تحرير الفتاوىكتابُ الصِّيال وضمان الولاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ الصِّيال وضمان الولاة

5188 - كذا في "المنهاج" 1، وكان ينبغي أن يزيد في التَّرجمة: (وإتلاف البهائم) كما في "الروضة" 2، لذكره حكمه فيه، وأما حكم الختان .. فإنما ذكر توطئة لبيان حكم ما إذا ختنه فمات، وهو من ضمان الولاة.
5189 - قول "التنبيه" - وهو في قتال أهل البغي -[ص 230]: (ومن قصد قتل رجل .. جاز للمقصود دفعه عن نفسه، وهل يجب ذلك؛ قيل: يجب، وقيل: لا يجب) فيه أمور: أحدها: لا يخفى أن المراد القاصد بغير حق، وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بـ (الصيال) 3 يفهم ذلك.
ثانيها: محله: ما إذا لم يمكنه الهرب، فإن أمكن .. وجب، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 515]: (فإن أمكن هربٌ .. فالمذهب: وجوبه) وقد يفهم منه إثبات طريقة قاطعة بالوجوب، وليس كذلك، وإنَّما فيه طريقة القولين، وهي الأصح، وحمل نص الهرب على ما إذا تيقن النجاة به، والنص الآخر على ما إذا لم يتيقن، ولو عبر بالأظهر .. لكان أحسن؛ وقد يقال: الهرب من جملة الدفع؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 601]: (بصياح وهرب) ومحل إيجاب الهرب: في غير الصائل الحربي والمرتد؛ ففيهما لا يجب الهرب، بل لا يجوز في الحالة التي يحرم فيها الفرار.
ثالثها: الخلاف قولان، والأظهر: أنَّه لا يجب الدفع كما ذكره "المنهاج" 4، وكذا رجح في "الروضة" وأصلها أنَّه قولان 5، لكن نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: ليس بمعتمد، ولم يذكره إلَّا الإمام والغزالي والزاز 6، والذي ذكره الشيخ أَبو حامد والعراقيون والماوردي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم: أنَّه وجهان 7، قال: والذي عندنا أن جواز الدفع منصوص "الأم" و"المختصر" 8، وأما وجوبه: فلم أقف عليه في كلام الشَّافعي، وعن القاضي حسين: إن

الحديث: 5188 - الجزء: 3 - الصفحة: 263

أمكن دفعه بغير قتله .. وجب، وإلَّا .. فلا، ومال شيخنا الإمام البلقيني إلى هذا، واستثنى: ما إذا أمكن الدفع بغير القتل من محل الخلاف، وقال: إنه يجب قطعًا، وحكاه عن "التتمة"، وقال: إنه لا بد منه، وأيده ترجيحهم وجوب الهرب.
رابعها: محل الخلاف: فيما إذا كان القاصد مسلمًا، فإن كان كافرًا أو بهيمة .. وجب الدفع، قال النووي في "تصحيحه": قطعًا 9، وسبقه إليه نفي الخلاف القاضي حسين، وأشار الروياني إلى خلاف في الكافر، قال في "الروضة": وهو غلط، والصواب الأول، وبه قطع الأصحاب 10، وقال في "المطلب": لعل ما قاله الروياني في الذِّمِّيُّ، فأما الحربي: فلا يجوز الاستسلام له أصلًا، وكذلك المرتد؛ لوجوب قتله.
وعبر "المنهاج" بقوله [ص 515]: (ويجب عن بُضْعِ، وكذا نفسٌ قصدها كافر أو بهيمةٌ، لا مسلمٌ في الأظهر) وظاهره عود الخلاف للكافر والبهيمة أيضًا؛ لذكره لهما بعد قوله: (كذا)، وليس كذلك، وعبارة "الحاوي" [ص 600]: (والبهيمة والمجنون والكافر عن النفس) فزاد ذكر المجنون، وفي معناه: الصبي، وإلحاق المجنون والصبي بالبهيمة والكافر طريقة حكاها الرافعي، ثم قال: والأشبه طرد القولين 11، وعبر في "الروضة" بقوله: والمذهب: طرد القولين 12، ومقتضاه: ترجيح جواز الاستسلام، لكن صحح شيخنا الإمام البلقيني تلك الطريقة، وحكاها عن جزم الماوردي 13، وقال: هو الذي يقوى في التوجيه من جهة أنهما لم يبوءا بالإثم، فأشبها البهيمة.
وأجيب عن "التنبيه": بأن البهيمة لم تدخل في كلامه؛ لتعبيره ب (من)، وهي للعقلاء.
خامسها: قيد شيخنا الإمام البلقيني المسلم بكونه محقون الدم، فلو كان غير محقون؛ كالزاني المحصن وتارك الصلاة ومن تحتم قتله في قطع الطَّرِيقِ .. وجب الدفع قطعا، وحكى عن القاضي حسين والإمام والغزالي تقييد الخلاف بكونه محقون الدم 14. سادسها: تعبيره بالمقصود يقتضي أن غيره ليس كذلك، مع أن أصح الطرق أن الدفع عن نفس غيره كالدفع عن نفسه وجوبًا وجوازًا؛ ولهذا لم يقيد "المنهاج" و"الحاوي" ذلك بنفسه، بل أطلق "الحاوي" [ص 600]: (النفس) بالتعريف، و"المنهاج" [ص 515]: (نفسًا) بالتنكير، ثم

الجزء: 3 - الصفحة: 264

صرح به بعد ذلك، فقال: (والدفع عن غيره كهو عن نفسه، وقيل: يجب قطعًا) 15 ويزاد عليه طريقة ثالثة، وهي: أنَّه لا يجب قطعًا، حكاها في "أصل الروضة"، ومحل الخلاف: إذا لم يخف على نفسه كما جزم به في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن إبراهيم المروذي وغيره 16، وقال شيخنا الإمام البلقيني: ولا بد منه، إلَّا إذا كان في قتال الحربيين أو المرتدين .. فلا يسقط الوجوب بذلك.
5190 - قول "الحاوي" [ص 600]: (الصائلُ يُدفع ولو عن المال) هو في المال جائز؛ بدليل قوله بعده: (ويجب عن البضع) 17، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص 515]: (لا يجب الدفع عن مال)، وهو أعم من تعبير "التنبيه" بقوله [ص 230]: (وإن قصد ماله) لتناوله مال غير الدافع، ولو أنَّه مال الصائل، ومحل ذلك: ما إذا كان لم يكن المال حيوانًا، فإن كان حيوانًا .. وجب الدفع عنه؛ كما إذا رآه يشدخ رأس حمار ولو أنَّه للشادخ على الأصح في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن البغوي 18. 5191 - قول "المنهاج" [ص 515] و"الحاوي" [ص 600]: (ويجب عن البضع) أعم من قول "التنبيه" [ص 230]: (وإن قصد حريمه .. وجب عليه الدفع عنه) لتناوله بضعه وبضع أجنبية ولو أمة، وشرط البغوي للوجوب: ألَّا يخاف على نفسه 19، ولم يتعقبه الرافعي والنووي، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هو قيد معتبر، تقدم نظيره في الدفع عن غيره.
5192 - قول "المنهاج" [ص 515]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 600]: (ولو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلَّا بكسرها .. ضمنها في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه لم يسبق الرافعي إلى تصحيحه أحد 20، قال: والأصح عندنا: أنَّه لا ضمان على الكاسر؛ لأمور: منها: أنَّها كانت مشرفة على الانكسار لو سقطت على الأرض، وقد كانت تضرّ بالساقطة عليه لو لم يكسرها، فما كسرها إلَّا وهي آيلة إلى الكسر، مع أنَّه دافع للضرر عن نفسه، وأشار إلى ذلك القاضي حسين، فقال في تعليله؛ لأن من حقه أن يتأخر ولا يدفعه، فلم يُلْزمه بالضمان إلَّا حيث أمكنه أن يتأخر، ومقتضاه: أنَّه إذا لم يمكنه التأخر .. لا ضمان، وحاول في "المطلب" تخريجه على الخلاف فيما لو ألقاه من شاهق، فقده آخر بنصفين، حتَّى يجري وجه ثالث بوجوب الضمان عليها.

الحديث: 5190 - الجزء: 3 - الصفحة: 265

ورده شيخنا الإمام البلقيني: بأن الإلقاء في صورة القد كان مضمونًا، وقيد شيخنا محل الخلاف بقيدين: أن يكون على غير روشن ونحوه، وألَّا يضعها صاحبها مائلة أو على وجه يغلب على الظن سقوطها؛ ففي هاتين الصورتين لا ضمان قطعًا.
5193 - قول "الحاوي" [ص 600]: (وبهيمة تمنع الجائع من طعام) أي: فيضمن كالجرة، قال الرافعي: ويمكن أن يجعل الأصح هنا: الإهدار؛ كما إذا عم الجراد المسالك، فوطئه المُحْرِم 21. 5194 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويُدفع الصائل بالأخف) 22 فيه أمران: أحدهما: قال الماوردي: هذا التدريج في غير الفاحشة، أما من أولج في الفرج .. فيجوز أن يبدأ بالقتل؛ فانه في كل لحظة مواقع، ثم فيه وجهان محتملان: أحدهما: للدفع، فيختص بالرجل ولو بكرًا.
والثاني: حد، فتقتل المرأة الثيب وتجلد البكر، وأما الرجل .. فيقتل كذلك، والأظهر: قتله مطلقًا 23. ثانيهما: قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: ما إذا كان معصومًا فإن لم يكن معصومًا؛ كالحربي والمرتد .. فلا يجب عليه مراعاة الأخف، وله العدول إلى القتل؛ إذ لا حرمة له تقتضي مراعاة الأخف، وكذا حكم كل من لا يقتل به من تارك الصلاة وزانٍ محصن.
5195 - قول "التنبيه" [ص 230]: (وإن عض يد إنسان، فنزعها منه، فسقطت أسنانه .. لم يضمن) محله: ما إذا لم يمكن تخليصها بدون ذلك، فإن أمكن بدونه .. ضمن؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 515]: (خلصها بالأسهل من فك لحييه وضرب شدقيه، فإن عجز فسلها فندرت أسنانه .. فهدرٌ) و"الحاوي" [ص 601]: (وفك لحيي من عض يده أو ضرب شدقيه، ثم سل يده وإن ندرت أسنانه) لكن مقتضى "الحاوي": التخيير بينهما، وليس كذلك؛ فالفك مقدم على الضرب؛ لأنه أسهل.
فإن قلت: وقد ذكره "التنبيه" أيضًا فقال [ص 230]: (وإن لم يقدر على تخليصها إلَّا بفك لحييه، ففكهما .. لم يضمن).
قلت: أراد "المنهاج" و"الحاوي" بفك لحييه: رفع أحدهما عن الآخر بلا جرح، وهذا مقدم على ضرب شدقيه، فليس له ضربهما إذا أمكن التخليص بالرفع، وأراد "التنبيه": فك

الحديث: 5193 - الجزء: 3 - الصفحة: 266

أحدهما عن الآخر بفصل وإبانة، وهذا أشد من سل اليد حتَّى تندر الأسنان؛ ولهذا اعتبر في عدم الضمان به ألَّا يقدر على تخليصها إلَّا بذلك، ورفع أحد اللحيين عن الآخر أهون الأمور، فيفعل بلا شرط.
وظاهر عبارة "المنهاج" و"الحاوي"الحصر فيما ذكر اه، وليس كذلك؛ فالصحيح في "أصل الروضة": أنَّه إذا لم يمكنه التخلص إلَّا ببعج بطنه أو فقأ عينه أو عصر خصييه .. جاز 24، وهذا كفك اللحيين الذي ذكره "التنبيه".
فإن قلت: ففي "مختصر المزني" عن الشَّافعي: فإن بعج بطنه بسكين أو فقأ عينيه بيديه أو ضربه في بعض جسده .. ضمن، قال المزني: قلت أنا: لا يضمن 25. قلت: إنما قال الشَّافعي هذا فيما إذا أمكن دفعه بدون ذلك؛ بدليل أنَّه قال في "الأم": (فإن ترك شيئًا مما وصفنا له وبعج بطنه ... إلى آخره) 26 فدل على أن صورته فيما إذا ترك ما هو أسهل من ذلك مع التمكن منه، وإنَّما خالفه المزني؛ لظنه أنَّه قال ذلك مع العجز عما هو دونه، ذكره شيخنا الإمام البلقيني بمعناه، ثم قال: وعندي في فقأ العينين نظر؛ فإن مثل ذلك لا يدوم كعصر الخصية، فلا يكون حاملًا للعاض على ترك العض؛ فالإقدام عليه مع هذا الاحتمال ممتنع، ثم ذكر شيخنا: أن شرط هذه المسألة: ألَّا يكون المعضوض مرتدًا ولا متحتم القتل في قطع الطَّرِيقِ ونحوهما، فمن هو كذلك .. ليس له أن يفعل بالعاض ما يؤدي إلى سقوط أسنانه، قال: ولا توقف عندي فيه، وإن وقف من وقف فيه، ولا يخفى أن ذكر اليد مثال، فعض سائر الأعضاء كذلك؛ ولهذا لم يذكر اليد في بعض نسخ "الحاوي".
5196 - قول "التنبيه" [ص 230]: (وإن اطلع رجل في بيت رجل وليس بينهما محرمية .. جاز رمي عينه) فيه أمور: أحدها: الأصح: أنَّه لو كان الناظر امرأة أو مراهقًا .. كان الحكم كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 515]: (ومن نظر) و"الحاوي" [ص 601]: (ناظر) لكن يدخل في عبارتهما: غير المراهق، مع أنَّه لا يجوز رميه ولو كان مميزًا، وقال الشيخ زين الدين بنُ الكتناني: كيف يجوز رمي المراهق وهو غير مكلف؟ قال: ولو كان في الدار محرم للناظر أو زوجة أو متاع .. لم يُرم؛ لأجل الشبهة فأي شبهة أقوى من عدم التحريم، فالقول بجواز رميه غفلة، مع أن نظره لا يحرم.

الحديث: 5196 - الجزء: 3 - الصفحة: 267

قال في "التوشيح": وجوابه: أن كونه غير مكلف لا يعصمه من الرمي؛ فإن الرمي ليس للتكليف، بل لدفع مفسدة النظر، فسواء أوقع النظر من مكلف أو غيره ممن يحصل به المفسدة، وقوله: (ولو كان في الدار محرم .. لم يُرْمَ لأجل الشبهة) قلنا: تلك شبهة في المحل المنظور فيه، وأما المراهق .. فلا شبهة له في المحل، وقوله: (نظر المراهق لا يحرم) الصحيح عند الرافعي والنووي: أن نظره كنظر البالغ 27، وفي الحقيقة الوجهان في رمي المراهق هما الوجهان في نظره؛ إن جوزناه .. لم يرمِ، وإن لم نجوزه وهو الأصح: جاز رميه؛ فلا اعتراض على الرافعي، ولا غفلة منه، بل ممن قال: إن نظر المراهق لا يحرم.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: المراهق في حرمة النظر كالبالغ، وهذا تعزير له، والتعزير لا يتوقف على التكليف، وقيد شيخنا المذكور مسألة المرأة بما إذا كانت الناظرة كافرة والمنظور إليها مسلمة، وفرعنا على منع نظر الكافرة للمسلمة، أو نظرت المرأة المسلمة لما يمتنع عليها أن تنظر إليه، فحينئذ .. تُرمى.
ثانيها: لا يخفى أن ذكر الرجل ثانيًا مثال؛ فالمرأة أولى بذلك.
ثالثها: محله: ما إذا كان صاحب البيت مكشوف العورة، وإلَّا .. فالأصح: أنَّه لا يجوز الرمي، إلَّا أن يكون هناك امرأة فيرمي، ولو كانت مستترة؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 515]: (ومن نظر إلى حُرَمِهِ في داره) و"الحاوي" [ص 601]: (ورمي عين ناظر حرمه) ويرد عليهما: الرجل المكشوف العورة، وتردد شيخنا فيما لو كان المنظور إليه خنثى مشكلًا؛ أي: إلى غير عورته، وقال: الأقرب أنَّه لا يرميه.
رابعها: يمتنع أيضًا فيما إذا كان له هناك مَحْرَم أو زوجة، ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 28، وعبر عنه في "التصحيح" بالصواب 29، وفيه نظر؛ فالخلاف موجود في ذلك، وشرطه في المحرم: أن تكون غير متجردة، وإلَّا .. فيرمي، وفي معناهما: ما لو كان له هناك متاع، ذكره في "أصل الروضة" 30. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ممنوع؛ فإن مثل ذلك لا يقتضي الشبهة؛ بدليل ما لو كان الساكن في الدار مستأجرًا والناظر المالك .. فإنه يجوز رميه كما قاله أَبو الفرج السرخسي، وأقره عليه في "أصل الروضة"، وكذا المستعير على أحد وجهين في "أصل

الجزء: 3 - الصفحة: 268

الروضة" بلا ترجيح 31، لكن صححه شيخنا الإمام البلقيني، قال: وقد ذكر القاضي الحسين صورة المؤجر والمعير، وقال: إن ذلك يقرب من السرقة، والصحيح في السرقة: القطع، وكذا يمتنع الرمي فيما إذا كان محرمًا لحرم صاحب الدار وما بين سرتهن وركبتهن مستور.
خامسها: شرط الرمي: ما إذا كان النظر من كوة أو نَقْب كما عبر به "المنهاج" 32، وعبر "الحاوي" [ص 601] بـ (الثقبة)، وهي فيما يظهر أعم؛ لأنه يدخل فيها شىّ الباب، ولا بد من تقييد ذلك بالضيق، فلو كانت واسعة بحيث يُنسب صاحب الدار إلى تفصير في ذلك؛ فإن نظر مارًا .. لم يجز رميه، وكذا لو وقف ونظر متعمدًا في الأصح، وكذا لو نظر من باب الدار المفتوح .. لا يجوز، لكن قيده "الوجيز" بما إذا لم يقدم الإنذار، فله الرمي مع تقديم الإنذار 33، وتبعه الرافعي 34 و"الحاوي" فقال [ص 601]: (فإن فتح الباب .. قدم الإنذار)، وأسقطه في "الروضة".
سادسها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني من كلامهم: ما إذا كان النظر بقصد الخطبة أو شراء الأمة حيث يباح النظر، فلا يجوز رميه، وهو واضح.
سابعها: ظاهر كلامهم أن هذا أمر مستحق لصاحب الدار، ولكن لو كان الحاضر أبا الزوجة أو أخاها أو غيرهما من محارمها .. فالقياس: ثبوت هذا الأمر له، ولا يتعدى إلى الأجنبي، نبه عليه شيخنا الإمام البلقيني.
قلت: ولا ينبغي أن يتوقف في جواز الرمي للمرأة المنظورة أيضًا، والله أعلم.
ثامنها: اعتبر "المنهاج" أن يكون النظر عمدًا، فليس له رمي من وقع بصره اتفاقًا، لكن شرطه: أن يعلم بذلك صاحب الدار، فلو ادعى المرمي عدم القصد .. فلا شيء على الرامي؛ لأن الاطلاع حصل والقصد باطن، قال الرافعي: وهو ذهاب إلى جواز الرمي من غير تحقق القصد، وفي كلام الإمام ما يدل على المنع حتَّى يتبين الحال، وهو حسن 35. 5197 - قول "المنهاج" بعد قوله [ص 515]: (بشرط عدم مَحْرَمٍ وزوجة للناظر): (قيل: واستتار الحُرَمِ، قيل: وإنذار قبل رميه) عبارة ملتبسة؛ لأنه اعتبر في الشرط الأول العدم، فإن اعتبرناه في الوجهين الآخرين .. لم يستقم في الثاني؛ إذ ليس الشرط على ذلك الوجه في جواز الرمي: عدم الإنذار، بل وجود الإنذار وإن لم نعتبره في الوجهين .. لم يستقم في الأول؛ إذ ليس

الحديث: 5197 - الجزء: 3 - الصفحة: 269

الشرط على ذلك الوجه في جواز الرمي: استتار الحُرَم، بل عدم استتارهن، فظهر اعتبار العدم في استتار الحرم، والوجود في الإنذار قبل الرمي؛ فيكون قوله: (واستتار) معطوفًا على (مَحْرَم)، وقوله: (وإنذار) معطوفًا على (عدم) أي: بشرط إنذار قبل رميه، فلو أفصح عن المقصود .. لزال هذا الإلباس، وأيّ فائدة في اختصار كلمة واحدة، وإيقاع في لبس عظيم.
واعلم: أن تضعيف اعتبار الإنذار إنما هو إذا لم يوجد تقصير بفتح الباب أو اتساع الكوة ونحوهما، فإن وجد ذلك .. فلا بد من الإنذار كما تقدم، والله أعلم.

فَصْلٌ [ضمان الولاة]

5198 - قول "المنهاج" [ص 551]: (ولو عزّر وليٌّ ووَالٍ وزوج ومُعَلِّمٌ .. فمضمونٌ) و"الحاوي" بعد ذكر تعزير الإمام والأب ومأذونه والسيد: (فإن سرى .. ضمن) 36، أعم من قول "التنبيه" في (باب ما تجب به الدية) من (الجنايات) [ص 220]: (وإن ضرب الوالد ولده، أو المعلم الصبي، أو الزوج زوجته، أو ضرب السلطان رجلًا في غير حد، فأدى إلى الهلاك .. وجبت الدية) لكن دخل في تعبيرهما ما لا مدخل له في الهلاك؛ كتوبيخ غير الحامل والحبس والنفي والصفعة الخفيفة؛ لذكرهما قبل ذلك أن التعزير يكون بالحبس والتوبيخ، ثم أطلقا التعزير هنا مع أن هذا ليس مضمونًا بلا خلاف، ولا يرد ذلك على "التنبيه" لتعبيره بالضرب.
ويستثنى من كلامهم معًا ثلاثة أمور ذكرها شيخنا الإمام البلقيني: الأول: إذا اعترف بما يقتضي التعزير وطلب بنفسه من الوالي أن يعزره فعزره بطلبه .. لم يكن مضمونًا؛ لإذنه.
الثاني: إذا عزر زوجته الأمة بإذن سيدها .. فلا ضمان.
الثالث: إذا عزر المعلم الرقيق بإذن مالكه، كما حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي: أنَّه لو كان مملوكًا فضربه بإذن سيده .. لم يضمن؛ لأنه لو أذن في قتله فقتله .. لم يضمنه 37. 5199 - قول "المنهاج" [ص 515]: (ولو حَدَّ مقدَّرًا .. فلا ضمان) لا معنى لوصف الحدّ بالتقدير إلَّا التأكيد؛ لأن الحد لا يكون إلَّا مقدرًا؛ ولهذا لم يصفه به "التنبيه" و"الحاوي"، وكأنه احترز عن حد الشرب، فسنتكلم عليه.
5200 - قول "المنهاج" [ص 516]: (ولو ضرب شارب بنعال وثياب فمات .. فلا ضمان على

الحديث: 5198 - الجزء: 3 - الصفحة: 270

الصحيح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص الشَّافعي في "الأم" و"المختصر" 38. قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا يجوز إثبات مقابله عندي؛ لأنه مخالف للسنة الصحيحة، وادعاء نسخه بالجلد باطل، ولو صح .. لكان عدولًا إلى الأخف، وذلك لا يقتضي الضمان.
5201 - قوله: (وكذا أربعون سوطًا على المشهور) 39 قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه مخالف لنص الشَّافعي رضي الله عنه في "الأم" حيث قال: (فديته على عاقلة الإمام) 40، قال: ولم أجد له نصًا بعدم الضمان وحكى الماوردي عن الجمهور ما يقتضي التضمين.
5202 - قول "التنبيه" تفريعًا على منع الضرب في حد الخمر بالسوط [ص 248]: (فإن ضربه بالسوط فمات .. فقد قيل: يضمن بقدر ما زاد عل ألم النعال، وقيل: يضمن جميع الدية) الثاني هو الأصح، وفي "الكفاية": أن النووي اختار أنَّه يضمن نصف الدية، ولم أره في كلامه، وفيها أيضًا عن الإمام أنَّه الذي ذهب إليه المحققون، وليس كذلك؛ فالذي نقله الإمام عنهم ضمان الجميع 41. 5203 - قوله: (فإن ضرب الحر أحدًا وأربعين فمات .. ففيه قولان، أحدهما: يضمن نصف ديته، والثاني: يضمن جزءًا من أحد وأربعين جزءًا من ديته) 42 الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 516]: (وجب قسطه بالعدد) وقال الرافعي: إن كلام الأئمة إلى ترجيحه أَمْيَلُ 43. وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على ترجيحه في كلام من الأصحاب، والأصح بمقتضى نص "الأم" و"المختصر": إيجاب نصف الدية؛ فإنه قاسه على ما إذا ضربه رجل ثمانين وضربه آخر واحدة ومات من ذلك .. فإن الضمان عليهما نصفين، وإذا ثبت ذلك في الأصل المقيس عليه إما قطعًا وإما مرجحًا .. ثبت أن الأرجح هنا: التوزيع بالتنصيف يحسب المضمون وغير المضمون، قال: والميل الذي استشعره الرافعي إنما جاء من جهة من يقيس إيجاب النصف على صورة الجراحة، ثم يفرق في القول الثاني بأن نكاية الجراحات في الباطن والضربات في الظاهر، وقد عرفت أن الشَّافعي إنما قاسه على ما لا يدخله هذا الفرق، إلَّا أن يخالفوا النص ويوجبوا على الرجلين الدية مقسطة على عدد ضربيهما، والمعتمد: نص صاحب المذهب، ثم قال شيخنا:

الحديث: 5201 - الجزء: 3 - الصفحة: 271

ومحل هذا الخلاف: ما إذا ضربه الزائد مع بقاءِ ألم الضرب الأول، فإن ضربه الحد كاملًا وزال ألم الضرب، ثم ضربه الزائد فمات .. ضمن ديته كلها بلا خلاف.
5204 - قول "المنهاج" [ص 516]: (ويجريان في قاذف جُلد أحدًا وثمانين) قال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضاه: أن القولين منصوصان في الزِّيادة على الأربعين في شرب الخمر، وأنهما يجريان في هذه الصورة، وليس كذلك، وإنَّما النص عليهما في هذه الثانية، وأطلق في الأولى ضمان عاقلة الإمام الدية، ولم يرد بذلك كل الدية، وإنَّما أراد بعضها.
5205 - قول "الحاوي" [ص 597]: (والأب ومأذونه الصغير) كذلك المعتوه في معنى الصغير؛ فللأب تأديبه بما يضبطه، والأم إذا كان الصبي في كفالتها يشبه أن تكون كالأب، قاله الرافعي.
5206 - قول "المنهاج" [ص 516]: (ولمستقل قطع سلعة إلَّا مخوفة لا خطر في تركها، أو الخطر في قطعها أكثر) 44 فيه أمور: أحدها: قال شيخنا ابن النقيب: المستقل هو: البالغ العاقل 45، وفهم ذلك من عبارة "الروضة" وأصلها؛ فإنه جعل في مقابلته الموليَّ لصغر أو جنون 46، ويوافقه عبارة "الحاوي" فإنه عبر بدل المستقل بالعاقل، فقال [ص 598]: (وللعاقل قطع سلعة ليس أخطر) أي: ليس قطعها أخطر من تركها، ولا يخفى اعتبار البلوغ مع العقل.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس المراد: المستقل المطلق بل المستقل بنفسه، وهو كذلك في بعض نسخ "المنهاج"، وهو: البالغ العاقل الحر ولو مع السفه، أو المكاتب، أو الموصى بإعتاقه بعد موت الموصي وقبل إعتاقه إذا جعلنا كسبه له، بخلاف المنذور إعتاقه أو المشروط إعتاقه؛ لأن كسبه لمالكه، فليس مستقلًا بنفسه، وبخلاف العبد الموقوف؛ فإنه ليس مستقلًا بنفسه، قال: وإن شئت .. قلت: هو المكلف الحر أو الرقيق الذي كسبه له، قال: وفي "الروضة" في (الجنايات) فيما إذا خاط جرحه في لحم ميت: ولو تولاه الإمام في مجروح؛ فإن كان بالغًا رشيدًا .. فكذلك؛ لأنه لا ولاية له عليه 47، ومقتضاه: أن السفيه ليس مستقلًا بنفسه في ذلك، وليس كما اقتضاه كلامه.
ثانيها: مقتضى كلامهما الجواز إذا استوى الخطر في القطع والترك، ونازع فيه شيخنا الإمام

الحديث: 5204 - الجزء: 3 - الصفحة: 272

البلقيني، وقال: لم يسبق الرافعي إلى ترجيحه أحد 48، والأصح: المنع، وهو اختيار الشيخ أبي حامد.
ثالثها: مقتضى كلامهما: أن ذلك لا يجب، قال شيخنا الإمام البلقيني: لكن إذا كان الخوف في الترك أكثر وقال الأطباء: إن لم يقطع .. حصل أمر يفضي إلى الهلاك .. فإنه يجب كما يجب دفع المهلكات، ويحتمل الاستحباب.
5207 - قول "المنهاج" [ص 516]: (ولأبٍ وجَدٍّ قطعها من صبي ومجنون مع الخطر إن زاد خطر الترك، لا لسلطان، وله ولسلطان قطعها بلا خطرٍ، وفصدٌ وحجامةٌ) فيه أمران: أحدهما: مقتضاه: أن وصي الأب والجد ليس له شيء من ذلك، ويخرج من كلام الماوردي فيه وجهان، حكاهما في (الضمان) 49، ونقل ذلك شيخنا الإمام البلقيني إلى الجواز، وقال: وفيه نظر؛ لأنه لا شفقة له على محجوره كالأب أو الجد.
نعم؛ لو كانت الأم وصية أو قلنا: تلي .. اتجه أن تنزل منزلة الأب، ثم قال: والأصح عندي في الوصي وأمين الحكم: أنهما كالحاكم.
ثانيهما: قال شيخنا المذكور: حيث يطلق السلطان .. فالمراد به: الإمام ونوابه، إلَّا في هذا الموضع، قال الماوردي: حكي وجهين في تنزيل القاضي والأمير منزلة الإمام، وحكى في أمين الحاكم وجهين، ذكره في الضمان قود أو دية 50، فنقلناه إلى الجواز وعدمه، وعبارة "الحاوي" [ص 598]: (وللأب والجد بلا خطر، أو حيث الترك أخطر، وفصد الصغير وحجامته) فيرد عليه الأمر الأول، وفاته ذكر أن للسلطان قطع السلعة حيث لا خطر، والفصد والحجامة، قال في "التعليقة": فلو قال: (وللولي بلا خطر من الصغير، وفصده وحجامته، وحيث الترك أخطر للأب والجد) .. كان موافقًا لما ذكره الأئمة.
5208 - قول "المنهاج" [ص 516]: (فلو مات بجائز من هذا .. فلا ضمان في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (الصحيح) لضعف مقابله، وهو في "أصل الروضة" محكي عن الجماهير 51. 5209 - قول "التنبيه" [ص 214، 215]: (وإن قطعها - أي: السلعة - حاكم أو وصي من صغير فمات .. ففيه قولان، أحدها: يجب عليه القود، والثاني: يجب عليه الدية) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 516]: (ولو فعل سلطانٌ بصبيٍّ ما مُنع منه .. فدية مغلظة في ماله)

الحديث: 5207 - الجزء: 3 - الصفحة: 273

لكن مال شيخنا الإمام البلقيني إلى وجوب القصاص فيما إذا كان الخوف في القطع أكثر، وحكاه عن جزم الماوردي في غير الإمام؛ كالأمير والقاضي، وحكى فيما إذا كان إمامًا وجهين 52، ومقتضى فرضه المسألة في السلطان: أن الأب والجد ليسا كذلك؛ إما لانتفاء الدية؛ أو لأنها على العاقلة، وليس كذلك، بل لو فعلا الممنوع .. فالدية عليهما في مالهما؛ فلا معنى لتقييد ذلك بالسلطان، وذكر الماوردي أن محل الخلاف فيما إذا كان ترك القطع أخوف، وقد عرفت أن الخلاف في ضمان الوصي قولان في "التنبيه"، وتقدم من كلام شيخنا حكاية وجهين من كلام الماوردي، والله أعلم.
5210 - قول "التنبيه" في العاقلة [ص 228]: (وما يجب بخطأ الإمام .. فهو في بيت المال في أحد القولين، وعلى عاقلته في الآخر) الأظهر: الثاني، ومحل الخلاف: فيما إذا وجب بخطئه في الأحكام، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج" 53، لكن تعبيره بقوله: (وما وجب بخطأ الإمام في حد أو حكم) 54 يخرج التعزير، وذكر شيخنا الإمام البلقيني أن مذهب الشَّافعي: القطع بانه على العاقلة، وقال: لم أجد له إثبات قولين في ذلك؛ فإثباتهما ضعيف، وإن جرى عليه جمع كثير من الأصحاب، ومحل الخلاف أيضًا: فيما إذا لم يسرف المعزر، ولا ظهر منه قصد القتل، فإن كان كذلك .. تعلق به القصاص، والدية المغلظة في ماله.
5211 - قول "الحاوي" [ص 597]: (وما لم يَجُزْ كالحكم بعبدين بتقصير) هو أعم من قول "المنهاج" [ص 516]: (ولو حده بشاهدين فبانا عبدين أو ذميين أو مراهقين؛ فإن قصَّر في اختبارهما .. فالضمان عليه) لأنه يدخل فيما لم يجز ما إذا بانا عدوين للمشهود عليه أو أصلين أو فرعين للمشهود له أو امرأتين أو فاسقين أو تبين أحدهما فقط بهذه الصفة أو حده في الزنا بأربعة فبانوا أو بعضهم كذلك؛ فعبارة "المنهاج" طويلة غير مستوعبة، ولو عبر بالكافرين .. لكان أعم؛ فالحربي في ذلك كالذميّ، إلَّا فيما يتعلق بالخلاف في التضمين؛ فإنه يجري في المستأمن دون الحربي الذي لا أمان له، فلو بأن أن الطالب للحد أصل للحاكم أو فرع له، وقد أقر المدعى عليه أو قامت البينة المعتبرة .. فقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يظهر والله أعلم أنَّه لا يتعلق بالحاكم من ذلك ضمان؛ لأن شأن الحاكم البحث عن الشهود، وليس من شانه البحث عن الخصم بالنسبة لما يندر ولا يخطر بباله من كون الخصم أصلًا للحاكم أو فرعًا له.
وذكر شيخنا أيضًا: أن الذي نص عليه الشَّافعي أن كون الضمان عليه إنما هو فيما إذا تعمد،

الحديث: 5210 - الجزء: 3 - الصفحة: 274

فأما إذا أخطأ .. فهو على العاقلة، ولو قصر، قال: وهو مقتضى كلام "الروضة" وأصلها؛ حيث قال: إن قصّر في البحث عن حالهما .. فالضمان عليه لا يتعلق ببيت المال ولا بالعاقلة أيضًا إن تعمد 55. ثم ظاهر كلام "المنهاج" أنَّه لا قود على الإمام، وبه صرح "الحاوي" 56، وقال الإمام فيما إذا تعمد في القصاص: تردد، والراجح وجوبه 57. وقال شيخنا الإمام البلقيني: بل يجب قطعًا، فلا تردد، وليس صورة البينة التي لم يبحث عنها الإمام ولم يظهر له شرط الحكم بها شبهةً مانعة من القصاص، وظاهر كلامهما أنَّه لا ضمان على المشهود له، وبه صرح في "أصل الروضة" قبيل (الدعوى والبينات) 58، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه محمول على غير العالم، فإن قال: كنت عالمًا بأن الشاهدين ذميان أو نحوهما ممن لا تقبل شهادته ولكن قصدت الوصول إلى حقي بذلك .. فلا توقف في أنا ندخله في ضمان الدية على المعتمد.
وأفهم كلامهما أيضًا أنَّه لا ضمان على المزكين، وهو الذي في "أصل الروضة" قبيل الدعوى والبإينات عن العراقيين؛ وعللوه: بأن الحكم غير مبني على شهادتهم 59، لكن المعتمد ما في "أصل الروضة" في (القصاص): أن المزكي الراجع يتعلق به القصاص والضمان على الأصح؛ لأنه بالتزكية يلجئ القاضي إلى الحكم المقتضي للقتل 60. 5212 - قول "المنهاج" [ص 516]: (فإن ضَمَّنَّا عاقلة أو بيت المال .. فلا رجوع على الذميين والعبدين في الأصح) فيه أمران: أحدهما: أنَّه يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل هو إما قولان كما حكاه أَبو الفرج الزاز، أو طريقان؛ فقد حكى في "أصل الروضة" قبيل (الدعوى والبينات) عن العراقيين: أنهم قطعوا بعدم الضمان 61، أو قول ووجه، هو الظاهر؛ فقد نص على عدم الرجوع في "مختصري المزني والبويطي" 62، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على مقابله منصوصًا.

الحديث: 5212 - الجزء: 3 - الصفحة: 275

ثانيهما: أنَّه سكت عن المراهقين، وأشعر بمفهومه بالقطع بالرجوع عليهم أو بعدمه، وليس كذلك؛ ففيهم خلاف، والصحيح: عدم الرجوع، قال في "الحاوي" [ص 598]: (والرجوع على الفاسق المعلن) ومفهومُه أنَّه لا يجوز الرجوع على بقية من لا يجوز الحكم بشهادته.
5213 - قول "المنهاج" [ص 516]: (ومن حجم أو فصد بإذن .. لم يضمن) المراد: إذن من يُعتبر إذنه.
5214 - قوله: (وقَتْل جلاد وضَربُه [بأمر] 63 الإمام كمباشرة الأمام إن جهل ظلمه وخطأه، يلا .. فالقصاص، والضمان على الجلاد إن لم يكن إكراه) 64 يفهم أنَّه إذا كان هناك إكراه .. لا شيء على الجلاد، وليس كذلك، بل يجب عليه مع الإكراه أيضًا، ومراده: ما لم يكن إكراه، فلا يختص الجلاد بذلك، وحذف هذا القيد أولى كما فعل "التنبيه" حيث قال [ص 214]: (وإن علم .. وجب القود على المأمور)، و"الحاوي" حيث قال [ص 598]: (وضمن الجلاد إن علم).
5215 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (ويجب الختان) 65 يستثنى منه: الخنثى المشكل؛ فيحرم ختانه على الأصح في زيادة "الروضة" 66، وقال ابن الرفعة، المشهور: أنَّه يجب ختن فرجيه جميعًا 67. 5216 - قول "المنهاج" في المرأة [ص 516] (بجزء من اللحمة بأعلى الفرج) أحسن من قول "الحاوي": [ص 598، (ومسمَّاه للمرأة) لتعيينه محل القطع.
5217 - قولهما أيضًا: (بعد البلوغ) 68 أهملا شرطًا آخر، وهو: العقل، فلو بلغ مجنونًا .. لم يجب ختانه، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض له، ولو قالا: (بعد التكليف) .. لكان أولى، وفي "أصل الروضة" عن الإمام: أنَّه لو كان البالغ المكلف ضعيف الخلقة بحيث لو خُتِن خيف عليه .. لم يختن، بل ينتظر حتَّى يصير بحيث يغلب على الظن سلامته 69. قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا شرط لأداء الواجب، لا أنَّه شرط للوجوب، ومحتمل أن يجعل شرطًا للوجوب، فيكون للوجوب على هذا ثلاث شرائط: البلوغ، والعقل، وعدم الخوف عليه بالختان.

الحديث: 5213 - الجزء: 3 - الصفحة: 276

5218 - قول "الحاوي" [ص 599]: (وتقديمه أولى) أي: في سابعه - كما صرح به "المنهاج" 70 -، إن أطاقه، ولا يحسب يوم الولادة من السبعة على الأصح في زوائد "الروضة" هنا، وحكاه عن الأكثرين 71، وفي "المهمات": أن عليه الفتوى؛ فإنه المنصوص للشافعي في "البويطي"، لكن صحح في "شرح مسلم" في خصال الفطرة: حسبانه 72، وصححه أيضًا في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" بالنسبة للعقيقة 73، وهي نظيره؛ فإن العقيقة والختان وحلق رأس المولود وتسميته يستحب فعلهن يوم السابع، ويحتمل أن يريد "الحاوي": أن تقديمه على البلوغ أولى.
5219 - قول "المنهاج" [ص 516]: (ومن ختنه في سن لا يحتمله .. لزمه قصاص) محله: ما إذا علم أنَّه لا يحتمله، فإن ظن أنَّه يحتمله .. فلا قصاص.
5220 - قوله: (إلَّا والدًا) 74 كذا لو كان مالكًا أو مسلمًا والمختون كافرًا، فلو قال: (إن كان ممن تقبل به) .. لكان أعم.
5221 - قوله: (فإن احتمله وختنه وليٌّ .. فلا ضمان في الأصح) 75 يقتضي أنَّه لو ختنه أجنبي .. وجب الضمان، وفي "أصل الروضة" ما يقتضي أن كلام البغوي يقتضي ترجيح تضمينه؛ فإنه قال: يحتمل أن يبني على ختن الإمام في الحر الشديد؛ إن ضمناه .. ضمن هنا، وإلَّا .. فلا، وبناه السرخسي على الجرح اليسير، هل فيه قصاص؟ إن قيل: نعم .. فهو عمد، وإلَّا .. فشبه عمد 76. وتعقب في "المطلب" كلام البغوي: بأن تعدّي الإمام لأجل الزمان لا لعدم الولاية، وتعدّي الأجنبي لعدم الولاية؛ ولذلك لم يسقط عنه الماوردي وأَبو الفرج في "الأمالي" الضمان.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما ذكره السرخسي من الخلاف في الجرح اليسير غير معروف، وفي "المطلب": أنَّه أشار به إلى غرز الإبرة، وقال شيخنا: عندي - والله أعلم - أنَّه إنما جرى الخلاف في الختان والحجامة؛ لأنهما معتادان مطلوبان شرعًا، وفيهما السلامة غالبًا، وما كان كذلك .. ففي دخول القود فيه تردد، لا لكون الموجود جرحًا يسيرًا، ومال شيخنا إلى عدم

الحديث: 5218 - الجزء: 3 - الصفحة: 277

الخلاف، فقال: بل يقطع بأنه ضامن، بل يقتص منه على المعتمد؛ فإن جراحة العمد إذا سرت إلى النفس .. أوجبت القصاص وإن لم تقتل غالبًا.

فَصْلٌ [ضمان الدواب والبهائم]

5222 - قول "الحاوي" عطفًا على المضمون [ص 601]: (وعض ورمح بالمالك) لا يختص ذلك بالعض والرمح، بل الضرب باليد والإتلاف بالذنب كذلك، ولا بالمالك، بل لو كان معها أجير أو مستأجر أو مستعير أو غاصب .. فهو كالمالك في ذلك؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 221]: (وإن كان معه دابة فأتلفت إنسانًا بيدها أو رجلها .. وجب عليه ضمانه) فلم يخص ذلك بالمالك، لكن يرد عليه: أنَّه لا يختص الضمان بإتلاف الإنسان، ولا بكونه باليد أو الرجل؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 517]: (من كان معه دابة أو دواب .. ضمن إتلافها نفسًا ومالًا ليلًا ونهارًا) فعبارته في هذا أحسن العبارات، ومع ذلك: فأورد عليها: صيد الحرم والإحرام وشجر الحرم؛ فإنه يضمنه، وليس نفسًا ولا مالكٌ، وقد ينازع في كونه غير مال.
وأورد عليهم جميعًا أمور: أحدها: أنَّه يستثنى منه ذلك ما إذا كان صبيًا أو مجنونًا أركبه أجنبي .. فإن الضمان إنما يتعلق بالأجنبي الذي أركبه كما تقدم ذكره في (الجنايات)، وقيده الشَّافعي رضي الله عنه بأن يكون مثلهما لا يضبط الدابة.
ثانيها: يستثنى منه: ما إذا نخسها إنسان بغير إذن راكبها فرمحت وأتلفت .. فالضمان على الناخس على الصحيح، ولو غلبته الدابة فاستقبلها إنسان وردها فأتلفت في انصرافها .. فالضمان على الراد.
ثالثها: ويستثنى منه أيضًا ما إذا لم يكن ذلك في حياتها، فإن سقطت ميتة فأهلكت نفسًا أو مالًا .. فلا ضمان على الراكب كما حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي 77، وقد يقال: لم تتناول عبارتهم هذه الصورة.
رابعها: مقتضى المعية التي في كلامهم: أنَّه لو كان معها سائق وقائد .. فالضمان عليهما بالسوية، وهو كذلك، وأنه لو كان معها سائق أو قائد مع راكب .. أن الضمان عليهما، وهو أحد وجهين في كلام الرافعي والنووي بلا ترجيح، والثاني: تخصيص الضمان بالراكب وهو الأصح؛ لأن الرافعي بناه على الخلاف في تنازع الراكب والسائق في الدابة، تجعل في يديهما أو تختص

الحديث: 5222 - الجزء: 3 - الصفحة: 278

بالراكب 78، والمذهب في الرافعي في آخر (الصلح): أن اليد للراكب، فرضه في تنازع الراكب والقائد 79، وأسقط ذلك في "الروضة".
خامسها: حكى ابن المنذر في "الإشراف": أن أبا ثور حكى عن الشَّافعي: أن رمح الدابة من غير أن يفعل بها شيئًا غير مضمون، قال ابن المنذر: وبه أقول 80، وحكى المرعشي في "ترتيب الأقسام" قولًا عن الشَّافعي: أنَّه لا يضمن من هو مع الدابة إلَّا ما أوطأها عليه متعمدًا، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وهذا وإن كان غير معروف في الكتب .. فهو مستقيم ثم اختار شيخنا: أنَّه لا يضمن إلَّا أن ينسب إلى تقصير؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "جرح العَجْمَاءِ جُبَارٌ" 81، وهو في "الصحيحين" 82. ويرد على "التنبيه" و"المنهاج": ما إذا كانت الدابة معه في مسكنه ولو بإجارة أو إعارة فدخل فيه إنسان فرمحته أو عضته .. فلا ضمان، ولا يرد ذلك على "الحاوي" لتقييده الضمان بكونه في الطرق.
5223 - قول "المنهاج" [ص 517]: (ولو بالت أو راثت بطريق فتلف به نفس أو مال .. فلا ضمان) هو احتمال للإمام جزم به هنا في (ضمان البهائم) 83، لكنه في (الديات) بين أنَّه احتمال، وأن الأصحاب على الضمان 84، وجزم به الرافعي في (محرمات الإحرام)، فقال عطفًا على ما فيه الضمان: وكذا لو بالت في الطَّرِيقِ فزلق به صيد وهلك؛ كما لو زلق به آدمي أو بهيمة، وأسقط في "الروضة" قوله: كما لو زلق به آدمي أو بهيمة 85. قال شيخنا الإمام البلقيني: وصرح بإيجاب الضمان في بول الدابة وروثها السائرة مع الراكب أو القائد أو السائق ابن القاص والشيخ أَبو حامد، نقلاه عن النص والماوردي والبندنيجي والشيخ في "المهذب" وابن الصباغ والقفال في "شرح التلخيص" وأَبو الفرج الزاز وصاحب "التتمة"، وبسط ذلك، ثم قال: فظهر أن المسألة مذكورة في كتب الطريقين على خلاف ما جزم به المصنف وأصله، ولم يستحضر المنقول في المسألة حين كتابة هذا الموضع.

الحديث: 5223 - الجزء: 3 - الصفحة: 279

5224 - قول "المنهاج" [ص 517]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 602]: (ويحترز عما لا يعتاد؛ كركضٍ شديدٍ في وحلٍ، فإن خالف .. ضمن ما تولد منه) مقتضاه: أنَّه لا ضمان في المتولد من معتاد.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه بحث للإمام، بناه على ما قدره من أنَّه لا ضمان فيما يتلف ببولها وروثها 86، وقد تقدم رده، والذي يقتضيه قياس المذهب: الضمان، وإطلاق نصوص الشَّافعي والأصحاب قاضية، وما في "أصل الروضة" من أنَّه لو ركض دابته فأصاب شيء من موضع السنابك - أي: طرف مقدم الحافر - عين إنسان وأبطل ضوءها .. لا ضمان إن كان موضع ركض 87، ممنوع، بل هو مضمون مطلقًا، قال: وعلى مقتضى بحث الإمام: فالركض الشديد إذا تولد منه ما يحصل به التلف .. كاف في الضمان وإن لم يكن في وحل.
5225 - قول "المنهاج" [ص 517]: (ومن حمل حطبًا على ظهره أو بهيمة فحك بناء فسقط .. ضمنه) قال شيخنا الإمام البلقيني: يستثنى منه ما إذا بناه مائلًا على صورة مضرة بالمار .. فلا ضمان؛ لأنه مستحق الإزالة، قال: فلو بناه مستويًا ثم مال على صورة مضرة بالمار .. فالأرجح فيه أيضًا: عدم الضمان.
5226 - قول "الحاوي" [ص 601]: (وفي الطرق بتخريق حطب من خلف بلا تنبيه) فيه أمور: أحدها: أنَّه لو كان الذي يخرق ثوبه أعمى .. فهو كما لو كان التخريق من خلفه.
ثانيها: أن محل تخصيص الضمان بالأعمى والمستدبر ما إذا لم يكن زحام، فإن كان زحام .. ضمن مطلقًا، وقد ذكرهما "المنهاج" 88. ثالثها: إنما يضمن للأعمى والمستدبر الكل إذا لم يكن من صاحب الثوب جدبة أيضًا، فإن كان منه ذلك .. ضمن له النصف فقط، ويسقط ما يقابل جَدْبته.
رابعها: قال في "المنهاج" [ص 517]: (وإنَّما يضمنه إذا لم يقصر صاحب المال، فإن قصر؛ بأن وضعه بطريق أو عرَّضه للدابة .. فلا) وقال شيخنا الإمام البلقيني: محل انتفاء الضمان: ما إذا لم يتعمد صاحب الدابة ما يقتضي إتلافه، فإن تعمد .. لزمه الضمان.
5227 - قول "التنبيه" في الدابة [ص 211]: (وإن لم يكن معها؛ فإن كان بالنهار .. لم يضمن ما يتلفه، وإن كان بالليل .. ضمن) فيه أمور: أحدها: أنَّه يستثنى من عدم الضمان نهارًا: ما إذا كانت المراعي متوسطة المزارع، أو كانت

الحديث: 5224 - الجزء: 3 - الصفحة: 280

البهائم ترعى في حريم السواقي .. فيجب ضمان ما تفسده إذا أرسلها بلا راع؛ لاعتياد الراعي في مثل ذلك، وهذا وارد على "المنهاج" أيضًا، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 601]: (ومتلف بهيمة سُرّحت جوار مزرع واتسع المرعى)، لكن تقييده ذلك باتساع المرعى تبع فيه الغزالي 89، ولم يعتبره الرافعي ولا غيره، قال البارزي: ولا يظهر اتجاهه، وعبر في "تيسيره " بقوله: اتسع المرعى أو ضاق، ثم قال: ويحتمل أن الغزالي والمصنف أراد به: التصوير، لا التقييد، فإنه إذا ضمنا مع اتساع المرعى وجواز انتشار الداواب فيه وبُعدها عن المزارع .. فمع ضيق المرعى أولى، ونبه على ذلك أيضًا صاحب "التعليقة" فقال: ما أشعر به من اشتراط اتساع المرعى ليس كذلك؛ فإن الضيق كالواسع في ذلك، قال: فالأولى أن يحمل قوله: (واتسع) على أنَّه حال، وكذا قال القونوي: الواو في قوله: (واتسع المرعى) للحال.
قلت: وهذا لا يدفع الإيراد؛ فإن الحال قيد، لكن نازع شيخنا الإمام البلقيني في اعتبار هذا من أصله، وقال: الأصح عندنا: ما أطلقه الشَّافعي ومعظم الأصحاب من عدم الضمان نهارًا من غير نظر إلى ذلك في وسط المزارع أم لا.
ثانيها: يرد عليهم جميعًا: أن محل عدم الضمان: ما إذا رعت في موات أو مملوك لأصحابها، فإن أرسلت في موضع مغصوب فانتشرت منه إلى غيره فافسدته .. كان مضمونًا على من أرسلها، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وقد قال القاضي حسين: إذا خلاها في ملك الغير، فسواء كان ليلًا أو نهارًا .. فهو مضمون؛ لأنه مُتعدٍ في إرساله.
ثالثها: ويرد عليهم أيضًا: أن محل عدم الضمان: إذا كان الإرسال بالصحراء، فإن كان بالبلد فأتلفت شيئًا .. ضمنه على الأصح في "أصل الروضة" 90، وحكى في "المطلب" عدم الضمان عن الجمهور.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وكأنه أخذه من حكاية الرافعي له عن غير أبي الطيب بنُ سلمة 91، قال: وهذا لا ينبغي أن يؤخذ منه النقل عن الجمهور.
رابعها: ومحل عدم الضمان أيضًا: إذا جرت عادة البلد بإرسال المواشي نهارًا، فإن اعتادوا حفظها ليلًا ونهارًا .. وجب الضمان ولو أتلفت نهارًا، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض له.
خامسها: ومحل عدم الضمان أيضًا ما إذا لم يكن وديعة أو كان لها أجير يحفظها، فمتى أرسل

الجزء: 3 - الصفحة: 281

الوديعة فأتلفت .. لزمه الضمان ولو نهاراً، ولو استأجر رجلًا لحفظ دوابه فأتلفت زرعا ليلًا أو نهاراً .. فعلى الأجير الضمان، حكاه الرافعي عن "فتاوى البغوي"، وعلله: بأن عليه حفظها في الوقتين 92. وفي معناهما: ما لو كانت تحت يد مستأجر أو مستعير أو مرتهن أو عامل قراض أو أمين بوجه ما أو غاصب أو مالك راهن قد استعارها من المرتهن .. فكل هؤلاء مأمورون بالاحتياط والحفظ، وقال الرافعي في الأولى: يشبه أن يقال: عليه حفظها بحسب ما يحفظ المالك 93، وقال النووي من زيادته: ينبغي ألاَّ يضمن الأجير والمودع إذا أتلفت نهاراً؛ لأن على صاحب الزرع حفظه نهاراً، وتفريط الأجير إنما يؤثر في أن مالك الدابة يضمنه 94. ورد شيخنا في "تصحيح المنهاج" كلام الرافعي في صورة الوديعة بأن المودع مأمور بالاحتياط في الحفظ بخلاف المالك، قال: وما ذكره النووي في الأجير والمودع مردود في غير الزرع، فإنه لا يجيء فيه التعليل بأن على صاحب الزرع حفظه نهاراً، وقوله: (وتفريط الأجير إنما يؤثر في أن مالك الدابة يضمنه) ممنوع، بل يؤثر أيضاً في ضمان ما تتلفه الدابة التي لم يحتط في حفظها الاحتياط المأمور به، قال: وقد جعل الشافعي والأصحاب الدابة التي أركبها أجنبي صبيًا أو مجنونا تحت يده وإن كان غائباً عنها؛ ولذلك جعلوه ضامنًا لما تتلفه، ولو كان كما قال النووي .. لم يضمن؛ لأن تفريطه إنما يؤثر في ضمان الدابة دون ما يحدث منها.
سادسها: ويستثنى من عدم الضمان أيضاً: ما لو تكاثرت المواشي بالنهار حتى عجز أصحاب الزرع عن حفظها .. فحكى فيه الماوردي وجهين بلا ترجيح، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: وجوب الضمان على أصحاب المواشي، لخروج هذا عن مقتضى العادة، وهي المعتبرة على الأصح.
سابعها: ويستثنى من عدم الضمان أيضًا: ما إذا ربطها في الطريق على بابه أو غيره .. فيلزمه الضمان مطلقاً، ولو كان الطريق واسعًا على الصحيح المنصوص.
ثامنها: ويستثنى من الضمان ليلاً: ما ذكره في "المنهاج" بقوله [ص 517]: (إلاَّ ألاَّ يُفرط في ربطها، أو حضر صاحب الزرع وتهاون في دفعها، وكذا إن كان الزرع في محوط له باب تركه مفتوحاً في الأصح) وقد ذكر "التنبيه" الأولى بقوله عقبه [ص 221، 222]: (وإن انفلتت بالليل فأتلفت؛ فإن كان بتفريط منه في حفظها .. ضمن، وإن لم يكن بتفريط منه .. لم يضمن)،

الجزء: 3 - الصفحة: 282

واقتصر "الحاوي" على استثناء الثالثة فقال [ص 601]: (لا في بستان مفتوح) وتعبير "المنهاج" يقتضي عدم الخلاف في الأولين، وليس كذلك؛ فالخلاف في الأولى في "البيان"، والثانية في "أصل الروضة" 95. تاسعها: ويستثنى مع ذلك أيضًا: ما لو خلاها في موضع بعيد لم تجر العادة بردها منه إلى المنزل ليلًا؛ كالجبال والمفاوز شهراً أو شهرين للرعي .. فلا ضمان، ولو أفسدت ليلًا كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن الدارمي والقاضي حسين.
عاشرها: يستثنى من الدواب الحمام وغيره من الطير .. فلا ضمان بإتلافهما مطلقاً، حكاه في "أصل الروضة" عن ابن الصباغ، وعلله: بأن العادة إرسالها 96، ويدخل في ذلك النحل، وقد أفتى شيخنا الإمام البلقيني في نحل لإنسان قتلت جملاً لآخر بعدم الضمان، وعلله: بأن صاحب النحل لا يمكنه ضبطها، والتقصير من صاحب البعير.
حادي عشرها: محل الضمان ليلًا وعدمه نهاراً في بلد جرت عادتهم بإرسال المواشي نهاراً وحفظها ليلًا، فلو جرت العادة في ناحية بالعكس .. فالأصح: أنه ينعكس الحكم، فيضمن ما أتلفه بالنهار دون الليل.
5228 - قول "الحاوي" [ص 602]: (وهرة - أي: ومُتْلَف هرَّةٍ - تُفسِدُ الأطعمة والطيور يُضمن) محله: ما إذا عهد ذلك منها كما صرح به "المنهاج" 97، والمراد: أن يعهده الضامن؛ لأنه حينئذ مقصر بإرسالها، وقول "المنهاج" [ص 517]: (ضمن مالكها) لا يتقيد به؛ فكل من يؤديها ضامن بشرطه، ويستثنى منه: تضمينه ما إذا ربطها فانفلت بغير تقصير منه.
5229 - قول "الحاوي" [ص 602]: (ولا تُقتل) أي: في حال سكونها، فلو قصدت الحمام ونحوه فقتلت في الدفع .. فلا ضمان، وليس هذا إباحة للقتل، بل للقتال، والله أعلم.


الحديث: 5228 - الجزء: 3 - الصفحة: 283

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل