التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطةصفحات 299-338
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 299-338
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عياض
الكتاب
التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
المؤلف
عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
الناشر
دار ابن حزم، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1 أصل الصوم في اللغة: الإمساك، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ 2 الآية، أي إمساكاً عن الكلام.
قال الشاعر: خيل صِيام وخيل غير صائمة 3 ................................ أي ممسكة 4 عن الصهيل والحركة، وقال بعضهم في هذا البيت: معناه خيل لم تعط علفا 5، فهو من معنى الصيام المعهود.
وقال: .......................... وقد صام النهار وهجَّرا 6 [ز 52] أي وقفت أفياؤه عن النقصان والزيادة، وأمسكت شمسه لرأي العين عن الحركة.

وهو في عرف الشرع: إمساك مخصوص عن أفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة.
والسَحور والفَطور، بفتح السين والفاء، اسم ما يتسحر به ويفطر عليه.
وكذلك السعوط والوَجور 1، كالوَقود لما يوقد 2 به النار.
وبِضم ذلك: الفعلُ 3. قال ابن الأنباري: وأجاز بعضهم الفتح في الوجهين، والأول هو المعروف الذي عليه أهل اللغة 4. وقوله 5 في الذي تسحر 6 في أول يوم من أيام النذر المتتابعة، قال: "عليه عشرة أيام يدخل ذلك اليوم في هذه العشرة الأيام أحدها قضاء ذلك اليوم"، كذا لابن وضاح.
ولغيره: آخرها، بالخاء والراء.
ورواية ابن وضاح أصوب، فإن قضاء ذلك اليوم غير معين منها، بل لو قيل: أولها قضاؤه لكان أصوب من قوله: آخرها, لأن أول يوم هو الذي فسد، فهو يستأنف الصيام فيأتي أول 7 عن أول يوم.
أو يقال: عليه عشرة ابتدأها، فسد عليه ما ابتدأ منها، فعليه صيامها دون تعرض للقضاء، لكن إنما ذكر القضاء هنا احترازاً من أن يقال له: يلزمه قضاء ذلك اليوم غير العشرة.
وقوله في أول الكلام: "يدخل ذلك اليوم في هذه العشرة" بنيته 8، وهو أحسن من قوله: "أحدها قضاء ذلك اليوم"، وإنما يصلح ذكر القضاء لو كان الفطر داخل

العشرة بسبب وجوب الاتصال.
قال أبو عمران: وقوله في المسألة: "فإن كان نواها متتابعات" 1، من قول ابن القاسم إلى قوله 2: "فإن أفطر ذلك اليوم"، فمن هنا رجع الكلام إلى مالك.
وقد اختلف في نسيانه صلة القضاء: هل يجب الاستئناف أم لا؟ وقوله 3 في المسألة: إن شاء أفطر واستأنف، ولا أحب له أن يفطره.
وكذلك قال في الأكل ناسيا في قضاء رمضان.
ليس في هذا تناقض بين الكراهية والإباحة، وإنما أراد أن يفرق بين هاتين المسألتين وبين مسألة التطوع؛ لأن التطوع يؤمر بتمامه والوفاء به ويؤثم في الفطر فيه, لأنه قد أبطل عملا يصح له ولا يلزمه قضاؤه.
وهاتان المسألتان لا تصحا 4 له عما صامه لهما، ويلزمه قضاؤهما فلا يؤثم في فطرهما إن أفطرهما، لكن يكره له ذلك؛ لأنه قطع عبادة يصح له أجرها تطوعا إن أكملها وإن لم تصح له عما صامها له ولم يلزم تمامها؛ إذ لم يدخل فيها بتلك 5 النية، بخلاف ناوي التطوع.
وقوله 6: مِنْ ذي قَبْلُ، بفتح القاف وكسره، والفتح عندهم أشهر 7. وزياد بن عِلاقة 8، بكسر العين.

وبِشر بن قيس 1، بكسر الباء وبشين معجمة.
وقوله 2 في حديث عمر حين أفطر وقد أمسى "قد طلعت الشمس"، معناه: ظهرت وبرزت؛ لأنه ليس وقت طلوعها.
وكذلك قوله في كتاب الظهار فيمن ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم طلعت الشمس: إنه لا كفارة عليه.
وأظن 3 هنا بمعنى اليقين.
ولو كان على شك لكفر هنا على [خ 81] ما ذكره ابن عبيد 4 في "مختصره" 5 ولم يكفر على ما ذكره البغداديون 6، كما لو أكل في الفجر شاكاً، فلا كفارة عليه باتفاق.

واختلف المشايخ في ترجيح القولين؛ فمنهم 1 من رجح مذهب البغداديين، وقد يستظهر هؤلاء بظاهر لفظه هذا في "المدونة" وإن كانت درجة الظن أرفع من الشك، ويأتي بمعنى اليقين، لكن تأوله بعضهم 2 بمعنى الشك.
ومنهم 3 من رجح قول ابن عبيد والتفريق بين الوقتين, لأنه أولاً الأكل له مباح، فلا يحرم عليه إلا بيقين، ولا يصح حكم الانتهاك إلا بتيقن تحريمه عليه، وآخر النهار هو في حكم الصوم، والفطر عليه حرام إلا بيقين 4 انقضاء النهار، فهو منتهك ما لم يتيقن انقضاء النهار.
[ز 53] وقد أراد بعض شيوخنا 5 أن يجمع بين القولين وقال: لعل البغداديين أرادوا بالشك هنا غلبة الظن فيستوي الفطر في الوقتين.
وهذا يبعد؛ لأن الشك شيء وغلبة الظن شيء آخر غيره، وأحكامهما مختلفة كأسمائهما وحدودهما.
وحديث 6 ابن مهدي عن سفيان الثوري في باب الذي يرى هلال رمضان وحده.
في رواية إبراهيم بن محمَّد: ابن وهب، مكان ابن مهدي.
وقول سحنون: وأخبرني ابن وهب وابن القاسم عن مالك فيمن رأى هلال شوال نهاراً، كذا عند شيخنا أبي محمَّد بن عتاب.
وعند شيخنا القاضي أبي عبد الله بن عيسى: "قال ابن وهب: وقال لي مالك"، وذكر المسألة.
وقائل ذلك ابن وهب, لأنه تقدم قبل في الآثار ذكره.
ثم قال آخر المسألة 7: "وقال ابن القاسم عن مالك مثله"، فاتفقت الروايتان باختلاف المساق.

وقول سحنون: "وروى أشهب وابن نافع" 1 إلى آخر ما ذكر في المسألة، ثابت عند شيوخنا وقرأه ابن وضاح.
وفي حاشية كتاب ابن سهل: ألحقه سحنون بالمدونة ولم يكن فيها أولاً.
وكذلك حديث 2 ابن وهب عن يونس بن يزيد 3. وحديثه بعده 4 عن رجال من أهل العلم.
ومسألة ابن القاسم وابن وهب بعده التي ذكرناها، ساقط ليحيى ولأحمد 5. وقرأه الدباغ.
والحقنة 6: هو ما يستعمله الإنسان من دواء من أسفله.
والسُبور 7، بضم السين المهملة والباء بواحدة: الفتيلة، وسألت شيخنا أبا الحسين عن هذا الحرف هل يقال بالفتح؟ فقال لي: الواحد بالفتح والجميع بالضم 8. وتجيب - القبيلة - 9، بضم التاء 10 وفتحها، وبعض أهل اللغة لا يجيز فيها إلا فتحها 11. وفي حديث 12 القبلة للصائم: "سمع عبد الله بن عمر يقول: "كنا عند

النبي - عليه السلام - فجاء 1 شاب" 2، وذكر الحديث، كذا عند ابن عتاب.
وعند ابن عيسى: عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذا في سائر الأمهات 3. ومثل هذا التفريق الذي جاء في الحديث بين الشيخ والشاب في القبلة في آثار الكتاب 4 - وقال به من ذكر هناك من 5 قال به هناك من الصحابة 6 - ذكر الخطابي 7 عن مالك ويحيى 8 بن حبيب مثله، وحكي عن مالك ترخيصه فيها 9 في التطوع دون الفريضة.
وظاهر الكتاب منعه

فيهما.
وهو نص له في غير 1 الكتاب.
وقوله 2 في الذي باشر: وإن كان لم يزل ذلك منه ميتا.
وفي رواية ابن عتاب 3: "لم يُنزل ذلك منه منياً"، وعلى الروايتين فقد بين 4 أنه متى أنعظ - وإن لم يمذ - فعليه القضاء.
ومثله لمالك في "العتبية" 5 والحمديسية 6 في المباشرة والقبلة.
وعبد الملك ومطرف 7 لا يريان في الإنعاظ شيئاً من مباشرة أو قبلة، ووافقهم 8 ابن القاسم من رأيه 9 في "العتبية" 10 في القبلة/ [خ 82].
وظاهر رواية ابن وهب وأشهب في الكتاب: لا قضاء فيهما لقوله 11: وإن لم يمذ فلا أرى عليه شيئاً.
وكذا نقلها الباجي من رواية ابن وهب عن مالك نصاً 12. وقيل: إنما الخلاف إذا أنعظ عن مباشرة أو قبلة، وأما عن نظر ولمس 13 فلا قضاء عليه إلا أن يمذي.

واختلف في المذي؛ هل القضاء منه واجب على قول أكثر الشيوخ أو مستحب على قول بعضهم 1، أو التفريق بين أن يكون عن لمس أو قبلة ومباشرة 2 فيجب أو عن النظر فلا يلزم على ما عند ابن حبيب 3 إلا أن يتعمده؟.
والمغيرة 4 لا يرى منه القضاء وإن كان عن قبلة.
وقوله 5 في الذي يقبل امرأته مكرهة حتى ينزلا" فالكفارة عليه، وعلى المرأة/ [ز 54] القضاء على كل حال"، ظاهره يكفر عن نفسه فقط، كما قال ابن القابسي 6 وابن شبلون 7 فيها، وتأولها أبو محمَّد أن يكفر عنها 8، وقاله حمديس 9. وفي بعض نسخ "المدونة" هنا: فالكفارة عليه عنه وعنها.
وليس في روايتنا ولا في أصول شيوخنا لكنها مخالفة كتب بعضهم.
وفي بعض الأصول القديمة 10.

وما له في مسألة المكره يصب الماء في حلقه 1: "عليه القضاء ولا كفارة عليه"، يعضد مذهب ابن شبلون.
وما له في باب الكفارة في المكرهة بالوطء يعضد مذهب أبي محمَّد، وهو نص لقوله 2: يكفر عنها.
والتفريق بين الإكراه بالوطء والإكراه بالقبلة بأنه لا انتهاك في مسألة القبلة, لأنه لم يكن الإنزال من فعله، والإيلاج من فعله، غير بين 3؛ لأن الانتهاك من الرجل فيهما حتى أنزلا في هذه أو لم ينزلا في الأخرى واحد؛ إذ لا فرق بين الانتهاك بالإنزال وبالإيلاج 4 منه في حق المرأة، إذ هو مسببه وفاعل موجبه، والمكرهة غير منتهكة لحرمة الشهر في المسألتين، وإنما المنتهك الرجل في نفسه بالفعلين 5 وفيها أيضاً.
فإما أن يوجب عليه عنها فيهما أو لا يوجب عليه عنها كما قال ابن نافع 6 وابن عبد الحكم 7 وسحنون 8، وهو قول مالك في "المدنية" 9. وقد قال مالك في التي جومعت نائمة 10: "لا كفارة عليها"، وفي الذي صب الماء في حلقه 11: "لا كفارة عليه".
ولم يجعل في الباب كله كفارة عنه على الفاعل؛ إذ لا فرق بين هتكه في المكره بالجماع أو صب

الماء في حلقه، وقد قال سحنون فيها 1: هي خير من مسألة التي أكرهها زوجها, ولا فرق بينهما في باب الإكراه.
وقد سوى بينهما في كتاب ابن حبيب 2 وجعل على المكره فيهما الكفارة عن من أُكرِه.
وقد ذهب بعضهم 3 إلى أن إلزامه الكفارة في مسألة المكره قولة له في الكفارة في الجماع بأي وجه كان، ناسياً أو غيره، كما قال عبد الملك ورواه هو وابن نافع عن مالك 4. وفي "مسائل" القاضي إسماعيل 5 عن مالك ألا غسل على المكرهة إلا أن تلتذ ولا النائمة 6، فيبين 7 من هذا أنها لا تكون مفطرة، يريد لا قضاء عليهما 8. وكذلك قال الشافعي في النائمة.
والمعروف عندنا أن عليهما القضاء.
واختلف في الرجل المكرِه على الوطء لغيره؛ فقيل عليه الكفارة، وهو قول عبد الملك.
وأكثر أقوال أصحابنا أنه لا كفارة عليه.
ولا خلاف أن عليه القضاء.
والخلاف في حده، والأكثر إيجاب الحد عليه/ [خ 83].
والمرأة المكرهة بخلافه.

وقوله 1: "أو غمزها" يعني قرصها أو قبض يده 2 عليها، ومنه قولهم: غمزتَ القناة إذا شددت يدك عليها لتقوّم عوجها 3. ومن 4 قول عائشة: فيغمزني فأضم رجلي 5، وقد قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
وعبد الله بن عامر بن ربيعة 6 عن أبيه.
كذا رويناه.
وفي بعض النسخ: عبيد الله، وهو وهم.
وسقط "عن أبيه" في رواية أيضاً، وقال عوضه: عن ربيعة.
قال أحمد بن خالد: هو خطأ، ورواية ابن وضاح الصواب، عن أبيه، وليس في الصحابة ربيعة.
قال القاضي - رضي الله عنه - 7: الصواب ما في الأصل.
وقد خرج الترمذي حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه هذا بسنده 8. وعامر بن ربيعة هذا عنزي حليف بني عدي، قاله البخاري 9 وغيره، بدري، من مهاجرة الحبشة.

وأما قول أحمد: ليس في الصحابة ربيعة، ففيهم عدة كثيرة، عرفنا منهم - بحمد الله - نحو ثلاثين/ [ز 55] رجلاً ممن عد في صحابة النبي - عليه السلام - 1 كلهم يسمى ربيعة، منهم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب 2، وربيعة بن كعب الأسلمي 3، وربيعة بن عباد الدؤلي 4، وربيعة الدوسي 5، وربيعة بن شخبرة 6، في آخرين لولا التطويل لسردتهم.
وقوله 7 في الحقنة بالفتائل: لا شيء عليه، وفرق بين ذلك وبين غيرها، فدل 8 أن كلامه في الفطر إنما هي 9 في الحقنة المائعة (وهي الذي 10 فيها الخلاف كما قال اللخمي 11 وإن كان القاضي أبو محمَّد 12 ذكر الخلاف في الحقنة مجملاً، وأما غير المائعات) 13 فلا خلاف فيها.

وقد اعترض أبو إسحاق فيها 1 بكل حال على أصله في الرضاع أنه لا يحرم إلا أن يكون له غذاء.
قال القاضي - رضي الله عنه -: وهذا لا يلزم؛ لأن الباب مفترق؛ المراعاة في الرضاع ما ينبت اللحم وينشئ 2 العظم، ولا يشترط هذا في إفطار الصوم 3، بل ما يصل إلى موضع الطعام والشراب فقط مما يشغل المعدة ويسكن كلب الجوع.
وقوله 4: استقاء ممدود، أي استدعى القيء، مثل استقام.
وذرعه القيء - بذال معجمة - أي غلبه، والقيء مهموز.
وحَيْوَة بن شريح 5، بفتح الحاء وياء أخت الواو ساكنة بعدها.
وأبوه بشين معجمة، وآخره حاء مهملة.
والحارث بن نبهان 6، تقدم.
عن يزيد بن أبي خالد، كذا في كثير من الأمهات 7 في حديث الكحل للصائم 8. وبشَر لفظة "ابن" من كتاب ابن

عتاب، وأوقفه ابن المرابط.
والصواب - إن شاء الله - سقوط "ابن".
ويزيد أبو خالد هذا هو 1 وابن عجلان 2 بفتح العين حيث وقع.
عن أبي نضرة 3 عن أبي سعيد.
كذا عندي وفي أكثر النسخ.
وفي بعضها: عن نضرة، كلها 4 بالنون والضاد المعجمة.
وفي بعضها: عن أبي بصرة، بالباء والصاد المهملة.
وكله خطأ إلا أبا نضرة كما عندي.
وهو المنذر بن مالك، مشهور يروي عن أبي سعيد كثيراً في الصحيحين وغيره 5. وأبو مُراوح 6، بضم الميم وكسر الواو.
والمَعافري 7، بفتح الميم وبالفاء، منسوب إلى قبيل من اليمن يقال = المؤلف.
ويوجد من يتسمى بهذا من الرواة لكن لم أجد في ترجمة أي منهم أنه روى عن أبي أيوب أو روى عنه الحارث بن نبهان.

لهم مَعافر.
قال لي ابن سراج: ويقال فيه مُعافر 1 أيضاً.
وفي متن هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ذرعه القيء" 2، كذا عندي/ [خ 84] للقاضي 3 أبي عبد الله.
وعند ابن عتاب: كان إذا ذرعه القيء، وكتب عليه "قال".
وكذا رده ابن وضاح.
وقوله 4 في الحديث: "لا تَقَدموا الشهر" 5، كذا ضبطناه في "الأم" عن الشيخ أبي محمَّد بن عتاب؛ بفتح التاء والدال.
وضبطناه عن القاضي أبي عبد الله: لا تُقدَّموا، بضم التاء وكسر الدال.
ومعناهما صحيح؛ الأول [لا] 6 تتقدموا الشهر بصوم تعدونه منه، والثاني: لا تقدموا صوماً قبله ليكون منه أو احتياطاً له.
وقوله 7: "فإن غُم عليكم فاقدروا له"، معنى غُمَّ: ستر عنكم، من قولك: غممت الشيء إذا سترته 8، ويكون من تغطية الغمام إياه، وليس

من الغيم.
وقد رويناه في غير "المدونة" بألفاظ مختلفة مشتقة من الغيم وغيره لها تفاسير بحسبها 1. وأبان بن أبي عياش 2، آخره شين معجمة.
وقوله 3: لا يصام آخر يوم من شعبان الذي يشك أنه من رمضان، هذا تنبيه على أن معناه صيامه تحرياً لرمضان.
وعليه يدل لفظ الحديث، كما أنه يكره تحري فطره لمن عادته الصوم لئلا يصل صومه برمضان.
نص على ذلك ابن مسلمة 4. ثم اختلف في قصد صومه تطوعا بالجواز والكراهة 5. وقوله 6: "وقد ذكرنا 7 عن ربيعة ما يشبه/ [ز 56] هذا"؛ هو قوله في آخر باب صيام آخر يوم من شعبان 8 فيمن صام قبل أن يرى الهلال على الاحتياط، المسألةَ بتمامها 9. وقوله 10: "وهذا من ذلك الباب"، يدل أن صومه تطوعا وصومه على الاحتياط لا يجزئ وعليه القضاء، وإنما تكلم مالك في الكتاب على من صامه تطوعا أنه لا يجزئه وعليه قضاؤه.
ولم يأت صيامه احتياطاً أنه لا يجزئه ويقضيه في الكتاب إلا من قول ربيعة وإن كان أبو محمَّد وأكثر

المختصرين اختصروه: ومن صامه حيطة أو تطوعاً 1. لكن لمالك في "الموطأ" 2 كقول ربيعة فيه، وكذلك في "المختصر" 3. وقول أشهب في الكتاب 4: "لأنه لم ينو به رمضان وإنما نوى به التطوع"، قال ابن لبابة 5: كأنه يقول: إن نوى به رمضان وان كان على شك أنه يجزئه.
وهذا مثل قوله في الذي التبست عليه الشهور 6 فيصوم على اجتهاده إنه إن صادف رمضان أو كان صام بعده أنه يجزئه.
وقياس قول مالك وابن القاسم في متحري لو لم يشك 7 لا يجزئ، أن لا يجزئ الأسيرَ ومن التبست عليه الشهور صيامه، صادفه أو صام بعده.
قال ابن القاسم في "العتبية" 8: لا يجزئه وإن صادف تحريه شهر رمضان.
وهو بمنزلة قول مالك في الذي يصوم يوم الشك على أنه إن كان من رمضان أنه لا يجزئه 9. قال ابن لبابة: وسحنون يقول 10: يجزئه.
والقياس أن يجزيه.
فهما مذهبان مختلفان، والله أعلم.

وقول عائشة 1 في حفصة: "وبدرتني بالكلام، وكانت بنت أبيها" 2، تريد جريئة على الكلام جزلة.
ومعنى بدرتني: سبقتني.
وقوله 3 في التي استيقظت بعد الفجر (فشكت أن تكون طهرت قبل الفجر) 4: تصوم وعليها القضاء، "لأنه يخاف ألا تكون طهرت إلا بعد الفجر"، بهذا علل المسألة ابن القاسم ولم يعلل بعدم النية.
وهذه - على أصله - لو تحققت طهرها قبل الفجر لم يجزها, لأنها لم تنوه ولا بيتته.
خرج بعض الأشياخ 5 منه - إذ لم يعلل بذلك - أنها قولة له في جواز صيام الحائض/ [خ 85] إذا طهرت في رمضان أول يوم من طهرها وإن لم تبيته، بخلاف المسافر إذا أفطر في سفره فلا بد من التبييت؛ لأنه هو 6 في الصوم أو الفطر بخلاف الحائض.
والمعروف أنها والمريض سواء لا بد لهم 7 من التبييت إذا صاموا 8.

وخرج بعضهم الخلاف في الباب كله فيما فيه تخيير أولاً.
وهذا إنما يصح لو تقدم لها صوم أول الشهر، فهي المسألة التي فيها الخلاف لنيتها 1 أول ليلة صيام الشهر واسترسالها على بقيته على ما نص عليه أبو القاسم بن الجلاب 2 وغيره.
وأما من دخل عليها رمضان وهي حائض فلا يجزئها في أول يوم من طهرها دون تبييت إلا على رأي عبد الملك وروايته عن مالك 3 وأحد قولي سحنون، وكقول المخالف في إجزاء أول يوم من رمضان لمن لم يبيته إذا ثبت 4 داخل النهار لاستحقاق صيامه عليه كما قيل فيها ذلك.
وقد قيل: إنه لا يؤخذ من قوله شيء من هذا في الكتاب، وإنما احتج بما لا تنازع فيه من الشك في تأخير الطهر دون ما فيه النزاع من النية.
وقد قيل: هذه قولة أخرى في الكتاب لمالك في جواز الصوم بغير نية كما قال عبد الملك عنه 5. وقد قيل 6: لعلها إنما شكت في الفجر بعد أن رأت الطهر ونوت الصوم، فنامت ثم استيقظت بعد الصباح 7 ولم يكن تبين لها الفجر.

وقيل 1: قد يحتمل أن معنى قوله: تصوم أي تمسك عن الأكل كمن طرأ عليه أن اليوم من رمضان أنها تلزم 2 الصوم في بقيته وتمسك عن الأكل 3. قال القاضي - رضي الله عنه -: وهذا كله إنما يجب 4 أن يلزمه ابن القاسم لا مالك؛ لأن التعليل إنما هو له لا لمالك وكلام مالك يدل على أصله، لا علة فيه.
وقوله 5 في المغمى عليه: "وقد بلغني ذلك عن بعض أهل العلم"، كذا عند ابن عتاب وجل/ [ز 57] النسخ.
وعند ابن عيسى: "وقد بلغني عن مالك عن بعض من أرضى" 6. ولم يختصره على هذا أحد من المختصرين.
ومذهبه في الكتاب في المغمى عليه بعد الفجر أن يراعي في القضاء دوام الإغماء عليه جل النهار.
وأما إن أغمي عليه نصف النهار فلا قضاء عليه.
كذا فسر مذهب ابن القاسم فضلُ بن سلمة.
وهو مفهوم الكتاب خلاف ما نقل ابن حبيب 7 عن ابن القاسم من مراعاته نصف النهار، ورد عليه فضل.
واختلف على مذهب الكتاب في صفة المفرط في قضاء رمضان الذي تلزمه الفدية من هو؟ فمذهب 8 أكثر الشارحين 9 أنه إنما تلزمه الفدية إذا أمكنه ذلك في شعبان قبل دخول رمضان الثاني فلم يفعله، فمتى سافر ذلك

الشعبان أو مرضه أو بعضه فلا تلزمه فدية فيما سافر فيه منه أو مرضه، ولو كان فيما قبل من الشهور صحيحاً مقيماً.
وإلى هذا ذهب البغداديون 1 وأكثر القرويين 2 في تأويل ما في "المدونة"، وهو معنى ما لمالك في "المبسوطة" وفي "المدنية" من رواية ابن نافع وما لأشهب في "المجموعة" 3. وذهب بعضهم إلى مراعاة ذلك في شهر شوال بعد الرمضان الذي أفطره، فمتى مضت عليه 4 أيام في سنته عدد ما أفطر وهو صحيح مقيم ولم يصمها حتى دخل عليه رمضان آخر وجبت عليه الفدية ولو كان في بقية العام لا يقدر على الصوم.
وهذا المذهب أسعد بظاهر الكتاب لقوله [في المسألة] 5: / [خ 86] إذا مات وقد صح شهراً لو 6 أقام في أهله شهراً وأوصى أن يطعم عنه: إن ذلك في ثلثه مُبدأ، ولا تُبدأ إلا الواجبات.
وبدأه على نذر المساكين، ونذر المساكين واجب فجعله أوجب منه.
فلو أنه لا يجب إلا بخروج شعبان لكان قد أوصى بما لم يجب عليه وكان كسائر الوصايا التي لا تبدأ.
وهذا بين في الكتب "المدنية" 7 و"المبسوطة".
قال ابن القاسم: "من كان صحيحاً ففرط في قضاء رمضان حتى مرض أو حتى مات فذلك الذي عليه الإطعام واجباً 8 أن 9 يوصي به، فأما من مرض في رمضان فلم يزل مريضاً حتى

مات فذلك الذي يستحب له وليس بواجب".
وإلى هذا ذهب أبو القاسم بن الجلاب 1 وأبو الحسن اللخمي 2. وقد قال في موضع آخر من الكتاب 3: "إلا أن يكون مريضاً حتى دخل عليه رمضان آخر فلا إطعام عليه"، وكذلك قال 4: "إن كان مسافراً حتى دخل عليه رمضان آخر"، قال: "لأنه لم يفرط"، فإنما جعله غير مفرط باتصال المرض والسفر.
وقال في موضع آخر من الكتاب 5: فإن كان إنما يصح أياماً، قال: فبعدد الأيام التي صح يجب عليه الطعام 6. وقد حكى أبو عمران عن أشهب: من عليه قضاء رمضان فمرض حتى دخل عليه رمضان 7 فإنه لا يخرجه من الإطعام اتصال المرض.
فانظر إن كان هذا المرض بعد صحة تقدمت فهو على ما ذكرناه، وإن كان لم يزل مريضا من رمضان الأول فهو خلاف.
وعلى ما ذهب إليه الأكثر إنما يجب عليه الطعام 8 إذا كانت هذه الصحة بعدد أيامه من آخر شعبان.
وقوله: "إذا أوصى بها أخرجت من الثلث مبدأة"، ذلك عندي على ما تقدم لتفريطه في الصيام مدة صحته، وأنه يرجو سقوطها عنه إذا صح قبل رمضان؛ إذ لا يجب على المفرط إلا بحلول رمضان، ولو كان موته بأثر تمام شعبان لكان على مذهبه في الزكاة التي لم يفرط فيها أن تخرج من رأس ماله، ويدخل فيها الخلاف في لزوم إخراجها إذا لم يوص بها.
وعلى

ما قاله محمَّد فيمن وجبت عليه كفارة العمد في رمضان فمات ولم يفرط أنها تخرج من ماله، ولا فرق بين/ [ز 57] الكفارتين.
وفي "كتاب أبي الفرج" لمالك إطعام رمضان في ثلثه وإن لم يوص به 1. وأما إن صام بعد خروج رمضان الثاني ولم يكفر أو لم يصم متصلاً فهذا مفرط، وصيته بها من الثلث.
وقد اعترض القابسي على جواب ابن القاسم وقال: كيف يكون إذا مات مفرطاً وقد أذن له في التأخير، وهل هو إلا كمن مات آخر وقت الظهر؟ وقال ابن محرز: إنما رأى ابن القاسم عليه الإطعام استحباباً لما ذهب إليه غير واحد من السلف فيمن لا يطيق الصوم لكبر أنه يطعم، وحمل ذلك على ما قدمناه من أحد التأويلين وأنه مفرط بترك المبادرة.
وقوله 2 في صيام المرضع: "إن كانت تقدر على أن تستأجر له، أو له مال يستأجر له به فلتصم"، معنى المسألة فيمن لا أب له أو له أب معسر ولا مال للصبي، وإن كان بعض الشيوخ 3 تردد فيمن له أب ولا وجه لتردده.
يستدل من قوله هذا على أن عليها أن تسترضع له في الحولين إذا لم يكن لها لبن.
وهو قول مالك في غير "المدونة" وقول إسماعيل القاضي وغيره، قال إسماعيل: وذلك من باب الإعانة 4. قال أبو عمران: وهو قولهم/ [خ 87] كلهم.
وقال القاضي أبو محمَّد بن نصر: لا يلزمها رضاعه؛ هو من فقراء المسلمين إلا ألا يقبل غيرها 5. وإلى هذا نحا التونسي، كالنفقة إذا كان فقيراً لم يلزم ذلك.
قالوا: ولا فرق بين الرضاع والنفقة، وذلك على جماعة المسلمين كغيره من الفقراء.
قال أبو إسحاق التونسي:

بعين 1 اللبن خاصة، فإذا لم يوجد فلا تبر في ذلك 2 ذمتها.
وأما في مسألتنا فالأشبه عنده 3 أن يستأجر له, لأن لبنها حاضر وهي ممسكة له لما خشيته من الضرر.
وقال أبو عمران في رواية ابن وهب في الحامل 4: "تطعم": لا يوجد هذا لمالك، وإنما نقلها سحنون من "موطأ ابن وهب" بالتأويل 5. وفي مسألة من نذر ذا الحجة 6، وقع في كتاب شيخنا القاضي أبي عبد الله بعد قول ابن القاسم وروايته عن مالك: وقال أشهب: يستحب قضاؤها 7، يعني 8 اليومين بعد يوم النحر، وليس ذلك عليه بواجب.
وقال أيضاً: لا قضاء عليه, لأنه نذر معصية.
كذا كان عنده، وحَوَّق عليه ولم يروه 9. وقول أشهب الآخر صحيح في "مدونته" 10 إنه لا يصومها وإن

نذرها 1 ولم يستثن منها يوماً.
وقال ابن كنانة 2 في "المبسوطة" 3: يصوم أيام التشريق من نذر صيام سنة معينة.
وفي كتاب أبي الفرج مثله 4. وهي رواية ابن أبي أويس عن مالك.
وعند أبي المصعب 5: "لا يصومها سوى المتمتع، إلا من عليه صيام ظهار أو قتل".
ونحوه لمالك في "المدنية" 6 و"المبسوطة" فيمن صام واجب الشهرين عليه في ذي الحجة غافلاً 7. وفي "المختصر" نحوه 8. وللمخزومي نحوه 9. (وفي "الاستيعاب": روى علي 10 عن مالك: يجزئ المتظاهر 11 ابتداء صيام ذي الحجة، ويقضي يوم النحر وحده) 12. ومثله في = كتاب جليل كبير كثير العلم كما قال المؤلف، انظر عنه: المدارك: 3/ 265، 263، 253 وعلماء إفريقية: 202 - 203.

"المدونة" 1 لسعيد بن المسيب في امرأة نذرت أن تصوم سنة، قال: تصوم ثلاثة عشر شهراً ويومين في السنة؛ الفطر والأضحى، فهذا يدل على أنها تصوم ما عدا يوم النحر والفطر من أيام التشريق، وإن كان القابسي قد تأول فيها تأويلاً يبعد.
وقال ابن أبي زمنين: قوله: في الفطر والأضحى، على خلاف ما أعلمتك من قول مالك.
وفي كتاب ابن حبيب عن سعيد في هذه المسألة: تقضي أيام الفطر وأيام الأضحى وما أفطرته لمرض أو حيض، فهذا وفاق لما في الكتاب.
ومذهب ابن القاسم ألا يصم 2 ابتداء فيها صوم تتابع، ولا يعذر فيها أحد بجهل 3، ويبتدئ الصيام من/ [ز 58] فعل ذلك إلا أن يكون ابتدأه في شوال فقطع به مرض حبسه حتى فجأته 4، فيعذر هذا ويصل بصومه قضاء أيام النحر الثلاث 5. وفي كتاب الظهار عذره مالك بالجهل، فانظر ما هذا الجهل أجهل الحكم في ذلك فما هو مما يعذر به، أم جهل العدد والغفلة عن 6 أن هذا الشهر فيه ما لا يجوز صومه؟ فهذا مما ربما عذر فيه.
وقد ذكر اللخمي الخلاف في هذا كله 7. والأولى عندي حمل الجهل هنا بالغفلة 8 كما قال في "المدنية" و"المبسوطة"، وأنه جهل ذكر أن فيه أياماً 9 لا يحل صومها أو جهل ذلك وظن أنه يجوز له صومهما فصامهما 10. وإلى هذا ذهب ابن شبلون.
وأما

جهل حكم الظهار وظنه أنه يجوز فيه التفرقة فقلما يجد أحد العذر 1 بمثل هذا في أصولنا.
ومذهب الكتاب 2 وكتاب ابن حبيب 3 صيام يوم الرابع منها لمن نذره أو نذر صوم ذي الحجة أو سنة بعينها أو الدهر، وأجاز ذلك إذا فعله في كفارة اليمين 4. وأما المتمتع فلا خلاف في جواز صيامه لجميعها إلا/ [خ 88] يوم النحر.
وهل يدخل هذا الخلاف في قضاء رمضان من السنة المعينة؟ فيه بين الشيوخ اختلاف، والأشبه عندي - على ظاهر "المدونة" - ألا يقضي, لأنه حصل فيه صوم، ولأنه إنما علل في الكتاب 5 في الأيام المذكورة بأنه لا يصلح الصوم فيها.
وقوله 6 في مثله 7 من نذر صيام شهر بعينه: "لا يقضي ما مرض منه"، إلى آخر المسألة، ثم قال: "وروى ابن وهب أن عليه قضاءه 8 في شهر آخر.
وقال المخزومي: لا يقضي إذا كان الله هو الذي غلبه بمرض، وإن تركه ناسياً فعليه القضاء.
وقال مالك: إن ترك اليوم الذي نذر ناسياً فعليه القضاء.
وقال أشهب: إذا كان الله الذي غلبه بمرض فلا قضاء عليه".
هذه الروايات كلها ثابتة في الأصول 9. وهي عند ابن عتاب من رواية ابن

وضاح.
وكلها موافقة لرواية ابن القاسم إلا رواية ابن وهب.
وقد تكررت رواية ابن وهب بعدها أيضاً لابن وضاح.
وهي صحيحة في "المبسوط" 1 لمالك.
وعبد الملك يرى إن كان نذره لرجاء فضل بركة ذلك اليوم فلا قضاء عليه 2. وقوله 3 فيمن نذر سنة غير معينة: يصوم اثني عشر شهراً ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر ولا أيام الذبح 4، ولم يذكر اليوم الرابع وهو مما لا يصومه من لم يعينه.
وقد استدل بعضهم على جواز وقوع صومه ممن صامه لما لزمه كما قال في كفارة اليمين.
وقال القاضي أبو الوليد الباجي: في "المدونة" ما يدل على أنه يصوم 5 في هذه المسألة اليوم الرابع، وأراه أراد هذا الموضع.
ووقع في "المختصر" مكان هذا اللفظ: "ولا أيام منى" 6، وهو بين على الأصل، ولا يشعر هذا بخلاف لما في الكتاب، لكنه لما كان اليوم الرابع متصلاً بأيام الذبح وله حكمه في الرمي والتكبير وكراهة الصوم وغير حكم انطلق عليه اسمها، كما سمي جميعها أيام التشريق من صلاة العيد حين شروق الشمس أول يوم منها، على من جعل يوم النحر منها, وليس فيها هي تشريق.
ويعضد تأويلنا هذا أن ابن حبيب ذكر المسألة فقال: ولا يحسب فيها رمضان ولا ما أفطر فيها 7 لمرض ولا

يوم الفطر ولا أيام الأضحى الأربعة 1. فانظر كيف أطلق عليها كلها ذلك وعين فيها اليوم الرابع وليس من أيام الأضحى عندنا، ليس إلا على ما تأولناه.
أو يكون هذا التفاتاً إلى من عد اليوم الرابع من أيام الأضحى وأجاز ذلك فيه من العلماء.
فيرجع ما في الكتاب وفي "المختصر" و"الواضحة" إلى معنى واحد إن شاء الله 2. وقوله 3 في المسألة: "ويجعل الشهر الذي يفطر فيه ثلاثين يوماً"، قال أبو سعيد بن أخي هشام: / [ز 59].
لعل جوابه هنا فيمن ابتدأ السنة 4 على غير الهلال.
وقال أبو محمَّد 5: "في قوله هذا في الكتاب نظر، ولو كان الفطر في أول الشهر كان بيناً".
وفي كتاب ابن حبيب 6 فيمن بدأ شهراً بغير 7 الهلال فلا بد من إتمام ثلاثين يوماً، قال: وكذلك إذا قطعه إذا لم ينوه 8 متتابعاً، وقاله عبد الملك 9. ولسحنون 10 وابن عبد الحكم 11: ما أفطر فيه ما صامه 12

على الأهلة فإنما يقضي منه عدد ما أفطر.
وكذلك يأتي على قول محمَّد بن عبد الحكم فيمن أفطر من أوله.
وقوله في التي نذرت صيام يوم حيضتها: "قال: لا تقضيها" 1، وهذا على/ [خ 89] أصله, لأنها نذرت معصية.
ويتخرج من هذا إذا نذرت صيام يوم الفطر والنحر أنه لا قضاء عليها فيها 2؛ لأنها نذرت معصية.
ووقع له في "المبسوط": إذا نذرها وهو يعلم بها عليه القضاء، وإن لم يعلم بها فلا قضاء عليه واستدل على قوله بمسألة ناذر ذي الحجة أن عليه قضاء أيام الذبح، "إلا أن ينوي ألا قضاء لها" 3. وقوله 4 في مسألة الكافر يسلم نهاراً في رمضان: "أحب إلي أن يقضيه، ولست أرى قضاءه واجباً"، ونحوه في "الموطأ" 5. وروى ابن نافع عن مالك في "المدنية" استحباب إمساك بقية النهار 6، وقاله ابن حبيب وعبد الملك 7، وحكى أبو عمران عن ابن القاسم مثله 8، وقاله أشهب 9،

وهو قول ابن خويز منداد 1 من العراقيين.
وخرج الباجي 2 القولين على الاختلاف في مخاطبة الكفار بفروع الشرائع.
قال القاضي - رضي الله عنه -: وهذا تخريج بعيد، لو كان هذا لما اختص اليوم الذي أسلم فيه مما قبله، ولا فرق بينه وبين ما سبقه؛ إذ قد فات صومه شرعاً، كما فات ما قبله وجوداً وحساً.
ولو كان على ما قال لكان القضاء والإمساك واجباً على أحد القولين بخطابهم، ولم يقل بوجوب ذلك أحد من شيوخنا.
وإنما استَحب له عندي هنا الإمساك من استحبه منهم ليظهر عليه صفات المسلمين في ذلك اليوم، ويبتدئ إسلامه بالتزام ما التزموه من الصوم تأسياً بهم واهتداء بهديهم وقمعاً لشهوته 3 ومخالفة 4 لعادته لأول وهلة.
وكذلك استحب له القضاء لما أدرك بعضه ولم يكمل له صومه من غير إيجاب.
وأما تخريج أبي الحسن اللخمي 5 ترك القضاء على القول بترك الإمساك، واستحبابه على القول باستحباب الإمساك فلا يطرد؛ إذ الحائض ممنوعة من الإمساك والقضاءُ واجب عليها 6. والناسي في المرض 7 مأمور

بالإمساك، وعليه القضاء 1. والمغمى 2 والمحتلم 3 لا يمسك 4 ولا قضاء.
والناسي لصومه - يفطر في التطوع - مأمور بالإمساك ولا قضاء، فلا ملازمة لأحدهما الآخر.
ومسألة 5 الحالف بصوم (يوم) 6 يقدم فلان فقدم نهاراً وقول ابن القاسم: لا قضاء عليه، وقال غيره: يقضي ذلك اليوم.
هذا الخلاف ثابت في رواية شيوخي من رواية يحيى بن عمر وابن وضاح 7. وقال في ناذرة الإثنين والخميس ما عاشت، تحيضهن 8 أو تمرض: لا قضاء عليها.
وقال ابن وهب في ناذر ذلك فيمرض أو يمرَّا 9 به يوم فطر أو أضحى: يقضى بذلك.
ثبتت رواية ابن وهب لابن وضاح في كتاب ابن عتاب ولم تكن عند ابن عيسى 10. وقد ذكرنا المسألة قبل.
ووقعت في كتاب الصوم - في بعض النسخ - مسألة الصوم في كتاب الرهون من "المختلطة" فيمن نذر شهراً متتابعاً أنه يكتفي بتبييت أول ليلة

منه.
وكانت هذه المسألة في كتاب ابن عتاب بعد المسألة التي نبهنا عليها قبلها، وكتب عليها: ألحق هذه المسألة/ [ز 60] إبراهيم بن باز من كتاب الرهون 1. وبها استدلوا أن مذهبه في الكتاب جواز التبييت لأول ليلة من رمضان عن بقيته.
وهو قوله أيضاً في سائر الأمهات؛ "الواضحة" 2 وكتاب محمَّد بن عبد الحكم 3 وغيرهما، وإن كان ابن عبد الحكم قد قال: (وقد قال) 4 أيضاً: "لا صيام لمن لم يبيت 5، / [خ 90] قال ابن عبد الحكم: وهذا الذي هو موافق للسنة أحب إلينا" 6. وظاهره خلاف الأول وتعيينُ التبييت لكل ليلة كما قال الشافعي.
ووقعت أيضاً بعدها مسألة في بعض النسخ الأندلسية - وسقطت من القروية - 7 وهو 8 قوله: ولقد سئل مالك عن رجل شأنه صوم الإثنين والخميس فيأتيه وهو لا يعلم حتى يطلع عليه الفجر: أيجزئه صيامه؟: فقال نعم لأنه قد كان على بيات من صومه هذا قبل ليلته.
والمسألة صحيحة لمالك في كتاب ابن حبيب 9. ومثله عنده فيمن شأنه سرد الصوم 10، ومثله في "المبسوط" 11. زاد في كتاب ابن حبيب: ولو لم يشعر حتى مر به ذلك اليوم وهو قد أكل أو شرب فليكف ويمضي على صومه ولا شيء

عليه 1 كمن أكل ناسياً في التطوع، وكذلك ذكر 2 في يوم عاشوراء.
وفي "العتبية" 3 لابن القاسم مثله فيمن نذر يوماً 4 بعينه أن تبييته 5 لأول يوم 6 يجزئه.
وقد غمزها الأبهري وقال: لعلها استحسان 7. وقد حكى ابن وضاح أن أصبغ أجاز ذلك لمن نوى أن يقضي صوماً عليه من رمضان يوم كذا فنسيه حتى أصبح ذلك اليوم فذكره، قال 8: يجزيه عن قضاء يومه من رمضان.
وحكى 9 مثله عن سعيد بن إسحاق 10 وغيره من كبار أصحاب

سحنون.
وحكى عن سحنون 1 وسعيد بن الحداد 2 أنه لا يجزئه 3. وقوله 4 في الكفارة: لا نعرف 5 غير الطعام ولا نأخذ بالعتق ولا بالصيام.
وقوله في كتاب الظهار 6: "وما للعتق وما له؟ "، تأوله بعض المتأخرين أن مالكاً لا يرى غير الطعام على ظاهر لفظه.
وهذا ما لا يحل تأويله عليه؛ لأنه خرق إجماع لم يقل به أحد.
قال القاضي أبو محمَّد 7: ولم يختلف العلماء أن الثلاثة أشياء كفارات في الصيام، وإنما اختلفوا هل هي على التخيير أو الترتيب؟ 8. قال القاضي رضي الله عنه: والذي حمله عليه أصحاب مالك المتقدمون مطرف وابن الماجشون 9 وابن حبيب استحسان الطعام وتقديمه على غيره؛ لأنه الذي قضى به النبي - عليه السلام - في الحديث 10

وللاستئناس بالقرآن بذكر الإطعام 1 لمفطر رمضان، على اختلاف العلماء في معنى الآية وحكمها 2، ولعموم نفع الطعام.
قال ابن حبيب: كان مالك يستحب التكفير بالإطعام، أخبرني بذلك عنه مطرف وعبد الملك 3، وكانا يفتيان به.
وقدم المغيرة العتق 4. وروى ابن وهب وابن أبي أويس عنه أنه موسع 5 في الثلاثة يفعل أيها شاء.
وهو قول أشهب 6. وذهب ابن حبيب 7 إلى أنها على الترتيب دون التخيير، وقال: "أنا آخذ بالحديث الذي لم يأت فيه تخيير، لكن بالترتيب كالظهار".
وهذا قول المخالف.
وقال أبو مصعب 8: إن أفطر بجماع أعتق أو صام، وإن أفطر بغيره كفر بالطعام.
وإياس بن جارية 9، بالجيم والياء باثنين 10 تحتها.

وابن لهيعة 1 عن أبي صخر 2، كنية 3 بغير هاء.
ووقع فيه عند ابن عيسى: ابن وهب 4 ابن وهب 5 عن الليث بن سعد: حديث المجامع في رمضان.
وعند ابن عتاب وابن المرابط: أشهب عن الليث 6. وقوله: عرق فيه طعام، رويناه بفتح الراء وإسكانها، وصححه بعضهم، والفتح أصح وأوجه 7، والعرق: الزنبيل.
وكذا وقع مفسراً في الحديث في كتاب مسلم 8، وهو جمع/ [خ 91] عرقة 9 وهي السفيفة 10. من الخوص 11، تجمع ويخاط منه/ [ز 61] المكاتل والزنابيل 12، وهي

القفف 1. ومقدار هذا العرق خمسة عشر صاعاً إلى عشرين، كذا فسره ابن المسيب في "الموطأ" 2، وذكره ابن حبيب عن مالك 3. وقد رواه أبو هريرة في الحديث بخمسة 4 عشر صاعاً 5، وقالت عائشة فيه: عشرون صاعاً، وكلها متقاربة.
والنَّذْر والنُّذْر 6، بالفتح والضم وسكون الذال المعجمة.
وانظر قول اشهب 7 في الذي يصبح في رمضان ينوي الفطر متعمداً وترك الأكل وأتم صيامه: إنه لا كفارة عليه، فقد اختلف في تأويل قوله ولم يختلف في تأويل قول ابن القاسم في المسألة الأولى 8 التي أوجب فيها مالك الكفارة أنه نوى الفطر قبل الفجر، ولا في الثانية أنه نواه بعد الفجر 9. وأن المسألة الثالثة 10 آخر الكتاب 11 بمعنى الأولى.
واختلف فيها قول أشهب في الموضعين من الكتاب، فقيل 12: إنه لا يرى عليه الكفارة، بيت الفطر أو لم يبيته؛ لأنه لم ينتهك حرمة الشهر لفعل ولا أفطر فيه إلا بالنية.
وقيل 13: لعلة 14 إنما أراد لمن بيت الصوم ونوى الفطر في نهاره،

فقد صح له الصوم ولا يرتفض بالنية على أحد القولين.
والأظهر من قول أشهب ما تقدم وأنه خلاف ابن القاسم وروايته.
وقد حكى أبو الفرج فيمن أصبح ينوي الفطر عن مالك في الكفارة قولين؛ وجوبها وسقوطها.
وقول ابن القاسم بعدها 1 في الذي نوى الفطر في نهاره: عليه القضاء وأحب أن يكفر 2، حجة في رفض الصوم بالنية.
وقول سحنون 3: لا كفارة عليه وعليه القضاء استحباباً، التفات 4 إلى أنه لا يرتفض عنده.
وهو الذي في كتاب ابن حبيب، قال: لا شيء عليه 5. مسألة 6 من صام رمضان عن رمضان آخر يجزئه وعليه قضاء الرمضان الآخر، ضبطناه عن شيوخنا 7 بفتح الخاء وكسرها.
وفي كتاب ابن عتاب: الفتح لابن وضاح.
وحكى أحمد بن خالد فيه الوجهين وقال: لم يوقَف فيه ابن وضاح على شيء.
وقال يحيى بن عمر: لم يوقَف 8 فيه سحنون على شيء.
وقال ابن لبابة: رواه عنه قوم بالنصب.
ورواه حماس 9

فصول الكتاب · 90 فصل · 2277 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة · 2277 صفحة
" التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة" والمختلطة:" التنبيهات" المستنبطة على الكتب "المدونة":كتاب المساقاةكتاب الجعل والإجارةكتاب تضمين الصناعكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب القراضكتاب الشهاداتكتاب المديان والحجر والتفليسكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب القسمةكتاب الحبس والصدقة والهبةكتاب العاريةكتاب القذفكتاب الاستيعاب:كتاب الطبقات لابن أبي دليم (ت: 351 هـ):كتاب إصلاح الغلط لابن قتيبة:كتاب غريب الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد البستي الخطابي:كتاب ابن مزين (ت: 259 هـ):كتاب الخلاف:
كتاب الوضوء والطهارة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثانيكتاب الأيمان والنذوركتاب الضحايا
كتاب الجهاد
كتاب (1) النكاح الأول
كتاب (1) الرضاعكتاب إرخاء الستور
كتاب طلاق السنة
كتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المكاتبكتاب المدبركتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريث
كتاب الصرف
كتاب السَّلَم الأول
كتاب السلم الثالثكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب الغرركتاب المرابحةكتاب بيع الخياركتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب الوكالات
كتاب العيوب
كتاب الاستبراءكتاب الصلحكتاب العراياكتاب المساقاةكتاب الجوائح
كتاب الجعل (1) والإجارة
كتاب تضمين الصناعكتاب الرواحل والدوابكتاب الشركةكتاب القراضكتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب المديان والحجر (1) والتفليسكتاب المأذونكتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهونكتاب الغصبكتاب الاستحقاق
كتاب الشفعة
كتاب القسمة
كتاب الحبس (1) والصدقة (2) والهبة
كتاب (1) العاريةكتاب (1) الوديعةكتاب اللقطة (1) والضوال (2) والإباقكتاب حريم الآباركتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب (القطع في) (1) السرقة (2) والحرابةكتاب القذف والحدود في الزناكتاب الجنايات
كتاب الجراحات (1) والديات
جارٍ التحميل