كتاب العتق الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قوله 1: "لا يجوز للأب أن يشتري من يعتق على ولده، وقاله أشهب.
قال سحنون: وكذلك العبد لا يجوز له أن يشتري من يعتق على سيده".
هذا كله يدل أن مذهبه لا يجوز ابتداء ولا يباح.
واختلف إذا وقع:
فأشار بعضهم أن مذهب مالك وابن القاسم أنهم يعتقون على الابن إذا لم يعلم الأب أو علم وجهل لزوم العتق، ولا يعتقون على الابن إذا كان الأب عالماً.
وأنه يختلف في عتقه هنا على الأب أو يبقى له رقيقاً.
وأجرى الأب هنا مجرى الوكيل سواء.
وإلى هذا نحا اللخمي 2.
وذهب غيره من القرويين أن الأب بخلاف الوكيل، وأنه سواء كان عالماً أو غير عالم أنه لا يعتق على الأب ولا على الابن؛ لأنه لو أعتق عبد ابنه عن ابنه 3 لم يعتق عليه.
وإلى هذا نحا ابن يونس وعبد الحق 4، وهي في كتاب ابن يونس أكمل وأفسر، وما قاله الأول أبين وأقيس.
وحجته أنه لو أعتق عن ابنه لم يلزمه.
ولا حجة له فيه؛ إذ لو أعتق/ [ز190] الوكيل أو المأذون أو المقارض عبيد أصحاب المال أو ما اشتروه من أموالهم لم يعتقوا، وإنما أعتقناهم في الوجوه التي أعتقناهم عليهم لشبهة التصرف في
المال وإطلاق اليد فيه، وشبهةُ الأب في ابنه الصغير أقوى فلا فرق.
وكذلك اختلفوا هل ينعقد على مذهب مالك وابن القاسم فيهم الشراء على ابنه مع علمه أم لا؟
فتأول بعضهم أن مذهبه أنه لا ينعقد من قوله في مسألة المديان إذا اشترى من يعتق عليه البيع 1 مردود، وأما على قولهم في الوكيل والمقارض فالبيع ماض.
وإنما اختلف هل يعتق عليهما أو يبقى رقيقاً لهما؟ وأما أشهب 2 فقد نص أنه لا ينقض 3 ويباع عليه مخافة بلوغ الولد فيعتق عليه.
واعترض هذا بعض الشيوخ 4 وقال: لا يلزمه عتقه وإن بلغ؛ لأن غيره اشتراه.
وليس هذا بشيء، وإنما يصح هذا على القول: إن البيع غير منتقض، وإلا فنحن نعتقه عليه بالميراث فكيف بملك تقدم!
وقول سحنون آخر الباب: "وكذلك العبد الذي قدمناه"، ساقط في كثير من الروايات ولم يكن في كتاب ابن سهل 5. وأدخله ابن أبي زمنين من غير "المدونة".
وكان في كتاب ابن عتاب من كتاب [إسحاق] 6.
وقول النخعي 1 في الذي قال لأمته: "إن ولدت غلاماً فأنت حرة فولدت جارية وغلاماً، فهما عبدان وهي حرة".
كذا روايتنا وكذا رواها ابن أبي زمنين.
قال: ومعناها أن الجارية ولدت أولاً.
وجاء في بعض الروايات 2 مبيناً: "ثم غلاماً"، وكذا في كتاب ابن سهل.
وقوله 3: "أرأيت لو أن رجلاً قال لأمته: ما في بطنك حر، ولها زوج ولا يعلم أنها حامل، فجاءت بولد لأربع سنين: لا يعتق عليه من هذا إلا ما كان لأقل من ستة أشهر".
قال يحيى: قال سحنون: ليس من كلام ابن القاسم "ولها زوج"، أنا أصلحته 4.
وانظر قوله 5: إذا اشترى نفسه من سيده بخمر أو خنزير عليه قيمته.
وتأويلهم أنه مضمون 6. ولو كان معيناً لكسرناه كما قاله ابن مُيسَّر في كتاب محمد 7 وأصبغ في كتاب ابن حبيب.
ومسألة العتق 8 على مال والاختلاف بين ألفاظه، مبينة في كتاب المكاتب.
وقوله 9 فيمن أعتق عبده بتلاً وعليه، أو على أن عليه مائة: إنها تلزمه.
يدل أن مذهبه هنا جواز إجبار السيد عبده على الكتابة وإلزامه ذلك.
وعليه يدل قوله في كتاب المكاتب 1 في مكاتبة الرجل عبده على نفسه وعلى عبد له غائب: إن ذلك يلزمه ويتبع بها الغائب، شاء أو أبى.
وهو قوله في كتاب إسماعيل القاضي 2 وأن له إجباره.
واختاره البغداديون من شيوخنا 3. وعلى قوله في "أنت حر على أن عليك": إن العبد مخير 4. ظاهره أنه لا يجبره.
والقولان لابن القاسم.
وحكاهما معاً منذر القاضي 5 عن مالك.
وحكى ابن حبيب 6 الخلاف في ذلك أيضاً.
وانظر قوله في الباب بعده 7: "إذا قال السيد: أعتقته على مائة دينار، وقال العبد: أعتقني بغير مال: إن القول قول العبد".
فانظر هل هو خلاف لقوله أولاً 8: إنه يعتق عليه ولا يلزمه المال، ووفاق لقول مالك في المسألة بإلزامه المال لو اعترف أنه قال ذلك وأن المسألة واحدة.
وقد أشار بعض شيوخنا إلى أن قول ابن القاسم هنا خلاف لقوله أولاً 9. وقد تكون المسألتان مختلفتين.
وأما ما ههنا شرط عليه أن يدفع
لي كذا، فلا يختلف في إلزام هذه إذا تقاررا عليه، وأن العبد بالخيار ما لم يلزمه 1.
وقوله 2 في القائل لأمته: إن أديت إلي ألف درهم فأنت "حرة، يتلوم لها السلطان"، ثم قال في الباب بعده 3: إن أديت ألف درهم إلى ورثتي فأنت حرة، فمات والثلث يحملها أو لا يحملها، قال: ويتلوم لها السلطان على قدر ما يرى ويوزعه عليها.
قالوا: ففرق بين ما قاله من ذلك في الصحة وما قاله في المرض وعلى وجه الوصية/ [ز191]. قال سحنون: إن قاله في صحته لم ينجم عليه ويتلوم له بغير تنجيم، فإن قاله في المرض تلوم عليه ونجم عليه 4 كالوصية.
وما في الكتاب في الموضعين يشهد لهذا.
ومثله في كتاب المكاتب 5: "إذا قال المكاتب لعبده: إن جئتني بمائة 6 فأنت حر: يتلوم له كما يتلوم للحر لو قاله لعبده، ولا تنجم عليه كما تنجم الكتابة".
وقوله 7 في النصراني يدبر عبده أو يكاتبه فيسلم العبد فأراد النصراني فسخ ذلك: "لم أعرض له إذا كان تدبيره قبل أن يسلم العبد".
كذا رواية ابن باز.
وعند ابن وضاح وابن هلال: إذا كان رده.
قال ابن أبي زمنين: ورده أصوب.
وهذا على مذهبه في "المدونة" أنه ليس له رده بعد الإسلام على ما جاء مفسراً في "العتبية" 8. وقد تتأول الروايتان على الصواب وأنهما
يرجعان إلى معنى واحد.
وإنما يك 1 ذلك إذا كان رده وتدبيره كلاهما قبل إسلام العبد؛ فمتى أسلم العبد صار حكماً بين مسلم ونصراني يحكم فيه بحكم الإسلام، بخلاف إذا كان رده أو تدبيره بعد الإسلام.
وعلى تخريج أبي محمد عبد الوهاب في المسألة تصح رواية تدبيره أيضاً، وأنه متى كان التدبير قبل إسلام أحدهما فللسيد عنده رده؛ إذ عقوده لا تلزم.
واختلف إذا أعتق ثم أسلم العبد على مذهب "المدونة"؛ فذهب بعضهم إلى أن مراده أنه يعتق عليه كالمدبر.
وقيل: لا يعتق عليه بخلاف المدبر، وكذا في "العتبية" 2. وهذا الوجه هو الذي رجح بعض مشايخنا.
واختاره اللخمي 3، وأن الإسلام لا يؤثر في صحة عقده إلا أن يكون قد بان عنه فيحكم بينهم بإمضاء العتق.
وقوله 4 في النصراني يعتق عبده فيتمسك به أو يدبره: "لا يعرض له إلا أن يرضى السيد بحكم الإسلام فيحكم عليه بحريته"، يدل أن معنى قوله في الطلاق: "إذا حكمونا حكمنا بينهم بحكم الإسلام أنه الطلاق، بخلاف من ذهب إلى غير ذلك.
وقد ذكرناه في النكاح الثالث.
وقوله 5: "من مثل بعبده".
المثلة بضم الميم وسكون الثاء، وبفتح الميم وضم الثاء، وقيل بضمهما معاً 6: هي العقوبة.
قال الله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ 7. والمثلة أيضاً: التمثيل، وهوالمَثْل أيضاً، بفتح الميم وسكون الثاء، وهو التمثيل والنكال.
ومنه قوله: وكل مثل في
الإسلام.
والعبد الممثول به هو المفعول به ذلك.
قال الحربي: قال أبو عمرو: المثل قطع الأنف والأذن.
وقال غيره: هو النكال 1.
واختلف أصل 2 المذهب في المراعى في ذلك مما يوجب العتق، فلم يختلفوا فيما أزال منه عضوا أنه ينقصه ذلك منه وإن قل وكان ظفراً أو سناً، كما نص عليه في كتاب ابن حبيب 3 أنه يعتق عليه، إلا ما ذهب إليه أصبغ 4 في السن الواحدة أنه لا يعتق.
وكذلك جاء أصلهم فيما فعله به من ذلك مما لا ينقصه شيئاً، ولكنه شوه به صورته وإن كان لنفعه كالكي في الوجه.
وعليه يأتي قوله في الكتاب 5 في كي الفرج: "إذا انتشر 6، وساءت منظرته"، وأن هذا عنده كالنقص.
وفرقوا بين كي الوجه وغيره 7، فلم يجعلوه في كي الجسد يعتق؛ إذ ليس فيه ذلك التشويه، وهو في الوجه تسوية 8.
وانظر قوله في الكتاب 9: إذا أحرق بالنار من جسده شيئاً أنه يعتق
- وجعله مثلة ولم يشترط فيه ما اشترط في حرق فرج الأمة من الانتشار والقبح 1؛ هل يحمل عليه ويكون وفاقاً؟، وهو الأشبه ولهذا فرقوا بين الجسد وغيره في الوسم 2. أو يكون خلافاً ويكون مراعاته الكي مطلقاً للنهي عن التعذيب بعذاب الله خصوصاً 3. ويكون تفريقهم على هذا بين الوسم في الوجه والجسد؛ إذ مقصوده منفعة نفسه بالتنبيه على العبد أنه أبَق أو أنه عبد فلان كما جاء في مسائلهم، دون قصد مجرد العذاب والتشويه، فاستخفوه في الجسد/ [ز 192] لهذا ولم يستخفوه في الوجه لحصول التشويه فيه وإن لم يقصد.
ولهذا استخف مالك حلق الرأس واللحية 4، لأنه يعود سريعا لهيئته، ويستر الرأس بالعمة والوقاية، وفي الوجه بالتلثم إلى أن يعود.
وراعاه المدنيون في العَلِيِّ 5؛ لأن تلك المدة التي ينبت فيها - وإن قربت - فيها تشويه على أمثالهم وشهرة فيها، وليس يعود إلى ما كان عليه أولاً إلا في مدة طويلة.
وقد أشار فضل إلى أن العلة في ذلك عند مالك أنه ليس من الجسد.
وقد اختلف أصحابه فيمن طلق شعر امرأته هل تطلق أم لا؟ وقوله 6 سَحَلت، بفتح السين والحاء المهملة، فسره في الكتاب: بردت 7. والمِسحل - بكسر الميم - المبرد.
وزِنْباع 8 بكسر الزاي.
وسَنْدَر 1، بفتح السين المهملة وسكون النون وفتح الدال المهملة.
ومعنى قوله في الحديث 2: "وهو مولى الله ورسوله"، قيل معناه أن العتق فيهما سنتهما وحكمهما، ليس بقصد آدمي وعمله.
وقد يكون معناه أنهما ناصراه على من فعل ذلك به.
وقوله: اللقيط والمنبوذ 3 وتفريقهما 4 بين لفظهما.
قيل: اللقيط هو الملتقط حيث وجد، وعلى أي صفة وجد في صغره.
والمنبوذ: الذي يوجد منبوذاً لأول ما ولد 5. وقيل: اللقيط: ما التقط من الصغار 6 في الشدائد والجلاء ولا يعلم له أب 7. وعلى هذا جاء قول ابن القاسم فيمن قذف اللقيط بأمه وأبيه 8 حد، ومن قذف بذلك المنبوذ لم يحد 9. وقال مالك 10: ما نعلم منبوذاً إلا ولد زنا، وعلى قائله لغيره الحد.
= صحابي كما في الإصابة: 2/ 568. وفي المدونة: 3/ 220/ 5 أنه كان كافراً يوم وقعت له قصته مع غلامه سندر، فجبه وجدع أنفه وأذنه، فأعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سندراً ... وقد مرت ترجمة سندر والكلام عن الحديث الوارد بشأنه.
وأراد بعض المشايخ 1 أن يخرج من "المدونة" خلاف هذا من قوله في الذي استلحق لقيطاً: إنه لا يلحق به إلا أن يعلم أنه ممن لا يعيش له ولد، وسَمع 2 قول الناس: إذا طرح عاش.
وهذا لا حجة فيه؛ لأن هذا في النادر، وإنما تكلم على ما جرت به العادة أولاً، وفي هذه على نازلة وقعت شدت لها 3 دلائل.
وإلا فالغالب ما قاله أولاً.
وقوله 4 في الذي أجر عبده سنة ثم أعتقه قبلها.
جاء في رواية سليمان بن سالم فيها زيادة وهو 5: وقال أشهب: إذا أعتقه السيد قبل السنة حلف بالله ما أراد عتقه إلا بعد تمام الإجارة، فإن نكل كانت الإجارة للعبد.
وقوله 6 في المقر في مرضه بما فعل في الصحة: "إن قام الذي أقر له وهو صحيح أخذ ذلك منه، وإن لم يقم حتى مرض أو يموت فلا شيء لهم وإن كانت لهم بينة، إلا العتق والكفالة"، يريد إذا كان هذا فيما يحتاج إلى حوز، وأما غيره كالإقرار بالدين لمن يجوز له إقراره، وبالبيع وغير ذلك، فإنه يلزمه إقراره، كانت عليه في الصحة بينة أم لا.
وقوله 7: "إذا شهد شاهد على رجل أنه أعتق عبده بتلا وشهد آخر أنه دبره، حلف مع كل واحد منهما وأبطل شهادته"، ظاهره أنه يحلف يمينين على إبطال شهادة كل واحد.
وقد جاء مثل هذا مبيناً في "العتبية" في اختلاف الشاهدين في الطلاق؛ قال: يحلف مع شهادة كل واحد منهما على
تكذيبه.
وفي هذا الأصل من جمع الحقين في يمين واحدة خلاف معروف وتفريق.
والاختيار في مثل هذه المسألة ما في "العتبية" وظاهرِ الكتاب من إفراد كل حق بيمين.