كتاب اللعان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
هو مشتق 1 من اللعنة التي في الخامسة للزوج لقوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ 2. ومن المرأة في الخامسة: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ 3. فلما كانت هذه 4 الدعوتان منهما غلبت إحداهما على الأخرى، فسمي التحالف الذي فيه لعاناً وملاعنة؛ لأن الفعال والمفاعلة أكثر مجيئهما من اثنين فصاعداً.
وأصل اللعن البعد والطرد، ومعنى لعنه الله: أبعده من رحمته.
وكانت العرب إذا تمرد الشرير منهم طردوه وأبعدوه عنهم لئلا يؤخذون 5 بجرائره وسموه لعيناً.
قوله 6: "يلتعن المسلم في المسجد وعند الإمام"، والمعنى: في المسجد بمحضر الإمام، والواو هنا للجمع لا للتقسيم.
وأصل مذهب الكتاب أنه لا يكون إلا في المسجد لا في غيره.
وقال عبد الملك 7: في
المسجد أو عند الإمام.
فـ "أو" على قوله للتقسيم والتخيير.
وعلى هذا حمله شيوخنا وأنه خلاف 1. قال بعضهم: لأن المقصود جمع الناس للتعظيم والترهيب، وذلك يكون بمحضر الإمام ومجتمع الناس عنده، أو بمجتمع الناس في المسجد.
قال القاضي رحمه الله: الذي يأتي على المذهب أن الأيمان كلها فيما يهم وله قدر لا تكون إلا بالمسجد الجامع وحيث يعظم منه.
ولا أمر أعظم من هذا.
وقوله 2: "في دبر الصلوات"، قال صاحب المواقيت 3: إنما يقال في (مثل) 4 هذا دبْر، بإسكان الباء 5، وإنما 6 بتحريكها 7 العورة.
وبالضم رويناه في كل شيء وذكره عامتهم.
قال ابن الأعرابي 8: يقال دبُر الشيء ودبْره أي آخر أوقاته 9.
وقوله 10: ................................................
"يتلاعنا 1 دبر العصر (أو الظهر) 2، وما كان من دبر/ [خ 263] العصر أشدهما"، كذا في نسخ كثيرة.
وروايتنا في ذلك في كتاب ابن عتاب: وما كان من دم العصر أشدهما، وكذا ضبطنا الحرفين بتنوين الميم من "دم"، ورفع الراء من "العصر".
ومعناه: ما 3 كان من دم - يريد القسامة - وعطف ذلك على اللعان وتم الكلام.
ثم رجع فابتدأ وقال: العصر أشدهما، يعني مما ذكر أولاً من دبر الظهر والعصر.
كذا فسره في حاشية كتاب شيخنا/ [ز 177] القاضي أبي عبد الله بن حمدين.
ونحوه في كتاب ابن الهندي 4. وفي نسخ: والعصر - بزيادة واو الابتداء والاستئناف - أسدُّهما، بسين مهملة أي أصوبهما في الحكم، وهي رواية ابن باز.
وبالشين المعجمة لابن وضاح، أي أثقلهما لليمين، لما في جاء 5 من التشديد في الحالف في اقتطاع الحقوق بعد العصر 6، ولأن صلاة العصر مشهودة تشهدها ملائكة الليل والنهار.
ووجدت في حاشية كتاب ابن عتاب وفي حاشية أخرى في كتاب ابن حمدين: قال ابن وضاح: العرب تقول: في دم العصر أي دبر العصر.
وهذا غير معروف في كلام العرب فيما بلغنا.
وعلى هذا التفسير - لو صح - يكون غير منون على الإضافة.
وقوله 7 في الصبية: "وإن كانت ممن لو نكلت 8 لم يكن عليها حد"، لفظ تجوز به، وهي ممن لا تحلف فكيف تنكل! والمراد ممن لو
أقرت لم يكن عليها حد.
ولو 1 قدرنا إلزامها اليمين فنكلت لم تحد كما مثله في النصرانية بعد هذا 2.
واختلاف قول مالك في الذي رأى امرأته تزني ثم جاءت بولد، قال 3: "تلتعن 4، ولا يلزمه الولد إن جاءت به وإن أقر أنه كان يطأها حتى رآها تزني".
ثم قال 5: فإن جاءت بالولد من بعد لعانه بشهرين أو ثلاثة أو خمسة أنه يلزم الأب لأنه من وطء هو به مقر، والحمل قد كان من قبل أن رآها تزني.
ثم قال بعد هذا: إن جاءت به لأدنى من ستة أشهر من يوم دعوى الرؤية فالولد ولده لا ينفى بوجه من الوجوه؛ لأن اللعان قد مضى وعلمنا أنه ابنه، لأنه رآها يوم رآها وهي حامل منه.
قلت: فإن ادعى الاستبراء حين ولدته لأدنى من ستة أشهر؟ قال: فالولد لا يلحقه، ويكون اللعان إذا قال ذلك والذي كان نفياً للولد.
فهذان قولان: قول لا يلزمه على الإطلاق، وقول يلزمه إن جاءت به لأقل من ستة أشهر.
ثم قال 6: "وقد اختلف فيها قول مالك، وأحب إلي إذا رآها تزني وبها حمل ظاهر لا شك فيه أن يلحق به إذا التعن على الرؤية".
ثم قال عن مالك 7: "إنه ألزمه مرة الولد ومرة لم يلزمه، ومرة يقول بنفي - وإن كانت حاملاً".
فاختلف في تأويل هذا ومعناه؛ فقيل:
إن ذلك كله راجع إلى القولين الأولين، يريد لم يلزمه إياه مرة على الإطلاق ولا يلتعن لنفيه ثانية، وهو معنى تكرير قوله عند بعضهم 1: تنفيه 2 وإن كانت حاملاً.
ومرة ألزمه له على التفصيل المتقدم إن ولدته قبل ستة أشهر من دعوى الرؤية.
فعلى هذا يكون جميع ما في "المدونة" من هذا الكلام عن مالك قولان 3، وإليه ذهب ابن لبابة 4.
وقيل: بل قوله بنفيه وإن كانت حاملاً أي بلعان ثان وإن لم يدع استبراء.
وهو قول عبد الملك 5 أيضاً 6 وأصبغ 7.
فعلى هذا تكون ثلاثة أقوال.
وذهب بعض الشيوخ أن معنى قوله: مرة ألزمه، أي ولا لعان له، لأنه لم يدع استبراء.
وهذا نحو قول عبد الملك 8 وأشهب 9 وابن عبد الحكم 10 في كتاب محمد.
وفي كتاب محمد/ [خ 264] أيضاً في هذه المسألة: لا ينفيه بحال ويلحق به.
فيأتي 11 على هذا قول رابع في الكتاب.
وقيل: بل قوله: ومرة ألزمه أي فلا ينفيه إلا بلعان ثان؛ لأن الأول إنما كان للرؤية خاصة.
ثم اختلف في معنى قوله: ينفيه وإن كانت حاملاً؛ هل وهو مقر بالحمل عارف به، أم لم يعلم أنها حامل إلا بعد الوضع لأقل من ستة أشهر:
فقيل: ذلك سواء علم أو لم يعلم، أقر بالولد أو لم يقر؟ وهو نص في كتاب محمد 1 وإحدى روايات/ [ز 178] الجلاب 2 والبغداديين وظاهر قول المخزومي في الكتاب 3 في قوله: وهو مقر بالحمل، وذلك أنه لما اطلع على خيانتها صح له نفي ما كان أقر به قبل بسلامة 4 نيته وصحة اعتقاده لعفافها على الظاهر والفراش له، وقامت له الآن حجة بريبة 5 الفراش فصح له نفيه.
وذهب ابن محرز 6 أن معنى ذلك كله فيمن لم يقر بالحمل ولا عرف به حتى ظهر بعد اللعان 7 وبالوضع، وأنه لما ظهرت خيانتها عنده لم يأمن 8 من الحمل، فكان اللعان لكل حمل يظهر بعد.
وأن اختلاف قوله إنما هو فيما لم يعلم.
وأن معنى قول المغيرة 9: "مقر بالحمل" أي بالوطء بدليل قوله بعد هذا 10: "فإن اعترف به بعد هذا ضربته الحد".
وهذا موافق
لأحد قولي مالك في التفرقة المتقدمة.
قال شيخنا القاضي 1: وهذا بعيد.
قال القاضي رضي الله عنه: وظاهر كلام المغيرة ما تأوله ابن محرز لقوله: فإن ولدت ما في بطنها قبل ستة أشهر فالولد منه، وإن ولدته لستة أشهر فللعان.
فلو كان ظاهرا وهو مقر به حين اللعان لم يحتج إلى هذا التفصيل لعلمنا على كل حال أنه كان قبل اللعان.
وقوله 2: "واعترافه به ليس بشيء"، يريد اعترافه بالوطء.
وعلى التأويل الآخر يريد الإقرار 3.
ثم قوله 4: "ولو اعترف به بعد هذا ضربته الحد" يدل أنه لم يكن معترفاً به قبل هذا.
ومذهب "المدونة" في هذا أنه يحده.
وتأول ابن يونس قول المغيرة: إن اعترف بالحمل الآن 5 أن امرأته حملت بهذا الولد وأنه ولدها.
ثم يعتبر إيلاده بعد الرؤية؛ فإن كان لأقل من ستة أشهر لزمه، وإن كان لستة (أشهر) 6 فأكثر جاز أن يكون للرؤية.
وقد التعن لها وادعى أن هذا الولد لها فهو كما التعن.
وهذا قريب في المعنى من قول ابن محرز.
فيأتي على قول المغيرة ثلاث 7 تأويلات:
الاعتراف بالوطء لا بالحمل، وهي إحدى روايات الكتاب واختيار ابن القاسم فيه.
الثانية 1: الإقرار بالحمل، وهو نص ما في كتاب محمد 2 وإحدى 3 تأويلات الكتاب.
الثالث: أن اعترافه بالحمل حين وضعته لا حين لاعن.
وقد حكى القاضي عبد الوهاب 4 وابن الجلاب 5 في مدعي الرؤية على حامل مقر بحملها ثلاث روايات:
يحد ويلحق الولد ولا لعان.
ويلتعن ويدرأ الحد ويلحق الولد.
ويلتعن ويسقط الحد والولد.
فقوله الأول - وهو نصه في كتاب محمد 6 - مبني على أن اللعان لا يكون إلا لنفي الولد، وقال: كل من لاعن لم يلحق به الولد، وإن اعترف به بعد اللعان حد، وهذا مقر به.
قيل 7: فيحد ولا يلاعن.
قال محمد: هذا إعراق 8. هذا معنى [قوله] 9 لا شك فيه.
وقد تأوله الباجي 10
(رحمه الله) 1 على غير مقتضاه وأن معناه عنده: يلاعن وينتفي بذلك.
ولفظه لا يقتضي هذا 2. وتأويل اللخمي 3 والبغداديين ما تقدم، وهو (أصح) 4.
والقولان الآخران على ما في "المدونة".
فإن ادعى في المسألة الاستبراء بعد أن/ [خ 265] ولدته وأنكره لم يلحق به، وسقط 5 نسب الولد بلعان ثان عند عبد الملك وأصبغ، وبغير لعان مجدد 6 عند أشهب.
والقولان يخرجان من "المدونة" على اختلاف رواية هذا الحرف في باب لعان الأخرس، وهو قوله 7: "ويكون اللعان إذا قال ذلك والذي كان نفياً للولد".
ثبتت الواو في رواية وسقطت في أخرى، وهي في كتابي ثابتة، وسنبينه بعد.
فأما إن نفاه بادعاء الاستبراء مجرداً دون رؤية لم يلزمه وانتفى على المشهور.
وقال أشهب/ [ز 179] في كتاب محمد 8: لا ينتفي لأن الحمل يأتي على الحيض.
وقوله 9 في الذي قال لامرأته: "وجدتها وقد تجردت (لرجل) 10، أو هي 11 مضاجعته 12 في لحافها 13 عريانة" إلى آخر المسألة: "لا لعان بين
الزوجين إلا في الرمي بالزنا برؤية أو نفي حمل وعليه الأدب دون الحد" 1. وفي كتاب محمد نحوه.
قال 2: "ولا لعان بينهما إلا في صريح القذف أو تعريض يشبه القذف"، وقال 3 عن ابن القاسم وأشهب: يحد ولا يلاعن.
وقال ابن القاسم في كتاب القذف من "المدونة": يلاعن.
وتأول على ظاهر لفظه في هذا الكتاب.
وهذا لو قاله لأجنبية لحد، وإنما لم يحده لأنه لم يقل ذلك مشاتمة فيظن به التعريض، وإنما قاله خبراً، وهو مضطر إلى الخبر كشاهد لو شهد به لم يحد.
وهذا كالقائل لابن الملاعنة: لست ابن فلان، ولأن الزوج لو أراد ذكر غير ذلك ذكره؛ إذ له مندوحة باللعان وأنه لو رأى غير ذلك لم يملك نفسه عن ذكره بحكم الغيرة وطباع البشر، فإذا ذكر هذا دل أنه صادق غير معرِّض.
ويدل عليه أنه قال في كتاب محمد 4: ولو أنه لما قيم عليه بالتعريض قال: رأيتها تزني للاعن.
والعَجلاني 5، وبنو العَجلاني، بفتح العين.
وعَفَر النخل 6 بفتح العين المهملة وفتح الفاء، كذا ضبطناه في الكتاب، وفسره بأن يترك من السقي بعد الإبار بشهرين 7. وروينا هذا
الحرف على 1 شيخنا أبي الحسن 2 بن سراج اللغوي: عفْر، بالإسكان 3، ويقال عفَار بفتحها وزيادة ألف، وفسره اللغويون بنحو ما في الكتاب.
وحكى اللفظين أبو عبيد الهروي.
ورأيت بعضهم فسر هذا اللفظ بالبعد، وهو يرجع إلى نحو ما تقدم كأنه أبعد عهدها بالسقي، وإنما يفعل هذا حين تعقد الثمرة فيها لئلا يفسدها 4 السقي.
وابن سَحْماء 5 بفتح السين المهملة وحاء ساكنة مهملة، ممدود.
وقول ابن شهاب 6: "من نَفَى ولدها" كذا لابن وضاح بالنون.
ولغيره: قَفا، بالقاف، وهما بمعنى؛ يقال: قفوت أي قذفت 7، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ 8.
وقوله 9 في ميراث ولد الملاعنة: "ترثه أمه وعصبته"، معناه أنها من الموالي، لأن ابنها مولى لهم وليس له أب معلوم يجر ولاءه.
ولو كانت عربية لم ترثه عصبتها، لأنهم ليسوا بعصبة له، وميراثه للمسلمين.
والأوْرق 10 من الإبل ما في لونه سواد.
وقيل للحمامة ورقاء لتغير البياض بلونها إلى السواد 11.
وأنَّى 1 هنا، بمعنى كيف.
وقوله 2: "عِرق نزعه"، أي نزع إليه وأشبهه، أي نزع إليه في الشبه؛ يقال: نزع إليه إذا أشبهه 3 وأصله من الميل والخروج من شيء إلى شيء، ومنه نُزَّاع العسكر.
ونُزَّاع القبائل 4.
وقوله 5: "لم يرخص له في الانتفال منه" بالفاء وآخره لام، أي في الانتفاء، وهما 6 بمعنى واحد 7. وهو عندنا في/ [خ 266] الكتاب في هذا الموضع بالوجهين معاً.
وقول ربيعة 8 ونافع وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد 9 فيمن لاعن زوجته ثم قذفها: "يجلد الحد"، مثله لابن شهاب في كتاب محمد 10. قال محمد: ولم أسمع من (أصحاب) 11 مالك فيها شيئاً بيناً، ولا حد عليه لأنه إنما لاعن لقذفه 12.
وقول ابن القاسم 1 في ملاعنة الأعمى، خلاف قول غيره، فإما أن يكون على أحد القولين في اللعان بالقذف المجرد، أو يُديَّن في ذلك [من أين علم] 2، كما روى ابن وهب آخر الباب عن مالك 3: "يحمله في دينه".
وقول غيره 4: حتى يأتي بما يدل على صدقه بما 5 يذكر من مس بيده أو شبهه 6، كما نقل ابن القصار 7 عن مالك أنه لا يلاعن حتى يقول لمست، يعني لمس الفرج في الفرج.
وقوله في/ [ز180] باب لعان الأخرس - وهو الأبكم - في الذي ادعى الاستبراء حين ولدت لأدنى من ستة أشهر - وقد لاعن للرؤية 8 -: "لا يلحقه الولد، ويكون اللعان إذا قال ذلك والذي كان نفياً للولد"، كذا ثبت الواو عندي 9 وفي أصول شيوخنا وأكثر النسخ.
وفي كتاب ابن سهل وابن عيسى سقطت الواو في رواية 10. قال أحمد بن خالد: إثباتها يدل أنه لعان ثان كما قال أصبغ 11.
قال القاضي: ويكون على هذا معنى "ويكون اللعان إذا قال ذلك"، أي ويجب ويقع 12، وهذا أحد معاني "كَانَ" في لسان العرب.
ويبينه
قوله في كتاب ابن المرابط: "ويلزمه"، مكان "يكون".
ثم قال: والذي كان نفياً للولد أي مع اللعان المتقدم الذي مضى للرؤية يكون هذا زائداً لنفي الولد خاصة.
و"كَانَ" ها هنا على بابها في الماضي.
وقد تكون الواو على أصلها عاطفة أن 1 بمجموع هذين اللعانين انتفى الولد؛ إذ لولا الرؤية المتقدمة التي لاعن بها 2 ما نفاه ولا التعن له الآن.
وعلى حذف الواو يكون معناه: ويكون اللعان إذا قال ذلك الذي كان - أي المتقدم - نفياً للولد.
أي إن ذاك اللعان الذي تقدم وكان للرؤية يكون لنفي الولد أيضاً ويجزئه ولا يلزمه لعان ثان إذا قال هذا، أي نفاه 3 وادعى الاستبراء.
ومما يصحح أن مراده بلعان 4 ثان قوله آخر المسألة 5: إذا أكذب نفسه في دعوى الاستبراء وادعى الولد: أعليه الحد أم لا 6، لأن اللعان قد كان برؤية 7؟ قال: عليه الحد؛ لأنه صار قاذفاً لأن اللعان الذي كان لما ادعى الاستبراء أنه كان بعد ما وضعته فقد كان نفياً للولد، فهذا يدل أنهما لعانان: لعان متقدم [للرؤية] 8 ولعان ثان لنفي الولد، وهذا 9 واضح هنا.
ويخرج من هذا الموضع أن الملاعن إذا قذف زوجته بعد اللعان حد
كما قال نافع 1 وربيعة وعبد الرحمن 2 في الآثار 3، خلاف ما قاله محمد واختاره 4.
وقوله 5 في غير المدخول بها إذا جاءت بولد لستة أشهر وادعته منه: يتلاعنان 6 ولها نصف الصداق.
وكذا في "الموطإ" 7.
وقد كثر 8 الاعتراض على هذا الحرف وطلبُ التوجيه له:
فقيل: ذلك على الاختلاف عندنا هل هو فسخ أو طلاق؟ فإثباته فيه الصداق يدل أنه طلاق.
وقد يحتج قائل هذا بقوله في "الأم" 9: "لأنها في عدة منه وهي مبتوتة" وجعلِه 10 لها السكنى.
وأصل مذهبنا والذي حكاه شيوخنا أن اللعان فسخ، وإذا كان هذا فيجب ألا يكون فيه قبل الدخول صداق، وهو الذي نص عليه ابن الجلاب 11 / [خ 267]. وعلل بعض المشايخ المسألة بأنها أثبتت الدخول بأيمانها وهو نفاه بأيمانه، فتساوت الدعاوى في الصداق فقسمناه بينهما كما لو تعارضت شهادة اثنين في حق واستوت فيه الدعاوى، والأيمان في اللعان مقام
الشهادة.
وهذا يعترض 1 عليه بأن مجرد دعواه هو لو لم يكن لعاناً يوجب نصفاً، ودعواها هي توجب جميعه، فلم يعتدل قسمه على النصف.
فإن قيل: لعانه أوجب سقوط الجميع قيل: لا يصح إسقاطه إلا بلعانهما جميعاً، فبالوجه 2 الذي يثبته لها لعانها هو الوجه الذي يسقطه عنه.
وقد يُنفصل عن هذا بأن التلاعن هنا قد وجد فلا يقدر عدمه وحكمه في جهتهما مختلف، ولعان كل واحد مصدق لقوله، فتعارضا على ما تقدم واستوت دعواهما.
وقيل 3: إنما ذلك لأنا لا نعلم صدق الزوج، ونتهم 4 أنه أراد تطليقها وتحريمها باللعان ليسقط عنه الصداق فألزمناه نصفه، إذ حلف على نفي الدخول.
قال القاضي: ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف الناس وقول من قال: هو طلاق 5. وقد/ [ز 181] تأوله بعضهم على المذهب.
وفي الكتاب لبكير 6 بن الأشج 7: "هو البتة وإن كان لها مهر وجب لها عليه".
وعثمان البتي 8 لا يراه فراقاً.
وهو قول طائفة من البصريين.
وعبد الله بن الحسن 9
وأبو حنيفة وأصحابه يرونها طلقة بائنة.
ولابن نافع 1 في كتاب ابن مزين ولعيسى 2: أحب للزوج أن يطلقها بعد تمام اللعان ثلاثاً كما جاء في الحديث 3، فإن لم يفعل فهو فراق لا 4 تراجع فيه.
وأبو حنيفة والشافعي يقولان: لا تقع الفرقة إلا بحكم حاكم.
واختاره ابن لبابة 5 ورأى له الرجعة بعد زوج مع كراهية 6 ذلك، فلعله إنما راعى في نصف الصداق هذا للاختلاف 7، والله أعلم.
مسألة؛ نص الكتاب ومشهور المذهب والمعروف من قول مالك وأصحابه أن الفراق إنما يقع بين الزوجين بتمام لعانهما 8 وأنه لو لم يبن 9 من اللعان إلا مرة واحدة من المرأة فأكذب الزوج نفسه جلد الحد وكانت امرأته 10.
قال بعض شيوخنا 11: "وعلى هذا إذا مات الزوج بعد أن التعن وقبل أن تلتعن المرأة أنها ترثه، التعنت أو لم تلتعن بعده.
وهذا قول ربيعة ومطرف في كتاب ابن حبيب 12 واختياره" 13، وهو قول ربيعة أيضاً في كتاب محمد 14 واختياره، ........................................
خلاف ما لربيعة في الكتاب 1 ورواية البرقي 2 عن أشهب 3؛ لأنه مات وهي امرأته.
وهذا بخلاف 4 ما لربيعة في الكتاب 5 أنها لا ترثه إن مات، ولسحنون في "العتبية" 6 إذا لاعن الزوج ونكلت المرأة ثم أكذب الزوج نفسه، قال: لعانه قطع لعصمته ولا ميراث بينهما، ونحوه لأصبغ في "العتبية" 7 في التي تزوج في عدتها فتأتي بولد فتلاعن 8 أحد الزوجين أنها تحرم أبداً 9 على الذي لاعنها ولم تلاعنه.
فهذا كله يقتضي أنه بتمام لعان الزوج يقع الفراق وتنقطع العصمة والميراث ويلزم التحريم.
وهذا ظاهر "الموطإ" 10، ونص كلامه: "قال مالك في الرجل يلاعن امرأته فينزع ويكذب نفسه بعد يمين أو يمينين ما لم يلتعن في الخامسة: إنه إن نزع قبل أن يلتعن جلد الحد ولم يفرق بينهما".
وأنكر ابن اللباد قول سحنون.
وتأول بعضهم قوله في "الموطإ": بعد يمين أو يمينين، وقولَه: ما لم تلتعن في الخامسة، أنه يرجع إلى أيمان المرأة يرده 1 (إلى القول) 2 المشهور، وهو أولى ما حمل عليه، واللفظ يحتمله.
وقيل: / [خ 268] بل ذكر الوجه الذي لا يختلف فيه وسكت عن سواه.
وهذا يبعد مع قوله: ما لم يلتعن الخامسة.
وقد تأول هذا القول 3 الآخر بعض الشيوخ على "المدونة" في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لقوله 4: "إذا أكذب نفسه بعد أربع شهادات من قبل الخامسة التي يلتعن بها جلد الحد ولم يفرق بينهما"، فدليله لو كان بعد الخامسة لفرق بينهما كظاهر "الموطإ".
وقال في الكتاب: "إن ماتت المرأة بعد لعان زوجها 5 ورثها الزوج، وإن مات الزوج ورثته إن لم تلاعن وتحد، ولا ميراث لها إن لاعنت"، وهذه هي رواية المصريين وقول عبد الملك بن الماجشون وربيعة في "الأم"، فلم يجعل الفراق وقطع الميراث بمجرد التعانه حتى تلتعن هي.
وكذلك لو كانت البادئة هي في الالتعان ثم ماتت، قاله في كتاب محمد 6. فعلى هذا أن الأمر مرتقب 7 بالتعانها إن التعنت.
فكان بعض شيوخنا 8 يجعل هذه قولة على حدتها.
فيأتي على هذا في المسألة ثلاثة أقوال: اثنان منصوصان في الكتاب، وثالث متأول فيها من الآثار منصوص في "العتبية" ظاهر في "الموطأ".
والله الموفق للصواب 9 / [ز 182].