باب زكاة الحيوان
1060 - قول "المنهاج" [ص 160]: (إنَّما تجب منه في النَّعَم وهي: الإبل والبقر والغنم) كذا فسّر الفقهاء النَّعَم، ولم يجعله أهل اللُّغة شاملاً للبقر، إمَّا للإبل فقط، أو للإبل والغنم 1، فلو اقتصر على قوله: (إنَّما تجب في إبل وبقر وغنم).. لكان أحسن وأخصر؛ فإن الأدلة قائمة على هذه الأسماء لا على لفظ النعم.
1061 - قوله: (لا المتولد من الغنم والظباء) 2 خرج به المتولد بين زكويين؛ كالإبل والبقر، أو البقر والغنم، فالظاهر: وجوب الزكاة فيه، لكن يُشكل بأيّ أصليه يلحق في كيفية زكاته، ولم أرَ من تعرض لذلك.
1062 - قولهما: (وفي مئة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبونٍ، ثم في كل أربعين: بنت لبونٍ، وفي كل خمسين: حِقَّة) 3 يقتضي أن استقامة الحساب بذلك يكون بعد مئة وإحدى وعشرين، وليس كذلك، بل يتغير الواجب بزيادة تسع، ثم بزيادة عشرٍ عشرٍ، ففي مئة وثلاثين: بنتا لبون وحِقَّة، وفي مئة وأربعين: حقتان وبنت لبون، وفي مئة وخمسين: ثلاث حقاق، وهكذا أبداً؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 208]: (وبعد تسعٍ، ثم كل عشر يتغير الواجب، في كل أربعين: بنت لبونٍ، وفي كل خمسين: حِقَّة).
1063 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (ويجزئ في شاتها: الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثني من المعز، وهو الذي له سنة) الأصح: أن جذع الضأن: ما له سنة، وأن ثني المعز: ما له سنتان، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 4، لكن قوله: (كما في الغنم) 5 أي: بالنسبة إلى السن لا بالنسبة إلى الأنوثة، وفي الرافعي في (الأضحية) عن أبي الحسن العبادي: أنَّه لو أجذع قبل تمام السنة.. كان مجزياً، كما لو تمت السنة قبل الجذع، ونزل ذلك منزلة البلوغ بالسن أو الاحتلام، قال: وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وقال: الجذعة:
هي التي استكملت سنة وطعنت في الثَّانية، أو أجذعت سنها من قبل ذلك.
انتهى 1.
وظاهر كلام "التَّنبيه" و "الحاوي" التخيير بينهما، وبه صرح "المنهاج" فقال [ص 161]: (والأصح: أنَّه غير بينهما، ولا يتعين غالب غنم البلد) وعبر في "الروضة" بالصحيح 2، وإذا قلنا به فاختار نوعاً منهما.. وجب من غنم البلد؛ أي: من صنف هو في البلد من ذلك النوع، وتحقيق هذا أنَّه إن كان النوعان في بلده واختار الضأن مثلًا.. وجب من صنف ضأن البلد، فإن كان بمكة.. وجب ضأنية مكية، أو ببغداد.. فضأنية بغدادية، فإن أخرج بمكة ضأنية بغداديةً أو عكسه.. لم يجزئ على المذهب إلَّا أن يكون مثل صنف البلد في القيمة أو خيراً منه، فعلى هذا ليس التخيير على إطلاقه.
1064 - قوله "التَّنبيه" [ص 56]: (فإن أخرج منها بعيراً.. قبل منه) أي: بشرط كونه مجزئاً في الزكاة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 161]: (وكذا بعير الزكاة) والتقييد بذلك من زيادته على "المحرر"، وهو حسن، لكنَّه عطف ذلك على الأصح، وهو يفهم أن مقابله وجه: أن البعير لا يجزئ مطلقًا، وليس كذلك، بل مقابله ثلاثة أوجه، قيل: إنَّه يعتبر أن يكون قيمة البعير المخرج عن خمس قيمة شاة، وعن عشر قيمة شاتين... وهكذا نظرًا إلى أن الشياة أصل، وقيل: يجزئ ناقص القيمة عن المراض والمعيبة فقط، وقيل: لا يجزئ في عشر إلَّا حيوانان؛ شاتان، أو بعيران، أو بعير وشاة، ولا في خمسة عشر إلَّا ثلاث، ولا في عشرين إلَّا أربع، وعبارة "الحاوي" [ص 207]: (يجب فيما دون خمس وعشرين إبلاً إبلٌ)، وتعبيره في الواجب بقوله: (إبل) فاسد؛ لأنَّه اسم جمع لا ينطلق على الواحد، وأيضًا: ففاته التّقييد بالإجزاء في الزكاة.
1065 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (فإن لم يكن في إبله بنت مخاض.. قبل منه ابن لبون ذكر) فيه أمور:
أحدها: المراد: إذا لم يكن في إبله بصفة الإجزاء، فالمعيبة كالمعدومة كما صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 3.
ثانيها: يرد عليه: ما لو ملك بنت مخاض مغصوبة أو مرهونة.. فإن له إخراج ابن لبون كما في "شرح المهذب" عن الدَّارميُّ وغيره 4، مع أنَّها في إبله حكمًا، لكن ليست فيها حسًّا، فقد لا ترد لذلك، وكذا قوله "المنهاج" [ص 161]: (فإن عدم بنت المخاض) محتمل؛ لأنَّه عادم حسًّا واجد ملكًا.
نعم؛ ترد على قول "الحاوي" [ص 207]: (فإن لم تكن له سليمة) لأنَّها له، وقد يقال: المراد بكينونتها له: تمكنه منها، فلا ترد عليه أيضاً.
ثالثها: يرد عليه أيضاً: ما لو أخرج خنثى من أولاد اللبون.. فالأصح: الإجزاء، وهذا وارد على "المنهاج" أيضاً؛ لأنَّه ليس ابن لبون، لكن "التَّنبيه" زاد عليه بالتأكيد بقوله: (ذكر) فكان الإيراد عليه أظهر، وقد تناوله قول "الحاوي" [ص 207، 208]: (فولد لبون)، وقال ابن المسلم: إنْ عدَّه أهل المواشي عيبًا والإبل سليمة.. ينبغي أن لا يجزئ.
رابعها: قد يفهم أنَّه لا يقبل منه الحِقّ، وليس كذلك كما صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 1.
خامسها: عبارة الثلاثة تفهم أنَّه لا يجزئ ابن المخاض، وبه قال ابن الصباغ، لكن جزم الشَّيخ أبو حامد بالجواز، وقال القاضي حسين: إنَّه الظاهر من المذهب، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
1066 - قول "المنهاج" [ص 161]: (لا لبون في الأصح) أي: لا يؤخذ الحِقّ عن بنت اللبون عند فقدها، وعبر في "الروضة" بالمذهب، قال: وبه قطع الجمهور 2.
1067 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (فإن اتفق فرضان في نصاب واحد؛ كالمئتين فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون.. اختار الساعي أنفعهما للمساكين) محله: إذا وُجدا مسألة بصفة الإجزاء، كما أوضحه "المنهاج" و "الحاوي" 3.
1068 - قوله: (وقيل: فيه قولان، أحدهما: ما ذكرت، والثَّاني: أنَّه يجب الحقاق) 4 هذه الطريقة هي الصحيحة، كما في "الشَّرح الصَّغير" و "شرح المهذب" 5.
وتعبير "المنهاج" بـ (المذهب) 6 قد يقتضي ترجيح طريقة القطع، وقد يقال: لا دلالة له على ذلك، إنَّما يدل على أن في المسألة طريقين، وأن هذا هو المرجح في الجملة؛ إمَّا من طريقة القطع، وإما من طريقة القولين، وعليه مشى في "المهمات" فقال: إنَّه لا يؤخذ منه ترجيح لشيء من الطريقين.
1069 - قول "المنهاج" [ص 161]: (فإن وُجِدَ مسألة أحدهما) أي: تاماً - كما صرح به
"الحاوي" - مجزئاً لا معيباً، كما دل عليه كلامهما في فقد بنت المخاض، وقولهما: (أخذ) 1 أي: ولا يكلف تحصيل الآخر وإن كان أغبط كما في "الروضة" وغيرها 2، ومقتضاه: أنَّه لو حَصَّل الآخر ودفعه.. أجزأه لا سيما إن كان أغبط، وعليه يدل كلام جماعة منهم الإمام والغزالي، وقاساه على الاكتفاء بابن لبون لفقد بنت مخاض 3، لكن صرح جماعة بخلافه وأن الوجوب متعين فيه.
1070 - قول "المنهاج" [ص 161]: (وإلا - أي: وإن لم يوجد مسألة واحد منهما، أو وُجد معيبًا -.. فله تحصيل ما شاء) بقي عليه: أن له أيضاً أن ينزل عن بنات اللبون إلى خمس بنات مخاض ويدفع خمس جبرانات، أو يصعد عن الحقاق إلى أربع جذعات ويأخذ أربع جبرانات، ويمتنع العكس، وهو أن يصعد عن بنات اللبون إلى الجذاع ويأخذ عشر جبرانات، أو ينزل عن الحقاق إلى بنات مخاض ويعطي ثماني جبرانات، وقد ذكره "الحاوي" 4، فلو جعل الحقاق أصلاً ونزل إلى أربع بنات لبون يحصلها ويدفَع أربع جبرانات، أو جعل بنات اللبون أصلًا، وأراد أن يصعد إلى الحقاق، فيدفع خمس حقاق ويأخذ خمس جبرانات.. لم يتعرضوا له.
وقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": الذي فرّعه في الحال: الرابع؛ أي: وهو أن يؤخذ بعض كل صنف، لا يبعُد عليه تجويز هذا، قال: ويحتمل جواز الصورة الأولى؛ لأنَّه لم يتكمل له من بنات اللبون جميع الواجب، دون الثَّانية؛ فإنَّه قد حصل الفرض، فليس له أن يعدل إلى الجبران، كما لو كان عليه بنت مخاض فلم يجدها وعنده ابن لبون.. فإنَّه لا يعدل إلى بنت اللبون ليأخذ الجبران على الأصح؛ لأنَّه بدل بنت المخاض بالنص، فكذلك لا ينبغي هنا بعد تحصيل الحقاق التي هي أحد الواجبين أن يدفعها بزيادة واحد ويأخذ الجبران.
انتهى.
1071 - قول "المنهاج" [ص 161]: (فإن وجدهما) أي: بصفة الإجزاء.
1072 - قوله: (فالصحيح) 5 عبر في "الروضة" بالمذهب المنصوص وقول الجمهور 6.
1073 - قوله: (ولا يجزئ غيره) 7 الظاهر: سحبُ الصَّحيح عليه، فيكون أشار إلى الخلاف.
1074 - قوله: (إن دلس) 1 أي: المالك.
1075 - قوله: (وإلا.. فيجزى) 2 أي: يحسب من الزكاة، وليس المراد: أنَّه يكتفي بذلك؛ فقد قال بعده: (والأصح: وجوب قدر التفاوت) 3، قال السبكي؛ والتفاوت المشار إليه إنَّما يجب إذا غلط الساعي في الاجتهاد دون ما إذا اقتضى رأيه موافقة ابن سريج في أخذ غير الأغبط، وكان مأذوناً له في ذلك من جهة الإمام، فلا ينبغي أن يجب التفاوت هنا، وفي وجه: إنَّه لا يجزئ بحال؛ لأنَّه غير المأمور به، قال السبكي: وهو القياس.
1076 - قوله: (ويجوز إخراجه دراهم، وقيل: يتعين تحصيل شقص به) 4 فيه أمران:
أحدهما: قال الرافعي: إطلاق الأصحاب الدراهم في هذا الفصل يشبه أن يكون مرادهم: نقد البلد دراهم كان أو دنانير، كما صرح به الشَّيخ إبراهيم المروروذي 5، قال في "الروضة": مرادهم: نقد البلد قطعاً، وصرح به جماعة منهم القاضي حسين وغيره، وعليه يحمل قول صاحب "الحاوي" وإمام الحرمين وغيرهما: دراهم أو دنانير؛ يعنيان: أيهما كان نقد البلد.
انتهى 6.
ثانيهما: أطلق الشقص، والأصح: أنَّه يتعين أن يكون من الأغبط؛ ولذلك عبر "الحاوي" بقوله [ص 209]: (وإن أخطأ.. جبر بالنقد أو بِشقصٍ من الأغبط).
1077 - قول "المنهاج" [ص 161]: (ومن لزمه بنت مخاض فعدمها وعنده بنت لبون.. دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا) فيه أمور:
أحدها: قوله: (فعدمها) قد يفهم أن المراد: العلم المطلق، وليس كذلك، وإنَّما المراد: عدمها في ملكه وإن أمكنه تحصيلها، وكذا تعبير "الحاوي" بـ (الفقد) 7، فأحسن منهما قول "التَّنبيه" [ص 56]: (ولم يكن عنده).
نعم؛ يرد عليهم: ما لو كانت عنده معيبة.. فهي كالمعدومة، أو كريمة.. فلا يمنع وجودها الصعود والنزول وإن كان وجود كريمة يمنع العدول إلى ابن لبون في الأصح.
ثانيها: قوله: (وعنده بنت لبون) ليس ذلك شرطًا، فلو لم تكن عنده.. فله تحصيلها ودفعها، لكنَّه إذا حصّلها.. صدق حينئذ أنَّها عنده، فيدفعها، ولا يرد ذلك على "التَّنبيه" و "الحاوي".
ثالثها: يرد عليه وعلى "التَّنبيه": ما إذا وجد ابن لبون.. فليس له إخراج بنت اللبون وأخذ الجبران في الأصح، وقد ذكرها "الحاوي" 1.
رابعها: وقع في "الروضة" تبعاً للرافعي في الكلام على اجتماع فرضين في نصاب: أنَّه لو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله ولا بالثمن.. يعدل إلى القيمة.
انتهى 2.
ومقتضاه: أنَّه لا يتعين الانتقال إلى بنت اللبون، بل يجوز دفع قيمة بنت المخاض، ويطرد في سائر الصور، ولعلّه محمول على ما إذا فقد سائر أسنان الزكاة.
خامسها: اقتصر "المنهاج" على فقد بنت المخاض وبنت اللبون، ولم يذكر فقد بقية أسنان الزكاة، فأعم منه قول "التَّنبيه" [ص 56]: (ومن وجب عليه من ولم يكن عنده) لكن أورد عليه: أنَّه إن أراد: من الزكاة وهو الظاهر.. اقتضى منع الجبران إذا أخرج ثنية بدل جذعة، وهو الذي حسنه الرافعي 3، ومشى عليه "الحاوي" 4، وحكاه صاحب "التقريب" عن الأكثرين كما في "المهمات"، لكن الأصح في "الروضة" و "المنهاج": خلافه، وحكاه عن الجمهور 5، وإن أراد: مطلق السنن ورد الفصيل إذا أخرجه مع الجبران.. فلا قائل بقبوله، فأحسن منهما قول "الحاوي" [ص 209]: (إن فقد الواجب).
1078 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (والاختيار في الصعود والنزول إلى المصدق)، قال النووي في "التحرير" عن نسخة المصنف: إنَّه بتخفيف الصاد؛ أي: الساعي 6، قال في "الكفاية": ونسب للإمام، ورجحه البندنيجي والماوردي.
انتهى 7.
لكن الأصح: أن الخيرة في ذلك للمالك، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 8، فيكون المصّدق بتشديد الصاد، وعبارة "المنهاج" [ص 161]: (وفي الصعود والنزول: للمالك في الأصح إلَّا أن تكون إبله معيبة) وفيها أمور:
أحدها: محل الخلاف: إذا دفع غير الأغبط، فإن دفع الأغبط.. أجيب قطعاً.
ثانيها: كلامه يفهم أنَّه إذا كانت الإبل معيبة.. لا خيرة للمالك مطلاً، وليس كذلك، فله الخيرة في النزول وفي الصعود إذا لم يأخذ جبراناً، والممتنع إنَّما هو في الصعود مع طلب الجبران.
ثالثها: يُضم إلى عيب الإبل:
- ما إذا كانت مريضة، وقد ذكره "الحاوي" 1.
- وما إذا كانت لا أثمان لها لِلُؤْمِهَا، نص عليه في "الأم" كما حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" 2.
- وما إذا جاوز الجذعة إلى الثنية، كما تقدم عن "الحاوي" خلافًا للجمهور 3.
- وما إذا فقد بنت المخاض وعنده ابن لبون، فأراد إخراج بنت اللبون مع أخذ الجبران، وقد ذكرها "الحاوي" كما تقدم.
فالممتنع في هذه الصور كلها: أخذ الجبران عند إرادة الصعود، وعبارة "الحاوي" [ص 209]: (وأخذ، لا إن مرض إبله، أو تعيَّب، أو جاوز الجذعة، أو إلى بنت لبون وله ابن لبون) فهذه الصور مستثناة من أخذ المالك الجبران، فلو تبرع صاحب الإبل المعيبة وصعد إلى سليمة ليأخذ الجبران.. قال شيخنا ابن النقيب: ففيه للنظر مجال 4. قلت: ينبغي الجزم بجوازه؛ فإن المدرك في الامتناع احتمال زيادة الجبران المأخوذ على المريض والمعيب المدفوع، وهذه العلة منتفية فيما إذا تبرع بالصعود إلى سليمة، والله أعلم.
1079 - قول "المنهاج" [ص 162]: (وله صعود درجتين وأخذ جبرانين، ونزول درجتين مع جبرانين بشرط تعذر درجة في الأصح) يقول "الحاوي" [ص 209]: (فإن فقد أو قنع بجبران.. فدرجتين) وفيه أمران: أحدهما: أن له الصعود والنزول بثلاث درجات أيضاً بشرط تعذر الدرجتين.
ثانيهما: المراد: تعذر درجة في تلك الجهة، فلو لزمه بنت لبون ففقدها وفقد الحقة، فهل له الصعود إلى جذعة مع وجود بنت مخاض عنده؛ فيه وجهان مرتبان على هذين الوجهين، وأولى بالجواز، كذا في "الروضة" 5، وصرح في "شرح المهذب" بتصحيح الجواز 6، وأورد في "الكفاية" على اقتصار "التَّنبيه" على الشاتين والعشرين درهمًا: أنَّه شامل لما لو نزل أو صعد بدرجتين لفقد درجة، وليس كذلك، بل عليه أو له أربع شياه، أو أربعون درهماً، أو شاتان وعشرون درهماً.
1080 - قوله "المنهاج" [ص 162]: (ولا تجزئ شاة وعشرة دراهم) هو معنى قوله "الحاوي" [ص 210]: (لا بالنوعين)، ويستثنى منه: ما إذا كان الآخذ للجبران هو المالك، ورضي بذلك، وقد ذكره "الحاوي" 1، وقد يفهم ذلك من التعبير بعدم الإجزاء؛ لأنَّ الإجزاء وعدمه إنَّما يضافان إلى المزكي.
1081 - قوله "التَّنبيه" [ص 56] و "الحاوي" [ص 210]: (وفي مئتين وواحدة: ثلاث شياه، ثم في كل مئة شاةٍ شاة) يقتضي أن في ثلاث مئة وواحدة: أربع شياه، وليس كذلك، ومرادهما: وفي مئتين وواحدة إلى ثلاث مئة: شاة، وهذا متَّفقٌ عليه؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 162]: (ومئتين وواحدة: ثلاث، وأربع مئة: أربع، ثم في كل مئةٍ: شاةٌ).
1082 - قوله "المنهاج" [ص 162]: (إن اتحد نوع الماشية.. أُخذ الفرض منه، فلو أخذ عن ضأن مَعْز أو عكسه.. جاز في الأصح (تصحيح أخذ الضأن عن المعز وبالعكس كالمستثنى مما تقدم أولاً، وعبارة "الروضة" وأصلها تقتضي تصحيح المنع؛ فإنَّه جزم به أولاً، فقال: إن اتحد نوعها.. أخذ منها، ثم حكى الخلاف عن "التهذيب" وأنَّه صحح الجواز 2.
1083 - قوله "التَّنبيه" [ص 56]: (وإن كانت المواشي أنواعاً؛ كالبخاتي والعراب والجواميس والبقر والضأن والمعز.. ففيه قولان، أحدهما: يؤخذ من الأكثر، والثَّاني: يجب في الجميع بالقسط) الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 3، وكان ينبغي أن يجعل بدل البقر العراب، فهي أحد نوعي البقر، وكيف يكون البقر أحد نوعي البقر؟ !
1084 - قوله "التَّنبيه" [ص 56]: (فإن كانت كلها ذكوراً.. أخذ في فرضها الذكر، إلَّا الإبل؛ فإنَّه لا يؤخذ في فرضها إلَّا الإناث، وقيل: يؤخذ في فرضها الذكور) هذا الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 4، وفي "تصحيح" النووي، وشيخنا الإسنوي عطفاً على الأصح: وجواز أخذ ذَكَرٍ من الإبل والبقر الذُّكُورِ.
انتهى 5.
ولا حاجة لاستدراك البقر؛ لدخوله في كلام "التَّنبيه" فإنَّه لم يستثن سوى الإبل.
1085 - قوله: (فإن كانت الماشية إناثاً، أو ذكوراً وإناثًا.. لم يؤخذ في فرضها إلَّا الأنثى إلَّا في ثلاثين من البقر) 6 فيه أمران:
أحدهما: قال في "الكفاية": لم يؤخذ في فرضها - أي: المتأَصّل - لتخرج شاة الإبل، وكذا ابن اللبون عن بنت المخاض، وكذا ينبَّه على ذلك في قول "المنهاج" [ص 162]: (ولا ذكرٌ إلَّا إذا وجب، وكذا لو تَمَحَّضَتْ ذكوراً في الأصح)، وفي قول "الحاوي" [ص 210]: (والذكر إن لم يكن له كامل في الأصح) وهو مفهوم من قولهم: (جذع، وثنى) 1، قال في "الكفاية": وتحرَّزَ "التَّنبيه" بقوله: (في فرضها) عن إخراج ذَكَرٍ لما فوق فرضها؟ فإنَّه يجزئ في بعض الصور، وهو التبيعان عن المسنة.
ثانيهما: أفهم قوله: (ذكورًا وإناثاً) أنَّه لو تعدد الواجب والإناث بعضه.. تعينت الأنوثة في كل الواجب، والأصح: أنَّه بقدر ما يجد، وكذلك يرد على قول "المنهاج" [ص 162]: (وكذا لو تَمَحَّضَتْ ذكوراً في الأصح) فإنَّه في هذه الصورة يخرج الذكور وإن لم تتمحّض ذكوراً، وذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 210]: (وإن اختلف.. فالكامل بقدر ما يجد).
1086 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (وإن كانت صغاراً: فإن كانت من الغنم.. أخذ منها صغيرة، وإن كانت من الإبل والبقر.. أخذ منها كبيرة) هذا قول ابن سريج والقاضي أبي الطَّيِّب، واختاره السبكي، لكن الأصح: أنَّه يؤخذ صغيرة من صغار الإبل والبقر أيضاً بشرط أن يجتهد الساعي، ويحترز عن التسوية بين القليل والكثير؛ ولذلك أطلق "المنهاج" في قوله [ص 56]: (وفي الصغار: صغيرة في الجديد) و "الحاوي" في قوله [ص 210]: (والذكر إن لم يكن له كامل)، ورجح في "الروضة" وأصلها كون الخلاف وجهين 2.
1087 - قول "المنهاج" [ص 163]: (وحامل) أحسن من قول "التَّنبيه" [ص 57]: (ولا يؤخذ الماخض) لأنَّ المنقول من أهل اللُّغة أن الماخض: هي التي دنت ولادتها وأخذها المخاض وهو ألم الولادة 3، والعامل إن بعدت ولادتها كذلك.
1088 - قول "المنهاج" [ص 163]: (وخيار) وقول "التنبيه" [ص 57]: (ولا حزرات المال) من ذكر العام بعد الخاص.
نعم؛ لو كانت ماشية كلها سماناً.. طولب بسمينة، قاله في "الكفاية" وغيرها.
1089 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (وفحل الغنم) هذا حيث يجزئ الذكر.
1090 - قول "المنهاج" [ص 163]: (ولو اشترك أهل الزكاة في ماشية.. زكريا كرجل، وكذا لو خلطا مجاورةً) أهمل لذلك شروطاً:
أحدها: دوام الخلطة سنة إن كان المال حولياً، وإلى زهو الثمر، واشتداد الحب في النبات.
ثانيها: كون مجموع المالين نصاباً فأكثر، وقد ذكرهما "التَّنبيه" و "الحاوي" 1، إلَّا أن "التَّنبيه" لم يصرح بحكم زكاة النبات، ويرد على اعتبار النصاب: ما لو خلط خمسة عشر بمثلها غنمًا وانفرد بخمسين.. فمقتضاه: أنَّه لا زكاة على صاحب الخمسة عشر؛ لأنَّ المخلوط كله لا يبلغ نصاباً، وهذا تفريع على أضعف القولين أن الخلطة خلطة عين؛ أي: يقتصر حكمها على المخلوط، فأمَّا إذا فرعنا على الأصح: أن الخلطة خلطة ملك - أي: يثبت حكمها في كل ما في ملكه -.. فالأصح في "الروضة": تأثير الخلطة هنا، فيجب شاة منها على صاحب الخمسين ستة أثمان ونصف ثمن، والباقي على الآخر 2.
ثالثها: كون المالين من جنس واحد لا غنم مع بقر، ذكره "الحاوي"، وتعبير "التَّنبيه" بالمشرب أوضح من تعبير "المنهاج" و "الحاوي" بالمشرع 3، فكان المراد به: موضع الشرب.
1091 - قولهما: (والمسرح) 4 إن أراد به: مكان الرعي - وبه فسره النووي في "التحرير" وغيره 5 -.. وَرَدَ المكان الذي تجتمع فيه ثم تساق منه إلى المرعى، وقد اعتبره في "شرح المهذب" وغيره 6، وإن أراد به: مكان اجتماعها لتساق إلى المرعى - وبه فسره في "الروضة" وأصلها 7 -.. وَرَدَ المرعى، وقد ذكر هما "الحاوي" فقال [ص 217]: (والمسرح، والمرعى) فدل على أنَّه أراد بالمسرح: مكان اجتماعها لتساق إلى المرعى، ويرد عليهم جميعاً شرطان آخران:
أحدهما: اتحاد الطَّريق بين المسرح والمرعى، ذكره في "شرح المهذب" 8، وهو أحد ما قيل في تفسير المسرح.
ثانيهما: اتحاد المكان الذي توقف فيه عند إرادة سقيها، والذي تُنَحَّى إليه ليشرب غيرها، ذكره في "التتمة"، وهو نظير اشتراط اتحاد المسرح.
1092 - قول "التَّنبيه" [ص 57] و "الحاوي" [ص 217]: (والمحلب) - هو بفتح الميم - هو
موضع الحلب، كما عبر به "المنهاج" 1، وفي الرافعي و "الروضة" الجزم باشتراط اتحاده 2، وفي "التصحيح" والتحرير" التعبير فيه بالأصح 3، وهو يقتضي خلافًا، وأشار في "الكفاية" إلى استدراكه عليه، لكن حكى الروياني في "البحر" الخلاف فيه 4، والعجب من قول النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": إنَّه لا يشترط الاتحاد فيه بلا خلاف، وهو سبق قلم 5، أما المحلب - بكسر الميم - وهو الإناء الذي يحلب فيه.. فلا يشترط اتحاده في الأصح، وكذا الحالب.
1093 - قولهم: (والفحل) 6 محله: إذا اتحد نوع الماشية، فإن اختلف؛ كضأن ومعز.. فلا بد لكل نوع من فحل، ذكره في "شرح المهذب" 7، وتعبير "المنهاج" في الفعل والراعي بالأصح فيه نظر؛ ففي "الروضة" في الفعل: إنَّه المذهب الذي قطع به الجمهور 8، وفي "شرح المهذب" نقل طريقة القطع في اتحاد الراعي عن الأكثرين 9، ويجوز تعدد الرعاة والفحول قطعًا، لكن يشترط ألاَّ تنفرد هذه عن هذه براعٍ ولا فحلٍ مع اتحاد النوع في الفعل كما تقدم.
1094 - قول "التَّنبيه" - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن أخذ الساعي الفرض من نصيب أحدهما.. رجع على خليطه بالحصة) 10 فيه أمران:
أحدهما: أنَّه شامل لما إذا كان ما أخذه من كل واحد واجبه؛ كأن خلط أربعين من البقر بثلاثين، فأخذ الساعي من صاحب الأربعين مسنة، ومن صاحب الثلاثين تبيعاً.. فيرجع صاحب المسنة بقيمة ثلاثة أسباعها، وصاحب التبيع بقيمة أربعة أسباعه، وكذا ذكره الرافعي تبعًا للإمام وغيره 11، قال النووي: وأنكر عليهم بنص الشَّافعي على أنَّه لو استوت غنماهما وواجبها شاتان وأخذ من غنم كل شاة.. فلا تَراجُعَ، قال: وهو الظاهر في الدليل فليعتمد 12، وذكر النسائي أن
كلام "التَّنبيه" يفهم أنَّه لا تَرَاجُع في هذه الصورة 1، والذي أفهمه ما قدمته.
ثانيهما: هذا في خلطة الجوار، أما خلطة الشيوع: فإن كان المأخوذ من جنس النصاب.. فلا تراجع، كما ذكره الرافعي والنووي 2، قال ابن الرفعة: وليس كذلك، بل يتصور فيما إذا كان بينهما أربعون من الغنم لأحدهما؛ في عشرين منها نصفها، وفي العشرين الأخرى نصفها وربعها.
انتهى.
وإن كان من غير جنسه؛ كالشاة الواجبة في الإبل.. ثبت التراجع.
1095 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (وإن كان بينهما نصاب من غير الماشية.. ففيه قولان، أصحهما: أنَّه كالماشية)، قال في "المنهاج" تبعاً لـ "المحرر": (بشرط ألا يتميز: الناطور، والجرين، والدكان، والحارس، ومكان الحفظ... ونحوها) 3، وذكر "الحاوي" [ص 217]: (الجرين، والحافظ، والدكان، ومكان الحفظ)، قال شيخنا ابن النقيب: ولم أر من صرح باشتراط شيء من ذلك، وإنَّما ذكروه في معرض التعليل، قال الرافعي؛ لأنهما كما يرتفقان بالخلطة في المواشي لخفة المؤنة.. كذلك يرتفقان بها في غيرها باتحاد الجرين... إلى آخره، وأسقطه من "الروضة" بالجملة، فلم يذكره لا شرطاً ولا تعليلاً، ورأيت كلام كثير من الأصحاب بنحو كلام الرافعي.
انتهى 4.
وزاد في "شرح المهذب": اتحاد الجراب، والميزان، والوزّان، والكيّال، والحمّال، والمتعهد، وجَدَّاد النخل 5، وصرح في "الكفاية" باللقاط، وكذا بالملقح وإن كان الملقح يدخل في المتعهد، وصرح أيضاً في أموال التجارة بالاتحاد في النَقّاد، والمنادي، والمطالب بالأثمان، ونقلة عن البندنيجي، وأشار "المنهاج" لذلك جميعه بقوله: (ونحوها)، ولم يُفَصّل "المنهاج" و "الحاوي" ذلك، والذي ينبغي أن يقال في ذلك: أنَّه يعتبر في المعشّرات: الجرين، والحارس، وفي زكاة التجارة: الحارس، والدكان، ونحوهما، وفي زكاة النقد: الحافظ، ومكان الحفظ؛ من صندوق وخزانة ونحوهما.
1096 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (وفي الأوقاص التي بين النُّصُب قولان، أحدهما: أنَّها عفو) هو الأصح، والأوقاص: ما بين الفريضتين، والشنق بمعناه، كذا في "الروضة"
وأصلها 1، وفي "البويطي": إن الأوقاص: ما لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة، والشنق: ما بين السنين من العدد.
1097 - قول "المنهاج" [ص 163]: (ولوجوب زكاة الماشية شرطان) فيه أمران: أحدهما: لو قال: (النعم) كما في "الروضة" 2.. لكان أولى؛ لأنَّها هي الأخص المتكلِّم عليها.
ثانيهما: قال في "الروضة": لها ستة شروط: كونه نعماً متمحضة، والنصاب، والحول، ودوام الملك جميع الحول، وكماله، والسوم.
انتهى 3.
والمختص بالنعم منها: الأول والأخير، وما عداهما فشرط في جميع الأنواع، ما عدا: الحول في المعشرات والمعدن والركاز؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 214]: (بزهو الثمر، واشتداد الحب، وحصول المعدن والركاز، وحول غير)، وذكر "المنهاج" النعم أول الباب كالأساس والأصل لا كالشرط 4، واشتراط دوام الملك في ضمن اشتراط الحول 5، واشتراط كماله في (باب من تلزمه الزكاة) 6، والله أعلم.
1098 - قولهم - والعبارة لي "المنهاج" -: (مضي الحول) 7 قيده في "الكفاية" بالتوالي، وتركوا التصريح بذلك؛ لوضوحه، ويستثنى من هذا الشرط: مسألة تتعلق بالنقدين، وهي: ما لو ملك نصاباً من نقد ستة أشهر مثلًا، ثم أقرضه إنساناً.. فإن الحول لا ينقطع، فإذا كان مليًا أو عاد إليه.. أخرج الزكاة عند تمام الأشهر الباقية، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" عن الشَّيخ أبي حامد في "تعليقه".
1099 - قول "التَّنبيه" [ص 55]: (ولا تجب في الآخر حتَّى يتمكن من الأداء) ظاهره: أن الوجوب حال التمكن، وليس كذلك، وإنَّما المراد: أنَّه يتبين الوجوب عند تمام الحول، كما ذكره المتولي؛ ولهذا يحسب ابتداء الحول الثَّاني من انقضاء الأوَّل قبل الإمكان، قال في "شرح المهذب": بلا خلاف 8، لكن في "الكفاية" وجه: أنَّه من التمكن؛ كمذهب مالك 9.
1100 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (لكن ما نُتجَ من نصابٍ يُزَكَّى بحوله) 1 يشترط كون النتاج ملكًا لمالك النصاب بالسبب الذي ملك به النصاب، فلو أوصى بحمل لشخص.. لم يضم النتاج لحول الوارث، وكذا لو أوصى الموصى له بالحمل به قبل انفصاله لمالك الأمهات، نقله في "الكفاية" عن صاحب "التتمة".
ولا بد من كون النتاج في أثناء الحول، كما صرح به "التَّنبيه" 2، وهو مفهوم من قوله "المنهاج" [ص 163]: (يُزَكَّى بحوله)، وقوله "الحاوي" [ص 215]: (وللنتاج حول الأصل) لأنَّ ذلك الحول قد انقضى.
1101 - قوله "المنهاج" [ص 163]: (فلو ادعى النِّتَاج بعد الحول.. صُدِّقَ، فإن إنّهم.. حُلِّفَ) أي: ندباً، فلو نكل.. ترك.
1102 - قوله "التَّنبيه" [ص 55]: (وإن باع النصاب في أثناء الحول.. انقطع الحول) أي: سواء قصد الفرار من الزكاة أم لا، لكنَّه مع قصد الفرار يكره، وقد ذكره "التَّنبيه" في آخر (زكاة النبات) و "الحاوي" 3، وهي كراهة تنزيه على المشهور، واختار الغزالي في "الوجيز": أنَّها كراهة تحريم 4، وقال في "الإحياء": إنَّه لا تبرأ الذمة في الباطن 5، وقال ابن الصلاح: يأثم بقصده لا بفعله 6، وتعبير "المنهاج" بـ (زوال الملك) 7، و "الحاوي" بقوله [ص 215]: (وبالنصاب بعينه كل الحول)، أعم من تعبير "التَّنبيه" بـ (البيع) فالبيع مثال، وجميع مزيلات الملك كذلك.
وتناول كلامهم: ما إذا باع النقد بعضه ببعض للتجارة كالصيارفة، وهو الأصح، ولا يختص ذلك بالنقد، بل لو كانت عنده سائمة نصاباً للتجارة، فبادل بها نصاباً من جنسها للتجارة.. كان كالمبادلة بالنقود، نقله شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" عن مقتضى كلام الماوردي فيما إذا باع بشرط الخيار، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" 8.
1103 - قوله "التَّنبيه" [ص 55]: (فإذا ملك نصاباً من السائمة حولاً كاملاً.. وجبت فيه الزكاة) فيه أمور:
أحدها: أن السائمة تخرج المعلوفة، والسوم والعلف هنا متقابلان، وأمَّا في (النفقات): فقد أطلقوا العلف على أعم من السوم، ومنه قول "التَّنبيه" فيمن ملك دابة [ص 210]: (وجب عليه القيام بعلفها)، ومراده: ما يغدوها من سوم أو علف.
ثانيها: تناول كلامه: المستامة بنفسها، والتي أسامها الغاصب والمشتري شراءً فاسدًا، والأصح: أنَّه لا زكاة فيها، وعن ذلك احترز "الحاوي" بقوله [ص 218]: (وإسامة المالك الماشية؛ فلا تجب في سائمة ورثها وتم حولها ولم يعلم، ولا في دين الحيوان) واعترض الرافعي على مسألة الدين: بجواز كون الماشية المستقرة في الذمة موصوفة بكونها سائمة، كما قالوا في السلم في اللحم: يتعرض لكونه لحم راعية أو معلوفة 1، وضعفه القونوي: بأن المدعى امتناع اتصافه بالسوم المحقق، وثبوتها في الذمة سائمة أمر تقديري، وذكر "المنهاج": المستامة بنفسها 2.
ثالثها: تناول كلامه أيضاً: ما لو أسامها في كلأ مملوك له، وفيها وجهان، في زوائد "الروضة" عن "البيان" بلا ترجيح 3، ورجح السبكي وجوبها إن لم تكن له قيمة، أو كانت يسيرة، وسقوطها إن كانت له قيمة يُعَدّ مثلها كُلفةً في مقابلة نمائها، وفي "فتاوى القفال": إن اشترى كلأ فَرَعَتْه في مكانها.. فسائمة، فلو جزَّه وأطعمها إياه في المرعى أو البلد.. فمعلوفة، ولو رعاها ورقاً تناثر.. فسائمة، فلو جُمع وقدم لها.. فمعلوفة، واستحسنه في "المهمات"، وقال: ينبغي الأخذ به، وهذا وارد على "المنهاج" و "الحاوي" أيضاً.
رابعها: تناول كلامه أيضاً: السائمة العاملة في حرثٍ ونضح ونحوه، ولا زكاة فيها على الراجح، وقد ذكرها "الحاوي" و "المنهاج" 4، لكن تعبيره فيها بالأصح يخالف قوله في "شرح المهذب": قطع الأكثرون بعدم الوجوب 5، ورجح البغوي الوجوب فيها 6، فلو كانت تعمل في بعض السنة.. ففي "تعليق" البندنيجي عن الشَّيخ أبي حامد أنَّه إذا استعملها القدر الذي لو علفها فيه سقطت الزكاة.. فإنَّه تسقط الزكاة هنا، قال: والصحيح عندي: أنَّه إنَّما تسقط الزكاة بالاستعمال والنية، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه"، ولو كانت معدة لاستعمال محرم؛ كإغارة ونحوها.. فلا تجب الزكاة فيها أيضاً، كما صرح به الماوردي في (باب زكاة
النقدين) بخلاف نظيره من الحلي 1، وهو داخل في إطلاق "الحاوي" [ص 218]: (العاملة) لكن أخرجه قول "المنهاج" [ص 163]: (في حرثٍ ونضحٍ ونحوه)، فإن صح ذلك.. فعبارة "الحاوي" أحسن، وإلا.. فعبارة "المنهاج".
خامسها: قد يفهم كلامه اعتبار السوم كل الحول، والأصح في "المنهاج" [ص 163]: (أنَّها إن علفت قدراً تعيش بدونه بلا ضرر بيَّن.. وجبت، وإلا.. فلا) وعليه مشى "الحاوي" بقوله فيما لا زكاة فيه [ص 218]: (والمعتلفة قدراً لولاه لتضررت)، وقوله: (بلا ضرر بيّن.. وجبت، وإلا.. فلا) من كلام الإمام، قال: ولا يبعد أن يلحق الضرر البيّن بالهلاك في هذه الطريقة.
انتهى 2.
ورجح في "الشَّرح الصَّغير" وجهًا ثانياً: أنَّه إن عُلفت قدراً يُعَدُّ مؤنة بالإضافة إلى رفق السائمة.. فلا زكاة، وإلا.. وجبت، قال تبعاً للغزالي: إنَّه الأفقه 3، وقال السبكي: إنَّه قوي في المعنى، قال الرافعي: وفسّر الرفق بالدر والنسل والصوف، قال: ويجوز أن يراد به: رفقها في المرعى؛ فإن مؤنته أخف، وإن كان العلف حقيراً بالإضافة إليه.. فلا عبرة به، ووراء ذلك وجهان آخران، ثم هذا الخلاف مطلق في "المنهاج" وأكثر الكتب، وقيده صاحب "العدَّة" وغيره بما إذا لم يقصد قطع السوم، فإن قصد.. انقطع لا محالة، وقال الرافعي: لعله الأقرب.
قال السبكي: وكذا حكاه الروياني عن النَّصُّ، لكنَّه استغربه، وزعم أن البندنيجي قال: إنَّه المذهب، وذلك يقتضي إثبات خلاف فيه.
انتهى 4.
قلت: وبه صرح الجرجاني في "الشافي"، فقال: وإن علفها الحول أو بعضه، ولم ينو نقلها إلى العلف.. فلا حكم له، وإن نواه.. انقطع حولها في أصح الوجهين، حكاه في "المهمات".
بابُ زكاة النّبات
المراد به: الزروع والثمار، وإن كان استعمال النبات في الثمار غير مألوف.
1104 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (ولا تجب الزكاة في شيء من الزروع إلَّا فيما يقتات منه مما ينبته الآدميون) أي: يزرعون جنسه وإن نبت بنفسه؛ بأن تناثر حبٌّ مملوك أو حمله ماءٌ أو هواءٌ.
وقول "المنهاج" [ص 164]: (المقتات اختياراً) مثل قول "الحاوي" [ص 212]: (قوت الاختيار)، فإن قلت: قد أهملا إنبات الآدميين كما أهمل "التَّنبيه" تقييد الاقتيات بحالة الاختيار.. قلت: لا إيراد على العبارتين؛ فذكر أحدهما يُغني عن الآخر.
قال الرافعي: ضبطه الأئمة بوصفين: أن يكون مقتاتاً، وأن يكون من جنس ما ينبته الآدميون، فإن فقدا أو أحدهما.. فلا زكاة، قال: وإنَّما يحتاج إلى الثَّاني من أطلق الاقتيات، أما من قيده بحالة الاختيار.. فلا؛ إذ ليس فيما لا يُستنبت ما يقتات اختيارًا.
انتهى 1.
فـ "المنهاج" و "الحاوي" لما قيدا الاقتيات بالاختيار.. استغنيا عن ذكر الاستنبات، و "التَّنبيه" لما لم يقيده به.. احتاج إلى ذكر الاستنبات، والله أعلم.
1105 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (والدخن والذرة) يقتضي أنَّه غيرُه، وقال ابن الصلاح: الدخن نوع من الذرة 2.
1106 - قوله: (وما أشبه ذلك) 3 كأنه أشار به للسُّلت بناء على أنَّه جنس آخر، وهو الأصح 4.
1107 - قوله في القِطْنيّة 5: (وهي... إلى آخره) 6، قال في "الكفاية": تبع في حصره القاضي أبا الطَّيِّب، وقال النووي في "تحريره": إن الدخن والأرز منها.
انتهى 7.
وقوله: (والأرز) 8 وهمٌ من صاحب "الكفاية"، وإنَّما ذكر النووي بدله الذرة 9، وقال
الماوردي والقاضي حسين والإمام: إنَّها الحبوب المقتاتة ما عدا البر والشعير 1.
1108 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (وقال في القديم: تجب في الزيتون، والورس، والقرطم) 2، زاد "المنهاج" [ص 164]: (الزعفران، والعسل)، لكن تعبيره يقتضي اعتبار النصاب في هذه الأشياء، والأصح: اعتباره في الزيتون، والعسل، والقرطم دون الورس، والزعفران، وقول "التَّنبيه" [ص 57]: (ولا يجب ذلك إلَّا على من انعقد في ملكه نصاب من الحبوب، أو بدا الصلاح في ملكه في نصاب من الثمار) يخرج: الورس، والزعفران، لكنَّه يخرج العسل أيضاً، وهو خلاف الأصح، وقال في "الكفاية": إن هذا تفريع على الجديد، وفيه نظر؛ لأنَّ لفظ الحبوب يعم ما نسبه للقديم غير الورس، وفي "الرونق" لأبي حامد العراقي قولان في وجوب الزكاة في اللوز والبلوط.
1109 - قولهما: (وهو ألف وست مئة رطل بالبغدادي) 3 هو معنى قول "الحاوي" [ص 212]: (ثمان مئة مَنّ) لأنَّ المَنّ رطلان، وهو تحديد على الأصح، خلافاً لما في "شرح مسلم" و (الطهارة) من "شرح المهذب" من أنَّه تقريب 4، والأصح: اعتبار الكيل لا الوزن إذا اختلفا، وهو بالكيل المصري: ستة أرادب وربع.
قول "المنهاج" [ص 164]: (وبالدمشقي: ثلاث مئةٍ وستةٌ وأربعون رطلاً وثلثان) لم يذكره الرافعي في "المحرر"، ولا في "الشَّرح"، وإنَّما ذكره النووي من عنده بناء على ما يختاره الرافعي من كون رطل بغداد مئة وثلاثين درهماً، فقوله: (قلت: الأصح: ثلاث مئة واثنان وأربعون وستة أسباع رطل) 5 استدراك على ما لم يصرح الرافعي بخلافه، وعبارة "الروضة" من زوائده: (ونصف رطل وثلث رطل وسبعا أوقية) 6، وعبارة "المنهاج" أخصر، وهما بمعنىً.
1110 - قول "المنهاج" [ص 164]: (ويعتبر تمرًا أو زبيباً إن تَتَمَّرَ أو تَزَبَّبَ، وإلا.. فرطباً وعنباً) أي: يعتبر بلوغه النصاب جافاً، فإن كان لا يجف.. اعتبر بلوغه رطباً، وكذا إن كان يجف، إلَّا أن جافه رديء، وكذا إن احتيج إلى قطعه للخوف من العطش، وهذه غير مسألة "التَّنبيه" حيث قال [ص 58]: (فإن احتيج إلى قطعه للخوف من العطش، أو كان رطباً لا يجيء منه تمرًا، أو عنباً لا يجيء منه زبيب.. أخذ الزكاة من رطبه)، فكلام "المنهاج" في الحالة التي يعتبر
بلوغه فيها نصاباً، وكلام "التَّنبيه" في الحالة التي يخرج منه فيها الزكاة، ويلحق بما ذكره: ما إذا كان يجيء منه رطب أو زبيب، إلَّا أنه رديء، وقد ذكر "الحاوي" المسألتين فقال في الأولى: (وما لم يجف.. فرطباً)، وقال في الثَّانية: (وإن تضرر الشجر بالثمر، أو لم يجف.. قُطع وسلَّم العُشر) 1، وفي كيفية الأخذ من الرطب طريقان:
أحدهما: يأخذ عشر قيمة الرطب المقطوع.
والثَّاني: يسلم عشر الرطب مشاعاً إلى الساعي ليتعين حق الأصناف؛ وذلك بتسليم الجميع، وحينئذ.. فيبيع الساعي نصيب الأصناف للمالك أو غيره، أو يبيع هو والمالك ويقتسمان الثمن، ومقتضى عبارة "الحاوي": استقلال المالك بالقطع، وكذا صحَّحه الرافعي في "الشَّرح الصَّغير"، وصحح النووي: وجوب استئذان الإمام والساعي في ذلك 2.
1111 - قولهما: (إنَّه يجب إخراج الواجب من الحب مصفى) 3 يستثنى منه الْعَلَس 4، فإن الشَّافعي قال: أُخيّره بين أن يعطي من كل عشرة أوسق وسقاً؛ لأنَّه في هذه العشرة أبقى له، وبين أن يصفيه منها، ويعطي من كل خمسة أوسق العشر 5.
قال في "الكفاية": وينبغي أن يستثنى الأرز أيضاً حيث اعتبرنا في نصابه ما يعتبر في العلس.
انتهى.
وبه صرح الرافعي 6، كذا استدرك، وعندي: أنَّه لا يحتاج إلى استدراكه؛ لأنهما قد ذكراً حكم الأرز والعلس، وأن نصابه عشرة أوسق، لا سيما وقد صرح "المنهاج" بأن المراد: التصفية من تِبْنِهِ، والمغتفر هنا بقاؤه في قشره، فلم يتوارد الاستثناء مع إطلاقهما، والله أعلم.
1112 - قول "المنهاج" [ص 164]: (وما ادُّخِرَ في قشره - كأرز وعلس - فعشرة أوسقٍ) يقتضي أنَّهما ذكراً مثالاً، وأنَّه بقي شيء من الحبوب غيرهما يدخر في قشره، وليس كذلك؛ ولهذا عبر "التَّنبيه" بقوله [ص 58]: (إلَّا الأرز والعلس)، وهو صنف من الحنطة يدخر في قشره، فنصابه عشرة أوسق، قال ابن الرفعة: ولو كان خالص دون العشرة من ذلك خمسة أوسق.. كان ذلك نصاباً.
انتهى.
وقال الشَّيخ أبو حامد في الأرز: إنَّه ينقُصُ الثلثَ، على خلاف في النقل عنه.
1113 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ويُضَمُّ ثمر العام بعضُهُ إلى بعضٍ وإن اختلف إدراكه) 1 فيه أمران:
أحدهما: أنَّه يتناول ما إذا أطلع الثَّاني بعد جَدَادِ الأوَّل، وهو الأصح في "المحرر" و "المنهاج" تبعًا للعراقيين، وإليه يميل كلام "الشَّرح الكبير" وإن لم يكن فيه تصريح 2، وصحح في "الشَّرح الصَّغير" تبعاً للمراوزة: عدم الضم، فلو أطلع بعد صلاح الأول وقبل جداده.. رُتّبَ على القسم قبله، وأولى بالضم، وعبارة "المنهاج" تقتضي الجزم به.
ثانيهما: يستثنى من ذلك: ما لو كانت نخلة تثمر في العام مرتين.. فلا ضم، بل هما كثير عامين.
1114 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وفي الزروع أربعة أقوال) الأصح: قول خامس: أنَّه يضم ما اتفق حصاده في عام واحد، كذا نقله الرافعي والنووي عن الأكثرين، وصححه "المحرر" و "المنهاج"، ومشى عليه "الحاوي" 3، وقال شيخنا في "المهمات": لم أر من صحَّحه بعد التتبع فضلاً عن عزوه إلى الأكثرين، بل رجح كثيرون: اعتبار وقوع الزرعين في السنة، منهم البندنيجي وابن الصباغ، وصحح في "البحر": اعتبار الحَصَادَين، ولكن في فصل واحد لا في سنة واحدة.
انتهى 4.
وكذا قال شيخنا ابن النقيب: لم أر من صحَّحه في شيء مما وقفت عليه من الكتب وهي أكثر من خمسة عشر مصنفاً من المبسوطات، فليت شعري من الأكثرون غيرهم؟ ! انتهى 5.
1115 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وما سُقِيَ بغير مؤنة؛ كماء السماء والسيح وما يشرب بالعروق.. يجب فيه: العشر) أحسن من قول "المنهاج" [ص 165]: (وواجب ما شرب بمطر أو عروقه لقربه من الماء من ثمر وزرع: العشر) لأمرين:
أحدهما: زيادة السيح، وهو: الماء الجاري على الأرض بسبب سد النهر العظيم، حتَّى يصعد الماء على وجه الأرض فيسقيها.
ثانيهما: كونه ذكر ضابطاً يشمل الصور كلها، وهو: سقيه بغير مؤنة، ودخل فيه أيضاً: الشرب بالقنوات، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك فقال [ص 165]: (إنَّه كمطر على الصَّحيح) وتناول هذه الصور كلها تعبير "الحاوي" لإطلاقه وجوب العشر، ثم ذكر صوراً يجب فيها نصفُ العشر 6.
1116 - قول "المنهاج" [ص 165]: (وما سُقِيَ بنضحٍ أو دولابٍ أو بماءٍ اشتراه: نصفه) فيه أمور:
أحدها: بقي عليه: ما سقي بناعور، وهو: ما يديره الماء بنفسه؛ ففيه: نصف العشر أيضاً، وقد ذكره "الحاوي" 1، وما سقي بدالية، وهي: المَنْجَنُون تديرها البقرة، وقد ذكرها "التَّنبيه" 2.
ثانيها: مسألة السقي بماء اشتراه، محكية في "الروضة" عن ابن كج فقط 3، وعبارة "المحرر": (فقد ذُكِرَ أن الواجب: نصف العشر) 4 ففي جزم "المنهاج" بذلك نظر.
ثالثها: في معناه: السقي بماء غصبه، كما حكاه الرافعي عن ابن كج، وعلله: بأنه مضمون، واستحسنه الرافعي 5، وخرجه شيخنا الإمام جمال الدين على وجهين، حكاهما القاضي حسين في "أسرار الفقه" فيما لو علفها بعلف مغصوب، هل ينقطع السوم؟، وقول "الحاوي" [ص 212]: (وإن سُقِيَ بنضحٍ وناعورٍ ودولابٍ.. فنصفه) يرد عليه: السقي بماء مشترى أو مغصوب إن صح ذلك، وبالدالية، ولا يرد شيء من ذلك على قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وما سقي بمؤنة؛ كالنواضح والدوالي.. يجب فيه: نصف العشر) لأنه ذكر ضابطاً يتناول جميع الصور، وذكر له مثالين، والله أعلم.
1117 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (فإن سقي نصفه بهذا ونصفه بذاك.. وجب فيه ثلاثة أرباع العشر)، قال في "الكفاية": ظاهره: أنَّه سُقِيَ نصف النابت بماء السماء، ونصفه الآخر بالنضح، ولم أره لغيره، والمنقول: أن في المسقي بماء السماء: العشر، وغيره: نصفه، وقد يزيد المجموع على ثلاثة أرباعه لزيادة ثمرة أحدهما، والمراد: ما لو سُقِيَ الكل بالماءين سواء.
انتهى.
ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 165]: (وما سُقِيَ بهما سواء: ثلاثة أرباعه)، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 212]: (وإن سُقِيَ بهما.. قُسِّط) ويمكن ردّ كلام "التَّنبيه" إليهما؛ بأن يكون معناه: وإن سقي نصف السقي بهذا ونصفه بذاك، مسعود الضمير على السقي لا على الزرع، ويكون قوله: (نصفه) في الموضعين منصوباً نصب المصدر.
1118 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (فإن سقي بأحدهما أكثر.. ففيه قولان، أحدهما: يعتبر فيه حكم الأكثر، والثَّاني: يجب في الجميع بالقسط) الثَّاني هو الأصح، وقد يفهم كلامه أن النظر لعدد
السقيات، والأصح: أن العبرة بعيش الزرع أو الثمرة ونمائه، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" (1).
1119 - قولهم والعبارة لـ "المنهاج": (ويجب بِبُدُوِّ صلاح ثَمرٍ، واشتداد حبٍّ) (2) بدو الصلاح في بعض الثمر، واشتداد بعض الحب كالكل، والمراد: بدو اشتداده، ولا يشترط نهايته، ولا يجب الإخراج وقت البُدُو، بل ولا يجزئ، وإنَّما المراد بوجوبه: انعقاده سبباً لوجوب الإخراج إذا صار تمرًا أو زبيباً أو حباً يصفَّى، ولو اشترى أو ورث نخلاً مثمرة، وبدا الصلاح عنده.. فالزكاة عليه لا على من انتقل إليه منه.
1120 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وإن أراد صاحب المال أن يتصرف في الثمرة قبل الجفاف.. خرص عليه) يوهم أن الإرادة المذكورة شرط للخرص، وليس كذلك، بل هو مستحب مطلقاً، وقيل: واجب؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 165]: (ويسن خَرْصُ ثمر بدا صلاحه على مالكه)، و "الحاوي" [ص 212]: (ونُدِبَ خرص... إلى آخره)، لكن لم يقيده بحالة بدو الصلاح، واستثنى الماوردي من الخرص: نخيل البصرة، فقال: لا تخرص؛ لكثرتها، ولإباحة أهلها الأكل منها للمجتاز (3).
1121 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (فإن كان أجناساً.. خُرصَ نخلةً نخلة) المراد: الأنواع؛ كالمعقلي والبرني (4).
1122 - قول "المنهاج" [ص 165]: (وشرطه: عدالة، وكذا حرية وذكورة في الأصح) هو معنى قول "الحاوي" [ص 212]: (أهل للشهادات)، وبقي عليهما: أن يكون عالماً بالخرص.
تنبيه [لا يختص التضمين بالمالك]
ظاهر عبارتهم: اختصاص التضمين بالمالك، وليس كذلك، فلو خرص الساعي ثمرة بين مسلم ويهودي وضمن الزكاة الواجبة على المسلم من اليهودي.. جاز، كما ضمّن عبد الله بن رواحة اليهود الزكاة الواجبة على الغانمين، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" عن "تعليق" الشَّيخ أبي حامد، قال شيخنا: وإذا كان المالك صبيًا أو مجنونًا.. فالتضمين يقع للولي، فيتعلق به كما يتعلق به ثمن ما اشتراه له، والخطاب في الأصل متعلق بمال الصبي.
انتهى.1234
1123 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (فإن باع قبل أن يضمن نصيب الفقراء.. بطل البيع في أحد القولين، ولم يبطل في الآخر) فيه أمران:
أحدهما: الأصح: قول ثالث، وهو: البطلان في قدر الزكاة دون ما عداه، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 1.
ثانيهما: لا تختص المسألة بالثمار، وضابطه: بيع المال الزكوي بعد الوجوب وقبل الإخراج، والمسألة في "المنهاج" في آخر (الزكاة) 2، ويستثنى منه: التصرف في مال التجارة بالبيع بعد وجوب الزكاة.. فالأصح: جوازه؛ لأنَّ متعلقها المالية، وهي لا تفوت بالبيع، وهذا مستثنى من عبارة "المنهاج" و "الحاوي".
1124 - قول "الحاوي" [ص 213]: (وإن ادعاه - أي: تلف المخروص - بسبب خفي.. صُدّق) أي: بيمينه، وكذا لو ادعاه بسبب ظاهر عرف، وقد ذكره "المنهاج" 3، والمراد: عرف وقوعُه فقط، فلو عُرِف وقوعه وعمومه.. صُدّق بلا يمين.
وبقي عليهما: ما إذا لم يذكر له سببًا أصلًا.. فإنَّه يصدق بيمينه أيضاً، وحيث حلفناه.. فاليمين مستحبة في الأصح.
1125 - قول "المنهاج" [ص 166]: (ولو ادعى غلط الخارص بما يَبْعُدُ.. لم يُقبَل) أي: فيما يبعد، والأصح: حَط القدر المحتمل.
1126 - قوله: (أو بمحتملٍ.. قبل) 4، مثل قول "الحاوي" [ص 213]: (غلطاً ممكنًا) والمراد: الاحتمال القريب والإمكان القريب، وقد ذكره "المنهاج" في مقابلة قوله: (بما يَبْعُد)، وقوله: (في الأصح) لمحل الخلاف شرطان:
أحدهما: أنَّه فيما إذا كان المدعى به نقصاً يقع بين الكيلين، أما إذا ادعى شيئًا محتملاً، وهو فوق ذلك.. قبل جزمًا، ومثلوه: بخمسة أوسق في مئة، وفي "المهمات" عن البندنيجي: أن نقصان عشر الثمرة وسُدُسِها مما يحتمل أيضاً.
ثانيهما: محلهما أيضًا: ما إذا كان المخروص تالفًا، فإن كان موجودًا.. أعيد كيله وعمل به، وهذا الثَّاني وارد على عبارة "الحاوي" أيضاً.
باب زكاة النّقد
1127 - كذا في "المنهاج" 1، وعبر "التَّنبيه" بالناض 2 وكلاهما يختص بالمضروب، فالأحسن: التعبير بالذهب والفضة، كما في "الروضة" 3 ليشمل التبر والحلي، وقد يقال: النقد والناض ضد العَرض، فيشمل الكل.
1128 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وهو من أهل الزكاة) معلوم مما أورده أول الكتاب، ولا اختصاص له بهذا الباب.
1129 - قول "المنهاج" [ص 167]: (نصاب الفضة مئتا درهم) أحسن من تعبير "التَّنبيه" بـ (الورق) 4 لاختصاصه بالمضروب عند أكثر اللغويين، كما قاله النووي 5، وعبر "الحاوي" بالنقرة 6.
1130 - قول "المنهاج" [ص 167]: (ولو اختلط إناءٌ منهما وجُهِلَ أكثرهما.. زُكِّيَ الأكثر ذهباً وفضةً، أو مُيِّزَ) أي: بينهما بالنار، قال في "البسيط": ويحصل المقصود بسبك جزء يسير منه إن استوت أجزاؤه، وأشار إليه الإمام، وبقي طريق ثالث ذكره "الحاوي"، وهو: الامتحان بالماء 7، بأن يوضع في الماء - فيما إذا كان من أحدهما ست مئة، ومن الآخر أربع مئة، واشتبه - ألف من الذَّهب، ويُعلّم على الموضع الذي ارتفع إليه الماء، ثم يخرج، ويوضع ألف من الفضة، ويُعلّم على موضع الارتفاع، ثم يخرج ويوضع المخلوط، وينظر إلى ارتفاع الماء به، فإن كان أقرب إلى علامة الذَّهب.. فهو الأكثر، أو إلى علامة الفضة.. فهي الأكثر.
قال في "المهمات": وأسهل من هذه وأضبط أن يوضع في الماء ست مئة ذهباً، وأربع مئة فضة، ويُعلّم ارتفاعه، ثم يعكس ويُعلّم أيضاً عليه، ثم يوضع المشتبه، ويلحق بالذي وصل إليه، ونقل في "الكفاية" طريقاً آخر عن الإمام وغيره، يأتي أيضاً مع الجهل بمقدار منوع، وهو: أن يطرح المختلط - وهو ألف مثلًا في ماء - ويُعلّم موضع ارتفاعه، ثم يرفع ويطرح من خالص الذَّهب شيء بعد شيء حتَّى يرتفع الماء إلى تلك العلامة، ثم يرفع، ويعتبر وزنه، فإذا كان ألفًا ومئتين
مثلًا.. وضع في الماء من الفضة الخالصة شيء بعد شيء حتَّى يرتفع الماء إلى تلك العلامة، ثم ترفع ويعتبر وزنها، فإذا كانت ثمان مئة مثلًا.. علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة، وقس على ذلك 1.
ويمكن إدراج الامتحان بالماء في قول "المنهاج" [ص 167]: (أو ميّز)، وهل له اعتماد ظنّه فيما إذا غلب على ظنه أن الأكثر ذهب أو فضة؟ قال العراقيون: إن كان يفرق بنفسه.. فله ذلك، وإن دفع إلى الساعي.. فليس إلَّا الاحتياط والتمييز، وقال الإمام: الذي قطع به أئمتنا أنَّه لا يجوز اعتماد ظنه، وصححه في "الشَّرح الصَّغير"، قال الإمام: ويحتمل أن يجوز له الأخذ بما شاء من التقديرين؛ لأنَّ اشتغال ذمته بغير ذلك مشكوك فيه 2.
قال السبكي: ويقوي هذا الاحتمال فيما إذا تعذر التَّمييز، كما لو تلف الإناء بعد التمكن واستقرار الزكاة، ويعضده التخيير في مسألة المني والمذي، وفي "القواعد" لابن عبد السَّلام: أن من عليه زكاة، ولا يدري أهي بقرة، أم بعير، أم درهم، أم دينار؟ يأتي بالكل، ثم قال: وفيه نظر 3.
وجزم الإمام بأن من عليه دين يشك في قدره.. يجب عليه إخراج المتيقن بغير زيادة، وكلام الإمام مع اتحاد الجنس، كما لو شك هل عليه خمسة دراهم أو عشرة مثلًا؟ فالواجب: خمسة؛ لأنَّ الأصل عدم الزائد، والله أعلم.
1131 - قول "المنهاج" [ص 167]: (ويُزكي المحرَّمَ) كذا المكروه عند الجمهور؛ كضبة صغيرة للزينة أو كبيرة للحاجة، وقد ذكره "التَّنبيه" 4، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي": إيجاب الزكاة في غير الحلي المباح 5.
1132 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (فإن ملك حلياً مُعَدّاً لاستعمال مباح.. لم تجب الزكاة فيه في أحد القولين) هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 6، وقد اسْتُثْني منه: ما لو مات عن حلي مباح، فمضى عليه حول قبل علم وارثه به.. قال في "البحر": لزمه زكاته؛ لأنَّه لم ينو إمساكه لقصد استعمال مباح، وذكر عن والده احتمال وجه فيه إقامةً لنية مورثه مقام نيته 7،
ويوافقه ما صحَّحه "المنهاج" فيما لو اتخذ سواراً بلا قصد.. أنَّه لا زكاة فيه 1.
1133 - قوله: (فمن المُحَرَّم إناء) 2 أي: لرجل وامرأة.
1134 - قوله: (وسوار وخلخال لِلُبْسِ رجل) 3 وكذا خنثى على المذهب.
1135 - قول "المنهاج" [ص 167]: (فلو اتخذ سواراً بلا قصد.. فلا زكاة في الأصح) أحسن من قول "المحرر": (ولم يقصد استعمالاً مباحًا ولا محظورًا) 4 فإن مفهوم "المنهاج": وجوب الزكاة فيما إذا قصد القنية، وبه صرح "التَّنبيه" 5، بخلاف "المحرر" فإن مفهومه في قصد الاستعمال خاصة لا في مطلق القصد، وأمَّا قول "الحاوي" [ص 211]: (ولو لم يقصد شيئًا)، فقد يقال: إنَّه مثل "المنهاج"، وقد يقال: بل عبارته تدل على أنَّه لا زكاة فيه؛ لأنَّه أطلق وجوب الزكاة في غير الحلي المباح، وهذا من الحلي المباح، وقد أوردت مسألة الخُلُوّ عن القصد على عبارة "التَّنبيه" لفرضه الكلام في المعد لاستعمال أو قنية، والحقُّ: أنَّها لا ترد، بل قد يقال: إن مفهومه عند انتفاء الإعداد انتفاء الزكاة، وهو المطلوب، وقد يقال: هو مسكوت عنه، أما أن يقال؛ إن مفهومه إيجاب الزكاة في هذه الصورة.. فبعيد، والله أعلم.
1136 - قول "الحاوي" [ص 211]: (أو قصد الإجارة) أي: لمن له استعماله، كما صرح به "المنهاج" 6.
1137 - قوله: (وكذا لو انكسر حلي وقصد إصلاحه) 7 أي: فلا زكاة في الأصح، والمراد: حلي مباح الاستعمال تفريعًا على أنَّه لا زكاة فيه، وقد ذكره "الحاوي" في فروع الحلي المباح 8، ومفهومهما: وجوب الزكاة إذا لم يقصد شيئًا، وهو المصحح في "الشَّرح الصَّغير" و "أصل الروضة" 9، لكن في "الشَّرح الكبير" في أول كلامه: تصحيح عدم الوجوب 10، وقال في "المهمات": إنَّه الصواب، وقال 11 الماوردي: إنَّه المنصوص 12، وفي "البيان": إنَّه
الجديد 1، وقال البندنيجي: إنَّه: مقتضى نصه في "الأم" 2.
1138 - قول "المنهاج" [ص 167]: (ويحرم على الرجل حلي الذَّهب) يتناول المموّه به؛ أي: المطلي به، وقد صرح به "التَّنبيه"، قال [ص 43]: (إلَّا أن يكون قد صدئ)، وهذا فيما إذا حصل منه شيء بالعرض على النَّار، فإن لم يحصل.. فوجهان، أصحهما: الحل، وقد ذكره "المنهاج" في الآتية 3، و "الحاوي" هنا 4، لكنهما أطلقا الإباحة، وقد عرفت محلها، فيحرم عند حصول شيء منه بالعرض على النَّار قطعاً، كما تقدم، فإطلاق كلٍ من الكتب الثلاثة في المموّه مدخول، والله أعلم.
1139 - قول "التَّنبيه" [ص 43]: (ويجوز شد السن بالذهب)، أورد في "الكفاية" أن نص الشَّافعي يدل على منع الشدّ؛ حيث قال: لو اضطربت سنّهُ فأثبتها بذهبٍ أو فضةٍ.. لم تصح صلاته؛ لأنَّها ميتة 5، ثم أجاب: بحمله على ما إذا لم يبق لها ثبات بدونه، وحمل كلام "التَّنبيه" على ضعيفة يبقى ثباتها، قال النسائي: وفيما قاله نظر؛ لأنَّ الصَّحيح: طهارة الجزء المنفصل، وكان التأويل بأن النَّصُّ أحد القولين، والصحيح: خلافه أولى.
انتهى 6.
وقد يفهم من اقتصاره على شد السن منعُ جعل سن كاملة من ذهب، وليس كذلك، وقد صرح بتجويزها "المنهاج" و "الحاوي" 7.
1140 - قول "المنهاج" [ص 167]: (لا إصبع) استثناءٌ من الإباحة المستثناة من التحريم، فتحرم، وكما يحرم الإصبع من الذَّهب.. يحرم من الفضة، وعبارة "المنهاج" لا تعطيه.
1141 - قوله: (ويحرم سِنُّ خاتم على الصَّحيح) 8 عبارة "الروضة": قطع الأكثرون بتحريمه 9.
1142 - قوله: (ويحل له من الفضة خاتم) 10 قد يفهم أن المراد: التَّوحيد، فلا تجوز الزيادة
على خاتم واحد، وهو مقتضى قول الرافعي: لو اتخذ الرجل خواتم كثيرة ليلبس واحدًا بعد واحد.. فلا منع 1.
وقال المحب الطبري: المتجه: أنَّه لا يجوز للرجل لبس الخاتمين سواء كانا في يدين أم في يد واحدة؛ لأنَّ الرخصة لم ترد بذلك، قال: ولم أقف فيه على نقل.
قال في "المهمات": وقد صرح الدَّارميُّ في "الاستذكار" بما توقف فيه، وقال الخوارزمي في "الكافي": يجوز أن يلبس زوجاً في يدٍ وفرداً في الأخرى، فإن ليس في هذه زوجاً وفي الأخرى زوجاً.. فقال الصَّيدلانيُّ في "الفتاوى": لا يجوز.
انتهى.
وقول "الحاوي" [ص 195]: (والورق لتختم) لا يفهم التَّوحيد.
1143 - قول "المنهاج" [ص 167]: (لا ما لا يلبسه كسرج ولجام في الأصح) محله: في المقاتل، أما غيره: فلا يجوز له ذلك بلا خلاف، كما في "البحر"، وعبارته: حرام بلا إشكال 2، ويستثنى أيضاً: البغلة والحمار، فلا يجوز ذلك فيهما بلا خلاف، كما في "الذخائر" لأنهما لا يصلحان للحرب، حكاهما في "المهمات".
1144 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و "الحاوي": (وليس لامرأة تحلية آلة حرب) 3 كذا في "الشَّرح" عن الجمهور 4، واعترض الشافعي صاحب "المعتمد" بأن المحاربة جائزة لهن في الجملة، وفي تجويزها استعمال آلاتها، وإذا جاز استعمالها، وهي غير محلاة.. جاز استعمالها محلاة؛ لأنَّ التحلي لهن أجوز منه للرجال، قال الرافعي: وهذا هو الحق 5، ورده النووي بأن التشبه بالرجال حرام كما صح به الحديث 6.
1145 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و "الحاوي": (ولها لبس أنواع حُليِّ الذَّهب والفضة) 7 واستثنى "الحاوي": الافتراش، تبعًا للرافعي 8، وصحح النووي: جوازه 9، ويستثنى مع ذلك أيضاً مسألتان:
إحداهما: التاج؛ حيث لم تجر عادة النساء بلبسه فيحرم عليهن؛ لأنَّه لباس عظماء الفُرْسِ،
كذا في "الروضة" وأصلها 1، وقال في "شرح المهذب": الصواب: الجواز مطلقاً من غير ترديد؛ لعموم الحديث، ولدخوله في اسم الحلي 2.
الثانية: الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل قلادة فيها وجهان، أصحهما: التحريم، كذا في "الروضة" 3، وهو غلط، فلا خلاف في جوازها بلا كراهة، وإنَّما الخلاف في أنَّها هل تلتحق بالحلي المباح؟ فلا تجب الزكاة فيها، أو تجب؛ لبقاء النقدية فيها، وإنَّما يخرجها عن ذلك الصياغة.
1146 - قول "المنهاج" [ص 168]: (والأصح: تحريم المبالغة في السرف) في "الروضة": (الصَّحيح: الذي قطع به معظم العراقيين) 4، وذلك يقتضي ضعف مقابله، وتقييد السرف بالمبالغة، تبع فيه "المحرر" 5 وفي "شرح المهذب": سرف ظاهر 6، وعبارة "الحاوي" [ص 195]: (مَّا لم تسرف)، فلم يقيده بشيء، وكذا في "الروضة" وأصلها 7، قال السبكي: وهو الأولى.
انتهى.
ويؤيده قول "المنهاج" عقبه [ص 168]: (وكذا إسرافه في آلة حرب) واقتصر "الحاوي" على ذكر ذلك في المرأة 8، وفي معناه: إسراف الرجل في تحلية آلة الحرب، وقد ذكره "المنهاج".
1147 - قول "المنهاج" [ص 168] و "الحاوي" [ص 195]: (إنَّه يجوز تحلية المصحف بفضة) كذا غلافه المنفصل عنه.
بابُ زكاة المعدن والرّكاز
1148 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (إذا استخرج من معدن) إلى قوله: (في أصح القولين) فيه أمور:
أحدها: قوله: (في أرض مباحة أو مملوكه له) 1 لا حاجة إليه، مع قوله أولاً: (تام الملك على ما تجب فيه) 2، ومع ما ذكره في (إحياء الموات) من قوله: (ويملك المُحْيَا وما فيه من المعادن) 3 ولذلك لم يذكره "المنهاج" و "الحاوي".
ثانيها: أنَّه قطع باعتبار النصاب، وحكى الخلاف في الحول، وهي طريقة رجحها في "شرح المهذب" 4، والأصح: القطع فيهما؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 169]: (ويشترط نصاب لا حول على المذهب فيهما)، وعبارة "الروضة": المذهب: اشتراط النصاب دون الحول، وقيل: قولان فيهما 5، وهو غير مطابق لما في الرافعي؛ فإن لفظه: إن أوجبنا ربع العشر.. فلا بد من النصاب، وفي الحول قولان، وإن أوجبنا الخمس.. فلا يعتبر الحول، وفي النصاب قولان 6.
ثالثها: يرد على اشتراط كون المستخرج نصاباً: ما لو نال منه بعضه في آخر حول ما عنده، أو بعد تمامه من جنسه.. فإنَّه يضمه إليه ويخرج واجبه، وكذا في أثناء حول ما عنده في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 169]: (كما يضمه إلى ما ملكه بغير المعدن في إكمال النصاب)، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 211]: (ولو من معدن).
رابعها: قوله: (وهو من أهل الزكاة) 7 أخرج به المكاتب، والذمي، ونحوهما، ولو حذفه.. لكان أولى، كما تقدم في زكاة الناض؛ ولذلك لم يذكره "المنهاج" و "الحاوي".
خامسها: قوله: (أو في أوقات متتابعة) 8 ظاهر في اعتبار التوالي في الاستخراج، وليس كذلك؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 169]: (ولا يشترط اتصال النَّيلِ على الجديد) لكنَّه أطلق القولين، ومحلهما: إذا طال زمن الانقطاع، فإن قصر.. ضُمَّ قطعاً.
سادسها: قوله: (في الحال في أصح القولين) 1 ظاهر في حكايتهما سواء أوجبنا ربع العشر أو الخمس، وحُكي عن العراقيين، لكن الذي ذكره الرافعي تبعًا للخراسانيين: أنا إن أوجبنا الخمس.. لم نعتبر الحول قطعاً 2.
نعم؛ مقتضى كلام "شرح المهذب" موافقة الأكثرين لكلام "التَّنبيه" في ذلك 3.
1149 - قوله: (وفي زكاته ثلاثة أقوال، أحدها: ربع العشر) 4 هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 5.
1150 - قول "المنهاج" [ص 169]: (وفي الركاز الخمس يصرف مصرف الزكاة على المشهور) عبارة "الروضة": المذهب 6، وحكى في "شرح المهذب" عن الجمهور القطع به 7.
1151 - قوله: (وشرطه النصاب والنقد) 8 مثل قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وهو نصاب من الأثمان) وفيه أمران:
أحدهما: لو عبرا بـ (الذَّهب والفضة) كما في "الروضة" 9.. لكان أولى؛ ليتناول المضروب وغيره، بخلاف النقد والأثمان؛ فإنهما مختصان بالمضروب.
ثانيهما: لو كان الموجود دون نصاب، لكنَّه يملك من جنسه ما يكمله.. ضم إليه، كما تقدم في المعدن، ولم يتعرض "الحاوي" لاعتبار كونه نصاباً أو ذهباً أو فضة، وكأنه اكتفى بذكره في زكاة النقد.
1152 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وإن كان دون النصاب، أو قدر النصاب من غير الأثمان.. ففيه قولان) الأصح: أنَّه لا زكاة، وعبر في "المنهاج" بـ (المذهب) 10، فيحتمل أن يكون من قولين، كما في "التَّنبيه"، وهو الذي رجحه الرافعي 11، وأن يكون ترجيحًا لطريقة القطع، كما في "الروضة" 12.
1153 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وإن وجد ركازاً من دفن الجاهلية) أحسن من قول "الحاوي" [ص 211]: (بضرب الجاهلية) ففي "الروضة" وأصلها: لا يلزم من كونه على ضرب الجاهلية.. كونه دفن في الجاهلية؛ لاحتمال أنَّه وجده مسلم بكنز جاهلي، فكنزه ثانياً، والحكم مُدار على كونه من دفن الجاهلية، لا على كونه ضَرْب الجاهلية 1.
وفي "شرح المهذب": إن هذا مفرع على الأصح، وهو أن ما لا علامة عليه يكون لقطة، أما إذا قلنا: إنه ركاز.. فالحكم منوط بضربهم 2.
وقال السبكي: الحق: أنَّه لا يشترط العلم بكونه من دفنهم؛ فإنَّه لا سبيل إليه، وإنَّما يكتفى بعلامة تدل عليه من ضرب أو غيره.
انتهى.
وعبارة "المنهاج" [ص 169]: (وهو موجود جاهلي)، وإضافته إلى الجاهلية قد تكون بحسب الدفن، وقد تكون بحسب الضرب، ويدل على إرادته الثَّاني قوله بعد ذلك: (وكذا إن لم يُعْلَم مِنْ أيِّ الضربين هو) 3.
1154 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (في موات) كذا إذا وجده في ملك أحياه، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 4، أو في أرض موقوفة واليد له، قاله البغوي 5: أو في قبر جاهلي، أو قلعة عاديّة جاهلية.
1155 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وإن كان في أرض مملوكة.. فهو لصاحب الأرض)، قال في "المنهاج" [ص 169]: (إن ادعاه) كذا في كتب الرافعي والنووي 6، ولم يشترطه ابن الرفعة والسبكي، بل شرطاً ألَّا ينفيه كسائر ما في يده، وصوبه في "المهمات"، وحينئذ.. فقول "المنهاج" [ص 169]: (وإلا) أي: وإن لم يدّعه، بل نفاه، والحاصل: أنَّه له في حالة السكوت أيضاً.
1156 - قوله: (حتَّى ينتهي إلى المحيي) 7 أي: فيكون له وإن لم يدّعه، كما في "الروضة" وأصلها 8، وقاله السبكي، لكن قياس ما تقدم عنه: أن يكون له وإن نفاه.
1157 - قوله: (ولو تنازعه بائعٌ ومشترٍ، أو مُكْرٍ ومُكْترٍ، أو مُعِيرٌ ومُسْتعيرٌ.. صُدّق ذو اليد بيمينه) 1، هذا إذا احتمل ما يدّعيه ولو على بُعد، فإن لم يحتمل لكون مثله لا يمكن دفنه في مدة يده.. فلا يصدق، ولو تنازعا بعد عود العين إلى المكري، أو المعير: فإن قال: دفنته بعد العود إليّ.. صُدّق إن أمكن، وإن قال: دفنته قبل خروجها من يدي.. فالأصح: تصديق المكتري والمستعير.
بابُ زكاة التجارة
كذا في "المنهاج" 1، وهو أولى من تعبير "التَّنبيه" بالعروض 2، لشموله التجارة في النقود.
1158 - قول "المنهاجِ" [ص 170]: (شرط زكاة التجارة الحول، والنصاب معتبراً بآخر الحول، وفي قول: بِطَرَفيْهِ، وفي قول: بجميعه)، تبع "المحرر" في أنَّها أقوال 3، لكن في "الروضة" تصحيح أنها أوجه 4، وحكاه الرافعي عن عبارة الأكثرين 5، ومنشأ هذا الخلاف أن الأخيرين مخرجان، والمخرج يعبر عنه بالوجه تارة وبالقول أخرى، لكن الأوَّل منصوص في "الأم" 6، فالتعبير بالأقوال أولى؛ لأنَّ المنصوص لا يعبر عنه بالوجه، والمخرج يصح التعبير عنه بالقول.
1159 - قوله: (فعلى الأظهر: لو ردَّ إلى النقد في خلال الحول، وهو دون النصاب، واشترى به سلعةَ.. فالأصح: أنَّه ينقطع الحول، ويبتدئ حولها من شرائها) 7 فيه أمور:
أحدها: أفهم كلامه تخصيص ذلك بالتفريع على الأظهر، وكذا عبر الغزالي 8، قال الرافعي: وهو جارٍ وإن قلنا بغيره 9، وجوابه: أن ذلك يؤخذ من طريق الأولى.
ثانيها: اعتمد في تصحيحه على قول الإمام: رأيت المتأخرين يميلون إليه 10، وكذا في "المحرر" 11، واقتصر في "الروضة" على نقل كلام الإمام 12، ولم أر في ذلك ترجيحًا لغيره، ومشى عليه "الحاوي" بقوله [ص 215، 216]: (وفي التجارة آخره ما لم ينضّ كما مر ناقصًا) 13
ثالثها: المراد: الرد إلى النقد الذي يقوّم به، وهو رأس المال إن كان نقدًا، وغالب نقد البلد إن كان رأس المال عرضًا، قال في "الروضة": ولو باعها بالدراهم والحال تقتضي التقويم بالدنانير.. فهو كبيع السلعة بالسلعة.
انتهى (1).
وإلي ذلك أشار "الحاوي" بقوله: (كما مر).
فائدة [تتعلق بنقص السعر أو زيادته عند الحلول]
إذا فرعنا على الأظهر، فكان مال التجارة آخر الحول مغصوباً أو ديناً مؤجلًا، وكان السعر غالياً، ثم عند الحلول المقتضي للأخذ أو القبض في الغصب نقص السعر أو بالعكس.. فالعبرة بأقل القيمتين، فهو الذي دخل في يد المالك، كذا أفتى به شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني، ونقلته من خطه.
1160 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (وإن باع عرضًا للتجارة في أثناء الحول بعرض للتجارة.. لم ينقطع الحول) كذا إذا أطلق في الأصح، أما إذا نوى به القنية.. فإنَّه ينقطع.
1161 - قوله: (وإن باع الأثمان بعضها ببعض للتجارة.. فقد قيل: ينقطع الحول، وقيل: لا ينقطع) 2 الأوَّل هو الأصح، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 215]: (فإن باع ورُد بعيب أوْ إقَالَةٍ.. يستأنف الحول)، وعن ابن سريج أنَّه كان يقول: بشروا الصيارفة أنَّه لا زكاة عليهم، وعن الإصطخري: أنَّه نسب ابن سريج في ذلك إلى خرق الإجماع؛ ولذلك اختار السبكي الثَّاني، وقال: هذا إذا كان النقد نصاباً، فإن لم يكن.. فلم أر فيه نقلًا، والأرجح: أنَّه كذلك، وكذا اختار في السائمة ببيع بعضها ببعض في أثناء الحول للتجارة: وجوب الزكاة كما اختار في النقد.
1162 - قول "المنهاج" [ص 170]: (ولو تم الحول وقيمة العرض دون نصاب.. فالأصح: أنَّه يبتدئ حول، ويبطل الأول) عبر "التَّنبيه" عن مقابله بقوله [ص 59]: (وقيل: إن زادت قيمته بعد ذلك بيوم أو شهر.. صار ذلك حوله، وتلزمه الزكاة، ويجعل الحول الثَّاني من ذلك الوقت)، قال في "شرح المهذب": كذا فرضه القاضي أبو الطَّيِّب ومن تبعه، وقال في "البيان": متى زادت القيمة قبل تمام الحول الثَّاني.. كان كذلك.
انتهى 3.
فقول "التَّنبيه": (بيوم أو شهر) مثال، وليس في "الروضة" وأصلها لذلك تقدير، بل1
صرحًا في زكاة المعدن بأن الشهر مثال 1.
1163 - قول "المنهاج" [ص 170]: (ويصير عرض التجارة للقنية بنيّتها) مثل قول "الحاوي" [ص 213]: (مَّا لم ينو للقنية)، هذا إذا نواه لقنية مباحة، فإن نواه لقنية محرمة؛ كسيوف التجارة ينوي قنيتها ليقطع بها الطَّريق، أو ثياب حرير نوى القنية ليلبسها وهي محرمة عليه.. فهل ينقطع الحول بذلك؟ فيه وجهان في "التتمة"، قال: وأصل ذلك إذا عزم الشخص على المعصية.. هل يأثم بمجرد العزم؟ حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
1164 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (إذا اشترى عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان.. بنى حوله على حول الثمن) فيه أمور:
أحدها: أنَّه نبه بالشراء في صيرورته مال تجارة على ما في معناه، وهو كل معاوضة محضة؛ كالهبة بشرط الثواب، والصلح عن الدين، لكنَّه قد يخرج المعاوضة غير المحضة؛ كالمهر، وعوض الخلع، وصلح الدم، والأصح: أنَّها كالمحضة، وقد ذكره "المنهاج"، وكذلك أطلق "الحاوي" المعاوضة 2، ويوافق عبارة "التنبيه" قول الشَّافعي في أثناء كلامه: أو أيَّ وجوه المِلْكِ مَلَكَها به إلَّا الشراء فحالت عليه أحوال.. فلا زكاة عليه فيه.
انتهى 3.
ويدخل في المعاوضة القرض، وفي "التتمة": إنَّه لا يصير للتجارة ولو نواها عند القبض؛ لأنَّه لا يملك إلَّا بالتصرف، فكيف ينعقد الحول والملك لم يحصل؟ قال: وعلى القول الآخر يملك بالقبض، ولكنه ليس من التجارة، بل طريقه طريق الإرفاق، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه"، وقول "المنهاج" [ص 170]: (لا بهبة) أي: لا ثواب فيها.
ثانيها: قد يخرج بقوله: (عرضًا) المنفعة بالإجارة للتجارة؛ كأن يستأجر المستغلات، ويؤجرها بقصد التجارة، والأصح: وجوب زكاة التجارة فيه، وهو داخل في إطلاق "المنهاج" و "الحاوي" المعاوضة 4.
ثالثها: قوله: (بنصاب) أي: بعينه، فلو اشترى في الذمة، ونقده فيه.. انقطع حوله، ولا يبني، حكاه الرافعي عن البغوي 5، وابن الرفعة عن القاضي حسين، وجزم به في "الروضة" 6، وقال في "شرح المهذب": لا خلاف فيه 7.
وقال السبكي: إذا تأملت كلام الأصحاب.. وجدته يدل عليه؛ لأنَّ الثمن الذي ملك به العرض هو المعين في العقد أو المجلس، أما الذي نقده فيه بعد ذلك.. فلا، والذي ملكه به، هو ما في الذمة، ولا حول له.
انتهى.
وقال في "المهمات": في اشتراطه نظر ظاهر؛ ولهذا لم يعتبره صاحب "الحاوي الصَّغير".
قلت: وكذا "المنهاج"، ومع ذلك فعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بالصواب 1.
رابعها: تعبيره بالأثمان وتعبير "المنهاج" و "الحاوي" بالنقد يخرج غير المضروب من الذَّهب والفضة، فالتعبير بالذهب والفضة أعم، لكنَّه يتناول الحلي المباح، مع أنَّه لابناء فيما إذا اشترى به تفريعاً على أنَّه لا زكاة فيه، بل حوله من الشراء، وهو مفهوم من قول "التَّنبيه" [ص 59]: (بنى حوله على حول الثمن) لأنَّ الحلي المباح لم ينعقد حوله حتَّى يبني عليه.
ويجاب عن التعبير بالأثمان وبالنقد: بأن المراد: جنسها، وأيضًا: فالغالب الشراء بالأثمان، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.
خامسها: لم يذكر نيَّة التجارة، وهي شرط، والأصح: اشتراط اقترانها بالكسب، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 170]: (إذا اقترنت نيتها بكسبه)، وعليه يدل قول "الحاوي" [ص 214]: (وإن لم يجدد القصد في كل معاوضةٍ)
1165 - قولهم - والعبارة لـ "التَّنبيه" -: (وإن اشتراه بعرض للقنية أو بما دون النصاب من الأثمان.. انعقد الحول عليه من يوم الشراء) 2 قيد في "الكفاية" مسألة الشراء بما دون النصاب بما إذا لم يملك من جنسه ما يتم به النصاب، وإلا.. بناه على حوله، وتناول عرض القنية ما تجب الزكاة في عينه؛ كنصاب السائمة، وهو الصَّحيح، وقد ذكره "التَّنبيه" و "المنهاج" بعد ذلك 3، ولا يختص الخلاف بالسائمة، بل هو جارٍ في كل ما تجب الزكاة في عينه، غير النقد من ثمر وزرع، فذكر السائمة مثال.
1166 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (وإن اشترى عرضًا بمئتي درهم ونضَّ ثمنه وزاد على قدر رأس المال.. زكى الأصل حوله، وزكى الزيادة لحولها، وفي حول الزيادة وجهان، أحدهما: من حين الظهور، والثَّاني: من حين نض الثمن، وقيل: في المسألة قولان، أحدهما: يزكي الأصل لحوله والزيادة لحولها، والثَّاني: يزكي الجميع لحول الأصل) الأصح: طريقة القولين، والأصح
منهما: الأوَّل، وأصح الوجهين: أن حول الربح من حين نضَّ، وقد ذكر ذلك "المنهاج" بقوله [ص 170]: (ويضم الربح إلى الأصل في الحول إن لم ينض، لا إن نض في الأظهر)، والمراد: إذا نض من جنس ما يقوم به، وهو رأس المال إن اشترى بنقد، ونقد البلد إن اشترى بعرض، فلو نض بغير جنس ما يقوم به؛ كعرض بمئتي درهم باعه بعشرين ديناراً.. بنى على حول الأصل، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 215]: (وللنتاج والربح ما لم يصر ما يقوم به حول الأصل).
1167 - قول "المنهاج" [ص 170]: (والأصح: أن ولد العَرْضِ وثمرته مال تجارة) محلهما: إذ لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت به.. جبرنا النقص من قيمة الولد، قاله ابن سريج وغيره، وفيه احتمال للإمام، قال: مقتضى قولنا: إنَّه ليس مال تجارة: أن لا تجبر به الأم كالمستفاد بسبب آخر 1.
1168 - قوله: (وأن حوله حول الأصل) 2، الأصح في "الروضة" وأصلها: طريقة قاطعة به 3، فكان ينبغي التعبير بالمذهب.
1169 - قولهما - والعبارة لـ "التَّنبيه" -: (وقيل: إن كان رأس المال دون النصاب.. قُوِّمَ بنقد البلد) 4 محله: إذا لم يملك من جنس النقد تمام النصاب، فإن اشترى بمئة وعنده مئة.. قوم بما اشترى به بلا خلاف، كما قاله الرافعي 5، ومراده: مع التفريع على التقويم برأس المال فيما إذا كان نصاباً، وهذا ما أجاب به القفال مرَّة، وتردد أخرى، حكاه في "الكفاية".
1170 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن بلغ بهما.. قُوّمَ بالأنفع للفقراء) 6 تبع فيه "المحرر" 7، وصحح في "الروضة": أنَّه يتخير المالك بينهما، وأخذ ذلك من حكاية الرافعي له عن العراقيين والروياني 8، وبه الفتوي كما في "المهمات".
1171 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (وإن اشترى للتجارة ما تجب الزكاة في عينه... إلى آخره) فيه أمور:
أحدها: هو مثل قول "الحاوي" [ص 214]: (وفي عين زكوية) وهو أعم وأحسن من قول
"المنهاج" [ص 171]: (ولو كان العَرْضُ سائمةً) لشموله ما لو كان العرض نباتاً، قال شيخنا ابن النقيب: وكذا فيما يظهر إذا كان نقداً ورأس المال العرض؛ كما إذا اشترى دنانير للتجارة بحنطة مثلاً، أما إذا اشترى نقدًا بنقد، فإن لم يكن للتجارة.. انقطع الحول، وإن كان للتجارة.. فالأصح: انقطاعه أيضاً 1.
ثانيها: صورة المسألة: أن يكمل نصابهما معًا، فإن كمل نصاب أحدهما فقط.. وجبت زكاته، صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 2.
ثالثها: جزم بتقديم ما سبق وقت وجوبه من زكاة العين والتجارة، وعلى ذلك مشى "الحاوي"، فقال [ص 214]: (غُلِّبَ ما تم نصابه أو تقدم حوله)، لكن الأصح: أن القولين في الأحوال كلها، وهي تقدم زكاة العين على التجارة، وعكسه، واتفاقهما، وعلى ذلك مشى "المنهاج" 3، وكان الموجب لجريانهما على هذا المرجوح أنا إذا قدمنا زكاة العين مع تأخرها.. فالأصح: وجوب زكاة التجارة؛ لتمام حولها، ثم يفتتح حولاً لزكاة العين أبداً، وقد ذكره "المنهاج"، فلم نُحْبط ما مضى من حول التجارة.
رابعها: لم يبين الأصح منهما، وهو: تقديم زكاة العين، وفي "المنهاج": إنَّه الجديد، وعليه مشى "الحاوي" 4.
خامسها: إذا قدمنا زكاة العين - وهو الأصح - وتقدم وقت وجوبها، فأخرج زكاة الثمرة مثلًا.. لم تسقط زكاة التجارة عن الشجر والأرض؛ لأنَّه لم يخرج عنهما زكاة عين، وإطلاق تقديم زكاة العين قد يوهم خلافه، وقد ذكره "الحاوي" 5، وهو وارد على "المنهاج" أيضاً؛ فإنَّه لم يذكره، فإن لم تبلغ قيمة الشجر والأرض نصاباً.. لم يضم المعشّر إليهما، كما صححه النووي 6.
1172 - قول "الحاوي" في زكاة مال القراض [ص 214]: (وتُحسَب من الربح) هذا إذا أخرجها من مال القراض، كما أوضحه "المنهاج" 7، فإن أخرجها من غيره.. فلا تحسب من الربح، والله أعلم.
بابُ زكاة الفطر
1173 - قول "المنهاج" [ص 172]: (تجب بأول ليلة العيد في الأظهر) مثل قول "الحاوي" [ص 223]: (تجب بغروب ليلة الفطر) وعبارة "التَّنبيه" [ص 60]: (إذا أدرك آخر جزء من رمضان وغربت الشَّمس)، وقال النسائي في "نكته": لم أفهم لاعتبار مجموع اللفظين معنى وإن تعرض في "الكفاية" له 1.
وقال في "المهمات": إنَّه المعروف؛ أي: إدراك الوقتين، قال: كذا جزم به أبو على الطبري في "الإفصاح" والماوردي والقاضي أبو الطَّيِّب وابن الرفعة في "الكفاية"، ونقلوه عن نص الشَّافعي، وجزم به صاحب "التَّنبيه"، فحكى عبارته 2.
قال النووي في "نكته": هذان شرطان للوجوب، وهو أن يدرك جزءًا من شهر رمضان، وجزءاً من أول شوال.
قال في "المهمات"، وذكر في "التتمة" مثله، فقال: فمن أدرك جزءًا من الزمان قبل الغروب، وجزءاً بعد الغروب.. لزمته الفطرة، وحكى في "المهمات" عن ابن عبدان: اعتبار آخر جزء من رمضان، وعن الإمام والغزالي: اعتبار أول جزء من شوال، قال: ويظهر أثرها فيما إذا قال لعبده: أنت حر مع أول جزء من ليلة العيد، أو مع آخر جزء من رمضان، أو قاله لزوجته.
انتهى 3.
1174 - قول "المنهاج" [ص 172]: (فيُخرج عمن مات بعد الغروب دون من وُلِدَ) فيه أمران:
أحدهما: في معنى موت المؤذى عنه بعد الغروب: زوال الملك عن العبد، وطلاق الزوجة بائناً وهي غير حامل، واستغناء القريب، وفي معنى ولادة القريب بعد الغروب: تجدد ملك عبد، ونكاح امرأة.
ثانيهما: محل الجزم: أن يكون موته بعد التمكن من الإخراج عنه، فلو مات بعد الغروب وقبل التمكن.. ففي "شرح المهذب" وجه بسقوط زكاته، لكنَّه صحح خلافه، بخلاف تلف المال المؤدى في الفطرة قبل التمكن من إخراجه؛ فإن الأصح في "شرح المهذب": السقوط؛ كزكاة المال 4.