التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطةصفحات 207-247

كتاب الخلاف:

صفحات 207-247
عن هذه الطبعة
عَلَم
القاضي عياض
الكتاب
التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
المؤلف
عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
الناشر
دار ابن حزم، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1432 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يقال: إن هذا إنما يعترض ويتصور من مسائل الرد بالعيب فيما تراضوا عليه، فهو ما لم يفصله أحد منهم ويبعد حتى الآن، من رده إنما رده على الوجه الذي يقتضيه الحكم ويوجبه إن اضطر إليه.
وقد ذكر هذه القاعدة المقري (1) والقرافي (2) (3) ويترتب على الاختلاف في هذه القاعدة اختلاف في أحكام أخرى تابعة لها كالشفعة في المردود بالعيب، وضمان ما أتلف منه، ورد السمسار الجعل، والتفليس، ورد الغلة (4).

قاعدة: هل الإقالة بيع أم لا؟

يرى القاضي عياض أن الإقالة بخلاف الرد بالعيب لأنها تقع بتراضي الطرفين، ولا يجبر عليها أحد، فهي التي يمكن أن يخرج فيها القولان وهما: البيع ونقض البيع، فقال: وأما الإقالة فنعم تلك التي يصح فيها تخريج القولين وتأويل العلتين، إذ هي بتراض من المتبايعين (5).

قاعدة: هل حكم السكوت حكم الإقرار؟

قال عياض في كتاب "الصلح": وحكم السكوت حكم الإقرار على قولهما معاً.
وقال ابن رشد في كتاب الدعوى في "الصلح": لا خلاف أن السكوت ليس برضى, لأن الإنسان قد يسكت مع كونه غير راض، وإنما اختلف في السكوت هل هو إذن أم لا؟ ورجح كونه ليس بإذن بقوله عليه السلام في البكر: "إذنها صماتها" فدل ذلك على أن ذلك خاص بها 6.12345

وقد جعل المالكية السكوت كالإقرار في أمور ذكرها الونشريسي في كتابه (1). وقال المقري: اختلف قول ابن القاسم في السكوت على الشيء هل هو إقرار به وإذن فيه أو لا؟ قال ابن رشد: والنفي أظهر (2). وهذه القاعدة هي محل اختلاف بين العلماء، ففيها الاختلاف من حيث المبدأ كما أن حكمها يختلف باختلاف الأبواب الفقهية كذلك (3).

قاعدة: الأتباع هل هي مقصودة مراعاة أم لا؟

قال عياض في مسألة جواز كراء البقرة واشتراط حلابها 4: اعترضها سحنون ومن بعده، وأنها مخالفة عندهم لمنعه اشتراء لبن الشاة جزافاً.
وأشار فضل وابن أبي زمنين إلى أنه خلاف من قوله، وعليه حملها أبو بكر بن عبد الرحمن، وبعض شيوخ القرويين، ووفاق لرواية أشهب عنه.
وقد اختلفوا في مسألة البقرة المذكورة إذا انقطع لبنها هل يرجع بحصته من الثمن أم لا؟ وكل هذا بناء على الاختلاف في الأتباع، هل هي مقصودة مراعاة أم لا؟ 5. وردت هذه القاعدة عند المقري بهذا اللفظ: اختلفوا في كون الأتباع مقصودة أو لا 6؟ إلا أن كلام عياض مهد للقاعدة قبل ذكرها مبيناً الذين اختلفوا فيها، فكان بذلك كأنه أصل لهذه القاعدة.
هذه نماذج من القواعد المبثوثة في هذا الكتاب وهي كثيرة كقوله: هل123

من البياعات ما هو بيع براءة وإن لم تشترط فيه أم لا؟ وهل يصح بيع البراءة وينتفع بها في كل شيء أو بعض الأشياء أو لا ينتفع بها جملة؟ وهل التسليم والتوفية حق على البائع بما يتم بيعه أم لا؟ ومن أصل ابن القاسم أن عواري الدواب لا تضمن.
وكلما يجوز فيه الجعل تجوز فيه الإجارة، إذا ضرب لذلك أجلاً.
وهل يرد ما حكم فيه، وإن وافق الحق؟ وهو الصحيح.
أم يمضي، إذا وافق الحق ووجه الحكم؟ إلى غير ذلك من القواعد المعبر عنها بقوله: وهو على أصولنا، أو على أصل ابن القاسم، أو أصل أشهب.
وقد يكون كتاب عياض هذا مع كتاب عبد الحق الصقلي: النكت هي من أهم الكتب التي أوحت إلى بعض علماء المالكية الاشتغال بفن القواعد الفقهية كالمقري والقرافي والونشريسي وغيرهم.

المبحث الثالث: ملاحظات تقويمية عامة

يعالج هذا المبحث بشكل مباشر منهج القاضي عياض في كتاب "التنبيهات" على المستويات الثلاثة التي أثارها الكتاب، الرواية: والدراية، واللغة.
وهو استكمال لدراسة منهجه في تناول تلك القضايا الثلاث الرئيسة، وتسجيل لبعض الظواهر والأوهام والملاحظات البادية للعيان.
هذه الملاحظات يعود بعضها إلى طريقة المؤلف في التأليف والكتابة، والتعامل مع مادة كتاب "المدونة"، والأسلوب الفني في الكتابة... ويرجع بعضها إلى المضمون العلمي للكتاب في بعض قضاياه وما يبدو أخطاء في الشكل والموضوع، ويتناول بعضها الآخر قضية المصادر في كتاب "التنبيهات" عامة... ويستهدف هذا المبحث أساساً إثارة الانتباه إلى أن كتاب "التنبيهات" يضع بعض التساؤلات الملحة من حيث تحريره وتنقيحه في مضمونه وشكله؛ إذ يصعب التوفيق بين القول بأن المؤلف ألف كتابه قديماً وانتهى منه وروي عنه - كما سبق - وبين الواقع الذي ينطق به نص الكتاب في نسخه الصحيحة، بما في ذلك الأخطاء العلمية والنحوية واللغوية والإملائية والأسلوبية التي لا يصدق أحد أن مثل ذلك يصدر عن القاضي عياض العالم الموسوعي الرائد.

أولاً: أسلوب التأليف:

يقصد بالأسلوب هنا طريقة التأليف والتعامل مع المادة العلمية للمدونة واقتباسها وتوظيفها وترتيبها، ثم أسلوب المؤلف وسبكه ومدى وضوحه...

1 -

مدى تناسق مادة الكتاب:

شرح المؤلف مسائل "المدونة" على ترتيبها في الكتاب والباب، وهذا ما فرض عليه الخلط بين المواد اللغوية والحديثية والفقهية دون تمييز.
هذا هو الأصل والغالب في الكتاب، وربما خالفه، غير أن هذه المخالفة قد يكون لها مسوغ، وقد لا يظهر وجه التسويغ.
فمما له سبب وجيه في عدم التزام ترتيب "المدونة" ما في أول كتاب "الصلاة" عندما عقد مقدمة لبيان أركان الصلاة وأسمائها وأفعالها وأذكارها، فاضطر لتجاوز عشرات الصفحات ليحلل مثلاً مصطلح القنوت والتشهد... فتراه يتنقل ما بين الصفحات 55 إلى 103، ثم إلى 143، ثم إلى 70، ثم يعود إلى 57 من "المدونة" في جزئها الأول.
ومن نماذج تصرفه هذا الذي له سبب مقبول، ما يرتكبه أحياناً كثيرة عندما يعالج مجموعة من المسائل ويناقشها فقهياً، ويؤجل الحديث عن العناصر الأخرى من التعريف بالأعلام وضبطها والشرح اللغوي، إلى آخر التحليل الفقهي، وربما قدم هذه على بحث المضمون، فمن ذلك اقتصاره على القضايا الفقهية الواردة في الصفحات من 290 إلى 301 من الجزء الأول "للمدونة"، ثم رجوعه لشرح بقية المسائل الأخر، ومثاله أيضاً في الجزء الثالث بدؤه بمسائل الموضوع من الصفحات 230 إلى 238، ثم عاد على بدء لينساق مع بقية المسائل حتى الصفحة 250، والأمثلة وافرة.
إلا أن الذي لا يعرف مسوغه هو عندما يتجاوز المسألة بعد أن يعالج مسائل لصيقة بها، ثم بعد حين يفردها بالذكر في غير موقعها.
من ذلك مسألة المشي أمام الجنازة وقعت في "المدونة" في الجزء الأول في الصفحة 177، وبعد شرح مسائل عدة بعدها إلى الصفحة 182 أفردها بالذكر هناك.

ومن ذلك أنه عندما تحدث عن إبان خروج السعاة للزكاة في "المدونة" 1 شرح لفظتين، حتى إذا أوشك على الانتهاء من مسائل الزكاة وقبل آخر مسألة وبين ثنايا مسائل زكاة الفطر الواقعة في "المدونة" 2 أقحم مسألة إبان خروج السعاة لجمع الزكاة! ومن هذا أيضاً أنه ذكر اسم الراوي جعفر بن برقان في الحديث عن مسائل الجمعة حوالي الصفحة 154 من الجزء الأول، ولم يذكر اسمه في النسخة المطبوعة من "المدونة" إلا في الصفحة 171، وكذا ذكر هناك أبا عبد الرحمن الحبلي وموقعه في الصفحة 167 من "المدونة".
ومن الملاحظات الأخرى في هذا الباب ذكره لمسائل أحياناً لم ترد في الكتاب موضوع النقاش أصلاً، كذكر حكم حمام مكة إذا خرج عن الحرم في آخر كتاب الصيد، وهو في المطبوع من "المدونة" في آخر كتاب "الضحايا".
وقريب من هذا شرحه لمسألة النظر إلى فرج المرأة عند الخلاف أوردها في آخر "النكاح الأول" في الجزء الثاني، وليست في "المدونة" هناك، وإنما هي في آخر "النكاح الرابع" في المطبوعة 3. وقد أحال على محلها الصحيح وأعاد ذكرها هناك.
وربما حمله على ذكرها هناك علاقتها بعيوب النساء - وهو هنالك - أو ربما تكون مكررة في بعض الروايات! فمثل هذا الخلط غير القليل يصعب تفسيره بهذا السبب أو ذاك، خاصة عندما ينقطع السياق وتقحم المسألة في غير محلها، هل هو من عمل المؤلف أو من تصرف غيره؟ وهل ثبتت بعض هذه المقحمات في أصله؟ وهل هي في متنه أو طرره؟ وإذا أضيف إلى هذا نوع آخر من الاختلاط والاختلاف فيما بين فقرات الكتاب، بحيث تقدم فقرة أو تؤخر عن موضعها، أو عندما يكون هذا الخلط داخل الفقرة الواحدة أو المسألة المنفردة - ولا يستقيم معنى الكلام إن لم يُعد ترتيبه - فمثل هذا التصرف

الواقع في بعض مواطن الكتاب وفي بعض النسخ أو في كلها أحياناً، لا بدّ أن يحمل على التفكير في طبيعة أصل الكتاب والمدى الذي بلغه المؤلف في تصنيفه، وسيأتي تفصيل هذا المشكل الأخير عند الحديث عن نسخ الكتاب.

2 -

تعامل المؤلف مع مادة المدونة:

وجد المؤلف نفسه أمام كتاب مبسوط وأسلوب لا يعرف الاختصار، بل قد يعتريه الاستطراد، وفي كل مسألة سؤال يبسُطها، وربما استدل لها ووضع إشكالاً يرد عليها، ثم جواباً بالنفي أو الإيجاب، مع الدليل السمعي أو القياسي، وتفريعاً على أصل المسألة أحياناً.
فإن رام القاضي عياض ذكر هذا كله اشتغل بما لا ينفع به، وإن صاغ المسائل بأسلوبه خرج عن مقصده، فالتجأ إلى سبيل وسط، مراعياً أحوال المسائل ومساقاتها، فقد يسوق كلام الأصل بحروفه، وقد يختصره، وقد يشير إليه.
والغالب عليه الاختصار مع الإبقاء على جل كلمات الأصل إلا في حالات خاصة، كطول المسألة، أو افتراقها في الكتاب كما قال مرة في آخر كتاب "الحج": "وقع له هذا الكلام في وسط الكتاب في موضعين بأطول من هذا اللفظ في السؤال والجواب، وإنما اختصرته على المعنى".
وبدهي أنه مضطر إلى التصرف في السياق بتغيير الضمائر وصيغ الأفعال ليناسب سياق المتكلم الشارح، فمثلاً جاء في "المدونة": "قلت لابن القاسم: أكان مالك يعرف التسبيح في الركعتين الآخرتين؟ قال: لا".
وصاغه المؤلف كما يلي: "وقوله: لم يكن مالك يعرف التسبيح في الركعتين الآخرتين".
وللوقوف على أسلوبه في الاختصار وضغط الكلام وأسلوب "المدونة" في التطويل، أورد هذا النموذج: جاء في "المدونة": "قلت: أرأيت هذا الذي فاته بعض صلاة الإمام فسلم الإمام وعليه سجدتا السهو بعد السلام، فسجدهما الإمام، فأمر مالك هذا أن يجلس حتى يسلم الإمام من سهوه،

ثم يقوم فيقضي: أيتشهد في جلوسه كما يتشهد الإمام في سهوه وهو يلبث حتى يفرغ الإمام ولم يقم؟ قال: لا، ولكن يدعو".
اختصر المؤلف كل هذا في قوله: "وقوله في الكتاب: إن جلس فليدع ولا يتشهد".
وقد يجد القارئ أحياناً نفسه أمام كلمات في نص "التنبيهات" مرصوفة متناغمة انتقاها المؤلف من نص طويل، فهذا السطر مثلاً لخصه المؤلف من ثلاثة عشر سطراً: "وقوله فيمن أسلم في طعام وأخذ به رهناً فهلك، لم يصلح أن يقاصه بقيمته من سلمه".
ومن قبيل الاختصار لجوء المؤلف إلى دمج أكثر من فرع ومثال في فرع واحد.
ومن عناصر أسلوبه في التعامل مع مادة "المدونة" - وهو نوع اختصار - الربط بين مواقع المسألة الواحدة في الكتاب أو بين المسائل المتشابهة أو حتى المختلفة ليتمكن من إظهار الخلاف ومناقشته، كما فعل عند ذكر مسألة الزيتون الذي له زيت إذا باعه صاحبه قبل عصره أن عليه إخراج ما كان يلزمه من زيت، وهذا في "المدونة" 2/ 342. وعطف عليها مسألة الجلجلان إذا كان قوم لا يعصرونه وإنما يبيعونه للذين يزيتونه للأدهان... وهي في "المدونة" 2/ 349. وفي كتاب "الحج" ربط بين مسألة في الصفحة 1/ 371 بنظائرها في 1/ 394 ثم بين أخرى في 1/ 371 بأخريين في 1/ 392 و455، وربط بين مسألة في 1/ 389 وأخرى في 1/ 456. هذا التصرف يقود إلى ظاهرة تتكرر كثيراً في الكتاب هي استحضار المؤلف مواقع المسائل في الكتاب على تباعد ما بينها، وهذا مثال: "وقوله في العبد المأذون إذا اشترى من يعتق على سيده: إنه يعتق عليه، قال ابن القاسم: إذا اشتراهم وهو يعلم.
ثبت هذا في الكتاب الأول، وبينه هنا، وأطلق في الثاني عتقه.
وحمل سحنون أن معنى ذلك: أنه اشتراهم بإذن سيده.
وقد اختلف في مراعاة علمه، وفي كتاب "الرهون" في بعض

الروايات: يعتقون، علم أو لم يعلم.
وفي الوكالات والقراض مراعاة العلم من غيره".
ومن هذا الباب أيضاً إحالات المؤلف عند التحليل على كتب "المدونة" الأخرى أو أبوابها أو على ذات الباب أو على المسألة الفلانية في آخر الباب الفلاني أو بعد هذا بأوراق، وهذا أيضاً كثير في الكتاب.
ويكاد المتأمل لتصرف المؤلف في نصوص ومسائل الكتاب يحس بأنه حافظ "للمدونة"، وذلك أنه أحياناً يورد نص "المدونة" الطويل مع بعض الاختلاف اليسير الذي لا يستلزمه الاختصار مما يوحي بأنما يورده من حفظه، وليس هذا غريباً؛ إذ قال عنه ابنه: "كان فقيهاً حافظاً لمسائل المختصر والمدونة قائماً عليها، حاذقاً بتخريج الحديث (كذا) من مفهومها... " (1).

3 -

أسلوب المؤلف:

الجرأة على نقد وتقويم أسلوب القاضي عياض في كتاب "التنبيهات" لا بدّ أن يفهم في الإطار المذكور سلفاً وهو ظرف تصنيف الكتاب ومدى تنقيحه أو عدمه، وإلا فبلاغة القاضي عياض وأدبه ولغته فوق كل تشكك، ومن يقرأ الباب الذي عقده في "بغية الرائد" 2 فيما اشتمل عليه الحديث من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة والأبواب الملقبة بالبديع في هذه الصناعة من لفظ رائق ومعنى فائق ونظم متناسب وتأليف متعاضد متناسق... لا يسعه إلا أن يوافق الدكتور عبد الله الطيب في شهادته بأن هذا "من أنفس ما كتب في بابه، ويوشك أن يكون قد انفرد به بين أدباء العربية؛ إذ نظائره مما خصص الكاتبون فيه النقد لقطعة أدبية واحدة بعينها قليلة... " 3. وإذاً فما يلاحظ على أسلوبه قد يكون من عدم مراجعة الكتاب، وهو بالأساس لا1

يرجع إلى صناعة الكتابة وقواعد البلاغة، وإنما هو خلل أقرب إلى تقنيات الاختصار وجفاف لغة الفقه.
وأهم ما يثار في أسلوب كتاب "التنبيهات" الإبعاد بين المبتدأ والخبر، والشرط والجواب، وكثرة الجمل الاعتراضية، وضغط الكلام بشدة حتى لا يكاد يفهم أحيانا، والحيرة في مواقع الفصل والوصل، والمواقع المناسبة لوضع النقط والفواصل، والنقط الفواصل، ونقطتي القول، والحاجة إلى أدوات الربط.
ولنقرأ أولاً هذا المثال: "وإجازة مالك بيع اللحم بالخيل والدواب، ومنع ابن القاسم بيعه بالضبع والهر والثعلب.
واعتل بكراهة مالك للحومها وأنها عنده ليست كالحرام البين وللاختلاف في أكلها.
ولم يقل هذا في الخيل وكراهةُ مالك للحومها على نحو ذلك، واختلافُ الصحابة والعلماء فيها معلوم؛ فذهب بعضهم إلى أن مذهب ابن القاسم في ذلك خلاف مذهب مالك، وأن الذي يأتي على مذهب مالك في المسألة الأولى الجواز في الجميع.
وعلى مراعاة ابن القاسم الخلاف الجواز في الجميع".
ومن النماذج القلقة في الكتاب هذا النص الذي كان المؤلف فيه بصدد ذكر رأي لأبي عمران الفاسي، ثم اعترض بجملة، ثم رجع لكلام أبي عمران فسبب في الغموض: "وأما أبو عمران فترجح في المسألة وقال: يحتمل الخلاف وغيره، وأن مسألة التي فرق فيها بين القرب والبعد تفسر الأخرى وتقضي عليها ومسألة الابن الغائب - يريد البعيد الغيبة - ومسألة التي قالت: لا أرضى؛ لأنها ردت الأمر وأبطلته - وقد جاءت في "سماع" ابن القاسم: ما وكلت وما رضيت، فلا تشبه المسائل الأخرى التي فيها الإجازة والرضى بالقرب - ويقول: وقوله - على هذا "مرة"، أي: لم يتكلم بهذا التفسير والبيان إلا مرة، وفي غيرها أجمل الجواب".
فالجملة: "وقد جاءت في سماع ابن القاسم" إلى قوله: "والرضى بالقرب"، جملة معترضة.
وقوله بعدها: "ويقول"، ضميره عائد على أبي عمران.

ومن النماذج التي يصعب فهمها إلا بعد الاستعانة بأدلة خارجية، هذا النص الذي إذا كتب معزولاً عن علامات الترقيم تعسر ضبطه: "وقوله في باب لعان الأخرس - وهو الأبكم في الذي ادعى الاستبراء حين ولدت لأدنى من ستة أشهر وقد لاعن للرؤية -: لا يلحقه الولد ويكون اللعان إذا قال ذلك والذي كان نفياً للولد كذا ثبت الواو عندي وفي أصول شيوخنا وأكثر النسخ وفي كتاب "ابن سهل" و"ابن عيسى" سقطت الواو في رواية قال أحمد بن خالد: إثباتها يدل أنه لعان ثان، كما قال أصبغ قال القاضي ويكون على هذا معنى ويكون اللعان إذا قال ذلك أي ويجب ويقع وهذا أحد معاني كان في لسان العرب ويبينه قوله في كتاب "ابن المرابط" ويلزمه مكان يكون ثم قال والذي كان نفياً للولد، أي: مع اللعان المتقدم الذي مضى للرؤية يكون هذا زائداً لنفي الولد خاصة وكان ها هنا على بابها في الماضي وقد تكون الواو على أصلها عاطفة أن بمجموع هذين اللعانين انتفى الولد".
ومن الأمثلة الدالة على عدم تنقيح الكتاب قوله: "أرأيت إن جحد الذي عليه الدين أن لها أن تقيم البينة، دليل على أنها إذا أقر لا تقيم بينة".
فمقصد المؤلف هو أن يقول: إن جحد الذي عليه الدين لها أن تقيم البينة.
لكنه أبقى أداة الاستفهام، وذلك ما جعل معناه قلقاً.
ولعل مثل هذا الغموض حمل مدون كتاب التقييد أو مؤلفه عندما نقل نصاً من "التنبيهات" على تجاوز موضع الشاهد وإدخال جزء من فقرة أخرى لا علاقة لها بالموضوع 1. وللتأكد من تعقد أسلوب المؤلف هذه موازنة بين نص لعبد الحق الصقلي في النكت، ومعه ما للمؤلف في شرح الفكرة ذاتها: قال عبد الحق: "إنما وجب أن يصدق التجار أن بين العبدين اللذين باعوا نكاحاً، وإن كان التجار كفاراً، لأنهم يقولون: إنما بعنا على أنهما

زوجان، فهو عيب باعوا عليه ونقص عليهم من أثمانهم، وليس ذلك من باب الشهادة".
لخص المؤلف ذلك بقوله: "... ووجه الشيوخ ما في الكتاب أنه من باب التبرئ ومن عيب الزواج، فلم يتهموا لا من باب الشهادة".
ومن الدلائل على أن هذا الأسلوب يعتريه بعض النقص أن الرجراجي رحمه الله في مناهج التحصيل - وهو كثير الاعتماد على المؤلف وقليلاً ما يعزو إليه الكلام - كان أحياناً يتصرف في نص "التنبيهات" بما يوضحه بالإضافة والنقص، ومن ذلك: قال المؤلف: "... إنما أجاب في النكاح لا في الملك، لأن الملك لا حد معه وإن النكاح شبهة ملك يدرأ الحد بها، وقد يحتج بقوله: "وإن تعمداه، وهذا إنما يصح في الزوجين إذ أشار إلى الحد فيهما، وإلا فما وجه تثنيتهما".
نقله الرجراجي هكذا: "إنه أجاب على النكاح دون الملك، لأن الملك لا حد فيه، وإنما الحد في النكاح، إلا أن النكاح في هذه المسألة شبهة تدرأ الحدود، ويحتج قائل هذا القول بقوله: وإن تعمداه، وذلك إشارة إلى الزوجين، وإلا فلا وجه للتثنية".
قال المؤلف: "ويحتج إنما فعلت ذلك لرغبتي... ". نقله الرجراجي: "ويحتج بأنه إنما فعلت... ". هذا وسيأتي في أثناء الكلام على نسخ الكتاب مزيد بيان لهذه القضية؛ إذ توجد في كتاب المؤلف أوهام أخرى تصب في هذا الباب، مثل الأخطاء النحوية وغيرها.
وقد يعجب المرء عندما لا يجد نصاً ولا إشارة لهذا الغموض، مع اعتماد الفقهاء عليه وتقديرهم لفقه مؤلفه، ولم أعثر إلا على جملة وحيدة

عند الفقيه النبيه القباب (1) في شرحه لقواعد المؤلف؛ يعني: "الإعلام بحدود قواعد الإسلام"، عندما ذكر في آخر كتاب "الحج" ما يأتي: "وكلام القاضي في غير هذا الكتاب كثيراً ما تأتي فيه الجمل الاعتراضية، وربما كان فيه تعقيد" (2). فكأنه أشار إلى كتاب "التنبيهات"، وهو المظنون بالفقيه القباب الاعتناء به دون غيره من المؤلفات، ثم إن بقية مؤلفات القاضي عياض لا يعتريها مثل هذا الخلل، ولم يذكر محققوها من ذلك إلا يسيراً كما سيأتي.

4 -

مدى شمول "التنبيهات" للمدونة:

خطاب مقدمة المؤلف واضح في رسم هدف الكتاب وفي تحديد نوع القضايا محل المعالجة، وهي القضايا الغامضة.
ومن الصعوبة إحصاء نسبة المادة المدروسة من "المدونة"، وكذا نسبة المادة الفقهية إلى مثيلتيها الحديثية واللغوية.
وأصعب من ذلك الموازنة بين ما قام به المؤلف وما أنجزه غيره من المتصدين للتأليف في موضوع الكتاب.
وارتباطاً بهذا، هل كان المؤلف عندما يتجاوز بعض القضايا المحتاجة إلى بيان يضع في اعتباره أن السابقين قتلوها بحثاً؟ مثل هذه التساؤلات ترد عند الرجوع إلى "المدونة"؛ إذ يجد القارئ فيها كما لا بأس به، إن لم يكن كمًّا كبيراً من المسائل والأعلام والألفاظ المحتاجة إلى بيان وشرح وضبط.
بل هذا في "المدونة" كثير جدًّا؛ فألفاظ مثل الخروبة 3 والصيحاني والعجوة 4 بحاجة إلى شرح، لا سيما وهي أسماء معروفة في المشرق، وقد لا تسمع في المغرب، والذي يلفت الانتباه في هذا قيام المؤلف غير ما مرة بشرح بعض ألفاظ دون غيرها مع اجتماعها في نص واحد، ومن أمثلة هذا: "قلت لمالك: أرأيت إن كان كله جعروراً أو مصران الفأرة، أيؤخذ منه أو يؤخذ12

من وسط التمر؟ " (1). فإن المؤلف شرح الجعرور وترك مصران الفأرة.
ومثل: "نظر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى رجلين نذرا أن يمشيا في قرن، فقال: "حلا قرنكما"... قال سحنون: ونظر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل يمشي إلى الكعبة القهقرى" (2). فإن المؤلف شرح القهقرى وترك القرن.
وكذا: "أرأيت جميع سباع الطير إذا علمت أهي بمنزلة البزاة؟ قال: لا أدري ما مسألتك هذه، ولكن البزاة والعقبان والزمامجة والشدانقات والسفاة... " (3). شرح المؤلف السفاة فحسب.
ومن هذا الباب تجاوز المؤلف لمسائل خلافية دون تعليق، لا سيما والمخالفون ينتقدونها على المالكية، وإن كان هذا يخالف المنطق العام للكتاب في عدم الاهتمام بمسائل الخلاف (4). وخلاصة القول: إن الصناعة التأليفية في الكتاب انتابها بعض النقص في الشكل والمضمون، وهذا النقص يصعب تحديد مرجعه وسببه بالضبط، وإن كان الراجح أنه من عدم التصحيح والمراجعة، وسيتعمق هذا الشعور بالنقص في النقطة التالية المتعلقة ببعض الهفوات العلمية في الكتاب.

ثانياً: أوهام الكتاب:

من غير الإنصاف عزو كل وهم في الكتاب إلى المؤلف، ولا سيما عند احتمال تسرب الخطأ من جهة ثانية، أو عندما تتعدد احتمالات الخطإ، كأن يأتي من الناسخ أو حتى من المؤلف نفسه لسبب غير مقصود مثل: الوهم وسبق القلم وزيغ البصر... غير أنه لا محيص من الإقرار بورود أخطاء هي مما خطت يده دون غيره، ولا سيما عندما تجمع النسخ1234

الصحيحة - ومنها معارضة بأصل المؤلف - على أن هذا كان من كتابته، ويؤكد ذلك في الطرر والهوامش، بل ويتكرر هذا عشرات المرات.
وإن المرء ليستغرب صدور تلك الهنات من قلم القاضي عياض وهي - قطعاً - هنات لم ينتبه إليها، ولا بد أن الأمر يتعلق بحالة خاصة تعتريه وهو يكتب، وربما كانت هي السرعة والخفة التي يكتب بها، فقد قيل عنه: إنه سريع الوضع، يدل على ذلك وجود أوضاع كثيرة وكتب عديدة يقصر عنها الحصر بخط يده 1. وقال عنه ابنه: هو من أكتب أهل زمنه 2. وقال عنه: قوي الخط دقيقه 3. فربما كانت هذه الدقة أيضاً السبب في بعض ذلك عندما ينقل النساخ من خطه فيخطئون، وقد سبق القول: إنه ترك كتابه "المشارق" في أنهى درجات التثبيج والإدماج والإشكال وإهمال الحروف 4. قد يكون هذا مخرجاً، وإلا فمن يصدق أن القاضي عياضاً يرتكب أخطاء في النحو في باب الفاعل والمفعول والعدد وفي التعبير البسيط، وهو الذي ناقش طويلاً في "بغية الرائد" لغة "أكلوني في البراغيث"، واستعرض مذاهب النحويين فيها 5. وتوقف وانتقد بعض الأخطاء في باب العدد 6 حتى قال الدكتور عبد الله الطيب: "حديثه عن العربية في مفتتح شرحه لمسائل الحديث - يعني: حديث أم زرع - ربما يعيننا على تصحيح بعض أسطار باب العدد في الجزء الثاني من كتاب سيبويه" 7. كيف أيضاً وهو اللغوي صاحب "المشارق"، الذي استفاد من تراثه اللغوي المجد الفيروزآبادي في القاموس، وابن الطيب الفاسي في سائر

مؤلفاته اللغوية، ومرتضى الزبيدي في "تاج العروس" والتادلي في "الوشاح" وغيرهم 1. وكيفما كان الحال فالأخطاء وقعت وثبتت، ويزيد من صحة ثبوتها عن المؤلف ورود مثيلاتها في بعض مؤلفاته الأخرى كما سنتأكد.
والآن نستعرض بعض الأمثلة، وهي مختلفة ما بين أخطاء في المضمون، وأخرى في اللغة، وأخرى في الأعلام.
أولاً: فمن أخطاء المضمون التي يمكن إرجاعها كلها إلى الوهم وسبق القلم: 1 - "... بقوله تعالى: فعم الله المساجد".
هكذا في النسخ، وإنما قصد المؤلف أن يقول: بقول مالك، وهو قوله في "المدونة".
2 - قال: "قوله عليه السلام: فلا يخرج يوم الفطر حتى يطلع الفجر... ". وهذا إنما هو من قول سحنون عقب به على حديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. 3 - فسر المؤلف اسم "جَمْع" بأنها عرفة، وكذلك فسرها في "المشارق" مرة، وفسرها هناك بالمزدلفة أيضاً 2، وكذلك فسرها على الوجه الصحيح في "التنبيهات" بعد ذلك.
4 - قال: "وقوله في التي أعتقت عبداً أخذته في صداقها وثلثها لا يحمله: إن لزوجها رده... ظاهره أنه محمول على الجواز حتى يرده السيد، وقال عبد الملك: هو على الرد حتى يجيزه السيد".
والصواب: حتى يرده... حتى يجيزه الزوج.
5 - قال: "... وإن الذي يأتي على مذهب مالك في المسألة الأولى

الجواز في الجميع، وعلى مراعاة ابن القاسم الخلاف الجواز في الجميع".
تعقبه أبو الحسن الصغير بقوله: "في "التنبيهات" تصحيف في هذه اللفظة، وصوابه: منع الجواز في الجميع، ويدل عليه ما تقدم في صورة المسألة" 1. ثانياً: أما الأوهام التي في الأعلام فيمكن أن يرد بعضها إلى التصحيف لكن بعضها قد يكون من وهم المؤلف، ومنها:

  • "شرحبيل بن حسنة... بفتح السين المهملة من اسم أبيه".
    يعني: "حسنة".
    وإنما هي أمه.
  • "محمَّد بن الشغيثي - بالغين المعجمة -، كذا عند ابن وضاح... وصوابه بضم الشين وفتح الغين".
    والصواب فيه أنه بالعين المهملة.
  • "وأم قارظ بالقاف والظاء... ". وكذا ورد اسمها في "المدونة"، لكن الصواب فيها: أم حكيم بنت قارظ.
  • "يحيى بن مسيك... ". كذا في كل النسخ، والصواب في اسمه بحر بن مسيك، فلعله تصحيف.
  • "إياس بن جارية، بالجيم والباء باثنتين تحتها".
    كذا ضبطه المؤلف، وفي طبعة دار صادر من "المدونة" كذلك، وفي طبعة دار الفكر منها: حارثة.
    وإنما ذكره المترجمون؛ البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان باسم إياس بن خارجة.
  • "عيسى بن يونس الضبعي - بضم الضاد وفتح الباء - منسوب إلى بني ضبيعة".
    وقد ورد في سند حديث في "المدونة".
    وبالرجوع إلى مظان الحديث تبين اقتصارهم في اسمه على عيسى بن يونس دون نسبة، والراجح أنه عيسى بن يونس السبيعي، وإسناد الحديث يؤيد هذا...
  • "يزيد بن أبي أنيسة... ". والصواب: زيد.

وفي الكتاب نماذج أخرى في هذا الباب، لكنها أوهام حفيفة.. ثالثاً: أما الأوهام التي تعود إلى الأسلوب فهي أنواع: منها: اللغوي: مثل قوله:

  • "الضورة، بضم الضاد... ". وإنما هو الظؤرة - بالظاء المعجمة -. ومنها: النحوي - وهو كثير - من أمثلته:
  • "والكسوف والخسوف، قيل: هما بمعنى، ويقالا في الشمس والقمر".
  • "... وقيل أيضاً: رصدت في الخير وأرصدت في الشر، وقيل: يقالا فيهما جميعاً".
  • "... وأن بينهما بالأندلس اختلاف بيَّن وأغراض مختلفة".
  • "... وبالوجهين ذكرهما الدارقطني".
    وقصده: ذكره.
    ومثل هذا تكرر غير مرة.
    ومن أمثلة الأخطاء التعبيرية قوله:
  • "وقد يكون هذا جواباً لمسألة ابن القاسم في العبد الذي خرج فضل الخلاف منها".
    لعل الصواب: التي خرج...
  • "شرط في القول بإجازة الدخول عليها أن يكون معها من يتحفظ بها".
    لعله: من يتحفظ منها، أو منه.
    ومما يقطع بأن هذه الأخطاء من سبق القلم تكرر العبارات ذاتها في الكتاب على الوجه الصواب وأحياناً في الصفحة الواحدة، بل في الفقرة الواحدة.
    غير أن ثبوتها بقلم المؤلف لا شك فيه أيضاً، فبالرجوع إلى مؤلفات القاضي عياض الأخرى تبين أن هذه القضية لا تخص كتاب "التنبيهات"، بل ذلك في "المشارق" و"الشفاء" وغيرهما أيضاً.
    والعجب من ثبوت هذه الأوهام في نسخة المؤلف من "المشارق"، وقد ألفه قديماً وقرئ عليه كثيراً وسمعه منه - كما قال -: "من العالم ما لا يحصى كثرة.
    ولا
  • عَلَم: أقف على منتهى أعدادهم" 1. قال هذا وهو قاض بغرناطة حوالي سنة 532 هـ وبقي يسمع عليه بعد ذلك لا شك، وإنما قال ذلك بعد أن نبهه أحد طلبته لخطأ لغوي في الكتاب اعترف به المؤلف وصححه... ومع هذا فبقيت في أصله أخطاء أخرى كثيرة احتفظت بها نسخة يحيى بن أحمد النفزي المشهور بالسراج 2 المقابلة على أصول صحيحة معارضة بأصل المؤلف 3 ومنها أصل ابن رشيد السبتي الذي يبدو أنه كاتب إحدى نسخ "التنبيهات"...
  • الكتاب:
  • المؤلف: رؤية 7.

ومن أوهام المؤلف في الرجال هناك:

  • "أبو عمر بن الفخار".
    والصواب فيه: أبو عبد الله محمَّد بن عمر بن الفخار 1.
  • "أبو عيسى عن يحيى".
    والصواب: ابن أبي عيسى عن عبيد الله بن يحيى عن يحيى بن يحيى 2. وربما كان نصيب مثل هذه الهفوات في "المشارق" أهم، لا سيما والمؤلف تركه - كما سبق - في أعلى درجات التثبيج وإهمال الحروف... ومن نسخه المخطوطة التي قد تكون مرجعاً في هذا نسخة بخزانة القرويين مختلطة الأوراق يبدو أنها معارضة بأصل المؤلف، ولم أتمكن من تصفحها، لكن في طررها كثير من "التنبيهات" على ما في الأصل، وفي آخر السفر الأول منها ملاحظة مما يقرأ منها: "... فهو تنبيه على أنه كذلك وقع في أصل المؤلف... " 3. ولم يسلم المطبوع من الكتاب من بعض هذا، وبعض ذلك مما نبه عليه في هوامشه، ومن ذلك:
  • "دلوك الشمس: ميلها للزوال لجهة المشرق".
    وفي الهامش: بهامش الأصل: "صوابه المغرب" 4، وهو كذلك.
  • "أبو جعفر... ". وفي الهامش: "الصواب: أبو الوليد" 5. ومن الأوهام النحوية غير المنبه عليها، وهذه لا يصح الزعم بأنها من المؤلف: "... وقيل: الثوب يكون لكميه كمين آخرين" 6.
  • "... واليوم الذي قبله يوم القر، لأن الناس قارين به نازلين بمنى" 1. والخلاصة أنه قد يكون للقاضي عياض رحمه الله نصيب من هذا الخلل في كتبه فيما يرجع إلى الخط وطريقة الكتابة.
    وللوقوف على مدى ورود هذا الاحتمال وجدنا المؤرخين يختلفون في وصف خطه؛ فابن جابر الواد آشي 2 يقول عنه: "كان بارع الخط المغربي، سريع الوضع، يدلّ على ذلك وجود أوضاع كثيرة وكتب عديدة يقصر عنها الحصر بخط يده" 3. وهذا يشهد له قول محمَّد بن عياض: "مليح القلم، من كتب أهل زمانه" 4. ويشهد له بصيغة غير مباشرة هذا الشعر للقاضي عياض نفسه: لَمحبرة تجالسني نهارا... أحب إلي من أُنس الصديق ورزمة كاغَذ في البيت عندي... أحب إلي مِن حِمل الدقيق 5 ومن الشواهد لهذا أيضاً ما سجله المقري عن خطه، إذ قال: "كان بارع الخط المغربي، وقد وقفت على خطه رحمه الله فرأيت خطاً رائقاً... وكتب مع ذلك كتباً كثيرة بيده" 6. وهذا هو الظن بالقاضي عياض المحقق الضابط، وهو القائل أيضاً: خير ما يقتني اللبيب كتاب... محكَم النقل متقَن التقييد

خطَّه عارف نبيل وعانا... هـ فصَحّ التبييض بالتسويد لم يخنه إتقان نقط وشكل... لا ولا عابه لَحاق المزيد فكأنَّ التخريج في طرتيه... طرر صُففت ببيض الخدود 1 غير أن هذا كله يعارضه واقع لا يرتفع متمثل فيما خطته يمين المؤلف مما فيه إشكال كبير، كحال كتاب "المشارق"، ومخطوطات "التنبيهات" - خاصة منها المعارضة بأصل المؤلف - خير دليل على هذه الإشكالات التي نبه عليها الناسخ، من قبيل الأخطاء النحوية والإملائية، وتصريحه أحياناً بأن بعض الكلمات تصعب قراءتها.
ومن ذلك أيضاً ما ذكر أحد نساخ كتاب "الشفاء" الذي قابل نسخته على أصل المؤلف فذكر أنه بذل جهداً كبيراً في المقابلة والتصحيح لوجود حواش وتخريجات، وفي الخاتمة بياضات لم تتأت قراءتها 2. فهل ترجع هذه الأخطاء إلى سرعة كتابة المؤلف؟ أو إلى دقة كتابته؟ فقد قال عنه ابنه: "كان حسن الضبط، صحيح العقل (كذا، ولعله: النقل)، قوي الخط دقيقه" 3. أو لأن المؤلف لم يتمكن من مراجعة هذه الكتب التي تنتابها الأخطاء لسبب أو لآخر؟ فلنستحضر مثلاً الملاحظة التي أكد فيها ابنه محمد أن كتاب "الحج" من "التنبيهات" لم يؤلفه أبوه إلا بعد أن أنهى كتاب "التنبيهات"، ثم دفعه لبعض الطلبة، فضاع منه أغلبه، فشغلت المؤلف فتن الزمان عن تحبيره.
ولنلاحظ أيضاً أن أصله من "الشفاء" كان بفاس، وذكر الرحالة ابن جبير: أنه قابل نسخته بأصل المؤلف في فاس، والذي كان أكثره بخطه، وهي مبيضته التي حررها وأظهرها وقرئت عدة مرات عليه 4.

وكذلك حصول الطراز الغرناطي على أصله من "المشارق"، وإخراجه إياه، هل كان ذلك بغرناطة؟ وكذلك كون بعض أجزاء مؤلفاته لم تكن بخطه، كيف يمكن تفسير كل هذا؟ إن نهاية المؤلف المأساوية أيضاً، وغموض أيامه الأخيرة لا يساعد على الإجابة على السؤال عن مصير مكتبته، فإنه - وإن كان مفهوماً من كلام ابنه عن مؤلفاته ومبيضاته ومسوداته وبطاقاته أن ذلك وقع تحت يده - لكن يبدو أن المؤلف أيضاً اصطحب معه في استقدامه من سبتة إلى مراكش بعض مؤلفاته أو جلها، ثم لا يدرى مصيرها بعد وفاته بمراكش! فقد قال أبو القاسم بن الملجوم: "اجتاز علينا القاضي عياض عند انصرافه من سبتة قاصداً إلى الحضرة (مراكش)، زائراً لأبي بداره عشية الإثنين الثامن لرجب سنة 543، وفي هذه العشية استجزته وسألته عن نسبه... " 1 ويدل على ذلك أيضاً أنه ذكر في الغنية وفاة شيخه ابن العربي، وقد توفي سنة 543 هـ بعد نفي القاضي عياض إلى مراكش 2. وكيفما كان الحال، سيبقى افتراض وقوع الأوهام في أسلوب القاضي عياض وفي خطه وارداً إلى حين بروز نموذج من خطه في كتبه التي قيل: إنه انتهى منها وسمعت عليه، ثم في المؤلفات التي لم يتمها ولم ترو عنه، ولم يظهر حتى الآن هذا النموذج... وأختم هذا بما قال تلميذ المؤلف عبد الرحمن بن القصير لما وجد في "الشفاء" من نسخته المنقولة عن أصل عليه خط المؤلف قوله: "ودعيا لي بخير"، فكتب في الطرة: كذا كان في المنتسخ منه.
والصواب: ودعوا لأنه من دعوت، قال الله تعالى: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ 3. ولا شك أنه من الناسخ الغلط، وأما المؤلف رحمه الله فإنه كان أرفع من أن يقع في مثل هذا، بل

كان من المستبحرين في فنون جمة، وكان خطه بالقراءة عليه في الأصل الذي انتسخت منه، والسماع يفلت منه كثير للمستمع والمقروء عليه، ويندرج في لفظ القارئ بالخفي 1 (كذا).

قسم التحقيق

القسم الأول:

تحقيق الدكتور محمد الوثيق

النسخ المعتمدة ومنهج التحقيق في السفر الأول

:

أولاً: مضمون السفر الأول من الكتاب:

يحتوي هذا السفر على الكتب الستة والثلاثين الآتية: 1 - كتاب الوضوء والطهارة.
2 - كتاب الصلاة الأول.
3 - كتاب الصلاة الثاني.
4 - كتاب الجنائز.
5 - كتاب الصيام.
6 - كتاب الاعتكاف.
7 - كتاب الزكاة الأول.
8 - كتاب الزكاة الثاني.
9 - كتاب الأيمان والنذور.
10 - كتاب الضحايا.
11 - كتاب الذبائح.
12 - كتاب الصيد.
13 - كتاب الأشربة.
14 - كتاب الجهاد.

15 - كتاب الحج.
16 - كتاب العتق الأول.
17 - كتاب العتق الثاني.
18 - كتاب المُكاتَب.
19 - كتاب التدبير.
20 - كتاب أمهات الأولاد.
21 - كتاب الولاء والمواريث.
22 - كتاب النكاح الأول.
23 - كتاب النكاح الثاني.
24 - كتاب النكاح الثالث.
25 - كتاب الرضاع.
26 - كتاب إرخاء الستور.
27 - كتاب طلاق السنَّة.
28 - كتاب الأيمان بالطلاق.
29 - كتاب التخيير والتمليك.
30 - كتاب الظهار.
31 - كتاب الإيلاء.
32 - كتاب اللعان.
33 - كتاب الصرف.
34 - كتاب السَّلَم الأول.
35 - كتاب السَّلَم الثاني.

36 - كتاب السَّلَم الثالث.

ثانياً: ترتيب أبواب الكتاب بين النسخ:

نسخ الكتاب لا تتفق كلياً في ترتيب هذه الأبواب.
والترتيب المعتمد هو ترتيب النسخة المرموز لها بحرف "ز" المعارضة بأصل المؤلف، وتوافقها في ذلك النسخ المرموز لها بحروف "ق" و"ح" و"م".
وتوافقها في الترتيب النسختان "ل" و"ط"، إلا أنهما قدمتا السَّلَم على الصرف، لكن في "ط" قُدِّم السَّلَم الأول ثم بيوع الآجال، ثم السَّلَم الثاني ثم الثالث.
وتوافقها النسخة "س"، إلا أنها وضعت أحكام العبيد بعد كتاب "الحج"، وبعدها أحكام الأسرة ثم السلم فالصرف.
بينما تنفرد النسختان "خ" و"ع" بغياب كافة كتب أحكام العبيد إلى السفر الثاني من الكتاب، وتوافقان النسخة "ز" في بقية التراجم إلا أنهما قدَّمتا السَّلَم على الصرف.
وهكذا، فهذه النسخ التسع تقدم لنا النص في خمس صور مختلفة دون إمكان تحديد السبب الحقيقي وراء هذا الاضطراب: هل هو من المؤلف أو من النساخ؟ وهذا الاختلاف يسبب أحياناً بعض البلبلة عندما ترد إحالات في الكتاب على ما مضى أو ما يأتي، فيحتار القارئ.
وهو مشكل آخر ينضاف للمشاكل والتساؤلات السابقة عن مدى حقيقة انتهاء المؤلف من كتابه.
وإذا كان الترتيب المتبع في هذا البحث اقتضاه ترجيح النسخة المعارضة بأصل المؤلف، فإنه مع هذا ومن خلال نص الكتاب ذاته، توجد دلائل قوية على تأخير أحكام العبيد إلى النصف الثاني من الكتاب كما في النسخة "خ" ومعها "ع"، ويتجلى هذا في إحالة المؤلف في كتب العبيد المختلفة على كتب وقعت في السفر الثاني، فإذا وضعنا كتب أحكام العبيد

في السفر الأول سببت هذه الإحالات في نوع من الاضطراب.

  • ففي العتق: "وقد نبهنا على اختلاف لفظه هناك" - يعني: في الوصايا -.
  • وفيه: "وقد تقدم الكلام عليها مستوعباً في الرهون".
  • وفي كتاب "المكاتب": "وقد بيناه في السلم الثاني".
  • وفي كتاب "أمهات الأولاد": "... ومثله في كتاب "الشهادات"، وقد تكلمنا عليه هناك".
    أحال عليه ثلاث مرات.
    وهذه الكتب المحال عليها وقعت كلها في السفر الثاني، ولا يتصور أن يحيل عليها كلها بهذه الصيغة وهو لم يصلها بعد، وإن كان يمكن مثل ذلك عند المراجعة والتنقيح 1. أما انفراد النسخة "س" بوضع أحكام العبيد بعد العبادات وقبل أحكام الأسرة فمما يعارضه بعض الإحالات كذلك من قبيل قول المؤلف في كتاب الأيمان بالطلاق: "وسيأتي من هذا في العتق".
    أما النسخ التي قدمت السلم على الصرف، فإن ما في كتاب السلم من إحالات المؤلف على كتاب الصرف لا يساعدها، ومن ذلك:
  • قال في السلم: "وقد تكلمنا عليها في كتاب الصرف".
  • وقال فيه: "قد مر كلام فضل... في كتاب الصرف".
  • وفيه أيضاً: "وقد مضى مثله في الصرف".
    وربما سبب هذا الاختلاف بلبلة كذلك في تحديد مبتدأ ومنتهى الأجزاء في النص، إذ المؤلف جزأ كتابه عشرة أجزاء كما ذكر ابنه 2 وكرره المقري 3. وعند التلفيق بين النسخ أمكن تحديد بعض هذه المعالم الخاصة

بالسفر الأول: فالجزء الأول: من أول الكتاب إلى آخر الجنائز كما نص عليه هناك في النسخ "ز" و"ع" و"ح" و"م".
والجزء الثاني: يبتدئ بالصيام وينتهي بانتهاء الحج، وهذا ما في آخر الجنائز في النسختين "م" و"ح"، وفي "ط" في آخر الحج: تم الجزء الثاني.
غير أن في النسخة "خ" في آخر الجهاد وقبل الحج: تم الجزء بحمد الله وعونه.
ولعل هذا له علاقة بما وقع لكتاب الحج عند المؤلف من تأخير تأليفه.
أما الجزء الثالث: فنصَّت النسخة "ز" على ابتدائه في أول النكاح.
وأما الجزء الرابع: فنصَّت النسخة "ز" كذلك على ابتدائه في أول الرضاع.
وأما الجزء الخامس: فلم تنص أي من النسخ على مبتدئه، لكن في النسخة "خ" من آخر اللعان: انتهى الجزء الخامس.
وعدا هذا، فلا يوجد نص ولا إشارة يفيدان في تحديد بقية الأجزاء في هذا السفر الأول.

ثالثاً: وصف النسخ:

يوجد عدد لا بأس به من نسخ السفر الأول، أذكر المعتمد منها أولاً:

  1. نسخة الخزانة الحمزية رقم 385، ورمزها حرف الزاي "ز": هذه النسخة لم يذكرها الشيخ المنوني رحمه الله في فهرسته للخزانة، وذكرها في مقال له في مجلة جامعة القرويين 1، وقال عنها: مجلد غير مرتب.
    غير أن في بعض الفهارس القديمة للخزانة الملحقة بالفهرس المذكور ذكراً للكتاب وأنه في جزءين، وكذلك في دفتر مقيدة فيه أسماء الكتب

يوجد بمقر الخزانة.
إلا أن الموجود من النسخة مجلد واحد من القطع الصغير لم أحص أوراقه، إلا أنها تناهز 160 ورقة، ومعدل مسطرتها نحو 30 سطراً في الصفحة.
والنسخة كثيرة الخرق بالسوس، وفيها طمس غير يسير، واختلاط كثير، مبتورة في عدة مواضع أولها: مقدمة الكتاب، إذ سقطت مقدمة المؤلف وشيء يسير من مقدمة كتاب الوضوء والطهارة، وهو تقريباً أربع صفحات من قياس 21 × 31 سنتيمتراً.
ثم سقط منها بعد ذلك في كتاب "الوضوء والطهارة" وكتاب "الصلاة" ما عبر به بعضهم - وليس الناسخ - في آخر صفحة قبل السقط بهذه العبارة: بقي هنا كراس.
وهو نحو ثلاثين صفحة بالقياس المذكور.
ثم سقط منها من آخر الزكاة الأول إلى آخر الحج، وكتب في أول السقط بغير خط الناسخ أيضاً: بقي بينه وبين ما يقابله كراستان، وهو نحو 65 صفحة.
ثم فقد سائر السفر الثاني من الكتاب إلا يسيراً.
وهذه النسخة في غاية الأهمية لأمرين: أولهما: أنها عورضت بأصل المؤلف كما أثبت ناسخها في آخر السفر الأول، إذ قال: "انتهت المعارضة بأصل المؤلف وبخطه... ". الثاني: أن الناسخ في غاية من الضبط والتحري، وهذا الناسخ لم يعرِّف بنفسه فيما وجد من النسخة، لكن في إحدى الطرر بخطه ما يلي: "يقول محمَّد بن رشيد: رأيته في نسخة قديمة من "المدونة"... ". ووجدت في لحق في النسخة بتوقيع أحد علماء الزاوية الحمزية اسمه سالم، مما ورد فيه ما لعله: "وهذا لا يحتمل أن يخفى على ابن رشيد سيد الخطاطة".
وبالبحث عن هذا الشخص تبين أن ممن يُعرفون بذاك الاسم غير واحد:

أ - محمد بن رشيد بن عيسى بن باز أبو عبد الله: توفي بعد 600 هـ، ترجم له ابن الأبار 1 وابن عبد الملك 2. ب - محمَّد بن رشيد بن عيسى اليحصبي: المتوفى 553 هـ، ترجم له ابن الأبار 3. غير أن هذين لم يذكر عنهما شيء من العناية بالكتابة والخط والنسخ.
جـ - محمَّد بن محمَّد بن رشيد: ذكره ابن القاضي وحلاه بالفقيه الكاتب، "كتب في حضرة أبي عنان المريني، وكتب بعده لجملة من بني مرين، قال ابن الأحمر في حديقته: رأيته بفاس، وكان حسن الخط بارعه، ابن مقلة زمانه.
إلا أنه لم يكن عنده عربية، فكان إذا أمر السلطان بكتب الملوك ينشئها الفقيه المدرس... أبو القاسم عبد الله بن يوسف المالكي... ويضبطه بالإعراب ويعطى للكاتب ابن رشيد فيكتب 4... ". د - محمَّد بن عمر بن رشيد السبتي أبو عبد الله المحدِّث الفقيه الرحالة، اشتغل بدراسة الفقه، واهتم بالكتابة والمقابلة، وهو أديب خطيب بليغ محدث سيد محدثي المغرب، صحيح النقل، أصيل الضبط، توفي 721 هـ 5. وقد يكون هو المقصود، فإنه الأعرف والمعروف بهذا الشأن، يقول الشيخ محمَّد المنوني: "لمع في المغرب المريني طبقة من المصححين للكتب العلمية، منهم: محمَّد بن رشيد السبتي... ترد الإشارة له في مخطوطة من رسالة "عجالة المبتدئ" في أنساب رواة الحديث للحازمي،

أصلها مصحح بخط ابن رشيد، وعنه نقلها ناسخها... ومختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب بتصحيحه، حيث وقع اعتماد أصله في نسخة قوبلت من فرع الأستاذ أبي عبد الله الطرسوني الذي قابله من أصل ابن رشيد، قصيدة حرز الأماني للشاطبي، بخط يحيى السراج، اعتمد فيها أساساً رواية ابن رشيد، مخطوطة الشفا للقاضي عياض، نسخة يحيى السراج أيضاً 1... ". فابن رشيد السبتي محدِّث كبير وأديب معروف، أما ابن رشيد الأول فلا يتجاوز إتقان الخط، بينما يهتم ناسخ "التنبيهات" بما وراء الخط من الضبط والتصحيح والترجيح والإضافة أيضاً.
هذا ولم أوفق في العثور على نموذج لخطه، وفي أعلام الزركلي عند ترجمته له نموذج منه غير واضح 2، وقد ذكر الدكتور محمَّد بن شريفة أن خطه محفوظ بإحدى نسخ برنامج الرعيني اشتراها الزركلي من مراكش 3. ومن أهم ما يميز عمل ابن رشيد في هذه النسخة: معرفته الدقيقة بخط المؤلف، ومن ذلك ما كتب أول كتاب الصيام: "من هنا ابتدأ الجزء الثاني الذي ليس بخط المؤلف، وظهر لي أنه بخط ابنه محمد بن عياض بن موسى رحمه الله".
وهمَّش في آخر "الحج" وكتب: "إلى هنا بخط ابن المؤلف رحمه الله"، ثم ذكر أن ما يلي هو بخط المؤلف.
ومن ذلك ما في إحدى الطرر: "كان في أصله بخطه:... وكتب بخط آخر فوقه:... ولم أتحقق أنه خطه".
ومنه: "بخطه، ثم رد:... بخط محدث".

ومن دقته في وصف الكلمات وأشكالها: "كذا معاداً عليه بمداد آخر، ويشبه أن تلوح الميم تحته خفية".
ومن ذلك أنه يرسم الكلمات المشكلة كما هي، وينبه على ذلك، مثل أن يقول: "كذا بخطه، وصورته مشكلة"، ويحتفظ برسوم الكلمات كما كتبها المؤلف، مثل: لسيما، أصطوانها... ولذلك قال في آخر السفر الأول: "... وما كان فيه من مشكل كتب على أقرب صورة إليه".
ومن عمله في التصحيح إثبات ما يعتقده صحيحاً في المتن ممرضاً عليه بعد أن يثبت ما في الأصل في الطرة، منبهاً على أن ذلك ما بخط المؤلف، وقد قال في آخر السفر الأول: "... فما كان فيه من لحن كتب على حاله".
ومنه أنه عندما يجد سقطاً لا محيد عنه لاستواء السياق يثبته منبهاً على أنه: "سقط من خط المؤلف، ولا بد منه".
وهو أيضاً يستحضر نسخاً أخرى ويوازن بينها وبين ما في أصل المؤلف كما في قوله: "في بعض النسخ: به، ولم يثبت بخط المؤلف".
ومما يمتاز به أنه - كما يبدو - يستبدل قوله: قال المؤلف رحمه الله بما في أصل المؤلف - ولعله: قال القاضي.
وذلك بوضع قوله: "المؤلف رحمه الله" بين دائرتين صغيرتين علامة على أنه من زيادته، ويكتب فوق ذلك حرف "ض" كأنه رمز للقاضي أو لعياض.
وقد يعيد حرف الضاد في الطرة مصححاً عليه... وفي الواقع، فإن دراسة خط هذه النسخة - وهو أندلسي - وطريقة ضبطها ووفرة علامات الضبط في متنها وطررها الغنية ورموزها، والالتزام الشديد بما في الأصل، قد يعطي نموذجاً للمنهج الصارم في تطبيق قواعد علماء الحديث في أصول الرواية.
2) نسخة خاصة مأخوذة عن مصورة الدكتور محمد المختار ولد أباه، ورمزها حرف الخاء "خ".

هي ثاني أهم وأصح نسختين بعد النسخة "ز"، وهي نحو 160 ورقة من القطع الكبير، معدل أسطرها 24 سطراً، وفيها مضمن السفر الأول من الكتاب كاملاً، ما عدا الكتب المتناولة لأحكام العبيد، وفيها يسير أيضاً من السفر الثاني.
هذه النسخة غير منقوطة في الغالب الأعم، إلا أنها حقاً نسخة صحيحة وإن لم يرد فيها ما يصرح بأصلها ولا بتاريخها، حتى يخيل للقارئ أحياناً أنها إما نقلت عن أصل المؤلف أو عن أصل منقول عنه.
والطرة الوحيدة التي فيها بعض الدلالة ما نصه: "هذا في الحاشية بخطه".
ومثل هذا كثير جداً في النسخة "ز".
لكن في هوامش النسخة "خ" كثير من الطرر غير المصرحة، مثل: "صححه".
وكذلك: "انظره وحققه".
وفوق هاتين الإحالتين حرف الضاد.
وبالمقارنة بين ما فيها هنا وما في "ز" نجد الإحالتين هناك وفوقهما أن المؤلف كتب ذلك.
وفيها أيضاً كثير من الطرر والرموز هي نفسها وردت في هوامش "ز".
وفي هوامشها أيضاً علامات ورموز ومعلومات لا توجد في النسخة "ز"، وهذا ما يدعو إلى الموازنة بين النسختين: فمن الأمارات على تقارب النسختين أو أصلهما - وهذا كثير وهو الأصل - أخطاء تتحدان فيها، مثل هذه العبارة: "قوله: لأن الحاكم هنا ينوب مناب الزوج إذا امتنع، وينفذ عليه الطلاق".
علم الناسخان فيهما على وجود تقديم وتأخير في قوله: "ينوب هنا"، ثم في قوله: "الطلاق عليه".
غير أن الاختلافات بين النسختين ليست يسيرة: فمن ذلك السقط، فكلاهما فيها سقط كلمة أو كلمات أو أسطر، غير أن ذلك في "خ" أكثر، وإن كان غالبه نابعاً عما يسمى بانتقال نظر الناسخ.
ومن ذلك فيما يبدو أن ما حوق عليه في أصل المؤلف لا ينقله ناسخ

"ز"، بينما يكتب في "خ" محوقاً عليه، ومن ذلك فقرة طويلة في آخر "النكاح الأول".
ويقع الخطأ فيهما، وينبه عليه في "ز" على أنه في أصل المؤلف، ولا ينبه على الخطأ من أصله في "خ"، وهذا كثير.
وقد يقع الخطأ في أصل "ز" ويصلحه الناسخ، ولا وجود للخطإ في "خ"، وهذا أيضاً وافر.
وينبه ناسخ "ز" على سقوط كلمة في أصل المؤلف، ويصلحه الناسخ باقتراح كلمة، فترد تلك الكلمة في "خ" دون تنبيه عليها... وهذا نموذج خاص:

  • في "ز": "قال ابن عيينة... ". وكتب الناسخ في الحاشية: "درس في الأصل".
  • وفي "خ" مكان "ابن عيينة": "قال أبو محمَّد".
    والصحيح في هذا الاسم أبو عبيد، لأنه نقل عنه شرحاً لغوياً.
    وكرر المؤلف النص والنقل عنه في "المشارق"!
  1. نسخة خزانة القرويين رقم 333، ورمزها حرف القاف "ق": وهي نسخة تامة يتكون السفر الأول منها من نحو 110 أوراق من الحجم الكبير بمسطرة 35 سطراً، ومجموع أوراقها 196، نسخت سنة 786 هـ، وهي بخط مغربي صحيح تام به تلاش يسير كما قال في فهرس القرويين 1. هذه النسخة ذات خصوصيات تنفرد بها، وهي أقرب النسخ إلى الصحة وإلى النسختين الأصليتين السابقتين "ز" و"خ".
    وأهم ما يميزها تصرف ناسخها وتدخله في النص بالزيادة والنقص،

وهذا أحياناً يساعده على تجاوز النقص الحاصل في أصل المؤلف من سقط وتعقد أسلوب.
وأحياناً أخرى يؤديه إلى الخروج عن الصواب، وهو في كلا الحالين متجرئ عندما تصرف في الأصل ولم يكتف بالتنبيه على الخطأ في الهامش، ولذلك انفردت النسخة بأخطاء لا توجد في غيرها، فهو أحياناً يصحح بتبديل الكلمات أو بطرحها، وأحياناً يصححها بإقحام حروف عليها، وأحياناّ يخرِّج إلى الزيادة التي يزيدها.
وقد يكتب على بعض الألفاظ الزائدة حرف الزاي، وقد ينبه في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى كلمة مغايرة... ومن المميزات الناتجة عن تدخل المؤلف قلة الأخطاء النحوية الكثيرة في النسخ الأخرى، ومن أمثلة ذلك:

  • في كل النسخ: "أو يكون استقباله (الإمام) لأول قعوده مستحب استعداداً لقيامه وواجب عنده".
  • وفي كل النسخ أيضاً: "فوجه الربا إنما هو في دفع الأكثر، فتجتمع العلتين".
    وهاتان العبارتان وردتا في النسخة "ق" بالوجه الصحيح.
    وغير هذا من الأخطاء كثير جداً يتبين عند قراءة فروق المقابلة في النص.
    ومن نماذج تصحيحاته في المضمون:
  • "إذا طلقها الأول لا يبرئها حملها من الآخر".
  • في النسخة "ق": "... لا يبرئها وضع حملها... "، وهو الظاهر.
  • "كان مالك مرة يقول: ليتأخر الذي له السلم إلى إبانها (الثمرة) من السنة المقبلة، هذا قول، ولا تجوز المحاسبة... ".
  • في ق: "... هذا قوله الأول"، وسياق "المدونة" يؤيد ما في النسخة "ق".
    والناسخ يضيف أحياناً نصوصاً من "المدونة" أو من غيرها... ومن تصحيحاته الأسلوبية التي تتضح بالمقارنة هذا النص:
  • ففي الأصول: "ظاهره أنه ليس من نساء أهل الجزية".
  • وفي ق: "ظاهرها أنها متى كانت ليست من نساء أهل الجزية... " وقد يخطئ في هذه التصحيحات أيضاً، وأخطاؤه ليست قليلة، فمن ذلك:
  • في النسخ: "... والعجمي الذي قد أجاب.
    قال: سحنون أدخل: "قد أجاب".
    ". حاول الناسخ أن يقومها كما يلي: "... قال سحنون: إذا دخل قد أجاب".
    وهذا غير صواب.
    ومن الأخطاء المحيلة للمعنى ما يأتي:
  • ففي النسخ: "وقوله اللخمي".
  • كتبه الناسخ: "وقال اللخمي".
  • ومن ذلك هذا النص فالذي في النسخ: "... وثبت هنا ذكر مالك فيها في كتاب "ابن عيسى"، وهي في الكتاب الثاني ببينة عن مالك.
    وقوله في كراهية إنكاح أمهات الأولاد محتمل لإجبارهن... ".
  • صاغها الناسخ كما يأتي: "... وهي في الكتاب الثاني مبينة عن مالك في كراهية إنكاح... ". فقد اعتقد أن الكلام متسلسل، بينما المؤلف انتقل إلى مسألة أخرى، ولكي يستقيم له النص ويتوافق مع فهمه أسقط: "وقوله"، وأضاف ضمير الغيبة إلى "كراهية"! فهذه نماذج من هذه النسخة التي فيها إيجابيات وسلبيات مجتمعة، غير أن الثقة بها في نسبة كل ما فيها إلى المؤلف متضعضعة بسبب عدم احترام منهج النقل، وكلام الناس حبس كما قيل!

فهذه ثلاث نسخ متميزة، وهي المعتمد الأول في المقابلة، وإن كان المعتمد حقيقة هما الأصلان الأولان، ولذلك طال الحديث عنها، أما سائر النسخ فأهميتها أدنى من ذلك بكثير.
4) النسخة 335 من خزانة القرويين، ورمزها حرف السين "س": منها: السفر الأول حتى أواخر السلم بخط مغربي ضيق، في كاغذ متلاش كثير الخرق بالسوس، عارية من تاريخ النسخ، عدد أوراقها 90، ومسطرتها 41 سطراً 1. 5) النسخة 384 ق المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، ورمزها حرف العين "ع": يوجد منها السفر الأول، وتنتهي في آخر بيوع الآجال في 202 ورقة، بمسطرة 33 سطر اً.
6) نسخة الخزانة الحمزية رقم 331، ورمزها حرف الميم "م": يوجد منها السفر الأول حتى آخر السَّلَم في 173 ورقة بمسطرة 25 سطراً، وهي نسخة بخط أندلسي جميل غليظ، نسخها أحمد بن سعيد بن أحمد الأنصاري بفاس سنة 653 هـ، وفي أولها تمليكان.
غير أن جمال هذه النسخة أفسده - على ما يبدو - انتساخها من أصل غير صحيح.
7) نسخة خزانة القرويين رقم 336، ورمزها حرف اللام "ل": وهي كاملة في سفرين: أولهما ينتهي بكتاب الصرف، في أوراق عددها 115، ومعدل أسطرها 30، وهي متلاشية جداً، وعليها تمليك وتحبيس... وصف خطها في فهرس القرويين بأنه أندلسي جيد 2، إلا أن الواقع أن جله مطموس، كما أن قيمتها لا تكاد تظهر، بل يغلب عليها الخطأ.

  1. نسخة الخزانة الحسنية رقم 534، ورمزها حرف الحاء "ح": وهي تامة في 202 ورقة.
    قال الشيخ المنوني في وصفها: في مجلد من حجم طويل بخط دقيق يتخلله بياض، نسخت سنة 1286 هـ برسم الأمير مولاي العباس العلوي، نسخها محمد بن عبد الهادي بن محمد العربي الصنهاجي المكناسي المتوفى 1329 هـ/ 1911 م 1.
  2. نسخة الخزانة الحسنية رقم 9818 ورمزها حرف الطاء "ط": وهي كاملة تقريباً، ينتهي السفر الأول ببيوع الآجال، في نحو 104 أوراق، وكتب هناك اسم مالكها عبد العزيز الدادسي السجلماسي.
    وهذه النسخة لم تعتمد في المقابلة إلا في كلمات معدودة.
    واختصاراً للكلام، فإن هذه النسخ مجتمعة تتفاوت في الصحة، غير ألا واحدة منها قوبلت وصححت على أصل صحيح، ولا إحداها سالمة من التصحيف والتحريف الشديد والسقط الكثير والاختلاط في الأوراق والمتن وأنواع أخرى من الأخطاء والتصرفات... بقي أن أذكر نسخاً أخرى من السفر الأول لم أطلع عليها، وهي:
  3. نسخة خزانة القرويين رقم 334، وهي تامة وبخط مغربي متلاش جداً، كاد أن يندثر، نسخت سنة 678 هـ في 127 ورقة، معدل أسطرها 38.
    هذه النسخة مذكورة في فهرس القرويين 2، غير أنها ضاعت كما يقول القائمون على الخزانة.
    (11 - 12) ذكر بروكلمان نسختين في الإسكوريال 3.
جارٍ التحميل