كتاب القذف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
نص "المدونة": وقال مالك إذا قذف وسكر، أو شرب الخمر ولم يسكر جلد الحد حدًّا واحداً، وان كان قد سكر جلد حدًّا واحداً، لأن السكر حده حد الفرية, لأنه إذا سكر افترى، فحد الفرية يجزئه منها، ألا ترى أنه لو افترى ثم افترى وضرب حدًّا واحداً، كان هذا الحد لجميع تلك الفرية، وكذلك السكر والفرية إذا اجتمعا دخل حد السكر في الفرية 2.
قال عياض: ومسألة إذا سكر، وقذف، أو شرب ولم يسكر، جلد حدًّا واحداً 3. إلى آخر المسألة 4. ثبتت في كتاب "ابن وضاح" عند "ابن عتاب".
وهي ثابتة في كتاب "ابن المرابط"، وابن سهل.
إلا أن التعليل في آخرها ساقط للدباغ.
قال ابن باز: أمرني سحنون بطرحها.
وهي مطروحة في كتابه، وكتاب يحيى.
هذه النصوص إذا درست دراسة متأنية وقوبلت مع ما يماثلها من الأحكام الفقهية وآراء علماء المالكية في المصادر الأساسية للمذهب سيكون بإمكانها أن تجيب عن الكثير من التساؤلات المتعلقة بالمذهب المالكي،1
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 128
تاريخاً، وفقهاً، واجتهاداً.
وستوضح الكثير من أسباب الاختلاف في المذهب المالكي.
إلا أن موضوعنا لا يتسع لأكثر من هذا، نظراً لأن الوقت إذا توفر فيجب أن يصرف للتحقيق ويترك هذا الموضوع ليكون موضوعاً مستقلاً.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 129
الفصل الثالث: التعريف بكتاب التنبيهات
المبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته لمؤلفه
.
المبحث الثاني: مضامين الكتاب ومقاصده.
المبحث الثالث: مصادر الكتاب.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 131
المبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته لمؤلفه
1 -
اسم الكتاب:
لفظ: "التنبيهات" يندرج في مسلك بعض الفقهاء المالكية في الغرب الإِسلامي، خاصة ممن راموا في مؤلفاتهم معالجة قضايا جزئية.
وقد حظيت "المدونة" بالنصيب الأوفر من هذا النوع من المؤلفات التي أطلقوا عليها أيضاً اسم: التعاليق والنكت.
وجدير ذكره أن المؤلف سُبق إلى هذا الاسم؛ فلفضل بن سلمة البجاني المتوفى سنة 319 هـ الفقيه الكبير تنبيهات في الفقه 5، وكذلك لمحمد بن الخيار العبدري القرطبي المتوفى سنة 529 هـ تنابيه على "المدونة" 6. ولغير هذين من العلماء مؤلفات تحمل عنوان "التنبيهات" أو "التنابيه" 7.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 133
أما المؤلف فلم يذكر في كتابه الاسم الذي اختاره له، لكنه سماه بنفسه مرة في "المشارق": بـ "التنبيهات المستنبطة" 8، وسماه ثانية: بـ"التنبيهات" 9. بينما سماه ابنه بـ "التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة" 10. وسماه ابنه أيضاً في إحدى الطرر الواردة في إحدى نسخ الكتاب بـ "المستنبطة" 11. وذكره المقري باسم كتاب "المستنبطة" في شرح كلمات مشكلة وألفاظ مغلطة مما وقع في كتاب "المدونة والمختلطة" 12. ثم قال: وقد غلب على تسميته ببلاد إفريقية وغيرها: التنبيهات.
وقال الذهبي: له كتاب "التنبيهات" فيه فوائد وغرائب 13 وقال ابن فرحون: وله كتاب "التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة"، جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحرير المسائل 14 وقال حاجي خليفة: "التنبيهات المستنبطة في شرح مشكلات المدونة والمختلطة" 15.
وأما جملة "الكتب "المدونة"" الوارد في العنوان - وقد يسمى: كتب المدونة بالإضافة، فإن هذا الاستعمال والإطلاق قديم ومستعمل في وصف الكتاب الواحد، مثل تسميتهم الكتب الأسدية 16 والكتب الثمانية 17 والكتب
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 134
الدمياطية 18 والكتب المبسوطة 19 والكتب المجموعة 20 والكتب المدنية 21 والكتب السليمانية 22 والكتب الجحدرية 23. وأما لفظة: "المختلطة" فلم يتفق على المقصود به، هل هو اختلاط التراجم؟ أو اختلاط الأبواب؟ أو اختلاط المسائل؟ أو أنه وقع اختلاط في السماع؟ وإذا كان سحنون قد هذب وبوب أجزاء منها، فما هي الكتب الباقية؟، وإذا كانت "المدونة" من أجل هذا تسمى "المدونة والمختلطة"، فما هو الجزء المسمى بالمدونة؟ وما هو الجزء المسمى بالمختلطة؟ وإذا قيل بأن أبا أيوب المعروف بابن المشتري قد بوب الأبواب الباقية التي تركها سحنون؛ فهل هذا العمل كاف لحذف كلمة "المختلطة" والاقتصار على اسم "المدونة" فقط؟ إذا رجعنا إلى الكتب التي تتحدث عن هذا الموضوع لا نجد إلا لمسات في أطراف الموضوع هنا وهناك، فهذا عياض يقول وهو يتحدث عن أصل "المدونة": قال الشيرازي: واقتصر الناس على التفقه في كتب سحنون، ونظر سحنون فيها نظراً آخر، فهذبها، وبوبها، ودونها، وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيل أبوابها بالحديث، والآثار، إلا كتباً منها مفرقة بقيت على أصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون، "المدونة والمختلطة" 24. وقد ذكر عياض كذلك أن سليمان بن عبد الله بن المبارك أبو أيوب المعروف بأبي المشتري 25 هو الذي بوب الكتب "المختلطة" الباقية على
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 135
سحنون من "المدونة" 26، لكنه لم يذكر الأبواب التي بوبها هذا الأخير، ولا الأبواب التي تركها سحنون، وهل اقتصر عمل أبي المشتري على التبويب فقط؟، أم فيه تبويب وتهذيب.
وقد وجدت مكتوباً فوق مخطوط النكت لعبد الحق الصقلي نسخة ابن يوسف بمراكش، على الصفحة الأولى أسفل عنوان الكتاب: تسمية المختلطة من كتب "المدونة": الصيد، الذبائح، الحج الثالث، الأقضية، الشفعة، القسمة، الغصب، حريم البئر، الرهون، اللقطة، الضوال، الوديعة، العارية، الهبات، الجراحات، السرقة، المحاربين، الرجم، القذف، الديات.
انتهى.
وقد قارن عياض في كتابه "التنبيهات" بين "المدونة والمختلطة"، ولعله يقصد بها النسخة الأصلية للمدونة قبل تهذيبها وتبويبها، وهي نسخة "الأسدية" التي صححها سحنون على ابن القاسم، فقد قال في بيوع الآجال: وقوله: "لم لا يكون كأنه رجل باع مائة دينار له عليه بخمسين إردبا، وبخمسين دينارا أرجأها" 27. كذا في "المدونة".
وفي المختلطة: عجلها.
وإذا كان في المختلطة: عجلها، وفي "المدونة": أرجأها، فإن التعجيل ضد الإرجاء، فهذا تغيير في الأحكام، فإذا كان العمل منصبا على تصحيح مثل هذه الجزئيات فقد يكون تجاوز مسألة التهذيب والتبويب، إلى التصحيح والتصويب، ومن ثم يكون الاختلاط قد تجاوز الجانب الشكلي "للمدونة" إلى مضمونها.
أو لعل هذا مثل من أمثال الأغلاط التي كانت في "الأسدية".
وقال عياض في القسمة: لعل هذا الباب بقي على اختلاطه بعد ذكره الاختلافات الواردة فيه وحاول أن يجد لها وجهاً، فأورد عدة احتمالات من بينها الاحتمال الأول.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 136
وقال في الشركة في مسألة الثلاثة نفر: لأحدهم البيت، وللآخر الدابة، وللآخر الرحى، اشتركوا بالسواء، وذكرهم في السؤال أنهم جهلوا أن ذلك غير جائز، فعملنا وأصبنا مالاً، فقسم بيننا أثلاثاً، إذا كان كراء الدابة، والرحى معتدلاً" (1)، فظاهر هذا أن مذهب الكتاب هنا ما قدمناه أنه لا يجوز، حتى يكتري كل واحد منهما نصيبه بنصيب صاحبه (2)، إذا كان مستوياً.
وسحنون يجيز ذلك إذا استويا.
قال أحمد بن خالد: هذا قول سحنون.
وهو في "المختلطة" خطأ، فأصلحها في هذا الموضع، وتأول سحنون ما في الكتاب أنه إنما يمنع منه إذا كان كراء الآلة وهذه الأشياء مختلفاً.
ومن مظاهر اختلاط مسائلها التي ما زالت باقية في "المدونة" شاهدة على ذلك، نذكر مسألة نذر الصيام (3) فقد وردت في كتاب "الرهون.
كما يلاحظ أن بعض الأبواب لم تذيل بالأحاديث والآثار كالأبواب الأخرى، كما أن بها بعض الأبواب هي كلها آثار وليس فيها كلام لابن القاسم، ولعلها كلها من جامع ابن وهب، انظر في القود بين الحر والعبد (4) في العبد يقتله العبد أو الحر (5) في كتاب الجنايات.
2 -
نسبة الكتاب للقاضي عياض:
كتاب "التنبيهات" تواترت الأخبار في نسبته إلى مؤلفه، وقد عزاه لنفسه بنفسه في كتابيه الأشهرين: "الإكمال" 33 و"المشارق" 34، وعزاه له ابنه2829303132
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 137
في "التعريف" 35 و"مذاهب الحكام" 36، وذكره له المقري 37، وابن خلكان 38، والذهبي 39، وصاحب طبقات المالكية 40، وحاجي خليفة 41، وإسماعيل باشا البغدادي 42، وغيرهم من أصحاب الفهارس ومؤلفي كتب الفقه المالكيين خاصة ... ومن هذا ما قيل في الكتاب والمؤلف من شعر مادح، كإنشاء أبي القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري المتوفى سنة 704 هـ: وأَعجب تنبيهاته اللائي أوسعت ... غوامض أعيت رائمي فهمها كشفا 43 وقول أبي عبد الله محمَّد بن علي التوزري ابن المصري فيه: كأنيَ مذ وافى كتاب عياض ... أنزِّه طرْفي في مريع رياض فأجني به الأزهار يانعة الجنا ... وأكرع منه في لذيذ حياض 44 فهذه شهادات عدل في نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 138
المبحث الثاني: مضامين الكتاب ومقاصده
من خلال عنوان الكتاب، ومن خلال الإشارات الواردة في مقدمته، يمكن أن نجمل محاور الكتاب فيما يلي:
أولاً: شرح بعض نصوص المدونة:
جاءت أبواب "المدونة" على غير المنهج المتبع في الكثير من الكتب، من افتتاح بمقدمات تمهد للتعريف بالموضوع من الناحية اللغوية والاصطلاحية، وتقديم أدلة من الكتاب والسنَّة على مشروعيته، فكانت عبارة عن أسئلة وأجوبة مذيلة في بعض صورها في بعض الكتب بالأحاديث والآثار، مما أدى بابن رشد إلى أن يسد هذا الفراغ بكتابه المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم "المدونة" من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات.
جاء هذا الكتاب ليقدم بين يدي كل كتاب تعريفاً لغوياً واصطلاحياً مع أدلة على مشروعية الكتاب من الكتاب والسنَّة، أو الإجماع، أو القياس، ثم بعد ذلك يجمع الصور الفقهية المتشابهة في فصل يجعلها منفصلة عن غيرها، ثم يناقش أحكامها انطلاقاً من "المدونة" والواضحة والعتبية والموازية وغيرها من المصادر المالكية المتاحة له، فيعرضها بأسلوب سهل واضح وسالم من الغموض والتعقيد.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 139
أما تلميذه القاضي عياض فنظر إلى الموضوع من جوانب أخرى، لم يتطرق إليها غيره، فتنبه إلى بعض نصوص "المدونة" المحتاجة إلى الشرح والتوضيح، فنسج على منوال شيخه في عرض كتب "المدونة"، وفي شرح بعض النصوص الفقهية التي ساقها، بل الأكثر من ذلك أنه كان يعتمد عليه كثيراً في هذا الباب؛ ففي بيوع الآجال مثلاً عرض عياض للتعريف به عند الفقهاء، وبين الأصل الذي بني عليه، قبل أن يبدأ تعاليقه على نصوص "المدونة"، كما بين التأصيل الذي اعتمده في بيع الأجل كل إمام من أئمة المالكية، كابن القاسم وأشهب وابن المواز وفضل بن سلمة، وابن حبيب وغيرهم.
ثانياً: ضبط بعض المفردات وشرحها:
اهتم عياض بضبط بعض مفردات "المدونة" وشرحها، سواء تعلقت باللغة، أو بالأشخاص، أو الأماكن، ما دامت هذه الألفاظ غير خاضعة لقياس، أو قاعدة تضبطها، وهذا الاهتمام بضبط الألفاظ أخذه عن شيوخه، فقد أخبر عن شيخه أبي الحسن علي بن المشرف بن المسلم 45 الأنماطي 46 بسنده إلى أبي إسحاق النيجرمي أنه قال: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس, لأنه لا يدخلها القياس، ولا قبله شيء يدل عليه، ولا بعده شيء يدل عليه 47.
وهذا المنهج سار عليه كذلك في كتابه "مشارق الأنوار".
وقد تشكل هذه الألفاظ المهملة عقبة كأداء أمام القارئ، فتحتاج إلى من يقوم بضبطها، وتقييدها وبيان المقصود منها, لأن القارئ يحار في مثل هذه الكلمات إذا أراد أن يبحث عن معناها، إلى أي مرجع يتجه؟ وهذه الألفاظ لا يضبطها إلا الذين قضوا عقوداً من أعمارهم في ملازمة الشيوخ، مع الحرص على
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 140
الضبط عند الأخذ عنهم، ويرحم الله عياضاً فقد روى حكاية عن شيخه ابن عتاب عن أبيه في تعليمه الضبط للمبتدئين، فقال وهو يتحدث عن قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تصروا الإبل" 48 49، ضبطه بضم التاء، وفتح الصاد وفتح اللام، من الإبل، هذا هو الصواب.
وكذا ضبطناه عن الشيوخ، ولا يصح على ما تقدم غيره، وكان الشيخ أبو محمَّد بن عتاب حكى لنا عن أبيه أنه كان يقول للطلبة: إذا أشكل عليكم ضبط هذا الحرف فاقرؤوا قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 50، ونعم ما قال رحمه الله، لمن يشكل عليه هذا الحرف من المبتدئين، وكثير من الشارحين، ومن لا يتقن الضبط من الفقهاء والمحدثين.
وسأعرض بعض النماذج التي ضبطها:
- السفتجات، بفتح السين وسكون الفاء وفتح التاء بعدها جيم جمع سفتجة: وهي البطائق التي تكتب فيها الإحالات بالديون.
- وخبز الملة، بفتح الميم وتشديد اللام: هو نوع مما يطبخ به الخبز، وهو أن يحمى بالنار موضع من الرمل أو التراب ثم توضع فيه الخبزة، ويرد بعضه عليها حتى تنضج، سمي بذلك لحرارته.
- والأمرخ، بفتح الهمزة وآخره خاء معجمة فسره في الكتاب: جبل الفسطاط.
- "وحيان بن عمير العبسي" 51 - بفتح الحاء وياء باثنتين تحتها.
ونسبه العبسي بالعين المهملة بعدها باء ساكنة بواحدة وسين مهملة 52 كذا أصلحته
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 141
من أصل ابن عتاب، وفي أكثر النسخ القيسي (1)، بالقاف وياء باثنتين تحتها.
إلا أن ما ذكره عياض لا يوافق ما في كتب التراجم ففي النسخ المطبوعة من المدونة وفي كتب التراجم: القيسي بالقاف، وهو ما أقره هو كذلك في بعض النسخ.
ثالثاً: التنبيه على اختلاف الروايات:
نبه القاضي عياض على الاختلاف الموجود في روايات "المدونة"، وما لهذا الاختلاف من أثر على المختصرات الفقهية، والأحكام الفقهية، وسأعرض بعض النماذج من هذا الاختلاف:
- قال في كتاب "بيوع الآجال" في مسألة البيع والسلف: وقوله: "إلا أن يرضى من اشترط السلف أن يترك ما اشترط" 54. ثم قال: "قلت: لم كان هذا الذي اشترط السلف إذا ترك السلف ورضي في ثبت البيع.
قال: كذلك قال مالك" 55. كذا روايتنا.
وكذا في أكثر الأمهات، وكذا في "الموطإ" 56 ووقع في بعض النسخ يرد ما اشترط ورد السلف.
قال فضل: وكذا قرأناها على يحيى، إذا رد.
قال: وسحنون أصلحها في رواية يحيى في الموضعين.
وردها يترك وترك، إذ مذهبه: أنه لا يجوز الإسقاط، والرضى بترك السلف بعد القبض، إذ بالقبض تم الربا بينهما، وقاله ابن حبيب 57، ورواه علي وابن عبد الحكم عن مالك.
وذهب أكثر شيوخ القرويين إلى أن قول سحنون وفاق للكتاب، وبعضهم يجعله خلافاً.
ويستدل بما في الأصل من قوله: يرد، وكذا حكى أصبغ في أصوله: أنه53
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 142
يرد السلف وإن قبضه، ومحمد بن عبد الحكم يرى رد البيع وإن أسقط السلف مشترطه.
وهذا الاختلاف الواقع بين كلمتي يرد ويترك، هو أصل الاختلاف، هل يرد البيع؟ أو يرد السلف؟ وقد تمسك البعض بما في نسخة يحيى، وقد قال يحيى بن عمر: وسحنون أصلحها: يترك، وإنما كان: يرد.
وقال ابن رشد: وإلى هذا ذهب سحنون في إصلاحه مسألة كتاب "بيوع الآجال في المدونة" بأن جعل فيها مكان يرد: يتركو فتدبر ذلك 58.
- وقال في كتاب الغرر: وقوله: وينقض صاحب الحلية حليته إذا أراد صاحب السيف ذلك وأراد صاحب الحلية ذلك؟ 59 كذا في كتابي.
وهو يقصد نسخته من "المدونة".
ما أورده عياض في هذا النص هو السؤال فقط، ولم يذكر الجواب لأن الذي أراد أن ينبه عليه هو "وأراد" الموجود في نسخته، و"أو أراد" الموجود في كتاب "ابن المرابط".
ونص "المدونة": قلت: وينقض صاحب الحلية حليته إذا أراد صاحب السيف ذلك وأراد صاحب الحلية؟ قال: نعم.
قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم، هو قوله.
قلت: ولا ترى هذا من الضرر؟ قال: لا, لأنهما قد رضيا 60. وعلق عياض على هذا النص فقال: ظاهره أنه إنما ينقض باتفاقهما وليس المراد ذلك، بل المعنى: أن من دعا منهما إلى تخليص ملكه فذلك له، ووقع هذا اللفظ في كتاب "ابن المرابط": أو أراد؛ وهذه الرواية أبين. - وفي كتاب "المرابحة": في "المدونة": طبعة دار صادر: فلا يكون للبائع على المشتري غير ذلك 61، وفي طبعة دار الفكر: فلا يكون للمشتري
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 143
أن ينقصه من ذلك 62.
قال عياض عندما علق على هذا النص: كذا عند شيوخي، وروايتي، وهي رواية أحمد بن أبي سليمان، ويحيى بن عمر، وفي بعضها: "فلا يكون للبائع" 63، وكذا عند ابن خالد، قال بعضهم: وهو أصح من المشتري.
ورأى عياض أن المعنيين يرجعان إلى معنى واحد لكن لفظ المشتري أليق وأحسن في نظم الكلام.
ولم يقتصر عياض على المقارنة بين الروايات، بل كان يقارن كذلك بين "المدونة" وأصلها "الأسدية".
- قال في كتاب "العيوب": وقوله: "فإن ادعى المشتري الذي قطع الثوب أن البائع حين باعه علم بالعيب وأنكره البائع 64، قال: على البائع اليمين" 65 كذا في "المدونة".
وفي أصل "الأسدية"، فإن قال البائع: استحلفوه أنه لم يعلم بالعيب، قال: عليه اليمين، وهذا خلاف ما نصه في الباب أنه لا يحلفه بمجرد الدعوى بالرضى.
وإذا كان عياض يعرض هذه الروايات المختلفة فإنه يعرضها إما ليثبت الاختلاف بين النسخ، أو لينبه على الرواية التي اعتمد عليها بعض المختصرين، أو ليبين الأحكام الفقهية المبنية على رواية ما من الروايات، أو ليجمع بين الروايات المختلفة، كما جاء في كتاب "الشهادات": - قال عياض: وقوله: وترك السلطان ما سوى ذلك في يد المدعى عليه حتى يأتي من يستحقه ولا يخرجه من يده 66، كذا لإبراهيم بن محمَّد
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 144
وسقط: "لا" عند ابن وضاح.
قال بعضهم: والأول أصوب.
ثم قال: كلاهما صحيح، فبإثبات "لا"، يرجع الكلام إلى السلطان.
وبسقوطها يرجع إلى المستحق الذي يأتي فيأخذه.
وبهذا جمع عياض بين الروايتين.
رابعاً: إصلاح الغلط الواقع من بعض رواتها:
نبه عياض على بعض النصوص التي وقع فيها خطأ، فأصلحها سحنون، أو أصلحها غيره، وهذه النقطة من الأمور الدقيقة عند عياض، لأنه لم يعتمد فيها على ملكته الفقهية، وما يعرف من الأحكام، أو القواعد الفقهية، أو القواعد اللغوية فحسب، بل كان يتتبع الخطأ خطوة، خطوة، باستنطاقه المرويات، ولم يغب عنده الاعتماد على السند حتى في هذه الجزئيات الدقيقة، ولم يكن عارضاً لهذه التصويبات فقط، بل كان يتدخل ويعلق ويبدي رأيه في بعض الأمور كما فعل في مسألة القراض.
وفي بعضها يعرضها فقط، كما فعل في مسألة الغصب، كما نبه على بعض الزيادات التي لم تكن مما دون سحنون.
- ومن الأمثلة على ذلك ما أخذه سحنون عن ابن القاسم في مسألة عامل القراض يدفع إليه المال فيشتري بمائتين مائة نقداً ومائة إلى أجل، قال: أرى أن تقوم السلعة بالنقد، وفي رواية أشهب: أن تقوم المائة الآجلة.
قال عياض وهو يستعرض الاختلاف الوارد في هذه المسألة: ومعنى قوله: كان شريكاً: إذا أبى رب المال أن يدفع إليه الألف، على ما تقدم في الأم 67. ثم قال فيمن دفع مائة قراضاً، فاشترى العامل بمائتين مائة نقداً، ومائة إلى سنة أرى أن تقوم المائة الآجلة بالنقد 68. كذا في كتاب
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 145
"ابن عتاب".
ونحوه في كتاب "ابن سهل".
وكثير من الأصول.
قال ابن وضاح: وكذا أصلحها سحنون.
قال: وكانت في الكتاب: "أن تقوم السلعة بالنقد" 69، وهو خطأ.
وكذا في العتبية 70، وكتاب "عبد الرحيم" 71. وكذا ألفيت في بعض الأصول من "المدونة".
وهي رواية القابسي عن الدباغ.
والإبياني.
وخطأوا هذه الرواية.
وقاله ابن المواز.
والوجهان مرويان عن مالك.
قال فضل: قرأ لنا عبد الجبار: تقوم المائة بالنقد، فإن كانت قيمتها خمسين 72. وقرأ لنا غيره: "فإن كانت قيمتها خمسين ومائة" 73. قال سحنون: السلعة، في كتاب "ابن القاسم"، وأنا أصلحت المائة.
وتقويم السلعة بحال.
قال يحيى: وقرأ علينا: السلعة.
وقال: هي خطأ.
قال فضل: وهذا على مذهب ابن القاسم.
وأما على ما أصلح سحنون فلا معنى لذكر مائة.
وإصلاح سحنون هو على رواية أشهب عن مالك.
قال القاضي: لا يصح ذكر لفظة مائة بعد خمسين، مع قوله: تقوم المائة، كما قال فضل.
وإنما يتوجب على قوله: تقوم السلعة، وسقطت لفظة مائة من كتاب ابن عتاب، وابن سهل، وأكثر الأصول.
وثبتت عند "ابن المرابط".
وفي بعض النسخ وقد تقدم: أن تقويم المائة هو الصواب.
- وقال في كتاب "الغصب": وقوله: "إن ادعى الغاصب هلاك الجارية، وحلف على صفتها، وغرم القيمة، ثم ظهرت بعد ذلك، مخالفة للصفة، أن للمغصوب منه الجارية" 74، أن يزاد إلى ما أخذ تمام قيمة الجارية، يعني: جاريته له, لأنه إنما جحده بعض القيمة.
كذا أصلحها
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 146
سحنون.
وكذا في كتاب أبي إبراهيم.
وكذا خرجها في كتاب "ابن المرابط".
وكان في أصله: فيكون للمغصوب منه الجارية، أن يأخذ من الغاصب تمام القيمة، لأنه إنما جحده بعض القيمة، وهما بمعنى.
وفي بعض الروايات: "فيكون للمغصوب منه الجارية، أن يرد ما أخذ، ويأخذ جاريته، وإن شاء تركها، وحبس ما أخذ من القيمة.
قيل 75: هذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي" 76. وكذلك في كتاب "ابن عتاب"، وعلم عليه.
قال ابن وضاح: قال سحنون: لست أعرفه.
يقول هذا وتركه، ولم يعرضه سحنون.
قال يحيى بن عمر: روى أصبغ، وأبو زيد عن ابن القاسم: أن لربها أن يرد ما أخذ ويأخذ جاريته.
ومما ذكر بأنه لم يكن مما دون سحنون ما ذكره عياض بأنه من زيادة ابن باز من موطأ ابن وهب في كتاب "القراض".
قال: زاد في بعض الروايات: "ابن وهب، وقال الليث مثله.
إلا أن يكون طعاماً يخاف عليه السوس، أو شبهه، فيتلف رأس المال، فإنه يؤمر حينئذٍ بالبيع" 77. ولم يكن هذا في كتاب "ابن وضاح".
وكتب في كتاب "ابن عتاب" عليها: أدخلها إبراهيم بن محمَّد من موطأ ابن وهب.
وليس مما دون سحنون، وصحت "لابن باز" عند "ابن المرابط".
ولم يكن في كتاب "الإبياني"، ولا في رواية الدباغ.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 147
المبحث الثالث: مصادر الكتاب
يتبين لمستقرئ تراث القاضي عياض أنه بحاثة جماع، وأنه قطع على نفسه الاشتغال بالعلم عمره.
قال عنه ابنه: "كثير المطالعة، لا يفارق كتبه، كثير البحث عن العلم، توفي وهو طالب له" 78. وقال المقري: كان كثير الاعتناء بالتقييد والتحصيل 79. وحكى ابنه أيضاً عن ابن عمه أبي عبد الله الزاهد أن القاضي عياضاً جلس وإياه عشية يوم "إذ أتى بعض طلبته بجزء فأخذه من يده، وجعل يستغربه ويورق فيه، وينظر تارة ويتحدث معهم تارة، فلما حان انصرافهم دفعه لصاحبه فقال له: يا سيدي، أمسكه حتى تقضي منه أربك، فقال له: لا حاجة لي به، فما بقيت فيه فائدة إلا أخذتها.
وأخبرني بعض أصحابنا أنه سمعه يقول: لما وصل إلى بلدنا كتاب "المقامات" للحريري - وكنت لم أرها قبل - لم أنم ليلة طالعتها حتى أكملت جميعها بالمطالعة" 80.
وبالموازنة بين كتاباته المختلفة في الموضوع الواحد، وتحليله للمسألة الواحدة في أكثر من كتاب من مؤلفاته أو ضبط علم أو شرح كلمة، يمكن أن يلحظ القارئ مدى التطابق والتكرار الظاهر للمعاني والألفاظ والتعابير
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 148
التي غالباً ما تتفق، وكان المؤلف في تقميشه يجمع مادته العلمية في بطاقات ويرتبها، ثم يرجع إلى تلك البطاقات عند الحاجة، وقد يزيد أو ينقص أحياناً.
وفي هوامش النص المحقق كثير من "التنبيهات" على هذا السلوك التأليفي عند المصنف رحمه الله فيما تكرر من معلومات بعينها في "التنبيهات" و"الإكمال" و"المشارق" جميعاً.
يزيد عدد المصادر المكتوبة المسماة في الكتاب على مائة مصدر بين كتاب كبير ربما وصلت أجزاؤه مائة - بتجزئتهم - وبين جزء أو رسالة صغيرين، وكثير من هذه المصادر هو اليوم في حكم المفقود، مثل: كتب المغيرة المخزومي المدني، وكتب ابن كنانة، وكتب ابن الماجشون أصحاب مالك 81، ومثل: مدونة أشهب، واختصار "الأسدية" لابن عبد الحكم، وأبي زيد بن أبي الغمر، وكتب عيسى بن دينار، وكتب السليمانية والدمياطية والحمديسية والثمانية والمبسوطة والمجموعة، وكتب ابن شعبان وفضل بن سلمة وأبي عمران الفاسي ...
يضاف لهذه المائة أكثر مائة ثانية من العلماء والفقهاء من طبقات وأعصار مختلفة حكى عنهم المؤلف آراءهم دون أن يعزوها إلى كتاب، ومنهم من لا يكاد يذكر اسمه في مصادر الفقه مثل: ابن أبي سبرة، وابن أبي عمران الطلحي، وأبي بكر النعالي، والصديني الفاسي، وعبيد الحفناوي، وأبو النجا الفرائضي، والقاضي علي بن جعفر التلباني ...
ثم يوجد نوع آخر من المصادر المبهمة تتردد في الكتاب، كقوله: طائفة من البصريين، وفقهاء الحجاز، وأهل الوثائق، ومحققو الأصوليين، وغير هذا.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 149
ومن أسماء اللغويين أكثر ثلاثين ذكرهم كذلك.
هذا إضافة إلى بعض المصادر الشفوية التي لا بأس بها وبمحتواها، خاصة في علم اللغة وضبط الرواية.
ويثير الانتباه هنا قضية هي ما إن كان المؤلف ينقل عن هذا الكم كله بالمباشرة أو بالوساطة؟
لقد سبق عند جرد مرويات المؤلف في المجالات الثلاثة: الفقه والحديث واللغة، التأكد أن فهرسته لم تحتو كل مروياته، بدليل اعتماده على مصادر في مؤلفاته غير مسماة في الغنية، وصرح في أول فهرسته بالاقتصار على عيون مروياته 82.
وقد صرح غير مرة أنه ينقل كثيراً من المعطيات المتعلقة بالفروق بين نسخ "المدونة" من هوامش نسخ متأخرة وقعت إليه ولم يطلع على أصول أصحابها.
فكما اعتمد على حواشي بعض النسخ لإثبات الفروق، فمن الوارد أن يعتمد على مصادر معينة في نقل آراء وأقوال عن كتب متقدمة، وقد يلاحظ القارئ أحياناً أن المؤلف يلخص مسألة معينة من كتاب ما، فينقل منه نصوصاً لغير مؤلفه وبوساطته، ومثل هذا محتمل في نقل المؤلف نصوص كتاب ابن رشد المقدمات الممهدات، فكثيراً ما لا يختلف ما في الكتابين وتتحد المصادر والأسماء المذكورة فيهما!
ويثار بهذه المناسبة عدم ذكر المؤلف لكتاب شيخه الموسوعة، "البيان والتحصيل"، ومع هذا فيمكن القول من ملاحظة بعض النقول عن ابن رشد أنه يرجع إلى الكتاب ...
ومن الأمثلة التي قد تدل على النقل بالوساطة قول المؤلف:
- " ... خلاف ما وقع في كتب بعض الموثقين وتأوله على "المدونة" أنه بغير رضاهن، وهو وهم منه أو من النقلة عنه".
فهذا تصريح بعدم
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 150
الاطلاع على الأصل، وإنما اعتمد على النقلة عنه.
ولنقارن ما بين نص المؤلف وهذا النص لعبد الحق الصقلي:
- قال المؤلف: "قوله: وسأطيب لك ذلك، أي: أتركه لك كله.
قاله أبو عبيد في كتاب "الأموال" ورواه: وسأطيبه لك جميعاً". - وقال عبد الحق: "وقوله: وسأطيب لك البقية، معناه: سأتركه لك كله.
كذلك فسره أبو عبيد في كتاب "الأموال"، ورواية أبي عبيد في هذا الحديث: وسأطيبه لك جميعاً" (1). ولا يبعد أن تكون بعض آراء الفقهاء القرويين في "التنبيهات" مأخوذة عن كتب عبد الحق الصقلي وشرح "المدونة" وشرح "التلقين" للمازري، وفي هذا الأخير بعض النماذج الظاهرة ... ونبدأ هذا الجرد بذكر مصدرين هامين جداً في تاريخ المذهب؛ أولهما
: "الأسدية"،
وثانيهما: "الاستيعاب".
1 - الأسدية:
عندما نستقرئ قاموس المؤلف في التعامل مع "الأسدية"، نجد هذه الاستعمالات: كذا في أصل "الأسدية".
وقع في "الأسدية" وأصل "المدونة".
وكذلك في كتاب المكاتب من "الأسدية".
ومثل هذا متكرر في الكتاب، وهو في ظاهره دال على المباشرة.
غير أن استعمالات أخرى تدل على عكس هذا، ومنها قوله:
- "قال أحمد بن خالد: هذا أمر أصلحه سحنون، لأن في الأسدية ... ".
- " ... كتب عليه: ليس هذا الحرف في "المدونة"، وصح في "الأسدية"".83
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 151
- "قال أحمد بن خالد: المسألة مصلحة، وليست كذا في "الأسدية".".
ومما يدعو للشك في اطلاع المؤلف عليها، وأنه إنما يحكي عن غيره عنها أن بعض تعابيره في ذكرها هي تعابير غيره في ذلك، كابن رشد في "المقدمات" (1)، فما هناك هو عين ما في "التنبيهات".
هذا ولا ذكر لكتاب "الأسدية" في مرويات القاضي عياض، ولا إشارة لها، بل عكس هذا هو ما ذكره في "المدارك" بعد أن نقل عن الشيرازي قوله: "هي مرفوضة عندهم إلى اليوم" (2)، قال بعد ذلك: "ونسيت "الأسدية" فلا ذكر لها الآن" (3). غير أن هذا لا يعني فقدانها وانقطاعها؛ إذ توجد أدلة على حضورها وتداولها قبيل عصر المؤلف بقليل، فقد ذكر ابن سهل عن شيخه أبي عبد الله بن عتاب - وهو في طبقة شيوخ شيوخ المؤلف وتوفي 462 هـ (4) - ذكر عنه ابن سهل: أنه احتج "يومئذٍ بمسألة أخرجها إلينا معلقة بخط أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجيبي الطليطلي على ظهر كتاب "القسمة" من "الأسدية"، وهي: قال أبو إبراهيم ... " (5). ثم ذكر ابن سهل بعد هذا من قوله: "قرأت هذه المسألة على من حضر من أصحابنا عند الشيخ أبي عبد الله بن عتاب، ورأيت في كتاب "القسمة" الذي كانت هذه المسألة على ظهره من قول مالك ... " (6).
2 -