك العوار فيما حكاه بعضهم 3.
ويونس عن ابن شهاب 4 عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر، كذا عند ابن الطلاع، وعند غيره: عن سالم وعبد الله.
وحَزَرات 5، بفتح الحاء المهملة وفتح الزاي وتقديمها على الراء، كذا هي الرواية 6، وهي صحيحة.
ويقال أيضاً بتقديم الراء على الزاي، وهما صحيحان، وهي خيار الأموال.
قال (بعضهم) 7: سميت حزرة - بتقديم الزاي - لأن صاحبها يَحزرها في نفسه، والتي بتأخر 8 الزاي لأن صاحبها يُحرزها 9.
وثور بن زيد الدِيلي 10، بكسر الدال وسكون الياء، منسوب إلى بني الديل 11.
والربَّا 12، بتشديد الباء مقصور: التي وضعت، فهي تربي ولدها 13.
والأكولة 1، قال أبو عبيد: التي تُسمن لتؤكل 2. وقال السلمي 3: الأكولة الكباش وليست التي تسمن، قال: وسمعت أنها الرَّبَاعية 4، قال: وهي 5 عندي أولى ما قيل فيه 6 لقول عمر: تأخذ منهم الجذعة والثنية، الحديث 7. وقال: شَمِرٌ 8 الأكولة من الغنم: الخصي والهرمة والعاقر 9. قال ابن حبيب 10: وأما الأكيلة فالتي تؤكل.
والماخِض 11: الحامل القريبة من الوضع.
وقع في حديث زكاة البقر 1: "فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة إلى أن تبلغ سبعين"، كذا في "المدونة".
وإنما نقله سحنون من "موطأ" ابن وهب 2، وكان سقط من كتابه "إلى أن تبلغ ستين" 3، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان.
وهو صحيح في الحديث، وكذا رواه غيره عن ابن وهب 4.
وقوله 5: "عجل تابع جذع"، ورواه يحيى بن عمر وأحمد بن أبي سليمان: رايع جذع، وكذا عند ابن عتاب.
ومعنى: رايع - بياء باثنتين تحتها - أي ظاهر لكبره وخروجه عن/ [خ 111]، حد الصغار جداً.
ابن مهدي وقال مالك وسفيان 6: "إن الجواميس من البقر"، كذا عند شيخنا 7 لأكثر الرواة.
ورواه بعضهم: ابن وهب، مكان ابن مهدي.
والبُزْل 8 من الإبل، جمع بازل، وهو كالكهل من الرجال، والبازل 9 هو الذي بزل نابه أي طلع، ويقال في جمعه: بُزَّلٌ بالتشديد أيضاً 10.
وفي مسألة 1 من له من الضأن سبعون ومن المعز ستون، كذا لابن وضاح وسائر الرواة، وعليه يصح الجواب.
وعند ابن باز: ستون فيهما، وهو وهم.
وقوله 2: "فانظر فإن كان للرجل ضأن ومعز، فإن كان في كل واحد إذا فرقت ما تجب فيه الزكاة أخذ من كل واحدة" 3. ذهب بعض المشايخ إلى أن قوله هذا مخالف لأصله في الباب من 4 مراعاة الأكثر مع حساب الوقص، وعلى أن الوقص غير مزكى مع النصاب، وذلك أن يكون أحد الجنسين وقصاً للآخر.
وأن 5 الآخر الأكثر بنفسه لو انفرد لوجبت فيه الزكاة كلها ولم يؤثر فيه الصنف الآخر بزيادة، لكنه لو انفرد هو أيضاً كانت فيه زكاة.
ومثاله أن يكون للرجل مائة وأحد وعشرون ضأنية وأربعون معزة، فعلى ظاهر مذهبه وقوله في مسائله في الكتاب يخرج الشاتين من الضأن؛ لأنه يبقى له بعد أربعين منها ما هو أكثر من الأربعين التي هو من المعز.
وعليه قال في الكتاب 6 فيمن له ثلاثمائة ضأنية وتسعين 7 معزة: "ثلاث شياه من الضأن"، لأن اثنتين وجبت في مائة وأحد 8 وعشرين، فكان الباقي من وقص الضأن أكثر من التسعين من المعز، فلم يلتفت إلى المعز.
وقد قيل 9 في المسألة الأولى: يخرج شاة من الضأن وأخرى من
المعز؛ وذلك أنا نحسب وقص الضأن كله مزكى مع نصابه - وذلك المائة والعشرون 1 - تبقى واحدة غير مزكاة وجدنا أربعين المعز 2 أكثر منها، فأخذنا الثانية منها.
فال بعض شيوخنا 3: وهذا على مقتضى قوله: "فانظر فإن كان للرجل ضأن ومعز"، المسألة المتقدمة، فإنه عم ولم يذكر وقصاً من غيره.
قال القاضي أبو الوليد 4: وقد يحتمل أن يكون معناه إذا لم يكن الأقل وقصاً 5 للأكثر فلا يكون اضطراباً من قوله.
وهذا كله على 6 من يقول: "إن الأوقاص مزكاة" مع النصُب.
ولم يختلفوا إذا كان الجنس الآخر - وهو غير مؤثر في الزكاة، وهو الأقل - غير نصاب ألا يعتبر به في هذه المسألة كما لو كانت المعز 7 ثلاثين.
واضطرب قوله في الكتاب إذا كان الجنس الأقل مؤثرا غير وقص، كما لو كانت الضأن مائة وعشرين والمعز أربعون 8، فقال فيها 9: يأخذ شاة من هذه وشاة من هذه.
وهذا على قوله بأن وقص الضأن قد زكي مع نصابه وانفرد نصاب المعز بالزكاة.
وقال في مثلها بخلافه فيمن له ثلاثمائة وستون من الضأن وأربعون من المعز 10: تؤخذ الأربعة 11 من الضأن.
وهذا على مراعاة أن وقص الضأن غير مزكى مع نصابه، فكان أكثر من
المعز فغلبت الكثرة 1. ويجب على قوله في كل مسألة منهما 2 أن يقول في الأخرى بضد قوله فيها، فهي قولتان له مبنيتان على الأصل المذكور/ [خ 112]. وبذلك قال سحنون في المسألة الأولى من هاتين فقال 3: يخرجها 4 من الضأن، قال: لأنه إذا أخرج من الضأن شاة عن أربعين بقيت ثمانون، فهي أكثر من المعز.
فلم ير أن الوقص داخل في المزكى.
وقد رام بعض الشيوخ 5 الجمع بين قوليه بأن يكون مذهبه في الوقص أنه غير مزكى فيما زاد على الثلاثمائة لقوله 6: "فما زاد"، وأن يكون ما دون ذلك ليس بوقص بل هو مزكى لقوله: إلى عشرين ومائة وإلى مائتين، وفيه نظر.
وقد نبه سحنون 7 على الاضطراب في قوليه في هذه المسألة ومسألة: لو كانت المعز ثلاثين 8 وقال 9: مسألة الجواميس أصل ترد إليه هذه
المسألة، وتدل على أحسن من هذا، وأحال على تدبرها كأنه يرى أن قياس قوله في مسألة الجواميس وهي عشرون غير نصاب أن يأخذ من الثلاثين المعز واحدة.
قال بعضهم 1: وليست تشبه مسألة الجواميس؛ لأن ما زاد في مسألة الضأن والمعز لم ينتقل إلى فريضة أخرى، إنما هي شاة من حيث أخذت، ومسألة الجواميس فيها انتقال من مسنة إلى تبيع.
فلو أخذنا مسنة من أربعين من الجواميس عطلنا زكاة عشرين من البقر، فجمعناها فوجدناها ستين فيها تبيعان، أخرجنا واحداً من أكثرها، وهي الجواميس، ثم بقيت ثلاثون أكثرها البقر، فأخرجنا منها تبيعاً، وهذه العشرة الباقية غير وقص (وغير) 2 مزكاة باتفاق، بخلاف مسألة الأوقاص المختلف فيها.
وهذا ما 3 أصلح سحنون المسألة عليه في "المدونة" في مسألة الجواميس بقوله 4: أخذ تبيعين، من الجواميس واحد ومن البقر واحداً.
وكان في "المختلطة": أخذ تبيعين من الجواميس، لم يزد.
وإلى هذا ذهب سحنون؛ كأنه قسم البقر على الجواميس فجاء في كل ثلاثين عشرون جاموساً وعشرة من البقر، فأخرج من الأكثر.
وكان فضل بن سلمة أشار إلى أن تنبيه سحنون على مسألة الجواميس إنما هي على قوله في مسألة المائة والعشرين من الضأن والأربعين من المعز.
وخالفه غيره وتأول ما ذكرناه 5 مسألة الغنم المستهلكة 6 إذا أخذ في قيمتها غنماً، قال: "لا شيء عليه فيها" حتى يحول عليها الحول عنده.
وفي رواية العسال 7: "وقد قال عبد الرحمن: يزكى الغنم التي أخذ، وكأنه باع غنماً بغنم والثمن لغو"، وليست هذه الزيادة عند الأندلسيين ولا عند
شيخنا 1. واختصره 2: والقيمة لغو إلا أن تكون أقل من نصاب 3، وحملوا 4 المسألة على الخلاف في المستهلكة.
وعلى ذلك اختصرها أبو محمد، قال: ولابن القاسم قول ثان 5. وقال ابن القابسي: قوله: والثمن 6 يدل أن اختلاف قوله إنما هو في البيع، وهو أولى بالخلاف من الاستهلاك.
والى هذا نحا اللخمي 7 وغيره.
وقول سحنون في المسألة عند أبي محمد: "والقول الأول أحسن" 8، يشعر بأن مذهب سحنون فيها أن الخلاف في الاستهلاك.
وقد قال حمديس 9: إنما يدخل الخلاف إذا لم تفت أعيانها حتى يكون الخيار بالرضى بها أو بتضمينها فيشبه المبادلة، وأما لو فاتت الأعيان لم يدخلها خلاف.
وقال 10 في الرجل يموت وعنده دنانير قد وجبت فيها الزكاة فليس على الورثة أن يؤدوا إلا أن يتطوعوا أو يوصي/ [خ 113] بذلك الميت ولم يفرط 11، ورواية أحمد بن أبي سليمان 12: وقد فرط، ثم قال 13: "فإن
أوصى بذلك كان في رأس ماله"، ورواية أحمد بن أبي سليمان: كان ذلك في ثلث ماله مبدأ على ما سواه من الوصايا بالعتق وغيره 1، وروايته هذه مطابقة لقوله أولاً: وقد فرط، والأخرى مطابقة لقوله: ولم يفرط.
حديثا 2 النبي - عليه السلام - أحدهما: "إذا أديتُ الزكاة إلى رسولك" 3، والآخر: "أما والله لولا أن الله" 4، سقطا عند يحيى وأحمد بن داود.
وفرق في مسألة الخلطاء مرة بين المُراح والمبيت فقال: "إذا كان الدلو واحداً والمراح والراعي واحداً 5، فإن تفرقوا في المبيت" 6، وذكر
المسألة.
وجعله في مكان آخر 1 المبيت نفسه.
فقال بعضهم: يفهم منه أنه أراد المسرح.
وقال القابسي: المقيل 2. وقال أبو عمران: المراد به هناك إراحة الغنم، وهو سوقها بالعشي إلى موضع مبيتها 3، يعني ولو افترقت في دور أهلها، وإلا فحقيقة المراح أنه موضع المبيت.
قال القاضي: المُراح موضع المبيت، بضم الميم.
وقول ابن شهاب 4: "إذا أتى المصدق فما هجم عليه زكاه"، ويروى: إذا ثَنَّى المصدق، وهي رواية ابن عتاب.
وقوله 5 بعده: "ألا ترى أنها إذا ثنيت لا تكون إلا من بقية المال"، يعني جمعت زكاته سنتين، ويكون: ثَنَّى، من ذلك أيضاً، وهو أن يغيب الساعي سنة الجدب ثم يأتي في سنة ثانية فيأخد زكاة عامين.
قال أبو عبيد في قوله - عليه السلام -: "لا ثِنَى في الصدقة" 6، هو بكسر التاء، مقصور أي لا تؤخذ في السنة مرتين 7.
وقوله 8: "يشرب سيْحا"، ما يسقى بالسيْح، وهو الماء الجاري على وجه الأرض كماء العيون والأنهار 9.
والبعل 1، قيل 2: هو ما لا يحتاج إلى سقي ماء مطر ولا غيره، وإنما يشرب بعروقه من رطوبة الأرض، ويستغني بها عن غير ذلك.
والتفريق بينه وبين ما تسقيه السماء في الحديث 3 يصحح ما قلناه.
والْعَثَرِيُّ 4، بفتح العين المهملة والتاء المثلثة وكسر الراء: هو ما يسقى بماء المطر والسيول، يعثر له بعاثور، وهو مثل الساقية 5 تحفر للنخل 6 البعل لتأتي فيها مياه الأمطار إليها 7.
وما سقي بالرشاء، ممدود، أي بالدلو.
والغَرْب 8، بسكون الراء: الدلو الكبيرة 9.
والدالية 10 هي خشبة يشد بها حبل ويستقى بها 11 من نحو الخطاطير.
والزرانيق 1 والسانية: اسم الغرب وأداته، وأصله الناقة التي ترفع الغرب، وتسني به 2، هذا أصلها في اللغة، ثم استعملها الناس في آلات ترفع الماء على هيئة مخصوصة.
والخَرص 3، بفتح الخاء: فعل الخارص.
وبكسرها: الشيء المقدور فيه، يقال: خرص هذه النخلة كذا وكذا وسقاً، وقد خرصها الخارص خرصاً 4.
وكذلك الوَسق - بالفتح - فعل الرجل.
والوِسق - بالكسر - اسم الشيء المقدر.
والبلَح 5، بفتح اللام: حمل النخل قبل طيبه إذا كبر وابيض ثم اخضر إلى أن يزهو، على مذهب بعضهم، ثم يكون بُسْراً ثم رُطَباً 6. وعند آخرين البسر هو البلَح إذا اخضر، والزهو إذا اصفر أو احمر، ثم يرطب، ثم يجف فيكون تمراً.
وقوله 7 في النخل يكون بلحاً لا تزهي 8: "إن فيها الزكاة"، اعترضها فضل وقال: كيف تؤخذ الزكاة من تمر لا يُجَدُّ إلا بلحاً، ويلزم على هذا أن تؤخذ الزكاة/ [خ 114] من القصيل 9 إذا جُدَّ، قال: وقد رأيت سحنون كتب اسمه عليها، فلعله لهذا.
قال القاضي: لعل قوله: لا تزهي، لا يتم زهوها ولا ترطب ولا
تُتَمِّرُ، وأنه يبتدئ فيه الصلاح ولا يتم على ما يتم مثله ويكون 1 بلحاً كبيراً أو بسراً، ولم يرد البلح الصغير الذي هو علف، فتشبه المسألة الأخرى الذي لا يتمر ويجري 2 على الأصل.
ويكون قوله: لا يزهي، لفظ 3 لم يحقق.
وإلا معناه ما تقدم.
وإلا فالقول ما قاله فضل.
وإلى نحو هذا أشار أبو عمران أنها لا تحمر ولا تصفر، ولكنها تبقى خضراء وتدخلها الحلاوة.
وعَتاب بن أَسِيد 4، بفتح العين، وتشديد التاء باثنتين فوقها.
وأبوه بفتح الهمزة وكسر السين.
ابن وهب عن عبد الجليل بن حميد اليحصبي 5، كذا عند شيوخنا واسم أبيه حُميْد، بضم الحاء، ونسبه بضم الصاد.
وعند ابن سهل: عبد العزيز، عوض عبد الجليل.
والصحيح: عبد الجليل إن شاء الله، وهو قال 6 البخاري 7: عبد الجليل بن حميد المصري، وذكر روايته عن ابن شهاب 8.
وسهل بن حُنيف 9، بضم الحاء.
وبُسر بن سعيد 10، بضم الباء، تقدماً.
والجُعرور 1، بضم الجيم 2. وابن حُبيق 3، بضم الحاء وفتح الباء، مصغر 4. والبَرْني 5، بفتح الباء وسكون الراء: أصناف من التمر 6.
والجَرين 7 - بفتح الجيم - للتمر كالأندر للقمح، وجمعه جُرن 8، ويقال له: المربد أيضاً 9.
ومحمد بن يحيى بن حَبان 10، بفتح الحاء المهملة وباء بواحدة.
وقوله 11 في مسألة الزيتون الذي له زيت، والنخل الذي يُتَمَّر، والعنب الذي يُزَبِّب: إذا باعها صاحبها قبل عصره وتزبيبه وإتماره إن عليه إخراج ما كان يلزمه من زبيب وتمر وزيت.
وقال في مسألة الجلجلان 12: "إذا كان قوم لا يعصرونه، ذلك شأنهم، إنما يبيعونه للذين يزيِّتونه للادهان: أرجو إن أخذ من حبه أن يكون خفيفاً", أشار بعض الشيوخ الأندلسيين أنها خلاف الأولى.
وقد اختلف المذهب في المسألة الأولى، وقد قال في كتاب
محمد 1 فيها في العنب: يزكى من ثمنه.
وقياس مسألة الجلجلان عليه، لأنهم إذا لم يخرجوا زيته وأمسكوه حباً أجزأهم عنده أن يخرجوا من حبه، ولو باعوه لكان على هذا يخرجون من ثمنه.
وحكى الباجي 2 الخلاف عنه في إخراج الزيت من هذه الحبوب إذا بيعت أو من الحب.
وقد يفرق بين المسألتين: مسألة الجلجلان والمسألة الأولى، لأن الجلجلان إنما تحسب 3 زكاته زيتاً في البلاد التي عادتهم استعمال زيته وإخراجه وزرعه لذلك 4.
وقد اختلف قول مالك في حب فجل الزيت 5 وحب القرطم 6، وزريعة الكتان هل فيهما 7 زكاة لأجل زيتهما 8 أم لا 9؟ وكلامه في "المدونة" في مسألة الجلجلان على قوم عادتهم لا يعصرونه، فلم يكن لزيته
إذا اعتبار.
أو لو كان في بلاد لا يستعمل للاقتيات فيها ولا للزيت لم يكن فيه 1 زكاة على القول: إنها إنما تجب فيما يقتات ويدخر وهو غالب العيش.
أو على أنها إنما تجب من الحب فيما يختبر منه 2.
وذكر في الآثار 3: "سفيان عن الأوزاعي عن الزهري قال/ [خ 115]: في الزيتون الزكاة"، كذا هو في الأصول.
وعند ابن وضاح: سفيان والأوزاعي.
وقوله فيمن خُرص عليه فوجد أكثر 4: أحب إلي أن يؤدي زكاة ذلك لقلة إصابة الخراص اليوم.
حمله بعضهم 5 على الوجوب.
وظاهر الكتاب خلافه لقوله: أحب 6، ولتعليله بقلة إصابة الخراص، فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى إصابة الخراص ولا خطئهم 7. وقد وقع هذا لمالك مفسرا فقال في كتاب محمد 8: إذا كان الخارص من أهل البصر والأمانة فليس عليه إلا ما خرص.
وقال في "المبسوطة" 9: إن خرصه عالم فوجد أقل أو أكثر لم أر عليه في الزيادة شيئاً، كان خرصه غير عالم فليزكه.
وكذا روى ابن نافع عنه 10، وقال من رأيه 11: يؤدي ما زاد، خرصه عالم أو جاهل، لأنه حق الله.
مسألة من أدخل بيته ما جد من نخله 1 أو ضم من كرمه أو زرعه، والروايتان المنصوصتان عن مالك في الكتاب وكلامُ ابن القاسم في ذلك.
اختلف المتأولون والشارحون على حقيقة مذهب مالك في المسألة وصحيح قوله فيها؛ لأنه قال مرة: هو ضامن إذا أدخله منزله 2. ومرة قال: إذا أخرج زكاته قبل أن يأتيه المصدق فضاع فهو ضامن 3. وقال في المال: إذا لم يفرط لم يضمن 4. ثم قال: إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن 5.
فذهب بعض شيوخ القرويين إلى أنه يحتمل ألا يكون خلافاً، وأن الرواية المطلقة بالضمان ترد إلى المقيدة بإدخاله بيته، وأن ابن القاسم بزيادته الإشهاد 6 غيرُ مخالف له؛ إذ يحتمل أن يشهد ليسقط عنه الضمان ثم يأكله، وأن مقتضى قول ابن القاسم بالإشهاد سواء في الأندر أو بعد إدخاله بيته، وأن مالكاً يسوي بين أشهد أو لم يشهد.
والمخزومي يبرئه وإن لم يشهد 7. وإلى نحو هذا المأخذ نحا أبو عمران.
وحمله غيره من شيوخ الأندلسيين على أن قولي مالك مختلفان؛ أحدهما على الإطلاق متى لم يفرط لم يضمن، أدخل ذلك منزله أم لا، أشهد أم لا، كالدنانير.
والآخر: يضمن متى أدخله منزله، أشهد أم لا، وأن قول المخزومي موافق للأول، وقول ابن القاسم مخالف للقولين معاً، ويشترط الإشهاد.
وسواء ضاع عنده كله أو العشر لا ضمان عليه وإن أدخله منزله.
وإلى هذا نحا شيخنا أبو الوليد رحمه الله 8، وتردد نظره في ساعي نفسه لو ضيع ذلك هل يضمن إذا لم يدخله بيته للحرز أو لا يضمن كالدنانير؟.
ولا يختلف أنه إذا ضيع 1 أو فرط أنه ضامن، كما لا يختلف إذا أدخله للحرز والتحصين والخوف عليه في أنادره.
وقد قاله التونسي 2. وإنما يقع الاختلاف إذا لم يحقق الوجه الذي أدخله له 3 هل يصدق بدعواه الحرز أم لا يصدق؟
والحبَل 4: الحمل بالجنين، بفتح الباء.
والأَقِط 5، بفتح الهمزة وكسر القاف: جبن اللبن المخرج زبده.
قال الأجدابي 6: ويقال فيه: إِقْط، بكسر الهمزة وسكون القاف 7.
مسألة 8 إن "مات عبد رجل قبل انشقاق الفجر من ليلة الفطر"، كذا عند شيوخنا، وهو قول أكثر رواة سحنون.
وعند الدباغ: بعد انشقاق الفجر.
قال بعضهم: ولعله إصلاح من بعض من احتمل على رأيه في المسألة.
وقال أبو عمران: الصحيح: قبل.
قال القاضي: اختلفت أجوبة مالك - رحمه الله - وأصحابه في هذا الباب واضطربت مسائلهم فيه بحسب الاختلاف في الأصل ومراعاة الخلاف/ [خ 116]، وكذلك اختلف كلام الشارحين ومقاصد المتأخرين.
والتحقيق في ذلك أن الخلاف في الوقت الذي بحلوله تجب زكاة الفطر على قولين معلومين:
أحدهما بالغروب، وهي رواية أشهب 9 وقول ابن القاسم وحكايته عن
مالك في مسألة العبد المتقدمة - على الرواية الصحيحة - ومن مسألة من مات يوم الفطر 1 فأوصى بزكاة الفطر أنها من رأس المال، وإن كان إسماعيل القاضي قال في مسألة العبد الأولى: إن هذا على استحباب، وهو من قوله ميل إلى:
القول الثاني، وهي رواية مطرف وعبد الملك وابن القاسم عند 2 ابن حبيب 3 أنها تجب بطلوع الفجر.
وهو قول أكثر أصحاب مالك وكبارهم 4. وتردد أشهب من قبل نفسه في وجوبها بالغروب 5.
فعلى هاتين الروايتين تتفرع مسائل الباب، وذلك فيمن مات، أو ولد، أو أسلم، أو أيسر، أو أعسر، أو تزوج، أو طلق، أو باع عبداً، أو اشتراه، أو أعتقه، أو ورثه، أو وهب له، أو احتلم الولد، أو بني بالابنة البكر: فمن أوجبها بالغروب ألزمها من مات بعده قبل الفجر أو باع بعده عبده، أو كان موسراً ثم أعسر، أو طلق زوجته.
ولم يوجبها على من أسلم بعد الغروب، ولا على من ولد له ولد، أو بلغ، ولا على من ورث عبداً، أو وهب له، أو ابتاعه، أو أعتق، ولا على من أيسر بعد عسره.
وعلى القول الآخر لا يلتفت إلى الغروب، ويراعى طلوع الفجر في ذلك كله، فيلزم المشتري حينئذ للعبد قبل طلوع الفجر دون البائع، والمتزوج حينئذ دون الزوجة، والبالغ، والبكر المبتني بها دون أبيها، والمعتق دون سيده، ومن ولد وأسلم، والموهوب له، والوارث، والمطلقة دون الزوج، وهكذا في سائر الباب، ولا يلزم من مات حينئذ.
وقد حكيت في المسألة أقوال أخر عن أصحابنا:
قال بعضهم 1: إن حد وجوبها طلوع الشمس من يوم الفطر.
وخرج بعض المتأخرين 2 على هذا الخلاف في المسائل المذكورة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقال بعضهم: إنه لا خلاف فيمن مات بعد الفجر أن الزكاة عليه، وهو نصه في الكتاب 3.
وهذا الحق؛ إذ لم ينص أحد في هذا خلافاً، ولو كان ما قاله الأول لوجد لمتقدم أو متأخر وما أغفلوه سوى هذا القائل.
وإنما الخلاف فيما حدث ونشأ بعد الفجر هل يخرج إيجاباً - كما قال في "المدونة" 4 فيمن أسلم أو ولد - أم لا يجب، أو ينتقل بنقل الملك؟ وأما أن يسقط عمن ذكرناه رأساً فلا يوجد فيه خلاف.
وإنما الذي يجب أن يقال في هذا: هل الوقت من الغروب إلى الفجر موسع الوجوب فيمن أدركه لزمه فرضه، كمن أسلم آخر النهار أو الحائض تطهر فيه فعليهما الصلاة لما أدركا بقية وقته ولزمهما فرضه كذلك هنا، وإن كان الوجوب يتعين أول الوقت والخطاب يتحتم.
لكن لما كان الوقت موسعاً لزم من أدركه.
أو يقال: إنه غير موسع، فينقضي الوجوب بانقضائه، وعليه يأتي قوله فيمن أسلم يوم الفطر 5: إنه
يستحب له إخراج زكاة الفطر.
وقول ابن حبيب 1: إنما تجب على من أسلم قبل الفجر.
وقول ابن مسلمة: لا تجب على من ولد بعد الفجر.
فإذا قيل بالتوسعة التي قررنا 2 ففي القول تجب بالغروب أربعة/ [خ 117] أقوال: أولها إلى طلوع الفجر.
وعلى القول تجب بطلوع الفجر ثلاثة أقوال يشترك فيها مع الوجه الأول؛ يقال 3: إلى طلوع الشمس، وهي الرواية التي حكاها القاضي أبو محمد عبد الوهاب 4. أو يقال التوسعة إلى زوال الشمس على مذهب ابن الماجشون في "الثمانية" 5. أو إلى آخر النهار.
وهو ظاهر "المدونة" في مسألة يوم الفطر دون تحديد.
فعلى هذا يقع اختلاف قولي مالك 6 وغيره من أصحابه في العبد يموت ليلة الفطر قبل الفجر هل عليه فطرة أم لا؟ وفي العبد يباع يوم الفطر
هل هي على البائع إذ قد 1 وجبت عليه إما بغروب الشمس أو بطلوع الفجر، أو هي على المبتاع، إذ قد انتقل الملك إليه في وقت الوجوب، أو عليهما معاً كما حكي عن أشهب 2 وجوباً، أو على البائع وجوباً، أو على 3 المشتري استحباباً على ما قاله أشهب 4 أيضاً في مشتري العبد بعد الغروب - ويستخرج من "المدونة" من استحبابه ذلك فيمن أسلم يوم الفطر - أو على المشتري وجوباً وعلى البائع استحباباً كما ذهب إليه محمد 5. وذلك إما لتعارض الأدلة في المسألة عندهم، أو 6 مراعاة الخلاف، أو لأنه لا بعد في تزكية مال في وقت واحد على مالكين، كمن زكى ماشيته فمات أو باعها وضمها 7 من صارت إليه لنصاب فمر به الساعي من يومه ذلك الذي زكاها فيه على الأول فإنه يزكيها على الثاني.
ولا خلاف فيمن مات أو طلق أو أعسر أو أعتق أو أخرج العبد من ملكه قبل الغروب أنه لا فطرة عليه، وأنها على المطلقة والمعتق والمشتري، إلا ما وقع لأشهب 8 فيمن أسلم أن زكاة الفطر لا تلزمه حتى يلزمه صوم من 9 ....................................................................
رمضان بإسلامه قبل الفجر من آخر أيامه وحكي نحوه عن مالك 1.
كما أنه لا خلاف إذا نزلت هذه النوازل بعد الغروب من يوم الفطر أنه لا يوجبها طارئ من هذه الطوارئ لمن لم 2 تجب عليه، ولا يسقطها عمن وجبت عليه.
وقد أشار اللخمي 3 أن النهار كله وقت توسعة - وجعل 4 القول بطلوع الشمس مذهباً - ولا فرق بين المقالتين كما بيناه.
وهذا الخلاف كله مبني على معنى قوله - عليه السلام -: "فرض زكاة الفطر من رمضان" 5، هل هو لأول ما يمسى فطراً أو هو مغيب الشمس من آخره؟ ولا يعتبر هذا، إذ هو موجود في سائر الشهر، وإنما المراد الفطر الشرعي المنافي للعبادة المتقدمة من الصوم، وهو من طلوع الفجر بعده، إذ هو الوقت الذي استحب إخراجها عنده 6 - ولا يجزئ عند غيرنا إلا حينئذ ويستحب الأكل وإظهار الفطر فيه - أو يتسع وقته، لما لا يختلف فيه أنه من النهار، وذلك من حين طلوع الشمس، فإن الفطر في أيام الصوم حينئذ مجمع على تحريمه؛ إذ الخلاف فيما قبل ذلك هل هو من الليل أو من النهار؟ حتى قد اختلف السلف في جواز الأكل للصائم فيه.
وبعضهم أجاز ذلك إلى طلوع الشمس.
أو المراد الفطر المعتاد ذلك اليوم، وهو الغد إلى زوال الشمس، ولأنه الحد الذي تؤخر إليه صلاة العيد، أو الأكل سائر النهار الذي هو محل الفطر.
وإذا نظرت لما فسرناه وقررناه ارتفع عنك الإشكال واضطراب/ [خ 118] الأقوال، وعلمت موضع الخلاف في الوجوب والاستحباب وأسبابهما، والله الموفق للصواب.
ووقع 1 في بعض النسخ بعد مسألة: إذا انشق الفجر يوم الفطر فمات بعده من ألزم الرجل نفقته أن عليه صدقة الفطر، قال سحنون: وأكثر الرواة لا يرون عليه صدقة - ولم أروها ولا هي عند شيوخنا - ولا تصح، وإن ثبتت في رواية فمعناها عندي أنها راجعة لمسألة من مات عبده قبل انشقاق الفجر.
وعليه تصح، فإن مطرفاً وعبد الملك وابن القاسم وابن مسلمة يقولان 2: لا شيء عليه.
وذكر ابن مسلمة أنه مذهب مالك.
وهي على القولين المتقدمين.
وقد ذكر أبو عمران قول سحنون هذا على نحو ما تأولناه فقال: قال سحنون: وأكثر الرواة يقولون في الذي يموت قبل الفجر: إنه لا فطرة عليه 3.
وقوله في مسألة العبد يجني جناية فيها نفسه: إن صدقة الفطر على سيده 4. ذهب بعض المشايخ إلى أنها معارضة لقوله في مسألة من له عبد وعليه عبد مثله: إنه لا زكاة عليه للفطر، ومثل قول الغير هناك 5 وقول سحنون 6 لأنه بمنزلة الحب والتمر لا يُسقط زكاتَه الدينُ، ولأن نفقته عليه كما علل هنا بالنفقة.
قال القاضي: قد يفرق بينهما بفرق بين، وهو وإن جمعهما 1 النفقة والملك فليس كل من جمعه لزوم النفقة يخرج عنه زكاة الفطر كالعبد المخدم على أحد القولين 2 والصحيحِ منهما، ولا كل من جمعته النفقة والملك كالكافر 3 - على المشهور - كان خالف فيه ابن وهب، ولا تسقط بسقوط النفقة في كل حالة، فإنها تلزم على 4 المكاتب 5 في أشهر القولين 6، وإنما سقطت على 7 المديان 8 عند ابن القاسم، لأنه ليس عنده من حيث يعطيها إلا من هذا العبد المخرجة عنه وهو مستغرق بدين مثله، أو مما لا يلزمه بيعه في دينه مما لا بد له منه، كما لو كانت بيده دنانير وعليه مثلها وليس له شيء سواها لم تلزمه زكاة؛ لأن ما بيده بالحقيقة مال غيره.
وفرق ما بين هذا وبين الماشية والحب، لأن هذه زكاتها منها نفسها، فحق الزكاة فيها، كانت لمن كانت، ومسألة العبد الجاني هو مالك له حتى الآن وعنده مال من حيث يؤدي عنه.
وغير 9 ابن القاسم في المسألة الأولى إنما التفت لما كانت زكاته مخرجة من غير العين جرت مجرى غيرها، ولأن الأصل خروج الزكوات من الأموال، فاستثنى الشرع حط الزكاة عن العين بالدين، وبقي سائر الأموال على الأصل.
وقوله في الموصي 10 بزكاة الفطر المتعينة عليه: إنها تخرج من رأس المال، دليل على وجوبها، وهو قول مالك وأصحابه 11 وعامة
العلماء 1، وإنما اختلفوا هل هي واجبة بالقرآن من عام قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ 2، وهي إحدى الروايتين 3 عن مالك وقوله في "المجموعة" 4. وقيل 5: بل من قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ 6، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن المسيب، وفي معنى هذه الآية خلاف بين أهل التفسير.
وقيل 7: بل هي واجبة وفرض/ [خ 119] بإيجاب النبي - عليه السلام - وفرضه، وهي الرواية الأخرى عن مالك وقول أكثر أصحابه، وهو معنى ما رُوي عنهم أنها سنة 8. وأطلق هذا اللفظ قوم من أصحابنا 9 وتأولوا: فرض بمعنى: قدر 10. قال ابن القصار: هي فرض، والفرض في الشرع إذا ورد إنما هو بمعنى الواجب.
ولو وقع على التقدير لم يصح أن يقع هنا إلا على الواجب لقوله - عليه السلام -: "على كل حر أو عبد" 11، و"على" حرف صفة من حروف الوجوب لا التقدير، ويزيده بياناً ما خرجه الترمذي: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منادياً ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم! " 12.
مسألة المخدم 1، قوله في المخدم: زكاة الفطر على سيده الذي أخدمه، يوضح حجة الرواية الواقعة في الوصايا الأول أن نفقة العبد المخدم على الذي أَخدم - على من رواه بالفتح -، وروايتُنا فيه: أُخدم، بضم الهمزة.
وقد اختلف الرواة عن مالك في ذلك؛ فروي عنه: هي على السيد 2. وروي عنه أنها على الذي له الخدمة 3. والقولان خارجان من "المدونة".
وروي عنها أن نفقته من مال نفسه لا على واحد منها، وحكاها ابن الفخار 4. وهذا القول هو الذي ذكره أصحاب الوثائق أنها من خدمته وكسبه وما بقي للمخدم، إلا أن تكون الأيام اليسيرة فتكون النفقة على رب العبد.
وقيل 5: إن كانت كثيرة فعلى الذي له الخدمة، وإن كانت قليلة فعلى رب العبد.
وقيل: إن كان الخلاف فإنما 6 هو في الكثيرة، وأما القليلة فعلى رب العبد، وهو مذهب سحنون 7. = وقال حسن غريب.
وفي الدراية في تخريج أحاديث الهداية: 1/ 271 إنه اختلف فيه على عمرو، فقيل عنه عن النبي.
وقيل عنه: بلغني أن النبي.
وانظر حول طرق الحديث وعللها نصب الراية: 2/ 420.
مسألة القِطْنِية والتين هل يُخْرج منها زكاة الفطر؟ اختلفت روايات "المدونة" فيه 1:
فرواية الأندلسيين وكثير من القرويين 2: "قلت: فالتين؟ قال: بلغني عن مالك أنه كرهه، وأنا أرى أنه لا يجزي ادا 3 شيء من القطنية مثل اللوبيا أو شيء من هذه الأشياء الذي 4 ذكرنا أنه لا يجزئ إذا كان 5 ذلك عيش قوم".
وعلى هذا اختصرها حمديس وجمع معها التين.
وعلى أنه لا يجزئ ذلك كله اختصرها ابن أبي زمنين وابن أبي زيد 6 وغيرهما.
وهو الذي في كتاب محمد 7 في القطاني والتين.
وفي رواية جبلة وعيسى بن مسكين 8 بعد قوله في التين "لا يجزئه": "وأنا أرى كل شيء من القطنية مثل اللوبيا أو شيء من الأشياء التي ذكرنا أنه لا يجزئ إذا كان ذلك عيشاً لقوم، فلا بأس أن يؤدوا من ذلك وتجزئهم".
وكذا رواه سليمان بن سالم عن محمد بن سحنون 9 عن أبيه في المدونة.
ووقع هذا الكلام لأشهب في بعض النسخ في الروايتين جميعاً، ولم يصح في أكثر كتب شيوخنا اسم أشهب.
وأوقفه في كتاب ابن المرابط وقال: ليس للدباغ ولا للإِبَّياني.
وهو كتاب ابن عيسى، ومثله في "المبسوط" 1 و"مختصر" ابن عبد الحكم 2. ومعنى عيش قوم أي في الرخاء لا في ضرورة الشدة.
وقوله: يبعثون السعاة قُبُل الصيف 3، بضم القاف والباء، أي عند استقبال الصيف، ويقال في هذا قِبَلا، بكسر القاف وفتح الباء أيضاً.
وقوله 4: "حين 5 تطلع الثريا" أي عند الفجر، وذلك منتصف/ [خ 120] شهر أَيَّار، وهو شهر مايه.
وقيل لاثنتي عشرة ليلة تخلو منه.
وقوله 6 في البكر لها الخادم ولم يحولوا بين الزوج وبينها: إن على الزوج زكاة الفطر عن الخادم، "لأنها كانت هي وخادمتها، نفقتها 7 على الزوج حين لم يحولوا بين الزوج وبين أن يبتني بها"، ظاهره أن بنفس التمكين تلزمه النفقة.
ومعناه أنه قد دعوه للبناء كما فسره في النكاح 8، .................................................... = طبقات الخشني: 178 والرياض: 1/ 443 والمدارك: 4/ 204).
وكذا قال ابن المواز 1. وبهذا فسر هذه المسألة الشيوخ.
ولابن شهاب في النكاح 2 خلاف هذا حتى يقضي به السلطان.