التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطةصفحات 53-94

" التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة":

صفحات 53-94
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عياض
الكتاب
التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
المؤلف
عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
الناشر
دار ابن حزم، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

هو آخر الكتب التي نذكرها مما عده ابنه في المؤلفات التي أكملها وقرئت عليه 1. وحقاً فإن المؤلف أحال عليه في أهم كتابين له وهما: "الإكمال" كما سبق الذكر، و"المشارق" في جزءيه 2. وفي المقابل أحال في مقدمته - كما سبق - على "المدارك" إحالة للتوسع في الموضوع المحال به، وهذا يعني أنه قد فرغ من ذلك الموضوع، إلا أن يكون وضع مقدمة "التنبيهات" بعد أن فرغ من "المدارك".
وهذا يعني أن كتاب "التنبيهات" ألف قبل "المشارق"، بل قبل "الإكمال" الذي يترجح أن المؤلف لم يبدأ في وضعه إلا بعد سنة 532 هـ، وجزْم محمَّد بن عياض أن الكتاب قرئ على مؤلفه يصعب رده، لا سيما وقد روي الكتاب عن المؤلف ببعض الأسانيد 3، إلا أن نص "التنبيهات" في النسخ الواصلة إلينا - ولا سيما النسخة المعارضة بأصل المؤلف - فيها بياضات وأخطاء وخلط منسوب لأصل المؤلف في مواضع غير يسيرة.
وكتب كتاب "الصيام" وكتاب "الحج" في هذه النسخة بخط محمَّد بن عياض.
وفي نسخة أخرى صحيحة ملاحظة أول كتاب الحج لمحمد بن عياض هذا يقول فيها: إن والده لما وضع الكتاب لم يتكلم على كتب الحج إلى أن فرغ منها وانتسخها بعض الطلبة، ثم تكلم بعد ذلك على كتب الحج، ودفع مبيضتها إلى بعض طلبته لينتسخها، فضاعت له... فأشغلت الشيخ رحمة الله عليه فتن الزمان إلى أن أعجلته المنية... فهذه الطرة تعني أن الكتاب أجيز من قبل المؤلف، وأن كتاب "الحج" تأخر تأليفه، وأن جزءاً كبيراً منه قد ضاع، وأن تأليفه وضياعه ربما كان أواخر عمر المؤلف وبعد توليه قضاء سبتة ثانية سنة 539 هـ، وتلاطم فتن الزمان والحروب التي قامت بين المرابطين والموحدين ووقوف سبتة في

وجوه الموحدين والقاضي عياض على رأسها! وسنعود إلى مشاكل النسخ فيما بعد.

المجموعة الثانية: الكتب التي تركها في مبيضاته: ويهمنا منها كتاب واحد هو: مشارق الأنوار على صحاح الآثار 1: قال ابن فرحون في ترجمة أبي عبد الله محمَّد بن سعيد بن علي الطراز الغرناطي المتوفى 645 هـ: تجرد آخر عمره إلى كتاب "مشارق الأنوار"، وكان المؤلف قد تركه في مبيضته في أنهى درجات التثبيج والإدماج والأشكال وإهمال الحروف... وجمع عليه أصولاً حافلة وأمهات هائلة من الغريب وكتب اللغة، فتخلص الكتاب على أتم وجه وأحسنه 2. وذكر ابن القاضي في ترجمة إبراهيم بن يوسف بن قرقول المتوفى 569 هـ أن كتابه "مطالع الأنوار" هو كتاب "مشارق الأنوار" عينه، كان القاضي قد تركه في مبيضته، فاستعارها وجرد منها ما أمكن نقله لاستعمائها وصعوبتها 3. وكما سبق، فإن المؤلف أحال في "الإكمال" على "المشارق"، غير أن الراجح تأخر "المشارق" عن "الإكمال"، وفي "المشارق" إحالات كثيرة على "الإكمال" 4. وأحال في "المشارق" على بغية الرائد، كما مر، وعلى

التنبيهات.
لكن الملفت للنظر أنه أحال في "الإلماع" 1 - وهو من أوائل مؤلفاته - على "المشارق"، وهو من آخرها! ومما لا بدّ من إيراده على هذا كله أن تلميذ المؤلف ابن القصير وجد بخط المؤلف إجازة كتاب "المشارق" لبعض طلبته مؤرخة بسنة 532 هـ 2، ولعله في هذا التاريخ لم يبدأ بعد في تصنيف الكتاب كما يفهم مما سبق عند الحديث عن "الإكمال"!

المجموعة الثالثة: الكتب التي لم يكملها: ويهمنا منها أيضاً كتاب واحد هو:

المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان 3: والمشكل فيه أن المؤلف ذكره في "الإكمال" كأنه انتهى منه 4، كما أن تلميذه ابن القصير ذكره أيضاً فيما وجد بخط المؤلف في إجازته لبعض طلبته سنة 532 هـ 5. فهذا يخالف ما جزم به ابن القاضي عياض وهو وارث مكتبته والمتصرف فيها والمسهم في معالجة مسوداته... ويمكن أن يدرج ضمن هذا القسم الكتب التي أخرجها ولده من بطائق ومسودات أبيه فجمعها وألفها كتباً قائمة، وذكر منها ولده كتابين 6. ولا يستطيع الباحث أن يجزم بعد كل هذا بتواريخ محددة لوضع هذه المؤلفات إلا تخرصًا وتقديرًا، فمن الوارد، بل من الواقع، أن المؤلف كغيره يفتح مشاريع كتب وبحث يعطي لكل منها وقتاً خاصاً؛ فقد ذكر ابنه مثلاً: أن لأبيه جزءاً في زيارة الحاضنة والمربية لمحضونها "أتى فيه على

جميع معانيها وفصولها، فمن وقف عليه رأى في هذه المسألة شفاء صدره" 1. والكتاب - كما تبين - بدأ مشكلاً اعترضه وهو قاض بسبتة، فرفع فيه سؤالاً إلى شيخه القاضي أبي الوليد بن رشد، ولم يتجاوز جواب الشيخ سبعة سطور 2. ومن ذلك أنه لا يبدأ التأليف حتى يجمع جل مادة الكتاب، ثم لا ينتهي منه، أو لا يبدأ في التأليف أصلاً، كما هو الشأن في كتابيه: "الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة" الذي وجد ابنه منه يسيراً، فضمه إلى ما وجده في بطائق أبيه أو عند أصحابه 3؛ وكتاب "مذاهب الحكام في نوازل الأحكام" الذي قال ابنه في شأنه: وجدت هذه الترجمة بخطه، ولم أجدها عنده مبيضة، غير أني وجدتها في بطائق فجمعتها 4... ثم إن الوارد أيضاً أن يكون يضيف إلى كتبه ويراجعها وينقحها، فيحيل على كتبه الأخرى بعد الانتهاء منها، أو عندما تستجد له معلومات أخرى 5، ويحتمل أن يضيف ذلك ابنه أيضاً، والله أعلم.

المبحث الرابع: أثر القاضي عياض في فن التحقيق

قد يظن البعض أن التحقيق من عمل الناشرين، يتوقف على عمل تقني محدود، ينحصر في المقابلة الشكلية للنص، وأن أهميته دون أهمية البحث في موضوع ما؛ لأنَّ الموضوع يطرح مشكلة ما على مشرح البحث، ويحاول دراستها من جميع الجوانب، فتنصب هذه الدراسة على تصحيح وضعيتها إذا كان فيها خلل، أو إلى إتمامها إذا كان فيها نقص، أو على شرحها إذا كان فيها غموض، أو على نقدها وطرح البديل لها، بينما غاية التحقيق إخراج كتاب كان موجوداً، وإضاعة الوقت فيه نزولاً وصعوداً، لكن الأمر ليس كذلك، فإذا كان الموضوع يطرح مشكلة للبحث، فإن التحقيق يطرح مشاكل كثيرة، بدءاً بالتحقيق في عنوان الكتاب، إلى التحقيق في نسبته إلى مؤلفه، إلى التأكد من نصوصه، إلى دراسة النسخ ومقابلتها والترجيح فيما بينها.
ولم يكن التحقيق جديداً بالنسبة للمسلمين ولا غريباً بين علومهم، بل هو متأصل في جذور معارفهم.
يقول الدكتور رمضان عبد التواب: لقد سبق العرب علماء أوروبا إلى الاهتداء للقواعد التي يقابلون بها بين النصوص المختلفة، لتحقيق الرواية، والوصول بتلك النصوص إلى الدرجة القصوى من الصحة 1.

وقد ظهر هذا الفن عند المسلمين مع ظهور علم الحديث، ولم يظهر عند علماء أوروبا إلا في القرن الخامس عشر الميلادي بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية.
ولم تكن بداية هذا الفن في هذا الوقت مبنية على أسس علمية صحيحة، بل كان مجرد محاولات لتصحيح بعض النسخ وطبعها، إلى أواسط القرن التاسع عشر، حين وضعوا أصولاً علمية لنقد النصوص ونشر الكتب القديمة (1). وإذا كان هذا الفن قد ظهر مبكراً عند علماء المسلمين، وبالخصوص عند المحدثين وذلك عند شيوع (الوجادة) في القرن الرابع الهجري، فإن القاضي عياضاً كان من المتقدمين الأوائل الذين وضعوا لهذا الفن أسسه - بعد الرامهرمزي أبي محمَّد الحسن بن عبد الرحمن المتوفى سنة 360 هـ، والحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 هـ، والخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 هـ - بدءاً بالمقابلة إلى إصلاح الخطأ، إلى علاج السقط، إلى علاج الزيادة، إلى علاج التشابه بين النسخ إلى غير ذلك - وإذا كان كتابه "الإلماع" قد تحدث عن الجانب النظري لهذا الفن، فإن كتاب "التنبيهات" يعتبر المجال التطبيقي الذي طبق فيه هذه الدروس النظرية.
ونشير إلى بعض بصماته التي تركها شاهدة عليه في تأصيل هذا الفن كما تحدث عنها.

أولاً: المقابلة بين النسخ:

هذه العملية هي الأساس في عمل التحقيق، وهي تستهدف جمع المخطوطات للكتاب الواحد والمقابلة بينها للخروج بنص مستقيم.
وقد كانت معروفة عند المسلمين بهذا المصطلح، فهذا القاضي عياض يخصص للمقابلة باباً من كتابه: "الإلماع" 2. وبناء على هذا يمكن اعتبار عياض من الأوائل الذين أسهموا في وضع منهج التحقيق.
فهو يقول: وأما مقابلة1

النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لا بدّ منها، ولا يحل للمسلم التقي الرواية ما لم يقابل بأصل شيخه، أو نسخة تحقق ووثق بمقابلتها بالأصل، وتكون مقابلته لذلك مع الثقة المأمون بها ينظر فيه 1. وهكذا كان من قبله في الاهتمام بالمقابلة بين النسخ التي أخذها مع الأصل، فقد روى عياض عن هشام بن عروة بن الزبير قال: قال لي أبي: أكتبت؟ قلت: نعم.
قال: قابلت؟ قلت: لا.
قال: لم تكتب يا بني 2. ويقول عياض في مقابلة النسخ: فليقابل نسخته من الأصل بنفسه حرفاً حرفاً، حتى يكون على ثقة ويقين من معارضتها به، ومطابقتها له، ولا ينخدع في الاعتماد على نسخ الثقة العارف دون مقابلة، نعم، ولا على نسخ نفسه بيده، ما لم يقابل ويصحح، فإن الفكر يذهب، والقلب يسهو، والنظر يزيغ، والقلم يطغى 3. وفي اختيار النسخ كان كذلك للقدماء سبق في تحديد النسخة التي ستكون النسخة الأم، وقد خصص عياض لضبط اختلاف الروايات باباً 4 بيَّن فيه طريقة التعامل مع الروايات المختلفة، وما يرد فيها من زيادة أو نقص وتحديد المكان الذي تثبت فيه هذه الاختلافات، فقال: وأولى ذلك أن تكون الأم على رواية مختصة، ثم ما كان من زيادة الأخرى ألحقت، أو من نقص أعلم عليها، أو من خلاف خرج في الحواشي، وأعلم على ذلك كله، بعلامة صاحبه، من اسمه أو حرف منه للاختصار، لا سيما مع كثرة الخلاف والعلامات، وإن اقتصر على أن تكون الرواية الملحقة بالحمرة فقد عمل ذلك كثير من الأشياخ وأهل الضبط كأبي ذر الهروي، وأبي الحسن القابسي، وغيرهما 5.

وإذا كان المحققون المحدثون قد تحدثوا عن المقابلة على أنها حجر الزاوية في موضوع التحقيق، وأنها تبدأ أولاً باختيار النسخة التي تصلح للمقابلة، ووضعوا لذلك معايير وشروطاً، وذلك من أجل الوصول إلى الصورة الصحيحة للنص، فإن القدامى كانوا لا يكتفون بالنسخة وحدها مهما بلغت درجة صحتها، حتى تكون مروية بالسند، وقد خصص عياض لهذا باباً في كتابه: باب في التقييد بالكتاب، والمقابلة، والشكل، والنقط والضبط (1).

ثانياً: إصلاح الخطأ:

يقول عياض فيما يتعلق بإصلاح الخطأ: الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرواية، كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيرونها في كتبهم، حتى اطردوا ذلك في كلمات من القرآن، استمرت الرواية في الكتب عليها، بخلاف التلاوة المجمع عليها،... لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة، وفي حواشي الكتب، ويقرؤون ما في الأصول على ما بلغهم.
ومنهم من يجسر على الإصلاح.
وكان أجرأهم على هذا من المتأخرين القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي 2. وقد أشار عياض إلى مثل هذا التصحيح في كتاب "التنبيهات"، وقد بقي الخطأ على حاله في طبعة دار الفكر، بينما أصلح في طبعة دار صادر.
قال: وقوله: يقول الله تعالى: ﴿وأكلهم الربا وقد نهوا عنه﴾ 3. كذا وقع في بعض النسخ.
وهو مما غيرته الرواة من القرآن غفلة مروا عليه.
والتلاوة ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ 4.1

ولا يفوتني أن أشير إلى أن ما يميز عمل التحقيق عند القدامى من المسلمين عن التحقيق عند المحدثين، أو عند المسلمين بدل غيرهم، هو ارتباطه بالدين، وذلك للمحافظة على النص الديني من التحريف، وهذا الوازع الديني هو الذي جعلهم يتشددون في ضبط النصوص.
هذه إشارة فقط إلى أن عياضاً وإن تناولته الدراسة أديباً وفقيهاً وأصولياً ومؤرخاً فإن إسهامه في ميدان التحقيق ما زال يستحق الكثير من العناية والدراسة.

الفصل الثاني: وقفات مع المدونة

المبحث الأوّل: قصة تدوين "المدونة".

المبحث الثاني: خدمة "المدونة" قبل القاضي عياض.
المبحث الثالث: روايات "المدونة" وأسانيدها.
المبحث الرابع: اختلاف نسخ "المدونة".
المبحث الخامس: اختلاف نسخ "المدونة" المطبوعة.
المبحث السادس: نصوص طرحها سحنون من "المدونة".

المبحث الأوّل: قصة تدوين المدونة

لما قدم أسد بن الفرات الإفريقي من رحلته العلمية إلى الإمام مالك ثم إلى العراق، حل مصر فذهب إلى ابن القاسم وعرض عليه أسئلة ليجيبه عليها على مذهب مالك، فأجابه إلى ما طلب بما حفظ عن مالك بقوله، وفيما شك فيه قال: إخال، وأحسب، وأظن.
ومنها ما أجاب فيه باجتهاده على أصل قول مالك، فكان يسأله كل يوم حتى دون عنه ستين كتاباً، وسميت تلك الكتب بـ "الأسدية"، فدخل بها أسد القيروان يدرسها وحصلت له بها رئاسة.
ثم تلطف سحنون حتى وصلت إليه - وكان منعها منه - وارتحل بها إلى ابن القاسم فعرضها عليه، فقال له ابن القاسم: فيها شيء لا بدّ من تغييره، وأجاب عما كان يشك فيه، واستدرك منها أشياء كثيرة, لأنه كان أملاها على أسد من حفظه.
وكتب إلى أسد أن عارض كتبك بكتب سحنون، فإني رجعت عن أشياء مما رويت عني.
فغضب أسد وقال: قل لابن القاسم: أنا صيرتك ابن القاسم، أرجع عما اتفقنا عليه إلى ما رجعت أنت الآن عنه؟ فترك إسماعها، فذكر أن ذلك بلغ ابن القاسم فقال: اللَّهم لا تبارك في "الأسدية"، قال الشيرازي: فهي مرفوضة إلى اليوم 1. وقال

الذهبي بعد أن عرض قصة الأسدية: فهي مرفوضة عند المالكية 1. هكذا وردت هذه القصة في الكثير من المراجع التي تحدثت عن تاريخ الفقه المالكي مع بعض الاختلاف، إلا أن المضمون متقارب، وربما قد يكون مجيئها من مصدر واحد، وطرأت لها الشهرة بتداولها في هذه المراجع التي أخذتها من ذاك المصدر, لأن أغلب الذين يذكرون هذه القصة يحدثون عن أبي العرب التميمي، أو سليمان بن سالم.
لكن هذه القصة تحتاج إلى شيء من البحث والتريث في إصدار الأحكام حتى لا نصف علماء أجلاء بما لا يتفق ومكانتهم العلمية والأخلاقية والجهادية في سبيل نصرة هذا الدين والدفاع عنه.
فهذا أسد بن الفرات الذي دخل معركة سلاحها الأوراق والأقلام ولم ينهزم، ودخل معركة سلاحها السيوف والسهام ولم ينهزم، يمكن أن يكون لموقفه من عدم الموافقة على نسخ "الأسدية" أكثر من تأويل، من غير أن نصفه بأنّه بخل بها فقط، ولم يرد أن يمكن سحنون من نسخها حتى تحايل عليه هذا الأخير فقام بنسخها.
وقد كان موقف أسد منذ أن أخذ "الأسدية" عن ابن القاسم عدم الموافقة على نسخها، فقد طلب منه أهل مصر أن ينسخوها فأبى، إما لأن صاحب هذا العلم ما زال حياً يمكن لأي واحد أن يأخذ عنه مباشرة.
أو لأن النسخة ما زالت تحتاج إلى الكثير من المراجعة، وقد دفع إليه ابن القاسم سماعه من مالك لينظر فيه، ويصحح عليه ما أخذه عنه, لأنه كان يملي عليه من حفظه 2؛ قال أسد: ولما أردت الخروج إلى إفريقية دفع إلى ابن القاسم سماعه من مالك، وقال لي: ربما أجبتك وأنا على شغل، ولكن انظر في هذا الكتاب، فما خالفه مما أجبتك فيه فأسقطه 3 أو لأنها مجرد اجتهادات فقهية يقولها الفقيه اليوم، ويمكن أن يتراجع عنها غداً.
ولما دخل بها أسد إفريقية، وجلس يدرسها وهي على حالها ربما

أثارت بعض الكلمات فيها كإخال، وأظن، وأحسب، انتباه بعض الفقهاء والطلاب الذين أخذوا الفقه المالكي المقرون بالأدلة عن علي بن زياد، وابن غانم، والبهلول بن راشد، وابن أشرس، وغيرهم، ولم يألفوا هذا الفقه الافتراضي، فجعلوا يتطلعون إلى تصحيحها على ابن القاسم، حتى كتب الله ذلك على يد سحنون، وقد يكون الذي شغل أسداً عن تصحيحها على كتاب ابن القاسم اشتغاله بالقضاء في البداية، واشتغاله بالجهاد بعد ذلك.
ويمكن أنه رأى فيها رأياً آخر، وذلك أنها مجرد اجتهادات.
فقهية لا تُلزِم المجتهد، فهو لم يكن يلتزم بالمذهب المالكي ولا بالحنفي، بل كان يبحث عن الدليل وقد قيل عنه: إن مذهبه السنَّة لا يعرف غيرها 1. وقال عنه المالكي: المشهور عن أسد رحمه الله تعالى أنه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة وأهل العراق ما وافق الحق، ويحق له ذلك لاستبحاره في العلوم وبحثه عنها، وكثرة من لقي من العلماء والمحدثين 2. أما بخله بالأسدية من أجل الاحتفاظ بها فقط فلا معنى له, لأن هذا لا يستقيم مع كلامهم: إنه جلس للإقراء بها في القيروان، فكيف يبخل بها وهو يدرسها.
ثم كيف يستقيم هذا وقد سبق لها أن انتشرت بمصر قبل أن يجلس لتدريسها، فهو يقول: ورغب إلي أهل مصر في هذه الكتب فكتبوها مني 3. وفي رواية: وطلبها منه أهل مصر فأبى أسد عليهم، فقدموه إلى القاضي، فقال لهم: أي سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلاً فأجابه، وهو بين أظهركم، فاسألوه كما سأله.
فرغبوا إلى القاضي في سؤاله قضاء حاجتهم من نسخها، فسأله فأجابه، فنسخوا حتى فرغوا منها، وأتى بها أسد إلى القيروان فكتبها الناس 4. إذاً كيف يبخل بها وهي منتشرة بمصر؟ والأكثر من هذا أن هذه "الأسدية" اختصرها أبو زيد بن أبي الغمر،

وابن عبد الحكم.
وقال ابن حارث: لما كملت "الأسدية" أخذها أشهب وأقامها لنفسه واحتج لبعضها، فجاء كتاباً شريفاً 1، فكان أشهب بعمله هذا قد مهد الطريق لسحنون.
وربما يقال: ما الذي جعل المصريين يقبلون على كتاب أسد وابن القاسم موجود بينهم وهو أقرب إليهم؟ وكيف يمكن أن يفهم نشر "الأسدية" في مصر ومنع سحنون منها بالقيروان؟ للإجابة عن السؤال الأول يمكن أن نقول: إن الذي ينقص أهل مصر هو هذا الكم من الأسئلة الذي طرحه أسد على ابن القاسم مما تعلمه من العراق، وكان أسد بن الفرات هو الذي جاء بهذه الأسئلة الافتراضية, لأن مذهب مالك لم يكن يعرف هذا الفقه الافتراضي، بل كان يعرف الفقه الواقعي، حتى أدخل عليه أسد هذا المنهج، وعليه فإنه إذا كان المذهب الحنفي قد تأثر بالمذهب المالكي عن طريق محمَّد بن الحسن الشيباني الذي أدخل "الموطأ" إلى العراق، فإن المذهب المالكي قد تأثر بالمذهب الحنفي عن طريق أسد بن الفرات الذي أدخل هذه الأسئلة الافتراضية 2. أما رفضه لمعارضة كتابه بكتاب سحنون فإنه موقف وجيه، ليس فيه ما يدعو إلى الاستغراب والدعوة عليه؛ لأنه إذا كان هذا قد وقع في بداية الأمر قبل أن يهذب سحنون مدونته ويرتبها، فإن هذه المعارضة إذا وقعت ستكون بسيطة، وقليلة الفائدة, لأن الكتاب ما زال في حاجة إلى نظر جديد في جميع أحكامه، وهذه هي النظرة التي نظر بها سحنون إلى الكتاب.
وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لأن يعارض أسد كتابه بكتاب ما زال في طور الإصلاح والتغيير.
وقد اشتغل سحنون بكتابه هذا منذ أن أخذه عن ابن القاسم إلى أن توفي، وترك مسائل ما زالت تحتاج إلى المراجعة، وقد أسقط منه بعض

النصوص، وقد رجع في بعض المسائل عن قول ابن القاسم وأخذ برأي أشهب، ولم يعنف عليه أحد، ولم يدع عليه أحد، فكيف يقال: إن ابن القاسم دعا على الأسدية.
والأغرب من هذا أن الذين رووا هذه القصة لم يتوقفوا عند حكاية ما وقع فقط، بل تعدوه إلى مسائل غيبية الله أعلم بها، وبنوا حكمهم عليها فقالوا: بأن هذا الدعاء كان سبباً في انقراض "الأسدية"، أو في رفضها، وهم يقصدون أن الله استجاب دعاءه فانقرضت، أو أصبحت مرفوضة عند المالكية.
ويمكن أن يقال لهم: من الذي دعا على الكتب الكثيرة الأخرى التي انقرضت ولم تصل إلينا، ككتب ابن شعبان، وأشهب، وأصبغ، وابن المواز، وغيرهم، ومن دعا على الكثير من الكتب التي رفضها الناس واستبدلوا بها غيرها؟ هذا إذا قلنا إنها انقرضت واندثرت، أما وإنها كانت موجودة إلى عهد القاضي عياض - وقد رجع إلى الكثير من نصوصها ويقول عند مقابلة نسخ "المدونة": وهو ما في "الأسدية" - فهذا لا يصح.
بل الأكثر من هذا أنه لا يبعد أن تكون بعض نسخها في بعض المكتبات العالمية، فهذا الدكتور محمَّد إبراهيم أحمد علي يقول: توجد نسخة مكتوبة على الرق من "الأسدية" في دار الكتب الوطنية بتونس 1. وعند الرجوع إلى النظر فيما قيل عن "الأسدية" والمدونة يتبين أن إقبال المالكية على مدونة سحنون، وتركهم للأسدية لم يكن مبنياً على هذه التخمينات، بل كان مبنياً على مسائل علمية صرفة، تخضع لمنطق العقل، وقوة الحجة.
ومن بين ما شجع على الإقبال على مدونة سحنون ما يلي:

  • كانت "الأسدية" تشتمل على أجوبة مالك برواية ابن القاسم، أو اجتهادات ابن القاسم على أصول مالك، بينما تضم "المدونة" -زيادة على ما في "الأسدية" مصححاً - الكثير من الأحاديث من موطأ ابن وهب، والكثير من الآثار عن وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهما، إضافة إلى

فقه أشهب، وبعض أهل المدينة، والليث بن سعد، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
وهذه الزيادة هي التي أغرت الفقهاء والباحثين فجعلتهم يقبلون عليها ويتركون "الأسدية", لأن الطالب ينظر بعين الناقد المتفحص، الذي يزن المسائل بميزان الصحة والضعف.

  • إن "مدونة سحنون" هي النسخة الأخيرة المصححة على ابن القاسم، وهذا وحده كاف لجعل أهل العلم يفضلون هذه النسخة على غيرها.
  • إن للتلاميذ دوراً كبيراً في نشر علم شيوخهم، وآرائهم، فما كثر تلاميذ شيخ من الشيوخ إلا واشتهر علمه وانتشرت شهرته، وأسد بن الفرات لم يكن له من التلاميذ ما لسحنون، لاشتغاله بالقضاء أولاً ثم بالجهاد أخيراً، وقد انتشرت "مدونة سحنون" بمصر والقيروان والأندلس والعراق بوساطة تلامذته، وقد تجاوز عددهم المئات.
    ويلخص فضيلة الشيخ محمَّد بن عاشور الأسباب التي أدت إلى رفض المالكية للأسدية في سببين: الأول: هو أنه لما بنى إدراج مذهب على مذهب آخر، فقد وقع فيه من الاختلاط في الأقوال، والاختلال في عزوها أمور جاءت قادحة فيما يطلب في كتب الأحكام من الصحة المطلقة.
    الأمر الثاني: هو أن فقهاء المالكية اعتادوا بناء الفقه على الأحاديث، والآثار، كما هي طريقة مالك في "الموطأ"، وقد سلك أسد في كتابه طريقة فقه خالص، مبني على صريح الاجتهاد 1. ولذلك عزف الناس عن كتابه.
    فلما هذب سحنون "المدونة" وأرجعها إلى المنهج المألوف عند المالكية، وذلك لاحتجاجه لمسائلها بالأحاديث والآثار اهتم الناس بها وتركوا غيرها.

المبحث الثاني: خدمة المدونة قبل القاضي عياض

الذين تناولوا "المدونة" بالشرح والتعليق والاختصار قبل القاضي عياض يعدون بالعشرات.

أولاً: الشراح:

1 - أبو القاسم اللبيدي: المتوفى 400 هـ، وشرحه في مائتي جزء كبار في مسائل "المدونة" وبسطها والتفريع عليها وزيادات الأمهات ونوادر الزيادات 1. 2 - أبو حفص عمر بن عبد النور، ابن الحكار: وشرحه في نحو ثلاثمائة جزء 2. 3 - خلف بن بهلول البريلي: المتوفى 444 هـ، جمع فيه أقوال أصحاب مالك، وهو كثير الفائدة، وكان أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه (شيخ القاضي عياض) يقول: من أراد أن يكون فقيهاً من ليلته فعليه بكتاب البريلي 3.

4 - محمَّد بن يحيى بن لبابة: المتوفى 330 هـ في كتابه "المنتخبة"، وهي على مقاصد الشرح لمسائل "المدونة"، قال فيه ابن حزم: ما رأيت لمالكي أنبل منه في جمع روايات المذهب وتأليفها وشرح مستغلقها وتفريع وجوهها (1). ويمكن أن يدرج في الشروح بعض المؤلفات التي قد تبدو مستقلة مثل: جامع ابن يونس وتبصرة اللخمي ومقدمات ابن رشد.
ويذكر هنا أيضاً مشروعان لشرح "المدونة" لم يتما، أولهما: للقاضي عبد الوهاب البغدادي (2)، وثانيهما: للقاضي أبي الوليد الباجي (3).

ثانياً: الشروح الجزئية:

من المؤلفين من عالج مسائل "المدونة" جزئياً، واكتفى بتحليل وبيان جوانب الغموض فيها، وفي هذا تدخل المؤلفات المسماة بالتعاليق والنكت، ومنها: 1 - تعاليق أبي إسحاق التونسي إبراهيم بن حسن بن إسحاق، وهي مستعملة متنافس فيها 4. 2 - تعليق، تتمة لتعاليق أبي إسحاق التونسي لكل من عبد الحميد الصائغ 5 وأبي عبد الله بن سعدون 6. 3 - تعليق أبي القاسم بن محرز المسمى: "التبصرة" 7.123

4 - ويذكر هنا تعليق أبي الطيب عبد المنعم بن إبراهيم ابن بنت خلدون (1)، وتعليق عثمان بن مالك (2)، ونكت عبد الحق الصقلي (3)، وأبي القاسم السيوري (4) وغيرهم.

ثالثاً: المختصرون:

من المالكية من اختصر كتاب "المدونة" تقريباً للفظها، وهؤلاء كثيرون لا حاجة للتمثيل لهم، إذ الاختصار لا يدخل في مجال كتاب القاضي عياض، على أنه تنبغي الإشارة إلى بعض المختصرات التي هي في الوقت ذاته نوع من الشروح لما يضيفه أصحابها من نصوص خارج "المدونة" أو يؤولونها حسب أفهامهم واختياراتهم، أو يتصرفون في بناء "المدونة" وصناعتها التأليفية، وأهم هذه النماذج اثنان: 1 - مختصر ابن أبي زيد القيرواني، ولنتأمل فقط في هذه التراجم التي عقدها:

  • مختصر الجراح والديات والعقول والقسامة من المختلطة ومن المجموعة ومن غيرهما من قول ابن القاسم وروايته، غير مميز ما فيه من المختلطة، وفيه قول غيره وروايته، كل ذلك من غير المختلطة 5.
  • اختصار كتب الحج من المختلطة مما دخل من بعضها في بعض وبما دخل من غيرها فيها 6.
  • مختصر الفرائض من غير "المدونة" من قول مالك في "الموطأ" وغيره.
    71234

وقال في آخر كتاب "الشفعة": "وقد نقلت مسائل يسيرة من كتاب "الشفعة" إلى "البيوع" وإلى "الاستحقاق" وإلى "الحوالة" و"الأحباس" و"الأقضية" و"الشهادات"." (1). ولعل هذا ما جعل الناس يميلون إلى مختصر البراذعي - وهو تلميذ ابن أبي زيد - لخلوه من الزيادات (2)، ولعله أيضاً ما حمل أبا عبد الله بن الطلاع أن يخرج زوائده (3) ويؤلفه على الولاء (4). 2 - أبو عبد الله بن أبي زمنين في كتابه المقرَّب "في اختصار "المدونة وشرح مشكلها والتفقه في نكت منها، ليس في مختصراتها مثله باتفاق" (5). وأعاد ترتيبه على الولاء كذلك أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر اللواتي شيخ القاضي عياض (6).

رابعاً: ضبط الألفاظ وشرح المصطلحات:

وأخيراً فإن من اهتمام المالكية التأليف خاصة في ضبط وتحليل ألفاظ "المدونة" وشرح غريبها ومصطلحاتها، ومن ذلك: 1 - تفسير "غريب المدونة" لمنذر بن سعيد البلوطي القاضي الظاهري، نقل عنه المؤلف في "التنبيهات"، وأبو الحسن الصغير في التقييد، والرهوني في حاشيته 7...123456

2 - جزء في ضبط ألفاظ "المدونة" لعبد الحق الصقلي 1. بل في المالكية أيضاً من عمل على إعادة ترتيب مادة "المدونة" وتخليصها من الاختلاط الذي يشوبها وما زال، بالرغم من جهود سحنون في تهذيبها وترتيبها، ولذلك تسمى أيضاً: بـ "المختلطة" 2... وبالرغم من هذه الجهود المتضافرة التي أنجز معظمها في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فإن الإشكال لم يحل، وإن واقع المتفقهة والشيوخ مع "المدونة" ظل بحاجة إلى إعادة تصحيح، ومن يقرأ مقدمة القاضي عياض للتنبيهات يتأكد من هذا، وما ذلك إلا لأن الأمر لم يؤت من بابه ولم يوكل لأربابه.
أما أنه لم يؤت من بابه، فلأن الكتاب بحاجة إلى معالجة بمنهجية غير منهجية الشراح والمحشين والمعلقين الذين حاولوا أن يشرحوا روايات "المدونة" بروايات الأمهات الأخرى، ويحللوا ألفاظها تحليلاً لغوياً، ويستنبطوا منها من منطوقاتها ومفهوماتها وكأنها ألفاظ الشارع... وأما أن المهمة لم يقم بها أهلها، فلأن "المدونة" روايات وسماعات، وآراء واجتهادات، ولغات ومصطلحات، وهي أم مذهب له أصوله وقواعده، بعضها في "المدونة" وبعضها خارج "المدونة".
ولتمثيل وتحليل وتركيب هذه المنظومة يحتاج إلى عالم موسوعي؛ فقيه ومحدث ولغوي ومقاصدي، ومن يوازن بين موسوعية عياض وتكوين أغلب الفقهاء المؤلفين قبله يجده مؤهلاً لهذا.
وقد عبر أحد العلماء عن هذه الحقيقة موازناً بين المنهجين القروي الأندلسي في تناول "المدونة" وبين منهج مالكية العراق المتأثرين بمناهج المذاهب الفقهية السائدة هناك، فقال:

"وقد كان للقدماء رضي الله عنهم في تدريس "المدونة" اصطلاحان: اصطلاح عراقي واصطلاح قروي؛ فأهل العراق جعلوا في مصطلحهم مسائل "المدونة" كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين.
وأما الاصطلاح القروي فهو البحث عن ألفاظ الكتاب وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار وترتيب أساليب الأخبار وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق عوامل الإعراب أو خالفها... ويحقق ما قلناه تصرف التونسي في تعاليقه اللطيفة المنزع، واللخمي في تبصرته البارعة الختام والمطلع، إلى غير ذلك من تآليف القرويين وتعاليق المحققين من شيوخ الإفريقيين.
وقد سلك القاضي عياض في تنبيهاته مسلكاً جمع فيه بين الطريقتين والمذهبين، وذلك لقوة عارضته" 1. ونص القاضي أبو بكر بن العربي على تباين المنهجين في قوله: "قرأنا "المدونة" بالطريقتين القيروانية في التنظير والتمثيل، والعراقية على ما تقدم من معرفة الدليل" 2.

خدمة المدونة بسبتة: هذا الفرش يقصد إلى بيان حضور الدرس الفقهي بوساطة "المدونة" ببلد القاضي عياض سبتة قبيل زمنه وأثناءه حسب ما توفره المصادر، وهو

كاف في تقريب الصورة ودلالتها على تبوئ "المدونة" عالي المراتب وصدور المجالس العلمية؛ فمن الفقهاء الذين درسوها بموطن القاضي عياض: 1 - مروان بن عبد الملك اللواتي المتوفى 491 هـ، وسمع منه خالا عياض المتقدم ذكرهما 1. 2 - محمَّد بن خلف بن العاصي 2. 3 - القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الأموي السبتي: المتوفى 520 هـ، شيخ القاضي عياض؛ قال عنه ابن حمادة في مختصره "للمدارك": شاهدته في المناظرة في "المدونة" يلقي الكتاب تحت كتبه 3، ويلقي من صدره 4. 4 - عبد الله بن إبراهيم بن جماح: قال عنه ابن حمادة: آخر ندرات سبتة، بل ندرات المغرب، استخلفه أبو الوليد الباجي على إلقاء "المدونة" في مجلسه عند سفرة سافرها، فتعجب أهل دانية من حفظه 5. 5 - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الرحمن بن العجوز، قال عنه ابن حمادة: حضرت مجلسه في تدريس "المدونة" وغيرها فما رأيت أحسن منه احتجاجاً ولا أبين منه توجيهاً 6. ويمكن الحديث في سبتة عن جيل من طلبة "المدونة" ممن أخذوا وتأثروا بمنهج أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي أحد أكبر شيخي القاضي عياض في رواية "المدونة" منهم: 6 - ابنه عبد الله بن محمَّد بن عيسى: قال عنه ابن حمادة: حضرت

مجلسه فما رأيت مثله في تتبع ألفاظ "المدونة" واستخراج الخلاف من آثارها وفهم معانيها وإيقاع الخلاف موقعه 1. 7 - أبو بكر بن حجاج بن صالح: قال عنه ابن حمادة: حضرت مجلسه في تدريس البراذعي عرضاً، فما رأيت أقوم منه عليه ولا أكثر استخراجاً للخلاف من ألفاظ "المدونة".
8 - أبو علي بن سهل الخشني: من أصحاب ابن عيسى، قال عنه ابن حمادة: درس "المدونة"، وكان مجلسه من أحسن المجالس وأوعبها لخلاف المذهب وجمع ما وقع في "المدونة" من أقوال ابن القاسم وغيره، وتكلم عليها فيما اتفقا واختلفا بكلام دقيق حسن المعنى 2. 9 - أبو عبد الله محمَّد بن قاسم - من أصحاب ابن عيسى -: قال عنه ابن حمادة: درس "المدونة"، وكان ذهب في تدريسها مذهب شيخه أبي عبد الله بن عيسى في إلقاء النظائر للمسائل من كل كتاب من "المدونة" 3. والقاضي عياض أحد من لازم أبا عبد الله بن عيسى كثيراً للمناظرة في "المدونة" 4، قال: ناظرت في جميعها عليه مناظرات عدة، وقرأت عليه الكثير منها رواية وضبطاً 5. 10 - كما أنه ناظر فيها مدة طويلة على شيخه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الأموي 6.

11 - وناظر فيها أيضاً على شيخه القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد البصري 1. 12 - وناظر فيها على شيخه القاضي أبى محمَّد عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن منصور اللخمي 2.

المبحث الثالث: روايات المدونة وأسانيدها

يصعب التكهن بأعداد طلبة العلم الدارسين "للمدونة" الراوين لها عن سحنون، ويتحدث المؤرخون عن أفواج الطلبة القاصدين أو العابرين يبتغون رواية الكتاب، كما يذكرون في تراجم بعض الطلبة أنه حضر عرضتي "المدونة" أو عرضاتها 1، ومن أهل الأندلس بالذات نجد مجموعات وأسماء معروفة؛ يذكر عيسى بن مسكين: أن قوماً من الأندلسيين قد كتبوا "المدونة" وأرادوا أن يسمعوها من سحنون 2... ويذكر إبراهيم بن محمَّد بن باز أحد أشهر رواة "المدونة" عن سحنون بعد أن حكى واقعة بينه وبين سحنون أغضبت الشيخ فقال: يا أهل الأندلس، ما تبالون عمن تأخذون دينكم! قم، والله لا قرأت لكم حرفاً! فقمنا، فلما كان بعد أيام لم نشعر إلا وسحنون واقف على بيتي عليه فرو وبيده عصا، فقال: السلام عليكم، أي شيء تكتب؟ فرددت عليه السلام وقلت له: أكتب كتاباً من "المدونة".
فقال لي: يا أهل الأندلس، أنا أحبكم لأنكم قوم سنة وخير، ثم مضى.
فجئنا يوماً ثانياً وكنت أنا القارئ عليه 3...

وهذه هي روايات الكتاب الواردة في المصادر والفهارس والأسانيد المختلفة: فروايات القرويين رواية يحيى بن عمر 1، وأحمد بن داود 2، وجبلة بن حمود الصدفي 3، وسعيد بن إسحاق الكلبي 4، وإبراهيم بن داود بن رقيق 5، وعيسى بن مسكين 6. وروايات الأندلسيين: رواية ابن وضاح 7، وإبراهيم بن باز 8، وإبراهيم بن هلال 9، والعتبي 10، وعثمان بن أيوب 11، وحمدون بن عيسى 12، وأحمد بن سليم القروي 13، ومحمد بن مروان بن خطاب وابنيه خطاب وعميرة 14، وهم آل ابن أبي جمرة 15.

وفي كتاب "التنبيهات" نقول عن روايات لأصحاب سحنون يغلب على الظن أنهم رووا "المدونة" أيضاً.
ويرد في المصادر أيضاً أسانيد "للمدونة" لا تنتهي إلى الرواة عن سحنون (1). أما أسانيد المؤلف في "المدونة"، فكما قال في مقدمة "التنبيهات": "هي من طريق النقل والرواية كثيرة"، وهذا هو الظن بمن نصب نفسه لمعاناة قضايا الكتاب.
ومر بنا قبل هذا أربعة من شيوخه في "المدونة" بسبتة، ولا نجد لثلاثة منهم ذكرا في الأسانيد الواردة في "التنبيهات" ولا في "الغنية".
ومراعاة للتنويع، والاستقصاء كذلك، نذكر رواياته الأندلسية والقروية.

أولاً: الروايات الأندلسية:

1 - رواية ابن وضاح: أ - قال المؤلف: "... قرأت بلفظي، وسمعت بقراءة غيري، جميع الكتب "المدونة والمختلطة" بمدينة قرطبة - حرسها الله - على الشيخ الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد بن عتاب رحمه الله سنة سبع وخمسمائة، وعارضت كتابي بأصل أبيه العتيق.
وحدثني بجميع ذلك عن أبيه عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم عن أحمد بن خالد عن محمَّد بن وضاح وإبراهيم بن محمَّد بن باز وإبراهيم بن قاسم بن هلال، عن سحنون بن سعيد التنوخي".
ب - قال المؤلف: "قال القاضي أبو عبد الله بن عيسى: ونا بها أيضاً الفقيه أبو عبد الله محمَّد بن فرج - مولى ابن الطلاع - قال: نا أبو علي الحسن بن أيوب الحداد عن محمَّد بن عبيدون عن محمَّد بن وضاح عن1

أبي سعيد - سحنون بن سعيد - التنوخي عن أبي عبد الله - عبد الرحمن بن القاسم - العتقي".
2 - رواية ابن باز: يرويها المؤلف بالسند الأول ذاته الذي رواها به عن ابن وضاح (1). 3 - رواية ابن هلال كذلك يرويها بالسند نفسه (2).

ثانياً: الروايات القروية:

1 - رواية أحمد بن داود: قال المؤلف: "وقرأت الكثير منها، على جهة التقييد والسماع أيضاً، بسبتة - حرسها الله - على الفقيه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي رحمه الله في سنة سبع وتسعين وبعدها، وناظرت عليه فيها غير مرة قبل التاريخ وبعده، وقرأ علينا أكثرها بلفظه، وأجازني بجملتها وحدثني بها عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل عن أبي محمَّد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عن أبي الحسن علي بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون" 3. هكذا أورد المؤلف هذا السند في "التنبيهات"، غير أنه استثنى في "الغنية" فقال: "إلا كتابي الوصايا وجنايات العبيد، فإن ابن مسرور إنما يرويهما عن سعيد بن إسحاق عن سحنون" 4. 2 - رواية يحيى بن عمر: يرويها المؤلف بالسند السابق إلى الأصيلي، قال: "نا بها أيضاً أبو العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر وأحمد بن داود عن سحنون" 5.12

ولأن دراسة هذه الأسانيد هنا قد يكون تكراراً لما سيأتي في النص المحقق، فأرى اقتضاب شهادات تقدر روايات هؤلاء الأعلام وضبطهم لكتبهم.
وناهيك بابن وضاح المحدِّث الناقد الذي عليه معول أهل الأندلس في الحديث، وعليه عول المؤلف أيضاً فيما طرح سحنون وأثبت في "المدونة".
ومما يدلّ على أهمية نسخته ما ذكر ابن الفرضي في ترجمة وهب بن مسرة أنه: "استقدم إلى قرطبة وأخرجت إليه أصول ابن وضاح التي سمع فيها 1، وقرئ عليه "المدونة"... " 2. وقد عورضت نسخة ابن عتاب - شيخ القاضي عياض - على هذا الأصل كما صرح به المؤلف في "التنبيهات".
أما إبراهيم بن باز فيشهد له تلميذه أحمد بن خالد بقوله: "كان من أهل التحفظ بكتبه والضبط والتحري فيها، يرُد الواو فيها والألف، ولولاه ما صحت لنا كتب الرأي، ولم يضبط أحد الرأي ضبطه، وكان ابن وضاح أضبط للحديث، وأبو إسحاق (يعني: ابن باز) للرأي، وليست تصح رواية يحيى بن يحيى في "الموطأ" إلا من رواية إبراهيم بن محمَّد، فإنه تحرى كتاب يحيى بن يحيى حرفاً حرفاً... وكان من أحفظ الناس "للمدونة" وأضبطهم لها" 3. وإذا اجتمعت روايات ابن وضاح وابن باز وابن هلال لتلميذهم أحمد بن خالد بن الجباب المحدِّث الفقيه الضابط المتقن 4، تيقنا مدى الثقة بهذه الروايات وسلامتها.

أما أحمد بن أبي سليمان القروي فقد صحب سحنون عشرين سنة، وكان يصبر على السماع، أسمع الناس عشرين سنة، وكان يقول: أنا حبس، وكتبي حبس 1، وإن كان ابن حارث قد طعن فيه 2. وأما يحيى بن عمر فقال عنه ابن حارث: "رحل إليه الناس ولا يروون "المدونة" و"الموطأ" إلا عنه، وكان ضابطاً لما روى، عالماً بكتبه، متفنناً شديد التصحيح لها" 3. والملاحظ أن المؤلف - وهو يسرد أسانيده - قدم روايات الأندلسيين على روايات الإفريقيين، وقدم رواية شيخه الأندلسي ابن عتاب - وإنما سمعها منه سنة 507 هـ - على رواية شيخه وبلديه ابن عيسى - وكان قد سمعها وناظر بها قبل سنة 497 هـ وفي أثنائها وفيما بعدها.
وأغلب رجال هذه الأسانيد بما فيها أسانيد الروايات القروية أندلسيون أيضاً.
هذه بعض أسانيد القاضي عياض المعروفة، ويمكن لقارئ "التنبيهات" أن يتأكد من روايته وأخذه لها عن شيوخ آخرين، ويتأكد أكثر من ذلك من اطلاع المؤلف على نسخ كثيرة لم يشد المؤلف رحاله إلى الأندلس منتصف جمادى الأولى سنة سبع وخمسمائة 4 إلا لاستكمال الرواية ومزيد من المقابلة والتصحيح والإسناد، وإلا فقد روى وناظر وتفقه في "المدونة" على يد شيوخه السبتيين كما سبق.
وكأن هذه الرحلة والرغبة من القاضي عياض قضية أهل المغرب ودولته، حتى إن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين كتب إلى قاضيه بقرطبة أبي عبد الله بن حمدين: بأن أبا الفضل "ممن له حظ في العلم حظ نبيه ووجه ووجيه، وعنده دواوين أغفال لم يفتح لها

على الشيوخ أقفال، وقصد تلكم الحضرة ليقيم أود متونها... " 1.

أسانيد القاضي عياض إلى المدونة: اعتنى عياض رحمه الله بذكر أسانيده إلى جميع العلوم التي يبثها، ويقوم بنشرها، وتدريسها لطلبته، وعيا منه بأن الإسناد ركن من أركان الدين.
فذكر أسانيده إلى كل العلوم التي أخذها عن شيوخه في كتابه "الغنية".
ولم يقتصر ذكره لهذه الكتب على سند واحد بل روى كل كتاب من هذه الكتب بأسانيد كثيرة، وما "المدونة" إلا جزء يسير من العلوم التي أخذها بهذه الطريقة.
ولما أراد أن يؤلف كتابه "التنبيهات" على "المدونة" قام أولاً بعرض الأسانيد التي أخذ بها "المدونة" فقال في مقدمة الكتاب: ذكر أسانيدنا في هذا الكتاب التي حملناها بها، وأداها لنا شيوخنا إلى مؤلفها، رحم الله جميعهم، وهي من طريق النقل والرواية كثيرة، واقتصرت منها هنا على ما أذكره، فقرأت بلفظي وسمعت بقراءة غيري، جميع كتب "المدونة والمختلطة" بمدينة قرطبة حرسها الله على الشيخ الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد بن عتاب رحمه الله سنة سبع وخمسمائة، وعارضت كتابي بأصل أبيه العتيق، وحدثني بجميع ذلك عن أبي بكر عبد الرحمن 2 بن أحمد التجيبي عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم عن

أحمد بن خالد عن محمَّد بن وضاح وإبراهيم بن محمَّد بن أبان وإبراهيم بن القاسم بن هلال عن سحنون بن سعيد التنوخي.
قال أبو عبد الله بن عتاب: وحدثني به أيضاً أبو القاسم خلف بن يحيى الفهري عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج عن أحمد بن خالد.
قال خلف بن يحيى: وحدثنا بها أيضاً أبو محمَّد بن أبي العطاف، عبد الله بن يوسف، عن ابن وضاح عن سحنون.
قال المؤلف رحمه الله: وقرأت الكثير منها على جهة التقييد والسماع أيضاً بسبتة حرسها الله على الفقيه القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي رحمه الله في سنة سبع وتسعين وبعدها، وناظرت عليه فيها غير مرة قبل التاريخ وبعده، وقرأ علينا أكثرها بلفظه، وأجازني بجملتها، وحدثني بها عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل عن أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عن أبي الحسن علي بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون.
قال الأصيلي: وحدثنا بها أيضاً أبو العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر وأحمد بن داود عن سحنون.
قال القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عيسى: وحدثنا أيضاً بها الفقيه أبو عبد الله محمَّد بن فرج مولى ابن الطلاع قال: حدثنا أبو علي الحسين بن أيوب الحداد عن محمَّد بن عبيدون عن محمَّد بن وضاح عن أبي سعيد سحنون بن سعيد التنوخي عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي.
من خلال هذه المقدمة يمكن استخلاص الأسانيد الآتية:

أ - أسانيده عن ابن وضاح 1:

السند الأول: أبو محمَّد عبد الرحمن بن عتاب 1 عن أبيه 2 عن أبي بكر بن عبد الرحمن 3 التجيبي 4 عن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم 5 عن أحمد بن خالد 6 عن ابن وضاح عن سحنون.
وبهذا السند كذلك أخذ = وإبراهيم بن المنذر، وسحنون بن سعيد، والصمادحي، وغيرهم.
وأخذ عنه أحمد خالد، ومحمد بن لبابة، توفي سنة 286 هـ. المدارك: 4/ 435 - 440. سير أعلام النبلاء: 13/ 445، المعين في طبقات المحدثين: ص: 104، طبقات الحفاظ: ص: 287، طبقات الفقهاء: ص: 165، الديباج: ص: 239.

عن أحمد بن خالد روايتي إبراهيم بن محمَّد بن باز وإبراهيم بن قاسم بن هلال 1 عن سحنون 2. السند الثاني: أبو عبد الرحمن بن عتاب عن أبيه عن أبي القاسم خلف بن يحيى الفهري الطليطلي عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج 3 عن أحمد بن خالد عن ابن وضاح 4 عن سحنون.
السند الثالث: أبو عبد الرحمن بن عتاب عن أبيه عن أبي القاسم خلف بن يحيى الفهري 5 عن أبي محمَّد بن أبي العطاف عبد الله بن يوسف 6 عن ابن وضاح عن سحنون.
وهذه أسانيده إلى ابن وضاح أخذها بقرطبة، وله سند رابع إلى ابن وضاح أخذه بسبتة وهو الرابع.
السند الرابع: أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي 7 عن محمَّد بن

الفرج مولى ابن الطلاع 1 عن أبي علي الحسن بن أيوب الحداد 2 عن محمَّد بن عبيدون 3 عن ابن وضاح عن سحنون 4.

ب - سنده إلى رواية أحمد بن داود 5: أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي عن محمَّد بن خلف بن المرابط عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل 6 عن أبي محمَّد عبد الله بن

إبراهيم الأصيلي 1 عن أبي الحسن علي بن مسرور الدباغ 2 عن أحمد بن داود عن سحنون 3 أشار عياض إلى بعض كتب "المدونة" التي لم يأخذها بهذا السند فقال: وحدثنا بها أيضاً رحمه الله - وهو يقصد محمَّد بن عيسى التميمي - عن القاضي أبي عبد الله بن المرابط عن الفقيه أبي الوليد بن ميقل، عن أبي محمَّد الأصيلي، عن أبي الحسن بن مسرور عن أحمد بن داود عن سحنون، إلا كتابي "الوصايا" و"جنايات العبيد"، فإن ابن مسرور إنما يرويهما عن سعيد بن إسحاق 4 عن سحنون 5.

ج - سنده إلى رواية يحيى بن عمر 6: = مات في شوال سنة ست وثلاثين وأربع مئة بمرسية ودفن في قبلة جامعها وله أربع وسبعون سنة.
سير أعلام النبلاء ج: 17 ص: 586. الصلة: 2/ 527.

أبو عبد الله محمَّد بن عيسى التميمي عن ابن المرابط 1 عن ابن ميقل عن الأصيلي أبي العباس عبد الله بن أحمد الإبياني عن يحيى بن عمر 2 عن سحنون.

المبحث الرابع: اختلاف نسخ المدونة (محاولة للتأريخ لنص المدونة)

مما يساعد على فهم مشكلات نص "المدونة" المتسم باختلاف الإلمام بالسياق التاريخي لهذا الكتاب، ثم ما نتج وتراكم من مشاكل بفعل هذا السياق.

أولاً: السياق التاريخي للمدونة:

الجدير بالذكر أن هذا الكتاب المهيمن على المذهب المالكي دوّن وصيغ على المنهج العراقي الحنفي لما قدم أسد بن الفرات القيرواني - تلميذ مالك ومحمدِ بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة - بالفقه الحنفي، وطلب من ابن القاسم أن يجيبه عن فروعه إجابات مالكية، فأجابه إجابات من حفظه ومن اجتهاده 1، ثم دفع إليه سماعه من مالك وقال له: ربما أجبتك وأنا على شغل، ولكن انظر في هذا الكتاب، فما خالفه مما أجبتك فيه فأسقطه 2. وهكذا ألف أسد كتابه "الأسدية" في ستين كتاباً 3.

فهكذا يمكن أن تبدأ بنية الكتاب في الاختلاف على يد أسد نفسه لوصاة ابن القاسم إياه بعد أن ناوله سماعه الحاوي لكل علمه عن مالك - وهو بشهادة أبي زرعة ثلاثمائة جلد - 1 وفيه عشرين كتاباً 2. ثم نذكر روايات أخرى أو نسخاً أخرى من "الأسدية" ليس في القيروان، لكنها امتدت إلى الأندلس وانتشرت في مصر؛ إذ ثبت أن أسد بن الفرات أجازها لأهل مصر، وأن مدار أهل مصر عليها 3، وأن الفقيه المصري أبا زيد بن أبي الغمر "هو راوية "الأسدية" والذي صححها على ابن القاسم بعد ابن الفرات" 4، وله ولفقيهين مصريين آخرين اختصار للكتاب، وهما: محمَّد بن عبد الحكم 5 والبرقي 6. بل إن القاضي عياضاً نقل عن مختصر ابن أبي الغمر في "التنبيهات" ووصفه في "المدارك" بأنه كتاب موعب حسن لطيف 7. أما الرواية الأندلسية للأسدية فكانت على يد عيسى بن دينار، وقد حضر لتدوين أسد إياها على ابن القاسم 8. وما كانت روايته ونسخته لتبقى على أصلها أيضاً، فإنه بعد أن بلغه تراجع ابن القاسم عن بعضها كتب إليه سائلاً أن يبين له ما رجع عنه، فأجابه: "قد قرأت كتابك وفهمته، فاعرض ما كتبت عني على عقلك وعلمك، فما رأيت منه صواباً فأمضه، وما أنكرته فدعه" 9. وكان من رواتها الأندلسيين المتأخرين: سبرة بن مذكر التميمي الألبيري: المتوفى 314 هـ، سمع من أبي إسحاق البرقي، وقُرئت عليه كتب

جارٍ التحميل