كتاب الوضوء والطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وثُمامة 1 - بثاء مثلثة مضمومة - ابنُ أُثال، بضم الهمزة وتاء مثلثة أيضاً، كذا رواية شيوخنا، وهو المعروف في اسمه واسم أبيه، وهو الذي ذكره أهل علم الأثر.
ووقع في بعض روايات الأندلسيين في اسمه: أُثاية - بضم الهمزة وبعد الألف ياء باثنتين تحتها - وأنكر ذلك ابن وضاح 2.
ورعَفَ 3 يرْعُف بفتح الماضي وضم المستقبل، وهي اللغة الفصيحة.
وقيل: رعُف بالضم فيهما 4. وأصل اشتقاق الرعاف من السبق لسبق الدم إلى أنفه.
ومنه رعف فلان الخيل: إذا تقدمها 5. وقيل من الظهور 6.
وقاء 7 واستقاء - ممدود مهموز الآخر - وكذلك يقيء.
والقيء مهموز الآخر.
وأبو الخير اليَزَني 8، بفتح الياء أخت الواو في نسبه، وزاي مفتوحة بعدها نون.
وقول ابن المسيب 9 فيمن لم ينقطع عنه الدم: "يومئ إيمآء" مهموز أيضاً.
= 6/ 81 - 82). قال عنه ابن الفرضي: كان فقيها حافظا للرأي، على مذهب مالك.
(انظر تاريخ علماء الأندلس: 1/ 264). وفي جذوة الاقتباس: 1/ 120: أنه أول من أدخل المدونة إلى فاس، وبه اشتهر مذهب مالك في المغرب.
ذهب ابن مسلمة أنما يومئ من يضر به ذلك ويزيد 1 مرضاً سجوده 2، وبه فسر قول ابن المسيب هذا، فلم يراعي 3 تَمْريث 4 ثيابه لو كان لا يضره.
وقال ابن حبيب: يومئ وليس عليه أن يركع ويسجد فتتلطخ ثيابه 5. وخلافهما في هذا التأويل على الخلاف في مراعاة الضرر في المال 6، وهو أصل تنبني عليه مسائل من الصلاة وغيرها.
ولفظه في "المدونة" 7 في بناء الراعف يدل من أول مسألة 8 على بنائه وإن كان فذا.
ومثله في الصلاة الأول في باب النفخ في الصلاة 9، وكذا تأول ابن لبابة مذهبه 10 في الكتاب كما جاء في "العتبية" 11 ونصه
ابن مسلمة 1 وأصبغ 2 خلاف ما قاله ابن حبيب 3.
واختلفوا في تأويل مذهبه في الكتاب متى يبني 4؛ فقيل: إن مذهبه فيه أنه لا يصح له البناء إلا لمن صلى ركعة بسجدتيها ورعف في الأخرى كما في "العتبية" 5، وإلا لم 6 يبن وابتدأ صلاته بإقامة وإحرام.
وقيل: بل مذهبه بناه 7 على الإحرام وإن لم يتم ركعة.
وقيل: بل ظاهر قوله لا يبني على إحرام ولا غيره إلا في الجمعة 8. قال شيخنا أبو الوليد: وهو ظاهر "المدونة" عندي كما في رواية ابن وهب 9.
ومسألة 10 الجوربين 11، كذا في "المدونة" - في بعض النسخ - الجوربين، أول المسألة، مكان الجرموقين.
وفي نسخ: الجرموقين، حيث وقع، ولم يذكر الجوربين (فيه) 12 إلا من جهة المعنى والصفة في قوله:
إن كان أسفلهما وأعلاهما جلد مخروز.
وباللفظين أول المسألة رويناهما عن ابن عتاب.
وسبب إثباتها 1 في بعض الروايات وسقوطها من بعضها ما ذكر بعض المختصرين الجوربين وأسقطه غيره، وتفسير 2 من فسر الجرموقين بالخف الغليظ 3، أو بلبس خف على خف 4 خارجاً 5 من "المدونة", لأنه أدخل المسألة بإثر مسألة: من لبس خفين على خفين، قال: "يمسح الأعلى منهما 6 "، ثم قال ابن القاسم: "وكان مالك يقول في الجرموقين" 7، وساق المسألة.
وهما عند ابن القاسم بمعنى الجوربين، وأنهما خفان من غير جلد خرز عليهما جلد على ما جاء في كلامه في الكتاب 8. وقال بعض المتأخرين من البغداديين 9: إن قول مالك/ [خ 23] اختلف في المسح على الخفين يلبسان على خفين، وأرى ذلك مما ذكرناه من سياق مسألة الجرموقين بإثر المسألة وكون ذلك عندهم خفان على ما تقدم 10. وقال بعض المتأخرين: إنما اختلف قوله إذا لبس الأعليين قبل أن يمسح على
الأسفلين، وأما إن كان مسح على الأسفلين فلا يختلف في جواز المسح على الأعليين، وإليه ذهب اللخمي 1، وظاهر قول البغداديين خلافه.
وقوله 2: "إن ابن عمر "قال": يمسح أعلاهما وأسفلهما"، كذا أكثر روايتنا، وعند ابن المرابط: "كان".
وقول عمر في آخر باب المسح على الخفين 3: "أو أقصَى سفري"، بصاد مهملة مفتوحة، كذا في الأصل العتيق - كتاب أبي عبد الله بن عتاب المقروء على ابن وضاح وروايةِ ابنه شيخنا عنه - وفي أخرى: أقضِيَ، بضاد معجمة مكسورة 4، وكذا في أصل شيخنا القاضي أبي عبد الله التميمي.
والتيمم 5 معناه القصد، قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ 6 أي: اقصدوا، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ 7 أي: لا تقصدوه 8.
وقوله في صفات التيمم 9: "ويُمرهما أيضاً من باطن المرفق إلى الكفين 10 "، ..................................................
ثم قال 1: "ويمر أيضاً اليمنى على اليسرى كذلك".
اختلف في تأويل ذلك:
فذهب ذاهبون إلى أنه موافق لما في كتاب ابن حبيب من الوقوف في الذراع اليمنى إلى الكف، وأنه لا يمسح باطن 2 كفها 3 حتى يمسح بها ذراعه الأيسر 4 ويوفر ما فيها من الغبار لذلك 5، لقوله: "ويمرهما إلى الكفين 6 ". وكذا كان في أصل ابن عتاب وأكثر النسخ، وعليه اختصر أبو محمَّد 7 وغيره 8، وهو تأويله أيضاً 9. وفي كتاب غيرهم: "إلى الكف"، وكلاهما بمعنى 10، وهذا أوجه 11، وسقطت هذه اللفظة (جملة) 12 من كتاب ابن عتاب 13 ونسخ أخر، وتم الكلام عنده "من باطن المرفق" ثم قال: "ويمر اليسرى كذلك 14 ".
وتأول آخرون أن معنى مسألة الكتاب مسح الذراع الأيمن 1 إلى آخر الأصابع بدليل قوله: "ويمر اليسرى أيضاً كذلك 2 "، ولا يختلفون في الانتهاء في اليسرى إلى آخر الأصابع، وتأولوا قوله: (ويمر اليسرى) 3 - في رواية من روى: إلى الكف أو الكفين، وزاد هذه الزيادة - أن معنى ذلك إلى جهة الكف سائراً إلى أطراف الأصابع 4. وأما على إسقاطها فتأويلهم بين، والأول بعيد منها.
وقوله 5: "وإن تيمم المسافر في أول الوقت وهو يعلم أنه يصل إلى الماء في الوقت أعاد في الوقت إذا وجد الماء"، حملها غير واحد على أنه على يقين 6 من وجود الماء، وكذا اختصرها اللخمي 7. واختصرها حمديس: وهو يطمع 8، وذكر قوله في "المبسوط" فقال: وهو يظن 9. وظاهر هذا أن الموقن بخلافه - على ما في كتاب ابن حبيب 10 - وأنه يعيد أبداً 11، وأن الظان والطامع كالخائف 12 ألا يبلغ الماء 13. وجمع بين اللفظين بعض شيوخنا، وقال: إذا كان على يقين من الماء أو غلب على
ظنه إدراكه، فرأى أن حكمهما سواء، والله أعلم.
وبَكر بن سَوادة 1، بفتح السين وتخفيف الواو وقال مهملة، ونسبه الجُذامي بذال معجمة.
وقوله: "لك مثل سَهْم جَمْع" 2، رويناه بفتح الجيم وضمها، والفتح الصواب.
قال الأخفش 3: أي مثل سهم جيش، وقال أبو عمران: أي
يجمع الله لك سهمين من الأجر، وأنكر قول الأخفش.
وقيل: / [خ 24] مثل 1 أجر أهل "جمع"، وهي عرفة 2. ووجه رواية الضم بعيد.
والمِرْبد 3 بكسر الميم: موضع بقرب المدينة على ميلين أو دونهما منها 4.
والجُرُف 5 بضم الجيم والراء: موضع من جهة الشام قرب المدينة على ثلاثة أيام 6 منها 7.
"والليث بن سعد عن معاذ 8 "، كذا عند شيوخنا، وكذا في موطإ ابن وهب، وهي رواية ابن باز وأكثرهم.
وعند ابن وضاح - من غير رواية شيوخنا -: عن ابن معاذ.
والأول الصواب، ولعله أصلحه.
= هذا وحكى الزَبيدي في التاج: جمع، هذا التفسير دون عزوه لأحد، وعزاه الباجي في المنتقى: 1/ 233 للأخفش.
وقوله في منكَّس التيمم 1: "إن صلى أجزأه، ويعيد التيمم لما يستقبل"، قال بعض الشيوخ: هذا حرف مستغنى عنه؛ إذ لا بد من إعادته لكل صلاة نكسه أو لا.
وقال غيره من الأندلسيين: لعل معناه: يعيد 2 ليتنفل به بعد فريضته 3، فيعيده 4 له على سنته.
وقال آخر: معناه: إذا تيمم مرة أخرى يفعله على سنته من الترتيب، ولا يعود للخطإ بتنكيسه.
وقوله 5: "إن طمع أن يدرك الماء قبل مغيب الشفق" مع قوله: "والصلوات كلها" 6 - وسمى فيها المغرب -: "يتيمم لها في وسط الوقت" 7 إلى آخر المسألة، يدل أن مذهبه هنا أن للمغرب وقتين 8. وسقط "المغرب" من كتاب أحمد بن خالد.
وقوله 9 في تيمم الجنب: "يغتسل لما يستقبل وصلاته تامة، وقاله سعيد بن المسيب وابن مسعود 10، وقد كان يقول غير ذلك ثم رجع إلى هذا أنه يغتسل".
قال أبو عمران: يريد أن ابن مسعود قد كان يقول قبل هذا: لا يتيمم الجنب ولا يصلي حتى يجد الماء ثم رجع إلى مثل قولنا.
وقال ابن وضاح: كان يقول: لا يغتسل وإن وجد 11 الماء 12، يريد:
ويكفيه تيممه.
ونحوه لابن أبي زمنين في تأويله 1، وليس بصواب.
وحكي النعالي أن معناه 2 أنه كان يقول: يغتسل ويعيد الصلاة، ثم رجع عن الإعادة 3.
والذي ذهب إليه أبو عمران هو الصواب 4، وهو المعروف من مذهب ابن مسعود، وذكره البخاري عنه وأصحابُ الخلاف.
وإلى أن الذي رجع هو ابن مسعود ذهب هؤلاء والقابسي وغيرهم.
وقد قيل: إن المراد بقوله: ثم رجع، هو ابن المسيب.
قوله 5 في المسافر يريد يطأ 6 أهله وليس عندها 7 ماء تتطهر به من حيضتها: "وهما سواء".
قيل: معناه الحرة والأمة لتفريق أهل العراق 8 بينهما.
وقيل: المتوضئ وغير المتوضئ منهما سواء؛ لا يُدخلان على أنفسهما الحدث الأكبر حتى يكون معهما ماء إلا أن يطول أمرهما على ما تكلم عليه الشيوخ 9. ويحتمل عندي أن قوله: "وهما سواء"، أي هو والمرأة، كما قال بعد هذا في باب التيمم 10: حتى يكون معهما من الماء
ما يكفيهما جميعاً، ومر 1 لسحنون في رواية ابن وضاح آخر الباب الأول قبل 2 هذا.
ابن وهب عن جرير بن حازم 3 - بفتح الجيم وكسر الراء في اسمه، وفتح الحاء المهملة وبالزاي 4 في اسم أبيه - عن النعمان بن راشد 5. كذا رواه ابن وضاح، وكذا عند ابن عتاب.
وحكى ابن أبي زمنين أن بعضهم رواه: ابن أبي راشد عن يزيد 6 بن أبي أُنَيْسة - بضم الهمزة وفتح النون وبالسين 7 المهملة مصغر.
ونسبه الجزري، بفتح الجيم والزاي بعدها/ [خ 25] راء.
والحَصباء 8 ممدود: هو الحصى، مقصور.
وقوله في مسألة الطين 9: أيتيمم عليه ولا جفَفَ؟ - بفتح الجيم والفاءين معاً - يريد: وليس يجد تراباً جافاً.
= ذلك ينقض وضوءهما, وليس لهما أن ينقضا وضوءهما إلا أن يكون معهما ماء، إلا ما لا بد لهما منه من الحدث ونحوه".
وهذا جاء في آخر هذا الباب نفسه، لا في الذي قبله في طبعة دار صادر: 49، وفي طبعة دار الفكر كذلك، لكن فيها ترجمة ليست في طبعة دار صادر.
والملاحظ أن هناك خللا حتى في ترتيب المؤلف لمادة المدونة في هذه الصفحات.
وقوله: "ويخفف ما استطاع" 1، بالخاء، ويروى بالجيم.
ومثله في "المختصر" 2 وجَمَعَهُما، قال: ويخفَّف موضع 3 يديه عليه ويجفِّفهما قليلاً 4.
والصفا 5، مقصور: الحجارة التي لا تراب عليها.
والسبِخة 6: الأرض المالحة التي لا تنبت 7، وإنما سأله عن هذا لأن مخالفنا - وهو الشافعي ومن وافقه - لا يجيز التيمم إلا بالتراب المنبت، وعليه تأول قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 8، أي تراباً منبتاً، ويحتج بقوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ 9. ونحا إلى هذا ابن شعبان من أصحابنا.
ومعنى الآية عند أئمتنا - على ما ذهب إليه معظم أهل اللغة - أن الصعيد كل ما علا وجهَ الأرض ما كان.
والطيب: الطاهر.
ويعضده قوله عليه السلام: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
وحكى ابن فارس 10 عن بعضهم أن الصعيد ما علا 11 وجه الأرض من التراب الذي لا ينبت 12، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ 13.
والكوع 1: (طرف) 2 عظم الذراع الذي يلي الإبهام 3.
وقوله 4: فهو إلى أن نزع 5 بالرشاء ويتوضأ ذهب الوقت إنه يتيمم، يستفاد منه أنه لو لم يبق من الوقت إلا مقدار الوضوء - وهو إن تيمم أدرك الصلاة - أنه يتيمم.
وإليه ذهب البغداديون 6 7. وذهب القرويون 8 إلى أنه يتوضأ ولا يتيمم.
وقالوا: الشغل بالرشاء شغل بأسباب الطهارة، والشغل بالوضوء شغل بنفسها، وبينهما فرق.
والرشآء، ممدود: وهو الحبل 9.
وقوله 10 فيمن تيمم وهو جنب من نوم لا ينوي به صلاة.
كذا روايتنا فيه، وكذا رواه دراس وابن أبي زمنين والباجي وأكثرهم.
ومعنى ذلك: تيمم لنوم، وكذلك فسرها ابن أبي زمنين وغيره، وكذا وقعت في رواية بعضهم
باللام بينة، وعليه اختصر أبو محمَّد 1 وغيره 2.
وهذه المسألة موافقة لما له في كتاب ابن حبيب أن الجنب إذا أراد أن ينام - ولا ماء عنده - أنه يتيمم 3، ولا وجه لحجة من احتج به على منع الصلاة لمن توضأ وهو غير جنب لينام، على ما في كتب بعض شيوخنا البغداديين، وخلاف ما في كتاب ابن حبيب وغيره أنه يصلي به، وهو الصواب؛ لأن في ضمن وضوئه للنوم نية رفع الحدث لينام على طهر وغير محدث.
ومسألة الكتاب هنا لم يتوضأ بهذه النية، وإنما توضأ لمجرد 4 السنة التي أُمِر بها الجنب؛ إما مخافة المس، أو ليكون على إحدى الطهارتين، أو لعله ينشط للغسل، على اختلاف في تأويل ذلك 5. ولأن هذا التيمم بدل من الوضوء، وهو لا يستبيح به شيئاً مما يمنع منه الحدث، والحدث الأكبر بأن عليه فكذلك بدله.
الحيض 6، قيل: أصله من قول العرب: حاضت السمرة إذا خرج منها ماء أحمر، فكأنه من الحمرة.
قال القاضي: ولعل السمرة إنما شبهت بالمرأة.
وقيل: الحيض والمحيض اجتماع الدم هناك، ومنه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه.
وقوله 7 / [خ 26] في المرأة: أول ما ترى الدم "تقعد فيما بينها وبين خمسة عشر يوماً" 8، ثم قال من رواية علي بن زياد عن مالك 9: "ثم هي
مستحاضة"، إلى آخر المسألة، كذا رواية ابن وضاح، وليس عنده الرواية الأخرى.
وزاد في رواية ابن قاسم وابن باز وأحمد بن داود: "وقد روى علي بن زياد عن مالك أنها تقعد بقدر أيام لِداتها، ثم هي مستحاضة" 1، إلى آخر المسألة، قال ابن أبي زمنين عن ابن وضاح: أمر سحنون بطرح رواية علي هذه 2.
ولداتها: بكسر اللام وبالدال المهملة المخففة 3: أقرانها وأترابها.
وسقط في كثير من الروايات قوله: "ورواه علي بن زياد عن مالك" في القول الأول الذي ثبت عند ابن وضاح.
قوله 4 في التي "رأت الدم خمسة عشر يوماً، ثم الطهر خمسة أيام، ثم الدم أياماً، ثم الطهر سبعة أيام: هذه مستحاضة".
ذهب أبو محمَّد بن أبي زيد وبعضهم 5 أن مذهبه من هذه المسألة أن أقل الطهر ثمانية أيام كما قال سحنون 6. ولا دليل فيه، وظاهره أن السبعة ليست عنده طهراً 7.
وقال بعض متأخري علمائنا من شيوخ بلدنا وغيرهم 8: إن مذهبه أن
الطهر لا يكون أبداً أقل من الدم، وإنما يكون مثله أو أكثر؛ فقد ذكر أن دم هذه كان خمسة عشر يوماً، فلا يمكن أن يكون طهرها إلا خمسة عشر يوماً فأكثر.
قالوا: ومعنى قوله: إنها رأت بعد السبعة دماً من جنس دم الاستحاضة التي رأت قبل؛ فلذلك جعلها مستحاضة، ولو رأت دماً تنكره كدم الحيضة لاعتدت بها حيضة؛ لأنه قد مضى لها من الخمسة أيام الأول 1 وهذه السبعة والأيامُ التي رأت فيها الدم بينها التي لم تعتد بها في الحيض قدر خمسة عشر يوماً أو أكثر مثل حيضها الأول أو أكثر.
فهذا معنى المسألة عندهم.
وإليه ذهب القاضي أبو عبد الله بن العجوز 2 - من شيوخ بلدنا - وحكاه عن بعض علمائنا 3 المتأخرين.
وذهب غيره إلى ظاهر الكتاب كما قدمناه.
وانظر قول بَكر القاضي 4: اتفق العلماء - إلا من شذ منهم - أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، وقولَ القاضي أبي محمَّد: أقل الطهر خمسة عشر يوماً على الظاهر من المذهب 5، (وانظر قول ابن مسلمة 6 ............
مثله) 1، وانظر قول المغيرة وعبد الملك 2 وروايته 3 عن مالك: أقل الطهر خمسة أيام، وأقل الحيض خمسة أيام؛ فإذا قل هذا كثر هذا، وإذا قل هذا كثر هذا 4، فهو خلاف قول الأشياخ، لكنهم إنما تكلموا على مذهب مالك وابن القاسم فانظره، فقولهم قول آخر في حد أقل الطهر أنه غير محدود، لكنه لا يكون أقل من الحيض.
وهذا الوجه هو الذي يعضده الحديث، وأن المرأة لا يصح أن تحيض 5 أكثر من نصف دهرها.
وقول أشهب في الحامل ترى الدم: "إلا ألا تكون استرابت من حيضتها شيئاً" 6، كذا في كتاب ابن عتاب، وهي رواية الأندلسيين ويحيى بن عمر.
وروى بعضهم: "إلا أن تكون استرابت" 7. قال الشيخ أبو محمَّد وغيره: رواية يحيى بن عمر الصواب 8.
قال القاضي: وهي ظاهرة الصواب؛ لأنها متى لم تسترب من حيضتها شيئاً - لا في تأخير ولا في زيادة/ [خ 27] أو نقص - بَان أن الحمل لم يؤثر في حيضها 9 شيئاً ولا نقله 10 عن عادتها، فكأنها غير حامل فتستظهر؛ لأنا الآن رأينا تغير الحال، فنظرنا لها بهذا الاستظهار.
ومتى استرابت بتغير حال
في الحمل لم تحتج إلى الاستظهار؛ لأنا قد علمنا أن الحمل موجب التغير - وقد حققناه - فلا تستظهر 1. وبهذا ردوا الرواية الأخرى؛ لأنها عكس النظر وضد الصواب ونقضٌ لقوله بعده: "هي من أول ما حملت على حيضتها".
وذهب أبو عمران 2 إلى تصحيح رواية: "إلاَّ أنْ"، أي أنها 3 لم تحقق حملها, ولم 4 تنتقل عن حالها إلا بيقين، قال: وقد وقعت كذا منصوصة لمالك في حامل استحيضت فشكت أن تكون أسقطت، قال: هي على حيضتها، فكأَن أشهب لما حكى قول ابن القاسم في نفي 5 استظهارها قال: وكذلك أقول أنا، إلا أن تكون استرابت من حملها.
قال القاضي: لكن يظهر لي وجه يوفق بين الروايتين - إن شاء الله - فيحمل قوله: إلا أن تكون استرابت من حيضتها شيئاً، أي الآن.
ثم قال: "هي من أول ما حملت على حيضها"، أي لم تستربه قبل من أول الحمل، فلما كان الآن استرابت حيضها؛ إما بضعف 6 الدم في صورته ولونه، أو قلته أو اتصال جريه، أو تغيراً 7 في نفسها أو توجع 8 تجد معه، أو غير هذا من خلاف عادتها قبل 9، فتستظهر ها هنا، فانظره 10.
وقول أشهب 1 "فإنها تقعد حيضة واحدة"، وقع في بعض الروايات: قيل لسحنون: ما معنى قوله: تقعد حيضة واحدة؟ قال: تنظر أيام حيضتها كما تصنع التي ليست حاملاً.
ولم يكن في كتاب ابن عتاب ولا في كتاب ابن المرابط، وثبت في رواية 2 دراس وبعضِ 3 الروايات عن ابن وضاح.
وفي آخر الباب 4 عن ابن شهاب: لا تصلي ما دامت ترى التَّرِيَّة عند الحيضة أو الحمل، هذا يشير إلى قول عبد الملك أنها إنما يحكم لها بحكم الحيض إذا كانت قبل الغسل، فأما بعده فلا حكم لها 5. وهي بتشديد التاء باثنتين من فوق، وكسر الراء، وتشديد الياء آخراً مفتوحة باثنتين من أسفل، وهي شبه الْغُسالة 6. وكذلك عنده 7 القطرة من الدم بعد الطهر.
وقيل هي كالخرقة 8 التي بها تعرف الحائض طهرها 9. وقال الهروي 10: الترية:
(الحيض) 1 الخفي اليسير أقل من الصفرة 2. وفي كتاب "العين": الترية ما رأت المرأة من صفرة أو بياض عند المحيض 3. وقال أحمد بن المُعَذَّل 4: الترية الدفعة من الحيض لا يتصل بها من دم الحيض ما يكون حيضة كاملة 5. وقال الداودي: الترية الماء المتغير دون الصفرة 6.
وأما القصة 7 - بفتح القاف - فهو ماء أبيض يكون آخر الحيض، وبه يستبين نقاء الرحم.
قال علي 8 عن مالك: هو شبه المني.
وروى ابن وهب 9 عنه: شبه البول.
وقيل هو كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله 10. وسميت قصة لشبهها بالقصة - وهو الجير - لبياضها.
وذهب أبو عبيد الهروي إلى أن معناه أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقياً لا يخالطه
صفرة ولا ترية كأنه قَصّة 1؛ فكأنه ذهب إلى النقاء والجفوف، وبينهما 2 / [خ 28] وبين القصة عند النساء وأهل المعرفة فرق بين.
قوله في الحامل 3 تلد ولدا ويبقى في بطنها آخر: "تنتظر أقصى ما يكون بالنساء النفاس، ولزوجها عليها الرجعة.
وقد قيل فيها: حالها كحال الحامل حتى تضع الثاني"، كذا في جميع نسخ "المدونة": وقد قيل.
وفي "كتاب ابن سحنون" 4: وقد قال 5. ومعنى: كحال 6 الحامل، أي كحال الحامل ترى الدم على حملها على الاختلاف في ذلك 7. ولا خلاف أنها إذا جلست للأول 8 أقصى ما يمسك النساء النفاس على اختلاف قولي 9 مالك ثم ولدت الثاني أنها تجلس له ابتداء مثل ذلك.
واختلف إذا ولدت الثاني قبل استيفاء أكثر ما يجلس النساء 10؛ فقيل: تستأنف، وهو الأظهر، وإليه ذهب أبو إسحاق 11. وقيل: تبني على ما مضى للأول، وإليه ذهب
أبو محمَّد 1 والبراذعي 2.
ثم هذا الدم المعتبر المسمى دم النفاس لا خلاف أنه الدم التي يهراق بعد الولادة، وأما ما كان قبل خروج الولد فقيل: إنه غير دم نفاس، وحكمه حكم غيره من الدماء التي تراها الحوامل.
واختلف فيما يهراق عند خروج الولد ومعه؛ فقل: ليس بدم نفاس حتى يكون بعده، وهو ظاهر قول عبد الوهاب: "والنفاس ما كان عقيب الولادة 3 ". وقيل: هو دم نفاس، ولا فرق بين ابتداء خروج الولد وانفصاله، وهو ظاهر قول كثير من أصحابنا من قوله 4: الدم الذي عند الولادة ومع الولادة.
وكذلك اختلف فيه أصحاب الشافعي على قولين، ولم يختلفوا في الوجهين الأولين على ما ذكرناه 5.