كتابُ الوكالة
2374 - قول " المنهاج " [ص 272]: (إنه لا يصح توكيل المرأة في النكاح) أي: توكيلها أجنبيًا في تزويجها، أما لو أذنت لوليها بصيغة التوكيل .. قال في " البيان ": صح، نص عليه الشافعي 1.
2375 - قوله: (والمُحْرِمِ في النكاح) 2 أي: توكيل المُحْرِم حلالًا، والمراد: إذا وكله ليعقد عنه حال إحرام الموكِّل، فإن قال: لتُزَوّج بعد تَحللي .. صح، قاله الرافعي في (النكاح) تبعًا للقاضي حسين، واختار السبكي المنع، فإن أطلق .. صح عند الرافعي دون القاضي.
ولو وكل حلال مُحْرِمًا في التوكيل في التزويج .. صح عند الرافعي خلافًا للسبكي أيضًا 3، وإنما حملت عبارة " المنهاج " على أن المصدر مضاف للفاعل، وأن المراد: كون المرأة والمُحْرِم موكلين؛ لذكره ذلك في صور شرط الموكِّل، وهو صحة مباشرته ما وكل فيه، ولو حمل على إضافة المصدر للمفعول، وأن المراد: منع كون المرأة والمُحْرِم وكيلين في النكاح .. لاستقام في الحكم أيضًا، لكنه لا يلائم سياق كلامه، والله أعلم.
2376 - قوله: (ويصح توكيل الولي في حق الطفل) 4 تبع فيه " المحرر " 5، ولو حذف الطفل كما في " الروضة " ليدخل المجنون ونحوه .. لكان أشمل.
2377 - قوله: (ويستثنى توكيل الأعمى في البيع والشراء .. فيصح) 6، وكذا في " الحاوي " 7، وفيه أمران:
أحدهما: أن ذلك لا يختص بالبيع والشراء، فسائر العقود كذلك " كالإجارة والأخذ بالشفعة وغيرهما.
ثانيهما: لم يستثنيا غير هذه الصورة، ولم يستثن في " التنبيه " شيئًا أصلًا، ويستثنى مع ذلك مسائل:
الحديث: 2374 - الجزء: 2 - الصفحة: 94
منها: لو وكل مُحْرِم في التزويج حلالًا ليزوج بعد التحلل، أو أطلق، أو وكل حلال محرمًا في التوكيل كما تقدم.
ومنها: لو وكل الولي امرأة لتوكل رجلًا عنه، أو مطلقًا في تزويج ابنته .. صح، بخلاف ما لو وكلته عن نفسها.
ومنها: لو وكل المشتري البائع في أن يوكل من يقبض ثمنه منه .. فإنه يصح مع منع قبضه من نفسه.
ومنها: التوكيل في الطلاق تفريعًا على صحة الدور؛ فإنه لو بَاشَرَهُ .. لم يقع مع وقوعه من وكيله.
ومنها: التوكيل في استيفاء القصاص في الطرف وحد القذف .. فإنه يصح، ولا يجوز أن يباشر ذلك بنفسه؛ خشية الحيف.
ومنها: أن الإمام الفاسق لا يزوج الأيامى، ولا يقضي كما لا يشهد، ولكنه ينصب القضاة حتى يزوجوا، حكاه المتولي عن القاضي حسين؛ وعلله المتولي: بأنا إنما لم نعزله بالفسق، لخوف الفتنة، وليس في منعه من القضاء والتزويج إثارة فتنة، وحكاه في " التوشيح " عن تصحيح والده في (النكاح)، لكن الأصح في " أصل الروضة ": أنه يزوج بناته وبنات غيره 8.
واعلم: أن المفهوم من عبارتهم: أن كل من صح أن يباشر الشيء بنفسه .. صح أن يوكل فيه، ويستثنى من ذلك مسائل أيضًا:
منها: غير المجبر إذا أذنت له في التزويج ونهته عن التوكيل.
ومنها: الظافر بحقه لا يوكل في كسر الباب وأخذ حقه.
ومنها: الوكيل ليس له أن يستقل بالتوكيل فيما يقدر عليه في الأصح، وفي معناه: العبد المأذون، وكذا الوصي فيما يتولاه مثله، كما ذكره في " الروضة " 9.
ومنها: السفيه المأذون له في النكاح .. ليس له التوكيل فيه، كما حكاه الرافعي عن ابن كج؛ فإن حجره لم يرتفع إلا عن مباشرته، قال في " الكفاية ": والعبد كذلك.
ومنها: المرأة ليس لها أن توكل غير زوجها بغير إذنه كما فى " الكفاية " عن الماوردي 10.
ومثها: من أسلم على أكثر من أربع نسوة .. له أن يختار أربعًا، ولا يوكل في ذلك، إلا إذا عين للوكيل المختارات للنكاح .. فيجوز على الأصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 95
2378 - قولهم - والعبارة لـ" المنهاج" -: (شرط الوكيل: صحة مباشرته التصرف لنفسه) 11 استثنى الثلاثة منه: اعتماد قول الصبي في الإذن في دخول دارٍ وإيصال هديةٍ، وقيده "التنبيه" بالتمييز 12، ولا بد منه، وعبر عنه "المنهاج" بالصحيح 13، وكذا في "الروضة" هنا، قال: فيه وجهان سبقا في البيع 14، لكن الذي في البيع طريقان، أصحهما: القطع بالاعتماد، والثانية: الوجهان في روايته 15.
ومحل الخلاف: أن يكون مأموناً، وإلا .. فلا قطعاً، وألاَّ تحتف به قرائن تفيد العلم، فإن احتفت به .. اعتمد قطعاً، وهذا في الهدية لأجل إباحة الطعام، وأما الملك .. فلا يحصل إلا بإيجاب وقبول على الصحيح، قاله ابن عجيل اليمني.
واستثنى "المنهاج" صورة ثانية، وهي: صحة توكيل عبدٍ في قبول النكاح وإن لم يأذن سيده على الأصح 16، مع كونه يمتنع قبوله لنفسه بغير إذن سيده، والسفيه كالعبد في ذلك.
ويستثنى مع ذلك مسائل أيضاً:
منها: توكيل المسلم كافراً في شراء مسلم .. فإنه يصح مع امتناع شرائه لنفسه.
ومنها: توكيل المرأة في طلاق غيرها .. فإنه يصح على الأصح، وحكى "التنبيه" فيه في (الطلاق) وجهين من غير ترجيح 17.
ومنها: توكيل المسلم كافراً في طلاق المسلمة، ذكره الرافعي في (الخلع) 18، وفيه وجه في "الروضة" 19.
ومنها: توكيل معسر موسراً في تزويج أمته .. فيجوز، كما ذكره البغوي في " فتاويه ".
ومنها: توكيل شخص في قبول نكاح أخته، وفي قبول نكاح أخت زوجته ونحوها، ومن تحته أربع في قبول نكاح امرأة، ويستثنى من عكسه - وهو: أن من جاز تصرفه لنفسه .. جاز أن يتوكل فيه عن غيره - منع توكيل الولي فاسقًا في بيع مال الطفل، والله أعلم.
2379 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن وكل عبداً لغيره في شراء نفسه له من مولاه .. فقد
الحديث: 2378 - الجزء: 2 - الصفحة: 96
قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز (الأصح: جوازه، قال صاحب "التقريب": ويجب التصريح بالموكل، وإلا .. فهو صريح في العتق لا ينصرف بالنية، وكلام الجرجاني يقتضي أنه لا يجب، وينصرف بالنية، وتوكيله في شراء شيء غيره من مولاه كتوكيله في شراء نفسه، وقوله: (من مولاه) زيادة إيضاح، وفرض في "الكفاية" الخلاف فيما إذا أذن السيد له في الوكالة، ثم قال: وقال البغوي: لا حاجة للإذن قبل الشراء؛ لتضمن بيعه إذنه 20، وقال القاضي: إن أذن .. جاز قطعاً، وإلا .. فالخلاف.
2380 - قول "المنهاج" [ص 272]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 328، : (وشرط الموكَّل فيه: أن يملكه الموكِّل، فلو وكل ببيع عبدٍ سيملكه، وطلاق من سينكحها .. بطل في الأصح) فيه أمران:
أحدهما: أن محل الخلاف: إذا عين العبد أو المرأة بوصف، أو أتى بلفظ عموم؛ مثل: كل عبدٍ أو امرأةٍ، وأما النكرة الصّرفةُ .. فلا تصح جزماً، قاله البغوي في "فتاويه"، فلا بد على هذا من تقييد قوله: (عبدٍ) بما إذا كان معيناً، وحمل (من) في قوله: (من سينكحها) على العموم.
ثانيهما: يستثنى من ذلك: ما لو جعله تبعاً لموجود؛ كتوكيله في بيع عبده الفلاني، وما سيملكه .. ففيه احتمالان للرافعي 21، والمنقول عن الشيخ أبي حامد وغيره: الصحة.
2381 - قول "التنبيه" [ص 108]: (وأما حقوق الله تعالى: فما كان منها عبادة .. لا يجوز التوكيل فيها إلا في الزكاة والحج) زاد "المنهاج" [ص 272]: (وذبح أضحية)، وذكره "التنبيه" في بابه؛ حيث قال: (والأفضل: أن يذبح بنفسه) 22، ويستثنى مع ما ذكره: العمرة، وركعتا الطواف والرمي، وهي مأخوذة من الحج، وشرط النيابة في ركعتي الطواف: كونه تبعا لحج أو عمرة، فلو أفردهما بالتوكيل .. لم يصح، ذكره الرافعي في (الوصية) 23، وتفرقة الكفارات والنذر وصدقة التطوع، وهي مأخوذة من الزكاة، وذبح العقيقة والهدايا وشاة الوليمة ونحوها، وهي مأخوذة من الأضحية.
ويستثنى أيضاً: صوم الولي عن الميت على القديم المختار.
واستثنى بعضهم: العاجز يأمر من يوضئه أو ييممه، وفي استثنائه نظر؛ لأن المتوضئ والمتيمم حقيقة هو العاجز، ولا ينسب فعل العبادة إلى الموضئ له.
الحديث: 2380 - الجزء: 2 - الصفحة: 97
وقال شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: ينبغي استثناء الوقف أيضًا؛ فإنه قربة، ويصح التوكيل فيه 24.
2382 - قول "المنهاج" [ص 272]: (ولا في شهادة، وإيلاءً، ولعانٍ، وسائر الأيمان) أي: باقيها، فإن الإيلاء واللعان من جملتها، ولذلك قال "الحاوي" [ص 327]: (واليمين؛ كاللعان، والإيلاء) وقول "التنبيه": (والإيلاء) بعد ذكر الأيمان من عطف الخاص على العام، وفي معنى الأيمان: تعليق الطلاق، وهو الأصح، وقيل: يجوز، وأيده السبكي بجوازه في الخلع والكتابة، وفيهما التعليق، وقيل: إن كان فيه حث أو منع .. امتنع؛ لأنه يمين، وإن كان مثل: إذا طلعت الشمس .. فلا، واختاره السبكي، وقواه شيخنا الإمام البلقيني 25.
2383 - قولهم: (إنه لا يصح التوكيل في الظهار) 26 في تصوير نطق الوكيل به إشكال.
قال في "المطلب": لعل صورته أن يقول: (أنت على موكلي كظهر أمه)، أو (جعلت موكلي مظاهراً منك)، قال: والأشبه: أن يقول: موكلي يقول: (أنت عليه كظهر أمه) انتهى 27.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الخلاف في الظهار يُستبعد من جهة أنه معصية، والتوكيل في المعاصي لا يجوز قطعاً.
2384 - قولهم: (إنه يصح التوكيل في الطلاق) 28 أي: في تنجيزه في معيّنةٍ، أما تعليق الطلاق: فيمتنع التوكيل فيه في الأصح كما تقدم، وقد ذكره "الحاوي" 29 ولذلك إذا طلق إحداهما .. لا يجوز التوكيل في تعيينها، فلو أشار إلى واحدة، ووكله في تعيينها للفراق أو النكاح .. صح في الأصح، وقد تقدم نظيره في الاختيار فيمن أسلم على أكثر من العدد الشرعي، ولو وكله في تطليق إحداهما على الإبهام .. ففيه وجهان، حكاهما الماوردي 30.
وما ذكرناه في الطلاق يأتي مثله في العتاق أيضاً، وهل يحتاج الوكيل إلى أن ينوي عند الطلاق أنه يطلقها لموكله؟ فيه وجهان في الرافعي عن شريح الروياني في أواخر الكلام على الصريح والكناية 31.
الحديث: 2382 - الجزء: 2 - الصفحة: 98
2385 - قولهم: (إنه يصح التوكيل في العقود) 32 من جملتها: الضمان، والوصية، والحوالة، وصيغة التوكيل فيها كما قال في "المطلب": جعلت موكلي ضامناً لك كذا، أو موصياً لك بكذا، أو أحلتك بما لك عليه من كذا بنظيره مما له على فلان 33.
2386 - قولهم: (والفسوخ) 34 أي: التي ليست على الفور، وإلا .. فقد يكون التأخير بالتوكيل فيه تقصيراً، قاله الرافعي 35، ونقله ابنُ الرفعة عن المتولي جزماً.
والمراد: حيث لم يكن عذر باشتغال بحمام أو أكل أو نحوهما.
ويستثنى: فسخ نكاح الزائدات على أربع إذا أسلم عليهن كما تقدم، وفي خيار الرؤية خلاف 36.
2387 - قول "المنهاج" [ص 272]: (إنه يصح التوكيل في إقباض الديون) وهو داخل في عموم عبارة "التنبيه" و"الحاوي" 37.
من الديون: الجزية، فلو وكل الذمي في أدائها مسلماً .. ففيه خلاف ينبني على كيفية الأخذ، كذا قيد في "الروضة" تبعاً لأصله بالمسلم 38، والخلاف يأتي في توكيل ذمي أيضاً؛ لأن التوكيل فيما وجب عليه من عُقوبةٍ باطلٌ، وخرج بالديون: الأعيان؛ فإنها وإن صح في قبضها .. لا يصح في إقباضها؛ إذ ليس له دفعها لغير مالكها، قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وفيه نظر.
2388 - قول "التنبيه" [ص 108]: (إنه يصح التوكيل في استيفاء الحقوق) يستثنى منه: حقُّ القَسْمِ، وقد صرح به مع وضوحه في "البحر" 39، وقبض عوض الصرف في غيبة الموكل؛ لأن العقد يفسد بغيبته قبل القبض، وهذا قد يرد على قول "الحاوي" أيضاً [ص 327]: (وقبض حق)، وعبر "المنهاج" [ص 272]: (بقبض الديون).
2389 - قول "التنبيه" [ص 108]: (وفي تملك المباحات؛ كالصيد والحشيش والماء قولان) فيه أمور:
أحدها: ما ذكره من أن الخلاف قولان هو الذي في "المنهاج" أيضًا 40، وجعله الرافعي
الحديث: 2385 - الجزء: 2 - الصفحة: 99
في "شرحيه" وجهين 41، واستدرك عليه في "الروضة" فقال: قلد فيه بعض الخراسانيين، وهما قولان مشهوران 42.
واعترضه شيخنا الإسنوي: بأن الخلاف مخرج، كما صرح به القاضيان أبو الطيب وحسين وغيرهما، والمخرج يعبر عنه بالقول تارة، وبالوجه أخرى 43.
ثانيها: أن الأظهر: الجواز، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 44.
ثالثها: قد يدخل في عبارته الالتقاط، وهو الذي في "الروضة" وأصلها في أواخر (اللقطة) أنه على القولين في تملك المباحات، وحكاه في "الروضة" من زيادته هنا عن صاحب "البيان" بحثاً، وحكى عن ابن الصباغ: أنه لا يجوز التوكيل فيه قطعاً، وقال النووي: إنه أقوى 45، ووافقه شيخنا الإمام البلقيني؛ لقوة شبهه بالاغتنام من جهة استمرار الملك لصاحب الملتقط، واستمراره لصاحب المغتنم، وأن إزالته باليد الجديدة .. فاختصت بالملك، بخلاف الاحتطاب ونحوه.
2390 - قول "التنبيه" [ص 108]: (وفي الإقرار وجهان) الأصح: المنع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 46، وصورة لفظ الموكل: (أَقرّ عَني لفلان بألف)، فلو لم يقل: (عني) .. لم يصح، وصورة لفظ الوكيل: أقررت عنه بكذا، وصوّرهُ بعضهم بقوله: جعلته مقراً بكذا، واختار السبكي أن يقول: موكلى مقر بكذا 47.
2391 - قول "الحاوي" [ص 327]: (ولا بصبر به مقراً) أي: تفريعاً على الأصح؛ وهو: عدم صحة التوكيل، كذا حكاه الرافعي عن تصحيح البغوي، وحكى مقابله عن اختيار الإمام 48، ونقله النووي عن الأكثرين، قال: ولو قال: (أقر عني لفلان بألف له عليّ) .. فهو إقرار بلا خلاف، صرح به الجرجاني وغيره.
انتهى 49.
أما إذا صححنا التوكيل .. فلا يكون مقراً أيضًا كما صححه النووي، وقطع به الجمهور 50،
الحديث: 2390 - الجزء: 2 - الصفحة: 100
وجزم "التنبيه" في بابه بمقابله، فقال [ص 274]: (ومن وكل غيره في أن يقر عنه بمال .. لزمه المال وإن لم يقر به الوكيل)، وظاهره: أنه تفريع على الوجهين معاً.
2392 - قول "المنهاج" [ص 273]: (ويصح في استيفاء عقوبة آدمي؛ كقصاصٍ وحدِّ قذفٍ) فيه أمران:
أحدهما: أنه يفهم المنع من التوكيل في استيفاء حد الله تعالى، وليس كذلك؛ فهو جائز من الإمام، ومن السيد في حق عبده، وإنما يمتنع التوكيل في إثباته، وقد صرح به "التنبيه" في قوله [ص 108]: (وما كان منها حداً يجوز التوكيل في استيفائه دون إثباته) ولذلك أطلق "الحاوي" التوكيل في العقوبة، ثم قال [ص 327]: (لا إثبات حد الله تعالى)، لكن دعوى القاذف على المقذوف أنه زَنَى مسموعة، كما ذكره الرافعي في (اللعان) 51، وحينئذ .. فيصح التوكيل في إثباته؛ لدرء حد القذف، وقد ذكره ابن الصباغ بحثاً، ولكن ثبوت الحد إنما وقع تبعًا، والله أعلم.
ثانيهما: قد يفهم من كلامه جواز استيفاء المستحق القصاص وحد القذف بنفسه، والأصح: منعه في قصاص الطرف وحد القذف، وتعين التوكيل فيهما، وقد تقدم.
2393 - قول "التنبيه" [ص 108]: (وفي الرجعة وجهان) الأصح: الجواز، وهو داخل في عموم عبارة "المنهاج" و"الحاوي".
2394 - قول "التنبيه" [ص 108]: (وما جاز التوكيل فيه .. جاز مع حضور الموكل، ومع غيبته، وقيل: لا يجوز في استيفاء القصاص وحد القذف مع غيبة الموكل، وقيل: يجوز، وقيل: فيه قولان) فيه أمور:
أحدها: اعترضه النووي في قوله: (وقيل: يجوز)، وقال: إنه تكرار؛ لدخوله فيما ذكره أولاً 52.
قال في "الكفاية": وقد يجاب: بأن المراد: بيان أن الأصحاب نصوا على جوازه، لا أنه مأخوذ من عموم قاعدة.
وأجاب عنه النشائي: بأنه لو لم يذكره .. لكان مرجحاً لطريقة القطع بالجواز، فلما استوفى ذكر الطرق الثلاثة بلفظ: (قيل) .. لم يكن في عبارته ترجيح واحد منها 53.
وذكر صاحب "المعين" أن الشيخ في "نكته صحح: طريقة القطع بالجواز.
الحديث: 2392 - الجزء: 2 - الصفحة: 101
ثانيها: الأرجح: طريقة القولين، وأظهرهما: الجواز في غيبته، وذلك مفهوم من قول "المنهاج" [ص 273]: (وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكّل)، لكن هذه العبارة تقتضي بمقتضى اصطلاحه: أنه وجه، وإنما هو قول.
ثالثها: أن عبارته تفهم أن الخلاف في جواز الاستيفاء لا فى صحة أصل التوكيل، ويوافقه عبارة "الروضة" وأصلها؛ حيث قال: يجوز للوكيل استيفاء عقوبات الآدميين بحضرة المستحق، وفي جوازه في غيبته طرق 54، وكذا قول "الحاوي" [ص 327]: (وعقوبة ويُقْتَصُّ ولو بالغيبة)، لكن عبارة "المنهاج" تقتضي أن الخلاف في صحة الوكالة؛ فإنه بعد قوله: (ويصح في استيفاء عقوبة) قال: (وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكل) 55، ويوافقه عبارة "التتمة" فإنه قال في تصوير المسألة: لو وكله ليستوفي القصاص في حال غيبته.
رابعها: يستثنى مع ذلك أيضاً: توكيل المرتهن في بيع الرهن .. فإنه لا يصح البيع منه في غيبة الموكل على الأصح.
2395 - قول "التنبيه" في التوكيل في شراء عبد [ص 109، 110]: (وان ذكر نوعه ولم يقدر الثمن .. لم يصح، وإن ذكر النوع وقدر الثمن ولم يصف العبد .. فالأشبه: أنه لا يصح، وقيل: يصح) فيه أمران:
أحدهما: قال النووي في "التصحيح": الأصح: أنه إذا وكَّلَه في شراء عبدٍ وَذَكَرَ نوعه .. لم يشترط ذكر الثمن ولا الوصف.
انتهى 56.
ولذلك اقتصر "المنهاج" على وجوب بيان نوعه 57، لكن في "الروضة" وأصلها: فإن اختلفت أصناف نوع اختلافاً ظاهراً .. قال الشيخ أبو محمد: لا بد من التعرض للصنف، وأقراه على ذلك 58، وفي "الحاوي" [ص 327]: (كشراء عبدٍ معيَّنِ النوعِ والصنفِ أو الثمن) انتهى.
فخيّر بين ذكر الصنف والثمن، واكتفى بأحدهما مع النوع، واعتبار الصنف غير اعتبار الوصف الذي في "التنبيه"، إلا أن في آخر عبارة الرافعي التعبير بالوصف، ولم يذكر "المهذب" اعتبار الوصف؛ فلذلك ذكر بعضهم: أن اعتباره احتمال للشيخ ليس منقولاً، ويوافقه أن البندنيجي نفى الخلاف في ذلك، كما في "الكفاية"؛ ولذلك اعترض بعضهم على "التصحيح" في تعبيره عن ذلك بالأصح؛ لأنه يقتضي وجود الخلاف فيه.
الحديث: 2395 - الجزء: 2 - الصفحة: 102
قال النشائي: ويقرب مما ذكره الشيخ حكاية الماوردي الخلاف في قيام ذكر الثمن مقام الصفة.
انتهى 59، لكن ذكر بعضهم أن الجرجاني في "التحرير" حكى الخلاف في اشتراط الوصف 60.
ثانيهما: محل ذلك: فيما قصد به القنية، أما الذي للتجارة .. فلا يجب فيه ذكر نوع ولا غيره، بل يكفي قوله: (اشتر بهذا ما شئت من العروض، أو ما رأيته مصلحة)، ذكره الماوردي والمتولي 61.
2396 - قول "التنبيه" [ص 108]: (ولا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول) اقتصر "الحاوي" على الإيجاب 62؛ لأن القبول لا يتعين فيه القول، فقد يكون بالفعل والتصرف، وقد قال "التنبيه" عقب ذلك [ص 108]: (ويجوز القبول فيه بالقول والفعل)، وقال "المنهاج" [ص 273]: (ولا يشترط القبول لفظاً) أي: بل يكفي فعلاً وإن لم يعلم به في الأصح، فتصرفه قبل علمه كبيع مال مورثه بعد موته ظاناً حياته.
ولا الرضا، فلو أكرهه على التصرف .. صح في الأصح، لكن الرافعي صرح بأنه لا بد من الرضا، ورتب عليه أنه لو رد .. بطلت 63، والحق: أن المعتبر عدم الرد لا الرضا، والله أعلم.
وعبر "المنهاج" عن الإيجاب بقوله [ص 273]: (ويشترط من الموكِّل لفظٌ يقتضي رضاه؛ كـ "وكلتك" ... إلى آخره)، وهو أحسن من قول "المحرر": (بأن يقول) 64 لأنه يفهم الحصر فيما ذكره، وليس منحصراً فيه.
2397 - قول "المنهاج" [ص 273]: (فلو قال: "بع"، أو "أعتق" .. حصل الإذن) إشارة إلى أنه ليس إيجاباً، وإنما هو قائم مقامه، وقد صرح بذلك الرافعي 65.
2398 - قول "التنبيه" [ص 108]: (ويجوز [القبول] 66 على الفور وعلى التراخي) يستثنى من التراخي: ما لو عين زمان العمل الموكل فيه، وخيف فوته.
وما لو عرضها الحاكم عليه عند ثبوتها عنده، ذكره الماوردي والروياني 67.
الحديث: 2396 - الجزء: 2 - الصفحة: 103
وما إذا وكله في إبراء نفسه، صرح به الروياني 68، وحكى في "الكفاية" الصورتين الأولَيَيْن.
وذكر "المنهاج" عدم اشتراط الفور في (الطلاق) فيما إذا قلنا: إن التفويض إليها توكيل؛ فقال: (لا يشترط الفور في الأصح) 69.
2399 - قول "المنهاج" [ص 273]: (ولا يصح تعليقها بشرط في الأصح) قد يفهم أنه لو علقها بشرط، وَوُجِدَ، فتصرف بعده .. لم ينفذ، وليس كذلك، بل ينفذ في الأصح؛ لأنه بقي عموم الإذن بعد بطلان خصوص الوكالة، وقد صرح بذلك "التنبيه" و"الحاوي" 70.
وفائدة البطلان على هذا: سقوط المسمى إن كان، ووجوب أجرة المثل، وذكر له ابن الرفعة فائدة أخرى، وهي: عدم جواز التصرف، ثم حكى عن ابن الصباغ: أنه استبعده، وتبعه السبكي على استبعاده؛ لأن المصحح: هو الإذن، وهو يقتضي الإباحة 71.
وقال شيخنا البلقيني: الذي يقتضيه إطلاق الأصحاب أنه يحل للوكيل الإقدام على التصرف، وفي كلام الغزالي وغيره التصريح به، لكن في "شامل" ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد: أنه لا يحل، ورد عليه ابن الصباغ، وراجعت "تعليقة الشيخ أبي حامد"، فلم أجد فيها شيئاً من ذلك، والصواب: الحل، والله أعلم.
ثم خرج شيخنا على ذلك: ما إذا فسد إذن الزوجة بتعليق ونحوه، فزوج الولي بعد وجود الصفة .. هل يصح كمسألة الوكالة، أو يحتاط في الأبضاع؟ قال: لم أقف في ذلك على نقل، والأقرب: صحة العقد، قال: ولا يرد عليه ما إذا أذن الولي للسفيه في نكاح فلانة بألف، وكان مهرها أقل من ألف حيث بطل الإذن؛ لأنه يحتمل أن يصح النكاح، ويحتمل أن يفرق؛ بأن الإذن صدر بصفة فاسدة لازمة له، وهنا فسد بالتعليق وقد وجد الشرط، إلا أن يلمح في الفرق بينهما أن المعلق لو نجز هنا .. لَصَحَّ، فاعتبر إذنه المعلق عند وجود الصفة بخلاف ما تقدم.
انتهى كلام شيخنا رحمه الله.
2400 - قول "المنهاج" [ص 273]: (ولو قال: "وكلتك ومتى عزلتك فأنت وكيلي" .. صحت في الحال في الأصح) كذا عبر في "الروضة" بـ (متى) 72، وعبر في "المحرر" و"الشرحين" بـ (مهما) 73، وفي التعبيرين تساهل، والصواب كما قال ابن الرفعة: التعبير بـ
الحديث: 2399 - الجزء: 2 - الصفحة: 104
(كلما) المقتضية للتكرار؛ ليصح تعليلهم وجه البطلان باشتمالها على شرط التأبيد، وهو إلزام للعقد الجائز.
وللخلاف شروط:
أحدها: هذا، وهو التعليق بصيغة تكرار؛ مثل: (كلما) ففي غير صيغة التكرار يحصل مقصوده بتكرير العزل، فلم يشتمل على شرط التأبيد، ذكره في "المطلب" بحثاً، وهو واضح.
ثانيها: اتصال التعليق بالتولية، فلو أتى به منفصلاً .. صح، قاله الرافعي 74.
ثالثها: أن يأتي به بصيغة الشرط؛ مثل: (على أني كلما)، أو (بشرط أني كلما)، حكاه في "المطلب" عن القاضي وغيره، وهو مقتضى التعليل السابق.
رابعها: أن يقول: (وكلما عزلتك بنفسي أو بغيري) فإنه متى لم يقل ذلك .. أمكنه حصول مقصوده بتوكيل غيره في العزل، فلم يشتمل على شرط التأبيد، ذكره في "المطلب" بحثاً أيضًا، وهو واضح، والله أعلم.
2401 - قوله: (وفي عوده وكيلاً بعد العزل الوجهان في تعليقها) 75 أي: فالأصح: أنه لا يعود وكيلاً.
2402 - قوله: (ويجريان في تعليق العزل) 76 أي: الوجهان في تعليق الوكالة، ومقتضاه: تصحيح عدم العزل، والذي في "الروضة" وأصلها: أنهما يجريان بالترتيب، والعزل أولى بالقبول؛ لأنه لا يشترط فيه قبول، وليس فيه بيان الأصح؛ فإن فيه: أنا إذا لم نصحح تعليق الوكالة - كما هو المرجح - .. ففي العزل وجهان بلا ترجيح 77.
واستشكل في "المهمات" تصحيح عدم العزل، وقال: كيف تنفذ التصرفات والمالك مانع منها لا سيما أن من جملة الصيغ أن يقول: (إذا انقضى الشهر .. فلا تبع)؟ وأيضا: فإنا لما منعنا تعليق الوكالة .. رتبنا على التعليق غرض المالك، وهو التصرف، فكيف لا نرتب غرضه في تعليق العزل، وهو المنع الذي هو الأصل؟ ! انتهى.
2403 - قول "الحاوي" [ص 329]: (وإن أدارها .. أدار العزل) فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي خص هذه الحيلة بالتفريع على الوجه الضعيف، وهو صحة الوكالة المعلقة 78، وليس بجيد؛ فإنها ولو فسدت .. تصرف بمطلق الإذن كما تقدم، فيحتاج إلى منعه
الحديث: 2401 - الجزء: 2 - الصفحة: 105
من التصرف بهذه الحيلة، فهي جارية على الوجهين معًا؛ ولذلك ذكرها "الحاوي" مع أنه لا يفرع على ضعيف، ذكر ذلك القونوي والسبكي وشيخنا الإسنوي، ثم قال السبكي: لكنا نقول: نفوذ التصرف في المعلقة بغير العزل قريب؛ لأنه لا يضاد ما تضمنته الوكالة من الإذن، والمعلقة بالعزل إذا وُجد العزل .. ضاد الإذن، فالتمسك بالصريح الموجود أولى من التمسك بالإذن المضمن الماضي، والله أعلم.
ثانيهما: قال السبكي وتبعه الإسنوي: إذا قلنا بصحة تعليق العزل على طلوع الشمس .. كيف نعديه إلى تعليقه على التوكيل، وهو تعليق قبل الملك، فإنه لا يملك العزل عن الوكالة التي لم تصدر منه، فهو كقوله: (إن ملكت فلانة، أو نكحتها .. فهي حرة، أو طالق)؟ ! قال السبكي: فهو إذَنْ مبني على وجه ضعيف جداً، وهو التعليق قبل الملك، والله أعلم.
فصلٌ [في التوكيل في البيع]
2404 - قول "التنبيه" [ص 109]: (ولا يجوز للوكيل أن يبيع بدون ثمن المثل، ولا بثمن مؤجل، ولا بغير نقد البلد، إلا أن ينص على ذلك كله) فيه أمور:
أحدها: قيّد ابن يونس دون ثمن المثل بما لا يتغابن بمثله، ويوافقه قول "المنهاج" [ص 273]: (ولا بغبنٍ فاحش) وقول "الحاوي" [ص 329]: (بثمن المثل وما يسامح به)، وذكر بعضهم أنه لا يحتاج لذلك؛ لأن القدر اليسير الذي يسامح به ولا يتغابن بمثله ثمن مثله، وفيه نظر؛ فإن الأصح في شراء الماء في التيمم: أنه لو زاد على ثمن المثل ما يتسامح بمثله .. لم يجب، فقد فرقوا بينهما، وفسر "المنهاج" الغبن الفاحش: (بما لا يحتمل غالباً) 79، وقد مثل بعضهم ذلك: بدرهم في عشرة بخلاف درهمين، وقال الروياني: ذلك يختلف؛ فربع العشر كثير في النقد والطعام، ونصفه ليس كثيراً في الجوهر والرقيق ونحوهما 80.
ثانيها: مقتضى قوله: (إلا أن ينص له على ذلك كله) أنه لا يجوز واحد من هذه الثلاثة حتى ينص له على جميعها، وليس كذلك، وإنما المراد: أن كلاً منها يجوز له فعله بالتنصيص عليه، وإلى ذلك أشار "المنهاج" بقوله [ص 273]: (الوكيل بالبيع مطلقاً) و"الحاوي" بقوله [ص 329]: (إن أطلق) للاحتراز عن حالة التصريح بخلاف ذلك.
ثالثها: فد تفهم عبارته جواز البيع بثمن المثل مع وجود راغب بالزيادة عليه، وليس كذلك، بل
الحديث: 2404 - الجزء: 2 - الصفحة: 106
يبيع بتلك الزيادة، بل لو باع ووجد راغب في زمن الخيار .. لزمه الفسخ في الأصح، فإن لم يفعل .. انفسخ، وهذا وارد على "المنهاج" أيضاً، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 330]: (وإن زِيدَ في المجلس .. انفسخ) لكن لا تتناول عبارته الزيادة في زمن خيار الشرط، فلو قال: (وإن زِيدَ حال الجواز) .. كان أعم.
رابعها: قد تفهم عبارته أنه إذا أذن له في البيع بمؤجل .. جاز، وكان ذلك إلى خبرة الوكيل، وليس كذلك، بل إن قدر الأجل .. اتبع، فلا يزيد عليه، ولا ينقص أيضاً إن نقص من الثمن شيئاً، أو كان خوف، أو للحفظ مؤنة، وإلا .. جاز في الأصح.
قال شيخنا ابن النقيب: ويظهر أن محله: إذا لم يعين المشتري، فإن عينه .. امتنع كزيادة الثمن 81.
وإن أطلق .. حمل على المتعارف في مثله، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 82، فلو لم يكن عرفٌ .. أجل بالأنفع للموكل، ويشترط الإشهاد في الأصح.
خامسها: قد تفهم عبارته وعبارة "المنهاج" و"الحاوي" أنه إذا كان في البلد نقدان .. يخير الوكيل بينهما، وليس كذلك، بل يتعين عليه البيع بالأغلب، فإن استويا في ذلك .. باع بالأنفع، فإن استويا .. تخير حينئذ، وقيل: لا يجوز حتى يتبين له، فلو باع بهما .. قال الإمام: فيه تردد للأصحاب، والمذهب: التجويز 83، قال السبكي: ولم يبين الأصحاب البلد، والظاهر: أنها بلد البيع لا بلد التوكيل.
سادسها: في معنى الوكيل في البيع: الوكيل في الشراء، فيتقيد بهذه الأمور أيضاً.
2405 - قولهم: (ولا يبيع لنفسه) 84 أي: ولو نص له على ذلك، وقد صرح به "الحاوي" 85، قال ابن الرفعة: لو نص له على البيع من نفسه، وقدر له الثمن، ونهاه عن الزيادة .. ينبغي أن يصح؛ لأن منع اتحاد الموجب والقابل إنما هو للتهمة، ولذلك جاز للأب والجد؛ لفقدها، وقال السبكي: لم أجد فيه بياناً شافياً.
2406 - قول "التنبيه" [ص 109]: (ويجوز أن يبيع من ابنه) أي: الذي ليس محجوراً، فلا يبيع من ابنه الصغير والمجنون والسفيه؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 274]: (ولا يبيع لنفسه وولده الصغير) و"الحاوي" [ص 330]: (لا طفلِهِ).
الحديث: 2405 - الجزء: 2 - الصفحة: 107
لكن يرد عليهما: المجنون والسفيه، فلو عبرب (المحجور) كما فعلت .. لكان أولى.
ويستثنى: ما لو صرح له بأن يبيع من ابنه الصغير عند البغوي 86، وقال المتولي: لا يستثنى، ثم قال "المنهاج" [ص 274]: (والأصح: أنه يبيع لأبيه وابنه البالغ)، ومحل الخلاف: إذا لم يعين الثمن، فإن عينه .. جاز بلا خلاف، كما في "فتاوى القفال".
2407 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن وكله في البيع .. سلم المبيع ولم يقبض الثمن، وقيل: يقبض) فيه أمور:
أحدها: أن الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 87.
ثانيها: أنه جزم بتسليم المبيع، وحكى الخلاف في قبض الثمن، وسوى "المنهاج" تبعاً لأصله بينهما في حكاية الخلاف 88.
ثالثها: قد تفهم عبارته أنا إذا فرعنا على أنه يقبض الثمن .. كان مخيراً بين البداءة بتسليم المبيع والبداءة بقبض الثمن، وليس كذلك، بل يتعين قبض الثمن أولاً؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 274، ]: (ولا يسلمه حتى يقبض الثمن) و"الحاوي" [ص 330]: (ويقبض العوض فيسلِّم)، قال النشائي: وصرح في "التصحيح" فيه بخلاف، ولم أجده في الرافعي و"الروضة" و"الكفاية" 89.
قلت: هو فيها؛ فإنهم حكوا طريقة قاطعة بتسليم المبيع، ولم يحكوها في قبض الثمن، فدل على أن بعضهم جوز له تسليم المبيع بدون قبض الثمن 90.
رابعها: محل تسليم المبيع: إذا كان معيناً وهو في يده.
خامسها: قال صاحب "المعين" اليمني: محل الخلاف: إذا عين له الموكل المشتري، أو لم يعين ولكن الموكل حاضر، وإلا .. فيقبض الثمن قطعاً، كما أفهمه كلام الأصحاب.
انتهى.
وهذا إن صح وارد على عبارة "المنهاج" أيضًا.
سادسها: محل الخلاف: في الثمن الحال.
أما المؤجل: فليس له قبضه قطعاً، وهذا وارد على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا.
سابعها: محل الخلاف أيضاً: إذا لم يكن القبض في المجلس شرطاً، فإن كان؛ كالصرف ونحوه .. فله القبض والإقباض قطعاً، وهذا وارد على "المنهاج" أيضاً.
الحديث: 2407 - الجزء: 2 - الصفحة: 108
ثامنها: ومحل الخلاف أيضًا: إذا لم ينهه عن القبض، فإن نهاه عن ذلك .. فليس له القبض قطعاً، وكذا لو نهاه عن التسليم .. امتنع على الأصح، وتفسد الوكالة على وجه، وهذا وارد على "المنهاج" و"الحاوي" أيضاً.
تنبيهٌ [وكيل المشتري في معنى وكيل البائع]
في معنى وكيل البائع: وكيل المشتري يملك تسليم الثمن وقبض المبيع، بل هو أولى منه بذلك؛ لاقتضاء العرف ذلك، وقد قطع به الرافعي في موضع، وصحح النووي: طريقة القطع به 91.
2408 - قول "المنهاج" [ص 274]: (فإن خالف .. ضمن) لم يبين المضمون، وهو: قيمة المبيع يوم التسليم مثلياً كان أو متقوماً، فإذا قبض الثمن .. دفعه واسترد المدفوع 92.
2409 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن أمره أن يشتري شيئاً موصوفاً .. لم يجز أن يشتري معيباً) فيه أمران:
أحدهما: اعترض عليه: بأن الحكم لا يختص بالتوكيل في شراء موصوف؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 274]: (وإذا وكله في شراء .. لا يشتري معيباً).
قلت: إنما احترز "التنبيه" بالموصوف عن التوكيل في شراء معين، وقد ذكره بعد ذلك 93.
ثانيهما: كيف يجزم بأنه لا يجوز له شراء المعيب، وقد قال بعده: (فإن لم يعلم، ثم علم .. رده)؟ فثبوت الرد يدل على جواز البيع فيما إذا لم يعلم، فيحمل كلامه على ما إذا علم، وكذلك يرد هذا على "المنهاج" أيضاً؛ لأنه قال: (لا يشتري معيباً)، ثم قال: (فإن اشتراه في الذمة، وهو يساوي مع العيب ما اشتراه به .. وقع عن الموكِّل إن جهل العيب، وإن علمه .. فلا في الأصح، وان لم يساوه .. لم يقع عنه إن علمه، وإن جهله .. وقع في الأصح) 94، وهو صريح في صحته في بعض الصور، فيحمل قوله: (لا يشتري) على أن المعنى: لا ينبغي له ذلك، لا أنه باطل، وتقييده المسألة بما إذا اشتراه في الذمة قد يقتضي أنه لو اشتراه بعين مال الموكل .. بطل مطلقاً، وليس كذلك، وإنما يبطل تفريعاً على قولنا: إنه في الشراء في الذمة لا يقع للموكل، فإن
الحديث: 2408 - الجزء: 2 - الصفحة: 109
قلنا: يقع له .. فكذا هنا، لكن ليس للوكيل الرد في الأصح، ففائدة التقييد أولاَ بالذمة: إخراج المذكور آخراً، وهو رد الوكيل، فلو قيد الأخيرة فقط، فقال: (للموكل الرد، وكذا الوكيل إن اشترى في الذمة) .. لكان أحسن.
وقول "التنبيه" [ص 109]: (فإن لم يعلم، ثم علم .. رده) أي: الوكيل، قد يقتضي أنه ليس للموكل الرد، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 274]: (وإذا وقع للموكل .. فلكل من الوكيل والموكِّل الرد) أي: والصورة أن الوكيل اشتراه في الذمة، فلو اشتراه بعين مال الموكل .. فلا يرده إلا الموكل كما تقدم، ولو رضي به الموكل .. لم يتمكن الوكيل من الرد، ولو رضي به الوكيل .. لم يتمكن بعد ذلك من الرد، لكن للموكل الرد إن ثبتت الوكالة أو صدق البائع عليها، وعلى ذلك يحمل قول "الحاوي" [ص 330]: (والموكل وإن رضي الوكيل) وإلا .. فالأصح في "الروضة" من زيادته: أنه يرده على الوكيل 95.
وقد أورد على "الحاوي" في قوله [ص 330]: (وَرَدّ - أي: الوكيل - إلا إن رضي الموكل) أن مقتضاه: أن الوكيل يرد ولو رضي هو به، وليس كذلك كما تقدم.
واعلم: أن في معنى ما إذا تبين أنه كان معيباً عند الشراء: ما إذا طرأ العيب قبل قبضه .. فلهما الرد، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطيب.
2410 - قول "الحاوي" [ص 330]: (أو عيَّن المشترى بالعين) أي: ليس للوكيل الرد بالعيب إن عين له الموكل المشترى، واشتراه بعين مال الموكل.
كذلك لو لم يعين له الموكل المشترى، بل أطلقه، فإذا اشتراه بعين المال .. لا يرده، فكان الصواب: الاقتصار على الوصف الأخير؛ ولهذا قيد "المنهاج" رد الوكيل بما إذا كان الشراء في الذمة كما تقدم 96، ولم يعتبر مع ذلك وصفاً آخر، وفي "التنبيه" [ص 109]: (وإن وكله في شراء شيء بعينه، فاشتراه ثم وجد به عيباً .. فالمنصوص: أنه يرده)، قال في "الكفاية": والخلاف إذا لم يعين الثمن، وإلا .. فلا رد قولاً واحداً.
2411 - قول "التنبيه" [ص 108، 109]: (وإن وكله في حق .. لم يجز للوكيل أن يجعل ذلك إلى غيره إلا أن يأذن له فيه، أو كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه) أي: لكونه لا يحسنه أو لا يليق به كما في "المنهاج" 97، أو لا يتمكن منه لكثرته، قال في "التصحيح": الأصح: أنه لا يجوز؛
الحديث: 2410 - الجزء: 2 - الصفحة: 110
أي: في الصورة الأخيرة التوكيل إلا في المعجوز عنه 98، قال النشائي: وكلامه لا يأباه، ولكن استدركه النووي 99.
قلت: وأفصح عن ذلك "المنهاج" بقوله [ص 274]: (ولو كثر وعجز عن الإتيان بكله .. فالمذهب: أنه يوكل فيما زاد على الممكن) وقد عبر أولاً: بالعجز، وثانياً: بعدم الإمكان، وقد يتخيل بينهما فرق، والثاني هو عبارة " المحرر" و"الروضة" وأصلها 100، وحيث وكل لكونه لا يتولاه بنفسه أو يعجز عنه لكثرته .. فإنما يوكل عن موكله، فإن وكل عن نفسه .. بطل على الأصح، كما صححه النووي 101.
ثم اعلم: أن السبكي قال: هذا إذا قال: (وكلتك أن تبيع)، أما إذا قال: (في بيعه) .. ففيه نظر؛ لأنه يشمل بيعه بوكيله، وهو مثل قولهم: إن المعير لم يملك المنفعة، وإنما ملك أن ينتفع؛ ولهذا لا يعير.
ويوافقه أيضاً قول الفوراني وغيره: إنه يعتبر الصدق في قوله: (من أخبرتني بقدوم زيد .. فهي طالق)، بخلاف: (من أخبرتني أن زيداً قدم) فإنه لا يشترط فيه الصدق، لكن الأصح: أنه لا يشترط الصدق في الصورتين، وحكى في "التوشيح" عن والده: أنه نازع في قول النحاة: أنَّ أَنْ والفعل في تأويل المصدر، وقال: بينهما فرق؛ فإنّ أنْ والفعل يدل على الحدوث، وهو معنى تصديقي، بخلاف المصدر الصريح؛ فدلالته على المعنى التصوري فقط 102.
2412 - قول "المنهاج" [ص 274]: (ولو أذن في التوكيل وقال: "وكل عن نفسك"، ففعل .. فالثاني وكيل الوكيل، والأصح: أنه ينعزل بعزله وانعزاله) عبارة "المحرر": (لكن ينعزل بعزله) 103، وليست مطابقة لها؛ فإن مراد "المنهاج": أن الوكيل الثاني ينعزل بعزل الوكيل الأول له؛ بدليل: كونه عطف عليه قوله: (وانعزاله)، والذي يتأتى انعزاله هو الوكيل الأول لا الموكل، وليس الانعزال في "المحرر"، ومراد "المحرر": أن الوكيل الثاني ينعزل بعزل الموكل له؛ ولهذا صدره بقوله: (لكن) للاستدراك على ما تقدم؛ لأن مقتضى كونه وكيل الوكيل: أن لا ينعزل إلا بعزل الوكيل لا بعزل الموكل، لكن خولف ذلك وانعزل بعزل الموكل، وحاصل ذلك أنهما مسألتان: إحداهما في "المحرر"، والأخرى في
الحديث: 2412 - الجزء: 2 - الصفحة: 111
"المنهاج"، لكن يبقى النظر في عبارة "المنهاج" من جهتين:
إحداهما: مخالفة أصله.
والثانية: كيف يجزم بأنه وكيل الوكيل ويحكي الخلاف في انعزاله بعزله وقد قال في "الروضة" وأصلها: إن أصل هذا الخلاف أن الوكيل الثاني هل هو وكيل الأول أم وكيل الموكل؟ والأصح: أنه وكيل الوكيل 104.
2413 - قوله: (وإن قال: "عني" .. فالثاني وكيل الموكل، وكذا لو أطلق في الأصح) 105 فيه أمران:
أحدهما: يخالفه في حالة الإطلاق ما لو قال الإمام للقاضي: (استخلف) وأطلق .. فإنه ينعزل بعزل القاضي، فهو نائب عنه، قال في "المهمات": وهو مشكل.
ثانيهما: محل الوجهين: إذا لم يعين له الوكيل، صرح به الماوردي 106، قال شيخنا الإمام البلقيني: وكلام الرافعي في "الشرح" يشير إليه 107.
2414 - قوله من زيادته: (وفي هاتين الصورتين لا يعزل أحدهما الآخر، ولا ينعزل بانعزاله) 108 قال شيخنا ابن النقيب: ولو تركه .. لفهم من التفريع، ولكنه أراد: زيادة الإيضاح 109.
2415 - قوله: (وحيث جوزنا للوكيل التوكيل .. يُشترط أن يوكل أميناً إلا أن يعيِّن الموكل غيره) 110 كذا لو قال له: (وكل من شئت) كما بحثه في "المهمات" قياساً على ما ذكروه في النكاح: أن المرأة إذا قالت: (زوجني ممن شئت) .. يجوز تزويجها من غير كفء على الصحيح، قال: بل أولى؛ لأنه هناك يصح ولا خيار لها، وهنا لو باع بدون ثمن المثل .. لم يصح، ولو اشترى معيباً .. ثبت الخيار.
2416 - قوله: (ولو وكَّل أميناً ففسق .. لم يملك الوكيل عزله في الأصح) 111، قال شيخنا الإمام البلقيني: في محل الوجهين نظر، تقريره: أنه إن كان في صورة الإطلاق .. فالوجهان في جواز عزله قبل الفسق وبعده، فيبقى قيد الفسق ضائعاً.
الحديث: 2413 - الجزء: 2 - الصفحة: 112
وغير الإطلاق؛ إما وكيل عن الموكل جزماً فيما إذا قال: (وكل عني)، أو عن الوكيل على المشهور فيما إذا قال: (عنك)، قال: والجواب: أن محلهما على ما ظهر من كلام من حكاهما: فيما إذا أذن له في التوكيل وأطلق الإذن، وقلنا: إنه يكون وكيلاً عن الأصل كما هو الأصح؛ فإنه إذا حدث فسقه بين الوكالة والفعل .. ملك المتوسط أن يعزله على وجه كان أصله أن ينعزل بنفس الفسق تنزيلاً للحادث منزلة المقارن، لكنه تعذر في الوكالة؛ إذ الأصل أن يقيم في وكالته الفساق والأمناء، لكن من حيث أنه جاء من جهة نظر الثاني .. ملك عزله على وجه، وكأنه قال له: لا تمكن من يفعل هذا الفعل إلا أنت أو أمين، فإذا فسق الأخير .. كان مقتضى ذلك أن للمتوسط منعه من التصرف على وجه حسن وإن كان مرجوحاً.
انتهى كلام شيخنا.
وقال السبكي: الذي أقول أنا؛ حيث جعلناه وكيل الوكيل .. فله عزله بكل حال.
وحيث جعلناه وكيل الموكل .. فالقول: بأن للوكيل عزله لا وجه له، بل ينبغي أن يكون الوجهان في انعزاله بالفسق، ويصحح الانعزال كالقاضي وعدل الرهن.
وقال شيخنا ابن النقيب: يتعين أن يصور ذلك بما إذا قال: (وكل عني)، وبه صور في "الوسيط"، وفي معناه: الإطلاق، وحينئذ .. فمنع العزل واضح؛ لأنه ليس وكيلاً له، واستشكل في "الكفاية" مقابله؛ وعلله في "المطلب": بأنه من توابع ما وكل فيه؛ كالرد بالعيب (1).
وذكر شيخنا في "المهمات" نحوه، ثم قال: ولو قيل: بانعزاله بلا عزل .. لكان أوجه، كما قالوه في عدل الرهن.
فصلٌ [فيما لو عين لوكيله شخصاً ليبيع منه]
2417 - قول "المنهاج" [ص 275]: (قال: "بع لشخص معين" .. تعين) اعترض على عبارته: بأنّ (قال) يُحكى بها لفظ الغير، فيكون قوله: [معين] 113 من تتمة لفظ الموكل، فمدلوله: بع من معين لا من مبهم، وكذا قوله بعده: (أو في زمن أو مكانٍ معينٍ)، وليس كذلك مراداً، بل مراده: أنه عين له، فقال: بع من زيد وفي يوم الجمعة وفي سوق العطارين مثلاً، وقد سلم "التنبيه" من ذلك بقوله [ص 109]: (وإن وكله في البيع من زيد، فباع من عمرو .. لم يجز) و"الحاوي" بقوله [ص 331]: (وإن عين المشتري) إلى قوله: (تعين)، وهذا تساهل في112
الحديث: 2417 - الجزء: 2 - الصفحة: 113
العبارة، والمعنى في ذلك مفهوم، فلو باع لوكيل ذلك المعين .. ففي " الروضة" عن "البيان": أنه لا يصح، وهو في "البيان" في (النكاح) عن الطبري عن الأصحاب 114، وكذا حكاه في "الذخائر" عن الأصحاب.
وفي "المطلب": إن تقدم القبول وصرح بالسفارة .. صح بلا إشكال.
وإن تأخر .. فلا وإن صرح بالسفارة؛ لفساد الإيجاب، لتمكن الوكيل من قبوله لنفسه.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إذا فرعنا على الأصح: أن الملك يثبت ابتداء للموكل .. فيظهر صحة البيع من وكيل زيد، ثم حكى عن ابن الصباغ والعمراني: أنه إذا وكل زيد شخصاً في بيع عبده من عمرو، ووكله عمرو بشرائه .. هل يجوز أن يتولى الطرفين؟ على وجهين، وقيل: لا يصح قولاً واحداً؛ لتنافي الغرضين، قال شيخنا: وهذا يقتضي أن يجري الخلاف في مسألتنا المجردة عن تولي الطرفين بطريق الأولى، قال شيخنا: ولو انعكس التصوير؛ بأن قال: (بع من وكيل زيد)، فباع من زيد .. فلم أر من تعرض لها، والذي يظهر البطلان؛ أي: تفريعاً على المنقول إلا إذا لمح المعنى.
2418 - قول "المنهاج" [ص 275] و"الحاوي" [ص 331]: (إنه إذا عين الزمان .. تعين) أي: فلا يجوز قبله ولا بعده، وحُكي الاتفاق عليه في البيع والعتق، لكن قال الداركي في (الطلاق): إنه يقع بعده لا قبله، قال النووي: ولم أره لغيره، وفيه نظر 115.
وقال السبكي: القياس: طرده في العتق.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن أجراه في البيع والعتق، وإلا .. ففي الفرق عسر، ثم قال شيخنا: والذي يظهر في التأخير في البيع وغيره بناؤه على أن القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول، فإن قلنا: بأمر جديد - وهو المرجح عند الأصوليين - .. امتنع على الوكيل ذلك إلا بأمر جديد، وإن قلنا: بالأمر الأول - وهو الذي يقتضيه نص الشافعي في كفارة الظهار - .. جاز الإقدام ما لم يظهر ما يدل على المنع بعد ذلك.
2419 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن وكله في البغ في سوق فباع في غيرها .. جاز، وقيل: لا يجوز) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 116، وقال في "المهمات": إن الراجح: الأول؛ فقد نص عليه الشافعي في (الرهن) من "الأم" 117، كما حكاه أبو الطيب.
الحديث: 2418 - الجزء: 2 - الصفحة: 114
وللخلاف شروط:
أحدها: أن محله: إذا لم يكن له في ذلك المكان غرض ظاهر، فإن كان؛ بأن كان الراغبون فيه أكثر، أو النقد فيه أجود .. لم يجز البيع في غيره قطعاً.
ثانيها: أن محله أيضاً: إذا لم ينهه عن غيره، فإن نهاه .. لم يصح جزماً.
ثالثها: أن محله أيضاً: إذا لم يقدر الثمن، فإن قدره .. جاز البيع به في مكان آخر، حكاه في "الروضة" من زيادته عن صاحبي "الشامل" و"التتمة" وغيرهما 118، قال السبكي: وهو ظاهر إن جوزنا البيع به مع وجود راغب بزيادة، فإن منعنا - وهو الأصح عند النووي تبعاً "للشرح الصغير" - .. فينبغي التعيّن، لاحتمال الزيادة فيه.
انتهى.
وذكر "المنهاج" الشرط الأول فقط، فقال [ص 275]: (وفي المكان وجهٌ إذا لم يتعلق به غرض)، ولم يذكره في "المحرر"، قال في "المهمات": وإطلاق الجواز في بلد غير مأذون فيها يقتضي الجواز قبل انقضاء مدة يتأتى فيها الوصول إلى المأذون فيها، وهو مشكل؛ فإن النفظ دل على المسافة، وعلى إيقاع البيع في البلد خرج الثاني؛ لدليل [يبقي] 119 الأول؛ ولهذا قالوا: إذا وهب منه شيئاً في بلده أو رهنه عنده وأذن في قبضه .. فلا بد من مضي زمن يمكن المضي إليه فيه.
قلت: إذا لم يحافظ على المنصوص عليه - وهو المكان - .. فكيف يراعي المتضمن - وهو الزمان -؟
2420 - قول "المنهاج" [ص 275] و"الحاوي" [ص 331]: (وإن قال: "بع بمئة" .. لم يبع بأقل) أي: ولو بقيراط، بخلاف النقص عن ثمن المثل بما يتغابن به عند الإطلاق؛ لأنه قد يسمى ثمن المثل، ودون المئة لا يسمى مئة، ومفهومه: جواز البيع بها مطلقاً.
ويستثنى منه: ما إذا وجد راغباً بزيادة عنها على ما رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "الروضة" 120.
2421 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وله أن يزيد إلا أن يُصَرِّح بالنهي) 121 كذا إذا وكله في البيع من معين .. ليس له الزيادة أيضاً، بخلاف قوله: (اشتر عبد فلان بمئة)، فاشترى بأقل منها .. فإنه يصح كما في "الروضة" من زيادته عن الأصحاب 122، ولذلك أطلق "التنبيه" أنه إذا
الحديث: 2420 - الجزء: 2 - الصفحة: 115
قال: (اشتر عبداً بمئة)، فاشترى عبداً يساوي مئة بما دون المئة .. جاز 123، ثم حكى النووي عن صاحب "الحاوي": أن الفرق أنه في البيع ممنوع من قبض ما زاد على المئة، فلا يجوز قبض ما نُهي عنه، وفي الشراء مأمور بدفع مئة، ودفع الوكيل بعض المأمور به جائز 124.
وبخلاف توكيل الزوج في مخالعة زوجته بمئة .. فإنه تجوز المخالعة بأكثر منها.
وقد استضعف شيخنا الإمام البلقيني فرق الماوردي: بأنه لا يلزم من منع القبض منع البيع، فهذا الوكيل ممنوع من قبض الثمن على وجه، وليس ممنوعاً من البيع، ثم فرق: بأن الغرض في تعيين العبد استدعى تعيين مالكه، وكذا في الخلع لا بد من تعيين الزوجة، بخلاف المشتري لا غرض في تعيينه إلا البيع منه بالثمن المعين، هذا معنى كلامه، وهو حسن، والله أعلم.
2422 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن قال: "بع بألف"، فباع بألف وثوب .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز (الأصح: الجواز، ذكره في "التصحيح" جزماً، وفي "الروضة" بحثاً، فقال: ينبغي أن يكون الأصح: الصحة 125، وهو داخل في قول "المنهاج" [ص 275]: (وله أن يزيد)، وقول "الحاوي" [ص 331): (ويبدل القدر بالمصلحة).
والصورة أيضًا: أنه لم يعين من يبيع منه، وقد فرض الرافعي والنووي المسألة فيما إذا ساوى الثوب الألف، فإن لم يساوه .. فيظهر أن يرتب على ما إذا ساوت شاة ديناراً وأخرى بعضه 126، والظاهر: أن ذكر الثوب مثال.
فلو باع بألف ودينار .. جرى فيه الخلاف، قال في "الكفاية": إنه القياس، وصرح به المتولي، وقطع ابن الصباغ بالصحة.
2423 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن قال: "بع بألف مؤجل"، فباع بألف حال .. جاز إلا أن ينهاه أو كان الثمن مما يستضر بحفظه) كذا لو عين المشتري .. فإنه لا يجوز قياساً، كما قال ابن الرفعة، قال: وحكى الإمام في الصحة وجهين 127، وعلى هذا التفصيل يحمل قول "الحاوي" [ص 331]: (ويبدل الأجل بالمصلحة).
2424 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن قال: "اشتر بألف حال"، فاشترى بألف مؤجل .. جاز)، قال صاحب "التتمة": هذا إذا قلنا: إن مستحق الدين المؤجل إذا عُجّل حقه .. يلزمه القبول، فإن قلنا: لا يلزمه .. لم يصح الشراء هنا للموكل بحال.
حكاه عنه الرافعي، وأقره 128.
الحديث: 2422 - الجزء: 2 - الصفحة: 116
وقال النووي في "الروضة": قد عكسه صاحب "الشامل" فقال: هذا الخلاف حيث لا يجبر صاحب الدين على قبول تعجيله، وحيث يجبر .. يصح الشراء قطعاً، قال النووي: وهذا أصح وأفقه وأقرب إلى تعليل الأصحاب 129.
2425 - قول "المنهاج" [ص 275]: (ولو قال: "اشتر بهذا الدينار شاةً "ووصفها، فاشترى به شاتين بالصفة، فإن لم تساو واحدةٌ ديناراً .. لم يصح الشراء للموكل، وإن ساوته كل واحدةٍ .. فالأظهر: الصحة وحصول الملك فيهما للموكل) فيه أمور:
أحدها: قوله: (ووصفها) كذا في "الروضة" وأصلها 130، وقال شيخنا الإسنوي: هو احتراز مما إذا لم يصف .. فإن التوكيل لا يصح، قال: والمعتبر في الوصف ما سبق في التوكيل بشراء عبد، هذا ما أشعر به كلام الرافعي هناك، وهو واضح.
قال شيخنا ابن النقيب: تقدم أنه لا يشترط الوصف على المذهب، فكيف يبطل عند عدم ذكره؟ قال: والجواب عن تصويرهم المسألة بالوصف: اشتراط تحصيل شاة أو الشاتين به امتثالاً للشرط، وإلا .. لم يصح الشراء للموكل في شيء منهما؛ فإنا وإن لم نوجب الوصف تجب مراعاته إذا ذكر لا أن التوكيل يبطل عند عدم التعرض للوصف.
انتهى 131.
قلت: ولهذا لم يذكر "التنبيه" و"الحاوي" وصفها، ويحتمل أن المراد بالوصف: ذكر النوع، فهو معتبر كما تقدم.
ثانيها: مقتضى عبارته وعبارة "التنبيه" و"الحاوي": أنه إذا ساوته واحدة فقط .. لم يقع للموكل، لكن في "الروضة" من زوائده: الأصح عند القاضي أبي الطيب والأصحاب: الصحة فيهما للموكل، كما لو ساوته كل منهما، والثاني: لا يصح له واحدة منهما 132.
ولا يقال: إن اقتضى مفهوم "المنهاج" إجراء عدم الوقوع في هذه الصورة للموكل .. فقد اقتضى مفهومه أولاً الوقوع، فتدافع مفهوماه، فلا إيراد عليه؛ لأنا نقول: صح الإيراد عليه؛ لتقييده موضع الخلاف بمساواة كل واحدة مع أنه لا يتقيد بذلك، وأما الأولى: فهي موضع قطع.
ثالثها: قوله: (فالأظهر: الصحة وحصول الملك فيهما للموكل) هذا حكاية لقول واحد، ومقابله: أنهما لا يقعان له لا أن العقد باطل؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص 109]: (كان الجميع له، وقيل: للوكيل شاة بنصف دينار)، وقد يفهم من تعبيره بـ (قيل) أنه وجه، وهو قول، ثم إن
الحديث: 2425 - الجزء: 2 - الصفحة: 117
اشترى في الذمة .. فللموكل واحدة بنصف دينار، والأخرى للوكيل بنصفه، لكن للموكل انتزاعها منه، وتصيران له؛ فهو مخير بين الأمرين، وفي قول ضعيف: إنهما للوكيل وإن اشترى بعينه، فإن لم نقل بوقف العقود .. بطل في واحدة، وفي الأخرى قولا تفريق الصفقة، لكن صحح المتولي هنا: البطلان، وإن قلنا به: فإن شاء .. أخذهما به، وإن شاء .. أخذ واحدة بنصفه ورد الأخرى على البائع، واستشكل الرافعي القول الثاني من أصله: بأنه كبيع شاة من هاتين ليتخير منهما 133.
2426 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن دفع إليه ألفاً، وقال: "ابتع بعينها عبداً"، فابتاع في ذمته .. لم يصح) يقتضي بطلان العقد، وليس كذلك، بل هو صحيح إلا أنه لا يقع للموكل، وإنما يقع للوكيل إن لم يصرح بالسفارة، وكذا إن صرح في الأصح؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 275] و"الحاوي" [ص 331]: (لم يقع للموكل)، ومفهومه: الوقوع للوكيل، وحمل بعضهم قول "التنبيه": (لم يصح) على أن معناه: لم يصح للموكل، ولا يخفى أن ذكر الألف والعبد مثال.
واعلم: أن تعبير "التنبيه" بقوله: (ابتع بعينها) و"الحاوي" و"الروضة" وأصلها بقوله: (اشتر بعينه) 134 و"المحرر" بقوله: (ولو أمره أن يشتري بعين مال) 135 أصرح في المقصود من قول "المنهاج" [ص 275]: (ولو أمره بالشراء بمعين) لاحتمال هذه الصيغة أن يقول: (اشتر به أو بهذا)، وكلام!
لرافعي فيما إذا قال: (اشتر بهذا الدينار شاة) يقتضي التخيير بينه وبين الذمة 136، لكن في "الإفصاح" و"النهاية" أن مقتضى قوله: (اشتر به): الشراء بالعين، ولو قال: (اشتر)، ولم يقل: (به) .. فالأصح: التخيير 137.
2427 - قول "المنهاج" [ص 275]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 331]: (وكذا عكسه في الأصح) أي: لو قال: (اشتر في الذمة، وأنقده فيه)، فاشترى بعينه .. لم يقع للموكل، ومقتضاه: وقوعه للوكيل، وليس كذلك، فالوجهان في المسألة، أصحهما: بطلان البيع، والثاني: صحته للموكل، وقد حكى الوجهين في "التنبيه" بلا ترجيح، فقال [ص 109]: (قيل: يصح، وقيل: لا يصح)، وقد عرفت أن الأصح: عدم الصحة، وذلك مفهوم من قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي" بعده: (ومتى خالف الموكل في بيع ماله أو الشراء بعينه ..
الحديث: 2426 - الجزء: 2 - الصفحة: 118
فتصرفه باطلٌ) 138 وفي معنى ذلك: ما إذا قال مع المخالفة: (اشتريت لفلان بألف في ذمته)، ذكره الرافعي في (البيع) في الشرط الثالث 139.
2428 - قول "المنهاج" [ص 275]: (وإن قال: "بعت موكلك زيداً"، فقال: "اشتريت له" .. فالمذهب: بطلانه) فيه أمران:
أحدهما: لا تختص هذه المسألة بمخالفة الوكيل، بل يبطل ولو وافق الإذن؛ لعدم الخطاب بين المتعاقدين، وقد تفهم عبارة "المنهاج" غير ذلك؛ لذكرها في مسائل المخالفة.
ثانيهما: تعبيره هنا وفي "الروضة" بـ (المذهب) 140 يستدعي طريقين، وعبارة "الشرح": (ظاهر المذهب) 141، وليس في "الكفاية" إلا وجهان، وكأنه في "المنهاج" اغتر بتعبير "المحرر" بـ (المذهب) 142، ولا اصطلاح له فيه، وهذه الصورة هي مراد "الحاوي" بقوله [ص 331]: (سمَّيا الموكل) لكن تتناول عبارته ما لو قال: (بعتك لموكلك)، وهو صحيح جزماً.
2429 - قول "المنهاج" [ص 275]: (فإن تعدَّى .. ضمن) قد يفهم استمرار الضمان حتى يُعيد العين لمالكها، وليس كذلك، بل لو باع وسلم .. زال الضمان، ولا يكون ضامنا للثمن، فلو رد عليه بعيب .. عاد الضمان، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 332]: (وضمن لا ثمنه، ولا إن باع وسلم، ويعود إن رُدَّ عليه بعيب).
2435 - قول "التنبيه" [ص 110]: (وإن تعدى الوكيل .. انفسخت الوكالة، وقبل: لا تنفسخ) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 143.
ودخل في عبارته: ما لو تعدى بالقول فقط، كما لو باع بغبن فاحش ولم يُسَلّم، والذي في "الكفاية" عن "البحر" نفي الانعزال؛ لأنه لم يتعد فيما وكل فيه 144، قال في "الكفاية": ويتجه أن يجيء فيه وجه آخر.
2431 - قول "التنبيه" [ص 109]: (وإن وكله في بيع عبد أو شراء عبد .. لم يجز أن يعقد على نصفه) يستثنى منه: ما لو باع النصف بقيمة الكل .. فإنه يصح قطعاً، استدركه في "التصحيح" بلفظ: (الصواب) 145، ونقل في "الكفاية" الاتفاق عليه.
الحديث: 2428 - الجزء: 2 - الصفحة: 119
ويستثنى من الصحة: ما إذا عين من يبيع منه.
2432 - قوله: (وإن وكله في قبضه، فجحد من عليه الحق .. فقد قيل: يثبته، وقيل: لا يثبته) (1) هذا الثاني هو الأصح.
فصلٌ [في جواز الوكالة وعزل الوكيل]
2433 - قولهم - والعبارة "للمنهاج" -: (الوكالة جائزة من الجانبين) 147 محله: إذا لم يذكر جُعْل معلوم، فإن ذكر ووجدت شروط الإجارة؛ فإن عقد بلفظ الإجارة .. لزمت، أو الوكالة .. خرجه الرافعي بحثاً على أن المعتبر صيغ العقود أم معانيها 148، وجزم به الروياني في "البحر" فحكى وجهين في هذه الصورة، هل هي جائزة أو لازمة؟ 149.
2434 - قول "المنهاج [ص 276]: (فإذا عزله الموكل في حضوره، أو قال: "رفعت الوكالة"، أو "أبطلتها"، أو "أخرجتك منها" .. انعزل) فيه أمران:
أحدهما: أن العزل معى يعبر عنه بألفاظ؛ منها: (عزلتك)، ومنها: (رفعت الوكالة)، وكذلك بقية الألفاظ؛ ولهذا عبر في "الروضة" بقوله: (أن يعز له بقوله: "عزلته"، أو "رفعت الوكالة" ... إلى آخره) 150، فهذه الألفاظ الثلاثة المذكورة في "المنهاج" بعد ذكر العزل إما أن تكون من ذكر الخاص بعد العام، وإما أن يحمل العزل المذكور أولاً على هذا اللفظ خاصة دون ما يؤدي معناه من الألفاظ.
ثانيهما: كان ينبغي تأخير قوله: (في حضوره) عن بقية الألفاظ؛ فإن المراد بها ذلك؛ بدليل أن منها: (أخرجتك منها) ولأن مقابلها قوله بعده: (فإن عزله وهو غائبٌ) 151.
2435 - قول "التنبيه" [ص 110]: (فإن عزله ولم يعلم الوكيل .. انعزل في أحد القولين) هو الأصح كما في "المنهاج" وغيره 152، وهو مفهوم من ذكر "الحاوي" الانعزال بالعزل 153، وعبر146
الحديث: 2432 - الجزء: 2 - الصفحة: 120
"المنهاج" عن مقابله بقوله [ص 276]: (وفي قولٍ: لا حتى يبلغه الخبر) وقد يفهم منه الاكتفاء بمطلق بلوغ الخبر، وليس كذلك، بل المراد: خبر من تقبل روايته.
ولا يرد ذلك على "التنبيه" لأنه اعتبر فيه العلم، وأقل درجاته: الحمل على الظن، وإنما يحصل الظن بخبر من تقبل روايته، وفي "الروضة" وأصلها - تفريعاً على الأصح -: ينبغي للموكل أن يشهد على العزل؛ لأن قوله بعد تصرف الوكيل: (كنت عزلته) لا يقبل 154.
قال في "المهمات": وليس على إطلاقه، بل صورته: ما إذا أنكر الوكيل العزل، أما إذا وافقه ولكن قال: كان بعد التصرف .. فإنه يكون كدعوى الزوج تقدم الرجعة على انقضاء العدة، وفيه تفصيل معروف، قاله الرافعي في اختلاف الموكل والوكيل 155.
2436 - قول "المنهاج" [ص 276]: (ولو قال: "عزلت نفسي"، أو "رددت الوكالة" .. انعزل) فيه أمور:
أحدها: في معنى هذين اللفظين ما تقدم من الألفاظ في الموكل.
ثانيها: قال شيخنا الإسنوي: لقائل أن يقول: كيف ينعزل بذلك مع قولهم: لا يلزم من فساد الوكالة فساد التصرف لبقاء الإذن؟ 156
ثالثها: إنما ذكر رد الوكالة بعد العزل؛ لأنه أراد لفظ العزل دون ما يؤدي معناه من الألفاظ، وفي "الحاوي" [ص 332]: (ينعزل بعزل واحد)، ثم قال بعد مسائل: (ورد الوكيل) 157.
واعترض عليه: بأنه لا حاجة لذلك؛ لدخوله في قوله أولاً: (وينعزل بعزل واحد) فإنه عزل لنفسه بلفظ الرد، قال المعترض: ولا يصح حمل كلامه على أنه أراد به الرد عند الإيجاب؛ لأنه لم يصر وكيلاً إذ ذاك، وإنما يصير وكيلاً بالرضا.
انتهى.
وجوابه: أنه أراد أولاً: لفظ العزل دون معناه، أو عطف الخاص على العام، ولا يليق الأول بإتقانه، ولا الثانى باختصاره، فالاعتراض قوي، والله أعلم.
2437 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وينعزل بخروج أحدهما عن أهلية التصرف بموت) 158 قال في "المطلب": الصواب: أن الموت ليس بعزل، بل انتهت الوكالة به كالنكاح 159.
الحديث: 2436 - الجزء: 2 - الصفحة: 121
2438 - قولهم: (أو الإغماء) 160 زاد "المنهاج": (في الأصح) فيه أمور:
أحدها: اختار السبكي عدم الانعزال بالإغماء تبعاً "للوسيط" والإمام والقاضي 161.
ثانيها: يستثنى من ذلك: أنه لا ينعزل الوكيل في رمي الجمار بإغماء الموكل، كما ذكروه في الحج.
ثالثها: ظاهر عبارة "التنبيه" و"المنهاج" التقييد بهذه الأمور الثلاثة دون ما عداها، فيرد عليهما مسائل:
منها: طريان الرق، كما إذا وكل حربياً، فاستُرق .. فإنه ينعزل.
ومنها: حجر السفيه ينعزل به فيما لا ينفذ من السفيه، وكذلك حجر الفلس ينعزل به فيما لا ينفذ من المفلس، وكذلك الفسق ينعزل به فيما تعتبر فيه العدالة.
ومنها: ردة الموكل تبنى على أقوال ملكه، وفي ردة الوكيل وجهان، وجزم في "المطلب" بالانعزال بردة الموكل دون الوكيل؛ ولهذه المسائل أطلق "الحاوي" زوال أهلية واحد، ولم يقيده بشيء إلا أنه مثله بالإغماء، لكن يرد عليه: النوم؛ فإنه لا ينعزل به وإن خرج عن الأهلية، فكل من التقييد والإطلاق معترض، والله أعلم.
2439 - قول "المنهاج" [ص 276]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 332]: (وبخروج محل التصرف عن ملك الموكل) كذا بخروج منفعته عنه؛ كما إذا زوَّج من وكله ببيعها أو أجرها وإن جاز بيع المستأجر، فلو عاد إلى ملكه .. لم تعد الوكالة، كذا نقله الرافعي عن "التتمة" 162، فلو وكله في بيع شيء، ثم أوصى به، أو دبره، أو علق عتقه بصفة .. فهل ينعزل الوكيل؟ قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف فيه على نقل، والأقرب: أنه لا ينفذ تصرفه لا سيما الوكيل في البيع من غير تعيين سلعة بعينها، قال: ولو فرعنا على الانعزال.
فباع جاهلاً به .. جرى فيه الخلاف في تصرف الوكيل وهو جاهل بالعزل، وفيه نظر.
انتهى.
2440 - قول "المنهاج" [ص 276]: (وإنكار الوكيل الوكالة لنسيان أو لغرضٍ في الإخفاء ليس بعزلٍ، فإن تعمد ولا غرض .. انعزل) هذا التفصيل بعينه يأتي في إنكار الموكل، وقد ذكره "الحاوي" 163، ونقله الرافعي في "الكبير" عن تصحيح الغزالي 164، وأطلق في "الصغير"
الحديث: 2438 - الجزء: 2 - الصفحة: 122
ترجيحه، وهو مقتضى كلام "الروضة" فإنه جعل فيه الخلاف في إنكار الوكيل 165، لكن صححا في (باب التدبير): الانعزال مطلقاً 166.
وقال في "المهمات": هو المفتى عليه؛ ففد قال في "النهاية": إنه المشهور، ولم يذكر التفصيل إلا احتمالاً لنفسه 167.
وقال شيخنا ابن النقيب: إطلاق التدبير محمول على ما هنا 168.
وذكر الجُوري أنه لو أنكر الوكالة حين ادعي عليه بحق على موكله، فقامت البينة بقبوله .. لم ينعزل، ولم تندفع عنه الخصومة إلا أن يعزل نفسه، فتستثنى هذه الصورة أيضاً إن لم تندرج في الإخفاء لغرض.
2441 - قول "التنبيه" [ص 110]: (وإن وكل عبداً في شيء ثم أعتقه .. احتمل أن ينعزل، ويحتمل أن لا ينعزل) الاحتمالان وجهان عن ابن سريج، وصحح النووي في "تصحيحه" في عبده: الأول 169، وحكاه في "الروضة" عن الماوردي والجرجاني 170، وادعى بعضهم أنه داخل في قول "المنهاج" [ص 276] و"الحاوي" [ص 332]: (وبخروج محل التصرف عن ملك الموكل) وفيه نظر؛ فإنه لم يخرج هنا عن ملك الموكل محل التصرف، وإنما خرج عنه الشخص المتصرف، وقال الرافعي في "الشرح الصغير": الأقرب: أنه إن وكل بصيغة عقد .. بقي الإذن، أو أمرٍ .. فلا.
وفي "الروضة" وأصلها في مداينة العبيد: تصحيح أن العبد المأذون ينعزل بالبيع والعتق 171.
وفي بعض النسخ: (عبده)، فاخرج عبد غيره، والمذهب في "الروضة": القطع ببقاء وكالته 172، وفى بعضها: (عبداً) كما حكيته.
وعلى ذلك مشى النووي في "التصحيح" ففصّل، وقال عطفاً على الأصح: وأنه إذا وكل عبده في شيءٍ ثم أعتقه .. انعزل، ولو وكل عبداً لغيره فأُعْتِقَ .. لا ينعزل، قال: والخلاف فيهما مشهور، وجعله "المصنف" احتمالين.
انتهى 173.
الحديث: 2441 - الجزء: 2 - الصفحة: 123
ومحل الخلاف في عبد غيره: فيما إذا أمره السيد ليتوكل لغيره، فإن قال: إن شئت فتوكل لفلان، وإن شئت فلا، ثم أعتقه، أو باعه .. لم ينعزل قطعاً، حكاه في "الروضة" عن "البيان"، وأقره 174، وحكاه في "المهمات" عن جماعة، واستغرب اقتصاره على "البيان"، قال: ونقل الشيخ أبو حامد عن ابن سريج في عبد نفسه مثله أيضاً.
2442 - قول "المنهاج" [ص 277]: (ولو اشترى جارية بعشرين، وزعم أن الموكل أَمَرَهُ فقال: "بل بعشرة") أي: إنما أذنت في الشراء بعشرة، وحلف، فإن اشترى بعين مال الموكل، وسماه في العقد، أو قال بعده: (اشتريته لفلان والمال له)، وصدقه البائع .. فالبيع باطل، اقتصر في"الروضة" وأصلها على ذكر اتفاقهما على أن الشراء لفلان، ولم يذكر اتفاقهما على أن المال له 175، وكذا في "الحاوي" اقتصر على اعتراف البائع بالوكالة 176، والمسألة في بعض نسخه دون بعضها، والصواب: أنه لا بد من اعتبار ذلك أيضًا؛ فإنه لو قال لغيره: (اشتر لي كذا بدراهمك)، فاشتراه له، ولم يصرح باسم الموكل، بل نواه .. وقع لنفسه، كما في "الروضة" وأصلها في الكلام على بيع الفضولي، فلا يلزم من اتفاقهما على أن الشراء للغير أن يبطل العقد، بل لا بد مع ذلك من الاتفاق على أن المال لغيره.
انتهى 177.
نعم؛ قد يقال: لو اتفقا على أن المال للغير .. كفى ذلك، وإن لم يتفقا على أن الشراء له .. فالاقتصار على الثاني قد يكفي بخلاف الأول، والله أعلم.
2443 - قول "المنهاج" في المسألة [ص 277]: (وإن كذبه .. حلف على نفي العلم بالوكالة ووقع الشراء للوكيل) استشكله في "المهمات" من وجهين:
أحدهما: أنه كيف يستقيم الحلف على نفي العلم مع أن الحلف يكون على وفق الجواب، وهو لم يجب بنفي العلم، بل أجاب بالبت؟
ثانيهما: كيف يصح الاقتصار في التحليف على نفي العلم بالوكالة مع أنه لو أنكر الوكالة ولكن اعترف بأن المال لغيره .. كان كافياً في إبطال البيع؛ فينبغي أن يحلف على نفي العلم بهما جميعاً كما يجيب بهما جميعاً، بل يكفي التحليف على المال؛ لما ذكرناه.
2444 - قول "المنهاج" [ص 277]: (وكذا إن اشترى في الذمة ولم يُسَمِّ الموكل، وكذا إن سماه وكذبه البائع في الأصح) أي: كذبه في الوكالة، فقال: سميته ولم تكن وكيله.
الحديث: 2442 - الجزء: 2 - الصفحة: 124
2445 - قوله: (وإن صدقه .. بطل الشراء) 178 كذا في "الروضة" وأصلها هنا 179، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 333]: (واعترف البائع بالوكالة) وذكرا قبل ذلك في الشراء المخالف لأمر الموكل إذا كان في الذمة: أنه للوكيل إن لم يسم الموكل، وكذا إن سماه على الأصح، وتلغو التسمية؛ لأن تسمية الموكل غير معتبرة في الشراء، فإذا سماه ولم يمكن صرفه إليه .. صار كأنه لم يسمه.
2446 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي" في بعض نسخه: (وحيث حكم بالشراء للوكيل .. يستحب للقاضي أن يرفق بالموكل ليقول للوكيل: "إن كنت أمرتك بعشرين .. فقد بعتكها بها"، ويقول هو: "اشتريت" لتحل له) 180 فيه أمران:
أحدهما: أن الاقتصار على الرفق في ذلك بالموكل ليقول ما ذكره .. محله: فيما إذا اشترى في الذمة وسمَّاه وكذبه البائع، أو لم يسمه، أما إذا اشترى بالعين وكذبه؛ فإن كان الوكيل صادقاً .. فالملك للموكل، وإلا .. فللبائع، فينبغي أن يرفق الحاكم بهما جميعاً.
ثانيهما: أن هذا لا يختص بصورة الحكم بالشراء للوكيل، بل يأتي في بعض صور البطلان وبقاء السلعة للبائع، ذكره شيخنا الإمام البقيني بحثًا فيما إذا اشترى بعين مال الموكل وسماه في العقد، أو قال بعده: (اشتريته لفلان والمال له)، وصدقه البائع، ووافق البائع المشتري على ما ادعاه من أن الموكل وكله بهذا القدر، قال شيخنا: فالجارية باعتراف البائع ملك للموكل، فينبغي أن يأتي فيه من التلطف ما ذكر في مسألة الوكيل، ولم يتعرضوا له.
قلت: أي: يرفق بالموكل ليقول للبائع: (إن كنت أمرت وكيلي بعشرين .. فقد بعتكها بها)، ويقول هو: (اشتريت).
2447 - قول "الحاوي" في بعض نسخه [ص 333]: (وإلا - أي: وإن لم يقل الوكيل ذلك - .. فلا تحل له، وله بيعها، وأخذ العشرين من ثمنها)، هذا إذا كان صادقاً، فإن كان كاذباً .. لم يحل له التصرف فيها ببيع أو وطء أو غيرهما إن كان الشراء بعين مال الموكل، وإن كان في الذمة .. ثبت الحل.
نعم؛ في "التتمة": أنه إذا كان كاذباً والشراء بعين مال الموكل .. فللوكيل بيعها إما بنفسه أو بالحاكم.
2448 - قول "المنهاج" [ص 277]: (ولو قال: " أتيت بالتصرف المأذون فيه"، وأنكر
الحديث: 2445 - الجزء: 2 - الصفحة: 125
الموكل .. صدق الموكل، وفي قولٍ: الوكيل) محلهما: قبل العزل، أما بعده: فيجزم بالأول، كذا في "الروضة" وأصلها 181، وحكى السبكي طريقة أخرى بجريان الخلاف بعده أيضاً، وطريقة أخرى بأن الخلاف بعده، أما قبله: فيجزم بالثاني.
2449 - قول "التنبيه" [ص 110]: (وإن اختلفا في البيع وقبض الثمن، فادعاه الوكيل وأنكر الموكل، أو قال الوكيل: "اشتريته بعشرين"، وقال الموكل: "بعشرة" .. ففيه قولان) صحح النووي في "تصحيحه": أن القول قول الموكل 182، لكن الأصح: في "الروضة" وأصلها في قبض الثمن: أنهما إن اختلفا قبل تسليم المبيع .. فالقول قول الموكل، وإن كان بعده .. فالقول قول الوكيل؛ لأن الموكل يدعي خيانته وتقصيره بالتسليم بلا قبض، والأصل عدمه، فلو أذن في التسليم قبل قبض الثمن، أو في البيع بمؤجل وفي القبض بعد الأجل .. فالقول قول الموكل؛ إذ لا خيانة بالتسليم 183، وعلى ذلك مشى "المنهاج" و"الحاوي" لما ذكر المسألة في بعض نسخه 184.
2450 - قول "المنهاج" [ص 277]: (وقول الوكيل في تلف المال مقبولٌ بيمينه) فيه أمور:
أحدها: مراده: عدم الضمان، كما صرح به "التنبيه" 185، وهو مفهوم من ذكر "الحاوي" الضمان عند التعدي 186، وإلا .. فالغاصب وَكُلُّ من يده ضامنة يقبل قوله في التلف.
ثانيها: محل القبول: إذا أطلق التلف، فإن أسنده إلى سبب؛ فإن كان خفياً كسرقة .. فكذلك، وإن كان ظاهراً كحريق؛ فإن عرف وقوعه وعمومه .. صدق بلا يمين، وإن عرف وقوعه دون عمومه .. صدق بيمينه، وإن جهل .. طولب ببينة، ثم يُحلّف على التلف به، وقد ذكروا هذا التفصيل في الوديعة، وهو جار هنا 187.
ثالثها: مقتضى كلامهم: الجزم بقبول قول الوكيل في التلف وإن كان بجُعل، وكذا هو مقتضى كلام "الروضة" وأصلها 188، قال في "المهمات": وليس كذلك؛ فقد حُكي عن أبي على الطبري: أن فيه الخلاف في الرد، وحكاه أيضًا الماوردي في (الإجارة)، لكن في نفس الموكل فيه كالعين التي يبيعها دون مقابله؛ كالثمن.
انتهى.
الحديث: 2449 - الجزء: 2 - الصفحة: 126
2451 - قول "التنبيه" [ص 110]: (وإن كان بجعل .. فقد قيل: القول قوله - أي: في الرد - وقيل: القول قول [الموكل]) 189 فيه أمور:
أحدها: الأصح: الأول، كما في "المنهاج" وغيره 190، وتقييد الوجه الثاني بالجعل لا بد منه، وإن لم يذكره في "المحرر" فاستدراكه في "المنهاج" صواب.
ثانيها: ظاهر إطلاقه وإطلاق "المنهاج" و"الروضة" وأصلها: أنه لا فرق بين أن يكون ذلك قبل العزل أو بعده، وبه صرح في "الكفاية"، وقال في "المطلب": الخلاف فيما قبل العزل، أما بعده: فلا يقبل قطعاً.
ثالثها: ظاهره: تصديقه في الرد ولو كان ضامناً لذلك المال؛ كما إذا ضمن لشخص مالاً في ذمة آخر، ثم إن المضمون له وكله في قبضه من المضمون عنه، فقبضه، وادعى رده على المضمون له، وقد سُئل عن ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وأجاب فيه بذلك، قال: ولا يتخيل أنه مسقط عن نفسه الدين بقوله؛ لأمرين:
أحدهما: أن صورة المسألة: أنه ثبت قبضه إما ببينة وإما بتصديق الموكل.
والثاني: أن الموكل سلطه على ذلك.
2452 - قول "المنهاج" [ص 277]: (ولو وكله بقضاء دينٍ) كذا في بعض نسخ "المحرر" 191 وفي بعضها: (بقبض دين، فقال: "قبضته")، وهو تحريف كما قاله في "الدقائق" 192.
2453 - قول "التنبيه" [ص 110]: (وإن وكله في قضاء دين، فقضاه في غيبة الموكل، ولم يشهد، وأنكر الغريم .. ضمن، وقيل: لا يضمن، وليس بشيء) أشار ابن يونس إلى انفراده بحكاية هذا الوجه، وأن الخلاف فيما إذا قضاه بحضرة الموكل، وليس كذلك؛ فقد حكاه البغوي وغيره 193.
2454 - قوله: (وإن أشهد شاهدين ظاهرهما العدالة، أو شاهداً واحداً .. فقد قيل: يضمن، وقيل: لا يضمن) 194 الثاني هو الأصح، ومحل الخلاف في ظاهري العدالة: إذا بانا فاسقين، وفي الشاهد الواحد: إذا مات، وإلا .. فيحلف معه، نبه على الثاني صاحب "المعين".
2455 - قوله: (وإن قضاه بمحضر الموكل ولم يشهد .. فقد قيل: يضمن، وقيل:
الحديث: 2451 - الجزء: 2 - الصفحة: 127
لا يضمن) 195 الثاني هو الأصح، ويوافق الأول قول "الحاوي" [ص 333، : (وضمن الوكيل بتركه) ولم يفصل بين الغيبة والحضور، وقد عرفت أن الأصح: التفصيل، فإطلاقه معترض، وهو معروف مما ذكره في الضمان.
وخرج بحضرة الموكل: ما لو أدّى في غيبته، وصدقه المستحق، والأصح على ما في (باب الضمان): عدم الضمان.
2456 - قول "التنبيه" [ص 110]: (وإن وكله في الإيداع، فأودعه، ولم يشهد .. لم يضمن، وقيل: يضمن) ظاهره: ترجيح عدم الضمان، وأقره عليه في "التصحيح"، ومشى عليه "الحاوي" 196، وصححه الغزالي 197، وصحح البغوي: مقابله 198، ومحل الخلاف كما قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: إذا أودع في غيبة الموكل، أما مع حضوره .. فلا يضمن.
وقال الماوردي: محله: إذا كذب الموكل والموح الوكيل، فلو صدقه الموكل فقط .. لم يضمن، ولو صدقه المودع فقط والعين تالفة .. لم يضمن؛ لأن الإقرار بالقبض أقوى من الإشهاد 199.
وقال صاحب "المعين": الخلاف المذكور على قولنا: يلزمه الإشهاد في قضاء الدين، وهو الأصح، وإلا .. فلا ضمان هنا قطعاً.
2457 - قول "المنهاج" [ص 278]: (وقيِّمُ اليتيم إذا ادعى دفع المال إليه بعد البلوغ .. يحتاج إلى بينةٍ على الصحيح) مراده بقيم اليتيم: منصوب القاضي فقط؛ فإن الأب والجد لا يتم معهما، والوصي قد ذكره في آخر (الوصية)، وجزم فيه بأنه لا يصدق، ولو عكس - كما فعل الماوردي - فجزم في القيم بعدم التصديق، وتردد في الوصي .. لكان أولى؛ لأن الوصي أقرب إلى التصديق.
وتوجيه ما فعله "المصنف": أن القيم في معنى القاضي، فكان أعلى رتبة وأقرب إلى التصديق، والمشهور في الأب والجد أيضاً: عدم التصديق؛ ولذلك أطلق "التنبيه" في (باب الحجر) أن الولي إذا ادعى أنه دفع إليه المال .. لم يقبل إلا ببينة 200، وهو شامل للأب والجد، وأقره في "التصحيح"، وصرح به في "الكفاية"، وإن كان الرافعي والنووي لم يذكراه إلا في الوصي والقيم.
الحديث: 2456 - الجزء: 2 - الصفحة: 128
ثم اعلم: أن السفيه بعد رشده كالصبي بعد بلوغه 201.
2458 - قول "المنهاج" [ص 278]: (وليس لوكيل ولا مودعٍ أن يقول بعد طلب المالك: "لا أرُدُّ المال إلا بإشهادٍ " في الأصح) كذا كل من يقبل قوله في الرد، كالشريك وعامل القراض وغيرهما، ويدل لذلك قوله في مقابله: (وللغاصب ومن لا يقبل قوله في الرد ذلك) 202، وفي "الحاوي" [ص 333، : (ولغير المصدق في الأداء طلب الإشهاد) وما أطلقاه في الغاصب محله: فيما إذا كان عليه بينة، فإن لم يكن عليه بينة .. فالأصح عند البغوي: أن الحكم كذلك 203، والذي ذكره العراقيون: أنه ليس له طلب الإشهاد، لتمكنه من أن يقول: (ليس له عندي شيء)، ويحلف عليه، واختار في "الشامل": التفصيل بين أن يؤدي إلى تأخير التسليم أم لا، واستشكل في "المطلب" جواز التأخير للغاصب؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وهي متوقفة على الرد، وتعبير "المنهاج" بـ (الرد) لا يشمل الدين، وحكمه حكم من لا يقبل قوله في الرد، فلو عبر بـ (الدفع) .. لتناوله، والله أعلم 204.
2459 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن كان عليه حق لرجل، فجاء رجل وادعى أنه وكيل، فصدقه .. جاز الدفع ولا يجب) 205 مقتضى كلام "الروضة" وأصلها: جواز الدفع ولو كذبه 206، وهو مشكل في العين، فإنه تصرف في ملك الغير.
2460 - قولهم أيضاً: (وإن قال: "أنا وارثه"، فصدقه .. وجب عليه الدفع إليه) 207 صورة المسألة: أن يقول: (هو وارثه لا وارث له غيره)، صرح به في "الكفاية"، قال في "المهمات": وهو يؤخذ من كلامهم في (الدعاوى).
2461 - قول "التنبيه" [ص 110]: (وإن قال: "أحالني عليك"، فصدقه .. فقد قيل: يجب الدفع إليه، وقيل: لا يجب) الأصح: الأول، وعليه مشي "المنهاج" و" الحاوي" 208.
2462 - قول "التنبيه" [ص 110]: (فإن جاء صاحب الحق وأنكر .. وجب على الدافع الضمان) أي: إذا حلف على ذلك، ولصاحب الحق مطالبة القابض أيضاً إذا كان الحق عيناً دون
الحديث: 2458 - الجزء: 2 - الصفحة: 129
ما إذا كان دينًا، ثم إذا غرم أحدهما .. لا يرجع على الآخر؛ لأن كلاً يقول: إن ما غرمه ظلم، فلا يرجع به على غير من ظلمه، وفي الرافعي عن "التتمة": أنها إذا كانت عيناً، وتلفت بتفريط، فغرّم الدافع .. رجع على القابض، وإن كان ديناً، فغرم الدافع .. له الرجوع إن كان المدفوع باقياً أو تلف بتفريطه 209. 2463 - قول "الحاوي" [ص 333]: (وإن ثبت قبض الوكيل .. لم تُسمع بينة التلف والرد قبل الجحد) هذا ما صححه الإمام 210، واقتصر عليه في "الوجيز" 211، قال الرافعي في "شرحيه": وأولى الوجهين: سماعها 212، ورجحه "التنبيه" 213، وجزم به "الحاوي" كلاهما في مسألة الوديعة في بابها 214. وصورة المسألة: أن تكون صيغة جحوده: (أنك ما وكلتني)، أو (ما دفعت إليّ شيئاً)، أو (ما قبضت)، أما إذا كانت [صفة] 215 جحوده: (ما لك عندي شيء)، أو (لا يلزمني تسليم شيء إليك) .. فإنه يقبل قوله في الرد والتلف، وإن أقام بينة .. سمعت؛ إذ لا تناقض بين كلاميه، وقد ذكره "التنبيه" في الوديعة 216، والله أعلم بالصواب.
الحديث: 2463 - الجزء: 2 - الصفحة: 130