كتابُ النَّذْر
5824 - هو قربة كما صرح به الرافعي في تعليل منع نذر الكافر 1، وقبله المتولي والغزالي، وحكاه ابن أبي الدم عن جماعة، وقال: إنه القياس، وعليه يدل كلام النووي في "شرح المهذب" فيما إذا تلفظ بالنذر في الصلاة 2.
وفي "المهمات": أنه يعضده النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، والقياس، وهو أنه وسيلة إلى القربة، وللوسائل حكم المقاصد، وأيضًا فإنه يثاب عليه ثواب الواجب، كما قاله القاضي حسين، وهو يزيد على النفل بسبعين درجة كما في زوائد "الروضة" في (النكاح) عن حكاية الإمام 3، والنهي عنه محمول على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه جمعاً بين الأدلة.
انتهى.
وفي زيادة "الروضة" في آخر الباب: صح (أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن النذر) 4، وجزم في "شرح المهذب" بكراهته 5، وحكاه الشيخ أبو على السنجي عن نص الشافعي رضي الله عنه، كما نقله ابن أبي الدم، ثم اختار ابن أبي الدم أنه خلاف الأولى.
وفي "المطلب" في (الوكالة): أما كونه قربة .. فلا شك فيه إذا لم يكن معلقاً فإن كان معلقاً .. فلا نقول: إنه قربة، بل قد يقال: بالكراهة.
انتهى.
وهو مشعر بأنه لم يطلع في ذلك على نقل، وفي "الكفاية" هنا بعد نقله عن المتولي أن النذر قربة: ويمكن أن يتوسط فيقال: الذي دل عليه ظاهر الخبر كراهة نذر المجازاة، وأما نذر التبرر - وهو الذي لم يعلق على شيء - .. فيظهر أنه القربة، ثم قال: وفي "الحاوي": أن الحديث يدل على أن ما [يبتدئ به] 6 الشخص من البر أفضل مما يلتزمه بالنذر.
انتهى 7.
وحاصل ذلك أربعة أوجه، والله أعلم.
5825 - قول "التنبيه" [ص 84]: (لا يصح النذر إلا من مسلم بالغ عاقل) و"الحاوي" [ص
الحديث: 5824 - الجزء: 3 - الصفحة: 512
655]: (النذر: التزام مكلف مسلم) لا يرد عليه السكران كما أورده النووي في عدة أبواب؛ لما بينا من أنه مكلف، كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه، وقال في "الكفاية": إنه يشمل السفيه والمفلس والعبد، ولا يصح من السفيه بالمال.
قلت: كذا جزم به في "الروضة" هنا 8، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 655]: (فيصح من المحجور عليه نذر القرب البدنية)، والمراد: حجر السفه؛ بدليل ذكر المفلس بعده، لكن جزم في "الروضة" في (الحجر) بصحة نذر السفيه المال إذا كان في الذمة 9، ولا يصح النذر من المفلس في العين بناء على منع العتق منه وهو الأصح، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 655]: (ومن المفلس المالية في الذمة).
قال في "الكفاية": وأما العبد .. فينبغي أن يقال: نذره المال في الذمة كضمانه؛ أي: والأصح: أنه لا يصح بغير إذن السيد، وفي العين التي يملكها على القول القديم لاغ كالعتق وغيره، والأصح: انعقاد نذره للحج كالسفيه، وغير الحج يشبه أن يكون كالحج في انعقاد النذر به.
5826 - قول "التنبيه" [ص 85]: (ومن نذر شيئاً على وجه اللجاج؛ بأن قال: "إن كلمت فلاناً .. فعليّ كذا " .. فهو بالخيار عند وجود الشرط ببن الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين) كذا صححه النووي في كتبه 10، وصحح الرافعي في "المحرر": أنه يجب فيه كفارة يمين 11، ونقل تصحيحه في "الشرح الكبير" عن البغوي وإبراهيم المروذي والموفق بن طاهر وغيرهم 12، وفي "الشرح الصغير" صححه كثير من المعتبرين، وعليه مشى "الحاوي" فقال في (الأيمان) عطفاً على تفسير اليمين بأنها تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله: (وتعليق التزام قربة، ونذر، وكفارة بفعله وتركه) 13.
فإن قلت: هذا التفسير يصدق على نذر المجازاة، وقد ذكره "الحاوي" في (النذر) بقوله [ص 655]: (ومعلقاً بمقصود).
قلت: الفرق بينهما: أنه في نذر المجازاة يرغب في السبب كشفاء المريض بالتزام المسبب، وهو القربة الملتزمة، وفي نذر اللجاج يرغب عن السبب، فكأن السبب في المجازاة ليس من
الحديث: 5826 - الجزء: 3 - الصفحة: 513
فعله؛ ولهذا قال فيه: (بمقصود) أي: بأمر يقصد حصوله ولا قدرة له عليه، وفي اللجاج من فعله؟ ولهذا قال فيه: (بفعله وتركه)، واستدرك "المنهاج" على "المحرر" فقال: (إن التخيير أظهر، ورجحه العراقيون) 14، وعبارة الرافعي: إيراد العراقيين يقتضي أنه المذهب 15.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي صححه في "المحرر" هو الذي أفتى به الشافعي والصحابة قبله والتابعون، ورجحه جمع كثير من أصحابه منهم الفوراني والإمام والبغوي والخوارزمي والمروذي والموفق بن طاهر وغيرهم، وهو المعتمد عندنا في الفتوى، قال: ولم أجد القول الثالث - وهو التخيير - في منصوصاته، وقد يستشعر من بعض كلامه.
انتهى.
وهنا تنبيهان:
أحدهما: أن مقتضى قول "المنهاج" [ص 553]: (فلله على عتق أو صوم) أن اللجاج لا بد فيه من التزام قربة، وبه صرح "المحرر" و"الحاوي" 16، لكن الصحيح في "أصل الروضة" فيما لو قال: (إن دخلت الدار .. فلله علي أن آكل الخبز) .. أنه من صور اللجاج، وأنه يلزمه كفارة يمين 17، وسيأتي نظير ذلك في قول "المنهاج" [ص 553]: (ولو نذر فعل مباح أو تركه .. لم يلزمه، لكن إن خالف .. لزمه كفارة يمين على المرجح).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": التزام المباح في نذر اللجاج الأصح عندنا: أنه لا ينعقد، وظاهر كلام "الروضة" هنا انعقاده، وإذا قلنا: ينعقد يمينا .. فمقتضاه: أنه لا تلزمه الكفارة إلا بترك أكل الخبز بحيث يحنث، وقد ألزمه بالكفارة بمجرد الدخول، وهذا يلائم ما ذكره عن القاضي حسين في تعليقه الكفارة في نذر المباح على اللفظ من غير حنث، وقد ذكر المصنف هناك تبعاً للرافعي: أنه لا يتحقق ثبوته، وقضية هذا: أنه إذا أكل الخبز .. فلا كفارة عليه، وإلا .. فعليه كفارة.
ثانيهما: مقتضى عبارة "المنهاج" و "الحاوي" تعين كفارة يمين على ذلك القول، وحكى الرافعي عن "شرح مختصر الجويني" وجهين فيما لو وفى بما التزمه .. هل تسقط الكفارة؟ وقال: الظاهر: المنع 18.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا الخلاف الذي ذكره لا يعرف، ولكنه يخرج مما نقله في "الكفاية" عن "النهاية"، ولم أجده فيها.
الجزء: 3 - الصفحة: 514
نعم؛ في "التتمة": الجزم بأنه لا يجزئه الوفاء بما التزمه على هذا القول، وفي "التهذيب" و"التتمة": أنا إذا قلنا: عليه كفارة يمين، وكان العبد الملتزم عتقه معيباً أو كافراً .. لا يجزئ على هذا القول 19، قال شيخنا: وعندي أن هذا خروج عن المعنى المقتضي لإيجاب الكفارة؛ فإن المعنى في ذلك: التخفيف عن المكلفين، فإن غلّظ المكلف على نفسه بإخراج ماله كله الذي هو مئة ألف مثلًا .. فالمصير إلى أن هذا لا يجزئ، ولا بد من كفارة يمين، ومن جملته إطعام عشرة مساكين خرق عظيم.
فإن قيل: ينعكس هذا بأن يكون الملتزَم فلساً فتكون الكفارة أعظم منه.
قلنا: ليس هذا بالغالب في نذر اللجاج.
فإن قيل: هذا يؤول إلى التخيير فيتحد القولان.
قلنا: ذكر الماوردي: أن الأصحاب اختلفوا على قول التخيير على وجهين: أحدهما: أن الواجب عليه أحدهما، وهما في الواجب سواء.
والثاني: أن الواجب عليه كفارة وله إسقاطها بالنذر؛ لأن حكم اليمين أغلب وهي بالله تعالى أغلظ، وإن كان الوفاء بالنذر أفضل 20.
فقد أثبت المارودي على التخيير وجهان: أن الواجب الكفارة وله إسقاطها بالنذر، وأن الوفاء أفضل وهو نفس ما جزمنا به على قول التزام الكفارة، لكن قيدنا الأفضلية بأن يكون الملتزم أكثر من الكفارة، وصار معنى الخلاف: أن الواجب الكفارة عيناً، وله أن يسقطها بالقيام بما التزم، أو الواجب أحد الأمرين، واشترط ابن يونس في "شرح التنبيه" في الوفاء بالملتزم: ألاَّ ينقص عن قيمة الكفارة، والمعتمد: جوازه وإن نقص.
انتهى.
وانتقد شيخنا أيضاً قول "المنهاج" [ص 553]: (ورجحه العراقيون) بأنهم لم يرجحوه على قول الكفارة، بل رجحوه على قول لزوم الوفاء؛ فإنهم لم يذكروا قول الكفارة بمعنى أنه لا يجزئ الملتزم، وإنما ذكروه جازمين عليه بأن له إسقاطها بالملتزم.
5827 - قول "المنهاج" [ص 553]: (ولو قال: "إن دخلت .. فعلي كفارة يمين أو نذر " .. لزمته كفارة بالدخول) حكى في "أصل الروضة" عن القاضي حسين وغيره في قوله: (إن دخلت .. فعلي نذر): أن هذا تفريع على قولنا في نذر اللجاج: يجب الكفارة، فإن أوجبنا الوفاء .. لزمته قربة من القرب، والتعيين إليه، وليكن ما يعينه مما يلتزم بالنذر، وعلى قول
الحديث: 5827 - الجزء: 3 - الصفحة: 515
التخيير .. يتخير بين ما ذكرناه وبين الكفارة.
انتهى 21.
ومقتضاه: أن ما ذكره "المنهاج" لا يجزئ على ما رجحه من التخيير، لكن جزم الماوردي في هذه الصورة بتعين الكفارة تغليباً لحكم اليمين على النذر؛ لأن كفارة اليمين معلومة وموجب النذر المطلق مجهول؛ فلم يجز التخيير بين معلوم ومجهول 22، ومنع ذلك شيخنا في "تصحيح المنهاج" فإنه ينزل على قربة من القرب التي تلزم بالنذر والتعيين إلى الناذر.
وقال في حواشي "الروضة": لو كان ذلك في نذر التبرر؛ بأن قال: (إن شفى الله مريضي .. فلله عليّ نذر) .. لزمه قربة من القرب والتعيين إليه، ولو قال ابتداء من غير تعليق بشيء: (لله عليّ نذر) .. جاء فيه البطلان والصحة، وهو الأصح، ويكون اللازم بخيرته، وفي "مختصر البويطي": من قال: (لله عليّ نذر) ولم يسم له مخرجاً ولم يقل: إن فعلت أو لم أفعل .. فلا كفارة عليه؛ لأن النذر لا يكون أكثر من قوله: والله، ولو قال رجل: والله .. ما كان عليه شيء.
انتهى.
5828 - قولهم - والعبارة لـ "التنبيه" -: (ومن علق النذر على أمر يطلبه؛ كشفاء المريض وقدوم الغائب .. لزمه الوفاء به عند وجود الشرط) 23 استثنى منه شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما إذا نذر في حال إطلاق تصرفه نذراً مالياً، ثم حجر عليه بالسفه .. فالأقيس: أنه لا يتعلق بماله، ولا يلزم بعد رشده، ويحتمل أن يتعلق بماله؛ لأنه صدر الالتزام في حال إطلاق تصرفه، قال: وهذا بخلاف ما إذا علق الرشيد عتق عبده على صفة ثم حجر عليه بالسفه ثم وجدت الصفة .. فإنه ينفذ؛ لقوة العتق.
انتهى.
ولا يلزم من اللزوم عند الشرط انتفاء الإجزاء قبله، والذي في "أصل الروضة": أنه يجوز تقديمه عليه إن كان مالياً، وفي "فتاوى القفال" ما ينازع فيه 24، لكن المصحح فيها في (باب تعجيل الزكاة): المنع، وعبارة "المنهاج" ظاهرة في أن نذر التبرر قسمان: ما علق على شيء، وما لم يعلق على شيء، وسمى الرافعي وغيره الأول نذر المجازاة 25، وسمى "الكفاية" الأول نذر المجازاة، والثاني نذر التبرر.
5829 - قول "المنهاج" [ص 553]: (وإن لم يعلقه بشيء؛ "لله علىّ صوم " .. لزمه في الأظهر) قد يفهم أنه لا يلزم بدون قوله: (لله)، وليس كذلك؛ ولهذا صرح "التنبيه"
الحديث: 5828 - الجزء: 3 - الصفحة: 516
و"الحاوي" في الذي لم يعلق بشيء بالتصويرين معاً؛ أعني: قوله: (لله) ودونها 26، وكان "المنهاج" اكتفى بذكرهما في صورة نذر المجازاة.
واعلم: أنه لو شُفي مريضه فقال: لله عليّ عتق رقبة لهذه النعمة .. لزمه الوفاء بالنذر قولاً واحداً كما لو علق بشفاء المريض وإن لم يوجد تعليق، ذكره القاضي حسين في "تعليقه" في آخر (الأيمان)، وحكاه عنه في "الكفاية".
قال شيخنا في "تصحيج المنهاج": وكأنه نظر إلى أن هذا جزاء شكر النعمة، فأنزله منزلة المجازاة المعلقة قبل الحصول، وهذا كلام حسن معتمد.
انتهى.
5830 - قول "المنهاج" [ص 553]: (ولا يصح نذر معصية) أورد عليه في "التوشيح": أن الرافعي حكى عن "التتمة": أنه لو نذر إعتاق العبد المرهون .. ينعقد نذره إن قلنا: ينفذ عتقه في الحال أو عند أداء المال، وذكروا في "الرهن": أن الإقدام على عتق المرهون لا يجوز، قال: فإن تم الكلامان .. كان نذراً في معصية منعقداً.
5831 - قول "التنبيه" [ص 84]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 655]: (ولا يصح النذر إلا في قربة) قيده "المنهاج" بألاَّ تكون واجبة 27، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله في واجب العين على طريق التخصيص، فأما واجب الكفاية الذي يحتاج في أدائه إلى بذل مال ومقاساة مشقة؛ كالجهاد وتجهيز الموتى .. فإنه لازم كما في "أصل الروضة " عن الإمام، فإن لم يحتج إلى بذل مال ولا كثير مشقة؛ كصلاة الجنازة .. فالأصح: لزومه بالنذر أيضًا 28، وأما واجب العين على طريق العموم كما إذا نذر الوضوء لكل صلاة؛ فإذا توضأ لصلاة عند حدث .. خرج به عن واجبي الشرع والنذر كما جزم به في "أصل الروضة" 29.
5832 - قول "المنهاج" [ص 553]: (ولو نذر فعل مباح أو تركه .. لم يلزمه، لكن إن خالف .. لزمه كفارة يمين على المرجح) تبع فيه قول "المحرر": (على ما رجح من المذهب) 30، لكن كلام "أصل الروضة" يقتضي عدم اللزوم، فإنه قال: فيه ما سبق من نذر المعاصي والفرض 31، والذي سبقه في نذر المعاصي: أنه لا كفارة فيها على المذهب، وبه قطع الجمهور، وفي نذر الفرض: أن فيه ما سبق في المعصية، وادعى صاحب "التهذيب" أن الظاهر
الحديث: 5830 - الجزء: 3 - الصفحة: 517
وجوبها، وحكى لزوم كفارة اليمين في نذر المباح عن البغوي، ولم يعترضه 32.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو ممنوع؛ فقد نص في "الأم" و "المختصر" على أنه لا شيء عليه، وذلك في قوله: إن شفا الله فلاناً .. فلله عليّ أن أمشي، وهو الأرجح؛ لأن القسم بالله ليس موجوداً فيه، ولم يرد فيه نص بخصوصه يوجب الكفارة كما في التحريم، والخبر في كفارة النذر محمول على نذر منعقد، وهو نذر اللجاج؛ وذلك للتخفيف.
5833 - قوله: (ولو نذر صوم أيام .. نُدب تعجيلها) 33 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله ما لم يكن عليه صوم كفارة سبقت النذر وهي على التراخي .. فإنه يندب تعجيل الكفارة، وتقدم على النذر، فإن كانت الكفارة على الفور .. وجب تعجيلها.
5834 - قوله: (فإن قيد بتفريق .. وجب) 34، و"الحاوي" [ص 655]: (وصوم شهر متفرقاً) صحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" تبعاً للإمام والغزالي: أنه لا يجب 35؛ لأن التتابع أفضل وأغلظ، ثم ذكر أنه لو نذر التفريق الذي ندب إليه النبي صلى الله عليه وسلم بيوم ويوم .. ففي وجوبه احتمال، ولو قيل به .. لكان قوياً؛ لأنه نذر ما هو مندوب إليه شرعاً، بخلاف مطلق التفريق؛ فإنه غير مقصود في نفسه.
5835 - قول "التنبيه" فيما لو نذر صوم سنة بعينها [ص 85]: (وإن كانت امرأة فحاضت .. قضت أيام الحيض في أصح القولين) كذا صححه في "المحرر" 36، لكنه في "الشرح الكبير" لم يحك تصحيحه إلا عن البغوي خاصة، وحكى تصحيح عدم الوجوب عن أبي على الطبري وابن القطان والروياني، وأن ابن كج نسبه إلى الجمهور 37، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأظهر عند الأكثرين، وصححه في "أصل الروضة" 38 فلذلك استدركه في "المنهاج" فقال [ص 554]: (الأظهر: لا يجب، وبه قطع الجمهور).
ولا يلزم من عزو ابن كج والرافعي ذلك إلى الجمهور قطعهم به، وقال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": إن الذي في "الروضة" غلط سببه انعكاس كلام الرافعي عليه، قال: وقد أوضحته في "المهمات"، ولم يذكر ذلك في "المهمات" ولعله كان ظهر له ذلك ثم غيره؛ ولهذا قال في
الحديث: 5833 - الجزء: 3 - الصفحة: 518
"المهمات": وغالب نسخ "الرافعي الكبير" في هذه المسألة سقيمة حصل فيها إسقاط من النساخ، وقد أصلحت ما وقع لي منها، وصحح شيخنا في "تصحيح المنهاج": القضاء تنزيلًا للنذر منزلة واجب الشرع، وهو صوم رمضان، وقال: إنه المعتمد، ونازع في نقل مقابله عن الجمهور، وقال: لم نجده لأحد من العراقيين في ذلك تصحيحاً إلا لـ"التنبيه" والبندنيجي، ولا من المراوزة إلا البغوي، وصحح هؤلاء الوجوب، وهم مقابلون للثلاثة الذين حكى الرافعي عنهم عدم إيجاب القضاء، وهنا أمور:
أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه لم يقف على القولين، ولا على واحد منهما، والظاهر أنهما مخرجان من القولين في صورة الأثانين في العيدين والتشريق، فيكونان وجهين لا قولين.
ثانيها: أن محل الخلاف فيما أفطرته بالحيض في غير رمضان، فإن كان في رمضان .. لم تقضه إلا عن رمضان فقط، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن "التنبيه" احترز عن ذلك بقوله: (وإن كانت امرأة فحاضت .. قضت أيام الحيض الواقعة في غير رمضان) ولم أقف على هذه الزيادة في "التنبيه".
ثالثها: القياس: أن النفاس والإغماء في ذلك كالحيض، بخلاف الجنون؛ فلا يقضي ما فاته به في صورة النذر كرمضان، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: لم أر من تعرض لذلك 39.
5836 - قول "المنهاج" [ص 554]: (وإن أفطر يوماً بلا عذر .. وجب قضاؤه) مفهومه: أنه إن أفطر بعذر .. لم يجب قضاؤه، ويستثنى منه: إفطاره بالسفر؛ فيجب قضاؤه على المذهب، فإن أفطر بالمرض .. ففي "أصل الروضة": أن فيه الخلاف المتقدم في الإفطار بالحيض، ورجح ابن كج: وجوب القضاء؛ لأنه لا يصح أن تنذر صوم أيام الحيض، ويصح أن تنذر صوم أيام المرض 40.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ومقتضاه: أن الأصح عنده: أنه لا يجب القضاء، وليس كذلك، بل الأصح: وجوب القضاء كما صححناه في (الحيض)، وأولى، وفي "شرح الرافعي": ويشبه أن يرجح وجوب القضاء في المرض في صورة سنة معينة، ذكر ذلك في صوم الأثانين 41.
الحديث: 5836 - الجزء: 3 - الصفحة: 519
5837 - قوله: (ولا يجب استئناف سنة) 42 صوابه: ولا يجب استئناف ما مضى.
5838 - قوله: (فإن شرط التتابع .. وجب في الأصح) 43 أي: استئناف سنة مع احتمال عود الضمير إلى التتابع، ويكون معناه: وجب التتابع في القضاء، كذا قاله الشيخ أبو حامد، وقال القفال: لا يجب التتابع، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه أرجح؛ لأن التتابع في المعية من ضرورة الواقع، فإذا شرطه .. لم يفد في أصل المنذور شيئاً.
5839 - قوله: (أو غير معينة وشرط التتابع .. وجب.
ولا يقطعه صوم رمضان عن فرضه وفطر العيد والتشريق، ويقضيها تباعاً متصلة بآخر السنة، ولا يقطعه حيض، وفي قضائه القولان) 44، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": القطع بإيجاب قضاء رمضان والعيد والتشريق وحكاية القولين في الحيض لا يستقيم؛ فإن أيام الحيض أولى بوجوب القضاء؛ فإنه يمكنه خلو السنة عنها ولا يمكن خلوها عن رمضان والعيد والتشريق، قال: ولم يقل بذلك أحد من الأصحاب إلا البغوي والخوارزمي والرافعي والنووي 45، إلا أن منهم من لا يذكر أيام الحيض؛ لفهمها من طريق الأولى، ومنهم من يذكرها كصاحب "البيان" 46.
5840 - قوله: (أو يوم الاثنين أبداً .. لم يقض أثاني رمضان) 47 أي: الأربعة، فلو وقع فيه خمسة أثانين .. ففي قضاء الخامس القولان الآتيان في العي؛ لأن الخامس قد يقع وقد لا يقع كالعيد.
5841 - قوله: (وكذا العيد والتشريق في الأظهر) 48 صحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" تبعاً للشيخ أبي حامد وأتباعه مقابله، ويوافقه "تصحيح التنبيه" فيما لو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فوافق العيد 49، وسيأتي.
5842 - قول "المنهاج" [ص 554]: (فلو لزمه صوم شهرين تباعاً لكفارة .. صامهما، ويقضي أثانيهما) يتناول ما إذا سبقت الكفارة النذر، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 655]: (وفي الصوم المعين قضى ما يقع عنه كأثانين الكفارة) لكن استدرك "المنهاج" من زيادته فقال بعد قوله: (وفي
الحديث: 5837 - الجزء: 3 - الصفحة: 520
قول: لا يقضي إن سبقت الكفارة النذر): (ذا القول أظهر) 50 وكذا صححه في "الروضة" من زيادته أيضاً 51، ونازعه شيخنا في "تصحيح المنهاج" في ذلك، وقال: الأظهر المعتمد في المذهب: الوجوب، ثم بسط ذلك، وكذا قال في "المهمات": إن الصواب: الوجوب؛ فإن الربيع قد نقله عن النص، لكن يشكل عليه ما لو نذر صوم الدهر وكان عليه كفارة حين النذر؛ فإن زمانها مستثنى، كما قاله الرافعي 52، وقياس ما قاله في الأثانين: أن يفدي عن النذر كما لو لزمت الكفارة بعد أن نذر.
انتهى.
ورجح في "الروضة" و"الشرحين" أن الخلاف وجهان، ولفظهما: وجهان، ويقال: قولان 53.
5843 - قول "المنهاج" [ص 554]: (أو يوماً من أسبوع ثم نسيه .. صام آخره وهو الجمعة) صريح في أن أوله السبت، وكذا في "الروضة" وأصلها هنا 54، لكن في "شرح المهذب"في (صوم التطوع): أنه سُمي يوم الإثنين؛ لأنه ثاني الأيام، والخميس؛ لأنه خامس الأسبوع 55، ومقتضاه: أن أوله الأحد، والصواب الأول؛ لحديث أبي هريرة في "صحيح مسلم": "خلق الله التربة يوم السبت" 56.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا في الذين عُرفهم أن الأسبوع أوله السبت، فأما قوم عُرفهم أن أوله الأحد .. فيجوز أن يكون نذر صوم يوم السبت، فإذا صام الجمعة .. لا يكون أداء؛ لأنه ليس المنذور، ولا قضاءً؛ لأن آخر الأسبوع عنده السبت.
5844 - قوله: (ومن شرع في صوم نفل فنذر إتمامه .. لزمه على الصحيح) 57 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله فيما إذا نوى من الليل، فإن نوى في النهار قبل الزوال .. لم يلزمه الوفاء على الصحيح؛ لأنه إذا لم ينو في الليل .. فقد انعقد صومه بنية في النهار على صفة لا يقع مثلها في الواجب، فتعذر الوجوب فيها، وعبارة "المحرر" تفهمه؛ لقوله: (من أصبح صائماً عن تطوع) 58، وهذا كما يقول في الصبي إذا بلغ في نهار رمضان وهو صائم: إنما يجزئه إذا كان
الحديث: 5843 - الجزء: 3 - الصفحة: 521
قد نوى من الليل، قال: فإن قيل: ففي "الوجيز": لو نذر من نوى نهاراً صوم تطوع أن يتم ذلك اليوم .. لزمه 59.
قلنا: هذا الذي وقع في "الوجيز" ليس في "الوسيط" و"البسيط" و"النهاية"، وهو يوافق رأي من لا يوجب تبييت النية في صوم النذر.
انتهى.
قلت: وتبع "الوجيز" في ذلك "الحاوي" فقال [ص 655]: (وإتمام ما نوى نهاراً) وقال شارحه القونوي: وليس ذلك صوم بعض يوم؛ لأن المذهب: أن الناوي من النهار صائم من أوله.
5845 - قول "التنبيه" [ص 85]: (وإن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان .. لم يصح نذره في أحد القولين، ويصح في الآخر) الأظهر: الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 60، ثم مقتضى تقسيم "المنهاج" أحوال المسألة: أنه لا يتأتى صيامه أداء، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 656]: (ويوم يقدم زيد .. صامه بعلامة) وهو معنى قول "التنبيه" [ص 85، 86]: (فإن قدم في أثناء النهار .. نوى صومه، ويجزئه) ومراده: أنه أعلم ليلاً بقدومه نهاراً، فنوى صومه ليلاً اعتماداً على ذلك الإعلام.
وقال النشائي في "نكته": التصوير فيما إذا كان متطوعاً أو ممسكاً قبل الزوال، والمنقول: وجوب صوم يوم آخر إن قلنا: يلزمه الصوم من أول اليوم، وإن قلنا: من وقت القدوم .. فكذلك في الأصح في "التهذيب" و"الشرح الصغير"، فما في "التنبيه" ضعيف على الضعيف.
انتهى 61.
وتبعه في "التوشيح"، وكذا ذكر شيخنا الإسنوي مثل هذا الاعتراض في "التنقيح"، واستدركه في "تصحيحه" على "التنبيه" 62، وقد عرفت أن عبارة "التنبيه" مأوّلة بما تقدم، والله أعلم.
5846 - قول "التنبيه" [ص 86]: (وإن وافق العيد .. قضاه في أصح القولين) الأظهر: أنه لا يقضيه، وبه جزم "المنهاج" 63، واستغرب شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" ما في "التنبيه"، وقال: هو غير معروف، والمعروف أن القولين إنما هما فيما إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبداً، فقدم يوم الاثنين مثلاً، فإذا وافق بعد ذلك عيداً .. ففي لزوم القضاء قولان.
الحديث: 5845 - الجزء: 3 - الصفحة: 522
5847 - قول "الحاوي" [ص 656]: (واعتكف ما بقيَ) أي إذا نذر أن يعتكف يوم قدوم زيد فقدم نهاراً، ومقتضاه: أنه لا يلزمه قضاء ما مضى، لكن الأصح في الرافعي في (الاعتكاف): وجوبه (1)، وهو مقتضى بنائه هنا وجوب القضاء على أن مقتضى نذره صوم يوم يقدم زيد: لزوم الصوم من أول اليوم، وهو الأصح.
فصلٌ [في نذر المشي إلى مكة أو الحج والعمرة وما يتعلق به]
5848 - قول "التنبيه" [ص 85]: (ومن نذر المضي إلى مكة أو إلى الكعبة .. لزمه قصدها لحج أو عمرة) لا يختص ذلك بهما؛ فجميع بقاع الحرم ولو دار أبي جهل حكمه كذلك؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 656]: (وإتيان شيء من الحرم يوجب الحج أو العمرة) وتناولت عبارتهما ما لو زاد فقال: لا حاجاً ولا معتمراً، وهو الأصح في زيادة "الروضة" و"شرح المهذب" 65.
لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأصح عندنا أنه لا ينعقد نذره؛ لأنه صرح بما ينافي نذره، فأبطل نذره، ولو نذر إتيان عرفات وأراد به التزام الحج أو إتيانها محرمًا .. لزمه الحج، وإلا .. لم ينعقد، وقيل: إن نذر إتيانها يوم عرفة .. لزمه الحج، وخرج شيخنا في "تصحيح المنهاج" على ذلك ما لو نذر إتيان الجحفة أو ذي الحليفة وأراد التزام الحج أو العمرة أو إتيانه محرماً .. انعقد نذره، قال: وقياسه: إذا قال المكي: لله عليّ الخروج إلى التنعيم أو نحوه، ونوى الإحرام بعمرة من ذلك الموضع .. لزمه.
5849 - قول "المنهاج" [ص 555]: (نذر المشي إلى بيت الله تعالى أو إتيانه .. فالمذهب: وجوب إتيانه بحج أو عمرة) مخالف للأصح في "الروضة": أنه لا ينعقد نذره، إلا أن يصف بيت الله تعالى بأنه الحرام أو ينويه 66، وعليه مشى "التنبيه" فقال [ص 85]: (وإن نذر المشي إلى بيت الله تعالى ولم يقل: الحرام .. لم يلزمه المشي على ظاهر المذهب)، و"الحاوي" فقال عطفاً على المنفي [ص 655]: (وإتيان بيت الله)، ونص عليه في "الأم" فقال: (وإذا نذر أن يمشي إلى بيت الله ولا نية له .. فالاختيار أن يمشي إلى بيت الله الحرام، ولا يجب ذلك عليه إلا بأن ينويه؛ لأن المساجد بيوت الله تعالى) 67.64
الحديث: 5847 - الجزء: 3 - الصفحة: 523
فيحمل إطلاق "المختصر" عليه، كما حكاه الشيخ أبو حامد عن الأكثرين، وينبغي أن يصنع ذلك في عبارة "المنهاج"، فتحمل على ما إذا صرح بأنه الحرام أو نواه؛ ويدل لذلك تعبيره فيها بالمذهب؛ فإن هذه الصورة هي ذات الطريقين: المذهب: الوجوب، وقيل: قولان، أما إذا لم يصرح بذلك ولا نواه .. فعبارة "الروضة": فيها وجهان أو قولان 68، وعلى ذلك حملها شيخنا ابن النقيب، فقال: المراد والله أعلم: إذا قال: بيت الله الحرام أو نواه 69.
وعليه مشى في "التوشيح"، فقال: لم يتكلما في "المحرر" و"المنهاج" إلا في صورة التقييد بالحرام، وإلا .. يلزم إهمالهما من هذين الكتابين أشهر الصورتين، وهو بعيد؛ فكيف يحمل الأمر عليه ثم يدعي عليهما التناقض وعلى النووي الغفلة في تقرير "التنبيه" على ذلك؟ ! ومما يدل على ذلك تعبيره في "المنهاج" بالمذهب؛ فاقتضى أن الخلاف طريقان، وإنما هو طريقان في صورة وصفه بالحرام.
انتهى.
وفي "أصل الروضة" عن "التتمة": أنه لو قال: أمشي ونوى بقلبه حاجاً أو معتمراً .. انعقد النذر على ما نوى، وإن نوى إلى بيت الله الحرام .. جعل ما نواه كانه تلفظ به 70.
واعلم: أن شيخنا في "تصحيح المنهاج" قال: إن محل ما ذكروه: ما إذا كان الناذر خارج الحرم، فإن كان داخله .. لم يلزمه إتيانه بحج ولا عمرة، ويكون كنذر إتيان مسجد المدينة أو الأقصى حتى يكون الأظهر: أنه لا يلزمه إتيانه مطلقاً، فلو كان في نفس المسجد الحرام ونذر إتيانه .. لغى نذره، إلا أن يريد: بعد ما يخرج منه، قال: ويحتمل عند الإطلاق الصحة وحمله على إتيانه بعد الخروج منه، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وهو من النفائس.
5850 - قول "التنبيه" [ص 85]: (وإن نذر المشي إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى المسجد الأقصى .. لزمه ذلك في أحد القولين دون الآخر) الأظهر: أنه لا يلزمه، صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "تصحيح التنبيه" 71، ونقل في "الروضة" وأصلها تصحيحه عن العراقيين وغيرهم 72، وعليه يدل قول "الحاوي" عطفاً على المنفي: (وإتيان بيت الله) فدل على اختصاص اللزوم ببيت الله الحرام دون سائر بيوته.
5851 - قول "التنبيه" [ص 85]: (ومن نذر الحج راكباً فحج ماشياً .. لزمه دم) هو في "الروضة" وأصلها و"الكفاية" مبني على أن الركوب أفضل، فإن جعلنا المشي أفضل أو سوينا
الحديث: 5850 - الجزء: 3 - الصفحة: 524
بينهما .. فلا دم 73، وفي "شرح المهذب": أن الشيخ أطلق وجوب الدم، وفي "البيان": أنه المذهب المشهور، وأن الخراسانيين قطعوا بأنه إنما يجب إذا قلنا: الركوب أفضل، ثم قال النووي: وكيف كان .. فالمذهب: وجوب الدم 74.
5852 - قوله: (ومن نذر الحج ماشياً .. لزمه الحج ماشياً) 75 بناه الرافعي على الأظهر عنده: أن المشي أفضل 76، لكن قال النووي: الصواب أن الركوب أفضل وإن كان الأظهر لزوم المشي بالنذر؛ لأنه مقصود.
انتهى 77.
وقد يقال: كيف يكون مقصوداً مع كونه مفضولاً، وبتقدير كونه مقصوداً .. فالقصد في الركوب أكثر، فإذا عدل إلى الأعلى .. فقد أحسن.
5853 - قول "التنبيه" [ص 85]: (من دويرة أهله، وقيل: من الميقات) أي: الإحرام والمشي، والأصح: أنه إنما يلزمه الإحرام من الميقات، وأن المشي يجب في حين الإحرام سواء أحرم من الميقات أو قبله؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 555]: (فإن كان قال: "أحج ماشياً" .. فمن حيث يحرم)، قال في "الروضة": سواء أحرم من الميقات أو قبله 78.
قال في "المهمات" وكذا بعده؛ بأن جاوزه غير مريد للنسك ثم عَنَّ له الإحرام .. فالقياس: أنه يمشي من ذلك الموضع ولا شيء عليه، قال ولو جاوزه مريداً له وهو راكب .. فيحتمل وجوب دمين.
5854 - قول "المنهاج" [ص 555]: (وإن قال: "أمشي إلى بيت الله تعالى" .. فمن دويرة أهله في الأصح) هو كقول "الحاوي" [ص 655]: (والمشي من بيته في الحج) وليس في كلامهما إلا إيجاب المشي دون الإحرام، فله أن يؤخر الإحرام إلى الميقات، وهو الأصح، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن للأصحاب في هذه المسألة طريقين:
إحداهما: أنه يلزمه المشي من دويرة أهله قطعاً، وفي الإحرام منها أو من الميقات وجهان.
والثانية: أن الخلاف فيهما، والمذهب: لزومهما من الميقات، وقال: إن الأولى أظهر، وإن كلام "المنهاج" مخالف لهما؛ لحكايته الخلاف في المشي، وترجيحه لزومه من دويرة أهله، ومحل الخلاف: فيمن دويرة أهله فوق الميقات، فإن كانت دونه .. أحرم منها قطعاً،
الحديث: 5852 - الجزء: 3 - الصفحة: 525
والمراد بدويرة أهله: مكانه حين النذر، فلو قال مغربي هذا الكلام بالإسكندرية .. كانت الإسكندرية دويرة أهله وبيته.
5855 - قول "التنبيه" [ص 85]: (ولا يجوز أن يترك المشي إلى أن يرمي في الحج) المذهب في "أصل الروضة" وبه قطع الجمهور وهو المنصوص: أنه يلزمه المشي حتى يتحلل التحللين، وإن بقي عليه الرمي أيام منى 79، وقال في "شرح المهذب": ما ذكره في "التنبيه" مخالف لما في "المهذب" وكلام الأصحاب، وأقرب ما يتناول عليه كلامه أنه أراد بالرمي رمي جمرة العقبة يوم النحر، وفرع على أن الحلق ليس بنسك، وعلى الوجه الشاذ: أنه يكفيه المشي حتى يتحلل التحلل الأول، قال: وأما رمي أيام التشريق .. فلا خلاف في الركوب قبله بعد التحللين 80.
وقال في "الكفاية" في تأويل كلام الشيخ: أي: جمرة العقبة إذا جعله آخر التحللين.
قال النشائي: وهذا محمل حسن 81، وحكى الماوردي فيما لو نذر المشي إلى البيت الحرام ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ينتهي الإيجاب بالمشي إلى البيت.
والثاني: بفراغ طواف القدوم.
والثالث: بالتحلل الثاني 82.
وصحح شيخنا في"تصحيح المنهاج": الأول، ولو قال: أمشي حاجاً .. ففي "أصل الروضة": أن الصحيح: أنه كقوله: أحج ماشياً، ومقتضى كل واحد منهما: اقتران الحج والمشي 83.
واستشكله في "المهمات"، وقال: مقتضاه في هذه الصورة: التزام مشى في حال الحج، فيصدق بمشي لحظة بعد الإحرام، بخلاف الحج ماشياً؛ فإن مدلوله إيقاع الحج في حال المشي، فيلزم منه الاستغراق.
قال في "أصل الروضة": والقياس: أنه إذا كان يتردد في خلال أعمال النسك لغرض تجارة وغيرها .. فله أن يركب، ولم يذكروه 84.
5856 - قوله: (وبفرغ من العمرة) 85 لم يتقدم للعمرة ذكر، فلو قال أولاً: (ومن نذر نسكاً
الحديث: 5855 - الجزء: 3 - الصفحة: 526
ماشياً) .. لعم الحج والعمرة، واستقام قوله بعد: (ويفرغ من العمرة).
5857 - قولهما - والعبارة لـ" المنهاج": - (وإذا أوجبنا المشي فركب لعذر .. أجزأه وعليه دم في الأظهر) 86 قيده شيخنا في "تصحيح المنهاج" بأن يركب بعد الإحرام من الميقات أو غيره، أو بعد أن جاوز الميقات غير محرم مسيئاً، فإن ركب قبل الإحرام .. لم يلزمه دم؛ لأنه لم يتلبس بنسك يقتضي ارتكاب خلل فيه يوجب الدم 87، ثم مال شيخنا إلى عدم وجوب الدم مطلقاً، وحكى عن البيهقي أنه قال: والذي اختاره الشافعي في (كتاب النذور) من وجوب المشي فيما قدر عليه وسقوطه فيما عجز عنه أشبه الأقاويل بحديث أبي هريرة وأنس بن مالك وأبي الخير عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أولى به 88، قال شيخنا: وهذا تصريح من البيهقي باختيار الشافعي القول بسقوط المشي عند العجز، وعدم إيجاب الدم، وشاهده 89 الأحاديث الصحيحة، ولم يجئ حديث في التعرض للهدي إلا من طريق ابن عباس وعقبة وأبي هريرة وعمران ابن حصين، وكلها معلولة، ثم بسط ذلك، قال شيخنا: وإذا كان الشافعي اختار هذا القول والربيع والبيهقي، والحجة له صحيحة .. فهو الأصح، وعبارة "المنهاج" تفهم أنه لا خلاف في هذه الصورة في الإجزاء، وبه صرح في "شرح المهذب" 90، لكن فيه قول: أنه لا يجزئه بل عليه إذا صح أن يعيد النسك، فيمشي في موضع ركوبه الأول، ويركب في موضع مشيه، ذكره في اختلاف على وابن مسعود رضي الله عنهما.
5858 - قوله: (أو بلا عذر .. أجزأه على المشهور) 91 ليس الخلاف في"المحرر" 92.
5859 - قوله فيما إذا نذر الحج عامه: (فإن منعه مرض .. وجب القضاء) 93 فيه أمران:
أحدهما: محله فيما إذا كان ذلك بعد الإحرام، فإن كان قبله؛ بأن مرض وقت خروج القافلة .. فلا قضاء، كما لا تستقر حجة الإسلام في هذه الحالة، حكاه في "الروضة" وأصلها عن "التتمة" 94.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه مخالف لنص "الأم" صريحاً و"المختصر" ظاهراً،
الحديث: 5857 - الجزء: 3 - الصفحة: 527
وجرى الأصحاب على إيجاب القضاء على المريض، ولم يفصل أحد منهم بين أن يكون المرض عند خروج الناس أو بعد الإحرام، قال: فظهر بذلك أن الذي قاله في "التتمة" انفرد به، فلا يلتفت إليه، قال: وهذا التوجيه وهو قوله: (كما لا تستقر حجة الإسلام) ليس في كلام "التتمة"، وهو غير صحيح؛ فإن حجة الإسلام مستقرة والحالة هذه على المريض ومن اختص بالخوف من الآحاد، نص عليه في "الأم".
ثانيهما: ومحله أيضاً في المرض الذي لم تحصل به غلبة على العقل، فإن غلب على عقله عند خروج القافلة ولم يرجع إليه عقله في وقت لو خرج فيه أدرك الحج ... لم يلزمه قضاء الحجة المنذورة، كما لا تستقر حجة الإسلام والحالة هذه في ذمته كما نص عليه في "الأم" بالنسبة لحجة الإسلام فيما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: ونقول بمثله في المنذورة ثم ذكر فيه احتمالاً.
5860 - قوله: (أو عدوٌّ .. فلا في الأظهر) 95 يتناول ما إذا اختص ذلك به، وصرح به في "الروضة" وأصلها 96، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه مخالف لصريح نصوص الشافعي ولما عليه أكثر الأصحاب، ثم بسط ذلك، وكذا صحح في "المطلب" في الحصر الخاص وجوب القضاء، وقال شيخنا: إنه المعتمد عندي في الفتوى.
5861 - قوله: (أو صلاةً أو صوماً في وقتٍ فمنعه مرضٌ أو عدوٌّ .. وجب القضاء) 97 فيه أمور:
أحدها: تعين الوقت للصلاة بتعيينه هو المرجح في "الشرحين" و"الروضة" و"شرح المهذب" هنا 98، لكنهم جزموا في (باب الاعتكاف) بأنه لا يتعين، وعليه مشى "الحاوي" هناك فقال [ص 231]: (وللزمان فيه - أي: الاعتكاف - بتعيينه وفي الصوم، لا الصلاة والصدقة).
قال في "المهمات": والتعين هو الصواب المفتى به؛ فقد نص عليه الشافعي في "البويطي"، وكذا قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه المعتمد في الفتوى، وحكاه عن نص البويطي.
ثانيها: يستثنى من الصلاة ما إذا نذر فعلها في أوقات النهي في غير حرم مكة إذا فرعنا على الأصح: أنها لا تنعقد، ولو نذر صلاة مطلقة .. فله فعلها في هذه الأوقات قطعاً؛ لأن لها سبباً، ذكر ذلك في "أصل الروضة" 99.
الحديث: 5860 - الجزء: 3 - الصفحة: 528
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولو نذر صلاة بعضها قبل الاستواء في غير يوم الجمعة وبعضها عند الاستواء .. صح؛ لأن المنهي عنه ابتداءً ما لا سبب له في وقت النهي، فلو ابتدأ قبل النهي واستدام .. لم تبطل صلاته.
ثالثها: استثنى منه شيخنا في "تصحيح المنهاج": المتحيرة، فلا يصح نذرها صلاة ولا صوماً في وقت معين؛ لاحتمال كونها فيه حائضاً، ولا يرد على ذلك أن الأصح: إباحة تنفلها بالصلاة والصوم؛ لأن ذاك لئلا ينسد عليه باب الثواب بالتطوعات، بخلاف النذر، فإنه إلزام مع الشك، قال: وهذا فقه ظاهر.
رابعها: تناول كلامه ما لو غلب المرض على عقله؛ لإغماء أو جنون، فإن كان ذلك في الصلاة واستغرق الوقت .. لم يجب القضاء في الأصح لفرض الصلاة، وإن جعلنا فرض النذر أغلظ .. وجب، وإن خلا أول الوقت عن ذلك بقدر الصلاة والطهارة إن لم يمكن تقديمها، أو أخره بقدر تكبيرة وخلا عن الموانع زمناً يسعه .. وجب أيضاً كالصلاة المكتوبة، وإن كان في الصوم .. وجب قضاء الإغماء دون الجنون، ذكر ذلك شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: وأما الحيض والنفاس: فإن كان في الصلاة واستغرق الوقت .. وجب القضاء، بخلاف المكتوبة؛ لتكررها، والمنذورة لا تتكرر، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وعليه يقال: لنا امرأة فاتتها صلاة في الحيض ووجب عليها قضاؤها، وفي "المعاياة" للجرجاني: ليس لنا ذلك إلا في ركعتي الطواف فيما إذا حاضت عقب الطواف، قال شيخنا: وهذا ليس بقضاء؛ فإن هذه الصلاة لا تفوت ما دام الإنسان حياً، وأما الصوم: فإذا فات بالحيض أو النفاس .. وجب قضاؤه.
5862 - قول "التنبيه" [ص 85]: (ومن نذر أن يهدي شيئاً معيناً إلى الحرم .. وجب نقله إليه إن كان مما ينقل، وإن لم يمكن نقله .. باعه ونقل ثمنه) أحسن من قول "المنهاج" [ص 555]: (أو هدياً .. لزمه حمله إلى مكة والتصدق به على من بها) لأمور:
أحدها: تصريحه بأنه معين.
ثانيها: تصريحه بأن محل لزوم حمله إذا كان مما ينقل؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 657]: (ومالٍ به، وعسر النقل بثمنه) وتعبير "الحاوي" بعسر النقل أحسن من تعبير "التنبيه" بعدم إمكانه.
ثالثها: أن ذلك لا يتقيد بمكة كما عبر به "المنهاج"، بل يعم سائر الحرم كما في "التنبيه"، وهو مفهوم من ذكر "الحاوي" ذلك بعد ذكر الحرم.
رابعها: أن تعبير "التنبيه" بالشيء و"الحاوي" بالمال أحسن من تعبير "المنهاج" بالهدي؛ لأنه قد يتوهم منه اختصاص ذلك بالإبل والبقر والغنم، وليس كذلك.
الحديث: 5862 - الجزء: 3 - الصفحة: 529
خامسها: أن تعبير "المنهاج" بقوله: (والتصدق به) يقتضي الاكتفاء بكون ذلك الشيء مما يتصدق به وإن لم تصح هبته ولا هديته، فيدخل فيه ما لو نذر إهداء دهن نجس؛ بناءً على ما قاله النووي من أنه ينبغي أن يقطع بصحة الصدقة به بعد حكايته عن القاضي أبي الطيب المنع من ذلك 100، ويدخل فيه أيضاً جلد الميتة قبل الدباغ، بل هو أولى من الدهن النجس؛ فإنه اضطرب كلام النووي في جواز هبته، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: أنه يشترط فيه أن يكون مما يهدى للآدمي، ويوافق ذلك تعبير"الحاوي" عنه بالمال، وتعبيره هو و"التنبيه" بثمنه، والنجس لا ثمن له.
سادسها: أنه يرد على تعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالتصدق به ما لو نوى صرفه إلى تطييب الكعبة أو جعل الثوب ستراً لها أو نحو ذلك .. فإنه يلزمه صرفه فيما نوى كما نص عليه في "الأم"، ولا يرد ذلك على "التنبيه" فإنه لم يذكر التصدق به، بل وجوب نقله إن أمكن.
سابعها: أن "المنهاج" أطلق في قوله: (من بها) والمراد به: الفقراء أو المساكين من المسلمين، ولم يأت "التنبيه" و"الحاوي" بعبارة تشمل الأغنياء.
ثامنها: قد يفهم من تعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالتصدق به أنه يتصدق به على حاله، فيتناول النعم السليمة مع أنه لا يجوز التصدق بها حية؛ لأن في ذبحها قربة، ويجب الذبح في الحرم على الأصح، ولا يرد ذلك على "التنبيه" لاقتصاره على النقل.
واعلم: أن الماوردي قال فيما لو قال: لله عليّ أن أهدي هذا المتاع .. أنه محتمل لعرف اللفظ، وهو جعله هدية، وعرف الشرع وهو كونه هدياً، فإن أراد الأول .. لم ينعقد نذره، إلا أن يقترن بقربة تختص بثواب، أو الثاني .. عمل به، وإن أطلق .. فوجهان، رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": أنه لا ينعقد؛ لأن الأصل بقاء ملكه، فلا يزال إلا بمحقق، وعلى هذا: فتعبير "المنهاج" بالهدي أحسن من تعبير "التنبيه" و"الحاوي" لأنه لا إشكال في الصراحة مع التصريح بلفظ الهدي، والله أعلم.
5863 - قول "التنبيه" [ص 85]: (ومن نذر النحر بمكة .. لزمه النحر بها وتفرقة اللحم علىّ أهل الحرم) لا يتقيد النحر بها، فله النحر في سائر الحرم؛ كما أن له التفرقة على غير أهل مكة من أهل الحرم، والمراد: الفقراء أو المساكين كما تقدم.
5864 - قوله: (وإن نذر النحر وحده - أي: في بلد آخر - .. فقد قيل: يلزمه النحر والتفرقة، وقيل: لا يلزمه) 101 الثاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 656]: (وكل بلد
الحديث: 5863 - الجزء: 3 - الصفحة: 530
للتضحية) فدل على أنه لو اقتصر على نذر الذبح بها .. لم ينعقد نذره.
5865 - قول "التنبيه" [ص 85]: (وإن نذر الهدي وأطلق .. لزمه الجذع من الضأن أو الثني من المعز والإبل والبقر) ظاهره عدم إجزاء سبع بدنة أو سبع بقرة، وكلام الرافعي والنووي يقتضي الإجزاء؛ فإنهما حملاه على المجزئ في الأضحية 102، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 657]: (والهدي كضحية).
5866 - قول "التنبيه" [ص 85]: (وإن نذر أن يهدي .. لزمه ما ذكرناه في أحد القولين، وما يقع عليه الاسم في القول الآخر) الأظهر: الأول، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 657]: (والهدي كضحية).
5867 - قول "التنبيه" [ص 85]: (ويستحب لمن أهدى شيئاً من البدن أن يشعرها بحديدة في صفحة سنامها الأيمن) قال النووي: الصواب: اليمنى 103، قال في "الكفاية": الشيخ اتبع في ذلك الخبر، وتقديره: في صفحة سنامها من الجانب الأيمن.
5868 - قوله: (ويقلد البقر والغنم ولا يشعرها) 104 قال النووي في "تصحيحه": الصواب: أنه يسن في البقر المهداة الإشعار كالإبل 105، وفي "الكفاية": أن في بعض النسخ: (ويستحب لمن أهدى شيئاً من البدن أو البقر أن يشعرها)، وعليها جرى ابن يونس وابن الخل، لكن قد يعكر عليه قوله: (في صفحة سنامها) فإن البقر لا سنام لها.
انتهى.
وأجاب بعضهم: بأنها ألحقت بما لا سنام لها من الإبل، وأطلق على الكل سنام، فيشعر موضع السنام.
واعترض على "التنبيه" أيضًا: بأن ظاهره تقليد الغنم بالنعال كالإبل والبقر؛ ويؤيده قوله بعد: (فإن عطب منها شيء قبل المحل .. نحره وغمس نعله) 106 والمنقول: منع تقليدها بالنعال؛ لضعفها عنها.
وجوابه: أنه لم يتقدم منه ذكر تقليد الإبل بالنعال، ولو سبق .. فالنحر لا يأتي في الغنم، إنما فيها الذبح.
5869 - قوله: (فإن عطب منها شيء قبل المحل .. نحره - أي: وجوباً في المنذور واستحباباً
الحديث: 5865 - الجزء: 3 - الصفحة: 531
في غيره - وخلى بينه وبين [المساكين]) 107 108 أي: غير رفقته، فالأصح: أنه لا يجوز لفقراء الرفقة الأكل من المنذور، ثم ظاهر كلامه: أن التخلية كافية في إباحته للمساكين، لكن في زيادة " الروضة " عن " الشامل " وغيره: لا يصير مباحًا للفقراء إلا بلفظ، وهو: أن يقول: أبحته للفقراء والمساكين، قال: ويجوز لمن سمعه الأكل، وفي غيره قولان، قال في " الإملاء ": لا يحل حتى يعلم الإذن، وقال في القديم و" الأم ": يحل، وهو أظهر 109.
5870 - قول " المنهاج " [ص 555]: (أو التصدق على أهل بلد معين .. لزمه) قد يفهم منه أن غير الحرم لا ينذر فبه إلا التصدق، وليس كذلك، بل لو نذر الأضحية به .. تعين، وقد ذكره " الحاوي " فقال [ص 656]: (وكل بلد للتضحية) ولو نذر النحر ببلد أخرى؛ فإن لم يقل: أتصدق به على فقرائها ولا نواه .. فالأصح: أنه لا ينعقد، وإن صرح به أو نواه .. فوجهان:
أحدهما: لا يجب الذبح بها، بل لو ذبح خارجها ونقل اللحم إليها طريًا .. جاز، وبه قطع صاحب " التهذيب " وجماعة 110.
والثاني: يتعين إراقة الدم بها كمكة، وبه قطع العراقيون، وحكوه عن نص " الأم ".
5871 - قول " الحاوي " [ص 656]: (وإتيان شيء من الحرم يوجب الحج أو العمرة، وتعيينه للذبح كالصلاة) يقتضي أن غير المسجد من الحرم الذي يحرم صيده كالمسجد في تعينه بنذر الصلاة فيه، وقال بعضهم: إنه غريب لا نعلم له فيه سلفا، وفيما قاله نظر، وتعبير " المنهاج " [ص 556] بـ (المسجد الحرام) الظاهر أنه أراد به: جميع الحرم؛ فإن الأصح عند النووي: أن تضعيف الصلاة يعم جميع الحرم، ولا يختص بالمسجد ولا بمكة.
5872 - قول " المنهاج " من زيادته [ص 556]: (الأظهر: تعينهما) أي: مسجد المدينة والأقصى، يرد عليه: أن المسجد الحرام يقوم مقام كل منهما، وفي قيام كل منهما مكان الآخر ثلاثة أوجه، ثالثها: أنه يقوم مسجد المدينة مكان الأقصى دون عكسه، وهذا هو الأصح، وعليه مشى " الحاوي " في (الاعتكاف) فقال [ص 231]: (وبتعيين مسجد المدينة لأحدهما، وبتعيين المسجد الأقصى لأحدهما؛ كالصلاة).
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما ادعى أنه الأظهر ممنوع نقلًا ودليلًا، أما النقل: فقضية كلام الأكثرين ترجيح منع التعيين؛ فإنهم قالوا في التعيين القولان المذكوران في لزوم نذر
الحديث: 5870 - الجزء: 3 - الصفحة: 532
الإتيان إليهما، والأصح فيه عدم اللزوم كما تقدم، ومقتضاه: أن يكون الأرجح في نذر الصلاة فيهما: عدم التعيين عند الأكثرين، وقد قال الشيخ أبو حامد: إن الحكم في نذر المشي إليهما ونذر الصلاة فيهما واحد، وقول الرافعي: لا يبعد أن يرجح التعيين كما في الاعتكاف 111، متعقب؛ فإن الاعتكاف من خصوصيات المسجد؛ ولا كذلك غيره، قال: وأما الدليل: فلأن الإلزام بالصلاة في المسجدين للفضيلة يرده نذر الصوم بمكة؛ فإنه لا يلزمه بها مع أن حسنات الحرم بمئة ألف حسنة، قال: وقوله: (كالمسجد الحرام) تشبيه غير مستقيم؛ كانه لا يقوم غيره مقامه وهو يقوم مقامهما، ومسجد المدينة يقوم مقام الأقصى دون العكس كما تقدم.
5873 - قول " المنهاج " [ص 556]: (أو صومًا مطلقًا .. فيوم) كذا لو قيده بدهرٍ أو حينٍ كما جزم به في " أصل الروضة " 112.
5874 - قوله: (أو صدقة .. فبما كان) 113 قد يتناول غير المتمول مع أنه لا يكفي؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 655]: (والصدقة متمول).
5875 - قول " المنهاج " [ص 556]: (فعلى الأول - أي: أنه إذا نذر صلاة .. لزمه ركعتان -: يجب القيام فيهما مع القدرة) محله: ما إذا أطلق، أما لو قال: أصلي قاعدًا .. فله القعود قطعًا؛ كما لو صرح بركعة .. فتجزئه قطعًا.
5876 - قوله: (أو عتقًا .. فعلى الأول: رقبة كفارة - أي: وهي المؤمنة السليمة -، وعلى الثاني: رقبة) 114 أي: ولو كافرة معيبة، مقتضاه: ترجيح الأول، وقال الرافعي: قال الداركي: إنه الصحيح، وهو قضية ما رجح من لزوم ركعتين 115، واستدرك عليه " المنهاج " فقال [ص 556]: (الثاني هنا أظهر)، وفي زيادة " الروضة ": إنه الأصح عند الأكثرين، وهو الراجح في الدليل 116، وعليه مشى " التنبيه " فقال [ص 86]: (ومن نذر عتق رقبة .. أجزأه ما يقع عليه الاسم، وقيل: لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة).
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأظهر ما يقتضيه كلام " المحرر " 117، وهو الذي اختاره المزني، وبه قال أبو إسحاق، وصححه القاضي أبو الطيب والداركي، وهو الأصح في الدليل،
الحديث: 5873 - الجزء: 3 - الصفحة: 533
وهو الذي ينطبق عليه إيراد الشيخ أبي حامد والماوردي وصاحبي " المهذب " و" الشامل " والبغوي وغيرهم من أن أصل الخلاف المذكور أن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع أم جائزه؟ والأصح عند الجمهور: أنه يسلك به مسلك واجب الشرع.
انتهى 118.
وفي " شرح المهذب ": أن الصحيح عند الجمهور: أن النذر ينزل في صفاته على صفات واجب الشرع إلا في الإعتاق 119.
واعلم: أنه يستثنى من الرقاب على الثاني: المشتراة بشرط الإعتاق، وأن يشتري أصله أو فرعه بنية العتق عن النذر ومنقطع الخبر، وإن لم يمض مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش أكثر منها، ذكر ذلك شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض لذلك في النذر على القول الثاني، قال: ولو أعتق حملًا .. لم يجز على الأول، ويجزئ على الثاني إن انفصل لأقل من ستة أشهر، ولم أر من تعرض له.
5877 - قول " المنهاج " [ص 556]: (فإن عين ناقصة .. تعينت) يستثنى منه: ما إذا عين الناقصة بوصف الكفر؛ بأن قال: لله عليّ أن أعتق هذا العبد الكافر .. فلا يلزمه إعتاقه كما أفتى به القاضي حسين، بخلاف قوله: لله عليّ عتق هذا العبد، فكان كافرًا .. يلزمه النذر.
5878 - قوله: (أو صلاة قائمًا .. لم يجز قاعدًا) 120 محله: ما إذا لم يحصل له مشقة بالقيام لمرض أو كبر، فإن كان كذلك .. لم يلزمه في الأصح، وهو نظير ما نقله إبراهيم المروذي عن عامة الأصحاب في ناذر صوم رمضان في السفر، وصحح الروياني في " البحر " في الشيخ الكبير ينذر القيام: أنه يلزمه.
5879 - قوله - والعبارة له - و" الحاوي ": (أو طول قراءة الصلاة) 121 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله ما إذا لم يكن إمامًا في مكان لا تنحصر جماعته، فإن كان كذلك .. لم يلزمه تطويل الفرائض بذلك؛ لكراهته، وتناول كلامهما: نذر ذلك في الصلاة المكتوبة بالنذر، وإفراد الصفة بالالتزام والأصل واجب، فأما لو نذر ذلك في النفل .. لم يلزمه؛ لأنه ليس بواجب، فلا يكون تطويله لازمًا بالنذر، وفي " أصل الروضة ": في نذر القيام في النوافل وجهين 122، ومقتضى كلامه: أن الأصح: أنه لا يلزم.
5880 - قول " المنهاج " [ص 556]: (أو سورة معينة) أي: في الصلاة.
الحديث: 5877 - الجزء: 3 - الصفحة: 534
5881 - قوله: (أو الجماعة) 123 أي: في الفرائض، ولو نذرها في النوافل التي لا تشرع فيها الجماعة .. لم يلزم، أو فيما شرع فيه الجماعة .. لم يلزم أيضًا في الأصح.
5882 - قوله: (والصحيح: انعقاد النذر بكل قربة لا تجب ابتداء؛ كعيادة وتشييع جنازة) 124، وقول " الحاوي " [ص 655]: (بمقصود؛ كعيادة المرضى)، عبارة " الروضة ": القربات التي لم تشرع لكونها عبادة، وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رغب الشرع فيها؛ لعظم فائدتها، وقد يبتغى بها وجه الله تعالى، فينال الثواب فيها؛ كعيادة المرضى، وزيارة القادمين، وإفشاء السلام بين المسلمين، وتشميت العاطس، والصحيح: لزومها بالنذر 125.
5883 - قول " المنهاج " [ص 556]: (والسلام) زاد في " المحرر ": (على الغير) 126، وقال في " الدقائق ": الأجود حذف (الغير) لعدم فائدته، وقد يوهم الاحتراز عن سلامه على نفسه عند دخوله بيتًا خاليًا، ولا يصح الاحتراز؛ فإنهما سواء 127.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": قوله: (والسلام) يريد به: ابتداء السلام، ومقتضاه: أن نذر رده ينعقد قطعًا أو لا ينعقد قطعًا، وليس كذلك؛ فإنه من فروض الكفايات التي ليس فيها بذل مال ولا كبير مشقة، والأصح: لزومها بالنذر.
قلت: فليحمل قوله: (السلام) على ابتدائه، وجوابه حيث لم يتعين، والله أعلم.
5884 - قول " الحاوي " [ص 655]: (وستر الكعبة وتطييبها لا مسجدٍ) أي: غيرها، ولو مسجد المدينة والأقصى؛ فإنه لا يلزم تطييبه بالنذر كما مال إليه الإمام، وأقره الرافعي 128، لكن قال النووي في " شرح المهذب ": المختار اللزوم؛ لأن تطييبها سنة مقصودة، فلزمت بالنذر كسائر القرب 129، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: وحكم مشاهد العلماء والصلحاء؛ كضريح الشافعي وذي النون المصري .. حكم البيوت، لا المساجد.
5885 - قوله: (والصوم) 130 أي: وكمداومة الصوم .. فإنه يصح التزامه بالنذر.
يتناول ما إذا نذر الصوم في رمضان في السفر، وهو اختيار القاضي حسين والبغوي 131، وجزم
الحديث: 5881 - الجزء: 3 - الصفحة: 535
الغزالي في " الوجيز " بعدم الانعقاد 132، وحكاه المروذي عن الأصحاب.
قال في " شرح المهذب ": كذا أطلقوه، والظاهر أنهم أرادوا من لا يتضرر بالصوم في السفر دون من يتضرر؛ لأنه ليس بقربة إذًا 133.
5886 - قوله: (وركوع) 134 أي: كركوع وحده .. فإنه لا يلزم بالنذر، وقول الرافعي: يلزمه ركعة باتفاق المفرعين 135، مراده: من فرع على الضعيف فيما إذا نذر بعض ركعة .. أنه لا يلزمه ركعة، فلا يرد ذلك على " الحاوي ".
الحديث: 5886 - الجزء: 3 - الصفحة: 536