كتاب (1) الوديعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2
قوله في الكتاب: "بلغني [عن مالك] 3 أنه سئل عن رجل 4 أنه استودع 5 مالاً فدفعه 6 لامرأته [تدفعه له] 7 فلم ير عليه ضماناً" 8.
وقال ابن القاسم: إذا استودعه امرأته، وخادمه 9، ليرفعاه 10 في بيته لم يضمن 11. فإن هذا مما لا بد منه.
وقال أيضاً بعد هذا محتجاً له: "فكذلك في زوجته وخادمه اللتين 121
يرفعان له، لا ضمان عليه، إذا دفعها إليهما ليرفعاها له في بيته" 1.
حمل ذلك بعض الشيوخ على الخلاف.
وأنهما قولان.
فابن 2 القاسم شرط عادتهما معه 3 في ذلك.
ومالك لم يشترطه 4. وأكثرهم حمله 5 على الوفاق، والتفسير وهو ظاهر الكتاب، يدل عليه قياس ابن القاسم لها على قول مالك إذا خاف فاستودعها 6 غيره لا يضمن 7، فكذلك امرأته.
قال أبو عمران: كأنه يقول: إذا احتاج إلى رفع زوجته وخادمه من أجل أنهما اللذان يرفعان 8 له، ويطلعان 9 على أسراره جاز لضرورته 10، كما جاز للذي أراد سفراً، أو خرب منزله.
وأما قوله بعد: "وأما العبد والأجير، فعلى ما أخبرتك" 11. ظاهره أنه كالمرأة، والخادم، على ما تقدم من تفصيله، وعادته معهما، على ما اختصره المختصرون.
وهو مقتضى 12 مراده، ومفهومه من الكتاب.
ويدل عليه مسألته، والاحتجاج بعد ذلك بقول مالك المتقدم في الزوجة.
ولا فرق بين معنى الخادم والأجير.
وقد تأوله بعضهم فيما حكاه القاضي ابن سهل، في [بعض] 13
تعاليقه.
بخلاف الزوجة وضعفه، كما 1 هو تأويل ضعيف.
وكذلك حمل بعضهم قول أشهب في تضمينه، في إيداعها الخادم عبداً كان أو أجيراً 2، وإن كان في عياله على الخلاف، وحمله آخرون على الوفاق، وأن معناه [من] 3 ليس من عادته إيداع متاعه، ورفع ماله عنده.
قال محمد: إذا جعل ذلك عند غير من بيده ماله، والقيام [به] 4، ضمن.
وقوله: "إذا أراد سفراً له إيداعها" 5. معناه وربها غائب.
وهي بينة في الكتاب بعد هذا.
قال: إن لم يكن حاضراً فيردها عليه له أن يستودعها.
وقوله: إذا خرج بالوديعة 6 ليطلبهم بها فهو ضامن 7، لأنه عرضها للتلف.
خرج [بعض] 8 الشيوخ الخلاف في هذا الفصل من مسائل وقعت في كتاب ابن حبيب، لأصبغ، في توجيه القاضي مال الأيتام.
ولمالك في كتاب محمد في الأوصياء، وفي المبضع لحدث 9 له إقامة، وأشباهها، [من] 10 جواز السفر بالمال، وتوجيهه لأربابه، ورفع 11 الضمان في ذلك.
وخرج بعضهم [هذا] 12 من المدونة أيضاً، من كتاب الجهاد، من
مسألة المستأمن يموت عندنا، ويترك مالاً 1.
[وقوله: "فليرد ماله لورثته ببلده، وقال غيره 2: يدفع ماله لحكامهم 3 " 4 لأنه 5 مات عندهم] 6
وقوله في خلط الحنطة إذا خلطها على وجه الحرز، والرفع، فلا ضمان عليه 7 ببينة، إن خلطه 8 لما يخلطه إنما 9 لا يضمنه إذا كان لهذا وشبهه من النظر.
لأن جمعها أحرز لها 10 من تفريقها، أو أرفق به من شغل مخزنين بذلك، وكرائهما، وحيطتهما.
وهو المراد بالرفع، وأن الخلط إذا كان لغير 11 هذا من تعد، أو أخذها لنفسه، إنه فيها ضامن.
ولا فرق في هذا بين الطعام والدراهم.
وقوله: لأن "دراهم هذا تعرف من دراهم هذا" 12 يدل (على) 13 أنها مختلفة، وإن خلط الدراهم المختلفة لا يضمن به 14، لأنها تتميز، وكذلك يجب لو خلط دنانير عنده 15 وديعة، بدراهم له في كيس 16، لم
يضمن [لأنها تتميز] 1.
وقوله في خلط الصبي قمح الوديعة بشعير المودع: "أن لهما أن يتركا الصبي، ويشتركان.
هذا بقيمة [148] شعيره.
وهذا بقيمة حنطته" 2. يريد بعد معرفتهما بالكيل.؛ وهذا مذهب أشهب أيضاً.
ومنعه سحنون.
وقال: لا يجوز رضاهما بذلك.
كما لا يجوز لرجلين خلط مثل ذلك على أن يشتركا.
واختلف في معنى شركتهما التي (ذكر) 3 في الكتاب.
فحكي 4 عن سحنون أن [مراده أن] 5 يشتركا بقيمة ما لكل واحد منهما غير مختلط 6. وقيل: [بل] 7 بقيمتهما مختلطين 8.
وقيل: بقيمة 9 القمح معيباً، بما خلطه من الشعير.
وبقيمة الشعير مجرداً، إذ لا يعيبه خلط القمح، وكذلك 10 قال سحنون.
وقوله: [بعد ذلك] 11 "قلت 12: بقيمته 13 بالغاً ما بلغت.
قال: لا، ولكن 14 ينظر إلى كيل حنطته، فيقوم، وكيل شعيره 15، فيقوم، ويكونان
شريكين" 1. هذا لفظ فيه تلفيف، وإشكال.
وبيانه 2: أنه لا يراعي اختلاف قيمته الآن، أو الأخذ 3 بأرفع القيم، إذ [قد] 4 تختلف الأسعار، وإنما يراعى قيمتهما يوم الخلط، والعد.
أو تفسير هذه الشركة بعد هذا على مذهب ابن القاسم، أنه إذا بيع القمح المخلوط اقتسما 5 الثمن على قدر قيمة طعام كل واحد منهما 6.
وقال أشهب: [بل] 7 يكونان شريكين على السواء، لا على القيم.
يعني بالكيل، لأن كل واحد منهما [كأنه] 8 بادل نصف طعامه بنصف طعام صاحبه، والكيل سواء، ولم يجزه على القيم، لأنه عنده كابتداء 9 شركة على خلط النوعين، وذلك لا يجوز.
وقوله: "في العبيد إذا أخذوا الودائع بإذن سادتهم 10، هو دين في ذمتهم 11 " 12. يريد وأموالهم كسائر الديون، وكذلك نص عليه في كتاب محمد 13. وهو دليل الكتاب من قوله بإثر المسألة: ما 14 أفسده 15 الصناع
من العبيد أنه في ذممهم 1، وأموالهم 2.
وقوله في الذي بعث بمال إلى بلد ليدفعه 3 لرجل فهلك الرسول بالبلد، ولم توجد البضاعة، ولا اعترف المبعوث إليه بقبضها، يحلف من ورثة الرسول الكبار، ما يعلم لها سبباً، ولا شيء لرب المال في تركة الرسول 4، وخالف في هذا أشهب.
وقال: هو ضامن.
حمله أكثرهم على الخلاف.
وتأول حمديس قوله في الكتاب، أن هذا فيما تطاول.
وأن الذي يجيء على أصله في القرب أن يضمن.
وكذلك ضمنه في كتاب محمد.
وقوله فيمن دفع وديعة عنده لرجل، وقال لربها: بذلك أمرتني، وأنكر ربها، هو ضامن، إلا أن تقوم له بينة بأمره بذلك 5، ولم يقل في الكتاب أنه قامت البينة على دفعها، وكذلك يأتي على أصله.
وكذلك 6 قال أشهب: هو ضامن، وإن شهدت البينة بأمره 7، حتى تقوم البينة على أنه دفع 8. وفي المبسوط 9 لابن وهب عن مالك: إن لم يشهد ربه 10 عليه بها صدق الرسول أنه أمره بذلك ويحلف.
وفي كتاب ابن حبيب لعبد الملك، أن الرسول مصدق بكل حال، كان
ديناً، أو صلة.
أنكره 1 القابض، أو أقر له.
إلا أن يقول [له] 2: اقض عني فلاناً 3 دينه علي، فيضمن إن لم يشهد 4.
وقوله: "إذا أمره أن يدفع المال إلى فلان فدفعه، وصدقه المدفوع إليه إنه بريء" 5. يريد وإن لم تقم البينة 6 على الدفع.
وكذا 7، هو (نص) 8 في بعض نسخ المدونة 9، مبيناً كما سنذكره بعد.
وقد اختلف في تأويلها.
فذهب ابن لبابة وغيره، أن معنى المسألة أنه 10 صدقه المبعوث إليه فهو مصدق، والرسول بريء، سواء كان القابض لها قبضها من حق، أو وديعة.
وهو ظاهر الكتاب، وعليه اختصر 11 أكثرهم، وهو أبين 12 في كتاب ابن حبيب.
وقال حمديس: إنما يجب أن يكون على أصله فيما أقر به المبعوث إليه [من حقوقه] 13، أو على وديعة هي قائمة بيده، وأما التي أقر بقبضها 14، وادعى تلفها، أو جحد القبض، فلا يبرأ الرسول إلا ببينة على الدفع 15.
وقاله جماعة من النظار الأندلسيين: ولفظه في الكتاب محتمل أن يكون من حق، أو وديعة 1، لأنه إنما قال: أمره أن يدفع 2 المال إلى فلان.
وصدقه المدفوع إليه.
وفي بعض روايات المدونة: المسألة مكررة بلفظ آخر، أبسط من هذا، وأبين في الحجة.
وفيها: فدفعه له بغير بينة، وهي ثابتة، صحيحة في رواية الدباغ.
وكذا جاءت في كتاب ابن عتاب 3.
وقوله: "في الذي بعث بالمال لرجل، فيقول المبعوث [إليه] 4: تصدق به علي، ويصدقه الرسول، ويجحد رب المال، قال: يحلف المبعوث إليه مع شهادة الرسول" 5. ظاهره جواز شهادته بكل حال، فعلى 6 هذا تأولها القاضي إسماعيل، وهو قول عبد الله 7 بن عبد الحكم، أن شهادة الرسول جائزة بكل حال، لأنه لم يتعد 8 لإقرار بها له 9 أنه أمره بالدفع إلى من ذكر، فشهادته جائزة 10.
وذهب سحنون (إلى) 11 أن معنى ذلك أن المال يزيد الرسول بعد لم يدفعه، ولو دفعه كان ضامناً، أو أنهما حاضران 12، والمال حاضر، ولو
أنفقه المبعوث إليه لم تجز شهادة الرسول 1، لأنه يسقط الضمان عن نفسه.
وقال أشهب: لا تجوز شهادة الرسول، لأنه يدفع عن نفسه الضمان 2.
وتأول أبو محمد مذهب أشهب على قريب من مذهب سحنون، أن المتصدق عليه عديم 3 وقد أتلف المال، ولا بينة للرسول على الدفع، وأما 4 وهو ملي، أو قامت للرسول 5 بينة على الدفع فشهادته جائزة 6.
وجعل بعضهم قول ابن القاسم وأشهب وفاقاً على [نحو] 7 ما ذهب إليه سحنون.
وتأوله ابن أبي زيد 8.
وهو مفهوم كتاب 9 محمد، وتعليله للقولين 10 أن 11 كل واحد منهما إنما تكلم على وجه لم يتكلم عليه الآخر.
وقول ابن عبد الحكم ينبني 12 على 13 اختلافهما، لقوله: هو أحب ما سمعت إلي في ذلك 14.
وقوله في المقر عند موته بودائع: "إن كان ممن لا يتهم فالقول
قوله" 1، يعني يتهم في إقراره له، لا أنه [149] أراد؛ تهمة 2 المقر في نفسه.
ومسألة المستودع لرجلين عند من تكون منهما؟.
أجاب عليها في الكتاب، في مسألة الوصيين، أنها تكون عند أعدلهما.
وإن 3 لم يكن فيهما عدل وضعه السلطان عند غيرهما 4. ثم قال ابن القاسم آخراً: وأراه مثله 5.
[قيل ذلك] 6 سواء.
ويكون عند الأعدل.
وهو قول أشهب، إلا أنهما إن اقتسماها لم يضمناها 7. وهذا 8 ظاهر قول ابن القاسم، إلا قوله في الوصيين، "فإن لم يكن فيهما عدل، وضعه السلطان عند غيرهما" 9، فهذا الفضل مختص بالوصيين.
وذهب سحنون، والقاضي إسماعيل، أنهما بخلاف الوصيين، وأنها لا تكون عند أحدهما، ولا تنزع منهما 10.
قال إسماعيل: ولا يقتسمانها 11، وليجعلاها حيث يثقانه 12، وأيديهما فيها 13 واحدة.
وقوله في الكتاب في المنفق على دواب الوديعة، إن لم تكن له على النفقة بينة، (ولكن) 1 له البينة أنها عنده منذ سنة، ثم قال: له النفقة 2 إذا قامت على ذلك بينة 3 أنها وديعة 4. كذلك الرواية 5.
ولابن أبي سليمان زيادة، أنها 6 عنده وديعة 7، ولا فرق بين الروايتين، متى قامت البينة أنها بيده، وتحت نظره، كما قال في الضوال، والإباق.
وقوله في الذي أنفق الوديعة على أهل صاحبها وأقروا له بذلك لا ينتفع بإقرارهم، إلا أن تقوم له بينة على ذلك 8، ويبرأ 9 إذا كان ما أنفق يشبه 10. زاد في رواية ابن وضاح، وابن باز، ولم يكن صاحب الوديعة يبعث 11 إليهم بالنفقة 12. وسقطت 13 لابن هلال.
وبها تتم المسألة، وتصح على أصله.
وكذا 14 بينها أشهب 15.
ووقع في بعض نسخ المدونة وقال غيره: إن صدقه أهله، وولده، وأقر رب الوديعة أنه لم يكن بعث إليهم [بشيء] 16 فلا شيء على
المستودع.
إذا [كان] 1 يشبه نفقة مثلهم، وإن 2 أنكر [رب] 3 الوديعة، وقال: كنت أبعث إليهم النفقة 4 ضمن المستودع ما أنفق 5.
وقوله في الذي زوج الأمة الوديعة وقد ولدت، رفي الولد وفاء لما نقصها التزويج، لا شيء عليه، ويردها ولا يغرم ما نقصها 6، معناه إن أراد أخذها، ولو أراد تضمينه أخذ قيمتها بغير ولد.
كذا جاء مفسرا بعد هذا في الكتاب.
وقال 7 ابن أبي زمنين: إذا أخذ قيمتها فعلى أنها خالية 8 من زوج يوم بنى بها الزوج".
وفي حاشية كتاب أبي عبد الله بن عتاب، عن بعض الشيوخ: قيمتها يوم تعدى عليها في إنكاحها.
وقوله في المدونة بعد هذا: "وإن أحب أخذها وولدها، وإن أحب أن يضمنه إياها إذا نفست، ويأخذ قيمتها" 9.
واختلف في معنى هذا اللفظ.
فقال ابن أبي زمنين: سقطت لفظة: إذا نفست من بعض الروايات.
وسقوطها أصح.
وتأول بعضهم اللفظ، أن معناه أن التخيير إنما يكون بعد النفاس، ومزايدة الولد لها، إذ حينئذ يكون ولداً، ويجبر نقصها.
وقد يحتمل أن يريد بالنفاس الحمل على تجوز في (هذا) 10
اللفظ، لكونه بسببه 1. كما أن قوله قبل هذا يوم بنائه بها فيه تجوز.
فقد 2 يكون الحمل بعد البناء بمدة، وإنما تقوم من الوقت الذي تحقق فيه حملها.
وقوله في الذي استسلف من وديعة عنده ثم ردها أنه يبرأ.
أرأيت إن أخذها على غير وجه السلف فردها، أيبرأ؟ قال: هو عندي سواء 3، فلم يفرق بين أخذها على وجه السلف ليردها، أو على غيره.
ولم يبين ما ذاك 4 الغير: أهو تعد؟ أم وجه آخر غير السلف؟.
وظاهره أن الجميع سواء.
لأنه إنما لزمت ذمته، فقد 5 أخرجها عنه 6، وصرفها لأمانته، كما كانت قبل وكالسلف 7، سواء 8.
وقيل: لعل معناه إن لم يعرف أنه قصد التعدي، ولو عرف قصده 9 بأخذها التعدي، وأن يأكلها ولا يردها، لكان ضامنا على كل حال، ولو ردها ببينة، لأنه قد أخرج نفسه من الأمانة بالتعدي.