كتاب البيوع الفاسدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
الفساد في البيع يكون لعلل كثيرة، ولمسائله وصوره ألقاب (وأسماء) 2 معروفة، ويجمعها ستة أنواع: خمسة مما يفسده 3 في نفسه، والسادس مما 4 يفسد لما يلحقه من غيره.
فالأول: ما كان قماراً، وخطراً، ويشتمل على: بيع الغرر، والأجنة، والملاقيح 5، والمضامين 6 .............................
وحبل حبلة 1، وبيع الحصاة 2 والمنابذة، [والملامسة 3] 4 والمزابنة 5، والمخابرة 6، والبعير الشارد، والعبد الآبق، وما فيه خصومة،
والطير في الهواء، والحوت في الماء، وبيع ما ليس عندك، و [بيع] 1 الرطب باليابس، وبيع المريض المدنف، والحامل المقرب، وبيعتين في بيعة 2، وبيع العربان، والثنيا، والبيع على 3 قيمة السلعة، أو بما اشترى فلان، أو بما رضيه من الثمن، وبيع الثوب في جرابه، وتراب الصواغين 4، وغوصة الغائص، وبثمن 5 مجهول 6، وبيع الثمار قبل أن تزهي 7، والزرع قبل يبسه، وإلى أجل غير محدود، وبيع المعينات 8 تقبض إلى أجل بعيد، وأشباه هذا كله مما يكون الغرر بالجهالة بالمبيع، إما في نفسه، أو صفته، أو مقداره، أو عوضه، أو وقت قبضه، أو مآل حاله 9.
والثاني: الربا بالتفاضل فيما لا يجوز فيه التفاضل، وذلك في الطعام المقتات المدخر للعيش غالبا، أو الفضة أو الذهب 10 نقدا كان [ذلك] 11 أو إلى أجل، والتفاضل مع الأجل في الجنس الواحد في جميع الأشياء.
والثالث: الربا في النسيئة 12 والتأخير، كالعين كله/ [5]؛ وأجناس = الثمر، وزعم أن المزابنة بيع الرطب في النخل بالتمر كيلا، والمحاقلة في الزرع على نحو ذلك، ببيع الزرع القائم بالحب كيلا.
(صحيح مسلم: 3/ 1174).
المطعومات كلها، كانت من جنس واحد، أو مختلفة.
والرابع: ما لا يصح بيعه قبل استيفائه، وذلك يختص 1 بالطعام، فهذه أربعة أصول في البيوع الفاسدة لعقودها وأنفسها، وتقريرها (متقدم) 2 لعبد الملك بن الماجشون إلا ما بسطناه وبيناه منها.
ويلحق 3 بها نوع خامس لا بد منه، وهو ما منع بيعه: إما لحرمته، أو لخبثه وعدم منفعته.
فلحرمته 4، كالحر، وأم الولد، والمدبر، والمعتق إلى أجل، والمصحف 5 والمسلم من الكافر على أحد القولين.
ولخبثه وعدم منفعته شرعاً، كالنجاسات، والميتات، والخمر، والدم، والأصنام، (والصور) 6، والخنزير، والكلب، والقرد، وآلات الباطل، (والسم 7) 8.
أو عادة: كالديدان، والجعلان 9.
وما خرج عن هذه الوجوه فهو جائز، إلا أن تقترن به قرائن فساد خارجة عن نفسه، وعقده 10، وهو 11 النوع السادس، وهي أربع علل:
علة بوقت لا يجوز 1 فيه البيع، كوقت الأذان والصلاة يوم الجمعة.
وعلة في المتعاقدين، كالسفه، والصغر، والجنون، والرق، والسكر 2، إلا أن العقد (هنا) 3 موقوف 4 لإجازة (نظر) 5 من له النظر، وليس بفاسد 6 شرعاً.
وعلة شرط قارن 7 البيع، كالسلف وغيره من الشروط المؤثرة في العقد، أو النكاح، والقراض، ونحوهما 8.
وعلة تعلق حق لغير البائع بالمبيع، كبيع التفرقة، وبيع مال الغير بغير أمره، وبيع الحاضر للبادي، والبيع على بيع أخيه، وتلقي السلع، وكالمرهون، وقد يصح دخول هذا في باب الغرر، إذ علته منع قبض المعين ناجزاً، والغرر في ذلك وفي (الرهن) 9 هل يفك فيصح [البيع] 10، أو يعجز عن فكه فيبطل.
عقد آخر: أن ينظر (إلى) 11 أركان المعاوضات، وهي ثلاثة: عقد،
ومتعاقدان، ومعقود به، أو عليه، وهما بمعنى 1، إذ كل واحد منهما ثمن للآخر، وعوض عنه 2، وكلاهما معقود به، وعليه.
فإذا سلم العقد من وقوعه وقت النهي، وهو ما تقدم، أو من شرط لا يجوز معه مما ذكر، أو قرينة تفسده كما بين، وسلم المتعاقدان من علة الحجر، والتعدي على بيع ما لا يملكانه 3، وكانا جائزي الأمر 4، وسلم المعقود به وعليه من الجهالة بحقيقته 5، وأوصافه 6، أو مآله 7، أو وقت قبضه.
ومن كونه مما 8 لا يصلح بيعه، لحرمته، أو لخبثه، أو كونه 9 (مما) 10 لا ينتفع به، عادة، أو شرعاً، [على ما فسرناه، أو من تعذر تسلم 11، المشتري له حساً، كالشارد، والطائر في الهواء، أو شرعاً] 12 كالمرهون، أو شرطاً كالمعين يشترط قبضه إلى أجل بعيد يتغير فيه صح البيع وسلم من العلل.
عقد آخر: الفساد في البيع يرجع إلى ثلاثة أشياء: ربا، وغرر، وأكل مال بالباطل، هذه جملة يفسرها العقد الأول المذكور.
عقد آخر: على معنى كلام ابن عبدوس: وهو أن البياعات الفاسدة على وجهين: ما لا يغلب على فسخه، وما يغلب على فسخه.
فما لا يغلب على فسخه ما وقع بشرط، فإذا رضي مشترطه إسقاطه صح البيع.
وما يغلب على فسخه نوعان:
ما فساده لعقده، كبيع وقت الصلاة للجمعة 1، وبيع التفرقة، والمدبر، فهذا إذا فات مضى بالثمن.
وما فساده في ثمنه، فهذا إذا فات يمضي بالقيمة.
عقد آخر: كل عقد جمع من الجهتين 2 ما لا يجوز فيه التفاضل، ومعهما أو مع أحدهما ما يخالفه في القيمة من جنسه، أو من غير 3 جنسه، فلا يجوز، كمدبر (وثوب) 4 بمدبر، أو مد شعير وعبد، أو درهم وثوب بدرهم وعبد، أو بدرهم وثوب.
أصل في الشروط مع البيع وهي على أربعة أقسام:
قسم منها يقتضيه 5 العقد، ولو لم يذكر، فلا يضر ذكره، كشرطه أن يقبض المشتري سلعته مكانه، أو يدفع الثمن مكانه في الحاضر المقبوض، أو على أنه لا يبقى حق للبائع في المبيع 6.
الثاني: (اشتراط) 7 ما هو من مصالح 8 البيع، أو أبيح 9 فيه، كشرطه 10 الأجل فيما يجوز فيه، أو الرهن، أو الحميل 11، أو الإشهاد،
أو إلزام 1 ضمان الغائب، فهذا أيضاً جائز لازم إذا اشترط.
الثالث: خارج عن هذين القسمين، كاشتراط تحجير بعض منافع الملك والتصرف فيه، مثل أن لا يبيع ولا يهب ولا يسافر بالعبد، أو اتخاذ 2 الأمة أم ولد، أو تعتق إلى أجل، وبيع الثنيا 3، أو شرط عقد آخر يخالف 4 مقصد البيع، وجمعه معه كالقراض مع البيع، أو النكاح، أو السلف، أو الشركة، فهذه كلها شروط تبطل البيع.
واختلف إذا أسقط مشترط الشرط شرطه، هل يصح 5 البيع أم يفسخ على كل حال 6؟
الرابع: من الشروط: ما يخف 7 فيكره ابتداء، فإذا وقع سقط وصح البيع، كقوله: إن لم تأتني 8 بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بيني وبينك، (على مشهور المذهب) 9، وشرط البراءة من الجائحة.
عقد آخر: لابن خويز منداد 10 في الشروط هي على ثلاثة أقسام:
قسم: أباحه 1 الكتاب، فيثبت 2 الشرط والعقد 3.
(وقسم: منعه لحقه 4، فيبطل العقد والشرط) 5.
وقسم: منعه لحق الغير، فهو موقوف على إجازة صاحب الحق.
وقوله: في بائع 6 السلعة وقد اشتراها شراء فاسداً، فردت عليه بعيب، أو اشتراها 7 من مشتريها (منه) 8، ولم تتغير في بدن ولا سوق، وليس بيعها فوتاً إذا رجعت على أسواقها 9.
قال في كتاب الهبات: "إذا وهب 10 هبة للثواب فباعها الموهوب ثم اشتراها لزمته القيمة حين باع" 11. عارض بعض الأندلسيين قول ابن القاسم هنا، بما هناك، وأن ما في الهبات مثل ما لأشهب في البيوع الفاسدة 12.
وقال القرويون: المسألتان مفترقتان، وذلك أن مسألة الهبة بيعها له = البهري وغيره، له كتاب في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه.
ترجم له ابن مخلوف وابن فرحون، ولم يذكرا تاريخ وفاته.
(شجرة النور، ص: 103، الديباج ص: 268).
اختيار 1 لها، فلزمته القيمة، والبيع الفاسد يغلبان على فسخه 2، فهما منهيان أن يفعلا فيه ما يكون حيلة لإجازته، وفي هذا التفريق نظر.
وقال فضل: اعتبر 3 ابن القاسم أصله في كتاب الشفعة فيمن اشترى شِقصا بيعاً فاسداً فباعه أنه لا يأخذه بالصفقة الأولى، لأنها فاسدة 4، فإن نقضنا الثاني انتقض الأول، وأشهب أيضاً جرى على أصله هناك أنه يأخذ بأيتهما 5 شاء، الأولى بقيمة الشقص لفواته بالبيع، والثانية بالثمن، قال فضل: وهو أشبه بأصولهم.
وقوله: "ثم اشتريتها أو ردت علي 6 بعيب ولم تتغير بزيادة سوق ولا نقصان، ثم قال آخر الكلام: لك أن ترد" 7
ظاهره 8 [6] / أنها لو ردت عليه بعيب وقد تغير سوقها أنها تفوت، (ولا رد له) 9، ولكن؛ ليس هذا مراده، بل له أن يرد بالعيب الذي 10 ردت عليه به 11، ولا تفيته حوالة (الأسواق) 12 كما تقرر من مذهبه في
غير موضع من الكتاب، وإنما 1 معنى المسألة أنه قصد إلى الكلام فيما يفيت البيع الفاسد، ولم يتعرض للرد بالعيب هنا، وأيضاً فقد يكون هذا العيب قد دخل عليه المشتري، وكان العقد الأول 2 (بيعاً) 3 فاسداً، ثم دلس به في البيع الآخر، أو نسيه فلم يبق له حق في الرد به على البائع.
واختلفوا في 4 تأويل المدونة في البيع الذي يفيت البيع الفاسد، هل من شرطه 5 أن يكون بعد القبض، وإليه ذهب بعضهم، واحتج بقوله في [كتاب] 6 العيوب في المسألة: "وعليه قيمتها يوم قبضها" 7. وجاز البيع إذا كان الأول قبضها، ومثله لمالك في كتاب محمد 8 9.
وقال آخرون: بيعها فوت على كل حال، قبض أم لا.
وفي كتاب محمد لمالك مثله أيضاً 10.
ويتأول هؤلاء قوله إن كان قبضها لإلزامه 11 القيمة يوم 12 القبض، وكأنه يقول: وإن لم يقبضها كانت 13 عليه القيمة يوم البيع، بدليل قوله (فيها) 14: ولو تصدق بها قبل قبضها كانت عليه قيمتها يوم تصدق بها.
وهذا قول محمد في البيع 1، قال: قيمتها يوم باعها 2، وهذا الأصل مختلف 3 فيه 4، ومثله اختلافهم في العتق قبل القبض، ولا يختلفون أنه لو علم بالفساد ثم باعها قصدا لتفويتها أن بيعه غير ماض، وقد نبهنا عليه من كلامه في بيع السيف المحلى في كتاب الصرف.
وقوله: "فبم فرق مالك بين البيع الفاسد إذا حالت سوقه إلى قوله: وبين الذي اشترى بيعاً صحيحاً فأصاب به عيباً، إلى قوله: جاز له أن يرد ولا شيء على البائع في ذلك" 5. كذا عندنا، وفي سائر الأصول.
وقال أبو بكر المعيطي 6: صوابه المبتاع 7.
ومسألة "الذي اشترى ثمرة قبل أن يبدو صلاحها فجذها 8 قبل (بدو) 9 صلاحها، قال: البيع جائز إذا لم يكن في البيع شرط أنه يتركها حتى يبدو صلاحها" 10. ظاهره الجواز، إذا أطلق حتى يشترط البقاء، وعلى هذا حمل المسألة غير واحد من حذاق شيوخنا، واختصرها كثير منهم، وهو ظاهر لفظ 11 الكتاب هنا، وإليه مال الأبهري 12 وغيره.
والذي حكاه 13
البغداديون أن مذهبنا إذا أطلق ولم يشترط جذًّا ولا تبقية فهي على الرد 1 حتى يشترط الجذ، خلافاً لأبي حنيفة.
فمن المشايخ من حمل أن مسألة 2 الكتاب هذه معناها 3 اشتراط 4 الجذ.
وحكي هذا التأويل عن أبي محمد 5، وعليه اختصرها 6 هو وغيره.
واستدلوا 7 بقوله: "فجذها 8 " 9 قالوا: ولولا ذلك لكان 10 فاسداً، واحتجوا أيضاً بما وقع له في كتاب العرايا 11.
وقال بعض حذاق شيوخنا: نفس العقد إذا عري من الشرط يقتضي تسليم المبيع عقيب العقد، وإذا كان كذلك 12 فالعقد يقتضي الجذ، وإن لم يشترط، إلا أن تكون عادتهم التبقية فيفسد البيع بالعادة [كالشرط لها حتى يشترط الجداد إطلاق العقد يقتضيه بالعقد 13]. 14
وكان الفضل بن سلمة أشار [إلى] 15 (أن) 16 مسألة الكتاب تحتمل أن العرف الجذ، فلذلك جاز إذا أطلق العقد.
و"النشوز" 1 - بالزاي - النمو، والزيادة، وأصله الارتفاع، ومنه نشوز المرأة على زوجها، لارتفاعها عليه.
و"الخلفة" 2 - بكسر الخاء - ما يخلف من الزرع بعد جذه 3، وكل شيء خلف شيئاً فهو خلفة له، ومنه: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ 4 أي يخلف أحدهما الآخر.
وقوله: "إن اشتريت سلعة بعينها بحكمي أو بحكم فلان" 5. كذا في كتاب ابن عتاب بعينها.
وفي كتاب ابن المرابط بقيمتها أو بحكمي 6.
قال فضل: رواية يحيى بعينها بحكمي وروى غيره "بقيمتها أو بحكمي 7 " 8، والمسألة على الروايتين صحيحة الجواب لمجهلة الثمن 9، كانت معينة، أو غير معينة.
(وقوله) 10: "في شراء الآبق إذا ادعى معرفته وموضعه فلا بأس إذا تواضعا الثمن" 11. هذا يدل على توقيف الثمن فيها، إذا طلبه البائع،
وكذلك في المواضعة، وكذا في كتاب الغرر ليحيى بن سعيد 1 في شراء الغائب 2 ومثله 3 بعد هذا في باب البيع على الحميل 4 إذا كان الثمن سلعة 5، وكذا في كتاب ابن حبيب، ومحمد 6 في الغائب، وقاله سحنون، وهو أحد قولي مالك، وهو جل المذهب 7 واختيار عبد الحق وأبي عمران والصديني 8 وجماعتهم، ولم يفرقوا بين الغائب والمواضعة.
وفي المستخرجة: ليس عليه إيقافه، وإليه ذهب بعض مشايخ 9 الفاسيين، وقاسها على الرهن.
"وفصح النصارى" 10. - بكسر الفاء وإهمال الصاد والحاء - فطرهم من صومهم 11.
والحَصاد والحِصاد والجَذاذ، والجِذاذ 12. بالفتح والكسر فيهما.
"وجرون بئر زرنوق" 1. - بضم الجيم والراء - جمع جرين، وهو الأندر.
كذا جاءت الرواية فيه بزيادة واو، وصوابه 2 جرن، بغير واو.
وبئر زرنوق - بفتح الزاي - فسرها في الكتاب أنها بئر عليها زرع وحصاد 3.
يخرج من مسألة: "البيع إلى الحصاد" 4. جواز البيع على أن يقضيه في شهر كذا.
وقد اختلف فيه بالجواز، والأجل نصف الشهر، كما قال في مسألة الحصاد: معظمه 5. والعادة أنه 6 في وسط أوقاته.
وقيل: لا يجوز لأنه لم يوقت وقتا منه.
وأمر 7 النبي - صلى الله عليه وسلم - 8 عبد الله بن عمرو بن العاص أن يبتاع ظهراً إلى خروج المصدق ليجهز به جيشاً 9.
قال أبو عمران: إنما كان هذا لأنها أحد 10 الوجوه التي تفرق فيها الصدقات، ولا يقال في هذا: إنها قدمت قبل وقتها، لأنها لم تؤخذ 11 إلا في حينها.
قال القاضي: أبين [من] 1 هذا أن يقال: [إن] 2 مشتريها والمجهز 3 بها صارت ديناً عليه، فإذا جاء المصدق كان للإمام أن يدفع إلى هذا ما عليه من الدين، لأنه من الغارمين.
قال أبو عمران: ولا بأس أن يؤخذ 4 البعير بالبعيرين على وجه الحاجة لتجهيز 5 الجيش كما ذكر 6، أو لشدة 7 الحاجة، والفقر، وهو محمول على اختلاف المنافع.
قال القاضي: لعل هذه 8 الأبعرة المشتراة مختلفة المنافع مما يجوز تسليم بعضها في بعض، وفيما ذكره الشيخ من حاجة الفقر نظر 9، ولا يساعد عليه، ولو جاز هذا لجاز تسليم القليل في الكثير.
وقلَّ 10 ما [7] يفعله إلا ذو الحاجة؛ والضرورة، ولبطل 11 باب: سلف جر نفعاً من أصله.
ومسألة: "اعصر زيتونك (هذا) 12 فقد أخذت منك زيته كل رطل
بدرهم" 1.
وقوله: "إن كان الزيت يختلف إذا خرج من عصره فلا خير فيه، إلا أن يشترط إن خرج جيداً أخذته بكذا وكذا، أو يشترط 2 أنه بالخيار، ولا ينقد" 3.
قال بعض الأندلسيين: ينبغي أن يكون هذا بشرط 4 أنهما بالخيار معاً، وإلا لم يجز إذا كان يختلف، وذهب اللخمي أنه لا يلزم، وهو ظاهر ما اختصر عليه المختصرون، وأن هذا من الباب الذي حكاه سحنون في كتاب الغرر: "عن (جل) 5 أصحاب مالك في البيع على أنه بالخيار إذا رأى" 6. وهي المسألة 7 بعينها، وعلى ما ذكره البغداديون أنه غير جائز، وسنذكرها.
ومسألة بيعتين في بيعة، لا خلاف في منع مسألة الكتاب في بيع سلعة بالنقد بدينار، أو إلى أجل بدينارين، على إيجاب البيع على أحد الثمنين، وكذلك في كتاب ابن حبيب في بيعها بدينار نقداً أو بدراهم إلى أجل، فأما لو كان الكل نقداً، فقال (له) 8: خذه بدينار أو بدينارين، أيهما شئت، على إيجاب البيع، فهو جائز 9.
قال أبو عمران: والثمن الدينار لا شك فيه، والآخر كالهبة، بدليل (أنه) 10 لو استحق (أحد) 11 .....................................
الدينارين إذا كانا 1 معينين [لما] 2 انتقض البيع، ولا كان 3 على المشتري خلفه، وكذلك لو كان بدينار نقداً، أو مؤخراً لجاز، وكان النقد تفضلاً من المشتري، وتعجيلاً 4 لأن البائع قد رضي بأقل الثمنين، وبالتأخير، فما زاده المشتري أو عجل 5 له ففضل منه، لم يلزمه، ولو كان بدينار نقداً، أو شاة نقداً، فمالك لا يجيزه 6، إذ لا يدري ما وقع عليه البيع من أحد 7 الثمنين، وعبد العزيز 8، وأشهب 9، يجيزانه 10، ولو كان أحدهما (مؤخراً) 11 لم يختلف أنه لا يجوز، كالوجه الأول، لأنه من الدين بالدين، وفي الطعام بيعه قبل استيفائه، وفي العين التأخير والتفاضل، مع المخاطرة، والغرر، ومجهلة حقيقة الثمن في جميع ذلك.
وسيأتي بقية الكلام على ما تعلق بها، وتمام بابها في كتاب الخيار إن شاء الله (تعالى) 12.
ومسألة: بيع الزبل والرجيع 13، قول 14 أشهب في الكتاب 15: "المشتري أعذر من البائع" 16. إنما هو في الزبل 17 لأنه بينه بعد، قال:
"وأما (بيع) 1 الرجيع فلا خير فيه" 2 ووقع له في كتاب محمد، المشتري أعذر في الرجيع 3 أيضاً.
وكلام ابن القاسم في إجازة بيع الزبل، وأن قياس قول مالك أنه لا يجوز، لأنه كره بيع الرجيع لأنه نجس، فكذلك الزبل أيضاً، ومساق قول ابن القاسم حين سوى بينهما في النجاسة، ثم أباح بيع الزبل، يدل على جواز (بيع العذرة، إلا أن يقال: فرق بينهما للاختلاف في نجاسته.
وقوله: "خُثَاء البقر" 4 صوابه خِثْي للواحد وأخثاء للجمع 5.
وقوله: "في عظام الميتة لو طبخ بها جير أو طوب لم يكن به بأس" 6 ظاهره جواز) 7 الانتفاع بها خلاف ما في كتاب محمد من أنه لا يحمل الميتة إلى كلابه.
وقيل: لعل هذا تكلم فيما طبخ بها، لا في جواز ابتداء الفعل.
وقيل: بل لعله وجدها مجتمعة فأطلق فيها النار، ولم ينقلها، فكانت كجواز 8 سوق الكلاب إليها، وهذا بعيد في صورة طبخ الحجارة والجير 9 والطوب إلا بترتيب وعمل ومعاناة لما تطبخ به، مع أن الفرق بين إطلاق النار فيها لمنفعته 10، وتناوله ذلك 11 بنفسه 12، أو بأمره، وبين 13 سوق
كلابه 1 إلى موضع الميتة حتى رأوها وتناولوها بين.
وظاهر المسألة استعمال هذا الطوب والجير في كل شيء، وطهارته، إذ لم يخصه في شيء، ولأنه وإن باشر النجاسة أو داخلها 2 من رطوبتها شيء فقد أذهب النار عينها، وأثرها، وحكمها، كالدباغ في جلد الميتة، وكذلك ما طبخ به من فخار، بخلاف ما ينعكس فيه من الطعام دخانه، وبخاره، أو يلاقيه من رطب الشواء، والخبز، وكان 3 أبو جعفر الأبهري 4 حكى عن مالك في الفخار يطبخ بالنجاسة أنه 5 لا يجوز استعماله، وإن غسل، وهو قول القابسي 6 وغيره.
وقال أبو القاسم بن شبلون 7: لا تستعمل 8 إلا بعد غسلها، وتغلية الماء فيها حتى يذهب ما فيها، كما قيل في غسل قدور المجوس التي تطبخ فيها الميتة.
قال القاضي: وهو 9 الصواب عندي، بل هي أخف من قدور المجوس، لأن الدهنية التي داخلت قدور المجوس باقية فيها، فيحتاج إلى
إخراجها من خلال 1 أجزائها، ومعاناتها بتغلية الماء فيها المرة بعد المرة، حتى تخرج تلك الدهنية، وهي تطهر في الماء إذا غلي 2 فيها طافية عليه، وأما ما طبخ من الفخار بما 3 جاورها 4 من الدهنية ورطوبة النجاسة أو داخلها قد أكلتها النار، ولا تبقي 5 لها عيناً 6، ولا أثراً، حتى إنه لا يظهر منها شيء على الماء لو صب فيها أو أغلي، لكن غسله حسن 7 للملاقاة، والمماسة، وتطييب النفس، ومخافة أن تكون النار لم تبالغ طبخه، وأبقت بقية منه خلاله، وقد اختار بعض شيوخنا طهارة النجاسة إذا صارت جمراً 8 لذهاب الرطوبة التي فيها كذهابها بالدباغ من الجلد 9.
ورأى ابن وهب تغلية عظام الميتة بالماء، وإنه دباغها، وهذا كله فيما 10 أصله (نجس) 11 وعينه نجس، فكيف بهذا الذي قدر 12 انتقال رطوبة النجاسة إليه فإذا أذهبتها 13 النار وأفنتها فكأنها لم تكن.
وجاز استعمال هذه الأواني وإن 14 لم تغسل، وإنما يصح عندي القول بطهارة العظم بتغلية الماء على القول بطهارة العظام، أو مراعاة للاختلاف 15 فيها،
ثم يبقى تطهيرها مما جاورها 1 أو داخلها من رطوبة النجاسة ودهنها، وذلك يذهبه 2 تغليتها 3. وأما أبو عمران فقال في القلال، والآجر إن كانت طبخت وهي يابسة فهي على الكراهية، وإن طبخت رطبة فهي نجسة، فكأنه إنما التفت لمجرد الملاقاة، والمماسة، وأنها إن كانت رطبة تنجست بذلك كما يتنجس 4 ما شوي 5 على النار، لكن 6 هذه الأواني يقدر على تطهيرها بتغليتها بالماء واستخراج ما [8] فيها وداخلها بذلك، ولا يتهيأ ذلك في الخبز 7 والشواء، لكن تفريقه؛ على هذا بين 8 يبسها ورطبها بعيد، ولو ألقى عليها هذا كله وهي 9 جمر قد احترقت وفنيت 10 رطوبتها كان أخف لأمننا 11 أن تخرج 12 منه بعد رطوبة 13، والخلاف بعد في نجاسته (بمماسته) 14 وفي نجاسة ذلك الجمر والرماد المتصير منه قياساً على دباغ الجلد فيما حكاه بعض شيوخنا، ولم يختلفوا في أن ما ينعكس من دخانها في الطعام والماء قبل أن تصير جمراً أنه ينجسه، لأن في دخانها رطوبة ودهنية منها.
وخفف أبو عمران ما يقطر من عرق الحمام، وإن أوقد 1 تحته النجاسات، وكأنه رأى أن رطوبة النجاسة لا تصعد 2 في ذلك العرق للحائل بينها وبينه 3 من أرض الحمام، وخروج أدخنته عنه خارجاً، وإنما 4 ذلك العرَق من بخار الرطوبات والمياه المستعملة فيه، وهذا على أنها طاهرة، ولو كانت نجسة لكان البخار المتصعد منها وعرقها نجساً 5، كدخان النجاسة وبخارها، فإنها - لا شك - بعض أجزائها، وعلى ذلك ينبغي أن يحمل عرق 6 الحمامات التي تستعمل 7 في غسلها مياه الحياض النجسة، ولا يتحفظ داخلها من البول والنجاسات فيها، وكذلك حمل أبو عمران كراهة ما في الكتاب 8 من طبخ الطعام في القدور بها 9 أنه خفيف، ومعناه فيما لا ينعكس دخانها فيه، مما هو من القدور مغطى.
وقول "سحنون: وقد كان أجاز أن يجمع الرجلان سلعتيهما فيبيعانهما 10 جميعاً، وقال أشهب: ذلك جائز" 11. ظاهره أن هذا القول الآخر لابن القاسم، وأنه عطفه على قوله الأول، لأنه قد قال في القول الأول: "ولا أحفظ عن مالك فيها (شيئاً) 12 الساعة، ولا يعجبني البيع" 13
وقد تكرر 1 اختلاف قول ابن القاسم، وأشهب، في غير موضع من الكتاب (وغيره) 2، فأجازه ابن القاسم في التجارة لأرض الحرب، وكرهه في الجعل، (ونبه) 3 على اختلاف قوله (فيه) 4، وأجازه هناك أشهب.
وفي كتاب الشفعة إجازته، فجعله 5 بعضهم من قول مالك، وبعضهم من قول ابن القاسم، وفي كتاب الشفعة: يقسم الثمن على القيم 6.
وقيل: بل هو كالبيع الفاسد، يبلغ بكل سلعة قيمتها.
قال ابن لبابة: وأحسبهم يجيزون، لو سمي 7 لكل واحد ثمن سلعته لجاز على ما في كتاب النكاح، إذا سُمِّي لكل واحدة مهرها جاز، وكذلك لو كانتا شركة بينهما بالسواء (جاز) 8، ولا يجوز إن اختلفت 9 شركتهما فيهما، وفي كتاب الشفعة جوازه.
وقوله: "إن بعته بيعاً 10 أو أقرضته 11 قرضاً على أن يعطيني 12 فلاناً بعينه حميلاً" 13 فيه جواز أخذ 14 الحميل في القرض، وجواز
الخيار في القرض، وجواز خيار (غير) 1 المتعاقدين 2 في البيع، ومثله في القرض.
وقوله: "إن لم يرض فلان فلا بيع بينهما ولا قرض إلا أن يشاء البائع" 3 فيه دليل على البيع على خيار بعد خيار، لأن الخيار أولاً للحميل، ثم صار بعده للبائع 4.
وقوله: "وإن 5 شاء أبطل البيع وأخذ سلعته" 6. فيه دليل على جواز قبضها قبل رضى الحميل وهذا فيما يعرف بعينه.
وقوله: "بعته على أن يرهنني 7 عبداً له غائباً جاز" 8. ولم يشترط فيه من قرب الغيبة ما اشترط في الحميل.
قال بعضهم: يجوز في الرهن وإن كان بعيد الغيبة.
ألا ترى تشبيهه لها بالبيع، وأشهب يسوي 9 بينهما، ولا يجيزه إلا في قريب الغيبة.
وفي النوادر 10: إن كانت غيبة الرهن بعيدة لم يجز البيع، إلا أن يكون الرهن أرضاً، أو داراً، أو يقبض السلعة المشتراة لأن النقد فيها يجوز.
وقال حمديس 11: قياس الرهن على الحميل أولى، وقد طرح
سحنون اسمه على المسألة لينبه على الفرق بين الرهن وبين السلعة الغائبة.
وقوله: "ويكون حقه عليه إلى أجله إن كان له 1 أجل أو حالاً إن لم يكن سميَّا أجلاً" 2 نبه بعضهم من هذا على أن من باع سلعة بعينها ولم يذكر حالاً ولا مؤجلاً أنه على الحلول.
وقوله: في الحديث: "فليبعنا طعاماً إلى أن يأتينا شيء" 3، (كذا) 4 في كتاب ابن وضاح.
قيل: إن هذا البيع كان [إلى رجب] 5 وكذا جاء في رواية ابن أبي زمنين في بعض تواليفه، وهذا الحديث في البخاري، وفيه: إلى أجل 6 فحذف ذكر الأجل من حديث المدونة فجاء فيه إشكال.
وقوله: "اشتريت ثياباً فرقمتها" 7 أي رشمت عليها رشوم 8 الأثمان وليس مراده رقم الطرز 9 والأعلام.
ومسألة "إن لم تأتني بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بيني وبينك" 10.
أجازه في الكتاب إذا وقع مع كراهته له، وأبطل الشرط 1. قال في الرواحل: ويلزم البائع دفعها، والمشتري 2 أخذها، أتى بالثمن أم لا، ويجبر على النقد 3.
ظاهره الآن بغير تأخير، وفي هذا الكتاب: ويغرم الثمن (الذي) 4 اشتراه [به 5] 6 من غير تفصيل، وحمل أكثرهم 7 الكلامين في الكتابين على نقد الثمن عند الأجل، لا على تعجيله.
وقيل: يوقف المشتري فإن نقد مضى 8، وإن أبى رد.
وقيل: البيع مفسوخ.
قال ابن لبابة: لمالك (في ذلك) 9 ثلاثة أقوال 10، ذكرها 11 ابن القاسم عنه.
قال مرة: البيع مفسوخ.
ومرة تام.
ومرة يبطل الشرط ويتم البيع.
وفي الدمياطية 12: فرق بين قوله 13: إن جئتني بالثمن، وبين قوله: إن لم تجئني.
فإن قال: أبيعك على إن جئتني بالثمن (وإلا) 14
فلا بيع 1 بيني وبينك، فالثمن حال، كأنه رآه بيعاً ثابتاً، وإنما يريد فسخه بتأخير النقد، فيفسخ الشرط ويعجل 2 النقد.
وإذا قال: إن لم تأتني بالثمن إلى الأجل 3 فكأنه 4 لم ينعقد بينهما بيع إلا أن يأتيه 5 بالثمن، فلم يجبر على النقد إلا إلى الأجل 6.
قال 7 اللخمي في إن جئتني: هو شرط فاسد، وفي إن لم تجئني هو كبيع الخيار، يجوز 8 فيه من الأجل ما يجوز في الخيار، ومصيبته قبل القبض وبعده من البائع، وعلى مثل هذا حمل ابن لبابة المسألة.
وقال: هو بيع خيار يجوز فيه من الأجل ما يجوز في 9 الخيار، ويضرب لما 10 لم يسم 11 فيه أجلاً ما يضرب في الخيار.
فإن لم يأت بالنقد إلى الأمد 12 (وإلا) 13 فهو رد لخياره.
وقال مثله أبو الأسود القطان 14 القروي 15.
وقال ابن وهب 1 عن مالك: إن كان لينقده 2 إلى آخر اليوم 3 ونحوه فضمانها من المشتري، وإن كان إلى عشرة أيام ونحوها فمن البائع.
[9] وفي الكتاب: إن هلكت (في الأمد) 4 بيد البائع فهي من البائع 5 ومرة أطلق ذلك ولم يقل في الأمد.
قال الشيخ ابن لبابة 6: سبيلها قبل القبض في الهلاك سبيل البيع الفاسد من البائع، وبعد القبض من المبتاع على سبيل البيع الصحيح.
وقوله: في الكتاب: "إلى يوم أو يومين أو عشرة أيام" 7 كذا عندي، وكذا في أصول شيوخي.
[وهي] 8 رواية يحيى بن عمر، ذكرها عنه ابن لبابة، وسقطت لفظة عشرة أيام من رواية غير يحيى، وعند 9 بعضهم أو أيام يسيرة مكانها.
وفي كتاب محمد: إن لم يأت بالثمن إلى شهر فلا بيع بينهما.
قال: أما الدور والرباع فلا بأس به، وأما الحيوان فأكرهه، لأنه يحول، وشرطه
بذلك في العروض باطل، والبيع نافذ 1.
وسوى ابن القاسم العروض وغيرها، وأبطل الشرط، وكرهه مالك في الجميع 2.
قال ابن لبابة 3: وجدت لابن القاسم إذا كان إلى شهر أن سبيله سبيل البيع الفاسد، وكان أبو محمد اللوبي يتأول 4 مسألة الكتاب أن معناها أن البائع لم يمكن المشتري من القبض إلا بعد قبض الثمن.
وقوله: "إن بعت عبداً ابناً لي في مرضي ولم أحابه" 5 ظاهره أن المحاباة سواء كانت في ثمنه أو عينه، وأن يريد 6 تخصيصه به من بين ورثته للرغبة 7 فيه، وإن باعه بأكثر من قيمته، كما قال ابن القاسم 8 في سماع أبي زيد 9، إن كان من المرغوب في ملكه لم يجز، وقال سحنون في مثله: هذا من المحاباة.