المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي رضي الله عنه) 1:
الحمدُ لله الذي عمَّنا بفضله العظيم، وأتمَّ نعمته علينا بهدايتنا إلى الصراط المستقيم، وصلَّى الله على محمَّد نبيه المصطفى الكريم، صلاة دائمة مشفوعة 2 بالبركة والتسليم.
وبعد: فإن أصحابنا من المتفقهة - أسعدنا الله وإياهم بتقواه - رغبوا في الاعتناء بمجموع يشتمل على:
1 - شرح كلمات مشكلة وألفاظ مغلطة 3، مما اشتملت عليه
الكتب 1 المدونة والمختلطة؛ اختلفت الروايات في بعضها، ومنها ما أُرْتِجَ 2 على أهل درسها وحفظها.
وربما اختلف المعنى لذلك الاختلاف فحمل على وجهين، أو تحقق الصواب أو الخطأ في أحد اللفظين.
2 - وفي ضبط حروف مشكلة على من لم يعتن بعلم العربية والغريب.
3 - وأسماء رجال 3 مهملة لا يعلم تقييدها إلا من تَهَمَّمَ 4 بعلم الرجال والحديث.
وقد استمرت روايات الأشياخ في الكتاب - في كثير منها - على الوهم الصريح، والتصحيف القبيح، لتوفر عامتهم وجمهورهم على علم المسألة والجواب، وتفرغهم لذلك عن التحقق 5 بعلمي الأثر والإعراب.
وقد كنت كثيراً ما أجري معهم في المذاكرة منها نتفاً، وأجاذبهم في مجالس المناظرة من ذلك طُرفاً، وأقف عند ما لم أحط به علماً معترفاً.
فاستخرت الله تعالى على الإجابة، واستوهبته الهداية 6 في ذلك والتوفيق للإصابة 7. = علم التباين في النفوس ... وأنها منها مغلطة وغير مغلطة (انظر نفح الطيب: 5/ 247). وقول التفتازاني في "شرح المقاصد": هذه مغلطة تحير في حلها عقول العقلاء، ولهذا سميتها مغلطة الجذر الأصم.
(انظر: كشف الظنون: 2/ 1661).
4 - وأضفت إلى الغرض المطلوب بيان معاني الألفاظ الفقهية الواقعة في هذه الكتب، وكيفية تجوزها عن موضوعها، وأصل اشتقاق أصولها وفروعها.
ونثرنا أثناء ذلك نكتاً من كلام المشايخ والحذاق وتعليقاتهم، إلى ما استثرناه من أسرار الكتاب واستنبطناه إلى تنبيهاتهم.
وأكثرها مما لم يقع في الشروحات له ذكر، ولا انكشف له في التعاليق سر، لتتم الفائدة لباغيها، وتكمل المنفعة لدارسها وراويها.
والله أسأل عصمة تقي 1 شهوات النفس ودواعيها، وتوفيقاً يرشد إلى مناهج الطاعات ومساعيها، (بعزته) 2.
ذكر أسانيدنا في هذه الكتب 3 التي حملناها بها، وأداها لنا شيوخنا إلى مؤلفها 4 - رحم الله جميعهم - وهي من طريق النقل والرواية كثيرة، واقتصرت منها هنا على ما أذكره؛ فقرأت بلفظي، وسمعت بقراءة غيري 5، جميع الكتب 6 "المدونة والمختلطة" بمدينة قرطبة - حرسها الله - على الشيخ الفقيه أبي محمَّد عبد الرحمن 7 بن محمَّد بن عتاب -
رحمه الله - سنة سبع وخمسمائة، وعارضت كتابي بأصل أبيه العتيق.
وحدثني بجميع ذلك عن أبيه 1 عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي 2 عن أبي إبراهيم - إسحاق بن إبراهيم 3 - عن أحمد بن خالد 4 = المدونة والمختلطة.
وتوفي سنة 520. هذا وقد سماه ابن حمادة في "مختصر المدارك": عبد الله (انظر المدارك: 8/ 192). وكذلك الشيخ مخلوف في "شجرة النور": 129.
عن محمَّد بن وضاح 1 وإبراهيم بن محمَّد بن باز 2 وإبراهيم بن قاسم / [خ 1] بن هلال 3، عن سحنون بن سعيد التنوخي 4. = فقهية، توفي 322 (انظر: تاريخ علماء الأندلس 1/ 76، وجذوة المقتبس 1/ 192، والمدارك 5/ 174 - 178، وانظر سنده للمدونة في فهرسة ابن خير 1/ 297).
قال أبو عبد الله بن عتاب: وحدثني بها أيضاً أبو القاسم خلف بن يحيى الفهري 1 عن أبي المطرف - عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج 2 - عن أحمد بن خالد.
قال خلف بن يحيى: ونا بها أيضاً أبو محمَّد بن أبي العطاف 3 - عبد الله بن يوسف - عن ابن وضاح عن سحنون.
قال القاضي 4: وقرأت الكثير منها - على جهة التقييد والسماع أيضاً، بسبتة حرسها الله - على الفقيه القاضي أبي عبد الله - محمَّد بن عيسى التميمي 5
رحمه الله - في سنة سبع وتسعين وبعدها، وناظرت عليه فيها غير مرة قبل التاريخ وبعده، وقرأ علينا أكثرها بلفظه، وأجازني بجملتها وحدثني بها عن القاضي أبي عبد الله - محمَّد بن خلف بن المرابط 1 - عن أبي الوليد محمَّد بن عبد الله بن ميقل 2 عن أبي محمَّد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي 3 عن أبي الحسن علي بن مسرور 4 عن أحمد بن داود 5 عن سحنون.
قال الأصيلي: ونا 1 بها أيضاً أبو العباس - عبد الله بن أحمد الإِبِّياني 2 - عن يحيى بن عمر 3 وأحمد بن داود عن سحنون.
= للفقه مقدماً فيه، مع ورع وصيانة لعلمه، من مقدمي رجال سحنون وأحد كبار المالكية.
وكان يصبر على السماع؛ أسمع الناس عشرين سنة، وكان يقول: أنا حبس وكتبي حبس.
قال فيه ابن حارث: لم يكن معدوداً في أهل الحفظ ولا في أهل المعرفة بما دق من العلم.
توفي 291 (انظر المدارك: 4/ 366 - 367 وطبقات علماء إفريقية للخشني: 190 - 191 ورياض النفوس: 1/ 505 والديباج: 95.
هذا وسمَّاه ابن الفرضي في التاريخ: 1/ 125 أحمد بن سليمان وقيد تاريخ وفاته سنة 296 وأضاف أنه كان يذهب مذهب العراقيين!.
قال القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عيسى: ونا 1 بها أيضاً الفقيه أبو عبد الله محمَّد بن فرج - مولى ابن الطلاع 2 - قال: نا 3 أبو علي الحسن بن أيوب الحداد 4 ........ = فيملأ المسجد وما حوله ... قال أبو العرب: كان كثير الكتب في الفقه والآثار، ضابطاً لما روى عالماً بكتبه، متفنناً شديد التصحيح لها.
ومن مؤلفاته: "اختصار المستخرجة" - المسمى: المنتخبة - و"اختلاف ابن القاسم وأشهب".
توفي 289 (انظر علماء إفريقية: 184 ورياض النفوس: 1/ 193 والمدارك: 4/ 357 - 362).
عن محمَّد بن عبيدون 1 عن محمَّد بن وضاح عن أبي سعيد سحنون بن سعيد التنوخي عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم 2 العتقي.
ومما يحتاج إلى بيانه في هذه الأسماء ما يقع فيه كثير من الناس في نسب ابن القاسم، وصوابُه - كما ضبطناه - العتقي؛ بضم العين المهملة وفتح التاء.
وهو نسب مولاه؛ فإنه عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة - مولى زبيد بن الحارث العتقي - منسوب إلى العُتَقَاء 3؛ وهم جماعة 4 من العرب مُنَّ عليهم فسُمُّوا العتقاء لذلك 5. ومسجده 6 بمصر يعرف بمسجد = بالحديث، جمع مسائل ابن زرب في أربعة أجزاء، وتوفي 425. (انظر الصلة: 1/ 222 والمدارك: 7/ 302).
العتقاء.
كذا قيده أهل المعرفة بعلم الرجال.
وقد نسب بهذا النسب جماعة من أهل العلم.
وأكثر الناس يضمّون التاء، وهو خطأ 1، وبفتحها 2 - على الصواب - قيدته عن المتقنين وأهل العلم.
وأخبرني الفقيه أبو بكر بن عطية 3 عن بعض شيوخه المصريين 4 أنه قال له: إنما هو الغيفي؛ بالغين المعجمة المفتوحة وياء باثنتين تحتها ساكنة، وفاء، منسوب إلى "غيفةَ" - قرية على مرحلة من مصر 5 - وقد نسب إليها جماعة من أهل العلم أيضاً 6. وهو في نسب ابن القاسم غلط، والصواب ما ذكرناه قبل.
وأما سحنون فالذي سمعناه من جماهير 7 شيوخنا المتقنين 8 وسائر المحدثين والفقهاء بفتح السين، وبعض المتأدبة والمتفقهة يقولونه بضم السين، ويقولون: إنه لا يوجد فَعْلولٌ في اللسان العربي.
وقد أنكر عليهم
(هذا) 1 الحذاقُ ووجهوا وجهه بما ليس هذا موضعه، والصواب ما قاله الجمهور.
قال صاحب كتاب "تقويم اللسان" 2: قال أبو علي الجلولي 3: ما سمعت أحداً من أشياخنا ابن .............................
السمين 1 وغيره -[خ 2] يقوله 2 إلا بالفتح، وكذلك كان يقوله أبو عمران 3.
وسمعت بعض مشايخي 4 يحكي عن بعض شيوخه بأفريقية 5 أنه إنما سمي بسحنون - اسم 6 طائرٍ حديدٍ - لحدة ذهنه في المسائل، وسحنون لقب، واسمه عبد السلاَم، مشهور، وكنيته أبو سعيد رحمه الله.
= وذيل المحقق إحسان عباس بذكر مصادر أخرى ترجمت له.
وانظر أيضاً في مصادر ترجمته ما أورده محمَّد محفوظ في "تراجم المؤلفين التونسيين" 3/ 244 في الطبعة الأولى بدار الغرب الإِسلامي 1404/ 1984. غير أن هذا إنما يكنى أبا الحسن لا أبا علي!
فصل: واعلم أن هذه الكتب 1 أصلها سماع القاضي بالقيروان - أسدِ بن الفرات 2 - من عبد الرحمن بن القاسم، وهو أول من عملها ورواها عنه وسأله عنها على أسولة أهل العراق، فأجابه عنها 3 ابن القاسم بنص قول مالك مما سمع منه أو بلغه أو قاسه على قوله وأصله، فحملت عنه بالقيروان وكتبها عنه سحنون.
وكانت تسمى "الأسدية"، و"كتب أسد"، و"مسائل ابن القاسم".
ثم رحل 4 بها سحنون إلى ابن القاسم فسمعها منه وأصلح فيها أشياء كثيرة رجع ابن القاسم عنها، وجاء بها إلى القيروان وهي في التأليف على رتبة ما كانت عليه "كتب أسد" مختلطة 5 الأبواب، غير مرتبة المسائل، ولا مرسمة التراجم.
وكتب ابن القاسم إلى أسد ليعرض كتبه عليها ويصلحها منها، فأنف أسد من ذلك.
ثم إن سحنون بن سعيد نظر فيها نظراً آخر؛ وبوبها، وطرح مسائل منها، وأضاف الشكل إلى شكله - على رتبة التصانيف والدواوين - واحتج لمسائلها بالآثار من روايته من "موطإ ابن وهب" 6 وغيره، فسميت تلك "الكتب المدونة"، وبقيت منها بقية لم ينظر
فيها ذلك النظر إلى أن توفي، فبقيت على أصلها من تأليف أسد فسميت بـ "المختلطة" لاختلاط مسائلها، وليفرق ما بينها وبين ما دون منها، وهي كتب معلومة.
وقد ذكرنا خبر هذه الكتب 1 مستوعباً، وما جرى بين ابن القاسم وأسد وسحنون في ابتداء عملها وانتهائه في كتاب "تقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" 2. = وأحد المحدثين المشهورين ممن أضفى صبغة أثرية على المذهب كما تدل على ذلك تراجم كتبه: الموطأ الكبير، الجامع الكبير، تفسير الموطإ.
وله سماع من مالك ثلاثون كتاباً.
أثنى النقاد عليه وعلى حديثه ... توفي 197 (انظر التهذيب 6/ 65 - 67 والمدارك: 3/ 229 - 242).