كتابُ الرّضاع
4373 - قول "المنهاج" [ص 454]: (إنما يثبُتُ بلبنِ امرأةٍ حيَّةٍ بلغتْ تسع سنينَ) أي: حكم الرضاع، وهو تحريم النكاح وثبوت المحرمية المفيدة لجواز النظر والخلوة دون سائر أحكام النسب؛ كالميراث والنفقة والعتق بالملك وسقوط القصاص ورد الشهادة وغيرها، كذا في "الروضة" وأصلها هنا 1.
ويوافقه كلام ابن الرفعة؛ فإنه قال: إنما ذكر "التنبيه" تحريم النكاح وحل النظر والخلوة وإن علم مما سبق؛ ليفيد أنه لا يثبت به غير ذلك؛ كولاية النكاح والمال والإرث والنفقة وسائر الأحكام 2.
وفاتهم هنا أنه يثبت به عدم نقض الطهارة باللمس على الأظهر، نبه عليه شيخنا ابن النقيب 3، لكنه مستفاد من ذكر المحرمية وخرج بتعبيرهم بالمرأة: الرجل والبهيمة، فلو شرب من بهيمة صغيران .. لم يثبت بينهما أخوة؛ لأن الأخوة فرع الأمومة، فإذا لم يثبت الأصل .. لا يثبت الفرع، كذا علل به الرافعي 4.
وذكر في "المهمات" أنه صرح بعد ذلك بعكسه؛ حيث قال فيما لو كان له خمس مستولدات، فارتضع صبي من كل رضعة: فالأصح أنه يصير أبًا له، ويجوز أن تثبت الأبوة دون الأمومة كعكسه.
قلت: ولا تناقض بينهما؛ لأن المذكور أولًا: أن الأخوة لا تثبت بدون الأمومة، والمذكور ثانيًا: أن الأبوة تثبت بدون الأمومة.
4374 - قول "التنبيه" [ص 204]: (وإن حُلب منها في حياتها ثم سُقي الصبي بعد موتها .. حرم) و "الحاوي" [ص 539]: (حُلب حياتها) أحسن من قول "المنهاج" [ص 454]: (ولو حَلَبَت فأوجر بعد موتها .. حَرَّمَ في الأصح) لأنه لا يتناول ما إذا حلبه غيرها منها، وعبر في "الروضة" بـ (الصحيح المنصوص) 5.
الحديث: 4373 - الجزء: 2 - الصفحة: 855
4375 - قول "التنبيه" [ص 204]: (وإن ثار لها لبن من وطء من غير حمل .. ففيه قولان؛ أحدهما: يحرم، والثاني: لا يحرم) فيه أمور:
أحدها: أنه لا يتقيد ذلك بكونه من وطء، بل لو كانت بكرًا .. كان كذلك.
ثانيها: أن الأصح: التحريم، وهو داخل في إطلاق "المنهاج" و "الحاوي" المرأة 6.
ثالثها: عبر النووي في "التصحيح" عن الراجح بالصواب 7، فاقتضى إنكار مقابله، ويوافقه قول "الكفاية": لم أره فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب إلا ما حكاه مجلي وجهًا، وحكاه الرافعي في البكر 8.
وقال في "المطلب": الأشبه: أنه لم يقصد إجراء القولين مع مطلق التحريم، بل في تحريم خاص، وقوله: (أحدهما: يحرم) أي: على الواطئ، كما تحرم المرضعة على المنصوص، (والثاني: لا يحرم) أي: على الواطئ، وإن حرمت المرضعة؛ لانعدام أثر وطئه بالنسبة إلى النسب الذي هو متعلقه في حالة العمل والرضاع فرعه، ووجود اللبن الذي هو متعلق الأم في الرضاع، قال: وهذا لم يحضرني في "الكفاية" ومن العجيب اعتراض شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" على النووي في تعبيره في "تصحيحه" بالصواب: بأن في "التنبيه" قولين؛ فإن النووي يرد على "التنبيه" فكيف يرد بكلام "التنبيه" عليه؟ ! وإنما يحصل الرد عليه بكلام غير الشيخ، والله أعلم 9.
4376 - قولهما فيما لو جُبِّنَ اللبن: (حَرَّم) 10 قال في "الكفاية": يظهر تقييده بما إذا أُطعم من المختلط خمس دفعات.
قلت: هذا لا شك فيه، ولا يحتاج لتكرير ذكر الخمس عند كل صورة، وعبارة "الحاوي" صريحة في ذلك؛ حيث قال [ص 539]: (حصول لبن امرأة، وما حصل منه، خمسًا).
4377 - قول "المنهاج" [ص 454]: (ولو خُلِطَ بمائعٍ .. حَرَّمَ إن غَلَبَ) المراد بغلبته: ظهور إحدى صفاته من طعم أو لون أو رائحة، فلو لم يظهر شيء .. قدر مخالفًا في لون قوي، كذا استنبطه الحليمي، وعرضه على القفال الشاشي وابنه، فارتضياه، ثم وجده لابن سريج.
4378 - قوله - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن غُلِبَ وَشرِب الكلَّ، قيل: أو البعض .. حَرَّمَ
الحديث: 4375 - الجزء: 2 - الصفحة: 856
على الأظهر) 11 محل الخلاف في البعض: إذا لم يتحقق وصول اللبن إلى الجوف، كما صوره "التنبيه" بقوله [ص 204]: (وإن وقعت قطرة في حب ماء فأسقي الصبي بعضه .. لم يحرم) فإن تحققنا لانتشاره في الخليط لكثرته، أو كان الباقي أقل من اللبن .. حرم شرب البعض قطعًا، قاله الإِمام وغيره 12، لكن يشترط كون اللبن قدرًا يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد على الأصح عند السرخسي، حكاه عنه الرافعي، ولم يخالفه 13.
وذكر شيخنا الإِمام البلقيني: أن القولين في شرب الكل لا يعرفان في طريقة العراقيين ولا المراوزة، إلا في كلام البغوي وأبي الفرج الزاز والخوارزمي، قال: وكلام الشافعي في "الأم" و "المختصر" صريح في التحريم غالبًا كان أو مغلوبًا، وقد رد قول من فرق بين الغالب والمغلوب 14.
4379 - قول "التنبيه" [ص 204]: (وإن حقن .. ففيه قولان) الأظهر: أنه لا يحرم، كما ذكره "المنهاج" 15، وعليه مشى "الحاوي" 16، ويجريان في الوصول إلى المثانة بالتقطير في الإحليل وإلى الجوف من جرح في البطن.
نعم؛ لو وصل إلى المعدة من خرق في الأمعاء أو إلى الدماغ من مأمومة .. حرم قطعًا.
4380 - قولهم - والعبارة لـ "التنبيه" -: (فارتضع منها طفل له دون الحولين خمس رضعات) 17 قد يُفهم أنه لو تَمّ الحولان في الرضعة الأخيرة .. لا تحريم، والأصح: خلافه، لكن نص الشافعي رحمه الله في "الأم" يوافق الأول؛ حيث قال: وإذا لم تتم له الخامسة إلا بعد استكمال سنتين .. لم يحرم، حكاه شيخنا الإِمام البلقيني 18.
وابتداء هذين الحولين من انفصال الولد بتمامه كما قال الرافعي: إنه القياس، وجزم به في "أصل الروضة" 19، وقال الروياني: من ابتداء خروجه، وحكاه النووي في "نكت التنبيه" عن الصيمري، ولم يحك سواه، وحكى ابن كج فيه وجهين.
الحديث: 4379 - الجزء: 2 - الصفحة: 857
4381 - قول "التنبيه" [ص 204]: (وإن قطعت المرأة عليه .. لم يعتد بذلك رضعة، وقيل: يعتد به) الأصح: أنه يعتد به، ومفهوم قول "المنهاج" [ص 454]: (فإن قطع إعراضًا .. تعدد) موافقة الأول، فلو قامت لشغل خفيف ثم عادت .. اتحد جزمًا.
4382 - قوله - والعبارة له - "والحاوي": (أو للهوٍ وعاد في الحال .. فلا) 20 قيده في "الروضة" ببقاء الثدي في فيه، قال: بأن يلهو عن الامتصاص والثدي في فمه 21.
وقال في "المهمات": ليس ذلك بشرط؛ فقد قال الشافعي في "المختصر": فإن التقم الثدي فلهي قليلًا ثم أرسله ثم عاد إليه .. كانت رضعة واحدة 22.
4383 - قولهما أيضًا: (أو تحول من ثدي إلى ثدي) 23 محله: ما إذا كان ذلك من امرأة واحدة، فلو تحول من ثدي امرأة إلى ثدي امرأة أخرى .. فقد قال في "التنبيه" [ص 204]: (قيل: لا يعتد بواحدة منهما، وقيل: يحسب من كل واحدة منهما رضعة) والأصح: الثاني.
4384 - قوله: (وإن حلبت لبناً كثيرًا في دفعة وفرق في خمس أوان وأوجر الصبي في خمس دفعات .. ففيه قولان، أحدهما: أنها رضعة، والثاني: خمس رضعات) 24 الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" 25، ولم يتعرض هو ولا الرافعي لتفريقه في خمس أوان، والظاهر: أن ذلك مجرد تمثيل وتصوير.
4385 - قول "التنبيه" [ص 204]: (وإن حلبت خمس دفعات وخلطت وأوجر الصبي في دفعة واحدة .. فهو رضعة، وقيل: فيه قولان) الأصح: الأول، ومشى "المنهاج" على طريقة القولين، وصحح أولهما 26، ولم يتعرض هو ولا الرافعي للخلط، والظاهر أنه مثال كما تقدم.
4386 - قوله: (فيما لو شك هل رضع في حولين أم بعد؟ فلا تحريم، وفيه قول أو وجه) 27 رجح في "الشرح الصغير" أنه قول، فقال: قولان، ويقال: وجهان.
4387 - قول "التنبيه" [ص 204]: (وصارت المرأة أمًا له) بعد قوله: (صار ولدًا لها)،
الحديث: 4381 - الجزء: 2 - الصفحة: 858
وقوله: (وصار الرجل أبًا له) بعد قوله: (صار الطفل ولدًا له) يسأل عن فائدة ذكره مع كونه معلومًا من الأول.
وأجاب عنه في "الكفاية": بأنه يجوز أن يكون توطئة لذكر من ينتشر التحريم إليه.
قال في "التوشيح": وعندي في جوابه أن باب الرضاع حكم شرعي، فلا يلزم من صيرورة الرضيع ولدًا لها صيرورتها أمًّا له حكمًا، ولو لزم ذلك .. لما احتاج "المنهاج" وسائر الكتب بعد قولهم: (إن آباء المرضعة من نسب أو رضاع أجداد الرضيع) إلى قولهم: (وأمهاتها جداته، وأولادها إخوته وأخواته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وأبو ذي اللبن جده، وأخوه عمه وكذا الباقي) 28 واختصار التطويل الذي في "التنبيه" و "المنهاج" أنه ينتشر التحريم عن كل من المرضعة والفحل إلى أصوله وفروعه وحواشيه، وينتشر من الرضيع إلى فروعه فقط دون أصوله وحواشيه، وبذلك عبر ابن يونس في "النبيه"، وقول "المنهاج" [ص 454]: (وتسري الحرمة إلى أولاده) أي: أولاد الرضيع.
4388 - قوله: (ولو كان بدل المستولدات بناتٌ أو أخواتٌ .. فلا حرمة في الأصح) 29 عبر في "الروضة" بـ (المذهب) 30.
4389 - قول "التنبيه" [ص 204]: (وإن كان الحمل ثابت النسب من رجل .. صار الطفل ولدًا له) وقول "الحاوي" [ص 539]: (على من ينتسب إليه من دَرَّ عليه اللبن) أعم من قول "المنهاج" [ص 455]: (واللبن لمن نُسِبَ إليه ولدٌ نزل به بنكاحٍ أو وطء شبهةٍ) لتناولهما ملك اليمين، بخلاف "المنهاج".
ويرد عليهم جميعًا: أن النسب بالإمكان، ويشترط في حرمة الرضاع على الأب ثبوت الدخول كما صرح به ابن القاص، فقال: متى حل فرج .. لحق الولد بالأب لستة أشهر فصاعدًا وإن لم يعرف دخول، وليس كذلك الرضاع لا يُلحق الولد بالأب قبل الدخول.
وقال شيخنا الإِمام البلقيني: إنه مقتضى كلام الأصحاب، ثم حكى عن القاضي حسين: أنه لو نزل لها لبن قبل أن يصيبها .. ثبتت حرمة الرضاع في حقها دون الزوج، ولو كان بعد ما أصابها - أي: ولم تحبل - .. فالمذهب: ثبوته في حقها دونه، وقال في رواية حرملة: ثبتت في حقه أيضًا، والصحيح: الأول.
انتهى.
وهذا قدر زائد على الدخول، وقد تقدم أن صاحب "المطلب" حمل عليه القولين اللذين في
الحديث: 4388 - الجزء: 2 - الصفحة: 859
"التنبيه" فيما إذا ثار لها لبن من وطء من غير حمل.
4395 - قول "المنهاج" [ص 455]: (ولو نفاه بلعانٍ .. انتفى اللبن) قد يفهم أنه لو عاد واستلحق الولد .. لم يلحق الرضيع، وليس كذلك، قال الرافعي: ولم يذكروا هنا الوجهين المذكورين في نكاح التي نفاها, ولا تبعد التسوية 31.
قال شيخنا الإِمام البلقيني: قد ذكرهما أبو الفرج الزاز في "تعليقه"، ولكنه وهم؛ فإن الوجهين في المنفية شرطهما: ألاَّ يكون دخل بأمها، فلا بد من وجود الشرط هنا، ومتى وجد الشرط .. فلا تحريم في الرضاع؛ فإن شرط حرمة الرضاع: تحقق الإصابة في الزوجة بخلاف الولد نفسه، كما قدمناه عن ابن القاص، وهو مقتضى كلام غيره.
4391 - قول "التنبيه" [ص 205]: (وإن وطئ رجلان امرأة) أي: وطئا يلحق به النسب؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 455]: (ولو وُطِئت منكوحةٌ بشبهةٍ، أو وطئ اثنانِ بشبهة) ولا يخفى أن الاثنين مثال، وكذا في قول "الحاوي" [ص 539]: (وإن احتمل من اثنين).
4392 - قول "التنبيه" [ص 205]: (فإن مات المولود ولم يثبت نسبه .. ففي الرضيع قولان، أحدهما: أنه ابنهما، والثاني: أنه لا يكون ابن واحد منهما) الأصح: الثاني، والمراد: أنه ليس ابن واحد منهما على التعيين، بل ابن أحدهما مبهمًا كما قال البندنيجي.
4393 - قوله: (وهل للرضيع أن ينتسب إلى أحدهما؟ فيه قولان، أحدهما: ينتسب) 32 هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 539]: (ينتسب الرضيع إن أُيِسَ عن نسبه).
4394 - قوله: (وإن أراد أن يتزوج بنت أحدهما .. فقد قيل: لا يحل، وقيل: يحل) 33 الأصح: الأول، وهذا مفرع على المرجوح في المسألة قبلها، وهو عدم الانتساب، قاله النووي في "نكته"، والحق: أنه لا يختص به، بل يأتي على الأصح، وهو: جواز الانتساب إذا لم ينتسب.
4395 - قوله: (وإن كان لها لبن من زوج فتزوجت بآخر وحملت منه وزاد لبنها فأرضعت صبيًا .. ففيه قولان، أحدهما: أنه ولد الأول، والثاني: أنه ابنهما) 34 الأصح: الأول.
4396 - قوله: (وإن انقطع لبنها من الأول ثم حملت من الثاني وعاد لبنها وأرضعت صبيًا .. ففيه
الحديث: 4395 - الجزء: 2 - الصفحة: 860
ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ابن الأول، والثاني: أنه ابن الثاني، والثالث: أنه ابنهما) (1) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" وعبارته [ص 455]: (وقبلها - أي: قبل الولادة - للأول إن لم يدخل وقت ظهور لبن حمل الثاني، وكذا إن دخل، وفي قول: للثاني، وفي قول: لهما)، وقد عرفت من كلام "التنبيه" أن صورة هذه الأقوال: أن يكون انقطع لبنها من الأول، والمراد: الانقطاع مدة طويلة، أما إذا لم ينقطع - وهي المذكورة في "التنبيه" أولًا - أو انقطع قليلًا ثم عاد .. ففيها القولان اللذان في "التنبيه"، وزيادة قول ثالث، وهو: أنه إن زاد اللبن .. فلهما، وإلا .. فللأول، ولم يحتج "التنبيه" لذكر هذا الثالث المفصل؛ لأنه صور المسألة بزيادته، وعرفنا من "المنهاج" أن صورة "التنبيه": أن يكون زيادة اللبن أو حدوثه بعد دخول وقت ظهور لبن حمل الثاني.
واعلم: أن وطء الشبهة والملك كالنكاح فيما ذكرناه وإن توهم من التقييد بالزوج خلافه.
فصل [في فسخ النكاح بالرضاع]
4397 - قول "التنبيه" [ص 205]: (ومن أفسد على الزوج نكاح امرأة بالرضاع .. لزمه نصف مهر مثلها، وقيل: فيه قول آخر: أنه يلزمه مهر مثلها) فيه أمور:
أحدها: عبر ابن يونس في "النبيه" بالقطع بدل الإفساد، وعلله في "التنويه" بأن فيه إشارة إلى ارتفاع النكاح من حين الرضاع، بخلاف لفظ الفساد؛ فإنه يوهم فساده من أصله، وعبر "المنهاج" [ص 455]: بـ (انفساخ النكاح) و "الحاوي" [ص 540]: بـ (دفع النكاح).
ثانيها: لزوم النصف هو المنصوص المعتمد، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 36، ووقع في "الروضة" وأصلها في (الحج) في الكلام على فدية الأذى لزوم المهر 37، وهو وهم، أو محمول على إطلاق اسم الكل على البعض؛ لأنه ليس بصدد ذلك، وإنما ذكره للفرق بينه وبين مسألة أخرى لا يُغرم فيها شيء من المهر.
ثالثها: قوله: (وقيل: فيه قول آخر) يقتضي ترجيح القطع بالأول، وفي "المنهاج" [ص 455]: (وفي قولٍ: كُلُّهُ) فجزم بطريقة الخلاف.
رابعها: محل ذلك: في غير المدخول بها، فإن كانت مدخولًا بها .. لزمه جميع مهر المثل؛35
الحديث: 4397 - الجزء: 2 - الصفحة: 861
ولذلك قال "الحاوي" [ص 540]: (وجميعه للموطوءة)، وصور "المنهاج" المسألة أولًا بالصغيرة التي لا يتأتي الدخول بها، ثم قال في الكبيرة [ص 456]: (فإن كانت - أي: موطوءة - .. له على المرضعةِ مهرُ مثلٍ في الأظهر).
خامسها: تناول كلامهم جميعًا ما إذا كانت مكرهة على الإرضاع، وهو الذي حكى في "الروضة" وأصلها تصحيحه عن "البحر"، وأقراه 38، وصححه في "الكفاية"، لكن الأصح في (الجنايات) في الإكراه على الإتلاف وهذه من أفراده: أن للمالك مطالبة أيهما شاء، غير أنه إذا طولب المتلف .. رجع على الأمر، فإذا جمعنا بين الكلامين .. قلنا: اللزوم هنا ليس لزوم قرار بل طريق، والقرار على المكرِه بكسر الراء، والله أعلم.
4398 - قول "المنهاج" [ص 455]: (ولو رضعت من نائمةٍ .. فلا غُرمَ ولا مَهرَ للمُرتَضِعة) يخرج ما لو ارتضعت من مستيقظة ساكتة، لكن الأصح عند النووي: أنها كالنائمة؛ لعدم الفعل.
وقد يقال: إن قول "الحاوي" [ص 540]: (لا إن دبت الصغيرة) موافق له؛ لأنه يشمل ما لو دبت فرضعت من متيقظة ساكتة، لكن في "المهمات": أن تصحيح النووي هذا غلط؛ فقد جزم في صدر المسألة بأن التمكين من الرضاع كالإرضاع، قال: وهو الحق؛ فقد جعلوا مثل هذا تمكينًا منسوبًا إليه فيما إذا أتلف شخص وديعة تحت يده، أو صبّ في جوفه وهو صائم مفطرًا، أو حمله فدخل به الدار المحلوف عليها.
4399 - قول "المنهاج" [ص 456]: (ولو زوَّجَ أمَّ ولدِه عبدَهُ الصغيرَ فأرضعَتْهُ لبَنَ السيِّدَ .. حَرُمَت عليه وعلى السيدِ) هذا مفرع على مرجوح؛ لأن الأصح: أن السيد لا يجوز له إجبار عبده الصغير على النكاح، وقد ظهر بذلك أن ما حكاه المزني عن الشافعي رضي الله عنه من أنها لا تحرم عليه، وغلطه الأصحاب في نقله .. ليس بغلط، بل صحيح معتمد، وقد خرجه الشيخ أبو على بتخريجات، هذا أولاها، والله أعلم.
4400 - قوله: (ولو كان تحتهُ صغيرةٌ وكبيرةٌ فأرضعنهَا .. انفَسَخَنَا) 39 تقدمت هذه المسألة أول الفصل، وإنما ذكرت هناك لأجل الغرم، وهنا لتأييد التحريم وعدمه.
4401 - قول "التنبيه" [ص 205]: (وإن كان له امرأتان صغيرتان فأرضعت امرأة إحداهما بعد الأخرى .. ففيه قولان، أحدهما: ينفسخ نكاحهما، والثاني: ينفسخ نكاح الثانية) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" 40 و "الحاوي" بقوله [ص 540]: (ولزوجتيه كيف ارتضعتا) وهو
الحديث: 4398 - الجزء: 2 - الصفحة: 862
القديم، ومقابله الجديد، فهذه المسألة مما يُفتى فيه على القديم، وصورة المسألة: أن تكون المرضعة أجنبية، فإن كانت زوجة له .. ففيه تفصيل بسطه "المنهاج" (1).
فصل [في دعوى الرضاع وما يثبت به]
4402 - قول "المنهاج" [ص 457]: (قال: "هند بنتي" .. حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا) شرطه: ألا يكذبه الحس؛ كأن تكون أسنّ منه، كما قال في الإقرار بالنسب: (اشترط لصحته ألا يكذبه الحس) 42، وهذا وارد أيضًا على إطلاق "الحاوي" [ص 540]: (ولو بقوله) وهو واضح.
4453 - قول "المنهاج" [ص 457]: (وإن ادَّعى رَضَاعًا فَأَنْكَرَتِ .. انفسخ ولها المُسَمَّى إن وطئ، وإلا .. فنصفُهُ) له طريق إلى إسقاط ذلك؛ بأن يحلفها قبل الوطء، وكذا بعده إن نقص مهر المثل عن المسمى، فإن نكلت .. حلف ولزمه مهر المثل فقط إن وطئ، وإلا .. فلا شيء.
4404 - قول "الحاوي" [ص 540]: (وبقولها) محله: فيما إذا زوجت بغير رضاها؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 457]: (وإن ادعته فأنْكَرَ .. صُدَّق بيمينه إن زُوِّجت برضاها، وإلا .. فالأصحُّ: تصديقُهَا)، وكذلك ذكره "الحاوي" قبيل (الصداق) فقال [ص 476]: (ودعوى الراضية محرمية بلا عذر لا تقبل)، ولم يطلق الرافعي في "شرحيه" فيها تصحيحًا، بل نقل كلًا منهما عن جماعة 43.
والمراد بتزويجها برضاها: ما إذا أذنت لوليها في رجل بعينه، أما إذا أذنت في التزويج مطلقًا واكتفينا به ثم ادعت المحرمية .. فكالتي زوجت بغير رضاها، ومحل تصديقها فيما إذا زوجت بغير رضاها: إذا لم تمكنه، فإن مكنته .. فكتزويجها برضاها.
4405 - قول "الحاوي" [ص 540]: (المهر) أي: يدفع قولها: بيننا رضاع محرم المهر؛ أي: يسقطه، محله: في غير الموطوءة، وفيها بالنسبة إلى المسمى؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 457]: (ولها مهر المثل إن وطئ، وإلا .. فلا شيء) ثم فيه أمران:
أحدهما: أنه إنما يكون لها مهر المثل إذا دخل بها غير عالمة، فإن كانت عالمة .. فلا مهر لها كما سبق في النكاح.
ثانيهما: يستثنى من كونها لا تأخذ المسمى: ما إذا كان الزوج دفعه إليها .. فليس له طلب41
الحديث: 4402 - الجزء: 2 - الصفحة: 863
رده؛ لزعمه أنه لها، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 540]: (والمقبوض لا يسترد المنكر) قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه الخلاف فيما إذا أقر لغيره بمال وهو ينكره 44.
4406 - قول "المنهاج" [ص 457]: (ويثبت بشهادة أربع نسوة) قال المتوفي: هذا إذا تنازعا في الشرب من الثدي، فإن تنازعا في الشرب من ظرف .. لم تقبل النسوة المتمحضات.
نعم؛ يقبلن في أن اللبن الذي في الظرف لبن فلانة 45.
4407 - قول "المنهاج" [ص 457] و "الحاوي" [ص 540]: (ويثبت بشهادة المرضعة إن لم تطلب الأجرة) المراد: شهادتها مع غيرها لا وحدها.
4408 - قول "المنهاج" [ص 457]: (والأصح: أنه لا يكفي "بينهما رضاع مُحَرِّمٌ"، بل يجب ذكر وقتٍ وعددٍ، ووصولِ اللبن جوفَهُ) فيه أمور:
أحدها: جعل في "الروضة" هذا الكلام مسألتين:
الواحدة: أنه أطلق جماعة - منهم الإِمام - أن الشهادة المطلقة أن بينهما رضاعًا محرمًا أو حرمة الرضاع أو أخوّته أو بنوّته .. مقبولة، وقال الأكثرون: لا تقبل، بل يشترط التفصيل والتعرض للشرائط، وهو ظاهر النص، وصححه البغوي 46.
قال الرافعي: ويحسن أن يتوسط، فيقبل إطلاق فقيه يوثق بمعرفته دون غيره، وينزل الكلامان عليه، أو يخص الخلاف بغير الفقيه 47.
الأخرى: إذا شهد على فعل الرضاع والارتضاع .. لم يكف، وكذا في الإقرار، بل لا بدّ من التعرض للوقت والعدد؛ كخمس رضعات في الحولين 48.
وقال في "المطلب": لا يكفي على هذا كونه فقيهًا، بل لا بد مع فقهه من كونه على رأي القاضي، وكلاهما مقلد؛ فإن كانا مجتهدين .. ففيه نظر؛ لأنه قد يتغير اجتهاد أحدهما عند الشهادة، قال: ولذلك نظير ذكره ابن أبي الدم، فقال: لو شهد أن فلانًا يستحق على فلان كذا ولم يذكر مستنده في الاستحقاق .. ففي سماعه ثلاثة أوجه: أحدها: إن كان فقيهًا على مذهب القاضي .. سمعت، وإلا .. فلا؛ لاختلاف الناس في الأسباب الملزمة.
قلت: وكذا اعتبروا في قبول الإخبار عن نجاسة الماء أن يكون فقيهًا موافقًا.
ثانيها: أن اقتصاره على العدد يفهم أنه لا يشترط وصفها بالتفرق، وعبارة "البحر": خمس
الحديث: 4406 - الجزء: 2 - الصفحة: 864
رضعات متفرقات، قال الرافعي: وفي التعرض للرضعات ما يغني عن ذكر التفرق 49، ونازعه ابن الرفعة فقال: قد يكون أطلقها باعتبار المصة والمصتين، والمأخذ في الاشتراط كون ذلك مختلفًا فيه، قال: وينبغي أن يطرقه التفصيل بين أن يكون المطلق للرضعات فقيهًا أم لا.
ثالثها: عبارته تقتضي الجزم باشتراط وصول اللبن جوفه تفريعًا على اشتراط التفصيل، وليس كذلك، بل فيه وجهان، وقد صرح بذلك في "المحرر" فقال: (والأظهر: أنه يشترط ذكر وصول اللبن إلى الجوف) 50 فكان ينبغي لـ "المنهاج" أن يقول: (وكذا ذكر وصول اللبن إلى جوفه في الأصح).
رابعها: ذكر الرافعي قبل ذلك أن المرضعة إذا لم تدع الأجرة؛ فإن لم تتعرض لفعلها بأن شهدت بأخوة الرضاع بينهما أو على أنهما ارتضعا منها .. فيقبل.
انتهى 51.
ومقتضاه: قبول الشهادة المطلقة بذلك؛ ولعله محمول على التفصيل المذكور هنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 865