كتاب قسم الصّدقات
3403 - كان ينبغي لـ"المنهاج" تصديره بأن المستحق للزكاة ثمانية، ثم يذكرهم تفصيلاً كما فعل "التنبيه" و"الحاوي" (1)، وتقديم "المنهاج" و"الحاوي" الفقير أولى من بداءة "التنبيه" بالعامل (2)، للاقتداء بالآية الكريمة، وقال في "الكفاية": بدأ بالعامل؛ لأنه مقدم في القسم على الأصح؛ لكونه يأخذ عوضاً.
3404 - قول "التنبيه" [ص 61]: (وإن منعها جاحداً لوجوبها .. كفر) قيده ابن الرفعة بمن نشأ بين المسلمين وقدم إسلامه، ولا يحتاج إليه؛ لأن حديث الإسلام والناشئ ببادية إذا لم يعرف وجوب الزكاة .. لا يقال له: جاحد؛ لأن الجحد إنكار ما سبق الاعتراف به كما تقدم ذلك في (الصلاة).
3405 - قول "التنبيه" [ص 63]: (الفقراء، وهم: الذين لا يقدرون على ما يقع موقعاً من كفايتهم) أي: لا بالمال ولا بالكسب، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص 368]: (من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته) و"الحاوي" فقال [ص 446]: (من لا يقع ماله وكسب لائق لا يمنع تفقهه موقعاً من حاجته) ومع ذلك فتعبير "التنبيه" أحسن؛ فإنه لو كان له كسب لكنه منع منه المرض، أو لم يجد من يستعمله .. فقد صدق أنه لا يقدر على ما يقع موقعاً من كفايته، وهو وارد على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" لأن له كسباً.
وعبر آخرون بأنه: من لا يملك ما يقع موقعاً من كفايته، قال السبكي: فيؤخذ من العبارتين خلاف في أن الكسوب هل هو فقير ولكنه لا يعطى، أو ليس بفقير؟ قال: والأقرب عندي: الثاني؛ أي: كما اقتضته عبارة هؤلاء.
واعلم: أن المراد: تفسير الفقر في هذا ال
باب،
وأما في (العرايا): فهو من لا نقد بيده، وأما في العاقلة: فهو من لا يملك ما يفضل عن كفايته على الدوام.
3406 - قول "المنهاج" [ص 368]: (ولا يمنع الفقر مسكنه وثيابه) أي: ولو تعددت إذا احتاج إليها ولو كانت للتجمل، قال السبكي: وإطلاقه المسكن والثياب يقتضي أنه لا فرق بين اللائق به وغيره؛ لأنه إذا ألفها .. شق بيعها.
قال شيخنا ابن النقيب: وفيه نظر 3.12
الحديث: 3403 - الجزء: 2 - الصفحة: 482
ولو لم يكن له عبد ولا مسكن واحتاج إليهما ومعه ثمنهما .. قال السبكي: لم أر فيه نقلاً، ويظهر أنه كوفاء الدين، وقد قال الرافعي فيما لو كان عليه دين ومعه ما يوفيه به: يمكن أن يقال: لا عبرة بما يوفيه به كما في نفقة القريب والفطرة، وفي "فتاوى البغوي": أنه لا يعطى بالفقر حتى يصرفه في الدين 4، واختاره السبكي، فلو اعتاد السكنى بالأجرة أو في المدرسة .. قال السبكي: فالظاهر خروجه عن اسم الفقر بثمن المسكن.
قال الرافعي: ولم يتعرضوا لعبده المحتاج إلى خدمته، وهو في سائر الأصول كالمسكن 5.
قال النووي: صرح ابن كج بأنه كالمسكن، وهو متعين.
انتهى 6.
وصرح به في "النهاية" أيضاً، لكن في المسكنة لا في الفقر، فقال: إن ملك الخادم والمسكن لا يمنع اسم المسكنة، بخلاف اسم الفقر 7.
3407 - قوله: (وماله الغائب في مرحلتين) 8 حكاه الرافعي عن البغوي 9، وهو في "تعليق القاضي حسين" مخرج من نصه على أخذه ببنوة السبيل، وقد فرق بينهما أبو إسحاق، وقال: يعطى ببنوة السبيل لا بالفقر.
قال السبكي: ويحتاج القول بالأخذ مع أن له مالاً غائباً إلى دليل.
نعم؛ إن لم يجد من يقرضه .. جاز الأخذ.
3408 - قوله: (والمؤجل) 10 يقتضي أنه لا فرق بين أن يحل قبل مضي زمن مسافة القصر أم لا، قال الرافعي: وقد يتردد الناظر فيه 11.
3409 - قوله: (ولو اشتغل بعلم والكسب يمنعه .. ففقيرٌ) 12 أعم من تعبير "الحاوي" بالتفقه 13، لتناوله كل علم شرعي، وهو: التفسير والحديث والفقه على المشهور كما سبق في (الوصايا) 14، وقد صرح في "أصل الروضة" بأن المراد: العلوم الشرعية، ثم قال من زيادته:
الحديث: 3407 - الجزء: 2 - الصفحة: 483
هذا الذي ذكره في المشتغل بالعلم هو المعروف في كتب أصحابنا، وذكر الدارمي فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان نجيباً يُرجى فقهه ونفع الناس به .. استحق، وإلا .. فلا.
انتهى 15.
وخرج بالمشتغل المعطل المعتكف فى المدرسة، ومن لا يتاتى منه التحصيل .. فلا تحل لهما الزكاة مع القدرة على الكسب.
قال السبكي: يحتملى حمله على بعض ما قال الدارمي، ويحتمل أن يكون هذا فيمن لا يشتغل ألبتة وذاك مشتغل.
قال في "البسيط": فلو كان يكتسب بالوراقة بحيث لا يمنعه الاشتغال .. لم يعط.
3410 - قول "المنهاج" [ص 368]: (ولا يشترط فيه الزمانة ولا التعفف عن المسألة على الجديد) أي: فيهما، ورجح في "الروضة" القطع به فقال: على المذهب، وبه قطع المعتبرون، وقيل: قولان: الجديد، والقديم 16.
قوله: (والمكفيُّ بتفقة قريب أو زوجٍ ليس فقيراً في الأصح) 17 فيه أمور:
أحدها: أنه غير مطابق لقول "المحرر": (لا يعطيان من سهم الفقراء) 18 فإنه لا يلزم من عدم إعطائهما منه ألاَّ يكونا فقيرين؛ فقد لا يعطيان مع اسم الفقر؛ لعدم الحاجة لانسداد خلتهما، نبه عليه السبكي، وقال: إن الراجح ما في "المحرر".
انتهى.
وتوافقه عبارة "الحاوي" فإنه بعد تفسير الفقير والمسكين قال: (لا المكفي بنفقة القريب والزوج) 19 فلم يدخل ذلك في تفسيرهما وذكر السبكي: أن الذي صححه "المحرر" و"المنهاج" هنا مخالف لتصحيح "الروضة" وأصلها 20، وليس كذلك؛ فملخص ما في "الروضة": لو وقف أو أوصى لفقراء أقاربه وفيهم مكفي بنفقة من تلزمه نفقته .. فالثالث: يعطى ممون القريب دون الزوجة، والرابع: عكسه، فإن منع - وهو الأصح -. فمن الزكاة أولى؛ لأن الوقف باسم الفقر، والاسم باق مع القيام بأمره، والمعتبر في الزكاة الحاجة، وإلا .. فيعطيان في الأصح 21.
ثانيها: أن اقتصاره على أنه ليس فقيراً قد يوهم أنه مسكين، وليس كذلك؛ ولهذا أخر "الحاوي" قوله [ص 446]: (لا المكفي بنققة القريب والزوج) عن بيان الفقير والمسكين، وذلك
الحديث: 3410 - الجزء: 2 - الصفحة: 484
يفهم أنه يعطى من سهم غيرهما، وهو كذلك.
ثالثها: محل الخلاف: في غير القريب المنفق، أما القريب المنفق .. فلا يعطيه بهما قطعاً، ويعطيه بغيرهما، بخلاف الزوج؛ فيجري فيه الخلاف، قال في "الروضة" هنا: أو يعطيها من سهم المؤلفة في الأصح، وقال الشيخ أبو حامد: لا تكون المرأة من المؤلفة وهو ضعيف 22، لكنه قال في أواخر الباب من زيادته: لو دفع سهم المؤلفة ثم بان المدفوع إليه امرأة .. فكما لو بان عبداً 23، أي: والأصح في ظهوره عبداً: عدم الإجزاء، ومقتضى كلام "الروضة" وأصلها هنا: أن المكاتب مكفي بنفقة قريبه، وليس كذلك؛ فقد صحح في "الروضة" من زيادته: أنه لا تجب نفقته على قريبه؛ وعلله: بأنه رقيق 24.
3411 - قول "التنبيه" في المساكين [ص 63]: (وهم: الذين يقدرون على ما يقع موقعاً من كفايتهم ولا يكفيهم) أي: بالمال أو الكسب كما هو مصرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 25، وتقدم مثله في الفقير.
قال في "المهمات": واستنبطت من كلامهم أن المراد: عدم الكفاية في تلك السنة؛ فإن الرافعي ذكر في (الأيمان): أن المسكين ينتقل إلى التكفير بالصوم 26، وفي (الظهار): أن الانتقال إلى الصوم هل شرطه العجز عن السنة أم عن العمر الغالب فيه؟ احتمالان 27، قال النووي: فالصواب منهما: اعتبار السنة 28، قال: فثبت من مجموع كلامهما أن المراد بعدم الكفاية: إنما هو في السنة، وهو عزيز مهم، فمن عجز عن كفاية السنة .. فهو مسكين، وهل يعطى كفاية سنة أم العمر الغالب؟ فيه الخلاف المشهور، ومن معه كفاية سنة .. لا يعطى شيئاً؛ لأنه ليس مسكيناً حينئذ، وإن كنا نعطيه كفاية العمر الغالب لو نقص ما معه عن السنة.
3412 - قول "التنبيه" [ص 63]: (فإن رآه قوياً وادعى أنه لا كسب له .. أعطاه من غير يمين، وقيل: لا يعطى إلا بيمين) صحح النووي في "شرح المهذب": أنه يعطى من غير يمين 29، والإعطاء بيمين يحتمل الوجوب والاستحباب، وهما وجهان في "الروضة" وأصلها بلا
الحديث: 3411 - الجزء: 2 - الصفحة: 485
ترجيح 30، ومحل التحليف: عند التهمة، وإلا .. فلا تحليف قطعاً؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 446]: (وحلف ندباً إن اتهم).
3413 - قول "التنبيه" [ص 61]: (وإن قال: بعته ثم اشتريته ولم يحل عليه الحول وما أشبه ذلك مما يخالف الظاهر .. حلف عليه، وقيل: يحلف استحباباً) صحح النووي الثاني، وهو التحليف استحباباً 31، والعراقيون على الوجوب، ومحل الخلاف: إذا اتهمه، وإلا .. لم يحلفه، قاله الماوردي وغيره 32.
3414 - قولهم: (والعامل) 33 يشترط في الصرف له أمران:
أحدهما: أن يعمل، فلو فرق المالك، أو حملها إلى الإمام .. سقط، وذلك يؤخذ من تسميته عاملاً.
ثانيهما: لو استأجره الإمام من بيت المال، أو جعل له منه جعلاً .. لم يأخذ من الزكاة كما قاله البندنيجي والمتولي، قال الإمام: وهو الظاهر 34.
وقد يؤخذ من فحوى كلامهم ما يدل على أن حرمانه من الزكاة بالكلية لا يجوز، والظاهر: أن "التنبيه" أراد بالعامل: الساعي 35، ولهذا اعتبر فيه ما ذكره من الشروط، لكن الأمر غير منحصر فيه؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 368]: (والعامل: ساعٍ، وكاتبٌ، وقاسمٌ، وحاشرٌ يجمع ذوي الأموال) وبقى عليه: الحاسب، والعريف وهو كالنقيب للقبيلة، قال المسعودي: والجندي؛ أي: المشد.
ولم يحصر "الحاوي" بل قال لما ذكر العامل [ص 447]: (كالساعي والكاتب).
وأما أجرة الكيال والوزان، وعاد النعم .. فهي على المالك في الأصح، والمراد: الذي يميز نصيب المستحقين من نصيب المالك، فأما الذي يميز بين الأصناف .. فأجرته من سهم العامل قطعاً، وأما حافظ المال والراعي بعد القبض .. فالأصح: أن أجرتهما في أصل مال الزكاة، ولا يختص بسهم العامل.
3415 - قول "المنهاج" [ص 368] و"الحاوي" [ص 447]: (لا القاضي) يقتضي أن للقاضي قبضها وصرفها، وذلك في مال أيتام تحت نظره، أما غيرهم .. ففي دخول ذلك في عموم ولايته إذا لم يقم الإمام له متكلماً وجهان.
الحديث: 3413 - الجزء: 2 - الصفحة: 486
3416 - قول "المنهاج" [ص 368]: (والوالي) أعم من تعبير "الحاوي" [ص 447]: (بالإمام) لشموله والي الإقليم عموماً؛ فإن ولايته تشمل قبضها وتفريقها، ولا يأخذ سهم العامل كالإمام؛ لأن رزقه من الخمس.
قال القاضي أبو الطيب: لو تولاها الإمام .. سقط سهم العامل، ولا يأخذه الإمام.
3417 - قول "التنبيه" [ص 63]: (وإن كان - أي: الثمن - أقل من أجرة عمله .. تمم من خمس الخمس في أحد القولين، ومن الزكاة في الثاني) الأظهر: الثاني، وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" أن له أجر المثل 36.
3418 - قول "التنبيه" [ص 63]: (وأما مؤلفة المسلمين .. فضربان: ضرب لهم شرف يرجى بعطيتهم إسلام نظرائهم، وقوم يرجى حسن إسلامهم، وفيه ثلاثة أقوال، أحدها: لا يعطون، والثاني: يعطون من سهم المؤلفة، والثالث: من خمس الخمس) الأظهر: الثاني، وهو إعطاؤهم من سهم المؤلفة، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج" 37 لكن في تعبيره بالمذهب نظر؛ فليس في المسألة طرق.
وشرط إعطائهم: الاحتياج إليهم كما نقله في "الكفاية" عن "المختصر" 38.
3419 - قول "التنبيه" [ص 63]: (وضرب في طرف بلاد الإسلام؛ إن أعطوا .. دفعوا عن المسلمين، وقوم إن أعطوا .. جبُوا الصدقات ممن يليهم ففيهم أربعة أقوال، أحدها: يعطون من سهم المؤلفة) هو الأظهر، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 447]: (والمتألف على جهاد الكفار ومانع الزكاة حيث أهون من بعث جيش)، وتعبير "التنبيه" بالدفع عن المسلمين أعم؛ فقد يدفعون البغاة، وكذا تعبيره بجباية الصدقات أعم؛ فقد يجبونها من غير مانع، بل ممن يستثقل نقلها للإمام، ويصعب إرسال ساع إليهم؛ للبعد أو الخوف.
3420 - قول "التنبيه" [ص 63]: (فأما مؤلفة الكفار فضربان: من يرجى إسلامه، ومن يخاف شره، فيعطون من خمس الخمس) خالف ذلك في قسم الفيء والغنيمة، فقال: (إنهم لا يعطون شيئاً) وهو الأظهر، ومراده: تقسيم المؤلفة من حيث هم، لا مؤلفة الزكاة بالخصوص؛ لأن مؤلفة الكفار ليسوا من أهلها بلا شك.
3421 - قولهما: (والرقاب: المكاتبون) 39 أي: كتابة صحيحة كما قيده "الحاوي" فلا
الحديث: 3416 - الجزء: 2 - الصفحة: 487
يعطى في الفاسدة 40، وحيث صحت كتابة بعض عبد؛ بأن أوصى بكتابة عبد فعجز عنه الثلث، وهو الأصح.
. لم يعط في الأصح، وفي ثالث استحسنه الرافعي: أنه إن كان بينهما مهايأة .. صرف إليه في نوبته، وإلا .. فلا.
ويستثنى من ذلك: مكاتبه فليس له صرف زكاته إليه على الصحيح.
3422 - قول "الحاوي" [ص 448]: (ولو قبل الحلول) كذا صححه الرافعي والنووي 41، لكن صحح النووي في نظيره من الغارم خلافه 42، وهو في "المنهاج" 43، فيحتاج على طريقته إلى الفرق، وقد بنى الرافعي الخلاف في الغارم على المكاتب، ثم قال: ثم قد يجعل الغارم أولى بالإعطاء؛ لاستقرار دينه، بخلاف المكاتب، وقد يعكس لغرض الحرية بالتعجيل 44، فقد يفرق النووي بهذا.
3423 - قولهما - والعبارة لـ"التنبيه" -: (الغارمون، وهم ضربان) 45 أهملا ضرباً ثالثاً، وهو: الضامن وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 448]: (وللضمان إن أعسرا) أي: الضامن والمضمون عنه، وبقي عليه: ما لو أعسر الضامن فقط، لكن كان الضامن متبرعاً بغير إذن.
3424 - قول "الحاوي" [ص 448]: (ولنفسه لمباح) يقتضي أنه إذا استدان لنفسه لمحرم .. لا يعطى ولو تاب، وهو الذي يقتضيه قول "المحرر": (بشرط ألاَّ تكون الاستدانة لمعصية) 46 لكن استدرك عليه "المنهاج" فقال [ص 368]: (الأصح: يعطى إذا تاب) وهو استدراك على عموم مفهوم الشرط، وصححه "التنبيه" أيضاً 47، وقال الرافعي في "الكبير": صحح كلاً من الوجهين قوم 48، ورجح في "الصغير": أنه يعطى.
وقال النووي في "الروضة": جزم في "المحرر" بالأول: أنه لا يعطى، والأصح: الثاني 49.
ومراده بجزم "المحرر": ما أفهمه عموم المفهوم، وفي "المهمات": أنه مقتضى كلام
الحديث: 3422 - الجزء: 2 - الصفحة: 488
الإمام؛ فإنه شرط في إعطائه ألاَّ يكون غرمه في معصية، ولم يفصل بين أن يتوب أم لا، قال في "الكفاية": ومحلهما: إذا استدان للصرف في الحرام، وصرفه فيه، فإن لم يصرفه فيه، أو صرف فيه ما استدانه لمباح .. قال الإمام: يعطى إذا تحقق قصد الإباحة أولاً، ولكنا لا نصدقه فيه عند صرفه في الحرام 50.
وقال السبكي: مثلوا الدين في معصية بالاقتراض ليشتري خمراً، فحرم القصد لمقارنة الفعل، وقياسه: شراء عنب الخمر، قال: ولا يتصور كون الدين سببه معصية إلا بعقد صحيح، فالفاسد لا يعلق بالذمة شيئاً، إلا أن يكون إتلافاً محرماً، فهو الذي يكون ديناً 51 سببه معصية، وهو لازم في الذمة بالإجماع، فالتمثيلى به أحسن، إلا أن يراد: أنه لزم ذمته بسبب مباح، وأنفقه في حرام؛ ولهذا قسموه إلى مُصِرٍّ وتائب.
انتهى.
قال الرافعي: ولم يتعرضوا لمضي مدة الاستبراء ليظهر صلاحه، إلا أن الروياني قال: (إذا ظن صدقه في توبته)، فيمكن حمله عليه 52.
3425 - قول "المنهاج" [ص 368]: (والأظهر: اشتراط حاجته) قد يفهم عوده إلى التائب تفريعاً على ما صححه: أنه يعطى، وليس كذلك، بل لا خلاف في اشتراط الحاجة في هذه الصورة، وإنما يعود إلى المستدين في غير معصية، وعبارة "التنبيه" تدل على ذلك 53، وحصر "الحاوي" الأخذ بالمباح كما تقدم، وقال [ص 448]: (إن أعسر).
ولو قدر بالكسب .. أعطى في الأصح، قال الرافعي: ومن المهم البحثه عن معنى الحاجة، وعبارة أكثرهم تقتضي كونه فقيراً، والأقرب قول بعض المتأخرين: أنه لا يعتبر الفقر والمسكنة، بل يترك معه ما يكفيه، وأقره النووي 54.
3426 - قول "المنهاج" [ص 368]: (دون حلول الدين) يقتضي أن الخلاف فيه قولان كالمسألة قبلها؛ فإنه جمع بينهما، وعبر بالأظهر، لكن قوله عقبه: (قلت: الأصح: اشتراط حلوله) 55 يقتضي أن الخلاف وجهان، والخلاف في "الشرحين" وجهان 56، ومحلهما عند الغزالي: ما إذا لم يكن له غلة وقف عند الحلول بقدر الدين، فإن كانت تغني بعد كفايته وكفاية عياله .. لم يعط.
الحديث: 3425 - الجزء: 2 - الصفحة: 489
3427 - قولهما في ابن السبيل: (وشرطه: الحاجة) (1) قد يرد عليه: ما لو وجد من يقرضه .. فإنه لا يعطى، بخلاف من لا مال له، وقد يقال: لا يرد عليهما؛ فإنه في هذه الحالة غير محتاج.
نعم؛ يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 449]: (المعسر) فإن وُجْدَانَ ما يستقرضه لا يخرجه عن الإعسار، وتعبير "التنبيه" بقوله [ص 64]: (المسافر، أو المريد للسفر في غير معصية) و"الحاوي" بقوله [ص 449]: (المسافر، لا معصية) أظهر في المراد من قول "المنهاج" [ص 369]: (وشرطه: الحاجة وعدم المعصية) لدلالة العبارتين الأولتين على أن الشرط: ألاَّ يكون السفر نفسه معصية، وإيهام الثالثة أن الشرط: انتفاء المعصية من المسافر وإن لم يكن السفر معصية.
3428 - قول "التنبيه" [ص 64]: (ولا يدفع إليه حتى تثبت حاجته) قال ابن الرفعة: لم أره فيما وقفت عليه لأحد من الأصحاب، بل المنقول: أن المسافر إذا ذكر أنه لا مال له في هذا البلد ولم يعرف له مال فيه .. فالقول قوله.
3429 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وشرط آخذ الزكاة من هذه الأصناف الثمانية: الإسلام) (2) يجوز أن يكون الحمال والكيال والحافظ كافراً ويعطى من سهم العامل، وكذلك يجوز أن يكون من ذوي القربى، وبه استدل على أنه أجرة لا زكاة.
3430 - قول "التنبيه" [ص 64]: (ويجوز الدفع إلى موالي بني هاشم وبني المطلب، وقيل: لا يجوز) الأصح: أنه لا يجوز وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 369]: (وكذا مولاهم في الأصح) و"الحاوي" في (الخصائص) فقال [ص 451]: (والزكاة على قريبه ومواليهم).
فَصلٌ [في بيان مستنَد الإعطاء وقدر المُعْطَى]
3431 - قول "المنهاج" [ص 369]: (من طلب زكاة وعلم الإمام استحقاقه أو عدمه .. عمل بعلمه) قال الرافعي: ولم يخرجوه على الخلاف في القضاء بالعلم 59. قال ابن الرفعة: ولعل سببه أنه ليس بحكم، قال السبكي: اختلفوا في أن فعل الحاكم حكم أم لا؛ وهنا عليهما: ينبغي ألاَّ يشترط فيه شروط الحكم؛ للمشقة وعسر البينة.5758
الحديث: 3427 - الجزء: 2 - الصفحة: 490
3432 - قول "الحاوي" [ص 446]: (بقولهما) أي: يعطى مدعي الفقر أو المسكنة بقوله من غير بينة، ومحله: إذا لم يعرف له قبل ذلك مال؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 369]: (فإن عرف له مال وادعى تلفه .. كلف) أي: ببينة، وهو مثل قول "التنبيه" [ص 63]: (فإن عرف رجل بالغنى ثم ادعى الفقر) قال الرافعي: ولم يفرقوا بين أن يدعيه بسبب ظاهر أو خفي كالمودع 60. وفرق ابن الرفعة: بأن الأصل عدم ضمان المودع، وعدم استحقاق الصرف.
والبينة هنا رجلان أو رجل وامرأتان، وقيل: لا بد هنا من ثلاثة؛ لحديث فيه 61.
3433 - قولهما: (وإن ادعى عيالاً .. لم يقبل إلا ببينة) 62 قال السبكي: الظاهر: أن المراد بالعيال: من تلزمه نفقته ومن لا تلزمه ممن تقتضي المروءة والعادة بقيامه بنفقتهم ممن يمكن صرف الزكاة إليه من قريب حر وغيره، وكذا الزوجة؛ لأن نفقتها وإن كانت ديناً فإنما تجب يوماً بيوم، ولو جعلت من سهم الغارمين .. ففي تمييز نصيبها منه ونصيبه من سهم المساكين عسر أو خلاف في الأخذ بصفتين، وفي إفراد كل بالصرف من غير تبعية عسر حتى لو كانت مسكينة ولها ولد لو كانت موسرة .. لزمها نفقته، فهو من عيالها.
انتهى.
3434 - قول "المنهاج" [ص 369]: (ويطالب عاملٌ ببينةٍ) قال السبكي: محله إذا أتى إلى رب المال وطالبه وجهل حاله، أما الإمام: فإنه يعلم حاله؛ فإنه الذي يبعثه، فلا تتأتى البينة فيه.
3435 - قول "الحاوي" [ص 447]: (وشريف بإعطائه يتوقع إسلام نظرائه، بالبينة) ذكر السبكي فيه مثل ما تقدم عنه في العامل: أن محله: في طلبه من رب المال، فأما الإمام: فإنه يعلم حاله؛ فإنه الذي يتألفه، فلا حاجة إلى بينة، وفيه نظر؛ فقد لا يعلم الإمام شرفه، وأن له نظراء يرغبون في الدخول في الإسلام بإعطائه، وهو في هذه الصورة لا يتألف على الإسلام بإعطائه؛ فإنه حسن الإسلام، وإنما يتألف بإعطائه نظراؤه؛ ليدخلوا في الإسلام.
3436 - قولهم: (إن الغارم يطالب ببينة) 63 ذكر السبكي أنه لا حاجة إليها في الغارم لذات البين؛ لظهور أمره؛ فإن إطفاء فتنة الحرب لا يخفى، وفيه نظر؛ فقد يكون ذلك في بلاد بعيدة عن الإمام قد يخفى عليه تفاصيل أحوال أهلها.
3437 - قول "المنهاج" [ص 369]: (وهي: إخبار عدلين) أحسن من قول "الحاوي" [ص 448]: (بشاهدين) ومن قول "التنبيه" [ص 63]: (حتى يثبت أنه غارم بالبينة) لإيهامهما اعتبار
الحديث: 3432 - الجزء: 2 - الصفحة: 491
لفظ الشهادة، لكن حكى الرافعي عن بعض المتأخرين: أنه لا يعتبر سماع القاضي والدعوى والإنكار، بل المراد: إخبار عدلين على صفات الشهود 64، واستحسنه في "الشرح الصغير"، وحكاه ابن الرفعة عن "المحيط"، ونقله السبكي عن الإمام، واختاره 65، وبه يشعر تعبير "المنهاج" بالإخبار.
3438 - قول "التنبيه" في المكاتب [ص 63]: (فإن صدقه المولى .. فقد قيل: يدفع إليه، وقيل: لا يدفع) ثم قال في الغارم: (فإن صدقه .. فعلى وجهين) الأصح فيهما: الدفع إليه بمجرد التصديق، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 66.
3439 - قول "الحاوي" في الفقير والمسكين [ص 446]: (إنهما يعطيان كفاية سنة) تبع فيه "الوجيز" و"المحرر" 67، واستدرك عليه "المنهاج" فقال [ص 369]: (الأصح المنصوص، وقول الجمهور: كفاية العمر الغالب، فيشتري به عقاراً يستغله) وأشار في "التتمة" إلى تنزيل هذا الخلاف على حالين: إن أمكن إعطاء ما تحصل منه كفايته.
. أعطاه، وإلا .. فكفاية سنة، ورده الرافعي: بأنه لو لم يقدر على أن يعطيه كفاية سنة.، فلابد أن يعطيه لما دونها؛ فلا معنى للضبط بها.
واختار السبكي التنزيل، وأجاب عن السنة: بأن الغالب أن زكاة السنة لا تنقص عن كفايتها، فإن نقصت .. أعطينا المقدور كما قال الرافعي 68، قال: والقول بالسنة وادخار الفاضل إلى القابلة بعيد لا وجه له ولا أعتقد أحداً يقول به، والقول بكفاية العمر لا يمكن لرب المال ولا للإمام عموماً غالباً، فإن أمكنه ذلك عموماً .. فينبغي أن لا يتردد في وجوبه؛ لأنه مالهم، قال: بل أقول: لو زادت على كفايتهم العمر؛ لكثرتها وقلتهم .. لزمه قسمتها كلها عليهم، وينتقل بعدهم إلى وارثيهم.
قال: ومذهب الشافعي: عدم جواز ادخار شيء من مال المصالح في بيت المال مع عدم تعين مستحقه، فكيف بما تعين مستحقه؟ ! قال: إلا أن هذا فرض نادر؛ لأن الأرض لا تخلو عن الفقراء والمساكين، لكن جاء أن في آخر الزمان يطوف الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، قال: ونص "الأم" و"المختصر" وغيره مما يخالف ما قلته خرج مخرج الغالب، وهو عدم زيادة الزكوات عن كفايتهم.
انتهى.
الحديث: 3438 - الجزء: 2 - الصفحة: 492
ومحل الخلاف: فيمن لا يحسن الكسب بحرفة ولا تجارة، فأما المحترف .. فيعطى ما يشتري به أداة حرفته، ويعطى التاجر ما يتجر فيه؛ ولذلك قال "التنبيه" في الفقراء [ص 63]: (فيدفع إليهم ما تزول به حاجتهم من أداة يكتسب بها أو مال يتجر به) ومحله: في المكتسب والتاجر، وفي غيرهما الخلاف المتقدم، وحاصله: أن خلاف "المنهاج" و"الحاوي" ذكرا صورة و"التنبيه" 69 ذكر صورة، وكل منهما مقيد بالآخر، فلو ملك ما يكفيه أقل من سنة أو من العمر الغالب ولا حرفة له .. قال السبكي: الذي يظهر من كلام الأصحاب: أنه يعطى التكملة لسنة أو للعمر الغالب، ثم ذكر عن "الشافي" للجرجاني و"فتاوى البغوي" ما يقتضيه، قال: وتوهم بعض فقهاء الزمان أنه لا يعطى إلا إذا اتصف يوم الإعطاء بالفقر أو المسكنة، وليس كذلك.
3440 - قول "المنهاج" [ص 369]: (والمكاتب والغارم: قدر دينه) كان ينبغي أن يقول: (قدر دينهما) كما في "المحرر" و"الحاوي" 70، أو لعطف بـ (أو)، ولو كان معهما اليعض .. أعطيا الباقي فقط.
3441 - قول "التنبيه" في ابن السبيل [ص 64]: (فيدفع إليه ما يكفيه في خروجه ورجوعه) محله: ما إذا أراد الرجوع؛ ولذلك اقتصر "المنهاج" و"الحاوي" على أنه يعطى ما يوصله مقصده أو موضع ماله 71، وسكتوا عن كفايته في مدة مقامه، وهي مقدرة بمدة المسافر، وهي: ما دون أربعة أيام.
3442 - قول "الحاوي" [ص 449]: (يُملَّك، أو يعار الفرس والسلاح، والنفقة) فيه أمران:
أحدهما: أن العارية إنما تأتي في الفرس والسلاح، أما النفقة .. فليس فيها غير التمليك، وهذا واضح، لكن عبارته لا تعطيه.
ثانيهما: أنه أشار بالعارية إلى ما ذكره الرافعي من أن الإمام يشتري خيلاً من هذا السهم وينفقها في سبيل الله، فيعطيهم إياها عند الحاجة، فعبر عنه بالعارية، وكذا فعل النووي 72، وفيه نظر؛ فإن انتفاع الموقوف عليه بما وقف عليه ليس عارية، ولو كان عارية .. لضمنه عند التلف بغير الاستعمال، والإمام ليس مالكاً لذلك حتى يعيره، وقد ذكر الوافعي والنووي مع التمليك والوقف الإجارة؛ بأن يستأجر له مركوباً، وأهمله المصنف، ولعله داخل في التمليك؛ فإن في الإجارة ملك المنفعة، وعبر "المنهاج" عن ذلك بقوله [ص 370]: (والغازي: قدر حاجته لنفقةٍ وكسوةٍ
الحديث: 3440 - الجزء: 2 - الصفحة: 493
ذاهباً وراجعاً ومقيماً هناك وفرساً وسلاحاً، ويصير ذلك ملكاً له) وهي عبارة حسنة، إلا أنه لم يذكر سوى التمليك، وعبارة "التنبيه" [ص 64]: (فيدفع إليهم ما يستعينون به في غزوهم) وليس فيها إفصاح عن المقصود، بل توهم الاقتصار على إعطاء الزائد بسبب الغزو، والأصح: إعطاء جميع المؤنة كما تقدم، وسكتوا عن إعطائه نفقة عياله، وكذا سكت عنه الجمهور، وذكره بعض شراح "المفتاح".
وقال الرافعي والنووي: إنه ليس ببعيد (1)، وقد يدخل في تعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالنفقة.
ومحل إعطائه الفرس: ما إذا كان فارساً، وقال السبكي: له في الفرس والسلاح طرق: دفع الثمن، أو الأجرة إليه، أو الشراء، أو الاستئجار له، أو للجهة، أو الوقف عليهما، ولا تملك أَلا في دفع الثمن.
3443 - قول "المنهاج" [ص 370]: (ويُهيَّأ له ولابن السبيل مركوبٌ إن كان السفر طويلاً أو كان ضعيفاً لا يطيق المشي) هذا غير الفرس الذي يقاتل عليه.
3444 - قوله: (ومن فيه صفتا استحقاق .. يُعطَى بإحداهما فقط في الأظهر) (2) لو عبر بالمذهب .. لأفاد أن في المسألة طرقاً ولكن أصحها: طريقة القولين، فالتعبير بالأظهر صحيح، والله أعلم.
فَصلٌ [في قسمة الزكاة بين الأصناف ونقلها وما يتبع ذلك]
3445 - قول "الحاوي" [ص 449]: (ويستوعبهم) محمول على قول "المنهاج" [ص 370]: (يجب استيعاب الأصناف إن قسم الإمام وهناك عامل، وإلا .. فالقسمة على سبعة) وتناول كلامهما زكاة الفطر، وبه صرح "التنبيه" ثم قال [ص 64]: (وقيل: يجزئ أن يصرف إلى ثلاثة من الفقراء) وهو قول الإصطخري، واختاره السبكي، وحكى الرافعي عن اختيار صاحب "التنبيه": جواز صرفها إلى واحد 75، قال في "البحر": وأنا أفتي به.
3446 - قول "المنهاج" [ص 370]: (فإن فُقدَ بعضهم .. فعلى الموجودين) وقول "الحاوي" [ص 449]: (وسهم المفقود للباقين) أحسن من قول "التنبيه" [ص 64]: (وإن فقد صنف من هذه7374
الحديث: 3443 - الجزء: 2 - الصفحة: 494
الأصناف) لتناول العبارتين الأوليتين ما إذا لم يفقد صنف بكماله، وإنما فقد بعضه؛ بأن لم يجد منه إلا واحداً أو اثنين.
3447 - قول "التنبيه" [ص 64]: (والمستحب: أن يعم كل صنف إن أمكن) وقول "الحاوي" [ص 449، 450]: (وجاز الاكتفاء بعامل وثلاثة من كل صنف) محله: فيما إذا قسمها المالك ولم ينحصر المستحقون، فإن انحصروا، أو قسمها الإمام .. وجب استيعاب آحاد كل صنف، وكذلك قال "المنهاج" [ص 370]: (وإذا قسم الإمام .. استوعب من الزكوات الحاصلة عنده آحاد كل صنف، وكذا يستوعب المالك إن انحصر المستحقون في البلد ووفى بهم المال، وإلا .. فيجب إعطاء ثلاثة) وفيه أمور:
أحدها: في معنى الإمام: العامل إذا فوض إليه الصرف.
ثانيها: أن مقتضى عبارته: جواز الاقتصار على ثلاثة فيما إذا لم ينحصر المستحقون، وفيما إذا انحصروا لكن لم يف المال بكفايتهم فإنه أوجب الاستيعاب بشرطين، وإعطاء ثلاثة عند فقد مجموعهما وذلك يصدق بفقد أحدهما، والذي في "الروضة" وأصلها: جواز الاقتصار على ثلاثة عند عدم إمكان الاستيعاب وذلك فيما إذا لم ينحصروا؛ فإنه جعل التقابل بين الإمكان وعدمه، فقال: إن أمكن الاستيعاب؛ بأن كانوا محصورين يفى المال بهم .. فأطلق في "التتمة": وجوب الاستيعاب، وفي "التهذيب": يجب إن لم نجوز النقل - أي: وهو الأصح - وإلا .. استحب، ثم قال: وإن لم يمكن الاستيعاب .. سقط الوجوب والاستحباب، ولا ينقص عن ثلاثة 76.
قال السبكي: وعدم الانحصار قد يكون مع إمكان الاستيعاب ومع عدمه، ولا شك أنه مع عدم الإمكان يسقط الوجوب والاستحباب؛ إذ لا تكليف معه، وأما مع الإمكان: فإن كان بلا مشقة وهو المراد هنا بالنسبة إلى المالك والآحاد؛ فإذا زادوا على ثلاثة وانحصروا .. فيقتضي ألاَّ يجوز اقتصار المالك على ثلاثة، سواء نقص ما يعطى الثلاثة عن كفايتهم أم لا، بل يعمهم وإن نقص ما يعطى كلاً منهم عن الكفاية، وإن كان بمشقة .. لم يلزم المالك جزماً ويلزم الإمام، فهنا يفارق الإمام المالك.
انتهى.
ويخالف ذلك كلام "أصل الروضة" في المسائل المنثورة آخر الباب؛ ففد ذكر فيها ما حاصله: أن الاستيعاب لا يجب إذا زادوا على ثلاثة 77، وهو مقتضى كلامه في الوصية للعلماء ونحوهم؛ فإنه شبهه بأصناف الزكاة في أنه لا يجب الاستيعاب، ويقتصر على ثلاثة، والأولى: استيعاب الموجودين عند الإمكان، وجوز في "المهمات" حمله على ما إذا لم يف المال
الحديث: 3447 - الجزء: 2 - الصفحة: 495
بكفايتهم، والأول على ما إذا وفى، وقد جزم بذلك في "الكفاية"، وحمل كلام " التنبيه " على ما إذا لم يف بكفايتهم.
قال في " المهمات ": ويتلخص من ذلك: تعين الصرف إليهم فيما إذا كانوا ثلاثة فأقل وإن لم يف بهم، فإن زادوا على ثلائة .. جاز الاقتصار على ثلاثة إن عسر ضبطهم، فإن سهل ضبطهم .. فهم كالثلاثة إن وفى المال بحاجتهم، وكما لو عسر ضبطهم إن لم يوف، لكن يستحب التعميم، قال: وكلام القاضي أبى الطيب يدل على ما قلناه، قال: ويلزم منه فساد قول النووي في " التصحيح ": الأصح: أْنه يجب استيعاب آحاد الصنف إذا كانوا محصورين.
انتهى بمعناه 78.
والمراد بالانحصار: أن يسهل في العادة ضبطهم ومعرفة عددهم؛ ففي " الإحياء " في غير هذا الباب: كل عدد لو اجتمع في صعيد لعسر على الناظر عددهم؛ كالألف .. فغير محصور، وإن سهل؛ كعشرين .. فمحصور، وبينهما أوساط يلحق بأحدهما بالظن، وما شك فيه يستفتى فيه القلب 79.
ثالثها: محل وجوب إعطاء ثلاثة من كل صنف: في غير العامل؛ فإنه يكتفى فيه بواحد كما تقدم من كلام " الحاوي "، وصرح به " التنبيه " أيضًا، فقال [ص 64]: (وأقل ما يجزئ: أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف، إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحدًا) واعترض في " الكفاية " على هذه العبارة: بأنه إن كان المفرق هو المالك كما هو ظاهر كلامه .. فالعامل ساقط، فلا يستثنى، أو الإمام لكون المالك حملها إليه .. فكذلك، أو لكون الساعي جباها ودفعها إلى الإمام .. وجب الاستيعاب، ولا يكفي ثلاثة من كل صنف.
3448 - قول " المنهاج " [ص 370]: (وتجب التسوية بين الأصناف) محله: في غير العامل؛ فإنه لا يعطى إلا أجرة مثله كما صرح به " التنبيه " [ص 64] و" الحاوي " [ص 450].
3449 - قول " التنبيه " [ص 64]: (والأفضل: أن يفرق عليهم على قدر حاجاتهم، وأن يسوي بينهم)، ظاهره التنافي، فحمل الأول على ما إذا تساوت، ومقتضاه: جواز التفصيل ولو تساوت حاجتهم، وهو الذي يقتضيه قول " الحاوي " [ص 449، 450]: (وجاز التفضيل في آحاد الصنف) ومحله: فيما إذا قسم المالك؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 370]: (إلا أن يُقسِّم الإمام فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات) ولبع في ذلك " المحرر " 80، ونقله في " الشرح " عن " التتمة " 81، وقال في " الروضة ": هذا التفصيل الذي في " التتمة " وإن كان قويًا
الحديث: 3448 - الجزء: 2 - الصفحة: 496
في الدليل فهو خلاف إطلاق الجمهور استحباب التسوية 82.
قال السبكي: وتأملت إطلاق الجمهور التسوية فوجدت كلام أكثرهم في المالك دون الإمام، فلا مخالفة للمتولي، فما قاله هو المختار، ويوافقه كلام ابن الصباغ، وفيما علقه النووي على " التنبيه ": أن قوله: (وأن يسوي بينهم) 83 ليس متعلقًا بقوله: (الأفضل: أن يفرق) 84 لعلمنا عدم التسوية من قوله: (على قدر حاجاتهم) 85 ولا يحمل على التسوية في أصل الإعطاء؛ لعلمه من قوله: (وأن يعم كل صنف) 86 بل هو معطوف على قوله: (ويجب صرف زكاة المال إلى ثمانية أصناف) 87 أي: وتجب التسوية بينهم بدفع الثمن إلى كل صنف، وأَخَّرَهُ إلى هنا؛ ليفرغ من الأصناف وشرائطهم، قال: وهو كلام حسن جدًا رضي الله عمن أفادنا إياه، واستبعده السبكي؛ لطول الفصل.
3450 - قو " التنبيه " [ص 64]: (فإن دفع جميع السهم إلى اثنين .. غرم للثالث الثلث في أحد القولين، وأقل جزء في الآخر) الأصح في " شرح المهذب " و " التصحيح ": الثاني 88، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 450]: (وإن قنع باثنين .. غرم أقل متمول) وفي " الشرح " و " الروضة ": أن الأول هو المنصوص في الزكاة، والثاني هو القياس 89، قال الماوردي: فلو كانوا محصورين يفي المال بحاجتهم؛ كثلاثة مثلًا .. غرم للثالث قدر حاجته 90.
3451 - قول " التنبيه " [ص 64]: (وإن فضل عن بعضهم ونقص عن كفاية البعض .. نقل الفاضل إلى الذين نقص سهمهم عن الكفاية في أحد القولين، وينقل إلى الصنف الذي فضل عنهم باقرب البلاد إليه في الآخر) صحح النووي في " تصحيحه " الثاني، فقال: وأنه إذا فضل عن بعض ونقص عن بعض .. نقل إلى ذلك الصنف 91، ومقتضى كلام " الروضة " الرد على الباقين؛ فإنه جعله على الخلاف فيما إذا فقد صنف في ذلك البلد مع وجوده في غيره 92، والأصح هناك: الرد
الحديث: 3450 - الجزء: 2 - الصفحة: 497
على الباقيين على أنه لا يلزم من الاستواء في الخلاف الاستواء في الترجيح، وعلى أن عبارة " التصحيح " تحتمل تصحيح الأول؛ بأن يكون قوله: (نقل إلى ذلك الصنف) أراد به: الذين نقص عنهم .. فإنه أقرب مذكور في كلامه، وإليه مال في " التوشيح "، فقال: ينبغي حمله على النقل إلى الصنف الناقص، لا إلى بلد آخر؛ ليتوافق كلاماه لا سيما وقد أطلق في " التنبيه " [ص 64] النقل، وأراد به ما ذكرناه.
انتهى.
والذي ذكرته أولًا عن " التصحيح " فهمه عنه ابن الرفعة، وتبعه شيخانا الإسنوي وابن النقيب 93، والله أعلم.
وقد يفهم من كلامه أن مؤنة النقل عليه، والأصح كما قال الإمام: أنها على المستحق 94.
3452 - قول " التنبيه " [ص 62]: (ويكره أن ينقل الزكاة عن بلد المال، فإن نقل .. ففيه قولان، أحدهما: يجزئه، والثاني: لا يجزئه) فيه أمور:
أحدها: أن المراد بالكراهة هنا: التحريم.
ثانيها: أصح القولين فيما إذا نقل: عدم الإجزاء، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 450]: (بقيَ الفرض) وهذه الطريقة هي المصححة في " الروضة " وأصلها أن القولين في سقوط الفرض، ولا خلاف في التحريم 95، والطريقة الثانية: أنهما في التحريم والسقوط معًا، وعبارة " المنهاج " موافقة لهذه؛ حيث قال [ص 370]: (والأظهر: منع نقل الزكاة) وفيه طريقة ثالثة: أنها في التحريم، ولا خلاف أنه يسقط.
ثالثها: الخلاف فيما إذا فرق المالك، فإن فرق الإمام .. قال الرافعي والنووي: ربما اقتضى كلام الأصحاب طرد الخلاف فيه، وربما دل على جواز النقل له والتفرقة كيف شاء، وهذا أشبه، قال النووي: قال صاحب " التهذيب " والأصحاب: يجب على الساعي نقل الصدقة إلى الإمام إذا لم يأذن له في تفريقها، فهذا نقل، ورجح في " شرح المهذب " القطع بجواز النقل للإمام والساعي 96، ومال ابن الرفعة إلى طرد الخلاف في الإمام أيضًا.
ويستثنى من منع النقل أيضًا: ما لو كان له بكل بلد عشرون شاة .. فالأصح: جواز إخراج شاة في أحدهما؛ حذرًا من التشقيص، وترد هاتان المسألتان على " المنهاج " و" الحاوي " أيضًا ولو فارق المستحقون أو بعضهم بلد المال .. فله النقل اعتبارًا بالاخذ لا بالبقعة، قاله الإمام، قال:
الحديث: 3452 - الجزء: 2 - الصفحة: 498
ومنعه بعضهم عند انتقال بعضهم؛ فإن في المقيمين مقنعًا، وكلام الإمام وغيره يقتضي طرد الخلاف وإن انحصر المستحقون، وخصه في " الشافي " بعدم انحصارهم، فلو انحصروا حولًا .. ملكوها، ووجب صرفها إليهم وتنتقل إلى ورثتهم ولو كانوا أغنياء.
3453 - قول " التنبيه " [ص 62]: (وإن نقل إلى ما لا تقصر إليه الصلاة .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: المنع، وهو مقتضى إطلاق " المنهاج " [ص 370] و" الحاوي " [ص 450] ولو نقل إلى قرية بقرب البلد كما حكاه في زيادة " الروضة " عن صاحب " العدة "، قال: وهو ظاهر 97، قال السبكي: وهو ظاهر وإن اتصلتا إن انفردت باسم، وإلا .. كالعمران المتصل فينبغي تخريجه على القصر، فإن فارقه .. امتنع.
3454 - قول " التنبيه " [ص 62]: (وإن وجبت عليه زكاة الفطر في بلد وماله في غيره .. ففيه قولان، أحدهما: أنه يجب لفقراء بلد المال، والثاني: يجب لفقراء موضعه، وهو الأصح) هذا التصحيح هو المعتمد، وعليه مشى" الحاوي " فقال [ص 450]: (وإن نقل من موضع المالك في الفطرة والمال في الزكاة .. بقي الفرض) ولا يغتر بما في بعض نسخ الرافعي 98 من تصحيح اعتبار بلد المال، ومقتضى كلام " المهمات ": أنه كذلك في جميع نسخ الرافعي و" الروضة " 99 فإنه حكى اعتبار بلد المال عن تصحيح " شرح المهذب " منكتًا على عبارة الرافعي، ولم يذكر مخالفة " الروضة " له.
فلو كان بعض ماله معه في بلد وبعضه في آخر .. اعتبرنا بلد المالك قطعًا؛ فقد ذكر في " شرح المهذب " أنه الصواب 100، أما إذا وجبت عليه عن غيره وهو ببلد آخر .. فالاعتبار ببلد المؤدى عنه في الأصح، وحكاية " التنبيه " الخلاف قولين خالفه في " المهذب "، فحكاه وجهين 101، وهو الذي ذكره الرافعي والنووي 102.
3455 - قول " المنهاج " [ص 370]: (ولو عدم الأصناف في البلد .. وجب النقل، أو بعضهم وجوزنا النقل .. وجب، وإلا .. فيرد على الباقين وقيل: ينقل) لا يغتر بنقل " الكفاية " تصحيح النقل عن الرافعي، فإنه إنما صحح الرد على الباقين، وعن الماوردي: أن الخلاف في غير الغزاة، وينقل للغزاة جزمًا، وفي " الكفاية ": أن محل الخلاف: إذا لم يكف الباقين نصيبهم، فإن
الحديث: 3453 - الجزء: 2 - الصفحة: 499
كفاهم .. نقل، وحكاه عن البندنيجي، ويعلم مما تقدم أن هذا في غير العامل، فأما نصيب العامل عند عدمه .. فإنه يرد على الباقين قطعًا.
3456 - قول " التنبيه " [ص 63]: (ومن شروطه - أي: العامل - أن يكون حرًا، فقيهًا، أمينًا، ولا يكون ممن حرم عليه الصدقة من ذوي القربى) فيه أمور:
أحدها: ليس المراد: أن يكون فقيهًا في سائر الأبواب، بل يكفي أن يكون فقيهًا في باب الزكاة خاصة، كما صرح به " المنهاج " و " الحاوي " 103.
ثانيها: اشتراط ألَّا يكون من ذوي القربى محله: ما إذا أراد أخذ السهم كما هو مقتضى كلامه، فلو عمل متبرعًا .. جاز قطعًا، والمراد بالصدقة: الزكاة؛ فإن الأصح: حل صدقة التطوع لهم، والأصح: إلحاق موالي ذوي القربى بهم.
ثالثها: المراد بالأمانة: العدالة كما صرح به " المنهاج " [ص 370]، وقال " الحاوي " [ص 447]: (أهل الشهادة).
رابعها: يشترط فيه أيضًا: كونه ذكرًا كما جزم به في " أصل الروضة " في آخر الكلام على الصنف الأول، ولم يذكره في مظنته، فأعرب في " المهمات " بنقله عن " أحكام الخناثى " لأبي الفتوح، وقال الماوردي مرة: يكره أن تكون المرأة عاملة، فدل على عدم اشتراطه، وقد تفهم الذكورة من تذكير " التنبيه " و" المنهاج " ضميره، ومن قول " الحاوي " [ص 447]: (أهل الشهادة) لكن يذكر مع اختلاط المؤنث بالمذكر تغليبًا للتذكير، والمرأة أهل لبعض الشهادات، فلو قال " الحاوي ": (أهل للشهادات) بالجمع .. لخرجت المرأة.
خامسها: محل اشتراط الحرية والفقه: ما إذا كان متصرفًا من غير تقييد عليه، فإما إذا عين له الامام ما يأخذه ويدفعه .. لم يشترط فيه الفقه كما جزم به " المنهاج " [ص 370]، وحكى الرافعي والماوردي: أنه لا يشترط فيه أيضًا لحرية والإسلام 104، قال النووي: عدم اشتراط الإسلام فيه نظر 105، وقال في " شرح المهذب ": المختار: اشتراطه 106، وقال السبكي: عدم اشتراطه منكر لا يعرج عليه، وفي الحرية نظر.
3457 - قول " المنهاج " [ص 371]: (وليُعلِم شهرًا لأخذها) أي: استحبابًا، وقيل: وجوبًا.
3458 - قول " الحاوي " [ص 450]: (ووسم الصدقة بالله) وهو في بعض نسخ " التنبيه "،
الحديث: 3456 - الجزء: 2 - الصفحة: 500
وكذا في " المختصر " 107، واستبعده الصيدلاني في " شرح المختصر " لأنها تتمعك في النجاسة وتضرب أفخاذها بأذنابها، وهي نجسة، فينزه اسم الله عنها، وحكاه الرافعي عن بعض شراح " المختصر "، وقال: يجوز أن يجاب عنه: بأنه لغرض التمييز لا للذكر، ويختلف التعظيم باختلاف المقصود؛ فإن الجنب لو أتى ببعض الفاتحة لا على قصد القراءة .. لم يحرم 108.
وفي " المهمات ": أنه إشكال ظاهر، وأن جواب الرافعي ضعيف؛ فإن قصد التمييز لا يخرج به الاسم عن التعظيم، وأما الجنب: فإنه إذا لم يقصد القراءة .. لم يكن المأتي به قرآنًا، فلا تحريم.
3459 - قول " التنبيه " [ص 61]: (والمستحب: أن يدعي له، فيقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا) قال في " التحرير ": والأحسن ما في " المختصر " وتبعه الأصحاب أن يجعل: (وجعله لك طهورًا) بين الجملتين، قال: والمصنف غيّره.
انتهى 109.
وذكر في " الكفاية ": أن الذي في " التنبيه " حكاه القاضي أبو الطيب عن النص، قال: وكأنه أخذه من قوله: فإذا أخذت صدقته .. دعا له بالأجر والبركة 110.
الحديث: 3459 - الجزء: 2 - الصفحة: 501
بابُ صدقة التّطوّع
3460 - قول " المنهاج " [ص 371]: (وتحل لغني) أي: ولو من ذوي القربى، فالأصح: حلها لهم.
نعم؛ تحرم على النبي صلى الله عليه وسلم في الأظهر، وقد ذكره " الحاوي " في الخصائص فقال [ص 451]: (وحرمة الصدقتين، والزكاة على قريبيه).
3461 - قول " المنهاج " [ص 371]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 450]: (ودفعها سرًا وفي رمضان ولقريب وجارٍ أفضل)، وفي " التنبيه " [ص 64]: (يستحب الإكثار منها في شهر رمضان وأمام الحاجات)، وقال في زيادة " الروضة " بعد ذكر رمضان: وكذا عند الأمور المهمة، وعند الكسوف والمرض، والسفر، وبمكة والمدينة، وبالغزو، والحج، والأوقات الفاضلة؛ كعشر ذي الحجة وأيام العيد، ففي كل هذه المواضع هي آكد من غيرها 111.
وقال شيخنا ابن النقيب: إن الحاجات التي في " التنبيه " [ص 64] هي الأمور المهمة التي في " الروضة " 112.
وتقديم " المنهاج " [ص 371]: القريب في الذكر أولى من تقديم " الحاوي " الجار 113؛ لأن الصدقة على القريب أفضل منها على الجار، وإطلاقهما القريب يتناول من تلزم نفقته، وكذا صرح به في " شرح المهذب " عن الأصحاب، ثم حكى عن البغوي: أن دفعها إلى قريب تلزمه نفقته أفضل من دفعها لأجنبي 114، لكن مقتضى تصحيحهم في الوصية للأقارب أنها لا تتناول الأبوين والولد: عدم دخولهم في لفظ القريب هنا؛ ويؤيده أنه في " أصل الروضة " لما فصل ذلك .. لم يذكرهم، بل قال: فالأولى: أن يبدأ بذوي الرحم المحرم؛ كالأخوة والأخوات ... إلى آخره 115، وقد عرفت أن المنقول خلافه، والرجوع إلى التصريح أولى من الرجوع إلى إفهام وإشعار.
3462 - قول " المنهاج " [ص 371]: (ومن عليه دينٌ أو له من تلزمه نفقته .. يُستحب ألا يتصدق حتى يؤدي ما عليه.
قلت: الأصح: تحريم صدقته بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته، أو لدين لا يرجو له وفاء) فيه أمور:
الحديث: 3460 - الجزء: 2 - الصفحة: 502
أحدها: أن مقتضى كلامه: أنه لا تحرم صدقته بما يحتاج إليه لنفقه نفسه، وكذا صرح بتصحيحه في " الروضة " من زيادته 116، لكن في " التنبيه " [ص 64]: (ولا يحل ذلك لمن هو محتاج إلى ما يتصدق به في كفايته) وصححه في " شرح المهذب " 117.
ثانيها: أنه قيد الدين بألَّا يرجوا له وفاء، وكذا في زيادة " الروضة "، وعبر بالمختار، فقال: المختار: أنه إن غلب على ظنه حصول وفائه من جهة أخرى .. فلا بأس بالتصدق، وإلا .. فلا يحل 118، وأطلق " التنبيه " أنه لا يحل التصدق لمن هو محتاج إلى ما يتصدق به في قضاء دينه، وأطلق النووي في " شرح مسلم " جواز ذلك 119.
ثالثها: أنه لا يكفي رجاء الوفاء، بل لا بد من استناد ذلك إلى سبب ظاهر كما ذكره الغزالي في " الإحياء " 120، ويوافقه قول " الروضة " 121 من زيادته في (الشهادات): تباح الاستدانة لحاجة في غير معصية ولا سرف إذا كان مرجو الوفاء من جهة أو سبب ظاهر.
رابعها: أن عبارة " المحرر " و" الروضة " وأصلها: (لا يستحب أن يتصدق حتى يؤدي ما عليه) 122 فعدل عنها في " المنهاج " إلى قوله [ص 371]: (يستحب ألا يتصدق) وبينهما تفاوت ظاهر 123.
خامسها: قال ابن الرفعة: الأولى: حمل المنع على كفايته وكفاية ممونه في الحال، وقضاء دين تعين وفاؤه على الفور، إما بطلبه أو بغيره على ما في (التفليس)، والجواز على كفاية الأبد، وكلام بعضهم يرشد إليه، ودين لم يجب أداؤه على الفور.
قال: وعلى التحريم هل يملكه المتصدق عليه؟ ينبغي أن يكون فيه خلاف؛ كهبة الماء بعد الوقت، وقال السبكي في الدين: إن التحريم ظاهر إذا قلنا: يجب أداؤه من غير طلب، أو وجد الطلب، قال: وينبغي أن يتحتم سواء رجي له وفاء أم لا، أما المؤجل، أو حال لم يطالب به ولم نوجبه قبله .. فيظهر الجواز إن رجي الوفاء، وإلا .. فينبغي التحريم إن حرم سببه، وإلا .. فلا.
الجزء: 2 - الصفحة: 503
وقال في " المهمات ": متى طالب صاحب الدين به .. فلا سبيل إلى القول بالجواز؛ لوجوب أدائه على الفور.
سادسها: خرج بالصدقة الضيافة، فلا يشترط في جوازها الفضل عن نفقته ونفقة عياله كما في " شرح المهذب "، وقال: ليست الضيافة صدقة، واستدل بحديث الأنصاري الذي نزل به الضيف فأطعمه قوت صبيانه 124، وقال في " شرح مسلم ": لا تجوز الضيافة في هذه الحالة، وحمل الحديث على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل، وإنما طلبوه على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة 125.
3463 - قول " المنهاج " [ص 371]: (وفي استحباب الصدقة بما فضل عن حاجته أوجهٌ؛ اْصحها: إن لم يشق عليه الصبر .. استحب، وإلا .. فلا) فيه أمور:
أحدها: أن المراد: الصدقة بجميع ما فضل، أما التصدق ببعضه .. فلا تردد في استحبابه.
ثانيها: أن المراد: حاجته لنفسه ولممونه ولقضاء دينه.
ثالثها: أنه ذكر فيما إذا شق عليه الصبر .. أنه لا يستحب، وزاد " التنبيه " على ذلك فقال: إنه مكروه، وعبارته [ص 64]: (ويكره لمن لا يصبر على الإضافة أن يتصدق بجميع ماله) ولا يرد على هذه العبارة الأمران الأولان، لكن مفهمومها: أن من صبر على الإضافة .. لا يكره له التصدق بجميع ماله، وليس فيها أنه مستحب، وقد تقدم استحبابه، وعبارة " الحاوي " [ص 408]: (والمحتاج لا يتصدق بكل ماله) وهي عبارة تحتاج إلى تنقيح؛ فالمحتاج تحرم عليه الصدقة بالمحتاج إليه لدينه أو عياله، وغير المحتاج يكره له التصدق بكل ماله إن لم يصبر على الإضافة وقد تقدم ذلك، والله أعلم 126.
الحديث: 3463 - الجزء: 2 - الصفحة: 504
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهم صلّ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم