كتاب الإيلاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أصل الإيلاء الامتناع، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ 1 الآية.
ثم استعملت فيما كان الامتناع منه 2 بيمين، فسموا اليمين أَلِية، فصار الإيلاء الحلف؛ يقال منه: آلى وتألى وائتلى 3، ومنه: "من تألى على الله يكذبه" 4، و"تألى ألا يفعل خيراً" 5. وقد قيل: هذا في قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ الآية أيضاً، وأنها في حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحاً 6. ثم خص هذا اللفظ في عرف الشرع في حلف الأزواج على الامتناع من
أزواجهن 1 فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)﴾ 2، فذكر تعالى الإيلاء ولم يذكر مماذا ولا بماذا.
فبحسب ذلك ما 3 اختلف العلماء فيه وفي صفته 4؛ هل هو عام في كل حلف عليها، قصدها بضرر 5 أو غيره؟ بأي يمين كانت وعلى أي وجه حلف من امتناع كلام أو جماع أو إنفاق 6؟.
وقيل: ذلك عام في الأيمان خاص في الجماع/ [ز 172].
وقيل 7: كل حلف على وطئها أجل فيه 8 أجلاً قريباً أو بعيداً أو أهمله.
وقيل 9: بل كل حلف على وطئها للأبد أو أهمل، فمتى أجل لم يكن إيلاء.
وقيل 10: بل هو خاص بالحلف على أربعة أشهر فما زاد.
وقيل 1: بل على أكثر من أربعة أشهر.
وقيل: بل هو خاص في الأيمان، فلا يكون إلآ إلا 2 لمن حلف بالله دون غيره من الأيمان.
ومذهب مالك أن ذلك عام في الأيمان خاص في المحلوف عليه بثلاثة أوصاف: في الجماع، وعلى وجه الضرر، وأن يضرب أجلاً أكثر من أربعة أشهر.
واختلف تأويل أصحابه إذا زاد على أربعة أشهر يسيراً:
فقيل: هو مولى 3 في اليسير كالكثير وفي اليوم ونحوه، قاله في كتاب محمد 4، وفي "المدنية" 5 قال مالك: إذا تم الأجل وقف ساعة ترفعه، وذلك أن الأجل قد انقضى وفرغ الله 6 منه.
وهو نحو ما تقدم، يعني بالأجل الأربعة الأشهر.
وقيل: لا يكون مولياً (في) 7 اليوم إلا في زيادة مؤثرة.
وقيل: لا يكون مولياً في زيادة مثل أجل التلوم له 8. ولا يطلق عليه إلا بعد الإيقاف؛ فإما فاء وإما طلق أو طلق عليه السلطان، وليس
مجرد تمام الأجل طلاقاً وهذا مشهور مذهبه ورواية كافة أصحابه.
قال فضل: أصحاب مالك/ [خ 258] مجمعون على ذلك إلا ما روى أشهب 1 أن مالكاً كان يرى أن الطلاق بمرور الأجل.
وحكاه ابن نافع 2 وعبد الملك 3 عن مالك أيضاً أن الطلاق يقع بتمام الأربعة الأشهر.
وهو قول جماعة من السلف 4. وحكى ابن خويزمنداد 5 عن مالك قولين 6 معاً.
وتأول بعض شيوخنا على هذا أن المولي أربعة أشهر مولياً 7. وهو تأويل لا يصح؛ إذ بتمام الأربعة أشهر سقط عنه الإيلاء، بخلاف إذا زاد عليها.
وقوله: "فاء"، أي رجع وهو ها هنا 8 رجوعه إلى حاله الأول معها قبل الحلف، والفيئة الرجوع.
ومصدر فاء: فيئاً وفيوءاً 9. وجاء في كتاب ابن عتاب في موضع: الإيفاءُ.
ولا وجه له.
وقوله 10 في الحالف ألا يطأ حتى يفعل كذا: "إن كان ذلك الشيء مما يقدر على فعله أو لا يقدر على فعله فهو مول 11 بذلك".
يحتمل أن يكون معنى: لا يقدر، أنه ممنوع من ذلك أبداً كالحالف حتى يمس السماء.
أو يكون لا يقدر عليه في الحال ويقدر في ثاني حال كالحالف ليحجن أو لأخرجن 1 إلى بلد كذا ولا يمكنه الخروج الآن، فهو مول 2 من الآن كما نص عليه في "العتبية" 3 وكتاب ابن سحنون.
ويمنع من وطئها من حين حلف.
وعليه تأول بعض شيوخنا 4 مذهبه في الكتاب 5، وهو بين من هذا اللفظ: "ويدخل عليه الإيلاء من يوم حلف.
قال غيره: إذا تبين ضرره بها".
ولابن القاسم في كتاب الظهار 6 مراعاة الضرر مثل ما هنا لغيره.
ووقع له في كتاب محمد أنه لا يمنع من الوطء حتى يمكنه ذلك ويأتي إبان الخروج.
وهو قول ابن نافع عنه في الكتاب.
وفيه متصل بقول غيره 7: "قال: إن لم يمكنه ما حلف عليه فلا يحال بينه وبين امرأته ولا يضرب له أجل الإيلاء، فإذا أمكنه فعله قيل له: أنت بسبيل الحنث ولا تقربها، فإن رفعت أمرها ضرب لها 8 السلطان أجل المولي".
وحمل يمينه هنا على المقصد، أي إذا أمكنني.
ثم وقع له بعد هذا آخر المسألة 9: "إذا أمكنه فترك الخروج إلى البلدة وترك الحج حتى جاء وقت إن خرج فيه لم يدرك الحج، فمن حينئذ يقال له: لا تصب امرأتك.
وإن رفعت أمرها ضرب له أجل الإيلاء، فإن فعل قبل الأجل ما هو بره ومخرجه من الحج والخروج بر
ولم 1 يكن عليه إيلاء، وإن جاء وقت الإيلاء ولم يفعل ما أمكنه طلق عليه ثلاثاً".
وظاهر الكلام أنه لغير ابن القاسم؛ إذ هو متصل/ [ز 173] بقوله.
وعليه اختصره بعضهم.
ونحا غيره 2 إلى أنه من قول ابن القاسم، وإنما داخله كلام غيره أثناء كلامه.
واختلف في تأويل قوله هذا:
فقيل: هو مثل قول ابن نافع وأن هذا حكمه لو رفعته قبل ضيق الوقت وقبل الفوات متى دخل الإبان وأمكن الخروج.
فيكون على هذا في المسألة قولان: المنع من حين حلف، والمنع من حين يمكن الفعل.
وقيل 3: بل هذا قول ثالث وأنه لا يمنع حتى يضيق الوقت ويخشى فوات الحج.
ومعنى قوله عند هذا: "حتى جاء وقت إن خرج لم يدرك الحج"، يعني على سير الناس المعتاد، وأنه يدركه إذا أجد 4 السير وشق على نفسه.
ويدل على هذا التأويل قوله بعد: "فإن فعل ما هو بره من الحج والخروج بر".
وقيل 5: بل معناه أنه لا يمنع من الوطء ولا يدخل عليه الإيلاء حتى يفوته ما حلف عليه من الحج بالجملة على ظاهر اللفظ.
فهو قول رابع، ويضرب له أجل/ [خ 259] الإيلاء حينئذ ويمنع من الوطء، فإن خرج أو أحرم في الأجل لم تطلق عليه حتى يجيء وقت الحج ويمكنه الخروج، وإن لم يفعل ذلك ولم يحرم 6 حتى تم الأجل طلق عليه 7.
ومسألة الحالف 1 بطلاق امرأته البتة لا يطأها وقوله: "ففعله وبره فيها لا يكون إلا حانثاً، فرأى مالك أنه مول".
ثم قال بعد 2: "يطلقها عليه السلطان ولا يمكنه من وطئها، وليس هو ممن يوقف على فيئته" 3. ثم قال بعد هذا بأوراق: "لا يطلق عليه حتى يحنث بالفعل وهو مولى" 4، وذكر عن الرواة 5: "لا يمكن من الفيء".
قال 6: "وروى أيضاً أن السلطان يحنثه ولا يضرب له أجل المولي".
كتبت 7 عن شيخنا أبي محمد بن عتاب عن أبيه أن مضمن كلامه في المسألة في هذا الكتاب اختلف على أربعة أقوال:
أحدها: أنه مولي 8 ولا يطلق [عليه] 9 إلا بعد انقضاء الأجل.
الثاني: أنها تطلق عليه إذا قامت وهو مول.
الثالث: تطلق عليه وإن لم تقم وليس بمول.
الرابع: تطلق عليه إذا قامت وليس بمول.
فالقول الأول بين كسائر الأيمان في الإيلاء، يريد: ويمكن من الفيئة بالوطء 10 على أحد القولين، فيقع عليه طلاق الثلاث، فإن لم يفعل طلق
عليه بالإيلاء أولاً 1 يمكن ويطلق 2 عليه بالإيلاء.
وكذلك الثالث بين في أنه حانث بمجرد يمينه طالق ساعة حلف، كما لو حلف على مس السماء وما لا يمكنه فعله جملة.
وهو قول مطرف 3 وابن كنانة، أي 4 تطلق عليه هنا بالبتة.
ألا ترى قوله في الكتاب: إن السلطان يحنثه بالبتة 5 التي حلف بها إذ لا يمكنه البر فيها على قول كثير منهم.
وقال بعض الشيوخ فيها: إن معناها أنه يطلق عليه لأن الطلاق لزمه ساعة حلف.
وكذلك الرابع في البيان إنه ليس بمولي 6 إذ لا يمكن من الفيء، وليس بحانث إذا 7 لم يفعل ما حلف عليه، ولكن تطلق عليه 8 للضرر ويحتمل بالثلاث.
ومعنى الثاني - وهو المشكل منها - أنها تطلق عليه بطلقة الإيلاء، وذلك إذا قامت وعجلناها عليه 9، وكذا نص عليه ابن القاسم عند
محمد 1، ولا يضرب له الأجل إذ لا يمكن من الفيء، وله الرجعة لعل زوجه ترضى بالمقام معه عند ابن القاسم وغيره.
فالفرق 2 بين هذه الأقوال إنما هو في ضرب الأجل وفي الرجعة وفي صفة الطلاق 3. والقول الأول هو حقيقة قول ابن القاسم، وكذا جاء في "الأسدية" 4. وقيل 5: إنما 6 خالفه في "المدونة" عنه من إصلاح سحنون.
وقوله في القائل 7: علي ذمة الله، "قال مالك: أراها يميناً".
وقال في النذور 8: "لم أسمع فيها من مالك شيئاً" 9. فيحتمل أنه هنا بلاغ، وأراد أنه لم يسمعه هو منه بنفسه، وقد يمكن/ [ز 174] هناك لم يذكر سماعه لها منه ثم ذكره حين سأله هنا.
وقوله 10: علي نذر 11 ألا أقربك: هو مولى 12. وقول يحيى: ليس بمولى 13 غير خلاف؛ لأنه التفت إلى أن النذر نفسه هو ألا يقربها، كأنه
قال: علي نذر الامتناع منك، وليس مما ينذر.
ومقصد ابن القاسم: علي نذر إن قربتك، وإلزامه نفسه النذر إن فعل ذلك.
وهذا مثل مسألة: علي نذر أن أشرب الخمر، وعلي نذر ألا أشرب الخمر - إذا أراد نذر شربها أو ترك شربها - فلا شيء 1 عليه، شربها أو لا.
ولو أراد/ [خ 260] بذلك إلزام نذر له إن شربها أو إلزامه إن لم يشربها لزمه كفارة إن 2 خالف ما حلف عليه.
وتقدمت 3 مسألة "أعزم" في النذور والكلامُ عليها.
وقوله 4 في القائل: "كل مال أستفيده من الفسطاط صدقة إن جامعتك، أيكون مولياً؟ قال: لا، هو 5 مثل ما فسرت لك في العتق"، يريد اختلاف قوله في دخول الإيلاء عليه لحينه أم حتى يستفيد مالاً.
وعلى لفظ الكتاب اختصرها ابن أبي زمنين.
واختصرها أبو محمد 6: وإن حلف بحرية ما يملك من ذي قبل أو صدقته ألا يطأ ليس بمول 7؛ لأنه لا يحنث في يمينه، فإن خص بلداً لم يكن الآن مولياً حتى يملك من ذلك البلد عبداً أو مالاً، فحينئذ يكون مولياً للزوم الحنث له بالوطء.
وهذا كله على مذهب ابن القاسم في إلزام هذا في الحالف بالمال 8، فأما على قول عبد الملك وأصبغ 9: إنه لا يلزم في المال شيء قبل الملك، خص أوعم، فلا إيلاء عليه، ملكه بعد أم لا.
وقوله 1 في القائل إن جامعتك فعلي صوم هذا الشهر: "إن جامع قبل أن ينسلخ الشهر أو قد بقي منه شيء فهذا الذي عليه قضاء الأيام التي جامع فيها".
في هذا اللفظ تلفيق 2، ولذلك طرحه أكثر المختصرين 3 والشارحين، وقالوا إن جامعها فيه صام بقيته.
ولم يسقه على لفظه غير ابن أبي زمنين.
والذي يظهر لي أن ذكر القضاء هنا صحيح؛ لأنه قال أولاً 4: إن جامعها بعد الشهر لم يكن عليه قضاء.
ثم قال 5: "وإنما يكون عليه قضاؤه لو جامع قبل أن ينسلخ الشهر"، فهذا الذي يكون عليه قضاء الأيام التي جامع فيها، يعني جامع في جميعها أو جامع ثم لم يصمه إما جهلاً أو نسياناً.
وهو مطابق لجوابه في القضاء أول السؤال.
وقوله: "قضاء الأيام التي جامع فيها" لا إشكال فيما بعد الأول 6، وأما أول يوم جامع فيه فلا يلزم على مذهبه قضاؤه، وإنما يلزم على مذهب أشهب في مسألة ناذر صوم يوم يقدم فلان فقدم نهاراً.
أو لعل مراده بقوله الأيام التي جامع فيها، يعني بقيتها.
وقوله 7 في القائل لامرأته: "والله لا أقربك، ثم قال لها بعد ذلك بشهر: علي حَجة 8 إن قربتك"، وذكر المسألة "ثم قال 9: ولو حنث نفسه
فالحنث يقع عليه لليمينين جميعاً، فكذلك إذا حلف بالطلاق إذا أبا 1 الفيء إن ذلك لليمينين جميعاً"، كذا لابن وضاح.
وعند غيره: إذا حنث بالطلاق.
وهو أصوب.
وقوله 2 في الذي حلف بطلاق امرأته ليجلدن غلامه فطلقت عليه بالإيلاء، ثم تزوجها بعد العدة، قال: "يرجع عليه الوقف".
قال بعضهم: يريد عاد مولياً ووُقِف.
فانظر ما معنى وقف؛ هل هو استئناف الوقف فقط أم استيناف الأجل كما قال في مسألة 3: عبدي ميمون حر إن وطئتك صار مولياً؟ وظاهره استئنافه.
ومسائل الذي طلق ثم راجع، أبين من ذلك في استئناف ضرب الأجل كما نص عليه في "الأم".
وقول ربيعة 4 في الذي حلف ليخرجن إلى إفريقية بطلاق امرأته: يكف عنها، إلى آخر كلامه.
وقوله: "وعسى ألا يزال مولياً حتى يأتي إفريقية ويفيء"، هذا مثل/ [ز 175] ما في كتاب محمد أنه لا يبر بنفس الخروج حتى يأتي البلد الذي حلف/ [خ 261] عليه.
وقال محمد: إن خرج من فوره لم يمنع من زوجته 5.
وقوله 1 في الذي "حلف بطلاق امرأة له ثلاثاً ألا يطأ امرأة له أخرى".
إنه إنما راعى انقطاع الملك وزوال اليمين في المحلوف بها لا في المحلوف عليها.
وهو الصحيح خلاف ما في كتاب الأيمان بالطلاق من تسويته بينهما، فانظره هناك.
وقول ابن شهاب 2: "إن حلف ليفعلن ولم يجعل ليمينه أجلاً ضرب له أجل"، بينه في كتاب الظهار، أي أجل الإيلاء.
ومسألة ما يكون به الفيء ويسقط الإيلاء، جاء في الكتاب فيها إشكال لمن لم يحقق الباب 3؛ فاعلم أن من كان مولياً بما يصح الحنث فيه قبل الأجل كالطلاق البات أو العتق لمعين 4 أو صدقة معين 5، ففعل ذلك قبل الفيئة سقط عنه الإيلاء، كان له عذر من مرض أو سجن أو لم يكن؛ لأن إيلاء هذا قد سقط عنه بحل يمينه ظاهراً وباطناً.
وهذا معنى قوله في الكتاب: أو بطلاق امرأة له أخرى.
قيل: يعني ثلاثاً 6. وقد وقع لعبد الملك 7 - ومثله في "المختصر" - أن الفيء فيمن 8 لا عذر له لا يكون إلا بفعل ما حلف عليه من الوطء، فأما إن كان بعتق غير معين أو نذر صدقة أو صوم غير معين أو طلاق غير بات - مما لا يصح التحنيث فيها قبل الفعل - فمعروف مذهب مالك وأصله 9 أنه لا يزيل إيلاءه تحنيثه نفسه
بذلك قبل الفعل؛ سواء كان له عذر أو لا 1؛ لأنه لو حلف بمثل ذلك ألا يدخل الدار أو لا يفعل فعلاً، ثم أراد تحنيث نفسه بعتق رقبة أو طلاق زوجة واحدة أو صوم شهر لحل 2 يمينه لم ينفعه، ولزمه ما حلف به متى ما دخل الدار؛ لأن أصل يمينه على بر، فكذلك 3 في الإيلاء.
وهو مذهبه في كتاب محمد وفي هذا الكتاب ومعنى قوله 4: "فإن لم تكن يمينه التي حلف بها لا 5 يجامع مما يكفرها فإن الفيئة له بالقول".
ووقع له في كتاب الظهار في العتق غير معين 6 أن ذلك يجزيه.
وقد نبهنا عليه هناك وتخريج الشيوخ القولين عن 7 "المدونة" من الكتابين وهما 8 نص في كتاب محمد 9 عن مالك.
قال أبو محمد 10: وقول محمد فيما حكاه عن مالك من أحد قوليه لا يجزئه ذلك إلا في رقبة معينة، يريد محمد في الأحكام وزوال الإيلاء، وأما فيما بينه وبين الله فيجزئه أن يكفر عنه قبل الحنث.
وضعف بعض شيوخنا 11 ما في كتاب الظهار وما وافقه وقال: بعيد 12. وما قاله صحيح لما قدمناه على أصولنا.
وإنما يستقيم ذلك على ما قاله الشيخ أبو محمد في
اليمين بالله، ولو كانت يمين المولي بالله لصح تكفيره وحله قبل الحنث على مذهب ابن القاسم وروايته؛ لأن حل اليمين هنا ظاهر، ويحتمل في الباطن أنها منعقدة وأن كفارتها 1 لغيرها؛ فلذلك لم ير أشهب حل اليمين بذلك 2، ورواه أيضاً عن مالك 3.
واختلفا 4 على هذا هل تصح فيئته هنا بالقول إذا كان له عذر من مرض أو سجن؟ فابن القاسم يرى ذلك فيئة 5. ومالك وابن أبي حازم 6 وابن دينار وأشهب لا يرون ذلك؛ لأنه مما يقدر على حلها من الأيمان كالمعين.
وعلى هذا النحو يأتي الخلاف على من رآه 7 يصح في تعجيل الحنث في غير المعين.
ومن التزم فيه الأصول قال: الخلاف فيه بعيد؛ إذ لا تنحل 8 اليمين بغير المعين قبل الحنث فيها لا ظاهراً ولا/ [خ 262] باطناً.
وهو معنى قول ابن أبي حازم وابن دينار في المريض إذا فاء بلسانه.
وقد ذكر العتق المعين ثم قال 9: "ولو كانت يمينه بغير العتق مما لا يستطيع أن يحنث فيه إلا بالفعل قبلنا ذلك منه وجعلناه له فيئة".
وقوله 10: "إلا أن تكون/ [ز 176] يمينه في شيء بعينه فيسقطه فتقع
اليمين فلا يكون عليه إيلاء".
معنى "تقع": تسقط وتنحل.
ثم قال 1: "مثل أن تكون يمينه بعتق رقبة معينة أو بطلاق امرأة أخرى": معناها طلاقاً باتاً أو آخر طلقة.
ويدل على صحة هذا قوله قبل بعتق رقبة معينة؛ لأنها ما لم تبن منه بالبتات 2 زوجه 3 له لم يقع عليه الحنث لما قدمناه، إلا على ما قاله 4 في كتاب الظهار كما بيناه.
وجاء بعد هذه المسألة بأثر قوله: "امرأة أخرى"، زيادة في كتاب ابن عتاب: وقد أخبرنا به ابن نافع عن مالك 5.
وقوله في إيلاء المريض: "له حكم المولي".
قال سحنون 6: "كيف يكون مولياً وهو لم يحلف على ضرر، وإنما أراد إصلاح نفسه كالحالف عليها حتى تفطم ولدها".
وقد أشار بعض الشيوخ إلى هذا؛ قال: وكذلك لو كان صحيحاً ضعيف البنية وكان حلفه على صلاح نفسه لم يكن مولياً، بخلاف لو كان حسن البنية.
وقول ابن المسيب 7 في مسألة عمر وبضعة عشر من الأنصار.
ومن سمى من التابعين في أن مضي الأربعة الأشهر للمولي ليس بطلاق.
له في "الموطأ" 8 خلافه؛ ذكر فيه عن سعيد بن المسيب وأبي
بكر بن عبد الرحمن 1 أنها بمضي الأربعة الأشهر تطليقة.
وأن مروان بن الحكم 2 كان يقضي بذلك.
وعلى ذلك كان رأي ابن شهاب 3.