وأخبرنيه أيضًا أبو بكر الأعين، أنه سمع من عمرو بن هارون هذا قال: سمعت ابن عيينة يقول هذا.
وسمعت جعفر بن مكرم يقول: سمعت وهب بن جرير يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق.
وسمعت أبا عبد اللَّه يقول هذا، ويقول: بلغني هذا عن جعفر بن محمد، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وإبراهيم بن سعد، وأبي النضر، ووهب بن جرير، ووكيع، وغيرهم، أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، إنه ممن يقول: غير مخلوق، فهل يحل عنده محل الجهمية النافعة.
وقد سمعت من يقول: وقع بيني وبين مثنى الأنماطي كلام، ونحن في طريق مكة، فأتيت وكيعا، وسألته عمن قال: القرآن مخلوق؛ فقال: هذا كفر، هذا كفر، هذا كفر كفر.
وسمعت فضلا الأنماطي يقول: سمعت يزيد بن هارون والفريابي يقولان: من قال: القرآن مخلوق.
فهو كافر.
وأخبرني محمد بن غيلان، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المروزيان، أنهما سمعا علي بن الحسن بن شقيق يقول: سمعت عبد اللَّه بن المبارك يقول: القرآن كلام اللَّه وليس بمخلوق.
وهذان من فضلاء أهل خراسان.
وأخبرني أبو سعيد بن أخي حجاج الأنماطي؛ أنه سمع عمه يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس من اللَّه شيء مخلوق، وهو منه، وليس بمختلف عندنا.
عن أبي النضر، وعفان، وعاصم، أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام
اللَّه، وليس بمخلوق.
وسمعت عباسا العنبري يقول: سمعت أبا الوليد يقول: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق؛ ومن لم يعقد عليه قلبه أنه ليس بمخلوق، فهو كافر.
وحدثنا حسن بن عيسى مولى ابن المبارك قال: سمعت ابن المبارك يقول: الجهمية كفار.
وحدثني أبو عمر الدوري المقري، قال: ثنا عفان، قال: شهدتُ سلَّامًا أبا المنذر قارئ أهل البصرة، وقد جاءه رجلٌ جهمي والمصحف في حجره، فقال له: ما هذا يا أبا المنذر؟ قال: قم يا زنديق، هذا كلام اللَّه غير مخلوق.
وسمعت محمد بن يحيى بن سعيد القطان يقول: كان أبي وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: الجهمية تدور أن ليس في السماء شيء.
وحدثني العباس العنبري، قال: سمعت شاذًّا يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: من قال: القرآن مخلوق.
فهو -واللَّه الذى لا إله إلا هو- زنديق.
وقال عمر بن عثمان الواسطي ابن أخي علي بن عاصم قال: سألت هشيما، وجريرا، والمعتمر، ومرحوما، وعمي علي بن عاصم، وأبا بكر ابن عياش، وأبا معاوية، وسفيان، والمطلب بن زياد، ويزيد بن هارون عمن قال: القرآن مخلوق، فقالوا: زنادقة.
قال أبو بكر: زنادقة يقتلون.
قلت ليزيد بن هارون: يقتلون يا أبا خالد بالسيف؟ قال: بالسيف.
وأخبرنا من سَمِعَ يعقوب بن إبراهيم بن سعد يقول: جاء سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، فسأل أبي عن رجل يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: هذا كافر باللَّه، تضرب عنقه من هاهنا، وأشار بيده إلى عنقه.
فقلت ليعقوب: أي شيء تقول أنت؟ قال: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق.
وأخبرني فطر بن حماد قال: سألت المعتمر، وحماد بن زيد عمن قال: القرآن مخلوق؛ فقالا: كافر.
قال: وسألت يزيد بن زريع، صليت خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: خلف رجل مسلم أحب إلي.
وسمعتُ حسينا يقول: سمعت قبيصة يقول: من قال: محدث؛ فهو يقول: إنه مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق؛ فهو كافر باللَّه، سمعته من وكيع، وقد أخبرتك من ينصب في هذا الأمر ويقوم به في تكفير من مضى لهم بيان ذلك، حتى تكلموا في استتابتهم وموارثتهم، ولو كان هذا الأمر الذي جاءت به الجهمية أمرا يرتاب فيه أو يشك فيه، لما وسع أهل العلم التكذيب به، ولا إخراج أهله من الحق، ولا إثبات ما جحدوه من صفات اللَّه وأسمائه، وانتحالهم خلق القرآن، ولا جاز لهم مباينتهم إذا استتابوا بشرا وأصحابه، ولوجب عليهم الإمساك عنهم وترك الرد عليهم والخلاف لهم، ولكنهم كانوا -واللَّه- أعلم باللَّه، وأشد في أمره في أن يشكوا فيما قد وضع لهم من الحق، وبان لهم من الباطل، فاتق اللَّه، وانظر لنفسك، فإني قد نصحتك، وأحببت لك ما أحببت لنفسي، ودعوتك إلى ما عليه شيخ الإسلام أبو عبد اللَّه، وأهل العلم قبلنا، وأهل الشورى، انْقَدْ للحق وتواضع عليه، وعظم أمره، وبين ذلك واكشفه، فإني أرجو أن يقبل اللَّه إليك بقلوب المؤمنين، ويشرح صدرك بالذي شرح به صدورهم إذا علم منك الصدق والتواضع والاستكانة له والتضرع إليه، فإن كان قوم قد نازعوك هذا وأنكروه عليك فأَلِنْ لهم جانبك، وتواضع للحق والفهم، وبين ذلك،
فقد كان من ابن علية كلام في نبله ومجالسته أيوب، ويونس، وابن عون، والتيمي، فما منعه ذلك أن كشفه على رءوس الناس ورجع عنه فرفعه اللَّه بذلك، فإن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كافيك ما تحذر، فإني قد رأيت أبا عبد اللَّه يحب أن يوفقك اللَّه، ورأيته معنيا بأمرك، يحب أن يسددك اللَّه للذي أجمع عليه أصحابك من أهل السنة وأهل الحديث، فإن هذا عنده مثل رأي الجهمية -عصمنا اللَّه وإياك- وباللَّه التوفيق، وجمع لنا ولك خير الدنيا والآخرة، وقد بلغني أن زكريا أظهر كتابا بحضرتك حكى فيه حكايات في الوقف عن مشيخة عرفها الناس عندنا أنها كذب.
قال أبو بكر المروذي: هذا آخر الكتاب الذي سطر أبو عبد اللَّه فيه وصححه بخطه.
"السنة" للخلال 2/ 255 - 270 (1909 - 1941) قال ابن بطة: حدثنا أبو حفص، قال: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا الفضل، قال: حدثنا أبو طالب، قال: قلت: يا أبا عبد اللَّه! إني قد احتججت عليهم بالقرآن والحديث وأحب أن أعرضه عليك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]؛ أليس من محمد يسمع كلام اللَّه؟ ! قال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾ [البقرة: 75].
وقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)﴾ [النحل: 98].
وقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ﴾ [الإسراء: 45].
وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: 204]. وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)﴾ [الكهف: 27].
وقال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾ [النمل: 92]؛ أليس يتلو القرآن؟ ! وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20]؛ فعلى كل حال فهو قرآن. وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث جابر: "إن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي".1
وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لمعاوية بن الحكم: "إنَّ هذِه الصَّلَاةَ لَا يَصلُح فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إلا القرآن"2؛ فالقرآن غير كلام الناس. وقال أبو بكر -رضي اللَّه عنه-: لا واللَّه، ولكنه كلام اللَّه.3
فقال لي: ما أحسن ما احتججت به! جبريل جاء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمخلوق! والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جاء إلى الناس بمخلوق! "الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية 1/ 335 - 337 (141)
قال ابن بطة: وأخبرني أبو صالح وحدثنا أبو حفص قالا: حدثنا محمد بن داود بن جعفر البصروي قال: حدثنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق؛ فهو كافر باللَّه واليوم الآخر، والحجة فيه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 61].
وقال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)﴾ [البقرة: 120]. وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)﴾ [الرعد: 37].
فالذي جاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- به من العلم هو القرآن، وهو العلم الذي جاءه، والعلم غير مخلوق، والقرآن من العلم وهو كلام اللَّه.
وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3)﴾ [الرحمن: 1 - 3]. وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54].
فأخبر أن الخلق خلق، والأمر غير الخلق، وهو كلام، فإن اللَّه لم يخل من العلم.
وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)﴾ [الإنسان: 23].
والذكر هو القرآن، وأن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لم يخل منهما، ولم يزل اللَّه متكلمًا عالمًا.
وقال في موضع آخر: إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لم يخل من العلم والكلام وليسا من الخلق؛ لأنه لم يخل منهما، فالقرآن من علم اللَّه.
وقال ابن عباس: أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب.
فقال: يا رب! وما أكتب؟ قال: اكتب القدر.
فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة.
رواه الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس1، وأبو الضحى، عن ابن عباس2، ورواه منصور بن زاذان3، ورواه مجاهد، عن ابن عباس4، ورواه عروة بن عامر، عن ابن عباس5، وحدث به الحكم، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس6، فكان أول ما خلق اللَّه من شرعه القلم.
وفي هاتين الآيتين رد على الجهمية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: 210]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)﴾ [الفجر: 22].
وقال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ﴾ [الأنعام: 34]، ولا يقولون: إنه مخلوق.
وفي هؤلاء الآيات أيضًا دليل على أن الذي جاءه هو القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: 37].
"الإبانة" لابن بطة كتاب: الرد على الجهمية 2/ 26 - 29 (218) قال المروذي: هاهنا رجل قد تكلم في ذلك الجانب وقال: اعرضوا كلامي على أبي عبد اللَّه: فذكر في رقعة أشياء منها: أن صلاتنا وإيماننا
مخلوق على الحركة والفعل لا على القول، فمن قال: الإيمان مخلوق.
وأراد القول فهو كافر.
فلما قرأها أحمد وانتهى إلى قوله: الحركة والفعل.
رمى1بالرقعة وغضب، ثم قال: هذا أهل أن يحذر عنه، هذا كلام جهم، إذا قال: الإيمان مخلوق فأيش بقي! الذي يقول: الإيمان شهادة أن لا إله إلا اللَّه، ولا إله إلا اللَّه مخلوق2! "الروايتين والوجهين" ص 82 - 83 قال إبراهيم بن الحكم القصار: سئل أحمد بن محمد بن حنبل عن الإيمان: مخلوق أم لا؟ قال: أما ما كان من مسموع فهو غير مخلوق، وأما ما كان من عمل الجوارح فهو مخلوق.
"طبقات الحنابلة" 1/ 238 قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: إن علي بن المديني حدث عن الوليد حديث عمر: كلوه إلى عالمه.
فقال: إلى خالقه.
فقال: هذا كذب.
ثم قال: هذا قد كتبناه عن الوليد، إنما هو: فكلوه إلى عالمه3،
وهذه اللفظة قد روي عن ابن المديني غيرها. "تاريخ بغداد" 1/ 468 قال الميموني: قال رجل لأبي عبد اللَّه: ذهبت إلى خلف البزار أغظه، بلغني أنه حدث بحديث عن [أبي] الأحوص، عن عبد اللَّه قال: ما خلق اللَّه شيئًا أعظم.. وذكر الحديث. فقال أبو عبد اللَّه: ما كان ينبغي له أن يحدث بهذا في هذه الأيام -يريد زمن المحنة- والمتن: ما خلق اللَّه من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي.1
وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا عليه هذا يوم المحنة: إن الخلق واقع هنا على السماء والأرض وهذه الأشياء، لا على القرآن.
"سير أعلام النبلاء" 10/ 578.
# 99 -