كتاب السَّلَم الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
قال القاضي رحمه الله: سمي 2 ما قدم فيه رأس المال وأخر المشترى سَلَماً، لتسليمه دون عوضه في الحال.
ومنه سمي 3 سلفاً أيضاً.
والسلف ما تقدم، ومنه سلف الرجل: متقدم آبائه.
وحكى الخطابي عن عمر - وفي رواية: عن ابن عمر - 4 أنه كان يكره أن يسمى السلف سلماً ويقول: هو الإسلام إلى الله، كأنه ضن 5 بالاسم أن يمتهن 6 في غير الطاعة 7.
وقوله في الكتاب 8: "لا بأس بتسليم كبار الخيل في صغارها، وكذلك في الإبل والبقر"، كذا/ [ز 224] أجمله في الكتاب ولم ينص على كبير في صغير ولا صغير في كبير.
وقال أيضاً: لا يجوز أن يسلم الرأس في رأس دونه.
فظاهره أنه لا يجوز كبير في صغير ولا جيد في رديء حتى يختلف العدد.
ونحوه في "العتبية" من رواية عيسى 1 وأصبغ 2 عن ابن القاسم.
وإلى هذا ذهب بعضهم.
وذهب بعض الشيوخ إلى أن مذهب الكتاب جواز سلم كبير في صغير وصغيرين، وسلم صغير في كبير وكبيرين.
وهو المنصوص في كتاب ابن حبيب 3 وأحد القولين في كتاب محمد 4. وهو تأويل ابن لبابة 5 على "المدونة" وتأويل ابن محرز 6 وغيرهما.
وقد وقع لابن القاسم في "العتبية" 7 جواز سلم العبد الكبير التاجر في العبد الصغير.
ورأوا 8 أن الصغر والكبر بنفسه صنفان على مذهب الكتاب، لاختلاف الأغراض في ذلك والمنافع، ما عدا بني آدم والغنم؛ لأن المراد من الغنم اللبن واللحم، فلم تفترق في صفة زائدة إلا ما عرف من ذلك بغزر اللبن.
وقال ابن القاسم في "تفسير" يحيى: وليس هذا في الضأن، وإنما هو في المعز المعروفة بغزر اللبن، ولأن المراد من بني آدم
الخدمة إلا من فاق بتجارة من الذكور، أو بصناعة منهما أو الطبخ ونحوه/ [خ 269]، أو جمال فائق من الإناث، على ما بينه في غير الكتاب 1. ووقع في كتاب محمد 2 أيضاً أنه لا يجوز سلم كبير في صغير ولا صغير في كبير ولا كبيرين.
ومثله في "العتبية" 3 لابن القاسم في الصغير في الكبير؛ لأنه زيادة في سلف، وفي الكبير في الصغير لأنه زيادة على الضمان، وأجاز صغيراً في كبيرين وكبيراً في صغيرين.
وجعل 4 اختلاف العدد مقصوداً.
وضعف فضل وغيره هذا وصحح القول الأول.
وذكر أن قوله في العبد التاجر بالصغير يرد قوله في البهائم مع معارضة قوله في منعه واحداً بواحد من ذلك وإجازته واحداً باثنين، وكلاهما زيادة لا تجوز في السلف.
قال في "العتبية": والصغار الحولية 5 وشبهها التي لا 6 تركب، وأما الجذاع 7 المركوبة فكالكبار.
والذي عند محمد من منع جميع ذلك 8 جار على الأصل من منع الزيادة.
وقد يحتج لقوله في "العتبية" بالمنع إلا إذا اختلف العدد كقوله 9 في الكتاب 10 في البقرة القوية على الحرث في حواشي البقر 11، والسيف
القاطع بالسيفين ليسا مثله، والفرس الجواد 1 في قُرْح 2 من الخيل، فلم ينص فيها على واحد بواحد 3. وقال يحيى بن سعيد وابن المسيب 4: "إن الناقة الكريمة تباع بالقلائص 5 إلى أجل، والعبد الفاره 6 يباع بالوصفاء 7 إلى أجل، والشاة الكريمة ذات اللبن تباع بالأَعْنُق 8 من الشاء.
ولم يذكر ابن المسيب في العبد الفراهة ولا ذكر الشاة 9. فإنما أجازوا هذا كله وبيع الكبير بصغاره عند كثرة العدد في الجهة الواحدة.
وقد يجاب عن هذا أن ذات الصفات المقترنة مع الكبر هنا من الكرم وغيرها 10 لو سلمت 11 في كبير ليس بتلك الصفة لجاز، فلا تأثير لذكر صغر القلائص والوصفاء هنا.
وقد يكون هذا جواباً لمسألة ابن القاسم في العبد الذي 12 خرج فضل الخلاف منها.
لكن عند بعض الشيوخ متى لم يكن إلا واحداً بواحد - وكان الفضل مجردا من جهة واحدة - لم يجز
السلم، وهي زيادة في السلم حتى يكون فيما ليس فيه ذاك 1 الفضل معنى آخر ومنفعة أخرى.
وإلى هذا أشار اللخمي 2، فإذا كان الفرس جواداً سابقاً لم يصح عنده سلمه في فرس ليس بجواد ولا سابق حتى يكون هذا الآخر سميناً جميلاً، أو حمالاً أو هملاجاً 3 في السير، أو فحلاً للإنزاء 4، فتتعارض المنافع وتصح، وإلا فانفراد ذلك بسبقه زيادة في السلف.
ومذهب أبي محمد في الثياب واعتراضه بها بمسألة 5 الحيوان التفات إلى ما أشار إليه 6. وقد جوز في الكتاب 7 العبد التاجر في الذي ليس بتاجر/ [ز 225]، وهذا لأن الآخر يراد للخدمة ولمنفعة غير التجارة مما لا يستخدم ويمتهن فيه العبد التاجر، ولا يطيقه 8.
وقول يحيى بن سعيد 9 في العبد الفاره، على القول بأن الجمال مراعى في الرقيق.
وهو نحو ما له في الغلام الأمرد الجسيم الصبيح 10 وإجازته له بوصيفين، فجعل الجمال في الذكور والفراهية غرضاً.
وقد تكون الفراهة 11 هنا بالنجابة والتمييز 12 بالتجارة أو الصناعة وظهوره في ذلك 13.
والقلائص 1: الإناث من حواشي الإبل؛ واحدها قلوص، وليس كما قال بعض الشارحين: إنها التي لم يحمل 2 حولاً.
والأعنُق 3: الإناث من صغار المعز، واحدها عَناق.
ورواها عبد الحق العَنَق 4 - بفتح العين/ [خ 270] والنون - وصوابه بضمهما، جمع للكثير 5.
والحمر الأعرابية 6: هي حمر البادية 7.
وتسويته في الكتاب 8 بين البغال والحمير وأنهما صنف واحد، وتفريق ابن حبيب 9 بينهما وأنهما صنفان قد خرجه بعضهم 10 من تفرقتهما عنده في القسم في كتابه 11. وذهب فضل 12 إلى أنه ليس بخلاف، وإنما تكلم كل واحد على عادة بلده، وأن بينهما بالأندلس اختلاف بيِّناً وأغراض 13 مختلفة.
وفي مصر الأمر بخلافه واستعمالهم لها 14 معاً للامتطاء والحمل.
ومذهب الكتاب تسويتها 1 إياها بالحمر، وأن حكم سلم كبارها في صغارها أو صغار الحمر سواء، جار على ما تقدم من سلم الصغار في الكبار، اتفقت الأعداد أو اختلفت على الخلاف المتقدم.
وابن القاسم تأول على مالك في "العتبية" 2 فرق 3 بين تقديم البغال في صغار الحمر 4 فمنعه إلا مع اختلاف العدد؛ قال: لأن الحمر تلد البغال، وأجاز تقديم البغال.
ووهم ابن لبابة 5 ابن القاسم في هذا التأويل وزعم أن منع مالك مرة [من] 6 تقديم الحمار في صغير البغال على قوله في منع تقديم الكبير في الصغير، وأن إجازته تقديم البغل في صغير الحمر 7 على إجازته ذلك؛ إذ لا فرق عنده في الكتاب بين الحمير والبغال.
لا 8 على ما علل به ابن القاسم من ولادة الحمر البغال.
ومذهب الكتاب أن السير والحمل في الحمر غير معتبر، وأنها صنف وإن اختلفت في سيرها.
وحكاه ابن حبيب 9 عن ابن القاسم وقاله أبو
عمران 1؛ قال: لأنه جعل حمر مصر كلها صنف 2، وبعضها أسير من بعض وأحمل.
وتأول فضل 3 على "المدونة" خلافه وأنكر تأويل ابن حبيب على ابن القاسم وقال: كرهه 4 وهو يقول في "المدونة" 5: إلا أن تختلف كاختلاف الحمار النجيب بالأعرابيين.
وبمراعاة السير في الحمر واختلافها فيه قال ابن حبيب 6 وأصبغ وعيسى 7: وأنكر أبو عمران تأويل فضل.
وعُصَيْفر 8، بالعين والصاد المهملتين مصغراً.
ونِجَارها 9 أصلها، ونجار كل شيء أصله 10.
والربَذة 11، بفتح الراء والباء وعجم الذال: (موضع) 12.
وقوله 13: "لا بأس أن يسلم البقر القوية على العمل الفارهة في الحرث في حواشي البقر"، كذا في أصل كتابي.
وهي رواية القابسي.
وفي
كتاب ابن عيسى وكذا في أصل "الأسدية": البقرة، وكذا في جل الروايات 1. وقد ذهب ابن حبيب 2 إلى أن الحرث إنما يراعى في الذكور لا في الإناث.
وما في "الأسدية" يرد عليه، وهو المعروف من مذهب ابن القاسم أن الحرث مراعى في الذكور والإناث.
والعبدان الأَشْبانيان 3، بفتح الهمزة، يريد من سبي الأندلس، وكانت الأندلس قديماً تسمى أَشبانية 4، بتخفيف الياء.
وقال البلوطي 5: هو بكسر الهمزة 6. والمعروف الأول، وبه قالوا: سميت مدينة أشبيلية وأصله اسم ملك كان بها في القديم يقال له: أشبان 7. ويقال: كان اسمه أصبهان فغيرته العجم 8.
وذكر مسألة شراء العبد بالعبدين النوبيين 9، تأملها مع كراهة من كره بيعهم، وذكروا أن لهم عهداً 10. وقد قيل: لعله فيما باعوه من عبيدهم، أو
يكون لفظاً للتمثيل لا للتحقيق؛ لأنه لم يقصد في السؤال الكلام على جواز بيعهم.
ومسألة 1 سلم الجذع الكبير في الجذوع الصغار منها، عورضت المسألة بأنه يصنع من الكبير صغار.
وصوب فضل 2 منع ابن حبيب/ [ز 226] لذلك.
وذهب غيره إلى أن معنى/ [خ 271] ذلك أن الكبير لا يصلح أن يجعل على ما يصلح فيه الصغار، أو أنه لا يرجع منه صغار إلا بفساد ولا يقصده الناس.
وما في الكتاب بين لا بعد فيه ولا اعتراض يصح عليه؛ وذلك أنه قال: جذع نخل كبير وجذوع 3 نخل صغار، فظاهره الجذوع على خلقتها دون أن تدخلها صنعة، ولا يمكن أن يصير من الكبير في غلظه أجذاعاً صغاراً رقاقاً إلا بتغييرها عن خلقتها ونشرها ونجرها، وإن فعل بها ذلك لم تكن جذوعاً، وإنما تسمى جوائز 4 إلا على تجوز، فهذا معنى مسألة الكتاب عندي.
واختلاف الأغراض في الجذع الكبير والجذوع الصغار بين؛ لأن كل واحد يصرف حيث لا يصرف الآخر.
والثوب الشَّطَوي 5، بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة، منسوب = طعاماً ... فهل نشري شيئاً من رقيقهم؟ فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
قيل: فيشترى رقيقهم الذين يبعثونهم إلينا للصلح الذي بيننا وبينهم؟ قال: لا أدري ما هذا التفصيل الذي يفصل بين هذا وهذا.
وانظر رأياً قريباً من هذا للحارث بن مسكين قاضي مصر المالكي واجه به المأمون العباسي لما عزم على غزو "دهلك" - في أرتيريا اليوم - ساقه المؤلف في أثناء ترجمته له في المدارك: 4/ 34. وذكر ياقوت في المعجم: 5/ 309 أن عثمان بن عفان صالحهم على أربعمائة رأس في السنة.
إلى قرية بمصر 1.
والقَسِّي 2، بفتح القاف وتشديد السين، كذا عند بعضهم.
وفي كتابي 3 شيخينا: القيسي، بزيادة ياء، وكذا ذكره أبو عبيد 4 وقال: المحدثون يقولون: القِسِي 5. وقال أهل اللغة 6: قس: موضع تنسب إليه الثياب القسية 7. وأكثر الرواة في "الموطأ" قالوا فيه: القيسي، ومنهم من قال: القسي 8. وفي كتاب البخاري: القسية ثياب يؤتى بها من الشام أو من مصر مضلعة، فيها حرير، فيها أمثال الأترج، وأكثرهم يقول: فيها حرير، قاله في تفسير نهيه عليه السلام عن لبس القسي 9. قال الهروي: وقال بعضهم: إنما هو القزي، أبدلت الزاي سيناً، منسوب إلى القز وهو الحرير.
والزِيَقة 10، بكسر الزاي وبفتح الياء، كذا ضبطناه.
وضبطه بعضهم
بسكون الياء.
وكلها ثياب غلاظ 1.
والفُرْقُبي 2، بضم الفاء أولاً والقاف آخراً، وآخره باء بواحدة، كذا سمعناه.
وحكى فيه بعضهم أيضاً أنه قيل فيه: قرقبي، بالقاف أولاً وآخراً.
وفي "العين": القرقبية: ثياب كتان بيض، بقافين.
وذكر الخطابي الفرقبية، بالفاء أولاً، فذكر 3 في تفسيرها مثل ما تقدم نصا.
وقال: لعلها نسبت إلى فرقوب، فحذفوا الواو في النسبة.
والمحمولة 4: البر الذي 5 بالحجاز؛ سمي بذلك لأنه يحمل ويجلب إليها من الشام.
والسمراء 6: بر مصر.
والجُبْن 7، بسكون الباء، ويقال بضمها وتخفيف النون.
وجاء في الشعر بتشديد النون (أيضاً) 8.
والرَماء 9، بفتح الراء والمد وبالكسر والقصر: الربا.
والضَياع، بفتح الضاد.
التلف والهلاك.
وقوله في الكتاب 10: لأن ذلك ليس بمأمون في صغار القرى وصغار
الحيطان.
لا تأثير لذكر الصغر في الحيطان؛ إذ لا فرق بين عدم الأمن في كبارها وصغارها، وقد أسقطه بعض المختصرين.
والإبان 1، بكسر الهمزة وتَشديد الباء بواحدة: الوقت.
والجداد 2، بكسر الجيم وفتحها: قطع ثمار النخل وقطافها.
والزهو 3: ابتداء طيب تمر النخل واصفراره واحمراره، يقال منه: أزهى يزهي، وجاء في بعض روايات الحديث 4: يزهو.
وقالوا: لا يصح.
وقال أبو زيد 5: زهى، وأزهى.
ولم يعرف الأصمعي: أزهى.
وهو الزهو، بفتح الزاي.
وأهل الحجاز يضمونها 6.
والبسر 7 اخضرار لونه، وهو قبل الزهو وبعد البلح الكبير الأبيض.
وهذا مذهب أكثر أهل اللغة.
وقول () وأهل 8 يجعلون البسر بعد الزهو.
وهو الذي يستعمله الفقهاء، ويأتي في الكتاب كثيراً/ [خ 272]. ومنه قوله 9: "بعد ما أزهى وصار بسراً ويشترط أخذه رطباً أو بسراً".
قال ابن أبي زمنين:
قوله: أو صار 1 بسراً، لفظ مستغنى عنه.
وبعض المختصرين ذكره 2، وبعضهم أسقطه، كأنه ذهب إلى تناقض قوله: "وصار بسراً" مع قوله: واشترط أخذه بسراً مع قصد 3 المسألة في أخذه بعد زيادته وانتقاله.
وقد يحتمل عندي أن يرجع الكلام بعضه على بعض ولا يتناقض ويكون تقديره: بعد ما أزهى واشترط أخذه بسراً، أو بعد ما صار بسراً واشترط أخذه رطباً.
ويستقيم الكلام ويرجع كل لفظ من اللفظين الآخرين بانفراده على ما يطابقه من أحد/ [ز 227] اللفظين المتقدمين 4.
وقوله 5: "لأن الحيطان إذا أزهت فقد صارت بسراً"، مما 6 تقدم من أن البسر عنده بعد الزهو.
ومسألة السلف في قرية صغيرة بعينها، ظاهر الكتاب أنه لا يسلم فيها لمن لا ملك له فيها لقوله 7: لا يسلم فيها إلا بعد زهو الثمرة.
قال بعض الشيوخ: فلو كان يجوز السلم فيها لمن لا ملك له فيها لما شرط طيب الثمرة؛ إذ لا يشترط ذلك 8 إلا في المعين، ولما منع من شرط أخذه تمراً؛ إذ يوجد ذلك على صفته الجائزة وعند الأجل.
لكن لما شرط هذين الشرطين وسلك بهما مسلك حائط بعينه لم يجز أن يسلم فيها إلا لمن له فيها ملك يخرج قدر المسلم فيه.
ويدل على هذا أيضاً قوله في السؤال في القرية الكبيرة التي لا ينقطع منها ما سلم فيه 9: "وليس 10 له في تلك
القرية أرض ولا زرع ولا طعام"، فخص هذه المسألة بهذه الصفة.
وإلى هذا ذهب فضل وابن أبي زمنين 1 وابن محرز وغيرهم، وعللوا ذلك وجعلوه كمن باع سلعة غيره على التخليص 2.
وذهب بعض الشيوخ إلى جواز ذلك بشرط 3 إذا كان شأن أهل تلك القرية بيع ثمارهم ووجود ما اشترى منه، وأنه غالباً لا يعدم ذلك القدر فيما يبيعونه منها، فلو كان السلم 4 مستغرقاً لثمار القرية، أو لما جرت عادة أهلها ببيعها منه 5 لم يجز.
وإلى هذا نحا أبو محمد 6 بن أبي زيد.
قال ابن محرز: ولم يختلفوا أنه لا بد من تقديم رأس المال، بخلاف الحائط المعين.
قال أبو محمد: لأنه مضمون في الذمة.
وهذا على أصله، وأما على قول من يراه كالحائط بعينه فيجريه - والله أعلم - مجراه في جواز تقديم النقد وتأخيره.
وقد نحا إليه أبو عمران ولكنه قال: تقديم النقد فيه على جهة الاحتياط، قال: وإلا فحقيقته أنه كالحائط في جميع أحواله.
وذكر عبد الحق 7 عن بعض الشيوخ موافقته 8 الحائط في وجهين 9: أنه لا يسلم فيه إلا بعد الزهو.
ولا يشترط أخذه تمراً؛ إذ قد يبيع أهل القرية الصغيرة تمرهم قبل أن يتمر.
ويخالفه في وجهين 10: يسلم لمن لا
ملك له فيها.
ولا يجوز فيه تأخير رأس مال السلم.
فانظر هذا مع قول الأول: إنه إذا سلم 1 لمن لا مال له فيها 2 جاز اشتراط أخذه تمراً، إذ يوجد ذلك على الصفة عند الأجل.
وفي هذا نظر، ولو كان كما قال لم يكن بينها وبين المأمونة فرق.
وانظر حكمها إذا انقطع ثمرها 3 قبل استيفاء ما سلم فيه:
فقيل 4: تجب المحاسبة ولا يجوز البقاء إلى قابل.
وقيل 5: يجوز.
قالوا: وأما إذا أجيحت فليس إلا البقاء إلى عام قابل، فانظره/ [خ 273].
فأما الحائط بعينه فلا خلاف أنه يحاسبه بما بقي له كما نص عليه في الكتاب وفي "الواضحة"؛ لأن البيع وقع على شيء بعينه فعدم، فلا يلزم البائع إحضار غيره ولا المشتري قبوله، ولا يجوز لهما التأخير إلى قابل؛ لأنه سلم في معين قبل وجوده وطيبه.
وعبد الله بن أبي نَجيح 6، بفتح النون، عن عبد الله بن أبي كثير، كذا لإبراهيم بن محمد.
وعند ابن وضاح: ابن كثير، وكلاهما بثاء مثلثة.
وأنا 7 بعض شيوخنا أن ابن وضاح أصلحه.
وهو - إن شاء الله - الصواب، وكذا قاله البخاري في "التاريخ" 8 و"الصحيح"، وخرج في "الصحيح" عن ابن
أبي نجيح عنه في كتاب السلم 1. وهو قرشي مكي.
قال ابن أبي زمنين: ابن أبي كثير غلط، وهو ابن كثير القارئ 2، كذا رأيته لكثير من أهل البصر بالحديث.
قال القاضي الباجي: ليس هو ابن كثير القارئ.
قال القاضي رحمه الله: ابن كثير القارئ مكي أيضاً، لكنه مولى بني 3 كنانة، وأصله فارسي 4.
وقوله 5: "في الذي أسلم في حائط بعد ما أرطب، أو زرع بعد ما أفرك واشترط أخذ ذلك تمراً أو حنطة، وأخذ ذلك وفات.
قال: ليس (أخذه) 6 من الحرام البين الذي أفسخه إذا فات، ولكني أكره أن يعمل به، فإذا عمل به وفات فلا أرد ذلك".
اختلف في تأويل الفوات هنا لاحتماله:
فمذهب أبي محمد أنه القبض، وعليه اختصره.
ويدل عليه قوله في السؤال: وأخذ ذلك وفات.
ومثله في كتاب ابن حبيب.
وذهب غير أبي محمد إلى أن الفوات هنا بالعقد، ويدل عليه قوله في
الكتاب: / [ز 228] "أكره أن يعمل به، فإذا عمل به وفات فلا أرد ذلك"، وذكر الأخذ إنما جاء في السؤال.
وهو المنصوص في كتاب محمد لأشهب 1، ومثله لابن وهب 2. زاد في كتاب محمد: وكذلك لو أسلم فيه حين أزهى واشترط قبضه تمراً 3. وسوى أبو محمد في الجواب على مذهب الكتاب بين السؤالين وقال: إنما نكره 4 ذلك [كله] 5 بدءاً، فإذا نزل مضى وفات، يعني بالقبض على أصله.
وذهب ابن شبلون إلى التفريق بينهما على مذهب الكتاب وقال في مسألة الزهو: يفسخ بكل حال، بخلاف مسألة إذا أرطب، فهي التي تمضي بالفوات.
ومسألة الثمرة 6 التي لها إبان.
تحصيل ما في الكتاب من الخلاف فيها:
قال: "كان مالك مرة يقول: ليتأخر 7 الذي له السلم إلى إبانها من السنة المقبلة"، هذا قول 8، ولا تجوز له المحاسبة، وهو قول سحنون 9. والعلة لهذا الدينُ بالدين، لأنه وجبت له بقية رأس ماله، فيفسخها في ثمرة لقابل.
وقيل: بل هو لعدم الثمرة كالمعسر، ينظر - كما قال الله - لميسرة 10، وهو وجود الثمرة.
"ثم رجع فقال 1: لا بأس أن يأخذ بقية رأس ماله"، ومعناه ما تفسرت به المسألة بعد هذا أنه من دعا منهما إلى "التأخر 2 فذلك له، إلا أن يجتمعا على المحاسبة"، وأن الواجب 3 له الثمرة والصبر إلى وجودها، وإنما أخذ المال [له] 4 رخصة لا يلزم إلا برضاهما، فلم يدخله الدين بالدين.
ولم يجوزوا إذا حاسبه أن يؤخره، لأن هذا من الدين بالدين، لأن الواجب له فاكهة، فأخذ عنها ما لم يتعجله.
وهذا القول الثاني لمالك، فهما متفقان على أن الحكم التأخير مختلفان في أن الأول لا يجيز 5 المحاسبة والثاني يجيزها 6. هذا هو تأويل جميعهم أنهما قولان إلا ابن حبيب 7، فقد ذهب/ [خ 274] إلى أن الثاني مفسر للأول.
وقد نبه فضل على خلافه، وكونهما قولان 8 أبين وأصح 9.
القول الثالث لابن القاسم بإثر قول مالك، وهو قوله 10: "وأنا أرى أنه إن شاء أن يؤخره على الذي عليه السلف إلى قابل، فذلك له".
وهنا انتهى قوله عند بعضهم، وأن المسلم مخير في التأخير أو المحاسبة دون صاحبه.
وهو نص له في كتاب محمد 11. وما جاء في الكتاب بعد من
قوله 1: "ومن طلب التأخير منهما فذلك له" إلى آخر الكلام، ليس من كلام ابن القاسم، إنما هو من كلام سحنون تفسيراً لأحد قولي مالك المتقدم 2. إلى هذا ذهب بعضهم 3، وهو الذي رجح شيخنا أبو الوليد 4 وذكر أن في رواية بعض الشيوخ أول الكلام 5: "قال سحنون: ومن طلب التأخير"، واستدل بمناقضة هذا لأول الكلام المتقدم لابن القاسم في التخيير للمسلم.
والذي ذهب إليه فضل بن سلمة 6 وغيره - وعليه اختصر أبو محمد وسائر المختصرين 7 - أن الكلام كله لابن القاسم وأنه مذهبه في الكتاب، كأحد قولي مالك، فهذه ثلاثة أقوال في الكتاب.
القول الرابع: التفريق بين أن يكون قبض أكثر السلم، فيجوز له أن يؤخره إلى قابل، أو إنما قبض أقله، فلا يجوز له التأخير، وليس إلا المحاسبة، حكاه ابن يونس 8 عن مالك 9. وهذا لا وجه له، ولو كان بالعكس كان أشبه في النظر والقياس وأسعد بلفظ الكتاب لقوله 10: "لا بأس أن يأخذ بقية رأس ماله"، فدل أنه قبض بعض سلعته، وأن التأخير هو الواجب مع القبض لئلا يتهما ببيع وسلف 11. ولهذا منع في القول الأول من المحاسبة وأجازها في الثاني، لأن انقطاع الثمرة ترفع 12 التهمة.
فعلى
هذا يكون إجازة المحاسبة إذا لم يقبض، إذ لا تهمة، ومنْعُها إذا قبض أولى فانظره.
القول الخامس: قول أشهب 1: إن الواجب المحاسبة 2 ولا يجوز التأخير.
القول السادس: قول أصبغ 3: إن الواجب المحاسبة إلا أن يجتمعا على التأخير.
وقوله 4: "إن سلم في تمر برني 5 ولم يقل جيداً ولا ردياً، هو فاسد حتى يوصف".
ثم قال في الباب في الطعام 6: "ويصفا / [ز 229] جودتها".
ونحوه في أول السلم الثاني وفي آخره 7. وفي باب الثياب 8: "ما أعرف جيداً، إنما السلم على الصفة".
فكان بعض قدماء مشايخنا الأندلسيين 9 يذهب إلى الفرق بين الكلامين ويحمل الكلام على ظاهره
ويقول: إن الطعام لا بد من قوله فيه بجيد 1، ولا يلزم ذلك في غيره.
وهذا وهم وتقصير، وإنما معنى ذلك أنه لا بد في الطعام وغيره من وصف يحيط به من جودته أو رداءته وجنسه وتقديره وغير ذلك من أوصافه، وأنه لا يكتفى في السلم بالاقتصار على ذكر الجودة أو الفراهة فقط.
وهو أبين 2، وعليه بنى أئمتنا مذهبهم، وهو الذي فسروا به قوله في الكتاب وغيره، وكذلك فسره أشهب في مسألة الفدادين.
قوله 3 في "من سلم في صفقة واحدة في حنطة وشعير وقِطنية وثياب ورقيق ودواب: لا بأس به".
قال بعض الشيوخ: هذا يدل على جواز جمع المكيل والموزون مع الجزاف في صفقة.
ومثله في الصرف 4. وقد اختلف قول مالك فيه في كتاب محمد 5.
وقوله 6 في القصيل 7: إن اشترط من ذلك جُرزاً، كذا رويناه، بضم الجيم والراء، وفتح الراء أيضاً، وآخره زاي.
ورواه بعضهم جززاً، بكسر الجيم 8 وبالزاي/ [خ 275] المعجمة فيهما.
قال أبو عبد الله بن عتاب: الأول أصوب، وهي القُبَض 9، ولا يختلف.
وأما الجزة فتختلف في الخفة والالتفاف 10.
قال القاضي 1 رحمه الله: قال بعد في الفدادين 2: أيجوز أن يشترط فدادين معروفة طولها وعرضها فيسلف في كذا وكذا فدانا من نوع كذا من البقول أو القصيل؟، قال: لا يصلح أن يشترط فدادين، لأن ذلك يختلف، منه الجيد ومنه الرديء"، ثم قال 3: "ولا يحاط بصفته ولا معرفة طوله وصفاقته"، فتعليله بهذا يدل أنها فدادين غير معينة.
وإنما وصف أقدارها وصفتها خلاف ما ذهب إليه بعض الشارحين لتعليله بأنها معينة، ويحتج بقوله: معروفة.
ويدل على هذا تجويز أشهب السلم في الفدادين إذا وصفها.
وقوله 4: "ومن لم يجزه، لأن الوسط منه مختلف، والجيد مختلف لزمه في الحبوب"، وأشهب وغيره لا يجيز السلم في معين، وإنما أراد أشهب في قصيل فدادين مقدرة غير معينة موصوفة الصفاقة والنبات 5، خلاف ما تأوله عليه أكثرهم.
وذهب بعضهم إلى إلزام ابن القاسم قول أشهب وتجويزه في المعين من مسألة السلم للحنطة في القصيل والقضب وقوله: إن كان يحصده ولا يؤخره فلا بأس، فهذا يدل أنه معين إلا أن يريد أن هذا هو رأس مال السلم، فقلب 6 الكلام واللفظ، فتستقيم المسألة على أصله.
وقال غيره في مسألة القصيل: إن الجواب على غير السؤال إنما سأل 7 عن السلم فأجاب على البيع نقداً ليدله أنه أبعد في السلم.
وقد
يحتمل أن معناه أن يأخذ القصيل المسلم إليه 1 قبل تحبيبه ولا يجوز أخذه وفيه حب.
ومسألة السلم على التحري 2، ذهب ابن أبي زمنين 3 وغير واحد 4 أن معنى التحري هنا أن يقول: أسلفك في لحم يكون قدره عشرة أرطال، قال: وكذلك الجر 5. وقال ابن زرب 6: إنما معناه أن يعرض عليه قدراً ما 7؛ يقول: آخذ منك مثل هذا كل يوم، ويشهدا على المثال.
وأما على شيء يتحرى فيه نحو رطلين أو ثلاثة فلا يجوز 8.
وقوله 9 في الحيتان: "صفتها كذا, وطولها وناحيتها"، ظاهرة أنه أراد بالناحية القدر، إذ لا معنى لذكر المواضع فيها.
وذهب بعض الشيوخ (إلى) 10 أنه على ظاهره وأن هذا فيما اختلفت فيه الحيتان في الجهات وكون 11 حوت بعضها أفضل من بعض.
وعلى هذا فهو صواب.
وإبراهيم بن نشيط 12، بفتح النون وكسر الشين المعجمة.
والقَضْب 1، بفتح القاف وسكون الضاد: الفصفصة التي تقضم 2 للدواب 3، وهو القت إذا كان يابساً.
وقال الأصمعي: / [ز 230] إذا جفت هي 4 القضب 5.
والقُرط 6، بضم القاف، هذا للعشب الذي تأكله الدواب 7، وأراه ليس بعربي.
وقول يحيى بن سعيد 8 في إجازة أخذ القميص أو القطيفة من الرائطة "وجد الرائطة أو لم يجدها، لأنك لو أسلفت الرائطة نفسها فيما أخذت منه لم يكن بذلك بأس"، فدل أن ذلك قبل الأجل، إذ لو كان الأجل حل لم يحتج إلى هذا التعليل، إذ يجوز حينئذ أخذ ما يجوز أن يسلمه فيما لك وما لا يجوز أن تسلمه، لأنه بحكم البيع يداً بيد.
والرائطة مثل الملاءة والملحفة إذا لم يكن لِفْقَيْن.
والمعروف / [خ 276] في العربية: ريطة 9.
والسابري 10: ثوب منسوب 11.
والطست: بفتح الطاء وكسرها 1.
والتَّوْر 2، بالفتح، كالقدح من النحاس أو من الحجارة 3.
وقع في أصل "الأسدية" هنا مسألة الرجل يشتري من رجل نعلاً على أن يعمله له من هذا الجلد بعينه إنه جائز، وطرحها سحنون.
قال أبو عمران: وإنما طرحها لأنه لا يجيز بيع نحاس على أن على البائع عمله.
وقد أجازه ابن القاسم وأشهب في مسألة الصناعات إذا شرع في العمل.
ومسألة ربيعة 4 في الذي أسلم في صنف من الطير فلم يجده عنده فأخذ عصافير أنه جائز، وقوله 5: "عشرة من الطير بواحد حلال"، يدل أنه كله صنف واحد، إما للاقتناء أو الذبح 6. فإن كان كله للاقتناء فهي جائزة، وإن كانت للذبح فيأتي على ما قاله بعضهم على مذهب أشهب 7 وأصبغ في جواز التفاضل فيه، وعلى مذهب ابن القاسم فيما حكى عنه سحنون 8 = وقد فسر المؤلف السابري في المشارق: 2/ 204 - نقلاً عن ابن دريد - بالثوب الرقيق.
وقال ابن مكي في تثقيف اللسان: 291: هو الثوب الذي لابسه بين العاري والمكتسي.
وفي اللسان: سبر: هو من أجود الثياب، وفيه أيضاً أنه نوع من الدروع ينسب إلى "سابور" مدينة بفارس.
وهذا أيضاً عند المؤلف في المشارق.
وصرح الفيومي في المصباح المنير: 1/ 263 بنسبة هذه الثياب إلى سابور كما جزم الخطابي في غريب الحديث: 2/ 93 بهذه النسبة، وانظر النهاية: سبر.
فإذاً الخطأ في نسبتها إلى مدينة بفلسطين ليس من المؤلف وإنما هي من ناسخ النسخة ز الذي أضاف العبارة.
كما أن المؤلف لم يذكر هذا في مادة سبر في المشارق.
هذا ولم أجد في معاجم البلدان: بلداً اسمه: السابرة.
أنه يجوز بالتحري.
ولو كان الطير الواحد يقتنى لم يجز على مذهب ابن القاسم 1 وجاز على مذهب أشهب.
وعليه حمل بعضهم مسألة ربيعة وعلى أنها كلها أحياء.
وقول ربيعة 2 في الغزل بالكتان: "إنه بمنزلة الحنطة بالدقيق"، قال ابن أبي زمنين 3: معناه أن الغزل ليس بصناعة تغير الكتان حتى يجوز سلم أحدهما في الآخر، كما أن الطحين ليس بصناعة يجوز ذلك فيها (ذلك) 4 مع القمح.
قال: وقوله 5: "وهذا 6 يبين ما بينهما من الفضل"، يعني أن الحنطة تريع فبان الفضل فيها.
وقوله 7: "ولذلك كره إلا مثلاً بمثل"، أي ومع ذلك كره الدقيق بالحنطة إلا مثلاً بمثل، لخفة مؤونة 8 الطحن، أي فهذا الكتان إذا غزل كانت قيمة رطله أكثر منه قبل غزله، ومع هذا فبيع بعضه ببعض لا يجوز 9. ورد أبو عمران "ولذلك" بمعنى: مع ذلك 10. وقيل أيضاً: إن قوله: "وهذا يبين ما بينهما" راجع إلى مسألة الحنطة بالسويق أو بالخبز أو الثياب بالغزل التي تقدمت.
والآنُك 1، بفتح الهمزة ومدها وضم النون وتخفيف الكاف: القزدير 2.
والرصاص 3، يقال بفتح الراء وكسرها.
وكذلك الصفر 4، بضم الصاد وكسرها.
وقوله 5 "ولا يسلم في الفلوس"، معنى ذلك: لا تسلم فيها الدنانير والدراهيم 6، وإلا فقد أجاز قبل هذا سلم الطعام فيها.
وقوله 7: "الليث وغيره عن سعيد بن عبد الرحمن أنه سأل [سعيد] 8 بن المسيب عن الطعام بالطعام نظرة"، كذا عند ابن عيسى وغيره.
ورواية ابن عتاب: شعبة، مكان "سعيد" مصلحاً.
قال ابن وضاح: وهو معروف.
قال ابن أبي زمنين: وهو الصواب، وهو شيخ من أهل المدينة كان يجالس سعيد بن المسيب.
قال البخاري 9. شعبة بن عبد الرحمن سمع سعيد بن المسيب، مكي روى عنه الليث.
وقوله 10: "إذا هلكت السلعة - يعني رأس المال - قبل أن يقبضها المسلم إليه انتقض السلم إذا كان لا يعرف ذلك إلا بقوله، وقد قال ابن
القاسم: إذا لم يعرف إلا بقوله فالسلم منتقض".
قال أبو محمد بن أبي زيد 1: يريد: ويحلف، كذا هو هذا لابن القاسم في "المدونة"، قال ابن وضاح: ولم يقرأه لنا سحنون في العرضة الأولى، وقرأناه 2 في الثانية.
ووقع في أصل "الأسدية" 3: قال ابن القاسم: إذا لم تقم ببينة 4، فالذي عليه السلم بالخيار إن أحب نقض السلم، وإن أحب كان/ [ز 231] السلم بحاله، وغرم صاحبه قيمة الثوب/ [خ 277]. ثم قال: وقد قال أيضاً: إذا لم يعرف هلاكه إلا بقوله السلم منتقض.
قال ابن لبابة: وكذا تصح المسألة، وعلى ما في "المدونة" فالقولان سواء.
قال: وهو من غلط سحنون.
وقوله 5: وإن لم يدفعه إليه حتى أحرقه رجل؟ قال: إن كان بعد أن دفعه إلى الذي عليه السلم ثم رده إليه وديعة فالضمان منه 6، فإن كان لم يدفعه حتى هلك فهو من ربه.
قال بعض الشيوخ: قوله قبضه ثم رده شديد إلا أن يريد بذلك قوله: خذه.
وأنزل هذا منزلة الدفع.
وقوله 7 في الذي "له على الرجل الدين فيكتب إليه أن يشتري له به سلعة: لا خير فيه إلا أن يوكل وكيلاً"، معناه: على قبض السلعة، ويكون حاضراً معه، لأن حضوره كحضور ربها.
وقوله في المسألة الأخرى: وإن كان حاضراً.
مذهب الكتاب: في البلد، وهو بين في كتاب الوكالات في الذي يكون له ذهب في الأسواق، فيقول: اشتروا لي سلعة كذا فإني مشغول، وهو قول ابن القاسم، ولم يجزه سحنون إلا بحضور المجلس.
وقوله 1: "والحوالة عند مالك بيع من البيوع" يعضد إحدى 2 قولي ابن القاسم من رواية يحيى فيمن يسلف دنانير من رجل بشرط أن يحيلها 3 بها على آخر أنه لا يجوز.
وقوله الآخر يجوز.
وقوله 4 في اقتضاء الدقيق من القمح: "لا خير فيه من البيع 5 ولا بأس به من قرض إذا حل الأجل"، قال بعضهم: دليلها ودليل ما في الصرف أيضاً جواز بيع الدقيق بالقمح كيلاً بكيل لقوله: ويجوز وإن أحذ أقل كيلاً 6. وهو نص ما في "الواضحة".
وفي "الموطأ" 7 و"الواضحة" أيضاً: مثلاً بمثل.
وحكى ابن القصار وغيره من البغداديين 8: وزناً بوزن، قال ابن القصار: واختلف قوله في ذلك، ومحمله عندي أنه اختلاف في الحال، فيجوز وزناً، ولا يجوز كيلاً.
وغيره يحمله أنه اختلاف قول في جوازه كيلاً 9. وروى عبد الملك عن مالك أنما يجوز فيما خف، وبين الجيران 10. وحكى الباجي 11 أن معنى جوازه كيلاً، أي وزناً 12.
السلم (1) الثاني
قوله 2 فيمن أسلم في حنطة سلماً فاسداً: يجوز أن يأخذ منه غير 3 الحنطة إذا قبض ذلك ولم يؤخره.
ووقع له بعد هذا 4: يجوز أن يأخذ برأس ماله سوى ذلك الصنف الذي أسلم فيه.
فاختلف المفسرون في ذلك هل الحكم للفظ الأول أو للآخر؟
فذهب الفضل بن سلمة 5 وابن أبي زمنين 6 وغيرهما أن الحكم للفظ الأول، وأن معناه أن يأخذ ما شاء ما لم يأخذ الشيء الذي أسلم فيه بعينه.
فإن أسلم في سمراء جاز له أخذ محمولة وشعير وغير ذلك.
وإنما لا يجوز له أخذ السمراء نفسها إذ كأنهما لم يفسخا سلمهما الفاسد.
وهكذا في كتاب محمد 7 وابن حبيب.
وحجتهم أنه متى خالف الشيء المسلم فيه في صفته واسمه صح فعلهما ولم يتهما على تصحيح سلمهما وإن كان جنساً واحداً1
يجوز اقتضاء بعضه من بعض في السلم، إذ لا يجبر المسلم إذا دفع إليه على قبضه إلا برضاه.
واختلفوا إذا أخذ سمراء أجود أو أدون من المسلم فيها:
فأجاز ذلك اللخمي.
ومنعه ابن محرز 1.
وذهب الإبياني 2 في آخرين إلى أنه لا يأخذ سمراء من محمولة/ [خ 278] ولا محمولة من سمراء، ولا شعيراً من بر، لأنها صنف واحد، تعلقا بقوله: سوى الصنف الذي أسلم فيه، ولأنه صنف واحد يضاف 3 بعضه إلى بعض، ولما في كتاب أبي الفرج وابن حبيب لعبد الملك أن اختلاف المتبايعين في القمح والشعير والسلت ليس باختلاف في الأنواع، وإن كان هذا بعيداً.
وفيها قول ثالث خرجه اللخمي على قول مالك وابن القاسم وأشهب في كتاب محمد 4 أنه يجوز أن يأخذ منه مثل ما كان له/ [ز 232] سواء - وقاله 5 ابن حبيب 6 - إذا فسخه السلطان فله أن يأخذ برأس ماله مثل ما أسلم فيه نقداً.
ثم اختلف على هذا هل هو فيما اجتمع على فساده أو اختلف فيه أو فسخ بحكم أو تراضي 7؟
فذهب أشهب 1 أن ذلك كله سواء إذا تفاسخاه وأشهدا عليه أو فسخه السلطان.
وعليه حمل بعضهم مذهبه في الكتاب.
وضعف هذا محمد 2 إلا أن يفسخه السلطان.
قال بعض القرويين: فإذا لم يفسخ ما اختلف فيه بإشهاد أو حكم لم يجز أن يأخذ عن الطعام طعاما اتفق أو اختلف، ولا يجوز أن يأخذ إلا ما يجوز أن يأخذ في السلم الصحيح لتهمتهما.
ولا يؤخر على هذا بعض رأس المال ويأخذ بعضه ويدع بعضه، خلاف ظاهر ما ذهب إليه في الكتاب.
قال بعض شيوخنا الأندلسيين: ولا يختلف في هذا، ولا خلاف عندهم أن هذا كله جائز بعد فسخ السلطان في غير الجنس.
واختلف في أخذه الجنس على ما تقدم:
وبجوازه في الجميع 3 وفي صفة 4 ما سلم فيه قال ابن لبابة 5، على ما في كتاب ابن حبيب.
ومنعه 6 في كل وجه من الجنس والصفة، وهو ظاهر "المدونة" والأصول كما تقدم.
والثالث التفريق بين الصنف 7 والصفة، فيجوز محمولة من سمراء، وشعيراً من قمح.
ولا يجوز محمولة من محمولة ولا سمراء من سمراء.
ثم اختلف: هل يأخذ منه دراهم إن كان رأس المال ذهباً وبالعكس:
فعند محمد 1 عنه أنه لا يجوز؛ فحمله بعضهم على الأصل في المسألة من أنه لا يجوز أن يأخذ ما لا يسلم فيه رأس المال وقال: إنه لا يختلف في هذا في جميع الوجوه كلها كان الفسخ بحكم أو بغير حكم مما اتفق عليه أو اختلف فيه.
وإلى هذا ذهب شيخنا القاضي أبو الوليد 2 رحمه الله.
وذكر الشيخ أبو محمد عبد الحق 3 أن الخلاف في قبض بعض ذلك من بعض في المسألة جار على الخلاف في الأصل.
وحكي عن مالك إجازته في كتاب أبي الفرج ومحمد، وخرجه غيره من "العتبية" أيضاً.
وإليه ذهب أبو القاسم بن 4 الكاتب وغيره.
وقوله في مشتري الدار على أن ينفق على بائعها 5: "ترد الدار ويغرم البائع للمشتري قيمة ما أنفق"، كذا عندنا.
وفي كتاب ابن سهل خارجا: في بعض الروايات: ما 6 أنفق.
وكذلك اختصره أبو محمد 7. وفي الشفعة والصدقة والعارية من "المدونة" اختلاف في هذين اللفظين قد تكلم الشيوخ على الفرق بينهما وجمع معانيهما، وتنزيل كل وجه 8 منهما بما لا يحتاج إلى إعادته 9.
والوَيْبة عشرون مداً بمصر 10.
والأَرْدَب 1، بفتح الهمزة: أربع ويبات 2.
والكُر بضم الكاف ثلاثون إردباً 3، وقال الخطابي: الكر اثني 4 عشر وسقاً 5.
والمُدْي، بسكون الدال، وهو مائة مد/ [خ 279] واثنان وتسعون مداً بمد النبي عليه السلام.
وهو ست وبيات بمصر.
وقيل: الويبة أربعة أرباع 6.
وقوله 7: "إن أسلمت في طعام ولم أضرب لرأس المال أجلاً فافترقنا قبل القبض لرأس المال: هذا حرام إلا أن يكون على النقد"، قيل: لعله لم يكن عندهم عرف النقد في السلم، وإلا فمقتضى لفظ السلم وعرفه يجب 8 = [لعله يعني ابن رحال المعداني] ما نصه: الويبة: خمسة آصع كما في التنبيهات.
انتهى منه بلفظه.
قلت: هو خلاف ما في القاموس ونصه: والويبة: اثنان أو أربعة وعشرون مدا.
انتهى منه بلفظه.
فهي على الأول: خمسة آصع ونصف، وعلى الثاني: ستة آصع).
وكذلك قال ابن حبيب في النوادر 4/ 597: (اثنان وعشرون مدًّا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -).
ونقله عنه أيضاً ابن سهل في الأحكام: 78.
لكن المؤلف قيد كلامه بمصر.
جوازه وإن لم ينصا على النقد، ويحكم فيه بالنقد، ويكون قوله: "إلا أن يكون على النقد"، أي باشتراطهم أو عرفهم.
وذهب أبو القاسم بن محرز إلى أنهما عملا على التأخير.
قال أبو عمران: وقول مالك بعده 1: "لا بأس بذلك، وإن افترقا قبل أن يقبض رأس المال إذا قبضه بعد يوم أو يومين"، أتى ابن القاسم بجواب أسد بن الفرات مع ما سمع من مالك على هيئته فأجاب عما سئل عنه وعما لم يسأل عنه.
ومسألة الشراء 2 بقصعة وغير 3 مكيال الناس ومنعه لذلك وإجازته السلف في الثياب بذراع رجل بعينه، وإجازته بعد هذا شراء ويبة وحفنة/ [ز 233]. عارضها كثير بهذه.
وفرق بعضهم بينهما.
وأنكر سحنون 4 مسألة الويبة.
واختلف فيما أجاز (مالك) 5 من ذلك في القصعة للأعراب وحيث يعدم الكيل 6:
ففي كتاب محمد 7: إنما ذلك في اليسير.
وعن أبي عمران 8 أنه يجوز هناك في الكثير لمن احتاج إليه كجوازه في اليسير.
وكذلك اختلف فيما أجاز من مسألة الويبة:
فقيل: ذلك حيث لا مكيال كما قال في القصعة وقال محمد 1.
وقيل 2: هو جائز كالذراع.
واختلف إذا كثرت الويبات والحفنات؛ فأكثرهم على منعها، ونص سحنون على ذلك 3 وجعله أصلاً في منع القليل.
قال أبو عمران: وعلى ظاهر كتاب محمد جوازه.
وكذلك إذا كانت 4 بحيث لا مكيال 5. وقوله فيها: إذا أراه الحفنة، يدل على اشتراطه رؤية ذلك.
زاد في غير 6 "المدونة": فإن من الناس من تتسع حفنته 7. وظاهر كتاب محمد يجوز وإن لم ير الذراع 8.
ومشهور المذهب والكتاب أن السلم الحال لا يجوز.
وحكى القاضي أبو محمد قولاً في جوازه 9، وخرجه بعض المتأخرين 10 من الكتاب من كتاب المرابحة 11. وسننبه عليها في موضعها إن شاء الله.
وقوله 1: "وقد يباع التبر المكسور من الذهب والفضة والآنية من الذهب والفضة"، استدل بها بعض القرويين على جواز بيعها، واستدل آخرون على جواز اقتنائها، نحو ما استدل به أيضاً من كتاب الصرف.
وغيره يقول: هو لفظ رمي به وجاء على غير تحصيل وقصد، وجوابه عن أصل المسألة لا يعين 2 الآنية، ولو سئل عنه 3 مجردا لمنعه فلا دليل فيه.
وقد استعذر عنه بعضهم بشرائه لعرض 4 صحيح من فداء أسرى به 5، أو ليكسره ويضربه دراهم لا ليقتنيه.
وقد رفع الإشكال في الصرف بقوله 6: وكان يكرهها وإن كان ما فيها تبعاً، ولا أرى أن تشترى.
ولا خلاف في تحريم استعمال ما يؤكل ويشرب فيه منها ولا في منع استعمال غيرها من الأواني كالمحابر 7 والمرايا والمكاحل/ [خ 280].
واختلف في اقتنائه 8 لغير الاستعمال؛ فمنعها أكثر أصحابنا.
وأطلق ابن الجلاب 9 عليها التحريم.
ورخص في ذلك بعضهم.
واستدل بعضهم بما هنا وشبهه على ذلك.
وقد تكلمنا عليها في كتاب الصرف.
ومسألة تأخير رأس المال في السلم بغير شرط.
فرق في الكتاب بين الحيوان والعروض والعين:
فقيل: مذهبه في العين أنه يفسخ به السلم على كل حال تأخر إلى الأجل أو دونه، بدليل قوله في ذلك في باب اختلاف المتبايعين وفي الباب الثالث من السلم الثالث من قوله: وإن العروض والطعام يكره ذلك فيها ولا يفسخ، وإن الحيوان لا يكره فيه ذلك ولا يفسخ.
وهذا هو مذهب ابن أبي زمنين 1 / [ز 234] وجماعة من الشارحين 2. وقال أبو محمد اللوبي 3: الطعام 4 أشد، إذ لا يعرف بعينه، وفرق بين العروض والحيوان، لأنه 5 مما يغاب عليها.
وهذا على القول إن مصيبة الحيوان من مشتريه، وأما على القول: إن مصيبته من البائع فلا فرق 6 بينه وبين العروض.
وذهب بعضهم إلى 7 أن الطعام لم يكل حتى يدخل في ضمان البائع، ولو كان فيه كيل لساوى الحويان 8. ومثله لابن القاسم في كتاب محمد 9 إذا حل الأجل قال: ثم رجع ابن القاسم فأجازه، إذ ليس بشرط.
فهذا يدل أنه سواء في القولين حل أجله أو لم يحل.
وذهب فضل بن سلمة 10 وبعض القرويين أنه لا فرق بين العرض والعين 11 بغير شرط، حل الأجل أو لا، فهو جائز ماض.
وإنما أطلق
الجواز في مسألة الحيوان لأنه سئل عن أمر وقع، وكرهه في الأخرى في الابتداء كما يكرهه 1 في الأولى.
وإلى هذا نحا أبو عمران 2.
وأُسْوان 3، بضم الهمزة وسكون السين المهملة: مدينة من أعلى عمل مصر وآخر جُدة 4 في الجنوب 5.
ومسألة: كِلْه لي في غرائرك 6، وقوله: "لا يعجبني.
تأوله أبو محمد: لا يعجبني البيع على هذا القبض حتى يكيله بنفسه.
وقد قال سحنون: هذا ضعيف، وما في السلم الثالث في مسألة منعه أن يوَكل ابنَ المسلم إليه أو زوجته خير من هذه.
وقد ضمَّن ابن القاسم في "عشرة" يحيى بن يحيى المسلمَ إليه وإن قامت له بالكيل بينة في المسألة الأولى.
وقوله في اختلاف المتبايعين 7 في أول مسألة: "إذا اتفقا في الطعام واتفقا أن السلم في حنطة مضمونة"، ثم ذكر اختلافهما في الكيل.
كذا عندي وفي أكثر النسخ، وفي بعضها 8: "قال: إذا اختلفا في الكيل واتفقا أن السلم في حنطة 9 ". وذكر المسألة، وهما وإن كانا بمعنى لذكره الاختلاف في الكيل فيهما فهذه الرواية أحسن في سياق المسألة.
وقوله 10 في اختلافهما: "وذلك عند حلول الأجل فالقول قول البائع".
فتأمل قوله هنا: "فالقول قول البائع".