المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة
- عَلَم: القاضي عياض
- الكتاب: التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر: دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة: الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء: 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ للإمَام الحَافظِ أبي الفَضل عَياض بن موُسى اليَحصبي المُجَلَّدُ الأوّل قسمُ الدّرَاسَة تحقيق الدكتور محمد الوثيق - الدكتور عبد النعيم حميتي دار ابن حزم
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 1
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1432 هـ - 2011 م ISBN 978 - 614 - 416 - 148 - 7 الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها دار ابن حزم بيروت - لبنان - ص. ب: 6366/ 14 هاتف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) البريد الإلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.Ib الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 2
التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ قسمُ الدّرَاسَة (1)
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُقَدّمَة
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين، المبعوث لكافة الخلق أجمعين، القائل: "مَن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (1).
اللَّهم فقِّهنا في ديننا، وعلِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً.
أما بعد:
إن من الحوافز التي شجعتنا على الاشتغال بهذا الكتاب، الاعتبارات الآتية:
1 -
نسبة هذا الكتاب إلى العالم الجليل القاضي عياض:
إن القاضي عياضاً بأسلوبه المتين، ولغته الرصينة، وإتقانه لفني الرواية والدراية، وتمكنه من علل الأحكام، وخبرته في ضبط أسماء الأماكن1
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 5
والرجال، بهذه المدارك الواسعة استطاع أن يحفظ للمعلومة صحتها، وأن يبلغها للقارئ في أجود حللها.
وقد استطاع بعلمه أن ينتزع الشهادة من علماء المشرق والمغرب برسوخ قدمه في العلم بفنونه المختلفة.
فهو كما قيل: شجرة نبتت بالمغرب وفاح شذاها بالمشرق، وهو معتمد الكثير من العلماء شرقًا وغرباً، فلا يليق بنا أن نترك علمه يضيع بين ركام المخطوطات من غير أن نحاول نشره، وأن نكون نحن المغاربة من السباقين لذلك.
2 -
ارتباط الكتاب بالمدونة:
إن موضوع الكتاب يتناول مصدراً أساساً من مصادر المالكية، وهو "المدونة"، وهي المصدر الثاني بعد "الموطأ"، وهذا المصدر رغم سلاسة أسلوبه فإنَّه ما زال في حاجة إلى الكثير من البحث والتعمق في بعض جزئياته.
وما جاء به القاضي عياض في كتابه هذا يوضح الكثير من المسائل التي ربما لا ينتبه إليها القارئ العادي، ولا تثير إلا انتباه المتخصصين.
3 -
الوضع الحالي للمدونة:
إن قراءة "المدونة" كما هي عليه اليوم ستجيب عن السؤال: لماذا يتعب الطلبة والفقهاء أنفسهم بقراءة مختصر خليل، وفك ألغازه، ويتركون "المدونة"، وهي سهلة الأسلوب واضحة المعاني مقرونة في غالب أبوابها بالأدلة من الأحاديث والآثار، وهي مطبوعة ومتداولة؟ لكن بعد قراءة "التنبيهات" يتبين أن تدريس "المدونة" بوضعها الحالي بنسخها المطبوعة، فيه مجازفة كبيرة، لما فيها من الأخطاء، كما يجب الاحتياط من أخذ الأحكام منها إلا للفقهاء الممارسين الذين يدركون الخلل الفقهي بملكتهم الفقهية، ويتنبهون بذوقهم للأخطاء الطارئة على النص.
وفي نسخها الكثير من هذا النوع.
كما يوجد في نسخها المطبوعة اختلافات في النص بزيادة أو نقصان، وعندما يأتي القارئ ليقارن بينها فقد يضيف إلى هذه الطبعة ما نقصها من الطبعة الأخرى، وهو لا يعلم أن هذا النقص هو نقص في الرواية، وأن هذا الاختلاف ناشئ عن اختلاف الروايات.
وهذا لا يوضحه
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 6
إلا كتاب "التنبيهات"، وهنا تظهر حاجة "المدونة" إلى هذا الكتاب.
4 -
" المدونة" ومختصر خليل:
من خلال قراءة كتاب "التنبيهات" يدرك القارئ قيمة مختصر خليل، ويعرف المقصود مما فيه من الإشارات، فهو عندما يذكر مصطلحات مثل: (تأويلان، أو تأويلات، ظاهره، والصحيح)، إلى غير ذلك من المصطلحات التي قد يحفظها الطالب من غير أن يدرك معناها.
قد لا يعرف ماذا تعني، لكنه عندما يدرس كتاب "التنبيهات" يفهم أن ما يشير إليه خليل ناشئ عن اختلاف روايات "المدونة"، وتأويل المختصرين لها، واختلاف الشارحين لنصوصها.
وبذلك تدرك أهمية الشيخ خليل الذي حاول جمع المذهب في كتيب صغير الحجم، كثير العلم، وإن كان في عبارته تعقيد في بعض الأحيان، إلا أنَّه استطاع أن يجمع علماً كثيراً في عبارة وجيزة، وكمثال على ذلك مسألة طال الكلام فيها في رواية علي بن زياد "للموطأ" وفي "المدونة"، وهي مسألة أن ما قطع من الصيد من يد، أو رجل، أو أذن، أو غير ذلك - غير الرأس - لا يؤكل؛ لأنه غير مذكى، إذا لم تنفذ به مقاتل الصيد، لأنَّ الصيد ذكاته بذلك، فلا يؤكل المقطوع دون النصف إلا الرأس.
وجاءت هذه المسألة في "الموطأ" الزيادي في فقرة طويلة، من عشرة أسطر، وكذلك وردت في "المدونة" بتسعة أسطر.
وهذا البسط يجمعه ما أشار إليه خليل بعبارة وجيزة دقيقة مفيدة وهي: "ودون نصف أبين ميتة إلا الرأس" (1).
5 -
حاجة "المدونة" إلى كتاب التنبيهات:
لا يمكن الاستغناء عن هذا الكتاب في تصحيح "المدونة" وفهم نصوصها، وقد اعتمده الكثير من العلماء الذين شرحوا "المدونة"، أو علقوا2
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 7
عليها، كما استدل به الكثير من الفقهاء الذين شرحوا كتباً أخرى في الأحكام الفقهية.
ومن أجل هذه المكانة التي يحتلها هذا الكتاب فإن مكانه الطبيعي هو أن يطبع بهامش "المدونة"، عندما يكون محققاً، ومؤهلاً للطبع، ولا يعدو أن يكون تحقيق هذا الكتاب مفتاحاً لمن أراد أن يشتغل بتحقيق "المدونة".
بناء على هذه الاعتبارات تأكدت رغبتنا في العمل على تحقيق هذا السفر ومحاولة تخليصه من قيود الخزانات التي ظل محبوساً في رفوفها، ونرجو أن يتم إطلاق سراحه بهذا العمل المتواضع.
وسنحاول جهد المستطاع ترميم نصوصه، ووضعها في قالب يسهل على القارئ الاستفادة منه، وذلك بوضع النقط والفواصل، وتحديد الفقرات، معتمدين في ذلك على ما فهمناه من النص حسب ما أتيح لنا من النسخ.
وقد قسم هذا العمل إلى قسمين:
• القسم الأوّل: دراسة الكتاب:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأوّل: القاضي عياض: شخصيته وحياته العلمية:
المبحث الأوّل: التعريف بالقاضي عياض.
المبحث الثاني: حياته العلمية.
المبحث الثالث: آثار القاضي عياض العلمية.
المبحث الرابع: أثر القاضي عياض في فن التحقيق.
الفصل الثاني: وقفات مع "المدونة":
المبحث الأوّل: قصة تدوين "المدونة".
المبحث الثاني: خدمة "المدونة" قبل القاضي عياض.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 8
المبحث الثالث: روايات "المدونة" وأسانيدها.
المبحث الرابع: اختلاف نسخ "المدونة".
المبحث الخامس: اختلاف نسخ "المدونة" المطبوعة.
المبحث السادس: نصوص طرحها سحنون من "المدونة".
الفصل الثالث: التعريف بكتاب "التنبيهات".
المبحث الأوّل: عنوان الكتاب ونسبته لمؤلفه
المبحث الثاني: مضامين الكتاب ومقاصده.
المبحث الثالث: مصادر الكتاب
الفصل الرابع: منهج القاضي عياض في دراسة قضايا الكتاب:
المبحث الأوّل: قضايا الرواية والدراية.
المبحث الثاني: القواعد الفقهية.
المبحث الثالث: ملاحظات تقويمية عامة.
• القسم الثاني: التحقيق:
وفيه كان الكلام عن النسخ وبيان رموزها، وما يتميز به بعضها عن بعض، وعن المنهج المتبع في التحقيق.
والله نسأل أن يحقق رجاءنا، وأن يكلل مسعانا بالتوفيق.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 9
القسم الأوّل:
الدراسة
الفصل الأوّل: القاضي عياض؛ شخصيته وآثاره العلمية:
المبحث الأوّل: التعريف بالقاضي عياض.
المبحث الثاني: شخصيته العلمية.
المبحث الثالث: آثاره العلمية.
المبحث الرابع: أثره في فن التحقيق.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 11
المبحث الأوّل: التعريف بالقاضي عياض
أولاً: نسبه:
هو الإمام الحافظ، أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي 3. هذا هو النسب الذي ذكره ابنه نقلاً عنه، إلا أنَّه استدرك أن والده كان يقول: لا أدري، هل محمد والد عياض أو بينهما رجل فهو جده 4. ونقل أبو العباس أحمد المقري عن أبي القاسم بن الملجوم تلميذ القاضي عياض أن القاضي عند انصرافه من سبتة قاصداً الحضرة المراكشية زارهم في دارهم بمدينة فاس فسأله ابن الملجوم عن نسبه فقال القاضي: إنما أحفظ عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض، وأحفظ بعد ذلك محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض، ولا أعرف أن محمداً هذا أبو عياض أو بينهما أحد 5. وهذان المصدران يتفقان على سلسلة أجداده كما يتفقان على محلّ الخلاف، وهما مصدران جديران بكل ثقة.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 13
ويرتفع نسب عياض إلى يحصب بن مالك بن زيد.
ويحصب أخو ذي أصبح الحارث بن مالك بن زيد الذي ينتهي إليه نسب الإمام مالك بن أنس الأصبحي 6.
وهذا النسب يثبت أن عياضاً عربي الأصل والسلالة، يرتبط بالإمام مالك بصلتين: صلة القربى والنسب بالانتساب إلى قبيلة حمير من عرب اليمن.
وصلة الاقتداء بمذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس الذي تمسك به أهل المغرب، وكان عياض من أبرز أعلامه وأشهرهم.
هذا وقد تسلسلت المعالي والمفاخر في هذه الأسرة قبل القاضي عياض وبعده، قال عبد الله بن حكم - معاصره - يمدحهم:
وكانت لهم بالقيروان مآثر ... عليهم لمحض الحق أوضح برهان 7
وكان للجد عمرون بفاس ولآبائه نباهة 8. وكان رجلاً فاضلاً من أهل الخير، حافظاً لكتاب الله، حج إحدى عشرة مرة، وظل منقطعاً لعبادة الله في مسجده إلى أن توفي سنة سبع وتسعين وثلاثمائة 9.
وعُرف ابن أخي القاضي عياض أيضاً أبو عبد الله الزاهد بالعلم والزهد، وقد استخلفه عمه على قضاء غرناطة 10.
وعُرف من أسرة أمه بتعاطي العلم خالاه أبو بكر محمد وأبو محمد عبد الله ابنا علي المعافري المعروف بابن الجوزي 11.
أمَّا في عقبه فقد توارث آله القضاء من بعده؛ فتولاه ابنه محمد بن
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 14
عياض المتوفى 575 هـ (1)، ثم تولاه حفيد ابنه هذا محمد بن عياض بن محمد بن عياض المتوفى 655 هـ (2). وكان حفيده - عياض بن محمد بن عياض - محدثاً فقيهاً معظماً مهيباً (3).
ثانياً: مولده:
اتفقت كتب التراجم على أن مولد عياض كان في سنة ست وسبعين وأربعمائة من الهجرة (4). وعلى وجه التحديد في منتصف شهر شعبان، وقد كتب بذلك بخطه إلى ابن بشكوال.
وكان مولده في سبتة (5) التي انتقل إليها جد أبيه عمرون من مدينة فاس التي دخلها أجداده مرتحلين إليها من الأندلس، وقد انتقل عمرون إلى مدينة سبتة ليكون قريباً من قرطبة التي ارتحل إليها أخواه، القاسم بن موسى بن عياض، وعيسي أخوه ليتتبع أخبار أخويه.
وقد أعجبته مدينة سبتة، فاشترى بها أرضاً، وسكنها، وبنى بها مسجداً، ومباني أخرى، جعل ريعها حبساً على المسجد، وخصص باقي الأرض للدفن.
ثالثاً: نشأته العلمية:
نشأ القاضي عياض في سبتة، في بيت علم ودين، فكان البيت الذي ولد فيه هو المدرسة الأولى التي بدأ يتلقى فيها مبادئ الدين الضرورية، فكانت البداية أولاً من شيوخ بلده، فبدأ بحفظ كتاب الله حتى أتقنه، ثم طلب الحديث والفقه، وتتلمذ في هذه الفنون على شيوخ سبتة في وقته.1213141516
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 15
يقول محمد ابنه: نشأ أبي على عفة وصيانة، مرضي الحال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفاً بالنبل والفهم والحذق، طالباً للعلم، حريصاً عليه، مجتهداً في طلبه، معظماً عند الأشياخ من أهل العلم وكثير المجالسة لهم والاختلاف إليهم، إلى أن برع أهل زمانه، وساد جملة أقرانه.
وكان من حفاظ كتاب الله مع القراءة الحسنة والصوت الجهير، والنغمة العذبة، والحظ الوافر في تفسيره 17.
ولما استوفى القاضي عياض الثلاثين من عمره خرج من سبتة متوجهاً إلى قرطبة، وذلك يوم الثلاثاء منتصف جمادى الأولى سنة سبع وخمسمائة 18.
وكانت قرطبة تعج بالعلماء والحفاظ، والمشايخ الكبار وطلاب العلم، فأخذ العلم عن أشياخها وحفاظها، ومن بين العلماء البارزين الذين أخذ عنهم بقرطبة: عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، ومحمد بن أحمد بن محمد بن رشد، ومحمد بن عبد العزيز بن حمدين، وأبي الحسين بن سراج، وأبي الحسن بن مغيث، وأبي القاسم النحاس، وغيرهم.
ولم تكن الفترة التي قضاها عياض بقرطبة بالفترة الطويلة، فلم تتجاوز ثمانية أشهر وعشرة أيام، لكنها كانت ذات تأثير كبير على شخصيته، وكان لها طيب الأثر على نفسه وعلى عاطفته، وقد سجل هذه الأحاسيس في شعره حيث يقول:
أقول وقد جد ارتحالي وغردت ... حداتي وزمت للفراق ركائبي
وقد غمضت من كثرة الدمع مقلتي ... وصارت هواء من فؤادي ترائبي
ولم يبق إلا وقفة يستحثها ... وداعي للأحباب لا للحبائب
لم يغادر القاضي عياض قرطبة قافلاً إلى بلده، بل غادرها متجهاً إلى
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 16
مركز علمي آخر، وإلى عالم جليل آخر، وكان وداعه لقرطبة يوم الاثنين الخامس والعشرين من المحرم سنة ثمان وخمسمائة قاصداً مرسية بشرق الأندلس، وكان وصوله إليها يوم الثلاثاء الثالث من صفر من نفس السنة.
وكان الأمل من وراء هذه الرحلة الالتقاء بحافظ العصر أبي علي الصدفي 19، والأخذ عنه، لكن لما وصل إلى مرسية فوجئ باختفاء قاضيها الصدفي، وذلك لرفضه الاستمرار في القضاء، ووجد جموع المرتحلين للسماع منه ينتظرونه، غير أن انتظارهم طال، فسافر بعض منهم لنفاذ ما معهم من النفقة، وانتظر هو بقية شهر صفر وربيع الأول.
وفي انتظار أن يعلم مكان الصدفي أخرج كتبه واشتغل بالمقابلة مع أصول الشيخ، فقابل الكثير منها على خاصة الصدفي وأهله.
ومرت الأيام، ويصدر العفو عن الصدفي من ممارسته القضاء، فيرسل إلى عياض يخبره بذلك وبأسفه على قدومه وهو في اختفائه ويقول له: لولا أن الله يسر خروجي بلطفه لكنت عزمت أن أشعرك بموضع يقع عليه الاختيار من بلاد الأندلس لا يؤبه لكوني فيه، ترحل إليه، وأخرج مختفياً إليه بأصولي، فتجد ما ترغب، لما كان في نفسي من تعطيل رحلتك، وإخفاق رغبتك 20.
بعد العفو خرج أبو علي الصدفي فجلس يسمع الناس الحديث فلزمه عياض، وسمع عليه الصحيحين، والمؤتلف والمختلف، ومشتبه النسبة لعبد الغني بن سعيد الأزدي، والشهاب في المواعظ والآدابِ للقضاعي المصري.
ويقول عنه ابنه في رحلته إلى الأندلس: إنه لقي جماعة من أعلام الأندلس، وقد أجاز له الحافظ أبو علي الجياني 21، ومحمد بن
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 17
عبد الرحمن بن شبرين (1)، وأبو جعفر بن بشتغير (2)، كما كاتب أبا عبد الله المازري وكان بمدينة المهدية، فأجازه جميع مروياته (3). عاد عياض إلى سبتة في ليلة السابع من جمادى الآخرة، سنة ثمان وخمسمائة (4)، وجلس للتدريس وهو في الثانية والثلاثين من عمره (5).
رابعاً: بعض شيوخه:
إن عدد شيوخه يقارب المائة أو يزيدون، وقد خصص لهم كتابه "الغنية".
وسنكتفي بذكر أبرزهم خاصة من لهم علاقة بموضوع "المدونة"، أو ورد ذكرهم في مقدمة كتابه "التنبيهات":
1 -
أبو عبد الله محمد بن عيسى بن حسين التميمي:
أجلّ شيوخ بلده سبتة، كان مولده بمدينة فاس، فانتقل به أبوه إليها، فأخذ عن أبي محمد المسيلي وغيره، ورحل إلى الأندلس ثلاث مرات، إحداها إلى إشبيلية، والثانية إلى ألمرية، والثالثة إلى قرطبة، وكلها رحلات علمية.
أخذ عنه عياض "موطأ مالك" بأسانيد كثيرة 27، و"صحيح البخاري" 28، و"صحيح مسلم" 29، و"سنن أبي داود" 30، و"شرح غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام 31، وكتاب "إصلاح الغلط" لأبي2223242526
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 18
محمد بن قتيبة (1)، وكتاب "غريب الحديث" لأبي سليمان حمد بن محمد البستي الخطابي (2)، وكتاب "علوم الحديث" لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، وكتاب "الطبقات" لمسلم بن الحجاج (3)، وكتب "المدونة"، و"الملخص" لمسند الموطأ، لأبي الحسن القابسي، و"التقصي" لمسند "الموطأ" لأبي عمر بن عبد البر، ومسند "الموطأ" لأبي القاسم الجوهري، و"الرسالة" لابن أبي زيد القيرواني (4). وُلِّيَ قضاء سبتة واستعفى منه فأعفي.
وتوفي بها سنة 505 هـ (5).
2 -
عبد الرحمن بن عتاب:
أبو محمد 37 عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بن محسن، مسند الأندلس، من أهل قرطبة، ولد سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة في بيت علم ودين، سمع من أبيه وغيره من شيوخ الأندلس.
رحل إليه الناس من كل قطر 38، تبوأ مكانة أبيه في العلم والإسناد والفتيا 39، أخذ عنه عياض وقابل نسخته من "المدونة" بنسخة أبيه.
قال عنه ابن بشكوال: كان من أهل الفضل والعلم والتواضع، وقد كتب بخطه علماً كثيراً، في غير ما نوع من أنواع العلم.
وقد جمع كتاباً حافلاً في الرقائق والزهد، سماه: "شفاء الصدور".
وهو كتاب كبير.
وكان صدراً لمن يستفتي، لسنه وتقدمه.
وهو آخر الشيوخ الجلة الأكابر في علو السند وسعة الرواية 40. توفي سنة عشرين وخمسمائة 41.3233343536
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 19
3 -
أبو علي الصدفي:
الإمام الحافظ والقاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد بن فِيرُّه المعروف بابن سكرة، نشأ بسرقسطة وقرأ بها القرآن وسمع بها من أعلامها، مثل: أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي وطبقته، وسمع بالمرية من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي، وأبي عبد الله بن المرابط.
خرج من المرية قاصداً الحج، فحج عامه ولقي بمكة أبا عبد الله الحسين بن علي الطبري 42 وأبا بكر الطرطوشي.
ثم سار إلى البصرة فلقي أبا يعلى المالكي، وأبا العباس الجرجاني، وأبا القاسم بن عقبة، وغيرهم.
وخرج من البصرة قاصداً بغداد، فسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد السلام الإصبهاني وغيره، ثم دخل بغداد فمكث بها خمس سنين كاملة، سمع فيها من أبي الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، مسند بغداد، ومن أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، ومن أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، ومن أبي عبد الله الحميدي.
وتفقه على الفقيه أبي بكر الشاشي وغيره.
ثم رحل عن بغداد فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وأبي الفرج سهل بن بشر الإسفرائيني، وغيرهما.
ومن دمشق رحل إلى مصر فسمع بها من القاضي أبي الحسن علي بن الحسين الخلعي، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي، وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم مهدي بن يوسف الوراق، ومن أبي القاسم شعيب بن سعد، وغيرهما.
هكذا كانت رحلة الصدفي إلى المشرق، وعاد إلى الأندلس في صفر سنة تسعين وأربعمائة، ليبث العلوم التي جمعها، في حلقاته التعليمية، وليسمع منه الطلبة كما سمع من الشيوخ، وكان عياض من بين الذين سمعوا منه هذا العلم الذي جمعه 43.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 20
4 -
محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد (1) (ت: 520 هـ):
اعتمد القاضي عياض في الكثير من المسائل الفقهية في كتابه "التنبيهات" على شيخه ابن رشد، وقد تتلمذ عليه بقرطبة قبل أن يرجع إلى سبتة مدرساً وقاضياً.
كما وجه إليه أسئلة كثيرة في مشكلات قضائية عرضت له في القضاء، من دقائق الفقه ومتشابه المسائل، ومختلف الروايات (2).
قال عنه عياض: جالسته كثيراً، وساءلته واستفدت منه، وسمعت بعض كتابه في اختصار المبسوطة من تآليفه يُقرأ عليه، وناولني بعضها، وأجازني الكتاب المذكور، وسائر رواياته (3).
خامساً: محنته ووفاته:
بالرغم من كثرة الكتابات عن القاضي عياض 47 فإن بعض فترات حياته وبعض مواقفه ما تزال بحاجة للبحث والنقاش، كعلاقته بالموحدين 48، وموقفه من إحياء علوم الدين 49، وتوليه القضاء في عهد الموحدين بقرية داي، وسبب موته، وتاريخ دخوله مدينة مراكش، إلى غير ذلك.
ولا غرابة في أن يقع الاختلاف بين المؤرخين في بعض الجوانب من حياته، لأنَّ بعض الذين كتبوا عنه في الفترة الأولى للموحدين لا يبعد أن تكون السياسة الجديدة قد شكلت في نفوسهم رقابة ذاتية جعلتهم يحتاطون فيما يكتبون.444546
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 21
كما يمكن أن تختلف الآراء في هذه الفترة بين موال ومعاد.
وغالباً ما تضيع الكثير من الحقائق في مثل هذه الفترة التي تسقط فيها دولة، وتقوم على أنقاضها دولة أخرى.
فالقاضي عياض ابتسمت له الحياة السياسية في عهد المرابطين طالباً، ومدرساً، وقاضياً، فاستغل هذه الفترة المزدهرة من حياته في جمع العلم ونشره، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكان وفياً لهذه الدولة التي اهتمت بالفقه والفقهاء، لكن هذه الفترة لم تدم طويلاً حتى بدأت ملامح دولة أخرى تلوح في الأفق، يطرد لمعان شعاعها الضوء الخافت المتبقي من دولة المرابطين.
فإذا كان القاضي عياض ومن سبقه من العلماء هم حملة مشعل الهداية في عهد المرابطين، وهم فقهاء الدولة، فإن الذي يحمل في الدولة الجديدة مشعل الهداية والإرشاد في بداية أمرها هو الذي يحمل مشعل السياسة، ألا وهو الفقيه السياسي المهدي بن تومرت.
وما هي إلا أعوام قليلة بعد وفاة المهدي حتى تتقدم جيوش الموحدين نحو سبتة، فيكون عياض في حيرة من أمره، كيف يتعامل مع هذه الدولة الفتية التي يختلف معها في الكثير من مناهجها.
ورغم هذا الاختلاف فقد ساير هذه الدولة إلى أن توفي، وقد أراد الله له ألا يموت إلا بعد أن يشهد وفاة دولة المرابطين، ويشهد ميلاد دولة الموحدين، وبين هاتين الدولتين اختلاف كبير في المنهج السياسي والعقدي، مما يجعل فترة انسجام عياض مع توجهات هذه الدولة لا يمكن أن تمر من غير أن تحدث هزات نفسية في نفسه إن لم تضع حدًّا لحياته.
فهي - لا شك - ستخلق له متاعب صحية، ولم تطل هذه المدة التي عاش فيها عياض في كنف السلطان الجديد حتى اختاره الله لجواره، فتوفي ليلة الجمعة - نصف الليل - التاسعة من جمادى الأخيرة من سنة أربع وأربعين وخمسمائة 50، ودفن بمراكش رحمه الله في باب أيلان داحنل السور كما قال ابنه 51.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 22
إلا أن المترجمين إن كانوا لم يختلفوا في تاريخ ولادته، فإنهم اختلفوا في تاريخ وسبب الوفاة.
فابن خلكان 52 يقول ما قاله محمَّد بن عياض.
ويقول ابن بشكوال: توفي مغرباً عن وطنه في وسط سنة 544 هـ. وقال الذهبي: وبلغني أنَّه قتل بالرماح، لكونه أنكر عصمة ابن تومرت 53. وقال عنه ابن فرحون: توفي بمراكش في شهر جمادى الأخيرة، وقيل: في شهر رمضان سنة 544 هـ. وقيل: إنه مات مسموماً، سمه يهودي 54.
والأظهر هو ما قاله ابنه لأنه هو الأقرب إليه 55.
وإذا كان هؤلاء مجمعين على تاريخ وفاته، ودفنه بمراكش فإن ابن كثير خرج عن هذا الإجماع عندما قال: إنه مات بمدينة سبتة 56.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 23
المبحث الثاني: شخصية القاضي عياض العلمية
إن الذي ميز القاضي عياضاً وأهله للتصدي لإشكالات كتاب "المدونة" هو تفوقه على أترابه الفقهاء بمؤهل نادر لاحظ هو بنفسه ندرته في وسط الفقهاء في مقدمة كتابه إذ قال: " ... لتوفر عامتهم وجمهورهم على علم المسألة والجواب، وتفرغهم لذلك عن التحقق بعلمي الأثر والإعراب، ولذلك استمرت رواياتهم في الكتاب في كثير منها على الوهم الصريح والتصحيف القبيح".
ولعل هذا الانكباب على هذا الكتاب بهذه الطريقة مما ساعد الموحدين في تهمتهم المشهورة للفقهاء بالإيغال في فقه الفروع حتى "نفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها.
وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" 57. وهو ما دعا الدولة الموحدية لتهدد هؤلاء الذين تركوا الأصول، وصاروا يحكمون بين الناس ويفتون بهذه المسائل والفروع.
وقال عبد المؤمن الموحدي في محفل للفقهاء: سمعنا أن عند القوم تأليفاً من هذه الفروع يسمونه الكتاب - يعني "المدونة" - وأنهم إذا قال لهم قائل مسألة من السنَّة ولم تكن فيه أو مخالفة
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 24
له قالوا: ما هي في الكتاب ... وليس ثم كتاب يرجع إليه إلا كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم بلغ الأمر بالموحدين إلى إحراق كتب المذهب بعد أن جُرد ما فيها من الحديث والقرآن، فأُحرق منها جملة في سائر البلاد، كـ "مدونة سحنون"، وكتاب "ابن يونس"، و"نوادر ابن أبي زيد"، و"تهذيب البراذعي"، و"واضحة ابن حبيب" (1) ...
إن هذه الحوادث المأساوية تجلي فعلاً ذلك الجمود على كتب الفروع، وتؤكد الفرضية بل الحقيقة التي بنى عليها القاضي عياض في تأليف كتاب التنبيهات.
ويؤكد ذلك الواقعُ التاريخي أيضاً، فكثير من الفقهاء اقتصروا على "المدونة" خاصة، وكثير منهم كان يحفظها حرفياً أو كان لا يجاوزها ولا يفارقها، حتى كان من شروط تولي بعض الخطط حفظها (2) ... فما الذي امتاز به عنهم القاضي عياض؟
أولاً: ملامح عن القاضي عياض المحدِّث المحقق:
كان المؤلف رحمه الله من أئمة وقته في الحديث وفقهه وغريبه، ومشكله ومختلفه، وصحيحه وسقيمه، وعِلَلِهِ وحفظ رجاله ومتونه وجميع أنواع علومه 60. وقد ذكره أبو الوليد ابن الدباغ في الطبقة الثانية عشرة من المحدثين في كتابه.
ويكفي أن يذكر في شيوخه أعلام زمانه مثل: أبي علي الجياني وأبي علي الصدفي وأبي طاهر السلفي ...5859
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 25
أما مرويات القاضي عياض الحديثية فيطول المقام عند استقصائها بل يصعب؛ لأنه - فيما ذكر من مروياته في الغنية - كان لا يستوعب، إنما يمثل ويختصر، والدليل على ذلك أنه لم يذكر من مؤلفات الإمام مسلم غير كتاب "الصحيح" و"الطبقات"، بينما ذكر من مروياته الأخرى في غير الغنية مجموعة من مؤلفات الإمام مسلم هي: "تمييز الكنى والأسماء" و"الطبقات" و"الوحدان" و"العلل" و"شيوخ مالك وسفيان وشعبة" و"رجال عروة بن الزبير" 61.
ويدل على هذا أيضاً أن مجموع العناوين التي سردها في الغنية لا تتجاوز بضعاً وثلاثين عنواناً، هذا عدا ما يجمعه في مثل قوله: فهرس فلان، أو كتب فلان.
ومن يقرأ مؤلفاته يجده يروي مصنفات كثيرة في شتى أنواع العلم لا ذكر لها في الغنية.
ومروياته في الحديث المذكورة في الكتاب هي أمهات معروفة في الحديث؛ في علومه ومتونه ورجاله، ومنها - مثلاً -: "مسند بقي بن مخلد" و"مصنفه" 62، و"مسند الموطأ" لأبي القاسم الجوهري 63. وهي نماذج أمسى بعضها في حكم المفقود.
وما ينبغي التأكيد عليه هنا مما له علاقة بالقاضي عياض المحدِّث المحقق اتساعه في رواية الأمهات بأكثر طرقها وأسانيدها ونسخها، كالبخاري 64، ومسلم 65، وأبي داود 66. وهو إذ اقتصر على ذكر الروايات في هذه الثلاث فلا يعني أن سائرها لم يتوسع فيها، فقد روى غيرها بالطريقة ذاتها كما يوجد في ثنايا كتابيه: "المشارق" و"الإكمال".
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 26
والملاحظة الثانية في عنايته بالرواية هي الضبط والتصحيح والتحقيق على الأصول الصحيحة, فروايته لصحيح البخاري عن الصدفي في أعلى درجات الإتقان، نقل الشيخ عبد الحي الكتاني عن العلَّامة إدريس العراقي - ردًّا على من فضل رواية موسى بن سعادة 67 عن الصدفي على رواية القاضي عياض قال -: رواية عياض أفضل من رواية ابن سعادة عنه.
ثم حكى عن ابن عبد السلام القادري قوله: وقفت على نسخة رواية عياض عن الصدفي عند مولاي إدريس العراقي، وسمعت عليه جلّها، وأنا أقابل عليه معها نسخة ابن سعادة المشار إليها.
فباعتبار ما ظهر لي قول شيخنا مولاي إدريس صحيح 68.
وقال القاضي عياض عن روايته لسنن أبي داود: قرأته على هشام بن أحمد بن العواد في داره بقرطبة وهو يمسك على أصل الجياني الذي أتقنه 69.
وقال عن روايته للمؤتلف والمختلف للدارقطني: حدثني به أبو علي الصدفي، وعارضته بأصله 70. وأكد هذا ابن الأبار في معجمه فقال: وعندي أصل أبي علي من الكتاب، وفيه خط عياض بالمعارضة خاصة 71.
وانسجاماً مع اهتمامه الشديد بالتحقيق وجمع الأصول، استطاع المؤلف أن يقتني لنفسه أعلاقاً من أمهات الشيوخ الكبار خاصة أصول الصدفي؛ إذ حصلت له أصوله من "التاريخ الكبير" للبخاري 72، و"العلل
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 27
الكبير" للدارقطني (1). كما انتهت إليه أصول الباجي لمؤلفاته: "التجريح والتعديل" و"أحكام الفصول" وكتاب "التسديد" (2)، وغيرها من أصول علوم أخرى ذكرها في الغنية.
ثانياً: القاضي عياض الفقيه:
لم يخالف أحد أن القاضي عياضاً فقيه، إن لم يكن الفقه على رأس علومه، فلولا أنه فقيه متميز ما أجلسه أهل بلده لتدريس "المدونة" وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، ثم ما أُجلس بعد ذلك بيسير للشورى، ثم لولاه ما قُلد القضاء بعد ذلك وهو ابن تسع وثلاثين سنة 75. قال عنه ابنه: "كان فقيهاً حافظاً لمسائل المختصر والمدونة، قائماً عليها، حاذقاً بتخريج الحديث (كذا) من مفهومها، عاقداً للشروط، بصيراً بالفتيا والأحكام والنوازل" 76. وعلى مستوى أعلى من الفقه يشهد أبو القاسم الملاحي في "تاريخ البيرة" أنه "حمل راية الرأي، ورأس في الأصول ... وأشرف على مذاهب الفقهاء" 77. ومن العوامل المساعدة على تكوينه وبروزه في الفقه عدد من شيوخ عصره اللامعين ممن أخذ عنهم، منهم:
-
- أبو عبد الله بن عيسى: أجلّ شيوخ سبتة ومقدم فقهائهم 78، وهو أحد أهم شيوخه في "المدونة"، ممن له منهج خاص في تدريسها، تابعه عليه كثير من طلبته السبتيين.
-
- القاضي أبو عبد الله بن حمدين القرطبي: المتوفى سنة 508 هـ،7374
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 28
حلاه القاضي عياض بصاحب النظر الصحيح في الفقه 79، وقد اعتمد المؤلف على نسخته الخاصة من "المدونة" كما سيأتي.
3) - أبو عبد الله محمَّد بن أحمد التجيبي المعروف بابن الحاج: قاضي الجماعة بقرطبة مرتين، وزميل ابن رشد وصاحب الفتاوى ... استشهد وهو يصلي الجمعة سنة 529 هـ 80.
4) - أبو الوليد محمَّد بن أحمد بن رشد الجد: المتوفى سنة 520 هـ، قال المؤلف في حقه: "زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب ومقدمهم، المعترف له بصحة النظر وجودة التأليف ودقة الفقه، وكان إليه المفزع في المشكلات، بصيراً بالأصول والفروع والفرائض والتفنن في العلوم.
وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية ... إليه كانت الرحلة للتفقه من أقطار الأندلس مدة حياته إلى أن توفي 81. جالسته كثيراً وساءلته واستفدت منه" 82.
وقد يتبادر للذهن كيف أن عياضاً لم يرو "المدونة" عن ابن رشد وهو بهذه المثابة، وهو من درسها وألف عليها، وهو أفقه أهل زمانه؟ ولعل السبب أن الرجل لم يعتن بالرواية والسماع، ولذلك قصد القاضي عياض فيها أهل الفن وإن كانوا دون ابن رشد في الفقه ...
وغير هؤلاء عديدون مثل: القاضي أبي عبد الله محمَّد بن داود القلعي الذي درس عليه الأصول خاصة 83، والقاضي أبي بكر بن العربي الذي لقيه غير مرة 84، والمازري الذي أجازه كتبه 85 ...
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 29
وفهرسة القاضي عياض "الغنية" قد تجلي صورته الفقهية من جهة أخرى هي ملاحظة كتب الفقه فيها وأعدادها وتنوعها وأهميتها، وهي كثيرة يكفي الإلمام ببعضها؛ فمنها: كتب الباجي 86، وتواليف ابن أبي زمنين 87، وكتب أبي عمران الفاسي 88، وكتب اللخمي 89، وكتب عبد الحق الصقلي 90، وكتب المازري 91، وكتب ابن رشد 92.
وسمى المؤلف عدداً لا بأس به من كتب الفقه المعروفة، غير أن الملاحظ عدم ذكر عدد من المصادر الأساسية في المذهب وعلى رأسها الأمهات، كـ "مختصر ابن عبد الحكم"، و"الواضحة"، و"الأسدية"، و"الموازية"، و"العتبية"، ثم بعض المصادر الأخرى مثل كتب فضل بن سلمة، وأبي إسحاق التونسي، وابن شعبان، وابن القصار، والأبهري، مع العلم أنه كثير الاعتماد والعزو إلى هذه المجموعة من المؤلفات في التنبيهات.
وقد يكون السبب لأنه اختصر فهرسته واقتصر على عيون مروياته.
ويحتمل أيضاً أن تكون تلك الكتب مضمنة فيما يرويه من مجموعات وفهارس ومرويات الشيوخ، كقوله: إنه يروي فهرسة ابن عبد البر وتصانيفه 93، وفهرسة ابن سعدون وتأليفه 94، وفهرسة القاضي عبد الوهاب
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 30
وتصانيفه ورواياته 95، وتصانيف أبي إسحاق الشيرازي 96 ... وغير هؤلاء كثير من أهل سبتة والأندلس.
وهذا الكم المتنوع من المرويات والمدروسات أسهم في صقل موهبة عياض الفقهية، فقد جمع الأمهات والمصادر من مختلف المدارس المالكية؛ المصرية والبغدادية والقروية والأندلسية.
وإذا انضم إلى ذلك التكوين الحديثي والأدبي للقاضي عياض صاغ منه شخصية موسوعية ونموذجاً فقهياً متميزاً، وزادته الممارسة العملية للشورى والقضاء والإفتاء توقداً وتمرساً.
شهادات في حق القاضي عياض:
أثنى غير واحد على المؤلف وشهد له بالتفوق في غير ما علم، ويهمنا هنا ما هو ألصق بمجال الفقه ... ولعل إحدى الشهادات التي لم يرفع عنها الستار بعد هي شهادة شيخه ابن رشد، فقد أحله مكانة خاصة وأثنى عليه ثناء عطراً وأجله إكباراً، واعترف له بالموهبة الفقهية والبحث عن الدقائق، كان ذلك في مكاتباته إياه في الاستفتاءات التي يرفعها إليه القاضي عياض وهو على قضاء سبتة.
فبين الفينة والأخرى تعترضه قضايا فيرفع فيها أسئلة مجموعة قد تبلغ بضعة عشر سؤالاً 97، وبعض هذه الأسئلة مؤرخ بالعام 519 هـ، مما يؤكد التواصل الدائم بين القاضيين 98. ومما جاء في هذه الإشادات والتقديرات في مستهل إجابات القاضي أبي الوليد:
- "أبقى الله الفقيه القاضي الأجل ... " 99.
- "يا سيدي وأعظم عددي، وأجل أوليائي في الله وعمدي، ومن
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 31
أبقاه الله مؤيداً بتقواه ... " 100.
- "تصفحت يا سيدي أعزك الله بطاعته وتولاك بكرامته، ونفعك باجتهادك وتفهمك وبحثك عن حقائق الأشياء بحسن تدبرك، وأدام الإمتاع بك، وأنام أعين الحوادث عنك برحمته ... " 101. وإنما جاء هذا الإطراء الأخير بعد سؤال من القاضي عياض في موضوع شغل باله ولم يرد أن يكون في معالجته نصيًّا، ورأى أن مراعاة المصلحة يقتضي مخالفة رسم الفتوى، وبعض ما في سؤاله "يقع في البال نتائج وسؤالات ومباحث تحقيقية، إن استقصي النظر فيها خولف ما جرى عليه رسم الفتيا والحكم، وإن تغوفل عنها بقيت في النَّفس حزة منها" 102. وقد أقره ابن رشد في غير ما قضية على اجتهاده 103. وهؤلاء شيوخ الأندلس يشهدون له بالتفوق أيضاً، فكان من قول شيخه في "المدونة" وغيرها القاضي أبو عبد الله بن حمدين: "وحقي يا أبا الفضل، إن كنت تركت بالمغرب مثلك" 104. وقال في حقه شيخه أبو محمَّد بن أبي جعفر: "ما وصل إلينا من المغرب أنبل من عياض" 105. وأكبر هذه الشهادات المؤكدة لهذه الدعوى قول شيخه أبي الحسين بن سراج حين عزم على الرحلة لأحد الشيوخ الأندلسيين: "لهو أحوج إليك منك إليه" 106. ويزيد تأكيداً لهذا أنه بمجرد حلوله من رحلته الأندلسية أجلسه أهل
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 32
بلده للمناظرة عليه في "المدونة" وهو ابن اثنين وثلاثين عاماً أو نحوها (1). ولأمر ما أجمع أهل سبتة ابتداراً منهم على هذا الطلب لتدريس "المدونة" دون غيرها مما يتقنه القاضي عياض، وسبتة يومئذٍ فيها من فطاحل "المدونة" غير قليل كما سبق ذكره.
وقد صرح تلميذه ابن حمادة بهذا وقال: أجلسه أصحابنا للمناظرة، إذ لم يجدوا من جلوسه محيصاً (2). وقد نوه به أبو الحسن الرجراجي في "مناهج التحصيل" غير مرة، وكان يحليه ببعض حذاق المتأخرين.
ثالثاً: ثقافة القاضي عياض اللغوية:
يقول المترجمون للقاضي عياض: إنه كان حافظاً للغة والأغربة والشعر والمثل، نحوياً ريان من الأدب، شاعراً مجيداً يتصرف في نظمه أحسن تصرف، ويستعمل في شعره الغرائب من صناعة الشعر، خطيباً فصيحاً حسن الإيراد، لا يخطب إلا بما يصنع، خطبته فصيحة ذات رونق، عذبة الألفاظ سهلة المأخذ 109. لكن كثيراً من شعره ضاع 110. أما نثره وخطبه فأكثر من شعره، وتخطى قدر منها حواجز الزمن حتى بلغنا 111. ونذكر هنا هذه القطعة الشعرية لدلالاتها المتعددة، وأهم الدلالات مكانته الأدبية المتجلية في مخاطباته لكبار أدباء عصره وبزه إياهم 112: قل للأماجد والحديثُ شجون ... ما ضرَّ إن شاب الوقارَ مجون107108
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 33
ولئن غدوتُ من العلوم بموضع ... تؤمي إليه أصابع وعيون فلديَّ للآداب نفس صبَّة ... فيها إلى مُلح الظروف ركون كنا افترقنا عند دعوى خطَّة ... ساءت فيها - فيما فهمت - ظنون فأتيت بالبرهان فيها نيِّراً ... وعدَتْ عوادٍ بعد ذا وشؤون وبعثت حينئذ ليُعلم أنني ... عين الزمان وسره المكنون وعندما نبحث عن مبتدأ هذا التفوق وأصله، نجد القاضي عياضاً - وهو في أيام طلبه وبعدها - أخذ عن شيوخ مشهود لهم بالكفاءة واليد الطولى في الأدب واللغة والنحو، من أظهرهم:
- الحسن بن علي بن طريف التاهرتي النحوي أبو علي: المتوفى 501 هـ، قال المؤلف في حقه: "شيخ بلدنا في النحو، درس عمره النحو ببلدنا، وأخذ عنه جماعة من شيوخنا وجماعة من أصحابنا، درست عليه كثيراً من كتب الأدب" 113.
- عبد المجيد بن عبدون الفهري اليابري، الوزير الكاتب، أبو محمَّد: المتوفى 527 هـ، قال عنه المؤلف: "بقية مشايخ الكتاب الأدباء العلماء، وأحد الأفراد من فحول الشعراء، المقدمين عند الملوك والرؤساء، سمع عمه وعاصماً النحوي وأبا مروان بن سراج وابنه ... قرأ الناس عليه كثيراً، وحملوا عنه كتب الغريب والآداب وغير ذلك ... لقيته بسبتة في انصرافه (من مراكش إلى الأندلس بلده)، فأقسم لي أنه ما قصد سبتة إلا للقائي والاجتماع بي، وساءلني عن أشياء في نفسه، وذاكرته في شيء، وسمعت عليه كثيراً من كتابه في نصرة أبي عبيد في الشرح أو جميعَه، وأجازني جميع روايته" 114.
- عبد الله بن محمَّد بن السِّيد البَطَلْيوسي النحوي أبو محمَّد: المتوفى
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 34
521 هـ، قال المؤلف في حقه: "شيخ الأدباء في وقته، مقدم في علم النحو واللغات والآداب والشعر والبلاغة، له مصنفات ملاح في شرح أدب الكتاب وشعر المعري ... أجازني جميع رواياته وتصانيفه" 115.
4) سراج بن عبد الملك بن سراج الأموي الوزير اللغوي الحافظ أبو الحسين: المتوفى 508 هـ، ولعل هذا أهم شيوخ القاضي عياض؛ حلاه في الغنية بقوله: "زعيم وقته وإمام أهل طريقته، والمقدم في مصره بذاته وسليقته، أكثر أخذه عن أبيه الحافظ أبي مروان ... وإليه كانت الرحلة في وقته بعد أبيه في تقييد كتب الأدب والغريب والشروح، ودرس كتاب "سيبويه"، وقلَّ مشهور إلا وقد أخذ عنه.
ورحلت إليه إلى قرطبة سنة 507 هـ فسمعت عليه ما يسره الله بمنه، وجعل لي من نفسه حظاً ودولاً كثيرة ... " 116.
وللمؤلف في الأدب شيوخ آخرون غير هؤلاء ذكرهم وذكر مروياتهم في الغنية.
والوجه الثاني لتكوين المؤلف الأدبي يتجلى في هذه المصنفات المسموعة والأمهات المقروءة على الشيوخ، مثل: "الجمل" للزجاجي، و"الواضح" للزبيدي، و"الكافي" للنحاس، و"الإيضاح" للفارسي، ومثل: "الكامل" و"المقتضب" للمبرد، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة، و"الأمالي" لأبي علي القالي 117. ومثل: "إصلاح المنطق" لابن السكيت، والألفاظ له، و"الزاهر" لابن الأنباري، و"مختصر العين" للزبيدي 118.
أما كتب الغريب، وهي الأهم لعلاقتها بشرح غريب الحديث، فمنها: "الغريب المصنف" 119، و"غريب الحديث" 120 لأبي عبيد، و"إصلاح الغلط
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 35
على أبي عبيد" 121، و"غريب الحديث" لابن قتيبة 122، و"الغريبين" لأبي عبيد الهروي 123، و"غريب الخطابي" 124، و"الدلائل" لقاسم بن ثابت السرقسطي 125، وغيرها من المصادر.
والمؤلف كعادته لم يستقص جميع مروياته في اللغة والأدب، وأغفل ذكر بعض المصادر الهامة التي قد لا يوجد لها أثر اليوم، وكان قد اعتمدها في مؤلفاته الأخرى، مثل: كتاب "اليواقيت" لأبي عمر المطرز 126، و"المنقذ" للمفجع اللغوي 127، و"البارع" لأبي علي القالي 128، و"الجامع" للقزاز القيرواني 129، و"الفاخر" للمفضل بن سلمة 130، و"الجمهرة" لابن دريد 131 وإذا أحصيت أسماء العلماء ممن ينقل عنهم في كتبه في اللغة تبيّن حجم روايته.
والخلاصة أن خزانة عياض وفهرسة مروياته في مختلف الفنون تبقى غير معروفة.
وهو - رحمه الله - في موقع جغرافي يتيح له الاستفادة من كل شيخ وكل كتاب يعبر من المشرق إلى الأندلس أو العكس، ويقتني من ذلك
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 36
ما يريد، ويطلع على النفائس والأصول النادرة.
وهو المعتني بالتحقيق وتصحيح النسخ، تراه في علم اللغة، كما في الحديث والفقه، ينقب عن الأمهات ويقتني منها ما يجد، أو يكتفي بتصحيح نسخه عليها؛ فمن ذلك قوله في غريب ابن قتيبة: "قرأته على القاضي الشهيد ابن الحاج التجيبي في داره بقرطبة، وعارضت كتابي بكتابه ... وصححت كثيراً من شواهده وعويص حروفه على الوزير أبي الحسين بن سراج ... " 132.
وقوله عن كتاب "الغريبين" للهروي: "قرأت جميعه على ابن سراج وصححته عليه" 133.
وقوله في كتاب "الدلائل" للسرقسطي: "عارضته بكتاب ابن سراج" 134.
فالقاضي عياض رحمه الله في مستواه الأدبي لا يقل بل يفوق كبار أهل الصنعة شعراً ونثراً ونحواً، وبلاغةً وصرفاً، فله من الشعر كثير، ومن النثر أكثر، بل وله كتاب في فن الترسيل 135. قال الدكتور عبد الله الطيب: "بغية الرائد وحدها تصنف عياضاً في خانة كبار النقاد، كما صنفت "الوساطة" بين المتنبي وخصومه عبد العزيز الجرجاني في ضمنهم، وهو دونه في مرتبة العلم.
وليست "بغية الرائد" دون "الوساطة" في مرتبة النقد، بل لا أشك أنها أعلى منها مرتبة.
والشهرة حظوظ" 136.
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 37
المبحث الثالث: آثاره العلمية
خلف القاضي عياض رحمه الله مؤلفات كثيرة في الحديث، واللغة، والفقه، والتاريخ، شاهدة على رسوخ قدمه في هذه الفنون التي ألف فيها.
منها: ما تناولته يد الدارسين وسعدت به المطابع فخرج إلى حيز الوجود، ومنها: ما هو باق على الحالة التي تركه عليها النساخ، ومنها: ما عرف اسمه وجهل رسمه، ونذكر هذه المؤلفات مبتدئين بما طبع منها:
أولاً: المطبوع:
1 -
" الإلماع" إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع:
هذا الكتاب من الكتب المهمة في مصطلح الحديث، وهو مطبوع (1).
2 -
الأعلام بحدود قواعد الإِسلام:
حقَّقه وقدَّم له الأستاذ المرحوم محمَّد بن تاويت الطنجي وطبعته وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، وقد ترجم إلى الفرنسية 138. وشرحه القباب، وما زال الشرح مخطوطاً.137
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 38
3 -
بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد:
يعتبر هذا الكتاب من أوفى الشروح لهذا الحديث، وهو مطبوع (1).
4 -
ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك:
لقد أولى هذا الكتاب للمذهب المالكي عناية خاصة، وذلك لما ينطوي عليه من صور واضحة حول نشوء المذهب وتطوره، ومن أخبار عن رواة المذهب وفقهائه وكتبه، وهذا ما جعل الناس يتطلعون إلى صدور هذا الكتاب.
ويؤيد عناية الأمراء به ما ذكره الأستاذ محمَّد بن تاويت الطنجي من عزم السلطان العلوي مولاي عبد الحفيظ على طبعه بمصر، إلا أن العملية لم يكتب لها النجاح.
وفي 1330 هـ بدأ مولاي حفيظ بطبع ترتيب المدارك بفاس على نفقته أيضاً فطبعت منه ست عشرة صفحة، ثم حال حائل دون الاستمرار في الطبع.
وقد عزم محمَّد الخامس رحمه الله كذلك على طبعه إلا أن هذه الأمنية لم يكتب لها التحقيق.
وقد تحققت هذه الرغبة على يد الحسن الثاني رحمه الله (2) فقامت وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بطبعه بعد أن قامت مجموعة من الأساتذة بتحقيقه.
وقد طبع كذلك في لبنان بتحقيق الدكتور أحمد بكير محمود (3).
5 -
مشارق الأنوار على صحاح الآثار:
عمد القاضي عياض في كتابه هذا الذي درس فيه "الموطأ" و"صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" إلى كلمات المتن، وأسماء الأماكن، والرجال، وكناهم وألقابهم، فقام بترتيبها على حروف المعجم، ثم شرع في ضبط متونها وتصحيحها على الأصول، كما نبه على اختلاف الروايات مع الإشارة إلى الصواب والأرجح منها.
وأفرد فصلاً لأسماء الأماكن والأسماء والألقاب139140141
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 39
والكنى (1). قد نبه على منهجيته في الكتاب والأسباب الداعية إلى تأليفه في المقدمة.
وقد طبع هذا الكتاب لأول مرة على يد السلطان مولاي عبد الحفيظ سنة 1328 هـ ثم أعادت وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالرباط طبعه سنة 1982 ضمن منشوراتها.
6 -
الغنية:
خصص القاضي عياض هذا الكتاب لشيوخه وما رواه عنهم، وقد حققه وقدم له الدكتور محمَّد بن عبد الكريم، وطبع بالدار العربية للكتاب بليبيا، وتونس، سنة 1978. وحققه وقدم له أيضاً الأستاذ ماهر زهير جرار، وطبع بدار الغرب الإِسلامي ببيروت، سنة 1982.
7 -
الشفا بتعريف حقوق المصطفى:
هو من أشهر الكتب التي ألفها القاضي عياض، وقلما تخلو منه خزانة عامة أو خاصة إلى أن قيل فيه: كلهم حاولوا الدواء ولكن ... ما أتى بالشفاء إلا عياض وقد طبع هذا الكتاب مرات عديدة.
8 -
إكمال المعلم بفوائد مسلم:
هو شرح كمل به شرح أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله المازري على صحيح مسلم بن الحجاج المسمى بالمعلم بفوائد مسلم، وقد قام بتحقيقه الدكتور يحيى إسماعيل، وطبع بدار الوفاء للطباعة والنشر سنة 1998 في تسعة أجزاء.
9 -
مذاهب الحكام في نوازل الحكام:
هذا الكتاب للقاضي عياض وولده، وأصله بطائق أو جذاذات للقاضي عياض جمعها بعد وفاته ابنه أبو عبد الله محمَّد، وهي تشتمل على أجوبة142
الجزء: مقدمة ¦ الصفحة: 40
تمثل الفتوى في الغرب الإِسلامي، وليست مقصورة على عياض وحده، وإنما فيها أجوبة لابن رشد، وابن الحاج، ومحمد بن عياض، وقد قدم لهذا الكتاب وحققه وعلق عليه الدكتور محمَّد بن شريفة، وطبع بدار الغرب الإسلامي.
ثانياً: المخطوط:
1 -