كتاب الخلاف:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لأبي عبد الله محمَّد بن أحمد بن خويزمنداد البغدادي المالكي 3. هذه بعض المصادر التي أشار إليها عياض في كتابه إضافة إلى كتب رجال الحديث، ومعاجم اللغة.12
الفصل الرابع: منهج القاضي عياض في دراسة قضايا الكتاب
المبحث الأول: قضايا الرواية والدراية
.
المبحث الثاني: القواعد الفقهية.
المبحث الثالث: ملاحظات تقويمية عامة.
المبحث الأول: قضايا الرواية والدراية
المطلب الأول: معالجة قضايا الرواية
أولاً: الرواية الحديثية:
ليست المادة الحديثية ذات شأن كبير في الكتاب، وجل تنبيهات المؤلف على ما اعترى الأسانيد، أما المتون فتدخلاته بشأنها قليلة، وهو في ذلك نادراً ما يهتم بتخريج الحديث والحكم عليه أو بالجرح والتعديل، وفي أحيان كثيرة يكتفي بذكر اختلاف روايات "المدونة" لمتن الحديث دون ترجيح، وعندما يرجح فقد يعلل ويستدل ويذكر مصدره، وقد لا يفعل، ومن أمثلة ذلك:
"في حديث ابن عمر: ربما حنث ثم كفَّر، وربما قدم الكفارة.
كذا لهم، وللأصيلي: ربما حلف.
والأول أصوب".
وقد يلجأ للترجيح إلى كتب الحديث مثل قوله:
"وقوله فيه: بدأ من مقدم رأسه.
كذا الرواية في هذا الحرف عندنا في الأم عند ابن عتاب.
والرواية في "الموطأ" وكتب الصحيح: بمقدم رأسه".
والمؤلف ينتهي من هذه الموازنات والترجيحات وتصحيح الروايات إلى ربط ذلك بالدلالات والأحكام الشرعيات...
أما معالجته للأسانيد فالغالب عليها جانب الضبط وتصحيح التصحيف والتحريف، وبيان المؤتلف والمختلف، والمتفق والمفترق والمبهم.
وغالب أسانيد الكتاب للآثار التي عضد بها سحنون "المدونة" خاصة من كتب ابن وهب ووكيع وعن ابن مهدي.
ولعل تفرد بعض هذه المصادر ببعض الآثار هو الحائل بين المؤلف وبين موازنة الروايات، ولذلك كثيراً ما يكتفي بذكر اختلاف الأسانيد دون تعقب، أو يكتفي بترجيح غيره لبعض الروايات، خاصة ابن وضاح المحدِّث الناقد الراوي عن سحنون والملازم له.
ويبدو أن ابن وضاح قابل بعض الآثار على أصولها، ورجع إلى مصادرها، فقد صرح مرة أنه رجع إلى كتاب وكيع.
ولنتأمل هذه الطرة التي نقلها المؤلف عن بعض أصول شيوخه: "قال ابن وضاح: ليس لابن مهدي في الوضوء ولا في الصلاة ولا في البيوع - يعني: في المدون شيء، إنما هو لوكيع.
وليس لوكيع في الصيام ولا في الزكاة ولا في النذور ولا في الشهادات شيء، إنما هو لابن مهدي.
قال ابن وضاح: فأما التي في كتاب وكيع فقرأها - يعني: سحنون - عليه في كتابه، وأما التي لابن مهدي فأخبرني موسى (ابن معاوية الصمادحي): أن سحنون أخذها منه؛ يعني: مناولة".
وقد يجتهد المؤلف لتقويم بعض الأسانيد من أمهات الحديث أو من كتب الرجال كما في الأمثلة الآتية:
"ابن وهب عن مالك عن نافع وابن شهاب أنه بلغه عنهما مثل قول سليمان.
كذا لابن وضاح، ولابن باز: ابن وهب عن غير واحد عن نافع.
وكذا هو في موطأ ابن وهب".
وجل تناول المؤلف لمادة الرواية في الكتاب منصب على تصحيح الأخطاء في أسماء الرواة مما تراكم مع الزمن أو صحفه المتفقهة، ممن لا يتعاطون علم الرواية، بما في ذلك أخطاء سحنون.
ومن هذا:
"عباس بن عبد الله بن معبد بن العباس، بباء بواحدة وسين مهملة، كاسم جده.
والشيوخ يقولون فيه: عياش باثنتين وشين مثلثة، وهو خطأ".
ولابن وضاح في مناقشات المؤلف نصيب غير يسير لأهمية روايته وأهليته الحديثية، فإذا كان قد سلم له كثيراً من التصويبات، فإن جنبه الصواب في بعضها، ولا سيما وقد عرف عنه تجرؤه على الأحاديث وانتقادها.
وهو الذي تجاسر - من بين كافة أهل الأندلس - على إصلاح الأوهام الواقعة في رواية يحيى بن يحيى "للموطأ" ورواها الناس عنه على الإصلاح، بينما اكتفى غيره بالتنبيه عليها 1، وربما أوقعته جرأته في أخطاء، وهي كثيرة محفوظة كما قال ابن الفرضي 2، كما ضعف في فقهه ولغته 3. ومما خطأه فيه المؤلف:
- "قال مالك: ورأيت عبد الله بن الحسن يفعله... وفي حاشية الكتاب عن ابن وضاح: عبد الله هذا من بني أمية، قال القاضي: وهذا وهم صحيح، فعبد الله هذا هو ابن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، شهرته تغني عن ذكره... ". ومن العناصر المهمة التي أسهمت في تحقيق النص وبيانه في باب الرواية بيان الأسماء المبهمة في نصوص الكتاب عامة، وهذا أمر جليل لعلاقته العضوية بمدى الثقة في الرأي الفقهي، من ذلك:
- "وقول بعض الرواة في المحلوف بعتقها... بعض الرواة هنا هو ابن غانم".
- "وقوله: كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد، هو عباس بن عبد الله بن معبد... ". وأخيراً نذكر بعض الضوابط العامة التي خدم بها المؤلف جانب الرواية في الكتاب، وهي تدل على استقرائه التام لمادة "المدونة"، ومن الأمثلة على ذلك:
- "ليس في "المدونة" الصلب بضم الصاد والباء، ولا زبيد بالباء أولاً بواحدة، وهذان الاسمان مشهوران في غيرها".
- "كل ربيع في هذه الكتب، أو ابن ربيع فبفتح الراء وكسر الباء.
وصبيح بفتح الصاد المهملة وكسر الباء.
وأبو الضحى مسلم بن صبيح، هذا بضم الصاد وفتح الباء في "المدونة" كنيته لا اسمه ونسبه، وكنيته بضم الضاد المعجمة.
وما فيها من معمر فبفتح الميم وسكون العين".
وعندما نعرف بالإحصاء أن المؤلف ضبط أكثر من عشرين وثلاثمائة علم من الأعلام البشرية في السفر الأول وحده - وغالبها أعلام حديثية - نعرف عظيم الفائدة التي تضمنها الكتاب.
ثانياً: الرواية الفقهية:
لا يختلف منهج التعامل مع هذا الموضوع كثيراً عن سابقه إلا فيما اقتضته طبيعته الخاصة، فكتاب "التنبيهات" احتفظ بكثير من نصوص الروايات المفقودة، وحشي بكثير من الإفادات مما دونه الرواة الأوائل من علاقة بعض النصوص بأصل الكتاب ومن أدخلها أو أسقطها، وما مصدرها؟ وتبعاً لهذا ففي الكتاب مجموعة من الإشارات لكيفية ورود بعض هذه النصوص الفروق بين النسخ، يعني: إشارات الرواية ورموزها التي تبين أن النص أو اللفظ أو الحرف صحيح في أصول الرواية أو موقوف أو مطروح أو مخرَّج إليه أو محوَّق عليه أو مخطَّط عليه... وهذا إسهام كبير في تحقيق نص الكتاب وتقريبه على صورته الأولى.
وهذا أنموذج لكيفية عمل المؤلف في المقابلة وبيان الروايات والفروق والترجيح:
- "قول بعض الرواة في الشريكين في العبد يكاتب... إلى آخر المسألة، ثابتة في روايتنا، وسقطت من رواية يحيى بن عمر، وليست في رواية إسحاق بن إبراهيم من الأندلسيين، وثبتت عند الدباغ ويحيى بن أيوب من القرويين وابن وضاح من الأندلسيين، ولم يقرأها ابن أبي سليمان ولا أحمد بن خالد، وهي كلام ابن الماجشون".
والمقابلة بين الروايات والتنبيه على ما في كل منها هو أحد عناصر منهج المؤلف في دراسة نص "المدونة"، أما دوره في هذا فهو كما ينتظر دور الفاحص الناقد المحدِّث الفقيه، فالروايات الفقهية تحتاج إلى منهج يزاوج بين الرواية والدراية، والقاضي عياض قد يجد من سابقيه من قام ببعض هذا العمل فرد وأثبت، وضعف وأسقط، فكان لا يتجاهل ذلك، بل يورده ويكتفي به أحياناً ويتبناه، وهو في هذا الباب يجد نفسه أمام كثير من اجتهادات سحنون في تقويم النص بالإضافة والإسقاط، ويجد كذلك مجهودات الفقهاء في الاتجاه ذاته فيذكره ويناقشه، وقد يقبله أو يرده.
ومثال هذا: - "قلت: طواف الإفاضة عند مالك واجب؟ قال: نعم.
زاد في بعض الروايات: وطوافه الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة هذان واجبان يرجع لهما جميعاً... وسقطت هذه الزيادة من أكثر النسخ.
وسقطت لابن وضاح، وحوق عليها في أصول شيوخنا وكتب عليها: طرحها سحنون، وقال: هي خطأ.
قال القاضي: وهو الصواب، ليس طواف القدوم - وهو طواف الزيارة - من فرض الحج ولا أركانه! ". - "وقوله: يرجع بقيمة ذلك، كذا عندي وعند ابن عيسى، والذي عند ابن عتاب: بحصة ثمن ذلك، وطرح سحنون "بقيمة" ورد" بحصة"، وقال:
أخاف أن يكون الثمن مجهولاً.
وصوابه على ما قال سحنون, لأن العمل في ذلك أن يرجع بحصة ذلك من الثمن".
وقد يستعين المؤلف في ترجيحاته بالرجوع إلى الأمهات الأخرى مظان الروايات عن مالك.
ومن العناصر المهمة في هذا الباب التي طرقها تمييز كلام الفقهاء أصحاب مالك وغيرهم في "المدونة"، إذ فيها من غير قول ابن القاسم كثير بما في ذلك تدخلات سحنون.
والمؤلف يحدد مبتدأ ومنتهى هذه الأقوال المتداخلة ويرجع في ذلك إلى مختصري "المدونة" ليوازن بين أفهامهم وتصرفاتهم في ذلك، وهذه أمثلة:
- "... الكلام كله من أول المسألة عندي في "المدونة" لأشهب... وعلى كون المسألة كلها لأشهب اختصرها ابن أبي زمنين وغيره، واختصرها أبو محمَّد وغيره من القرويين على أن أول المسألة لابن القاسم... ".
- "... وما جاء في الكتاب بعد من قوله: ومن طلب التأخير منهما فذلك له...، إلى آخر الكلام، ليس من كلام ابن القاسم؛ إنما هو من كلام سحنون... وهو الذي رجح شيخنا أبو الوليد وذكر أن في رواية بعض الشيوخ أول الكلام: قال سحنون... ". مادة الرواية في الكتاب وافرة، ومعالجة المؤلف لها في "التنبيهات" غزيرة، وقد تكون هذه الأمثلة بشتى مقاصدها ملمة بذلك، والهدف إثبات أن المؤلف بذل جهداً كبيراً في هذا الباب، ويتضح ذلك من موازناته بين ما في أبواب "المدونة" في حد ذاتها مما يدل على الاستقراء.
المطلب الثاني: قضايا الدراية
جعل القاضي عياض قضية الرواية ومتعلقاتها هي القضية الأولى والأساسية في مقدمة كتاب "التنبيهات"، سواء تعلق الأمر بالرواية في حد
ذاتها، أم في امتدادها وتاثيرها في تفسير النص الفقهي وما تبعه من اختلاف فقال: "وربما اختلف المعنى لذلك الاختلاف فحمل على وجهين، أو تحقق الصواب أو الخطأ في أحد اللفظين".
أما اعتناؤه بالقضايا الفقهية ومضامين الكتاب فإنما جاء ثالثاً بعد قضيتي الرواية واللغة وفي آخر المقدمة إذ قال: "ونثرنا أثناء ذلك نكتاً من كلام المشايخ والحذاق وتعليقاتهم، إلى ما استثرناه من أسرار الكتاب واستنبطناه إلى تنبيهاتهم".
فهو بهذا يروم القول بأن إيلاء الاهتمام للجانب الفقهي ثانوي، وكما قال: "لتتم الفائدة لباغيها، وتكمل المنفعة لدارسها وراويها".
والمقصد من هذا الإيراد التنبيه إلى قضية منهجية في كتاب "التنبيهات" لا بدّ من مراعاتها في التعامل معه، وهي أنه ليس كتاباً فقهياً متكاملاً ولا كاملاً، وإنما يحتوي من الفقه بعض الموضوعات ذات العلاقة بالمسائل التي فيها بعض الإشكال في الرواية أو الدراية، ونسبة هذه المسائل إلى مجموع ما في "المدونة" ضئيل.
وإذا كان الأمر هكذا، فلا ينتظر في مادة الكتاب تمام البناء ولا انتظام الهيكلة، ولا الوحدة الموضوعية المتناغمة.
وعلى رغم هذا، فإن المادة الفقهية في كتاب "التنبيهات" غزيرة وغنية وغاية في الأهمية؛ لأن مؤلفها عندما يقتنص إحدى المسائل المحتاجة إلى بيان وتعليق، يبين عن مخزون فقهي ثري، وعن نظر أصولي قوي، وعن رأي وترجيح، ولا غرو أن يقول عن تنبيهاته الفقهية وهو يشعر بهذا التفوق: "وأكثرها مما لم يقع له في الشروحات ذكر، ولا انكشف له في التعاليق سر".
فما هي مشكلات الدراية في الكتاب؟ وكيف عالجها المؤلف؟
أولاً: بعض الآراء الأصولية في الكتاب:
آراء القاضي عياض الأصولية مبثوثة في كتبه الثلاثة الأساسية: "الشفاء"، و"الإكمال"، و"التنبيهات"، بالإضافة إلى ما في مقدمة كتاب "المدارك".
والقسط الأكبر منها في صورة تطبيقات عند مناقشة المسائل الخلافية أو شرح النصوص الشرعية.
والغرض هنا "الإلماع" إلى بعض ذلك مما ورد في "التنبيهات" للتأكيد على حضور المنهج الأصولي في تحليلاته: 1 - فمن آرائه البارزة في الأصل الأول - الكتاب - هذان النصان:
- "وقول طاوس في صيام الكفارة: يفرق، فقال له مجاهد: في قراءة ابن مسعود متتابعات؟ قال: فهي متتابعات، حجة بالقراءة المتلقاة من خبر الواحد، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون هل تقوم بها حجة كما تقوم بخبر الواحد عن السنة والقول عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، إذ الكل متلقى عنه ويلزم العمل بمقتضاها أم لا تقوم لإسناد ذلك إلى القرآن؟ وهو لا يثبت قرآناً بخبر الواحد، فلما لم يثبت قرآناً لم يثبت حكماً.
وإلى هذا ذهب المحققون مع إجماع الكل على أن التلاوة لا تجوز به".
2 - وفي الأصل الثاني - السنَّة - يلفت الانتباه موقف عياض في الدفاع عن الرأي المالكي في تعارض خبر الواحد مع القياس، وهو منفذ جلب على المالكية كثيراً من النقد كما جلبه عليهم موقفهم من خبر الواحد في معارضته لعمل أهل المدينة، وقد نصر القاضي عياض مذهب أهل المدينة بكل قوة في "المدارك" 1، ومما ورد في "التنبيهات" من هذا: - "... أو يكون هذا على مذهب من قدم القياس على خبر الواحد، وهو مذهب جماعة من الفقهاء الأصوليين ومن أئمتنا البغداديين، وحكوا أنه مذهب مالك... ". 3 - وفي محور دلالات الألفاظ المتناثرة في الكتاب نذكر هذين النصين النظريين لخصوصيتهما:
- "واستقرى شيوخنا من احتجاجه أن مذهبه القول بالعموم في مسائل أصول الفقه، وهو بين من قوله واستدلاله.
وهو مذهب عامة الفقهاء من أصحابنا وغيرهم وكثيرٍ من الأصوليين، وأن لفظ الجمع المكسر من صيغ العموم، ولا سيما إذا عرف بالألف واللام كقوله هنا: "المساجد"، وهو أجلى صيغ العموم عند القائلين به".
- "قال القاضي: فيه دليل ما عليه محققو الأصوليين من أن العبيد داخلون في خطاب الأحرار، خلافاً لما ذهب إليه ابن خويزمنداد في ذلك... والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في خطابهم بفروع الشرائع".
4 - والقارئ لمقدمة مدارك القاضي يشعر بإخلاصه واستماتته في الدفاع عن المذهب في أصوله وفروعه وترجيحه، لكن دون تعصب.
ولنقرأ هذا الشاهد من "التنبيهات" وهو بصدد انتقاد بعض المالكية: "... لا يفتي أحد على مذهب غيره، إنما يفتي على مذهبه أو على الاحتياط لمراعاة خلاف غيره عند عدم الترجيح أو فوات النازلة، وأما أن يترك مذهبه ويفتي بمذهب غيره المضاد لمذهبه فما لا يسوغ".
وهذه القواعد التي ذكرها قواعد أصولية مذهبية معمول بها وإن كان في بعضها تفصيل، والمؤلف يراعيها ويسوغها عند دواعيها، وهي متكررة في الكتاب، وأمثلة ذلك: - "وقد يكون عندي معنى قوله: يعيد (المتيمم على موضع نجس) في الوقت، وتخفيفه الأمر مراعاة لخلاف من يقول: إن جفوف الأرض طهورها، وهو مذهب الحسن ومحمد بن الحنفية والكوفيين... ".
- "اختلفت أجوبة مالك رحمه الله وأصحابه في هذا الباب، واضطربت مسائلهم فيه بحسب الاختلاف في الأصل ومراعاة الخلاف، وكذلك اختلف كلام الشارحين ومقاصد المتأخرين".
5 - وهذه القواعد المذهبية الأصولية تسلمنا إلى قواعد أخرى أو ضوابط أدنى تتكرر في تحليلات المؤلف ويعتمدها ويبني عليها من قبيل: - مراعاة الضرورة.
- مراعاة المصلحة.
- مراعاة الضرر في المال.
- مراعاة القلة والكثرة.
- مراعاة القرب والبعد.
وفي الكتاب كثير من القواعد والضوابط الفقهية قد تكون من صياغة المؤلف أو من غيره، لكنه يستثمرها على كل حال.
6 - ومثل ذلك اهتمامه بالجموع والفروق استئناساً وأخذاً بها، أو رداً وانتقاداً للخطإ في استعمالها، وهو يحيل على المتخصصين في الجمع والفرق، مشيراً إلى أنه مسبوق في ذلك، وهنا يُذكر كتاب "النكت والفروق" لعبد الحق الصقلي خاصة.
وهذه إشارات في الكتاب: - "وقد تكلم الأشياخ عليهما في الفرق والجمع بما يكفي".
- "وفرقوا بينهما بفروق ضعيفة، وأولى ما يفرق بينهما على هذا عندي... ".
- "... وبينهما عندي فرق بديع سأذكره... ".
ثانياً: منهج تناول القضايا الفقهية:
أما تناول المؤلف للمسائل الفقهية ومنهجه في ذلك، فلا بد من التذكير ثانية أنه لا ينطلق من فراغ حتى يضطر إلى اختيار أسلوب خاص في الوضع والطرح والشرح من أجل بناء الفكرة والمسألة ثم الاستدلال لها من الأصول، ولكن بحكم استناده للمدونة وانطلاقه من مسائلها يكتفي بإيراد المسألة من أصلها، إن لم يقل: إنه يختصرها ويعيد بناءها، ضاغطاً وملخصاً أسلوب "المدونة"، ومن هنا يبدأ ليخلص لمعالجة المسائل، فيعرضها ويذكر ما فيها من آراء، ويستدل لذلك ويناقش ويرجح.
ومن أهم ملامح أسلوبه في هذا:
1 -
عرض المسألة:
أول ما يثير انتباه قارئ الكتاب ثراء مضمونه وتكدسه بالنصوص والأسماء، وهو ينبئ عن اطلاع واسع وحشر مادة غنية، والمؤلف أحياناً يستقصي ويورد آراء أربعة وخمسة وستة، هذا مع استحضار مواقع الفرع في
كتب "المدونة" والإحالة عليها، مما قد يدل أن المؤلف حفظ الكتاب، ويستحضر أيضاً مواقعها في الأمهات الأخرى، ويورد نصوصها لمزيد من التفصيل والتوضيح، وأجلى ما يبين هذا المثال الآتي:
- "ثم اختلف العلماء في الخيار إذا وقع اختلافاً كثيراً، والمتحصل من الأقوال في مذهبنا فيها ستة أقوال:
أشهرها مذهب الكتاب وأن اختيار المرأة ثلاث، ولا مناكرة للزوج، نوت المرأة الثلاث أم لا، وأن قضاءها بدون الثلاث لا حكم له.
ثم اختلف هل هو مسقط للخيار ولا قضاء لها بعد، أم لها القضاء ثانية؟ الثاني: أنها ثلاث بكل حال وإن نوت دونها أو لم تنو شيئاً، ولا تسأل عن شيء، ولا مناكرة للزوج.
وهو قول عبد الملك.
الثالث: أنه واحدة بائنة.
ذكره ابن خويز منداد عن مالك، وهو أحد مذهبي علي بن أبي طالب.
وتأوله اللخمي على حكاية ابن سحنون عن أكثر أصحابنا واختاره هو.
الرابع: أن للزوج المناكرة في الثلاث والطلقة بائنة، وهو قول ابن الجهم، وهو الظاهر عندي من معنى ما حكاه ابن سحنون عن أكثر أصحابنا لا ما تأوله اللخمي.
الخامس: له المناكرة والطلقة رجعية، وهو ظاهر قول سحنون.
وعليه تأوله اللخمي كالتمليك.
وهو قول عمر وعلي أولاً.
ومذهب أبي يوسف: أن الخيار رجعية.
السادس: أنها إن اختارت نفسها فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه فهي واحدة بائن.
وهو قول زيد بن ثابت.
وحكاه النقاش عن مالك.
والحسن والليث رأوا أن نفس الخيار طلاقاً.
والخلاف فيه قائم من "الموطأ"، وهو قوله بعد قول ابن شهاب: "إذا خير الرجل امرأته فاختارته، فليس ذلك بطلاق، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت".
ولم ير أبو حنيفة الخيار حكماً.
وللسلف في هذا خلاف زائد على ما ذكرناه".
ويهتم المؤلف أحياناً ببعض المسائل المعضلات في المذهب، فيقتحمها ليبين عن تمرسه وتفوقه بما يحققه مما لم يستطعه سابقوه، ولذلك عندما يشعر بهذا الإفضال يحمد الله عليه ويحدث به، فمن ذلك قولاه:
- "مسألة العتق على مال، اختلف لفظه في الكتاب في بعضها في كتاب "العتق" وفي كتاب المكاتب في الأسئلة والأجوبة، وذلك لاختلاف صور مسائلها، ونحن نفصلها على ما قاله شيوخنا ونذكر مواضع الخلاف منها والاتفاق على ما تقتضيه مذاهب شيوخنا بياناً يزيح الإشكال إن شاء الله... ".
- "مسألة القرعة، جاء في الكتاب فيها تلفيق موهم أوجب اختلاف شيوخنا في معناها، وهل ذلك قول أو قولان وما ذلك القول؟ وقد تكررت في الوصايا، وكثيراً ما تمر في المناظرات وكل عنها غافل... ".
2 -
معالجة الخلاف:
يجدر الذكر هنا أن المؤلف ليس معنياً بالخلاف المذهبي ولا بإيراد آراء المذاهب ومناقشتها، وذلك لأن مقصده الأول في الكتاب ليس كذلك.
ولا يعني هذا أنه ضرب صفحاً عن ذكر فقه بعض المذاهب وعلماء السلف، إلا أنه يعتني اعتناء بالخلاف داخل المذهب، وهذا من صميم مشكلات "المدونة" التي يثار بعضها لاختلاف الرواية عن الإمام وتلاميذه.
وبإمكان القارئ أن يلمس هذا من خلال القاموس الموظف في قضايا الخلاف، مثل:
- "والخلاف في هذه المسألة قوي عن العلماء وعن مالك وأصحابه".
- "تحصيل ما في الكتاب من الخلاف فيها... ".
- اختلفت الروايات - اختلف المتأولون والشارحون - ذهب إليه البغداديون - القرويون - المصريون - الأندلسيون...
هذا وأهم المسالك والإجراءات التي يتبعها المؤلف في معاناة مسائل الخلاف ما يلي:
أ- بيان سبب الخلاف
:
وهذا مدخل هام لفهم مقاصد ومنطلقات المختلفين، وتزداد أهميته في مثل كتاب "المدونة" وبقية الأمهات التي فيها غالباً كلام غفل عن الاستدلال.
والمؤلف لاطلاعه الواسع وتوسعه استنبط هذه الأسباب وبينها، وهي أسباب الاختلاف المعروفة مما يعود إلى الرواية وسياق الكلام، أو إلى طبيعة النص ودلالاته... ومن نماذج هذا في الكتاب:
الخلاف العائد إلى الرواية:
- "مسألة من صام رمضان عن رمضان آخر: يجزئه وعليه قضاء الرمضان الآخر، ضبطناه عن شيوخنا بفتح الخاء وكسرها، وفي كتاب "ابن عتاب": الفتح لابن وضاح.
وحكى أحمد بن خالد فيه الوجهين وقال: لم يوقف فيه ابن وضاح على شيء، وقال يحيى بن عمر: لم يوقف فيه سحنون على شيء، وقال ابن لبابة: رواه عنه قوم بالنصب، ورواه حماس عنه بالخفض وغيره.
واختلف على هذا الراوون والمختصرون والمتأولون.... " فها هي ذي حركة حرف واحد تسبب مشكلاً فقهياً لا يمكن حسمه في ظل الكتاب.
ومثل هذا حرف عطف في قوله: - "يجمع في الحضر إذا كان مطر وطين وظلمة، كذا روايتنا عن يحيى في هذا الموضع، وفي الرواية الأخرى: إذا كان مطر أو طين وظلمة... ". الخلاف في تفسير مقاصد الإمام ودلالات ألفاظه، وهذا في "المدونة" كثير، وأثره في الفروع المالكية كبير...
ب - دراسة الخلاف
: والمقصود بهذا أن المؤلف في تحليله يبين السبب ثم يعمل على السبر وتحديد الوجه الصائب في المسألة.
غير أنه أحياناً يسكت عن التوفيق أو الترجيح بين الآراء، وربما اختار من الخلاف ما يطمئن إليه دون تعليل اختياره، وهو سلوك يحكيه عن بعض الشيوخ معبراً بقوله: ترجح فيه فلان، أو: توقف، أو: اللفظ محتمل.
والأسلوب الثاني - بعد التوقف وعدم الترجيح -: هو التأويل والجمع والتوفيق بين الآراء والروايات المختلفة، وربما يرجع هذا لعموم ألفاظ الروايات وعدم تفصيلها، ولذلك عادة ما نجد المؤلف في أول تناوله للنص يستهل بقوله: ظاهر الكتاب، ظاهره الخلاف، ثم يتعقبه بالتدقيق في الدلالة، ويورد عليه ما في بقية الروايات...
والمؤلف بارع في هذا المقام، يبين عن عارضة قوية، يدل لذلك عده وفاقاً لما عده غيره خلافاً، وفي مثل ذلك يقول: "لكن يظهر لي وجه يوفق بين الروايتين إن شاء الله".
ويسلك أساليب عدة للتوفيق أخصها نابع من امتلاكه ناصية اللغة والبيان، كما في هذا المثال:
- "وقوله في كلام غير ابن القاسم: لأن الزوج هو الناكح والمُفْرِضُ" كذا الرواية عند شيوخي، وأخبرني أبو محمَّد بن عتاب عن أبيه أنه قال: لعله: المفوّض، يريد في التحكيم، إذ جعله إلى غيره.
وإنما أصلحه الشيخ لأنه لا يقال: مفرض، في التقدير، إنما يقال: فارض, لأنه من: فرض.
لا من: أفرض؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)﴾، ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
وقد رأيته في بعض النسخ: الفارض، وأراه إصلاحاً.
لكن للمُفرض - على ما وقعت عليه الرواية - عندي وجه صحيح، وذلك أن: أفرض بمعنى: أعطى معلوم في اللغة، فيُخَرَّج على هذا، أي: أن الزوج هو الذي يعطي الصداق، فتأمله.
أو يكون: المفرِض الذي يجعل الفرض لغيره ويفوضه له، فيكون بمعنى
المفوض كما قال الشيخ.
يقال: فرضت الشيء: أي قدرته أو أوجبته.
وأفرضته لفلان: جعلته فرضاً له".
والأسلوب الثالث الظاهر في الكتاب: هو الترجيح، وللمؤلف في ذلك طرق عدة كالترجيح بالنص الشرعي بمختلف دلالاته، والترجيح بموافقة أصول المذهب، والترجيح بمراعاة سياق "المدونة" وغيرها، والتمثيل لهذا أيضاً بنموذج في اللغة:
- "ومسألة سلم الجذع الكبير في الجذوع الصغار منها، عورضت المسألة بأنه يصنع من الكبير صغار.
وصوب فضل منع ابن حبيب لذلك.
وذهب غيره إلى أن معنى ذلك أن الكبير لا يصلح أن يجعل على ما يصلح فيه الصغار، أو أنه لا يرجع منه صغار إلا بفساد ولا يقصده الناس.
وما في الكتاب بين لا بعد فيه ولا اعتراض يصح عليه؛ وذلك أنه قال: جذع نخل كبير وجذوع نخل صغار، فظاهره الجذوع على خلقتها دون أن تدخلها صنعة، ولا يمكن أن يصير من الكبير في غلظه أجذاعاً صغاراً رقاقاً إلا بتغييرها عن خلقتها ونشرها ونجرها، وان فعل بها ذلك لم تكن جذوعاً، وإنما تسمى جوائز إلا على تجوُّز، فهذا معنى مسألة الكتاب عندي.
واختلاف الأغراض في الجذع الكبير والجذوع الصغار بيّن؛ لأن كل واحد يصرف حيث لا يصرف الآخر".
ويندرج في هذا تقييم المؤلف لاجتهادات السابقين وترجيحاتهم سلباً وإيجاباً، وأحكامه عليها منشورة في الكتاب تبينها التعابير والأحكام النقدية الآتية: - هذا أشبه بأصولهم - وهو حسن - إخراجه من هذا اللفظ بعيد - عكس النظر وضد الصواب - ينكسر ولا يطرد - لم يقل هذا شيئاً.
ومما يلفت النظر في الكتاب أيضاً بعض الإحالات التي يحيل بها المؤلف القارئ لمزيد من البحث والنظر، وكأنه لم يستتم الحسم في بعض المسائل، فهو يكرر عبارات من قبيل: تأمل، حقق هذا وانظره، أنعم النظر في ذلك جداً...
المطلب الثالث: قضية اللغة والمصطلح
هذه القضية الثالثة التي أخذ المؤلف على نفسه التصدي لها، ونص على ذلك في صدر الكتاب بقوله: "فإن أصحابنا من المتفقهة... رغبوا في الاعتناء بمجموع يشتمل على شرح كلمات مشكلة وألفاظ مغلظة... وفي ضبط حروف مشكلة على من لم يعتن بعلم العربية والغريب... ".
أولاً اللغة:
إن لغة "المدونة" في غالبها سهلة سلسلة، لكن في بعض نصوصها وألفاظها من الغريب والمهجور بحكم الأساليب المتجددة، وبحكم التطور الذاتي للغة وتجددها، وفيها أيضاً بعض المصطلحات والأعلام البشرية والجغرافية وغير ذلك مما لا يعرف في بيئة الغرب الإِسلامي.
غير أن سبباً آخر مهماً يقف وراء هذا الطلب وهذه الاستجابة، هو ضعف لغة الفقهاء، وهو أمر واخذهم عليه غير واحد في غير زمن.
وقبيل عصر القاضي عياض سجل ابن سهل عدة شهادات على بعضهم تؤكد هذه الدعوى، ومن ذلك عقد لأبي المطرف بن سلمة الطليطلي انتابته أخطاء في النحو والأسلوب والإملاء عقب عليه ابن سهل منتقداً: "نقلت هذا الجواب، وكان بخط يده على نص ما كتبه هو حرفاً بحرف، وكان فيه لحق اعتذر منه، وهو من أهل الفقه، إلا أنه غير بصير باللسان" 1.
وانتقد ابن سهل كذلك أسلوب أبي عمر بن القطان - الفقيه الكبير المفتي غريم أبي عبد الله بن عتاب - ووصف أسلوبه في فتوى بأنه ناقص منثور الألفاظ فاسد المساق، وفيه حشو قبيح النظام قليل الفائدة، لا يكاد يفهم إلا بفكرة شديدة وروية بعيدة... ثم ختم: "وهذا نظام يعزب تحصيله عن الأفهام، وما صدر عنه هذا الجواب إلا بعد أربعين يوماً" 2.
وأورد شورى لابن لبابة وعبيد الله بن يحيى ومحمد بن وليد وأيوب بن سليمان، ثم تعقبها بقوله: "أكثر كلامهم حشو لا يفيد علماً ولا يزيد فهماً، وما زاد أبو صالح أيوب بن سليمان - رحمه الله - منثور المعاني، وحشي المساق، ركيك الألفاظ، بعيد من البيان، أشبه شيء بالهذيان" 1.
وله رحمه الله انتقادات أخرى لأساليبهم وعقودهم غير المحكمة البناء.
وفي كتاب "التنبيهات" نماذج من أخطاء الفقهاء اللغوية مثل:
- "وقوله في مسألة الْمُنعَى لها زوجها، كذا يقول الفقهاء: المنعى بضم الميم وفتح العين، وهو عند أهل العربية خطأ، وصوابه عندهم: المَنْعيُّ بفتح الميم وكسر العين وتشديد الياء".
- "... والفقهاء يسمون المعترض: عنيناً".
- "إبردة... الفقهاء يقولونه بالفتح ويحسبونه جمعاً" 2.
ولأن المصطلح قضية لغوية أولاً، ولتداخل مجاله مع مجال اللغة، وللعلاقة الجدلية بين المعنى الدلالي الأصلي والمعنى الاصطلاحي الفرعي، وجد المؤلف نفسه مطالباً - بغرض استكمال تحقيق الهدف - بإضافة هذا الباب، وعبر عن هذه الحاجة بقوله: "وأضفت إلى الغرض المطلوب بيان معاني الألفاظ الفقهية الواقعة في هذه الكتب، وكيفية تجوزها عن موضوعها، وأصل اشتقاق أصولها وفروعها.
منهج المؤلف في معالجة لغة "المدونة": عالج المؤلف لغة "المدونة" على ترتيب أبوابها ومسائلها، كفعله في مسائل الرواية والدراية دون ترتيب معجمي أو موضوعي، وقد يؤخر مسائل اللغة والرواية حتى يعود عليها بالشرح بعد مسائل الفقه، وقد يقدمها.
لكن
الغالب أن يعالجها في مواقعها.
وهو يشرح الغريب من اللفظ ويضبطه، ولا يلتزم بشرح الأساليب والمضامين البلاغية، ويضبط الألفاظ والأعلام ضبطاً بالحروف لا بالحركات، ويعرض اللغات الواردة في الكلمة والخلاف فيها، عازياً ذلك إلى مصادره، مستدلاً على المعاني بالنصوص، موازناً ومرجحاً بين الآراء، وهذا في الغالب.
وعندما نجد أنه ضبط وشرح وحلل ما يناهز ستمائة لفظة - في السفر الأول فقط، تبيناً مقدار الجهد المبذول ومقدار الفائدة الإضافية للكتاب، ومقدار حاجة "المدونة" إلى توضيح لغتها، هذا مع التنبيه إلى أن المؤلف قد يضبط الكلمة دون أن يشرحها، وقد يضبطها بأكثر من وجه إذا احتملتها أو وردت بها الرواية، وقد يجمع بين الضبط والشرح، وهو الأغلب.
وهذه أهم سمات منهجه في الكتاب:
1 - يلفت الانتباه في أسلوبه الاهتمامُ بالمعاني الأصلية للألفاظ، والبحث في أصول الاشتقاقات.
ثم بعد ذلك يذكر المعاني الثانوية والمجازية، مع تعليل وتفسير المعاني الأصلية، ومن ذلك:
- "القشب بسكون الشين المعجمة، وهو الرجيع اليابس، وأصله الخلط بما يفسد، وقشب الشيء: إذا خالطه قذر".
2 - كما يسهب أحياناً في ذكر اللغات المتعددة في اللفظ الواحد كقوله: "الأضحية بضم الهمزة وتشديد الياء، وإضحية أيضاً بكسر الهمزة، وجمعها أضاحيّ بتشديد الياء.
ويقال: الضحية أيضاً بفتح الضاد المشددة، وجمعها ضحايا، ويقال: أضحاة أيضاً، وجمعها أضاح وأضحى".
3 - وفي تأصيل المعاني والاستدلال لها يلجأ إلى القاموس القراني والحديثي.
وقليلاً ما يذكر الشعر، ومن أمثلة ذلك: - "وقوله: اضربوا بأموال اليتامى، أي اتجروا بها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية".
- "وقد جاءت الكلمتان "الكسوف" و"الخسوف" فيهما معاً في صحيح الحديث... 4 - ويهتم المؤلف بخلاف أهل اللغة ويعالجه بحسب ما يبلغه اجتهاده، فقد يوفق بين الآراء، وقد يرجح ويستدل لذلك وينتقد، ومن أمثلته قوله:
- "ومَراقُّه، بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق من جلده كالمغابن والآباط وعُكُن البطن.
وقال ابن اللباد: المراق: مخرج الأذى.
وقال القتبي: هو ما بين الأليتين والدبر، وقال الهروي: هو ما سفل من بطنه ورفغه وما هنالك والمواضع التي رق جلدها، وهذا كله قريب بعضه من بعض، وأصله ما رق من الجلد، وفي الحديث: أنه عليه السلام "بدأ فغسل مراقه"، يعني في الاغتسال".
أما الترجيح فأحياناً يرجح بالعدد وغلبة رأي أكثر أهل اللغة، وهذا يعتمده كثيراً، وقد يرجح بموافقة اللغة للقرآن أو الحديث، وأحياناً بالرواية الثابتة في اللغة، رافضاً القياس والتجاسر على الإصلاح كما هو تصرف بعض شيوخ أهل الأندلس مثل: شيخه ابن سراح وأبي الوليد الكناني الوقشي، وقد انتقد عليهم ذلك 1... ومن أمثلة ترجيحه: - "وقوله: ولو شاؤوا أن يخرجوا إلى الجُد لفعلوا.
الجد: الساحل، بضم الجيم، وبه سميت: جُدة، وجد كل شيء جانبه.
وحكى فيه أبو عبد الله الأجدابي الكسر ولا أعرفه هنا، ورواه ابن المرابط وغيره: الجَد بالفتح.
وقال ابن لبابة: هو من الجدَد، يريد الأرض.
قال القاضي: والضم هو الوجه".
وعلى مثل هذا يعتمد أيضاً في الرد على اللغات الخاطئة وانتقاد القائلين بها كما في هذه الأمثلة:
- "ذكر بعض أهل اللغة أنه لا يقال في بنات آدم لبن، إنما يقال فيها: لبان، واللبن لسائر الحيوان غيرهن، وجاء في الحديث كثيراً خلاف قولهم".
ومن هذا أيضاً تمييزه للدخيل المعرب من الألفاظ، كقوله في القُرط - بضم القاف - هذا للعشب الذي تأكله الدواب، وأراه ليس بعربي.
وكذلك قال في البوقال.
وقال في البرابط - وهي عيدان الغناء -: هي فارسية... 5 - وفي الكتاب بعض القواعد اللغوية النظرية.
ثانياً: المصطلح:
أما المصطلح في الكتاب فيغلب عليه التعاريف الشرعية، ثم المصطلحات الصناعية وأخيراً ما يمكن اعتباره رموزاً لأعلام المذهب من الأشخاص أو المؤلفات.
وإن كان لم يعط للمفاهيم الشرعية مثلما أعطى للتعاريف اللغوية مثل قوله:
- "الوضوء في عرف الشرع والفقه: تطهير أعضاء مخصوصة بالماء لتنظف وتحسن ويُرفع حكم الحدث عنها لتستباح بها العبادة الممنوعة من قبل، أو تطهير ما فيه نجس لإزالة حكمه واستباحة العبادة به".
- "الصوم إمساك مخصوص عن أفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة".
بل إثارة هذه التعاريف لا يلفت النظر في الكتاب إلا في مناسبات معينة كما في مقدمات الكتب.
ومن كلامه النظري القليل في قضية المصطلح قوله أول الصلاة: "... ثم إن الشرع أضاف إلى ما فيها من الدعاء ما شاء الله من ركوع وسجود وأفعال وأقوال".
وقوله في أول الاعتكاف: "أصل هذه اللفظة اللزوم والإقامة...
وخص الشرع هذه الإقامة بصفات لا يصح أن يكون اعتكافاً شرعياً وإقامة عبادية إلا بها".
وهذا ينسجم مع موقف المؤلف من قضية المصطلح الشرعي، فهو يرى أنه ليس غريباً على الوسط الذي نزل فيه، وإنما دخله بعض التعديل، وهي قضية كلامية، قال المؤلف في "الإكمال":
"إن ألفاظ العبادات واردة في الشرع على ما عهده أهل اللغة، خلافاً لجماهير المتكلمين من الموافقين والمخالفين، إذ كانوا يصومون ويعرفون الصوم، ويحجون ويعرفون الحج، فخاطبهم الشرع بما علموه تحقيقاً، لا أنه أتاهم بألفاظ ابتدعها لهم كما قاله المخالف، أو بألفاظ لغوية لا يعلم منها المقصود إلا رمزاً كما أشار إليه المؤلف - يعني: المازري -" 1.
ومن إبداعات المؤلف في هذا الباب تخصيصه صفحات عديدة في مقدمة كتاب "الصلاة" لبحث وتحليل وتحديد مفاهيم المصطلحات الشرعية المتداولة في الصلاة والأذان، في بيان مصطلحات أركانها وأسمائها وأوقاتها والدعوات والأذكار الواردة فيها، مع البحث عن أهداف ومقاصد بعضها وحِكمها، حتى قال في شأن كلمات الأذان: "فقد انطوت - على اختصار كلماتها وقلتها - على ما يحتمل بسطه في عدة مجلدات، وانطوت على ذلك الإقامة أيضاً".
وهذه أهم المصطلحات الفقهية التي لها دور كبير في تطور المذهب وتجلية مناحي الاجتهاد فيه...
1 - المذهب: وردت هذه الكلمة كثيراً عند عياض في كتابه هذا، فهو يقول في كتاب "العرايا": ومذهب الكتاب التفريق بين العرية وبين الصدقة والهبة، مشيراً إلى الفرق بين نصوص "المدونة" في هذه الأبواب، إلا أن عياضاً نقل هذا الكلام عن شيخه ابن رشد في المقدمات، ونصه:
ومذهبه في "المدونة" الفرق بين العرية والهبة 1، ويقول في كتب أخرى: ومذهب ابن القاسم، ومذهب أشهب، ومذهب ربيعة، ومذهب "المدونة"، إلى غير ذلك من آراء العلماء وهو يشير بالمذهب إلى أقوالهم.
إلا أن المذهب يقصد به من الناحية الاصطلاحية: ما نهجه إمام من الأئمة فيما فيه اجتهاد 2، ويطلق عند الفقهاء المتأخرين من أئمة المذهب على ما به الفتوى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم 3. إلا أن الذي يظهر من خلال استعمال عياض لهذه الكلمة أنه لم يستعملها بمعناها الاصطلاحي الدقيق.
2 - المعتمد: هو القوي سواء كانت قوته لرجحانه أو لشهرته 4.
3 - الروايات: المقصود بالرواية أقوال مالك، على أن القول المروي عن الإمام، كما يسمى رواية يسمى نصاً وقولاً 5. وهذا النهج سار عليه ابن الحاجب في مختصره، قال ابن فرحون: إذا أطلق الروايات فهي أقوال مالك رحمه الله، وإذا أطلق الأقوال فالمراد قول أصحاب مالك وغيرهم من المتأخرين 6. بينما في "التقريب" 7: أنه إذا وقع في المذهب ذكر الرواية فهي عن مالك، لا عن غيره، وإن وقع ذكر القول فقد يكون عن مالك، وقد يكون عن غيره 8.
لكن المقصود بالرواية في كتابه "التنبيهات" روايات "المدونة" عن سحنون عن ابن القاسم، كما أخذها عن شيوخه.
قال عياض وهو يقارن بين هذه الروايات بعد أن ساق نصاً من "المدونة": وثبت هذا في كتاب ابن عيسى، وسقط في أكثر الروايات، ونبه عنده على سقوطها من بعض الروايات.
وما دام حديثنا عن الروايات والأقوال فلا بأس أن نشير إلى ما ذهب إليه ابن عبد السلام من عدم اعتبار آراء الشراح أقوالاً, لأنهم إنما يبحثون عن تصور اللفظ، قال وهو يتعقب كلام ابن الحاجب مؤاخذاً عليه اعتبار اختلاف شيوخ "المدونة" أقوالاً.
فقال: وذلك أن المؤلف وكثيراً من المتأخرين 1 يعدون اختلاف شيوخ "المدونة" أقوالاً في المسألة التي يختلفون فيها، والتحقيق خلافه, لأن الشراح إنما يبحثون عن تصور اللفظ.
والقول الذي ينبغي أن يعد خلافاً في المذهب، إنما مآله إلى التصديق.
ألا ترى أن شارح لفظ الإمام إنما يحتج على صحة مراده بقول ذلك الإمام، وبقرائن كلامه من عود الضمير وما أشبهه.
وغير الشارح من أصحاب الأقوال إنما يحتج لقوله بالكتاب والسنَّة، وبغير ذلك من أصول صاحب الشريعة، فلم يقع بين الفريقين توارد، فلا ينبغي أن تجمع أقوالهم في المسألة، وإنما ينبغي أن يعد الكلام الذي شرحوه قولاً واحداً، ثم الخلاف إنما هو في تصور معناه 2.
وأسلوب عياض في هذا الباب شبيه بما ذهب إليه ابن الحاجب، فهو يستعمل القول لما ذهب إليه مالك وابن القاسم وما ذهب إليه الشيوخ، إلا أن الكثير في كلامه أن يستعمل - بدل القول - قال، أو ذهب، أو مذهب، أو إلى هذا نحا، إلى غير ذلك من الألفاظ التي يريد من خلالها أن يوضح ما يأخذ به كل فقيه.
4 - الوجه: المقصود به عندهم الحكم المنقول في المسألة لبعض أصحاب الإمام أو من بعدهم، ممن بلغوا رتبة الاجتهاد في المذهب.
فإنهم يخرجون حكم المسألة على أصوله وقواعده، وربما كان مخالفاً لقواعده إذا عضده الدليل، فإذا قالوا: الاحتمال، كان في معنى الوجه، إلا أن الوجه مجزوم به في الفتوى، والاحتمال يبين أن ذلك صالح لكونه وجهاً 1.
5 - التخريج: يطلق التخريج على معان، منها: التخريج المتعلق بالأحكام الفقهية، والتخريج المتعلق بإلحاق ما نقص من النص.
فالأول: هو أن ينظر مجتهد المذهب في مسألة غير منصوص عليها، فيقيسها على مسألة منصوص عليها في المذهب مع مراعاة ضوابط التخريج 2.
والثاني: قال فيه عياض: أما تخريج الملحقات لما سقط من الأصول فأحسن وجوهها: ما استمر عليه العمل عندنا من كتابة خط بموضع النقص صاعداً إلى تحت السطر الذي فوقه، ثم ينعطف إلى جهة التخريج في الحاشية انعطافاً يشير إليه، ثم يبدأ في الحاشية باللحق مقابلاً للخط المنعطف بين السطرين، ويكون كتابهما صاعداً إلى أعلى الورقة حتى ينتهي اللحق في سطر هناك، أو سطرين، أو أكثر على مقداره، ويكتب آخره: صح 3.
6 - المشهور: اختلف المتأخرون في المقصود بالمشهور، فحكى ابن بشير، وابن خويز منداد قولين في المشهور، فقيل: المشهور ما قوي دليله 4، وقيل: ما أكثر قائله 5. إلا أن هذا الأخير يستدعي أن يزيد نقلته
عن ثلاثة، ويسميه الأصوليون: المستفيض أيضاً، وقد ناقش العلماء هذين القولين، فلم يسلما من المآخذ 1. وقال ابن خويز منداد: مسائل المذهب تدل على أن المشهور ما قوي دليله وأن مالكاً رحمه الله كان يراعي من الخلاف ما قوي دليله لا ما كثر قائله، فقد أجاز الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت، وأكثرهم على خلافه، وأجاز أكل الصيد إذا أكل منه الكلب، ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور 2.
ولم يتوقف الأمر عند هذين القولين، بل ذهب الفقهاء إلى الحديث عن مشهور آخر لم يبينوا معتمدهم فيه، فذهبوا إلى أن مذهب ابن القاسم 3 في "المدونة" هو المشهور 4 ما لم يعارض قول مالك 5. فهذا القول لا يمكن أن يصنف ضمن ما قوي دليله, لأن هذا حكم مسبق, لأنه حكم له بالشهرة قبل مناقشة الدليل.
ولا يمكن أن يصنف ضمن ما كثر قائله, لأن قائله واحد.
وما قاله صاحب نظرية الأخذ بما جرى في العمل من أن قول ابن القاسم يكون في حكم المشهور، وأنه وحده يعادل الكثرة المشترطة في المشهور 6، كلام يعوزه الدليل.
من خلال مناقشة هذا المصطلح يتبين أن تحديد معناه جاء متأخراً جداً عن استعماله، فقد استعمل بمعان مختلفة تسع كل هذه المعاني.
والذي يظهر من كلام عياض أنه لم يتقيد بمدلول واحد للمشهور، فهو يطلق المشهور ويقصد به ما كثر قائله، فهو يقول في كراء الرواحل: والمشهور
والأكثر أنه لا يجوز.
وقال في الخيار: على المشهور من قول ابن القاسم، وأصله، وروايته، ومنعه جمع السلعتين.
فقد يسير في هذا مع الذين يشهرون قول ابن القاسم في "المدونة" على غيره.
وقال في التجارة إلى أرض الحرب: هو على أكثر مذهبه ومشهوره من تقدم أخبار الآحاد.
وقال فيها أيضاً: لكن مشهور مذهبه ومعروفه ما ذكرنا من اتباع الأثر وتقديمه على القياس.
فهو يقرن هنا بين المشهور والمعروف، والمعروف هو ما كثر قائله.
وقد يستعمل المشهور أو الظاهر في تقوية قول على قول أو على أقوال، عندما يكون في المسألة قولان، أو أقوال.
7 - الظاهر والمشهور: يكون من القولين أو الأقوال، فإن قوي الخلاف قالوا: الأظهر، وإلا فالمشهور 1. وقد استعمل عياض كثيراً مصطلح الظاهر، فقال: وظاهر الكتاب كذا.
وظاهره، وظاهره الجواز، وظاهر المسألة، وقال في المحاباة: ظاهره أن المحاباة سواء كانت في ثمنه أو عينه.
8 - الأصح أو الصحيح: وإذا استعمل هذا التعبير فالمقصود به الأصح أو الصحيح من الوجهين أو الأوجه، فإن قوي الخلاف قالوا الأصح، وإلا فالصحيح.
وقد استعمل عياض هذا كثيراً في كتابه إلا أنه في بعض الأحيان يجمع بين هذه المصطلحات.
كما جاء في كتاب الأقضية: قال: وفي هذا الفصل يتصور الخلاف على ما في كتاب محمَّد.
وتأويل بعضهم على ظاهر "المدونة".
وإليه نحا اللخمي وغيره في المسألتين.
والوجه الآخر أظهر وأبين وأصح إن شاء الله.
9 - الأصل: استعمل عياض كثيراً هذه الكلمة، وهو يقصد معاني مختلفة، فقد يستعملها بمعنى الدليل كما ورد في التجارة إلى أرض الحرب، عند الحديث عن حديث ابن وهب: فهو بالخيار فيها ثلاثة أيام 2.
قال عياض: وجعلها المخالفون أصلاً في ضرب أجل الخيار.
وقد يستعملها بمعنى القول كما جاء في قوله: وهو على أصل ابن القاسم صحيح الجواب، وقد جاء هذا عندما تحدث في القراض عن نص "المدونة" في الذي قال لرجل: اجلس في هذا الحانوت وأعطيك مالاً تتجر به فما ربحت فلك نصفه فهذا لا خير فيه.
قال عياض: كذا في أصل ابن عتاب، وخارج كتابه فهذا أجير لابن وضاح، وكذا في أصل ابن سهل، وهو على أصل ابن القاسم صحيح الجواب.
وأصل ابن القاسم الذي يقصده عياض هو قوله في "المدونة": قال ابن القاسم: فإن وقع ذلك كان فيه أجيراً، يقام له أجر عمل مثله 1.
وقد يستعمل الأصل بمعنى النسخة، أو نسخة الشيخ، أو النسخة المعتمدة، كقوله: كذا في أصل ابن سهل، أو أصل ابن عتاب، أو غيره.
وتارة يستعمل هذا اللفظ وهو يقصد قاعدة من القواعد الخلافية في المذهب، كما جاء قوله في الخيار عند حديثه عن مسألة الجارية تلد في أيام الخيار 2 قال عياض: اعترضت من باب بيع المريض، واعتذر عنها فضل، وابن أبي زمنين، وغيرهما، بأن بائعها لم يعلم المشتري بحملها، ولا عرفه، وهذا معترض, لأن معرفة أحد المتبايعين بما يفسد البيع مفسد له على أحد القولين في هذا الأصل.
فالمقصود بالأصل هنا قاعدة الاختلاف في علم أحد المتبايعين بالفساد، وهذه القاعدة ذكرها المقري في قواعده وقد جاء فيها: علم أحد المتبايعين بالفساد دون الآخر، اختلفوا في تأثيره 3.
10 - المدنيون: المقصود بهم ابن كنانة وابن الماجشون ومطرف وابن نافع وابن مسلمة 4. وقد صرح عياض ببعضهم في كتاب "الشهادات" فقال:
فمذهب المدنيين: ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف،....
11 - العراقيون: أو البغداديون: يشار بهم إلى القاضي إسماعيل، وابن القصار وابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب والقاضي أبي الفرج، والشيخ أبي بكر الأبهري 1.
12 - القرويون: أبو عمران والقابسي وابن أبي زيد.
13 - محمَّد: المقصود به محمَّد بن المواز.
وقد نقل عنه عياض كثيراً، مرة يقول: وهو قول محمد، ومرة يقول: في كتاب "محمَّد" مشيراً إلى الموازية.
14 - الكتاب: المقصود به "المدونة"، ويطلق عليها كذلك الأم، قال عياض في مسألة البيع والسلف: وذهب شيوخ القرويين إلى أن قول سحنون وفاق للكتاب، وقال - وهو يتحدث عن شرح كلمة الحمال -: وقد جاء في الكتاب مفسراً، وهو يقصد فأين الضمان 2؟ وقال: وظاهر الكتاب في مسألة البيع والسلف إذا كان من المبتاع أن له الأكثر وإن زاد على عدد الثمن والتسليف 3.
من هذه الأمثلة يستفاد أن عياضاً إذا أطلق الكتاب فالمقصود به "المدونة"، وإن لم يكن هذا المصطلح خاصاً به، بل هو عام بين جميع المالكية.
المبحث الثاني: القواعد الفقهية في الكتاب
سلك عياض في كتابه هذا مسلكاً جيداً في تطبيق القواعد الفقهية، يتجلى في ربط القواعد بمصدر نشأتها ومكان استنباطها، فجاء عرضه هذا في سياق جيد ترتبط فيه القاعدة بتطبيقها، وتحيل على مصدر نشأتها، وإن كان اهتمامه قد انصب أكثر على نوع واحد من القواعد، هو القواعد الخلافية المسماة بأمهات الخلاف، فقد يفتح عمله هذا باب البحث في نشوء القواعد الفقهية في المذهب المالكي من الناحية التاريخية, لأن بذور صيغ هذه القواعد متناثرة في المصادر الأولى للمذهب، كما أنه يمكن أن يساعد على تحديد الأسباب الخاصة بالاختلاف في المذهب المالكي، وذلك باستخلاص الأصول التي اعتمد عليها ابن القاسم، أو التي اعتمد عليها أشهب، وهي ما يعبر عنه عياض بقوله: وهذا على أصل ابن القاسم، أو وهذا على أصل أشهب، وذلك كقوله في كتاب "الجوائح": هل الثلث راجع إلى عين الثمرة وإن كانت قيمتها أقل من ثلث الثمن - وهو مذهب ابن القاسم وروايته - أو إلى ثلث قيمتها - وإن كان المجاح أقل من ثلث الجميع.
وهو مذهب أشهب 1. أو قوله: وهذا مخالف لأصل ابن القاسم، أو مخالف لأصل أشهب.
إضافة إلى اختلاف المختصرين في تأويل نصوص "المدونة"، أو اختلافهم في اعتماد الرواية التي قد يعتمدها كل مختصر من المختصرين.
كل هذا يضاف إلى الاختلاف الأصلي في روايات "المدونة"، وهذا يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل لتتبع هذه المسائل.
ونظراً لأهمية موضوع القواعد، فإنني سأعرض لبعض النماذج منها، لكي أحيل القارئ على الرجوع إليها في النص للاستفادة من الشرح الذي يقدمه عياض بين يدي هذه القواعد أولاً، وللتمسك بالخيط الذي يبين المصدر الذي أخذت منه هذه القاعدة، وذلك من أجل تتبعه لمعرفة منطلقها الأصلي، ولا أعني بكلامي هذا أن عياضاً كان يتتبع هذه القواعد، ويقوم بشرحها، وهو يقصد ذلك في تأليفه، وإنما جاء عمله هذا عرضاً أثناء شرحه لبعض نصوص "المدونة"، كما أنني لم أتتبع كل هذه القواعد في الكتاب لطوله، وإنما اكتفيت ببعض ما ذكر منها في الجزء الثاني، ويبقى الموضوع لمن أراد أن يتجه إلى البحث فيه.
وإليكم هذه النماذج.
قاعدة في بيوع الآجال
:
قال عياض: والأصل في بيوع الآجال إذا دخلت فيها الإقالة، أو اشترى البائع بعض ما اشترى منه المبتاع، أو ما هو من صنفه: أن ينظر إلى البيعة الأولى، فإذا كانت إلى أجل فهي من بيوع الآجال، فينظر فيها إلى ذريعة فعلهما ومآل أمرهما، وما يجوز من ذلك لو قصداه ابتداء فيمضي، وما لا يجوز فيرد، كانوا ممن يتهم بالعينة أم لا، إلا ما بعدت فيه التهمة من ذلك وعدمت الذريعة، وكذلك فيمن لا تليق به التهمة.
هذا الكلام الذي شرح به عياض بيوع الآجال مع الكلام على أحكامه، وعقود الآجال التي جاءت بعد هذا الشرح، هو الذي يوضح الكلام المختصر والمركز الذي جاء به المقري من بعده في قواعده المجردة التي لم تقرن بأمثلة، ولا بإحالة على مصادر تعين على تفسير وتوضيح هذه القاعدة، فقد ورد له في بيوع الآجال في القاعدة (995): أصل مالك حماية الذرائع، واتهام الناس في بياعات الآجال والربا، فينظر إلى ما خرج عن اليد وعاد إليها، فإن كان مما لو ابتدأ المعاملة عليه جاز فعلهما، وإلا لم يصح.
فإذا صرف ديناراً بعشرين درهماً فتسلفها من صاحبه لم يجز، وكأنه
إنما أخذ ديناراً نقداً في عشرين درهماً مؤخرة، وأخذ الدراهم وردها لغو، وكذلك من باع سلعة بثمن مؤجل فلا يشتريها بأقل منه نقداً أو إلى أجل دونه.
وقال بعض المالكية: إنما هذا في غير من لا يتهم لفضله، وهذا يؤدي إلى اضطراب العلة بعدم انضباطها، وهو خلاف ما قصدت العلل لأجله (1).
هذه القاعدة جاءت لتجمع هذا الباب المتعدد الصور، والمختلف في أحكامه باختلاف صوره، وقد بني هذا الباب على مراعاة التهمة وعلى أصل من أصول المالكية وهو سد الذرائع، وهما أصلان يصعب انضباطهما.
ويمكن أن يدخل هذا الباب في الوجوه الخفية من الربا.
وهذا ما جعله صعباً في حصر صوره (2).
قاعدة أخرى في بيوع الآجال، وهي:
قاعدة: منع بياعات الآجال: هل هو محرم لنفسه أو للذريعة إلى سلف جر منفعة؟ حكى الباجي في ذلك قولين، وبنى عليها بعضهم الخلاف في فسخ البيعتين، أو الثانية فقط في قيام السلعة.
والصحيح أن ذلك لاتهامهما على القصد إلى ذلك من أول، إلا أنا إن جعلنا هذا الاتهام كالتحقيق فسخنا البيعتين، وإلا أزلنا موجبه ففسخنا الثانية فقط (3).
مبنى هذه القاعدة على الاختلاف في القصد، وهو ما أشار إليه عياض وقبله صاحب النوادر، كما أشار عياض إلى أن مثل هذا التأصيل هو لابن المواز وفضل بن سلمة وغيرهما.
قاعدة في البيوع الفاسدة
: قاعدة: اختلفوا في التمكين هل هو كالقبض أم لا؟ فإذا اشترى الثمرة شراء فاسداً ثم باعها بيعاً صحيحاً، فهل يكون عليه المثل أو القيمة؟ قولان123
على الخلاف فيما باعه المشتري وهو في يد البائع: هل يفوت بذلك أم لا؟ وإذا قلنا بالقيمة: فهل يوم الجذ أو يوم بدو الصلاح؟ قولان على القاعدة، فإن قلنا: كالقبض فيوم الصلاح، وإن قلنا: ليس بقبض فيوم الجذ.
وانظر هل يشترط مع التمكين التمكن أم لا 1.
هذه القاعدة أصلها هو الاختلاف في تأويل ما جاء في "المدونة" في البيع الذي يفيت البيع الفاسد 2 كما يقول عياض مبيناً أصل الاختلاف في هذه المسألة: هل من شرطه أن يكون بعد القبض، وإليه ذهب بعضهم، واحتج بقوله في كتاب العيوب في المسألة: "وعليه قيمتها يوم قبضها" 3. وجاز البيع إذا كان الأول قبضها، ومثله لمالك في كتاب محمَّد 4.
وقال آخرون: بيعها فوت على كل حال، قبض أم لا.
وفي كتاب محمَّد لمالك مثله أيضاً 5.
ويتأول هؤلاء قوله إن كان قبضها لإلزامه القيمة يوم القبض، وكأنه يقول: وإن لم يقبضها كانت عليه القيمة يوم البيع، بدليل قوله فيها: ولو تصدق بها قبل قبضها كانت عليه قيمتها يوم تصدق بها.
وهذا قول محمَّد في البيع، قال: قيمتها يوم باعها 6، وهذا الأصل مختلف فيه.
ومثله اختلافهم في العتق قبل القبض، ولا يختلفون أنه لو علم بالفساد ثم باعها قصداً لتفويتها أن بيعه غير ماض.
وكلام عياض هنا: وهذا الأصل مختلف فيه، يبين أن هذه القواعد الخلافية كانت معروفة بين الفقهاء منذ وقت مبكر، وهذا العهد الذي برزت فيه بالضبط يمكن أن يحدد إذا توفرت عند الباحث المصادر الأساسية:
كسماعات ابن القاسم وأشهب، إضافة إلى "المدونة" و"الموازية" و"الواضحة" وغيرها.
قاعدة في المرابحة
: قاعدة: علم أحد المتبايعين بالفساد دون الآخر اختلفوا في تأثيره، كما إذا قصد النقص في الصورة قبلها، أو تسلف أحد المتصارفين بخلاف علمهما معاً كتسلفهما لأنه يقتضي المنع، وليس التدليس من ذلك لحديث المصراة خلافاً لقوم (1). ما ورد في هذه القاعدة أشار إليه عياض في كتاب "المرابحة" وإلى أنه مخرج من كتاب "الصرف"، وقال: وإن قيل: إن البائع كان يعلم ذلك فالمشتري يجهله، وهذا أصل مختلف فيه، إذا كان الفساد من أحد المتعاقدين، هل يفسد العقد أم لا؟ وقد أشار إلى هذا الأصل المختلف فيه كذلك في بيع الخيار، في مسألة الجارية تلد في أيام الخيار.
قاعدة في بيع الخيار
: قاعدة: اختلف المالكية في البيع: أهو العقد فقط أم العقد والتقابض؟ وعليهما ضمان ما في المكيال والميزان بعد التقدير، وقبل مضي مقدار التمكين أهو من البائع أم من المشتري 2؟ هذه القاعدة بصيغتها تحدث عنها عياض في بيع الخيار عند حديثه عن اكتشاف العيب في السلعة في بيع الخيار، هل تعتبر قيمتها يوم العقد أو يوم القبض، وقد استعرض أقوال العلماء في ذلك عند شرحه لما ورد في "المدونة" في تقويم الجارية المبيعة بالخيار - وقد حدث بها عيب في أيام الخيار - وقال: وقد أشار ابن محرز إلى أن اختلافهم فيه على أصل1
اختلافهم في التضمين في الخيار، هل هو من البائع حتى يقبضه المشتري؟ فتقوم على هذا يوم القبض.
ومن قال: ضمانها من المشتري، قال: تقوم يوم البيع، وهو قول ابن كنانة (1) إذا كان الخيار للمشتري، وقال غيره: هذا على الخلاف، هل العقد بيع على الحقيقة ينقل الملك ويلزم الضمان بنفسه، أو حقيقته التقابض وإنما الكلام عقد يوجب البيع؟ وعلى هذا، هل التسليم والتوفية حق على البائع بما يتم بيعه أم لا؟
قاعدة في الوكالات
:
قاعدة: اختلف قول مالك في الوكيل هل ينعزل بالموت والعزل أو ببلوغهما إليه؟ على خلاف في النسخ: هل يتقرر حكمه بالنزول أو بالوصول 2.
اعتبر القاضي عياض هذه المسألة من أصول الفقه، وأصلها صلاة أهل قباء وتحويل وجوههم إلى القبلة لما بلغهم أنها حولت، وقد أوقعوا ما مضى من صلاتهم بعد نسخ القبلة 3. كما استعرض اختلاف العلماء في الموت والعزل.
وأشار إلى أن هذه القاعدة الخلافية تشتمل على عدة مسائل، وهي مبثوثة في كتب القواعد 4.
قاعدة: اختلف المالكية في القسمة: هل هي بيع أو تمييز حق 5؟
يرجع القاضي عياض منشأ هذه القاعدة إلى الاختلاف بين "المدونة" و"الأسدية" في مسألة الرجلين لهما ذكر حق بكتاب واحد، أو بغير كتاب1
من بيع باعاه بعين أو ما يكال أو يوزن غير الطعام والإدام، أو من شيء أقرضاه من الدنانير، والدراهم والطعام، إلى آخر المسألة (1).
قال عياض في تعليقه على هذه المسألة: قيل: إنما استثنى الطعام هنا من بيع, لأن إذنه له في الخروج لاقتضاء نصيبه مقاسمة، والمقاسمة فيه كبيعه قبل استيفائه.
قاله ابن أبي زمنين وغيره.
وفي قسمة "الأسدية" لمالك خلاف هذا، وهو أصل متنازع فيه، هل القسمة بيع أو تمييز حق، وقد أشار عياض إلى هذه القاعدة كذلك في كتاب "القسمة".
قاعدة في الجوائح
:
قاعدة: اختلفوا في المستثنى: أهو مشترى أو باق على الملك، فإذا باع شجراً واستثنى ثمرتها، فهل يمنع من بيع المستثنى قبل قبضه أو لا؟ قولان ولا ضمان ها هنا على المشتري 2.
اختلف الفقهاء فيمن استثنى من الثمرة كيلاً فأجيح، بما يعتبر هل يوضع من المستثنى بقدره أم لا؟ إلى قولين:
فروى ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم أنه يحط، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ بناء على أنه مشترى.
وروى ابن وهب: أنه لا يحط بناء على أنه مبقى.
فمنشأ الاختلاف في هذه القاعدة هو الاختلاف بين ابن القاسم وابن وهب في هذه المسألة، وأشار عياض إلى أن الخلاف في هذه القاعدة يرجع إلى ما قضى به عمر بن عبد العزيز لأم الحكم بنت عبد الملك بن مروان في ثمر حائط باعته واستثنت سبعة أوسق 3.1
قال عياض: قال بعضهم: وما قضى به عمر لأم الحكم بأن ما استثنته من حائطها المجاح لها، ولم يحكم بشمول الجائحة فيه، إنما يأتي على رواية ابن وهب عن مالك في ذلك، وعند ابن القاسم أنه ينتقص من الشيء بقدر ما يصيبها من الجائحة.
ثم قال: الخلاف في هذا مبني على الخلاف في المستثنى من المبيع هل هو مشترى من المشتري أو باق على أصل ملك البائع؟ فإذا قلنا: إنه مشترى عمته جائحة الحائط، وأخذت بحظها منه.
قاعدة في الشفعة
:
قال عياض: اختلف في الشفعة أهي على عدد الرؤوس أم على قدر الأنصباء؟ وقوله: "الشفعة على قدر الأنصباء، ليس على عدد الرجال" (1). هذا هو المعروف من المذهب (2). والمخالف (3) يقول: على عدد الرؤوس.
قال المقري: في القاعدة (1073): الشفعة عند مالك والشافعي مبنية على فائدة الملك، وعند أبي حنيفة على حكم الملك (4).
هذه القاعدة تبين أصل الاختلاف بين المالكية والحنفية في هذه القضية وما اعتمده كل فريق منهما، وإن كان عياض لم يشر إلى هذه القاعدة وإنما تحدث عن المضمون، وهذا النوع كثير في كتابه.
قاعدة: سلف جر نفعا
ً: هذه القاعدة تتخلل الكثير من جزئيات البيوع التي يتقى فيها الربا, لأن السلف وجه من أوجه المعروف، ولا يقصد به إلا وجه الله.1234
وقد قال الناظم: القرض والضمان رفق الجاه... يمنع أن ترى لغير الله وقد ذكر المقري هذه القاعدة فقال: شرع السلف للمعروف، ولذلك استثني من الربا ترجيحاً لمصلحة الإحسان بالمكايسة، على مصلحة اتقاء الربا، إذ من عادة الشرع تقديم أعظم المصلحتين على أدناهما، فإذا جر نفعاً بطلت مصلحة الإحسان بالمكايسة فبقيت مفسدة الربا سالمة عن المعارض فيما فيه الربا، وخالف الجميع مقصود الشرع في المشروعية، فبطل مطلقاً (1).
قاعدة: الغلة بالضمان
أشار القاضي عياض إلى هذه القاعدة في كتاب "العيوب" عند حديثه عن نص "المدونة" المتعلق بشراء الغنم وعلى ظهرها صوف يوجد بها عيب، فقال: وانظر قول أشهب: "في الصوف على ظهور الغنم المشتراة به يوجد بها عيب، النابت وغيره سواء، كل ذلك تبع ولغو، مع ما بيعت به من الضأن" 4 كذا رويناه، وهو بيِّن.
وفي بعض الروايات: من الضمان بزيادة ميم، أي: وهو من باب الغلة بالضمان.
وهذه القاعدة قال فيها المقري: الأصل أن الخراج بالضمان، فإذا قبض غلة ما له غلة لم تمتنع الإقالة، إلا أن يكون صوفاً نبت عنده ثم جزَّه، هذا مذهب "المدونة"، أما إن اشتراه نابتاً فيجوز إن رده، أو مضى2
بما ينوبه في الفوت، أو بمثله على القولين، فإذا صحت الإقالة لم يرد الغلة إلا بدليل كما في أحد القولين في "الغاصب" (1).
قاعدة: هل الرد بالعيب نقض بيع أو ابتداء بيع؟
أشار القاضي عياض إلى هذه القاعدة في كتاب "الاستبراء" ولخص أقوال العلماء فيها مبيناً منشأ الاختلاف، وناقشها مناقشة فقيه متبصر عالم بعلل الأحكام ومبانيها، فقال: قال مشايخنا: لا يختلف قول ابن القاسم وأشهب أن الرد بالعيب نقض بيع.
وقال وهو يتحدث عن الجارية تباع فيجد المشتري بها عيباً فيردها: ولكن من حجة ابن القاسم أن يقول البائع للمشتري: أخذتها سليمة الرحم 2 فردها كذلك، فإنك حزتها، ولا أدري ما أحدثت عندك.
وقد ذكر بعضهم اضطراب ابن القاسم في هذا الأصل، وأشار اللخمي أنه اختلاف من قوله، وقول ابن القاسم في رد السمسار الجعل في المردود بعيب 3، يدل أنه عنده نقض بيع، وكذلك قال في كتاب "الصرف" إذا وجد الدراهم زيوفاً 4.
وقد أشار بعضهم إلى أنهما يختلفان، هل الرد بالعيب نقض بيع، أو ابتداء بيع 5؟ من هذه المسألة وغيرها، وهو بعيد في التخريج والاستقراء، وغير صحيح في النظر، وكيف يقال: إنه ابتداء بيع، وهو مما يكون غلبة وحكماً، وهل يوجد بيع ينعقد بالإجبار؟ وأما الرد فيصح بالإجبار، إلا أن1