كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
قال أبو منصور الأزهري 2: قضى في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء، وتمامه.
والقضاء 3: الفصل في الحكم.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ 4 (أي: فصل الحكم بينهم) 5. يقال: قضى الحاكم، إذا فصل في الحكم.
وقضى دينه 6، أي: قطع ما لغريمه عليه بالأداء.
وكل ما أحكم عمله، فقد قضى.
يقال: قضيت هذه الدار، أي: أحكمت عملها.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ 7 أي: أحكمه.
وشروط القضاء التي لا يتم للقاضي قضاؤه إلا بها، ولا ينعقد، ولا يستديم عقده إلا معها عشرة: الإسلام، والعقل، والذكورية، والحرية، والبلوغ، والعدالة، والعلم، وسلامة حاسة السمع، والبصر، من العمى والصمم، وسلامة حاسة البيان، - وهو اللسان - من البكم، وكونه واحداً لا أكثر 1.
وشرط 2 العلم هنا، إذا وجد لازم كما قلناه، فلا يحل تقديم من ليس بعالم، ولا ينعقد له تقديم مع وجود العالم المستحق للقضاء.
لكن رخص فيمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم 3، إذا لم يوجد 4 من بلغها 5. ومع كل حال، فلا بد أن يكون له علم، ونباهة، وفهم، فيما 6 يتولاه.
وإلا لم يصح له أمر 7.
وأما اشتراط السمع والبصر، فقد حكى فيه الإجماع من العلماء مالك، وغيره.
وهو المعروف عنه.
إلا ما حكاه الماوردي 8 عن مالك، أنه يجوز قضاء الأعمى 9. وهو غير معروف.
ولا يصح عن مالك.
وإذ لا يتأتى قضاء، ولا ضبط، ولا ميز محق من مبطل، ولا تعيين طالب من
مطلوب 1، ولا شاهد من مشهود عليه من الأعمى 2.
وكذلك اشتراط السمع والكلام، لم يختلف فيه العلماء ابتداء.
ونص عليه شيوخنا.
إذ يتعذر عليهما الفهم، والإفهام غالباً.
وليس كل شاهد يكتب اسمه.
وفي التعويل على كتابة غيره فيما يقوله الشهود والخصوم حرج.
واعتماد في جل قضائه على غيره 3.
ثم اختلف العلماء إذا طرأت هاتان الآفتان بعد العقد، هل يبطل بهما 4 العقد، ويعزله عن القضاء أم لا؟ لتوصله في أغراض القضاء بالقراءة، والكتابة.
وأما اجتماع هاتين الآفتين فبعيد تأتي القضاء معهما.
وقل ما يوجد أبكم إلا أصم 5.
وأما كونه واحداً 6، فلا يصح تقديم الاثنين 7 على أن يقضيا [معاً] 8 في قضية واحدة، لاختلاف الأغراض، وتعذر الاتفاق، وبطلان الأحكام لذلك 9.
ثم بعض هذه الشروط إذا عدمت فيمن قلد القضاء لجهل، أو غرض فاسد، ثم نفذ منه حكم، فإنه لا يصح، ويرد.
(وهي) 10: الشروط الخمسة الأولى: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورية، والحرية.
والخمسة الأخرى، ينفذ من أحكام من عدمت فيه ما وافق الحق، إلا الجاهل الذي يحكم برأيه.
وأما الفاسق ففيه خلاف بين أصحابنا، هل يرد ما حكم فيه، وإن وافق الحق؟ وهو الصحيح.
أم يمضي، إذا/ [80] وافق الحق ووجه الحكم؟.
وشروط الكمال 1 عشرة أيضاً: خمسة أوصاف ينتفي عنها، وخمسة لا ينفك عنها 2: أن يكون غير محدود، وغير مطعون عليه (في نسبه) 3 بولادة اللعان والزنا، وغير فقير، وغير أمي، وغير مستضعف.
وأن يكون فطناً، نزيهاً، مهيباً، حليماً، مستشيراً لأهل العلم والرأي 4 [في القضاء] 5.
وقوله في الكتاب: "وجه الحكم في القضاء إذا أدلى الخصمان بحجتهما وفهم القاضي عنهما، فأراد أن يحكم بينهما، أن يقول 6 (لهما) 7: أبقيت لكما حجة؟ " 8.
قال أبو القاسم بن محرز: جعل فهمه هنا مقام ما يسمعه 9 منهما.
قال القاضي: ليس مراده هذا.
وإنما فهم عنهما ما سمعه، وحققه تحقيقاً يرفع عنه الريب والاحتمال 10 من مقاصدهما.
لا أنه فهم من معرض كلامهما، ولحن خطابهما، فليس هذا مما تقام به الأحكام.
وقد قال
أشهب 1، وسحنون 2، وغيرهما: لا يقضي القاضي (حتى لا يشك) 3 أن قد فهم.
فأما أن يظن أن قد فهم، وهو يخاف ألا يكون [قد] 4 فهم، لما يجد من الكسل 5، والحيرة، فلا ينبغي له أن يقضي بينهما 6 7. فهذا هو الفهم الذي أراد في الكتاب.
لا غيره.
وقوله: "أبقيت لكما حجة؟ " 8.
قيل 9: إنما صوابه أن يقوله 10: للمحكوم عليه، وعلى هذا اختصر المسألة أبو محمد، ومن اتبعه.
أن يقول للمطلوب: أبقيت لك حجة؟ فهو الذي يعذر إليه.
وأما المحكوم له، فإنه الذي يطلب الحكم، ولا إعذار له.
وقيل: يحتمل صواب ما قال، لأن المطلوب إذا ذكر حجته سئل الطالب عن جوابها، كأنه قال: بقي لكما كلام أسمعه منكما، وأنظر فيه، أو حجة تتدافعانها.
قال القاضي: وأوجه ما في هذا عندي أنهما اثنان.
طالب، ومطلوب، ومرة يتوجه 11 الحكم على المطلوب، ومرة على الطالب، بتعجيزه للمطلوب، ودفعه عنه.
فقوله: أبقيت لكما حجة؟، لمَّا كان له أن يقول ذلك لكل واحد منهما على الانفراد، إذا توجه عليه الحكم، اختصر الكلام، ولفه في لفظ
واحد، كأنه قال: يقول لكل واحد منهما 1، ممن يتوجه عليه عنده الحكم، أو تعجيزه 2، ودفعه عن صاحبه من طالب أو مطلوب: أبقيت لك حجة 3؟
وقد يكون أيضاً على وجهه.
فقد تبقى للطالب، وإن كان المحكوم له حجة تدفع 4 عنه يميناً وجبت عليه لاستيفاء الحكم له وشبه هذا.
وقوله: "مثل أن يأتي بشاهد عند من لا يرى الشاهد واليمين فوجَّه القاضي عليه الحكم، ثم قدر على شاهد آخر بعد ذلك، أنه يقضي لهذا 5 الآخر" 6.
قيل: ظاهر الكتاب أنه يقضي له القاضي الأول، وغيره.
وفي كتاب محمد: إنما هذا للقاضي نفسه.
ولا يسمع منه غيره، ولسحنون خلاف هذا كله، لا يسمع منه هو، ولا غيره.
قال بعضهم: فقوله: "فوجَّه الحكم عليه" 7. استدل منه أن مذهبه تعجيز المدعي.
والقضاء (به) 8 عليه 9. وهي مسألة خلاف.
قال القاضي: لا دليل فيه.
ولعل مراده: فوجه الحكم على المطلوب باليمين على إنكاره الدعوى.
وفي قوله هذا أن تركه الحكم بشهادة الشاهد لا يضره إذا أصاب شاهداً آخر، ولا يختلف في هذا كما اختلف إذا أبى من الحلف مع
شاهده، ورد اليمين على المدعي، ثم قام 1 له شاهد آخر، لأن هذا قد تركه، والأول لم يتركه.
وقوله في مسألة "إذا مر فسمع رجلاً يقذف رجلاً 2 أو يطلق امرأته ولم يشهداه إنه يشهد 3 4. ثم قال: "وأما قوله الأول 5 وفي الشهادات 6 وأما (في) 7 قول مالك الأول 8 فإني 9 سمعت مالكاً، وسئل عن الرجل يمر بالرجلين وهما يتكلمان [في الشيء] 10 ولم يشهداه فدعاه أحدهما إلى الشهادة، أيشهد؟ قال: لا 11. زاد في الشهادات 12: قال ابن القاسم: إلا أن يكون قد استوعب كلامهما، لأنه إن لم يستوعب لم يجز له أن يشهد، لأن الذي سمع لعله قد كان قبله كلام يبطله" 13. أو بعده 14.
ظاهره 1 الخلاف.
وعليه حمله بعضهم.
وهو دليل قول أشهب في كتاب محمد.
وظاهر ما هنا 2. لأنه قال: لا يشهد، إلا أن يكون قذفاً، فليشهد، إن سمعه معه غيره.
قال أشهب: هذه رواية فيها وهم.
وليشهد 3 بما سمع من إقرار، أو غصب، أو حد، وإن لم يعلم من هي له أعلمه 4.
والأكثرون أن كلام ابن القاسم تفسير، وليس مراده عندهم بقوله الأول قولاً ثانياً [له] 5. و (لا) 6 اختلافاً من قوله.
وإنما هو لتقديم الكلام في المسألة.
وسماعه منه القول في إحداهما قبل الأخرى، إذ هي ثلاث مسائل:
إحداها 7: إذا سمع شاهداً، أو شهوداً، يذكرون أنهم سمعوا فلاناً يقول لفلان: على فلان كذا.
أو سمعنا فلاناً يقذف فلاناً، أو يطلق زوجته، فلا يشهد السامع لهؤلاء الشهود على هذا القول حتى يشهداه 8 على شهادتهم، لا يختلفون في هذا، وكذا 9 في المدونة، والعتبية، وكتاب محمد، وغيرها 10. سواء استوعبوا كلامهم، أم لا 11. إذ لو ضموا إلى الشهادة على شهادتهم لعلهم لم يشهدوا بها لعلة، أو لأن كثيرا من الناس من يستعمل في كلامه المعاريض، والمزحان 12. زاد في 13 كتاب محمد 14:
ولو 1 سمعهما يشهدان غيرهما [على شهادتهما] 2 لم يشهد حتى يشهداه.
واختلف إذا سمعهما يشهدان بها عند الحاكم، هل يشهد على شهادتهما بذلك أم لا؟
قال بعض شيوخنا: وفي هذا الأصل اختلاف.
ولا فرق بين أدائها عند الحاكم 3، أو إشهادهما غيرهما عليهما 4، إذ قد ارتفع الاحتمال، وكلا الموضعين موضع تحقيق (وجد) 5.
والمسألة الثانية: إذا سمعه يقذف رجلاً أو يطلق امرأته، فهذا يشهد أيضاً، إلا ما زاد في هذا الكتاب في الحدود إذا كان معه غيره.
وذلك لأنه في القذف إذا كان وحده ولم تتم الشهادة على القاذف خشي أن يكون هذا قاذفاً معرضاً، / [81] جاء بذلك مجيء الشاهد على غيره.
والمسألة الثالثة: إذا سمع رجلين يتراجعان كلاماً، ويتقارران في شيء بينهما، فهذا يشهد إذا استوفى كلامهما من أوله إلى آخره، واستوعب قصتهما، كما قال ابن القاسم 6. ولا يشهد إذا لم يكن كذلك، كما قال مالك.
وهذا 7 كله يعود أيضاً على المسألة التي قبلها، وأنه لا يشهد حتى يستوعب الكلام 8 في كل شيء، لأنه إذا لم يستوعب قوله في الطلاق، والقذف، وما قبله 9، وما بعده، كيف يشهد؟ ولعل هذا القائل إنما كان حاكياً عن غيره.
وفي هذا الفصل 1 يتصور الخلاف على ما في كتاب محمد.
وتأويل بعضهم على ظاهر المدونة.
وإليه نحا اللخمي وغيره في المسألتين.
والوجه الآخر أظهر وأبين [وأصح] 2 إن شاء الله.
وقوله: "إذا ادعيت على رجل قصاصاً أو أنه 3 ضربني بالسوط أو شبه 4 ذلك استحلفه قال: لا تستحلفه إلا أن تأتي بشاهد عدل فيستحلف لك" 5، وأوجب هنا وفي كتاب الديات، [في] 6 القصاص في قطع اليد بشاهد واحد ويمين.
وقال في الشهادات: إنما يحلف مع الشاهد الواحد في الجراح، فيما لا قود فيه، وإن كانت 7 عمدا.
كالجائفة، والمأمومة 8.
وقال هناك غيره 9: يحلف ويقتص من كل جرح.
كقول ابن القاسم هنا.
فالخلاف في كل هذا بين، ظاهر من قوله، وعليه اختصر كثير من المختصرين، ومن قول ابن القاسم أيضاً أدخله ابن لبابة، وغيره.
وهو غير مفصول من كلام ابن القاسم في أكثر النسخ، والأصول.
لكن وقع في كتاب الشهادات أول المسألة في كتاب ابن عتاب قال سحنون: وظاهر قول ابن القاسم في مسألة السوط 10 أنه إنما يحلف له المطلوب، ولا يحلف [له] 11 الطالب، وليس هو
مذهبه، إلا أن يكون له ما ها هنا رجوع من قوله إلى قول غيره.
وابن لبابة وغيره تأولوه على أن الطالب إنما سأله عن استحلافه له إذا لم يرد هو أن يحلف على ذلك.
كما قال في مسألة قطع اليد بعد هذا: فإذا نكل استحلف القاطع 1، وهذا بعيد من لفظه، ويشبه أن يكون على القول الآخر، مثل رواية أشهب في الشتم 2: لا يحلف مع الشاهد فيه المدعي، وعسى أن يحلف فيه المدعى عليه.
وذلك أنهم جعلوا ما فيه القصاص من الجراح إذا قام بها شاهد كالقتل بالقسامة مع الشاهد، إلا أن القتل بقسامة، والجراح لا قسامة فيها، فكانت اليمين مع الشاهد مقامها.
ولمالك 3 في المبسوط إنما هذا في جراح الخطأ، لأنه مال 4 وفيما صغر من الجراح، مما ليس فيه عقل مسمى.
وقال عبد الملك: هذا فيما خف من الجراح، كالموضحة، وقطع الإصبع، فأما ما خيف منه التلف فلا 5.
وقوله: "ما سمعته يذكر أنهما يلتعنان في دبر الصلاة" 6، وفي كتاب اللعان: أنه سمعه يقول ذلك 7، يحتمل أنه لم يذكر ذلك هنا، وذكره عند جوابه في كتاب اللعان.
وقوله: "إنما سمعته يقول في المسجد وعند الإمام" 8 معناه بحضرة الإمام في المسجد.
وإن كان قد قال عبد الملك في المسجد، أو عند الإمام.
وظاهره أحد الموضعين.
وإليه أشار بعض المشايخ، وذكر أن هذا اختلاف.
وقوله: "في اليهودي والنصراني والمجوسي لا يحلفون إلا بالله" 1 حمله 2 بعضهم على ظاهره.
وأنه لا يلزمه تمام الشهادة، إذ لا يعتقدونها، فلا يكلفون ما لا يدينون به.
وإنما يلزمون ما يحلفون به.
ويعتقدونه من إثبات الألوهية فقط 3. وهو مذهب ابن شبلون.
وفرق غيره بين اليهود فألزمهم 4 ذلك لقولهم بالتوحيد، وبين غيرهم.
وقال بعضهم: إنما قال: "إنما يحلفون بالله فقط" 5 نفياً لما سأله عنه من قوله: "أيزيدون الذي أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، صلوات الله عليهما" 6. فقال: أرى أن يحلفوا 7 بالله فقط.
أي: لا يزيدون ما سألت عنه، وإنما يحلفون بالله، كما يحلف المسلمون.
يريد ويتمون 8 الشهادة إلى آخره.
وعليه اختصر أبو محمد، وهو بين في كتاب محمد.
قال: يمين الحر، والعبد، والنصراني، في الحقوق سواء.
ومثله في كتاب ابن حبيب 9.
وذهب بعضهم إلى أن جميعهم يلزم اليمين بهذا.
اعتقدوه أو لا 10، رضيه أو كرهه، ويجبرون على ذلك.
ولا يعد لهم قولهم ذلك إسلاماً 11.
وإنما هو حكم يجريه 1 عليهم أهل الإسلام.
كما يلزمون فيما تحاكموا فيه مع المسلمين حكم الإسلام.
وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا 2.
وقوله: "أرأيت النساء العواتق أيحلفون 3 في المساجد؟ " 4 معناه الأبكار، ولا يمين على من لم ينطلق منهن من الحجر، ولا على غيرهن من السفهاء، إلا فيما يكون لهم فيه 5 شاهد واحد، وفي دعواهم الوطء، وكذلك في كل حق يوجب 6 أيمانهم بها حقاً لهم في مال، أو بدن، أو إسقاط حق عليهم.
وكذلك يجب يمين السفيه على تكذيب الشاهد عليه بالطلاق 7. وكذلك لو ادعي عليه حق فيما يتعلق ببدنه، العقاب فيه فيما 8 يتهم به 9، أو يجب عليه فيه حبس، أو أدب، إن لم يحلف على تكذيب قوله، أو أقر بصحة دعواه.
وقد اختلف شيوخنا 10 في وجوب 11 يمين القضاء عليهم، فمعظم الأندلسيين يسقطونها [عنهم] 12، إذ لو نكلوا عنها لم يستحق الطالب بنكولهم حقاً، وذهب الأصيلي في آخرين إلى إيجابها.
واحتجوا أنه مذهب مالك، بظاهر قوله هنا في يمين العواتق.
والحجة به ضعيفة.
إذ يحمل على الوجه 1 الذي يجب به اليمين عليهن مما تقدم.
وذهب أبو العباس بن ذكوان 2 وأبو عبد الله بن عتاب بعده إلى (أن) 3 تقديم الحكم/ [82] له 4 عند وجوبه وإرجاء اليمين عليهم إلى رشدهم.
وحكاه 5 ابن الهندي عن بعضهم في كتابه.
فإن حلفوا حينئذٍ وإلا صرفوا عند هؤلاء ما حكم لهم 6 به قبل.
ثم اختلفوا إذا رشد المحجور فقام بحقه، وقد مات وصيه، هل يحلف الآن، وذلك مثل الجارية البكر، أو المحجورة يموت زوجها، أو يموت أبوها، أو وصيها، ثم ترشد.
فذهب بعضهم إلى أنه لا يمين عليها، إذ لم تجب عليها قبل.
وتأخذ حقها الآن بغير يمين.
وهو مقتضى فتوى الشيوخ في أحكام ابن زياد 7، عند بعض المتأخرين.
وإليه ذهب ابن بسام القاضي 8. قال: إلا أن يدعي عليها علمها بقبض الوصي، أو الأب ذلك فتحلف.
وقال آخرون: إنها إذا رشدت صارت كغيرها.
وإليه ذهب ابن عتاب، وابن سهل، والقاضي ابن بدر 1، وغيرهم.
وهو عندي الصحيح.
لأنه قد تمكن قبضها له، وإسقاطها إياه، أو علمها بقبض أبيها، أو وصيها له.
وقيل: 2 سواء ادعى عليها بذلك أم لا.
إلا أن يكون الزوج حاضراً، ولا يدعى عليها شيئاً من ذلك، فلا يمين هنا بوجه.
ويقضي القاضي لها به.
وقد كان بعضهم لا يرى للقاضي أن يحكم في شيء من مثل هذا حتى يحلف المحكوم (عليه) 3 يمين القضاء، حاضراً كان مطلوبه أو غائباً، على ظاهر ما جاء في المدونة، ونص ما في المستخرجة.
والصحيح أنه لا يلزم ذلك في الحاضر إلا بدعواه فيحلف على ما ادعاه 4 خصمه عليه لا غير.
وكذلك نص عليه في كتاب ابن شعبان، إلا ما ليس عليه يد لأحد، مخافة أن يكون 5 لغائب فيه حجة أقوى مما قام به الحاضر.
[وفي الحاضر] 6 إنما يحكم على الحاضر.
ثم اختلفوا إذا ادعى السفيه دعوى وجبت فيها 7 اليمين، فردت 8 على السفيه.
فقيل 9: يحلف.
وقيل: لا.
لأن نكوله 10 لا يوجب شيئاً.
والصواب أن يحلف، ويستحق حقه.
فإن نكل فهو على حقه، متى شاء أن يحلف
حلف، واستحق كما لو كان له شاهد واحد، ولم يحلف الآن معه لكان على حقه.
وقوله في النساء: "وإن كانت ممن لا تخرج" 1 2 نهاراً وفي بعض النسخ لم يذكر نهاراً 3. فهل يحتمل أنها لا تخرج جملة، وهي التي لا تتصرف، ولا تخرج، من نساء الملوك، فيبعث إليها الإمام من يحلفها 4، ولا يترك خصمها لامتهانها.
كذا ذكر القاضي (أبو محمد) 5 عبد الوهاب 6. وهذا فيما يطلب به، ونحوه لابن كنانة في المدنية.
قال: يحلف النساء التي لا يخرجن في بيوتهن، فيما ادعي عليهن، ويشهد عليهن في بيوتهن، ولا يخرجن.
وأما إن أردن أن يستحققن حقهن، فيخرجن إلى موضع اليمين 7. وقد حلف سحنون أمثال هؤلاء في أقرب المساجد إليهن.
وأما شيوخ الأندلسيين فرأوا أنه لا بد من خروج هؤلاء.
فإن امتنعت 8 حكم عليها حكم الملد.
قال القاضي: وليس هذا بصواب.
لأنه إذا 9 كان هذا واجباً عندهم من خروجهن فليجبر مانعها على إخراجها، فإن لم يقدر عليه 10 فهي مكرهة عن 11 الخروج، فكيف [يحكم] 12 عليها بحكم الملد.
وكيف تؤخذ بذنب مانعها.
وقوله: "وأما ما سألت عنه من المكاتب والمدبر وأمهات الأولاد فسنتهم سنة الأحرار إلا أني أرى أمهات الأولاد كالحرائر منهن من يخرج 1 ومنهن من لا يخرج 2 3. حمل بعضهم الكلام أولا على الذكران، دون الإناث.
ولهذا استثنى أمهات الأولاد.
[وعليه اختصر أبو محمد وذهب آخرون أن الكلام على الذكران والإناث وأنهم ما عدا أمهات الأولاد] 4 [كالرجال في الخروج لليمين ولهذا استثنى أمهات الأولاد] 5؛ لأن لهن حرمة (نساء) 6 ساداتهن.
وأبنائهن.
كحرمة الحرائر، ومن عداهن من المكاتبات، والمدبرات، والسراري.
فكالذكران من الرجال.
وإليه ذهب ابن محرز.
ووقع في كلام ابن القاسم في هذه المسألة في كتاب الشهادات: "وأما ما سالت عنه من المدبرة والمكاتبة 7 وأمهات الأولاد فسنتهن سنة الأحرار" 8. وهو محتمل.
وقوله في النساء: "أما كل شيء له بال فيخرجن فيه إلى المسجد" 9 ذهب بعض مشايخنا أنهن بخلاف الرجال.
وأن الذي له بال في حقهن إنما هو المال الكثير 10. وأما ربع دينار ونحوه فلا يحلفن فيه في المسجد الجامع.
وكذا
قال محمد 1. في 2 كتاب ابن حبيب 3: إنهن كالرجال، يحلفن في الجامع في ربع دينار فصاعداً.
وبه فسر أبو محمد ما له بال من المال 4.
وقوله: إنه يجزئ في استحلاف القاضي لهن رجل واحد، 5 يدل على أحد قوليه في هذا الأصل، فيمن يوجهه القاضي للإحلاف، والحيازات، والأعذار، والنظر في العيوب، والترجمان، والقائف، أنه يجزئ في ذلك واحد.
وقوله: "في الذي استحلف خصمه وهو يعلم ببينته الغائبة 6 تاركاً لها: لا حق له" 7، هذا الترك عند أكثرهم، الذي أراد تركه القيام بها (مع علمه، والاحتجاج بها.
ويدل عليه قوله مثل هذا في الحاضرة.
وقال آخرون: لا يكون تركاً إلا بتصريحه بترك القيام بها) 8.
قال فضل: ولو حلفه 9 ولم يذكرها وعلم بعلمه بها فقدمت فإن كانت 10 حين حلفه غائبة غيبة بعيدة بحيث ما لو رفع ذلك إلى الحاكم 11 لقضى له باليمين و (إن) 12 لم ينتظرها قضي له الآن بالبينة.
ونحوه لابن حبيب، وهذا 13 يدل على صحة التأويل الثاني.
وقوله آخر المسألة: قال سحنون: (والقول قول صاحب الدين أنه لم يعلم ببينته) 1 صح هذا في كتاب ابن سهل، لأحمد بن خالد، وابن أيمن 2 عن ابن وضاح.
ولم يكن عند غيرهما.
ولا في كتاب ابن عتاب.
وهو صحيح على الأصل.
"والصديق الملاطف" 3 هو المختص/ [83] بالرجل الذي يلاطف كل واحد منهما صاحبه.
ومعنى الملاطفة 4: الإحسان، والبر، والتكرمة.
وهو أحد معنى تسميته لطيفاً.
ولو كانت هذه الملاطفة من أحدهما للآخر (كانت) 5 مسألة 6 الأخوين اللذين ينال أحدهما بر الآخر، وصلته.
واللوث في شهادة القتل ما لم يبلغ مبلغ القطع فيه، مما تكون فيه القسامة، كالشاهد الواحد، والشهادة على قول المقتول، أو دليل يدل على قتله.
واختلف المذهب عندنا، والروايات عن مالك، هل يشترط في هذا الشاهد الواحد العدالة أم لا؟ وإنما سمي لوثاً من القوة.
واللوث: القوة.
كأنه قوى بها دعوى المقتول، أو القائم بدمه.
"وشرو" 7 الشيء بفتح الشين، وسكون الراء، مثله.
ونظيره.
"والبطون" 1 المذكورة في مسألة الاستثناء هي الأحشاء.
وقوله: "في الموسم يقام بشهادة رجلين" 2، يعني إقامة الحج، والوقوف بعرفة.
"والموسم" 3: السمة.
وهي العلامة.
إما لأن لأهل الحج علامات الإحرام.
أو لأن الموسم علامة باستهلال الهلال.
والقيان: المغنيات.
(والأمة: القينة) 4. وأصل القينة الأمة.
وصاحب قيان: هو الذي يكن عنده.
يكريهن ممن يغنين له 5. وقد يحتمل أنه الذي يستعملهن للغناء.
ويسمعهن (دائماً) 6. كن له، أو لغيره.
"وابن خلدة" 7 بفتح الخاء، واللام.
كذا ضبطناه هنا عن شيوخنا.
وقيده أبو نصر الحافظ بسكون اللام.
واسمه عمر بن حفص 8.
ومسألة الشهادة في الوصية وتفسيرها في كتاب الشهادات وكذلك
مسألة ورثة المتحملين 1 وأهل الحصن 2 في كتاب المواريث 3.
وقوله: "أرأيت لو أن داراً في يدي ورثتها عن أبي فأقام ابن عمي 4 البينة أنها دار جدي، وطلب مورثه قال: هذا من وجه الحيازة التي أخبرتك" 5.
ذهب بعض الشيوخ أن مذهبه في الكتاب من هذا اللفظ.
أن الحيازة من الأقارب كالأجنبيين 6 (سواء) 7. والخلاف فيها معلوم 8.
وقوله: "في الذي وجد خطه في الكتاب ولم يذكر، لا يشهد [بها] 9 10. أي: على غير بيان حتى يبين 11 أنه لا يذكرها.
وإنما يعرف 12 أن هذا خطه 13، (أو خط يشبه خطه) 14، كما قال: "ولكن
يؤديها كما قد علم" 1. ولا أيضاً يجب عليه 2 أن يؤديها كما علم إلا أن يكون على بصيرة ويقين من نفسه أنه لم يضعها مسامحة، [وأنه لم يضع خط شهادته مسامحة] 3 ولا كتب اسمه إلا على صحة، وإن كان يعلم من نفسه أنه قد مر به زمان قبل عدالته يسامح فيه الشهادة، وألقى اسمه على غير صحة، إما لقلة ورع، ودين، أو [تسامح به في الشهادة وإلغاء اسمه على غير صحة، إما قلة ورع ودين، أو] 4 جهالة، فإن هذا مما لا يحتاج إليه.
ثم راجع بصيرته، فلا يحل لهذا أن يؤدي شيئاً وجده بخطه إلا ما ذكر من شهادته، أو حقق من تاريخها أنه بعد توبته، وتحقيق شهادته.
وكذلك كل من شهد على خط نفسه عند من يجيزه، أو على خط غيره في شهادة لا يصح (من ذلك) 5 إلا ما ثبت أن كاتبها كان عدلاً في حين إيقاع تلك الشهادة.
ورسم ذلك الخط وتاريخه إن كانت مؤرخة، وإلا لم تقبل، لأن إبقاءها حينئذٍ كأدائها، ولا يغني تعديله بعد ذلك، إذ لم يؤدها، ولا أديت عنه بعد تعديله، وذلك كله كالشهادة على شهادة الشهود التي لا يصلح 6 أن يشهد على شهادتهم، إلا إذا كانوا حين إشهادهم عليها عدولاً 7، وإلا لم تصح 8.
وكلامه في هذه المسألة المتقدمة يدل أنه لا يجيز العمل بالشهادة 9 على خط الشاهد، إذ منعه من ذلك [بالشهادة على خط نفسه أشد في
الباب] 1، وسيأتي بعد هذا 2 ما يدل على خلافه، والخلاف في مذهبنا ومذهب أهل المدينة وغيرهم فيها معلوم.
وقوله: "يستقيل من شهادته" 3، أي: يطلب الإقالة من أدائها، ويخبر أنه رجع عنها.
و"ولاة المياه" 4 [ولاة] 5 البوادي الذين يسكنون 6 على المياه.
خلاف أهل الأمصار.
وقوله: "في القاضي إذا عزل، أو مات، وقد أثبت شهادات في ديوانه أن من ولي بعده لا يجيز [شيئاً] 7 منها إلا أن تقوم 8 عليه البينة" 9. قال بعض شيوخنا: أنظر هذا، فإن كان يريد تقديم البينة على خطوطهم ففيه [جواز] 10 الشهادة على خط الشهود، وأعمالها، وليس هو مشهور مذهبه، وأصله في الكتاب على ما تقدم، وإن كان يريد شهدوا على إيقاع الشهود لهذه الشهادة عند القاضي، فيقوم من هذا الموضع جواز الشهادة على مثل هذا، والخلاف فيه معلوم أيضاً، في غير المدونة كما قدمناه قبل.
وقد يكون قيام البينة بإشهاد القاضي المتوفى إياهم بقبولها.
وقوله: "فإذا نكل 11 أحلف المشهود له الطالب، وثبت له الشاهدان،
ونظر فيهما القاضي المحدث بحال ما كان المعزول ينظر" 1.
أفادت هذه المسألة بناء القاضي على حكم من قبله، وأنه لا يلزمه الاستئناف، وابتداء النظر.
وكذلك إن انتقل إلى خطة حكم من خطة حكم، وقد نظر في صدر من الخصومة في الخطة الأولى بين يديه.
وبهذا أفتى ابن عتاب وغيره من القرطبيين.
ورأى غيرهم استئناف النظر، ولا وجه له 2.
وفي كتاب ابن سحنون لأبيه في القاضي يعزل من مصر ويلي غيره دليل أنه يبني على ما ثبت عنده في ولايته تلك.
وهي حجة للأول 3.
وقوله في الكتاب: "إذا تبين للقاضي أن الحق في غير ما قضى به رجع فيه، وإنما لا يرجع فيما قضت به القضاة مما اختلف فيه" 4.
حمل أكثرهم مذهبه في الكتاب (على) 5 أن الرجوع له، كيف كان حاله، من وهم، أو انتقال رأي، وهو قول مطرف، وعبد الملك.
ويكون قوله بعد هذا: وإنما لا يرجع فيما قضى به غيره، وعلى هذا اللفظ ذكر المسألة في كتاب عبد الرحيم.
وعليه اختصر أبو محمد، / [84] وغيره.
خلاف ما ذهب إليه سحنون.
وحكى (القاضي) 6 [أيضاً] 7 عن عبد الملك في تفريقهما وأنه إنما يرجع فيما حكم به وهما، وغلطا 8، لا فيما انتقل 9 فيه اجتهاده 10،
وهذا أقرب، وأظهر [للصواب] 1. إذ لو ساغ 2 ما تأولوه أولاً، وقال (به) 3 من قال لما استقر لحاكم حكم، ولما كان أحد على وثيقة من الحكم له بشيء، ولأنه [إنما] 4 حكم أولاً باجتهاد 5، وغلبة ظن، فلا يرجع 6 عنها لمثلها 7، بخلاف ما لو حكم تخميناً، وحدساً، فهذا ينقضه هو ومن بعده، لا يختلف 8 في هذا إذا ثبت ذلك عليه من حكمه، وبخلاف 9 ما خالف اجتهاده فيه الكتاب، والسنة، أو حكم بشذوذ مما اختلف الناس فيه، فهذا ينقضه هو ومن بعده.
وكذلك عندي إذا كان الحاكم يلتزم مذهباً، ويحكم بتقليده، لا باجتهاده فحكم بحكم يرى أنه مذهبه وغلط فيه، فله [هو] 10 نقضه دون غيره.
وقال آخرون: قد يحتمل أن معنى قوله: أنه إنما رجع فيما كان جوراً بيّناً، بدليل قوله: وإنما لا يرجع فيما قضت به القضاة، مما اختلف فيه، ويبقى هذا اللفظ على وجهه، وابن عبد الحكم يرى أنه لا يرجع في شيء من حكمه، مما اختلف فيه 11، إلا [في] 12 الجور البين، الذي ينقضه من جاء بعده 13.
وقوله: "في السلطان الأعلى الذي ليس فوقه سلطان، إذا رأى حدًّا رفعه إلى القاضي" 1.
وقال مثله في كبير مصر يرفع إلى القاضي.
وقال في القاضي يرفع إلى من فوقه.
وكذلك قال في السلطان.
وقال بعضهم: إن مذهبه في الكتاب أن أحداً لا يرفع إلى من دونه، وتحت يده، إلا السلطان 2 الأعظم، للضرورة إلى ذلك.
وسحنون يقول فيه: هذا حد لا يقام أبداً، وأراه هدراً، واعتمد هذا القائل على ظواهر ألفاظ الكتاب، وجعل 3 قوله في والي مصر: أن القاضي من تقديم أمير المؤمنين.
وقال بعضهم: يجوز أن يرفع إلى من دونه، كما يفعل أمير المؤمنين.
وقد يستدل بقوله في والي مصر يرفع إلى القاضي 4، وقد ذكر في المسألة الأخرى في والي الإسكندرية إذا استقضى قاضياً، أو قضى به والي الإسكندرية، أنه يجوز 5. فقد بين أن تقديمه القضاة 6 من قبل الولاة كانت عادتهم، وعليه تكلم.
وكذلك كانت سيرة بني أمية، تفويض تقديم القضاة إلى الولاة، إلى أن ولي بنو العباس، فصار تقديم القضاة في قواعد الأمصار من قبلهم.
وقوله: "ويستحسن" 7 8 أي: يستقصى 9.