فصل: خروج الإمام من دار المعتصم
قال ابن محمد المصيصي: سمعت عبد الرزاق قال لأحمد بن حنبل: وأما أنت فجزاك اللَّه عن نبيك خيرًا.
"طبقات الحنابلة" 2/ 85 قال أبو محمد الطفاوي لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللَّه، أخبرني عما صنعوا بك؟ قال: لما ضربت بالسياط جاء ذاك الطويل اللحية -يعني: عجيفًا- فضربني بقائم السيف، فقلت: جاء الفرج تضرب عنقي وأستريح.
فقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في رقبتي.
فقال له ابن أبي دؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إماما وثبتوا على ما هم عليه، لا، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجًا من منزلك شك الناس في أمره، وقال بعضهم: لم يجبه.
فيكون الناس في شك من أمره.
وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول: دعا المعتصم بعم أحمد ابن حنبل، ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم! هو أحمد بن حنبل.
قال: فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم.
ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شر لا يقام له، فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناس وسكتوا.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص 419 - 420
قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أحمد بن سنان قال: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل يوم فتح بابل أو في يوم فتح عمورية، فقال: هو في حل من ضربي.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي: وجه إليَّ الواثق أن أجعل المعتصم في حل من ضربه إياي.
فقلت: ما خرجت من داره حتى جعلته في حل، وذكرت قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقوم يوم القيامة إلا من عفا"1فعفوت عنه.
قال أبو علي الحسين بن عبد اللَّه الخرقي -وقد رأى أحمد بن حنبل: بت مع أحمد بن حنبل ليلة، فلم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح، فقلت: أبا عبد اللَّه، كثر بكاؤك الليلة، فما السبب؟ فقال لي: ذكرت ضرب المعتصم إياي، ومر بي في الدرس: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] فسجدت وأحللته من ضربي في السجود.
قال إبراهيم الحربي: أحل أحمد بن حنبل من حضر ضربه وكل من شايع فيه، والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دؤاد داعية لأحللته.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص 424 - 425
قال أبو علي حنبل بن إسحاق: لما أمر أبو إسحاق بتخلية أبي عبد اللَّه، خلع عليه أبو إسحاق منطقة وقميصًا وطيلسانًا وخفًّا وقلنسوة، فبينا نحن على باب أبي إسحاق في الدهليز، والناس في ذلك الوقت مجتمعون في الميدان، وفي الدروب وغيرها، وأغلقت الأسواق واجتمع الناس، فنحن على ذلك إذ خرج أبو عبد اللَّه على دابة من دار أبي إسحاق وقد ألبس تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه وإسحاق بن إبراهيم عن يساره، فلما صار في دهليز أبي إسحاق قبل أن يخرج إلى الطريق، قال لهم ابن أبي دؤاد: اكشفوا رأسه.
فكشفوه وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس، فقال لهم: خذوا به هاهنا.
يريد دجلة، فذهب به إلى الزورق، فحمل إلى دار إسحاق ومعه غسان وصاحب الشافعي، فأتي به دار إسحاق فأقامه عنده إلى أن صلينا الظهر، وبعثت إلى أبي وإلى جيراننا وإلى مشايخ المحال فجمعوا، فأدخلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرفه.
وجاء ابن سماعة فدخل.
قال أبو عبد اللَّه: فقال ابن سماعة حين دخل للجماعة: هذا أحمد بن حنبل، وإن أمير المؤمنين ناظره في أمر وقد خلى سبيله، وها هو ذا، فأخرج على دابة لإسحاق عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس.
فلما صار إلى الباب سمعت عياشًا صاحب الحبس لما رأى أبا عبد اللَّه قد أقبل، فقال عياش لصاحب إسحاق والناس قيام: تازية تازية -يعني: عربي عربي- فدخل أبو عبد اللَّه ودخلت معه من باب الزقاق، وهو منحنٍ على الضربة التي كانت قد أجافت ولم تنقب بحمد اللَّه، وكان عليها
منحنيا، فلما صار إلى باب الدار ذهب لينزل علي احتضنته ولم أعلم، فوقعت يدي على موضع الضربة فصاح وآلمه ذلك ولم أعلم، فنحيت يدي، ونزل متوكئًا علي ودخلنا وأغلق الباب.
ورمى أبو عبد اللَّه بنفسه على وجهه، لا يقدر يتحرك هكذا ولا هكذا إلا بجهد، وخلع ما كان عليه وأمر به فبيع، وأخذ ثمنه فتصدق به.
وكان إسحاق بن إبراهيم لا يقطع عنه خبره، وذلك أنه تركه -فيما حكي لنا- عند الإياس منه.
وكان أبو إسحاق ندم بعد ذلك وأسقط في يده حتى صلح.
وكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا في كل يوم يتعرف خبره، حتى صلح وبرئ بعد الصلاح وخرج إلى الصلاة والحمد للَّه رب العالمين.
وبقيت يده وإبهاماه متخلعتين يضربان عليه إذا أصابهما البرد حتى نسخِّن له الماء، وصار سوط من الضرب في خاصرته فظنوا أنها قد نقبت فسلمه اللَّه من ذلك ورزقه العافية.
قال أبو علي: وجاء رجل من أهل السجن يقال له: أبو الصبح، ممن يبصر الضرب والجراحات، قال: قد رأيت مَنْ ضُرِب الضربَ العظيم، ما رأيت ضربًا مثل هذا، ولا أشد منه، وهذا ضرب التلف، ولقد جر عليه الجلادون -قدَّ اللَّه أيديهم- من قدامه ومن خلفه، وإنما أريد قتله.
ثم سبره بالميل -يعني: قدره- مخافة أن تكون نقبت فلم تكن نقبت.
ورأيت أبا عبد اللَّه وقد أصابت أذنه ضربة فقطعت الجلد وأنتنت أذنه، وأصابت وجهه غير ضربة فما كان يضطرب.
قال أبو عبد اللَّه: وقال لي بعضهم: يا أبا عبد اللَّه، لا تتحرك وانتصب.
ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دؤاد إلى المعالج فيلقي في دوائه ما يقتله، فعملنا الدواء والمرهم في منزله وكان في بَرْنِيَّة1عندنا، فكان إذا جاء المعالج ليعالجه حضرنا جميعًا معه فيعالجه منها، فإذا فرغ رفعناها، وكان في ضربه شيء من اللحم قد مات، فقطعه بالسكين، فلم يزل أثر الضرب في ظهره إذا أصابه البرد ضرب عليه، فإذا آذاه الدم بعث إلى الحجام في أي ساعة كان، فيخرج الدم حتى يسكن عنه ضربان كتفيه، وكان يسخن له الماء الحار لبدنه.
قال جرير بن أحمد بن أبي دؤاد -عم أبي نصر- قال أبي: ما رأيت أشد قلبًا من هذا الرجل أحمد بن حنبل، جعلنا نكلمه، وجعل الخليفة يكلمه يسميه مرة ويكنيه: يا أحمد، يا أبا عبد اللَّه، وهو يقول: أوجدني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى أجيبك.
قال جعفر بن عبد الواحد: ذاكرت المهتدي بشيء فقلت به: كان أحمد بن حنبل يقول، ولكنه كان يخالف -كأني أومأت إلى من مضى من آبائه.
قال: فقال لي المهتدي: رحم اللَّه أحمد بن حنبل، واللَّه لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه.
قال: ثم قال: تكلم بالحق وقُل به، فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص 102 - ص 107
قال محمد بن إدريس بن محمد الخياط: قال من حضر الضرب ومحنة أحمد: واللَّه أنا رأيت بعد ما استرخى أحمد في الضرب، كاد أن ينحل مئزره حتى خرج يدان من خاصرته فشدَّت المئزر، وغشي عند ذلك على المعتصم، حتى حمل بين اثنين، قال: فبلغني أن المعتصم كان يقول في منامه: يا أحمد، إني قد عفوت عنك فاعف عني، وإلا فخذ السوط فاقتص مني.
قال أبو علي حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: ذهب عقلي مرارًا، فإذا رفع عني الضرب رجعت إليّ نفسي، وإذا استرخيت وسقطت رفع عني الضرب، أصابني ذلك مرارًا وأنا لا أعقل.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: وكان ابن أبي دؤاد قبل أن أضرب يختلف إلي وإذا أخذه القلق ذهب إلى أبي إسحاق، وجاء إلي بالوعيد والتهديد، وحاجبه ابن دنقش أيضا يمشي برسالة أبي إسحاق يقول لك كذا، يقول لك كذا، فلما لم يروا الأمر يصير إلى الذي أرادوا، عزموا على أن ينالوني بما نالوني به.
فقال له أبو بكر بن عبيد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، فكيف رأيته هو -يعني: أبا إسحاق؟ قال: رأيته في الشمس قاعدا بغير ظلة، فربما لم أعقل وربما عقلت، إذا أعاد الضرب ذهب عقلي فلا أدري، فيرفع عني الضرب.
فسمعته يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت إثمًا في أمر هذا الرجل.
فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه واللَّه كافرٌ مشرك، قد أشرك من غير وجه.
فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، وقد كان أراد تخليتي بغير ضرب، فلم يدعه، ولا إسحاق بن إبراهيم، وعزم حينئذ على ضربي.
قال أبو علي: وبلغني عن النوفلي قال: قال أبو إسحاق لابن أبي دؤاد بعد ما ضرب أحمد، وهو يسأله: كم ضرب؟ فقال ابن أبي دؤاد: نيفًا وثلاثين -أو أربعة وثلاثين- سوطًا.
قال أبو عبد اللَّه: فقال لي إنسان ممن كان حضر: ثم إنا ألقينا على صدرك بارية وأكببناك على وجهك ودسناك.
قال أبو عبد اللَّه: وما عقلت بهذا كله، وأمر بإطلاقي فلم أعلم حتى أخرج القيد من رجلي.
وقال له ابن أبي دؤاد بعدما ضربت وأمر بتخليتي: يا أمير المؤمنين، احبسه فإنه فتنة، يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل مبتدع، وإن خليته فتنت به الناس.
فقال: يا إسحاق، أطلقه، وقام فدخل، فحينئذ عقلت بالقيد وقد نزع من رجلي.
وقام أبو إسحاق فدخل من مجلسه ذلك، فلم يجد بدان أن يخلي عني، ولولا ذلك كان حبسني.
فقال أبو بكر بن عبيد اللَّه لأبي عبد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، فابن سماعة؟ فقال أبو عبد اللَّه: سمعته يقول له -وقد أوقفت من الضرب وأنا بين العقابين: يا أمير المؤمنين، إنه رجل شريف، وهو رجل في نفسه مستور، ولعله يجيب أمير المؤمنين بما يكون له وجه عما دعاه إليه أمير المؤمنين.
ثم قال لي ابن سماعة: ويحك! إن أمير المؤمنين مشفق عليك، وهو ذا بين يديك، فأجبه إلى ما يريد منك.
قلت له: ما رأيت أمرًا أوضح من كتاب ولا سنة.
فتنحى ابن سماعة وتكلم بكلام لم أفهمه.
قال أبو علي حنبل: وبلغني أن أبا عبد اللَّه قال: لي ولهم موقف بين يدي اللَّه تعالى، وكتب بها إليه، فقال: يخلى سبيله الساعة.
قال: وبلغني أن أبا العلاء الأهتمي قال: ما رأيت أحدًا أشجع قلبا من أحمد بن حنبل.
وأخبرني أبي قال: قال لي بعض من حضر يومئذ: كان أحمد في دهره مثل صاحب بني إسرائيل في دهره.
وكان هؤلاء يحتجون عليه، وهؤلاء يحتجون عليه، فيحتج على هؤلاء، ويحتج على هؤلاء بقلب ثابت وفهم، ليس ثم شيء ينكر.
وقال لهم أبو إسحاق: ليس هذا كما وصفتم لي.
وذلك أنهم وضعوا من قدره عنده ونالوه وصغروه عنده، فلما شاهده ورأى ما عنده عرف له فضله.
قال أبو عبد اللَّه: لولا الخبيث ابن أبي دؤاد كان أبو إسحاق قد خلاني، ولكن هو وإسحاق بن إبراهيم قالا له: يا أمير المؤمنين، ليس من تدبير الخلافة أن تخالف خليفتين وتخلي سبيله.
ولولا ذلك كان أبو إسحاق قد أراد تخليتي قبل الضرب.
وقد أراد ابن أبي دؤاد أن يحبسني بعد الضرب، فقال أبو إسحاق: يخلى.
فعاوده فغضب أبو إسحاق وقال: يخلى عنه.
فلم أعلم إلا بالقيد وقد نزع عني.
وقال لي أبو إسحاق في اليوم الثالث حين أمر بضربي: أجبني إلى شيء يكون لك فيه بعض الفرج حتى أطلق عنك، وأطأ عقبك، وآتيك بأهلي وولدي وحشمي.
وأراد بذلك أن يتشبث بشيء يكون له فيه عذر، فقلت له: ما أتيتموني ببيان من كتاب اللَّه، ولا من سنة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال أبو عبد اللَّه: وكان أبو إسحاق أرق علي منهم كلهم، فأما ابن أبي دؤاد، فكان فدما1لا يحسن يحتج ولا يهتدي إلى شيء، إنما كان يعتمد على أولئك البصريين المعتزلة، برغوث وأصحابه.
قال أبو بكر بن يزدانيار -يعني: الأرموي- في حديث طويل: بلغني أن المعتصم لما ضرب أحمد بن حنبل لم ينتفع بنفسه، وأخذته الرعدة وضيق النفس، وكانت ترتعد فرائصه ولا تكاد تستقيم له قدم على الأرض، فإذا قيل له: الأطباء؟ قال: أنا أعرف علتي، علتي محنة العبد الصالح أحمد بن حنبل حين ابتليت به.
حتى مات على ذلك.
وقال الشيخ -يعني: ابن يزدانيار-: وبلغني أن الجلاد الذي ضرب أحمد وقعت في يده الأكلة في وقته ذلك، وبعد ثلاثٍ مات، واسود وجهه كله.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص 110 - 116 قال أبو الفضل البغدادي: قال لي حنبل: لما ضرب ابن عمي انكسرت له قطعة من عظام ضلعه، وكنا لا نجسر أن نداويه مخافة أن يكون في الدواء شيء من السموم، حتى وصف لنا بالبصرة متطبب صالح، فجئنا به، فلما نظر إلى الكسر وإذا العظم متعلق بلحم مفسود، فجذبه الطبيب بأسنانه فانجذب، وغشي عليه، فلما أفاق سمعته يقول بلسان ضعيف: اللهم لا تؤاخذهم.
فلما برئ قلت: سمعتك تقول -وذكر ما قال- فقال: نعم، أحببت أن ألقى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وليس بيني وبين قرابة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شيء، وقد جعلته في حل، إلا ابن أبي دؤاد ومن كان مثله، فإني لا أجعلهم في حل. قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان لي جلادان، يضرب ذا سوطا ويتأخر، ويضرب ذا سوطا، فإذا وقع الضرب على الضرب أقول: يا نفس ما لك راحة دون الموت. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص 116 - 117 قال عبد اللَّه بن أحمد: جاء رجل إلى أبي رحمه اللَّه فذكر أنه كان عند بشر فذكروه، فأثنى عليه بشر، وقال: لا نسي اللَّه لأحمد صنيعه، ثبت وثبتنا ولولاه لهلكنا. قال عبد اللَّه: ووجه أبي يتهلل، فقلت: يا أبة، أليس يكره المدح في الوجه؟ فقال لي: يا بني، إنما ذكرت عند رجل من عباد اللَّه الصالحين وما كان مني، فحمد صنيعي، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المؤمن مرآة المؤمن".1
قال عبد اللَّه: لقيني بشر في بعض الطريق فبدأني بالسلام، ثم قال: كيف أبو عبد اللَّه؟
قلت: بخير، فقال بشر: أنا أخصه بالدعاء في كل وقت، وأبتدئ به ثم بنفسي، ولولاه واستقامته في هذا الأمر هلكنا آخر الأبد. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص 117 - 119 قال أبو علي حنبل: حضرت أبا عبد اللَّه وأتاه رجل في مسجدنا، وكان الرجل حسن الهيئة، كأنه كان مع السلطان، فجلس حتى انصرف من كان عند أبي عبد اللَّه، ثم دنا منه فرفعه أبو عبد اللَّه لما رأى من هيئته، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، اجعلني في حل. قال: من ماذا؟ قال: كنت حاضرًا يوم ضربت، وما أعنت ولا تكلمت، إلا أني حضرت ذلك. فأطرق أبو عبد اللَّه ثم رفع رأسه إليه، فقال: أحدث للَّه توبة، ولا تعد إلى مثل ذلك الموقف. فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أنا تائب إلى اللَّه تعالى من السلطان، قال له أبو عبد اللَّه: فأنت في حل وكل من ذكرني إلا مبتدع. قال أبو عبد اللَّه: وقد جعلت أبا إسحاق في حل ورأيت اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22] وأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا بكر بالعفو في قضية مسطح.1
ثم قال أبو عبد اللَّه: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك.
ولكن تعفو وتصفح عنه، فيغفر اللَّه لك كما وعدك.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص 159 - 160
# 88 -