باب: الاستثناء في الإيمان
قال صالح: قال أبي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدًا من أصحابنا ولا بلغني إلا على الاستثناء. وحسَّن يحيى الاستثناء ورآه.1
"مسائل صالح" (1355). قال أبو داود2: سمعت أحمد قال له رجل: قيل لي: أمؤمن أنت؟ فقلت: نعم، هل علي في ذلك شيء؟ هل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد وقال: هذا كلام الإرجاء، قال اللَّه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106] من هؤلاء؟ ! ثم قال أحمد: أليس الإيمان قول وعمل؟ قال الرجل: بلى.
[قال: فجئنا بالقول؟ قال: نعم].
قال: فجئنا بالعمل؟ قال: لا.
قال: فكيف تعيب أن نقول: إن شاء اللَّه ونستثني؟ ! فأخبرني أحمد بن أبي سريج الرازي: أن أحمد بن حنبل كتب إليه في هذِه المسألة: إن الإيمان قول وعمل، فجئنا بالقول ولم نجيء بالعمل، فنحن مستثنون في العمل.
فسمعت أحمد قال له هذا الرجل: عليَّ في هذا شر أن أقول: أنا مؤمن؟ قال أحمد: لا تقل: أنا مؤمن حقًّا، ولا البتة، ولا عند اللَّه.
"مسائل أبي داود" (1770)
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن: الاستثناء في الإيمان؟ فقال: الاستثناء في العمل، لعلنا أن نكون قد قصرنا، والقول هو ذا يجيء به.
وقال: قال يحيى بن سعيد، ما أدركت أحدًا لا ابن عون، ولا غيره إلا وهو يستثني في الإيمان بعد.
"مسائل ابن هانئ" (1893) قال ابن هانئ: وسمعته يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان1؛ لأن الإيمان: قول وعمل، وقول الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل، فيعجبني أن نستثني في الإيمان، نقول: أنا مؤمن إن شاء اللَّه تعالى.
"مسائل ابن هانئ" (1896) قال حرب: سُئل أحمد بن حنبل: ما تقول في الاستثناء في الإيمان؟ قال: نحن نذهب إليه.
قيل: الرجل يقول: أنا مؤمن إن شاء اللَّه؟ قال: نعم.
وقال: سألت إسحاق قلت: أنت تقول: أنا مؤمن إن شاء اللَّه؟ قال: نعم.
"مسائل حرب" ص 371 قال عبد اللَّه: سألت أبي عن رجل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ولكن لا يستثني، أمرجئ؟ قال: أرجو أن لا يكون مرجئًا.
وقال: سمعت أبي يقول: الحجة على من لا يستثني: قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأهل القبور "وَإِنّا إِنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ" قال أبي: حدثنيه عبد الرحمن بن مهدي، نا زهير بن محمد، عن شريك بن أبي نمر، عن
عطاء بن يسار أن عائشة -رضي اللَّه عنهما- قالت: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخرج إذا كانت ليلة عائشة1، فيقول هذا الكلام. وقال: حدثني أبي، نا يزيد بن هارون، أنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، عن عائشة -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أما فتنة القبر فبي تفتنون، وعني تسألون" فذكر الحديث. "ويقال: هذا مقعدك منها"، "ويقال: على اليقين كنت وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء اللَّه".2
وقال محمد بن عامر: فحدثني سعيد بن يسار، عن أبي هريرة3-رضي اللَّه عنه-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكر هذا الحديث مثل حديث عائشة سواء. قال أبي: إنما نصير الاستثناء على العمل؛ لأن القول قد جئنا به. وقال: حدثني أبي، نا معاوية بن هاشم وأبو أحمد، قالا: نا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: "السلام عليكم أهل من الديار المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون".4
"السنة" لعبد اللَّه 1/ 308 - 309 (600 - 603) قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، ثنا إبراهيم بن شماس قال:
سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، قيل له: كيف تقول أنت؟ قال: أقول: مؤمن إن شاء اللَّه.1
قال عبد اللَّه: وقد رأيت إبراهيم ولم أسمع منه أيام أبي كان محبوسًا.
"السنة" لعبد اللَّه 1/ 315 (626) وقال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا إبراهيم بن شماس، وقال الخليل النحوي: إذا أنا قلت: مؤمن، فأي شيء بقي؟2"السنة" لعبد اللَّه 1/ 316 (633) قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا علي بن بحر، سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل. وكان الأعمش ومنصور ومغيرة وليث وعطاء بن السائب وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وأبو يحيى صاحب الحسن وحمزة الزيات، يقولون: نحن مؤمنون -إن شاء اللَّه، ويعيبون على من لا يستثني.3
"السنة" لعبد اللَّه 1/ 335 (697) قال عبد اللَّه: قرأت على أبي رحمه اللَّه: نا مهدي بن جعفر الرملي، نا الوليد -يعني ابن مسلم- قال سمعت أبا عمرو -يعني: الأوزاعي- ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز ينكرون أن يقول: أنا مؤمن ويأذنون في الاستثناء أن أقول: أنا مؤمن إن شاء اللَّه.
"السنة" لعبد اللَّه 1/ 347 (744)
قال عبد اللَّه: سمعت أبي رحمه اللَّه يقول: كان أسود بن سالم يقول: لا أروي عن علقمة شيئا؛ لأنه قال: أرجو أن أكون مؤمنًا.1
خاصمه صدقة المروزي على باب ابن علية في الرجل يقول: أنا مؤمن حقًّا، أنكر عليه صدقة، وكلنا أنكرنا عليه ذلك، وكان الأسود يقول: أنا مؤمن حقًّا، وتأول هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 74]، فقال أبي: إنما هذِه لمن آوى ونصر، هذا شيء قد مضى وانقطع، هذا لهؤلاء خاصة. "السنة" لعبد اللَّه 1/ 384 (832). قال الخلال: أخبرني محمد بن الحسن بن هارون، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الاستثناء في الإيمان؟ فقال: نعم، الاستثناء على غير معنًى شك؛ مخافةً واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهو مذهب الثوري، قال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأصحابه: "إني لأرجو أن أكون أتقاكم للَّه".2
وقال في البقيع: "عليه نبعث إن شاء اللَّه".
وقال: أخبرني حرب بن إسماعيل، قال: سمعت أحمد يقول في التسليم على أهل القبور أنه قال: "وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون".3
قال: هذا حجة في الاستثناء في الإيمان؛ لأنه لا بد من لحوقهم، ليس فيه شك، وقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: 27]، وهذِه حجة أيضًا؛ لأنه لا بد داخلوه. "السنة" للخلال 1/ 471 - 472 (1049 - 1050) قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون؛ أن حبيش بن سندي حدثهم في هذِه المسألة، قال أبو عبد اللَّه: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين وقف على المقابر، فقال: "وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون"، وقد نعيت إليه نفسه أنه صائر إلى الموت، وفي قصة صاحب القبر: "عليه حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء اللَّه"، وفي قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني اختبأت دعوتي وهي نائلة -إن شاء اللَّه- من لا يشرك باللَّه شيئا".1
وفي مسألة الرجل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أحدنا يصبح جنبا، يصوم؟ فقال: "إني لأفعل ذلك ثم أصوم"، فقال: إنك لست مثلنا أنت قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك.
فقال: "واللَّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه" وهذا كثير وأشباهه على اليقين.
قال: ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان.
فقال: قول وعمل.
فقال له: يزيد؟ فقال: يزيد وينقص.
فقال له: أقول: مؤمن إن شاء اللَّه؟ قال: نعم، فقال له: إنهم يقولون لي: إنك شاك قال: بئس ما قالوا، ثم خرج فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؟ قال: نعم، قال: هؤلاء مستثنون، قال له: كيف يا أبا عبد اللَّه؟ ! قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل فلم تأتوا
به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، فقيل له: فيستثنى في الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء اللَّه، أستثني على اليقين لا على الشك، ثم قال: قال اللَّه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، فقد علم تبارك وتعالى أنهم داخلون المسجد الحرام. قال الخلال: أخبرني محمد بن علي قال: ثنا الأثرم قال: ثنا أبو عبد اللَّه بحديث عائشة رحمها اللَّه -عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه"، فقال: هذا أيضًا أرجو، أي: هو حجة في الاستثناء في الإيمان، أي: إنه قد قال: أرجو، وهو أخشاهم. قال الخلال: أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل حدثهم: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كان سليمان بن حرب حمل هذا -يعني: الاستثناء- على التقبل، يقول: نحن نعمل ولا ندري يتقبل منا أم لا.1
قال الخلال: وأخبرني أحمد بن محمد بن مطر قال: ثنا أبو طالب قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لا نجد بُدًّا من الاستثناء؛ لأنه إذا قال: أنا مؤمن فقد جاء بالقول، فإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول.
وقال: أخبرني الحسين بن الحسن قال: ثنا إبراهيم بن الحارث، أنه سمع أبا عبد اللَّه قال.
وأخبرني محمد بن علي قال: ثنا أبو بكر الأثرم قال: قلت لأبي عبد اللَّه -يعني: لما قال له: الاستثناء مخافة واحتياطًا.
فقلت له: كأنك لا ترى بأسًا أن لا يستثني؟ فقال: إذا كان ممن يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو أسهل عندي.
ثم قال أبو عبد اللَّه.: إن قومًا تضعف قلوبهم عن الاستثناء.
كالمتعجب منهم.
وقال: أخبرني محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم؛ أن أباه حدثه قال: حدثني أحمد بن القاسم.
وأخبرني زكريا بن الفرج، عن أحمد بن القاسم أنه قال لأبي عبد اللَّه: يُروى عن الأوزاعي أنه قال: الاستثناء وترك الاستثناء سواء، كما قال اللَّه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، فهذا ليس على شك، فلم أره يعجبه ترك الاستثناء، ورأيته أكثر عنده.
وقال: وأخبرني محمد بن موسى أن حبيش بن سندي حدثنا، عن أبي عبد اللَّه قال: بلغني عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: أول الإرجاء ترك الاستثناء.
وقال: وأخبرني حامد بن أحمد أنه سمع الحسن بن محمد بن الحارث أنه سأل أبا عبد اللَّه: يصح قول الحارث بن عميرة أن ابن مسعود رجع عن الاستثناء؟ فقال: لا يصح، كذلك أصحابه -يعني: على الاستثناء- تم قال: سمعت حجاجًا، عن شريك، عن الأعمش ومغيرة، عن أبي وائل أن حائكًا بلغه قول عبد اللَّه، قال: زلة عالم -يعني: حيث قال له: إن قالوا: إنا مؤمنون، فقال: ألا سألتموهم أفي الجنة هم؟ وأنكر أحمد قولي: رجع عن الاستثناء إنكارًا شديدًا، وقال: كذلك أصحابه يقولون بالاستثناء.
"السنة" للخلال 1/ 472 - 476 (1054 - 1062) قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون، أن إسحاق حدثهم قال: وسمعت أبا عبد اللَّه، وسُئل عن قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وإنا إن شاء اللَّه بكم
لاحقون". الاستثناء هاهنا على أي شيء يقع؟ قال: على البقاع لا يدري أيدفن في الموضع الذي عليهم أو غيره. وقال: وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد؛ أنه سأل أبا عبد اللَّه عن قوله ورأيه في: مؤمن إن شاء اللَّه. قال: أقول: مؤمن إن شاء اللَّه، ومؤمن أرجو؛ لأنه لا يدري كيف أداؤه للأعمال، على ما افترض عليه أم لا؟ وقال: وأخبرني الحسن بن عبد الوهاب، قال: ثنا أبو بكر بن حماد المقرئ، وأخبرني يعض أصحابنا قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لو كان القول كما تقول المرجئة أن الإيمان قول، ثم استثنى بعد على القول لكان هذا قبيحًا أن تقول: لا إله إلا اللَّه، ولكن الاستثناء على العمل. "السنة" للخلال 1/ 477 (1065 - 1067) قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: ثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا رجل -والرجل علي- عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة الضبي، عن عبد الرحمن بن عصمة قال: كنت عند عائشة -رحمها اللَّه، فأتاها رسول معاوية بهدية، فقال: أرسل بها إليك أمير المؤمنين، فقالت: أمير المؤمنين إن شاء اللَّه، وهو أميركم، وقبلت الهدية.1
"السنة" للخلال 2/ 39 (1168) قال الخلال: أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا معاوية ابن هشام وأبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان
ابن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان يقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، إنا -إن شاء اللَّه- بكم لاحقون"، قال معاوية بن هشام: "أنتم فرطنا، ونحن لكم تبَعٌ، ونسأل اللَّه لنا ولكم العافية". وقال: أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا عفان قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا سعيد بن كثير بن عبيد قال: حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إِلّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ يحْرم عليَّ دماؤهم وأموالهم، وَحِسابُهُمْ عَلَى اللَّهِ".1
"السنة" للخلال 2/ 40 - 41 (1173 - 1174) قال الخلال: أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا يزيد، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: إنَّ الميت ليسمع خفق نعالهم حين يوَلُّون عنه مدبرين، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخل.
ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قِبَلي مدخل.
ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قِبَلي مدخل.
ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبَلي مدخل.
فيقال له: اجلس.
فيجلس، قد مثلت له الشمس، قد مثلت للغروب، فيقال له:
أخبرنا عما نسألك عنه.
قال: فيقول: دعوني أصلي.
قالوا: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه.
قال: وما تسألون؟ قال: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ قال: أمحمد؟ قالوا: نعم، قال: أشهد أنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنه جاء بالحق من عند اللَّه، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث -إن شاء اللَّه.
ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد اللَّه لك فيها.
فيزداد غبطة وسرورًا، ثم يفتح له باب من أبواب النار، فيقال له: ذلك مقعدك منها وما أعدَّ اللَّه لك فيها لو عصيته.
فيزداد غبطة وسرورًا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينوَّر له فيه، ويجعل نسمته في النسيم الطيب، وهو طائر أخضر، تعلق بشجر الجنة، ويعاد الجسد لما بدأ منه من التراب، وذلك قول اللَّه تبارك وتعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾ [إبراهيم: 27].
فإن كان كافرًا، يؤتى من قبل رأسه فلا يوجد شيء، ثم يؤتى من قبل يمينه فلا يوجد شيء، ثم يؤتى عن يساره فلا يوجد شيء، ثم يؤتى من قبل رجليه فلا يوجد شيء.
فيقال: اجلس.
فيجلس خائفًا مرعوبًا، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم؟ ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أي رجل؟ فيقال: الرجل الذي كان فيكم؟ ! فلا يهتدي لاسمه، حتى يقال له: محمد! فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون قولًا فقلت كما قال الناس.
فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك متَّ، وعلى ذلك تبعث -إن شاء اللَّه.
ثم يفتح له باب من أبواب النار، فيقال له: ذلك مقعدك منها وما أعدَّ اللَّه لك فيها، فيزداد حسرةً وثبورًا، ثم
يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: ذلك مقعدك منها وما أعدَّ اللَّه لك فيها لو أطعته، فيزداد حسرةً وثبورًا، ثم يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، وذلك المعيشة الضنك التي قال اللَّه تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾1[طه: 124]. "السنة" للخلال 2/ 42 - 43 (1176) قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: حدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، عن عائشة رحمها اللَّه، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أما فتنة القبر، ففيَّ تفتتنون، وعني تُسألون، فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشعوف، ثم يقال له: فيم كنت تقول في الإسلام؟ فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، جاءنا بالبيِّنات من عند اللَّه، فصدَّقناه.
فيفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك اللَّه.
ثم يفرج له فرجة إلى الجنة، فينظر إلى زهرها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك فيها.
ويقال له: على اليقين كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعث إن شاء اللَّه.
وإذا كان الرجل السوء أجلس في قبره فزعًا مشعوفًا، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري.
فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلت كما قالوا.
فيفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف اللَّه
عنك. ثم يفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، ويقال: هذا مقعدك منها، على الشك كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعث إن شاء اللَّه. ثم يعذَّب".1
قال محمد بن عمرو: فحدثني سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر الحديث ثم يصيران إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له، ويرد مثل ما في حديث عائشة، ويجلس الرجل السوء، فيقال له، ويرد مثل ما في حديث عائشة سواء.2
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر، قال: ثنا أبو عبد اللَّه، قال: ثنا روح وأبو المنذر، قالا: ثنا مالك، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري، عن أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه -وهو واقف على الباب- يا رسول اللَّه، إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وأنا أصبح جنبًا وإني أريد الصيام ثم أغتسل فأصوم". قال الرجل: إنك لست مثلنا، إنك قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: "واللَّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه وأعلم بما أتقي". قال أبو المنذر: "وأعلمكم بما أتقي".3
"السنة" للخلال 2/ 43 - 44 (1179 - 1180) قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل سُئل عن الاستثناء في الإيمان، ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه.
قال أبو عبد اللَّه: إذا كان يقول: إن الإيمان قول وعمل، واستثناء مخافة واحتياطًا، ليس كما يقولون على الشك، أفما تستثني للعمل؟ قال اللَّه عز وجل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، فهذا استثناء بغير شك، وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه عَزَّ وَجَلَّ ". قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان.
"الشريعة" للآجري ص 118 (257). قال الفضل بن زياد: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: إذا قال: أنا مؤمن -إن شاء اللَّه- فليس هو بشاك.
قيل له: إن شاء اللَّه، أليس هو شك؟ فقال: معاذ اللَّه، أليس قد قال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27] وفي علمه أنهم يدخلونه.
وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث -إن شاء اللَّه، فأي شك هاهنا؟ ! وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون".
"الشريعة" للآجري ص 119 (258) قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه سئل عن الاستثناء [فقال]: إذا كان يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فأستثني؛ مخافة واحتياطًا ليس كما يقولون على الشك، إنما يُستثنى للعمل.
قال الأثرم: قيل لأبي عبد اللَّه: يزعمون أن سفيان كان يذهب إلى الاستثناء في الإيمان، فقال: هذا مذهب سفيان المعروف به الاستثناء.
قلت لأبي عبد اللَّه: من يرويه عن سفيان؟ فقال: كل من حكى عن سفيان في هذا حكى أنه كان يستثني، وقال وكيع عن سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، ولا ندري ما هم عند اللَّه.
"الإبانة" كتاب الإيمان 2/ 875 (1199 - 1200). قال أبو بكر المروذي: قيل لأبي عبد اللَّه: إن استثنيت في إيماني أكن
شاكًا؟ قال: لا.
ثم قال لأبي عبد اللَّه: الحجاج بن يوسف يكون إيمانه مثل إيمان أبي بكر؟ قال: لا.
قال: فيكون إيمانه مثل إيمان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: فالمرجئة يقولون: الإيمان قول.
"الإبانة" الإيمان 2/ 905 (1271). قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد سُئل عن الإيمان؛ فقال: قول وعمل ونية.
قيل له: فإذا قال الرجل: مؤمن أنت؟ قال: هذا بدعة.
قيل له: فما يُرد عليه؟ قال: يقول: مؤمن -إن شاء اللَّه- إلّا أن يستثني في هذا الموضع.
ثم قال أبو عبد اللَّه: والإيمان يزيد وينقص، فزيادته بالعمل، ونقصانه بترك العمل، قال اللَّه ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] فهو يزيد وينقص، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأهل القبور لما أشرف عليهم: "وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون" فاستثنى، وقد علم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه ميت فاستثناه.
"شرح أصول الاعتقاد" 5/ 1057 (1798) قال عيسى بن جعفر: سألت أبا عبد اللَّه عن الاستثناء في الإيمان؛ فقال: أذهب فيه إلى قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27].
قد علم أنهم داخلون، واستثنى، وإلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99].
وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون" فقد علم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه لاحق بهم واستثنى.
"طبقات الحنابلة" 2/ 181
# 41 -