4715 - قولهما - والعبارة لـ " التنبيه " -: (دية الحر المسلم مئة من الإبل) (1) كان ينبغي أن يقولا: (الذكر) ولعلهما سكتا عن ذلك لفهمه من النطق به مذكرًا، ثم محل ذلك: إذا لم يكن في القاتل رق، فإن كان رقيقًا لغير المقتول أو مكاتبًا ولو له.. فالواجب أقل الأمرين من قيمة الرقيق والدية على الأظهر، وإن كان مبَعّضًا.. لزمه لجهة الحرية القدر الذي يناسب الحرية من نصف أو ثلث، ويتعلق بالقدر الرقيق أقل الأمرين من الحصة من الدية والحصة من القيمة.
4716 - قولهم: (مُثَلّثَة في العمد) (2) يقتضي اختصاص ذلك بدية النفس ولو ناقصة، وليس كذلك؛ فالأطراف يأتي فيها عند العمد المحض وانتفاء القصاص التثليث على الجاني، نص عليه في " الأم " و" المختصر "، واتفق عليه الأصحاب.
4717 - قولهم: (ومُخَمَّسَة في الخطأ)، والعبارة لـ " المنهاج ": (عشرون بنت مخاض، وكذا بنات لبون وبنو لبون وحقاق وجذاع) (3) هو المنقول، لكن اختار شيخنا الإمام البلقيني على أصل الشافعي وجوب عشرين من بني مخاض بدل بني اللبون؛ لأنه أقل ما قيل في ذلك، قال به ابن مسعود وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وإنما أوجب الشافعي بني اللبون؛ لاعتقاده أنه أقل ما قيل؛ فإنه لم يبلغه مذه
ب اب
ن مسعود في ذلك، وسبقه إلى اختيار ذلك لهذا المدرك ابن المنذر 4، وكلام البيهقي يقتضي ذلك وإن لم يصرح به 5، ولم يصح في ذلك حديث مرفوع، والله أعلم.
4718 - قول " التنبيه " [ص 223]: (فإن قتل في الحرم) أي: حرم مكة، كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 6، ولا يلتحق بذلك حرم المدينة على الصحيح، واختار شيخنا الإمام البلقيني إلحاقه به؛ لأن الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في ضمان صيده، والمختار عند النووي: ضمانه صيده بسلب الصائد 7، وفي كلامهم معًا أمور:
أحدها: أن ظاهر كلام " التنبيه " و " المنهاج " يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون القاتل والمقتول123
في الحرم أو أحدهما فقط فيه، وصرح به " الحاوي " بقوله [ص 553]: (رميًا أو إصابة) وهذا هو المنقول، وألحق به في " المطلب " ما إذا جرحه والمجروح في الحرم فخرج المجروح إلى الحل ومات فيه.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ومقتضى الإلحاق بالصيد: أنه لو كان بعض القاتل أو المقتول في الحل وبعضه في الحرم، أو قطع السهم في مروره هواء الحرم وهما في الحل.. غلظت الدية، قال شيخنا: وعندي أن إلحاق ذلك بالصيد بعيد، وأن الاعتبار بأن يكون القتيل أو الجريح في الحرم سواء أكان القاتل أو الجارح في الحرم أم لا، وهو ظاهر نص الشافعي في كتبه وكلام كثير من أصحابه.
ثانيها: أنه لا يختص التغليظ بالقتل؛ فالجراح في الحرم مغلظة وإن لم يمت منها، وقد نص عليه في " المختصر " فقال: (وكذلك التغليظ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام وذي الرحم) 1، وصرح به الشيخ أبو حامد.
ثالثها: مقتضى كلامهم: أنه لا تغليظ في الجنين ولو قتل في الحرم، وبه صرح الشيخ أبو حامد، لكن نص في " الأم " على خلافه، فقال: (وقيمة الغرة نصف عشر دية الرجل المسلم، وذلك في العمد وعمد الخطأ خمس من الإبل خمساها وهو بعيران قيمة خلفتين، وثلاثة أخماسها قيمة ثلاث جذاعٍ وحقاقٍ من إبل عاقلة الجاني)، ثم قال: (وفي الخطأ عن قيمتها: خمس من الإبل أخماسًا قيمة بنت مخاض وقيمة بنت لبون وقيمة ابن لبون ذكر وقيمة حقة وقيمة جذعة) 2.
4719 - قول " الحاوي " [ص 553]: (ولذي رحم) يقتضي الاكتفاء بذلك وإن لم يكن محرمًا، وبه قال الشيخ أبو حامد، وحكي عن القفال، واختاره الشيخ أبو محمد والروياني، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأرجح، وحكاه عن ظاهر نص " الأم " و" المختصر " فإنه لم يعتبر فيهما إلا كونه ذا رحم 3، لكن صحح الرافعي والنووي اشتراط المحرمية أيضًا 4، وحكى القاضي حسين إجماع الأصحاب عليه، وعليه مشى " التنبيه " و" المنهاج " 5، ولا تغليظ لمحرمية الرضاع والمصاهرة قطعًا.
4720 - قول " التنبيه " [ص 223]: (ولا يؤخذ فيها معيب ولا مريض) و" الحاوي " [ص 556]: (لا المعيب)، قال في " المنهاج " [ص 483]: (إلا برضاه) والمراد: العيب المثبت للرد في البيع.
4721 - قول " المنهاج " [ص 483]: (ويثبت حَمْلُ الخلفة بأهل الخبرة) و" الحاوي " بقول [ص 553]: (أهل البصر) المراد: عدلان منهم.
4722 - قول " المنهاج " [ص 483]: (والأصح: إجزاؤها قبل خمس سنين) يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في " الروضة " وأصلها قولان، ولم يعتبروا لنهاية سنها حدًا 1، وروى النسائي بإسناد رجاله ثقات في حديث مرفوع: " منها أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة" 2 ومقتضاه: أنها لا تجزئ إذا جاوزت بازل عام، وذلك بعد تسع سنين، وقد يكون بعد ثمان؛ لأن البازل ما فطرنا به؛ أي: انشق، وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في الثامنة.
وقد اعتبر ذلك شيخنا الإمام البلقيني وقال: لم يبلغ الشافعي رضي الله عنه هذا الخبر بهذه الزيادة، ولو بلغه وثبت عنده.. لقال به، قال: ووهم صاحب " المطلب " فقال: إن مقتضى هذا الحديث: ما حمل بعد استكمال خمس سنين وما بعدها إلى إحدى عشرة سنة؛ لأنه الذي يقال فيه بازل عام ثم بازل عامين وهكذا.
4723 - قولهما - والعبارة لـ " التنبيه " -: (وإن كان للقاتل أو العاقلة إبل.. وجبت الدية منها، وإن لم يكن لهم إبل.. وجبت من غالب إبل البلد) 3 فيه أمور:
أحدها: أن مقتضاه: أنه لا يعدل إلى غالب إبل البلد إلا إذا لم يكن للقاتل أو العاقلة إبل، ومقتضى كلام " الروضة " وأصلها: أنه مخير بينهما؛ فإنه قال فيما إذا كان يملك إبلًا من غير غالب إبل البلد: أخذت أيضًا من أي صنف كانت، هذا هو الصحيح، وبه قطع الأكثرون، وهو ظاهر نصه في " المختصر "، فقوله أيضًا يدل على قبول إبل البلد؛ ويدل له قوله بعده: ولو دفع نوعًا غير ما في يده.. أجبر المستحق على قبوله إذا كان غالب إبل البلد أو القبيلة كذلك، وحكاه الرافعي عن البغوي 4، ويوافقه قول " الحاوي " [ص 556]: (من غالب إبل البلد أو إبله).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بمعتمد.
ثانيها: مقتضاه: أنه إذا تفرقت العاقلة في البلدان أو القبائل.. أخذت حصة كل واحد منهم من
غالب إبل بلدته أو قبيلته، وهو كذلك، لكن حكى الرافعي عن أبي الفرج الزاز أنه قال: هذا لا يتحقق تصوره في تفرق الآحاد؛ فإن الواجب على الواحد منهم لا يبلغ ما يؤخذ به الإبل، وإنما يظهر التصوير إذا كان بطن في قبيلة أو بلدة وبطنٌ في أخرى 1.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ومقتضاه: أنه عند تفرق الآحاد يتعذر رعاية غالب البلد، فيحتمل أن يراعى حينئذ غالب أقرب بلد إلى الكل، فإن تفرقوا بحيث كان لكل واحد بلد أقرب.. تعذر أيضًا رعاية أقرب البلاد، فينتقل إلى القيمة كما لو عدمت الإبل، والمصير إلى أن يؤخذ من إبل كل واحد بقدر الواجب عليه بحيث تتكثّر الأشقاص على المستحق بعيد؛ لما فيه من النقص الداخل عليه، قال: ومقتضى هذا: أنه لو كان للعاقلة إبل مختلفة وأخذنا من كل واحد الواجب عليه شقص بعير بحيث تتكثّر الأشقاص.. سقط اعتبار إبله أيضًا، قال: فأما لو تعددت الجناة في العمد وكل واحد في بلد ولا إبل له، أو كانوا في بلد ولكل واحد إبل تخالف إبل الآخر.. فهل نقول: تؤخذ الأشقاص لتعدد الجناة بخلاف العاقلة فإنها تحملت عن الجاني الواحد، أو يراعى حق المجني عليه فيؤخذ له قيمة الإبل بالكامل منهم للتعذر؟ لم أر من تعرض لهذا، والأول أرجح.
انتهى.
ثالثها: أنه يدخل في ذلك بيت المال إذا انتهى الحال إليه في الدية ولم يكن له إبل.. فمقتضاه: أنه يجب منه غالب إبل البلد، ورجح شيخنا الإمام البلقيني: أن الواجب في هذه الحالة القيمة، وأن اعتبار غالب إبل البلد متعذر؛ لأن المراد ببيت المال في حق من لا وارث له إذا مات: أهل البلد الذي يموت فيه دون غيرهم، وإلى الآن لم يمت الجاني، وإذا أريد ببيت المال: جهة الإسلام.. كان اعتبار بلد بعينها دون غيرها تحكمًا.
رابعها: ذكر شيخنا الإمام البلقيني أن كل من أوجبنا عليه أن يفدي بأقل الأمرين من القيمة وأرش الجناية.. لا يقضى عليه بالإبل، فإذا كان الأقل القيمة دفعها من النقد أو الأرش.. فالخيار له إن شاء أعطى الأرش إبلًا وإن شاء أعطى بقدر الأرش من قيمة العبد نقدًا، قال: ولم أر من صرح به، ثم ذكر من كلامهم ما يدل عليه.
خامسها: أن مقتضاه: أنه إذا لم يكن له إبل يؤخذ الواجب منها لعيب فيها.. الانتقال إلى غالب إبل بلده، وليس كذلك، بل يتعين نوع إبله، وعليه تحصيله سليمًا، نص عليه في " الأم " 2، كذا أورده شيخنا الإمام البلقيني، وهو مخالف لما قدمناه عن مقتضى كلام " الروضة " وأصلها من تخييره بين إبله وإبل البلد 3، وتقدم عنه أنه ليس بمعتمد.
وهذه الأمور الأربعة إن صحت.. وردت على " الحاوي " أيضًا، ويختص " التنبيه " و" الحاوي " بأن قولهما: (إبل بلد) يخرج عنه من ليس من أهل البلاد، وهو البدوي، فالعبرة بقبيلته؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 483]: (أو قبيلة بدوي) فلو لم يكن في بلده ولا لقبيلته إبل.. وجب من غالب إبل أقرب البلاد إليه، وقد صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 1.
ومحله: فيما إذا قربت المسافة ولم تعظم مؤنة النقل، فإن بعدت وعظمت المؤنة والمشقة.. لم يلزمه، وسقطت المطالبة بالإبل، كما جزم به في " الروضة " وأصلها، قال: وأشار بعضهم إلى ضبط البعيد بمسافة القصر، وقال الإمام: لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة.. لم يلزمه تحصيلها، وإلا.. فيلزم 2.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إجراء هذا الكلام على ظاهره متعذر، وتأويله: أنه إذا زادت بمؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة.. فلا بد من إدخال الباء على مؤنة؛ ليستقيم المعنى.
واعلم: أن المذكور هنا قد يظن مخالفته؛ لقولهم في العاقلة إن على غني نصف دينار، ومتوسط ربع دينار كل سنة من الثلاث وليس كذلك، وقد قال الرافعي والنووي هناك: يشبه أن يكون المرعي في إيجاب الربع والنصف مقدارهما، لا أنه يجب على العاقلة بذل الدنانير بأعيانها؛ لأن الإبل هي التي تجب في الدية، وما يؤخذ يصرف إلى الإبل، وللمستحق ألا يقبل غيرها.
انتهى 3.
4724 - قول " المنهاج " [ص 483]: (ولا يعدل إلى نوع وقيمة إلا بتراضٍ) و" التنبيه " [ص 223]: (فإن تراضيا على أخذ العوض عن الإبل.. جاز) فيه أمران:
أحدهما: قال في " البيان ": كذا أطلقوه، وليكن مبنيًا على جواز الصلح عنها، حكاه عنه في " الروضة " وأصلها من غير اعتراض عليه 4، وجزم به الرافعي قبل ذلك بأربعة أوراق 5، ومقتضاه: تصحيح المنع؛ فإن الأصح: منع الصلح عن إبل الدية إذا لم توجب الجناية قصاصًا، وحمل ذلك في " المطلب " على حالة العلم بصفاتها مع العلم بأسنانها ومقاديرها؛ فإن الغزالي قال في الصلح في هذه الحالة بالصحة جزمًا، وإن حكى الخلاف في حالة الجهل بالصفة.
ورده شيخنا الإمام البلقيني: بأن العلم بصفاتها جاء من قضية الواقع المعين، والواقع المعين لم يقع أخذ القيمة عنه؛ لأن ذلك يستدعي أن يملكه مستحق الإبل، ثم يأخذ عنه القيمة حيث يجوز
بيعه، وإنما وقع أخذ القيمة عن الذي في الذمة وهو مجهول الصفة، قال شيخنا: وجواب ما قاله صاحب " البيان ": أن الصلح عن إبل الدية وقع على عوض غير قيمتها وهي مجهولة الصفة، فجاء الخلاف في الاعتياض عنها، وأما التراخي على أخذ القيمة.. فإنه يُنزل الإبل منزلة العدم، ولو عدمت.. عدل إلى قيمتها على المذهب، قال: وقد نص في " الأم " على جواز أخذ القيمة بالتراضي مع وجود الإبل 1.
ثانيهما: أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أن العدول من نوع إلى نوع بالتراضي اعتياض؛ ولهذا صححوا في السلم: أنه لا يجوز أن يستبدل عنه غير نوعه، والاعتياض عن إبل الدية لا يصح في الأصح، ثم ذكر أن هذا الإيراد على النووي على طريقته وإن كان الفتوى عند الشيخ في (السلم) على الجواز، وكلام الشافعي رضي الله عنه يقتضيه، والله أعلم.
4725 - قولهما - والعبارة لـ" المنهاج " -: (ولو عدمت.. فالقديم: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم) 2 فيه أمور:
أحدها: أنه يقتضي التخيير بينهما، والجمهور أن على أهل الذهب ذهبًا، وعلى أهل الورق ورقًا.
ثانيها: أن مقتضى " المنهاج ": استواء المغلظة وغيرها، وأنه لا يزاد للتغليظ شيء، وهو الأصح في " الروضة " وأصلها 3، لكن صحح شيخنا الإمام البلقيني مقابله، وعليه مشى" التنبيه " فقال [ص 223]: (ويزداد التغليظ قدر الثلث).
ثالثها: أنه صريح في توقف إيجاب النقدين على عدم الإبل، وكذا حكاه الأكثرون عن القديم، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه يقرب من خرق الإجماع، وإن النقدين يجبان ابتداءً مع وجود الإبل على القديم، لا بالتخيير، بل بالنظر إلى حالة من يلزمه.
4726 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (والجديد: قيمتها) 4 أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أنه يعدل على الجديد إلى القيمة أيضًا فيما إذا بيعت في البلد وما قرب منه هي والنوع الغالب في أقرب البلاد إليه بأكثر من ثمن المثل.
4727 - قول " المنهاج " [ص 483]: (بنقد بلده) قال شيخنا ابن النقيب: لم أدر أي بلد هو؛ أبلد الجاني أم المجني عليه أم الولي القابض أم الذي يجب التحصيل منه؟ لم أر تصريحا بشيء منه 5.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: كلامه يوهم أن المراد: بلد من لزمته كما سبق في قوله: (وإلا.. فغالب إبل بلده) وليس كذلك، فالمراد هنا: بلد العدم المفهوم من قوله: (فإن عدمت).
وفي " أصل الروضة ": هل تعتبر قيمة موضع الوجود أم موضع الإعواز لو كانت فيه إبل؟ وجهان: أصحهما: الثاني 1.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحل الخلاف: أن تعدم الإبل في بلد الجاني وفي أقرب البلاد إليه، وتوجد في بلد لا يجب النقل من مثله.. فهل تعتبر قيمة موضع الوجود الذي لا يجب النقل من مثله، أم موضع الإعواز وهو أقرب البلاد؛ قال: واعتبار موضع الوجود غلط فاحش، وموضع الإعواز مشكل؛ إذ ليس به شيء تعتبر قيمته، إلا أن يحمل على أنه به نوعًا معيبا.. فيقوم سليمًا باعتبار موضع الإعواز.
4728 - قولهم: (ودية اليهودي والنصراني ثلث دبة السلم) 2 المراد: من تحل مناكحته، فمن لا يعرف دخول أصوله في ذلك الدين قبل النسخ أو بعده، أو قبل التحريف أو بعده.. لا يناكح، ويقر بالجزية، وتجب فيه دية مجوسي.
4729 - قولهما: (ومجوسي ثلثا عُشر مسلم) 3 لو عبرا بثلث خمس كما عبر به " الحاوي " 4.. لكان أولى؛ لتصويب الحساب له؛ لكونه أخصر؛ فإن في الثلثين تكريرًا ليس في الثلث.
4730 - قول " التنبيه " [ص 223]: (ومن لم تبلغه الدعوة.. فالمنصوص: أنه إن كان يهوديًا أو نصرانيًا.. وجب ثلث الدية) محمول على ما إذا تمسك من ذلك بغير مبدل، فإن تمسك بالمبدل.. فالواجب فيه دية مجوسي؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 556، 557]: (ومن لم تبلغه دعوة نبي أو دعوتنا وبذل.. ثلث الخمس، وإن لم يبدِّل.. فدية دينه) و" المنهاج " [ص 484]: (والمذهب: أن من لم يبلغه الإسلام إن تمسك بدين لم يُبدّل.. فدية دينه، وإلا.. فكمجوسي) لكن تعبيره بالمذهب يقتضي أن الخلاف فيه طريقان، وهو في " الروضة " وأصلها وجهان 5، وقد عرفت أن " التنبيه " حكى أحدهما عن النص، ورجح شيخنا الإمام البلقيني ما اقتضاه كلام " التنبيه " من وجوب ثلث الدية ولو تمسك بمبدل، وقال: إنه ظاهر النص، ورجحه جماعة، ودخل في قول " المنهاج " [ص 484]: (وإلا.. فكمجوسي) من لم تبلغه دعوة
نبي أصلًا، وليست في " المحرر "، وهي التي فيها في " الروضة " وأصلها طرق، فكان تعبير " المنهاج " بالمذهب باعتبار مجموع المسألة.
فصلٌ [في الشجاج التي تجب فيها الحكومة]
4731 - قول " التنبيه " [ص 224]: (والموضحة: ما توضح العظم في الرأس والوجه، وفيها خمس من الإبل) قيد ذلك " المنهاج " بقوله [ص 484]: (لحر مسلم) وأهمل التقييد بكونه ذكرًا، ولم يذكرا معًا صفاتها، ولا كونها مغلظة أو مخففة، ولو عبرا كـ " الحاوي " [ص 572] بـ (نصف عشر ديته).. لتناول جميع ذلك، ولم يحتج لتقييده بشيء.
واعلم: أنه قد يفهم من كلامهم أن المراد بالرأس والوجه هنا: مدلولهما في الوضوء، وليس كذلك، فيدخل في الرأس هنا العظم الناتئ خلف الأذن، وهو الخُشّاءُ، وفي الوجه ما تحت المقبل من اللحيين، وليس ذلك داخلًا في الوضوء.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن موضع الأذنين ليس من الرأس ولا من الوجه، ولو أزال الأذنين وأوضح مع ذلك العظم الذي تحت أطراف الأذنين.. وجب مع ذلك أرش موضحتين.
وقول " التنبيه " [ص 224]: (في الرأس والوجه) مع قوله أولًا [ص 224]: (الشجاج في الرأس عشرة) يفهم أن باقي الشجاج لا يجري في الوجه، وليس كذلك، بل كله يجري في الجبهة، وكذلك ما سوى الدامغة والمأمومة يجري في الخد وقصبة الأنف واللحي الأسفل.
4732 - قول " المنهاج " [ص 484]: (وهاشمةٍ مع إيضاحٍ عشرةٌ) أحسن وأخصر من قول " التنبيه " [ص 224]: (والهاشمة: ما تهشم العظم، فيجب فيها عشر من الإبل، فإن ضربه بمثقل فهشم العظم ولم يجرح.. لزمه خمس من الإبل) فإنه قد يجرح ولكن لا ينتهي إلى الإيضاح.. فلا يجب سوى خمس، ولو عبرا بعشر الدية.. لكان أولى؛ لما تقدم.
وفي " أصل الروضة " عن " الرقم " وغيره: أن موضع الوجهين ما إذا لم يحوج الهشم إلى بط وشق لإخراج العظم أو تقويمه، فإن أحوج إليه.. فالذي أتى به هاشمة يجب فيها عشر من الابل 1.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وله وجه؛ لأن جنايته هي السبب في الإيضاح، ويحتمل أن يقال: هو من فعل المجروح، فلا يضمَنه الجاني، وهذا أرجح.
4733 - قول " المنهاج " [ص 484]: (ولو أوضح فهشم آخر، ونقل ثالث، وأمَّ رابعٌ.. فعلى
كل من الثلاثة خمسةٌ) كان ينبغي أن يقول: (وهشم) كما في " المحرر " 1 فإن التعبير بالفاء يقتضي تعقب الهشم للإيضاح، ولا يختص الحكم به، بل لو تأخر عنه كثيرًا أو تقدم عليه.. لم يختلف الحكم.
وقوله: (والرابع إتمام الثلث) 2 يقتضي تأخر الاستيفاء منه ليحصل الإتمام، وليس كذلك، فلو عبر كـ " المحرر " بتمام الثلث 3.. لكان أولى، وحكاه بعضهم عن النسخ الصحيحة من " المنهاج "، فلو خرق خامس خريطة الدمغ.. ففي " التهذيب ": أن عليه دية النفس؛ كالحز بعد قطع غيره 4، قال الرافعي: وهذا على طريقة من جعل الدامغة مذففة.
4734 - قول " التنبيه " [ص 224]: (وتجب في هذه الخمسة الحكومة، ولا يبلغ بحكومتها أرش الموضحة) هو ظاهر النص وقول الجمهور كما حكاه الماوردي 5، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، وحمله " المنهاج " على ما إذا لم تعرف نسبتها من الموضحة، فقال: (والشجاج قبل الموضحة إن عُرفت نسبتها منها.. وجب قسط من أرشها، وإلا.. فحكومة) 6 كذا اقتصر على إيجاب القسط، وقال في " أصل الروضة " بعد نقله ذلك عن الأكثرين: فإن شككنا في النسبة.. أوجبنا اليقين، ثم قال: قال الأصحاب: ويعتبر مع ذلك الحكومة، فيجب الأكثر من الحكومة والقسط.
انتهى.
والذي حكاه الشيخ أبو حامد ومن تابعه عن أبي إسحاق: أن إيجاب أكثر الأمرين إنما هو فيما إذا عرف بعض النسبة وشك في الباقي.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه لا يقوم عليه دليل.
4735 - قول " المنهاج " [ص 484]: (وفي جائفة ثلث دية، وهو: جرح ينفذ إلى جوفٍ؛ كبطنٍ وصدرٍ وثغرةِ نحرٍ وجبينٍ وخاصرةٍ).
فيه أمور:
أحدهما: أنه لا بد من تقييد الجوف بأن يكون فيه قوة محيلة للغذاء أو الدواء، فالنافذة إلى جوف الذكر وداخل الفم أو الأنف بهشم الخد والقصبة وغيرهما وإلى بيضة العين من الجفن ليست جائفة في الأصح؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 560]: (بجوف قوّتُهُ محيلةٌ) وذكر بعضهم أن هذه الصور خرجت بقول " التنبيه " [ص 224]: (إلى جوف البدن) وقد ذكر بعد ذلك وصولها إلى باطن الفم بهشم الخد، فقال: (وإن طعن في وجنته فهشم العظم ووصلت الجراحة إلى الفم.. ففيه
قولان: أحدهما: أنها جائفة، والثاني: يلزمه أرش هاشمة) 1، والثاني هو الأصح، ويلزمه مع ذلك حكومة لما زاد، ذكره في " الروضة " وأصلها 2.
ثانيها: ظاهر كلامهم الاقتصار على ثلث الدية، ويستثنى منه: ما إذا نفذت من غير الضلع فكسرت الضلع، أو لذع الحديد كبده أو طحاله، أو شرط بطنه بسكين ثم أجافه في آخر الشرط.. فيجب في الصور الثلاث مع الثلث حكومة، كما ذكره الماوردي 3، وخالف في " الروضة " وأصلها في الصورة الثالثة 4، وقال شيخنا الإمام البلقيني: وما ذكره الماوردي أرجح.
ثالثها: قول " المنهاج " [ص 484]: (وجبين) كذا فيما وقفنا عليه بباء موحدة ثم ياء مثناة من تحت ثم نون، وهو تصحيف، والذي في نص " الأم ": (جنب) 5 فثناه بعضهم، وقال: (جنبين) فتصحفت بجبين، ولا جائفة في الجبين بلا خلاف، إنما الواصلة إلى جوف الدماغ تعطى حكم الجائفة، وليست جائفة، وهو في بعض نسخ " المنهاج " على الصواب.
4736 - قول " التنبيه " [ص 224]: (فإن أوضح موضحتين وبينهما حاجز.. فعليه عشر من الإبل) المراد: حاجز كامل بلحم وجلد؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 484]: (بينهما لحم وجلد، قيل: أو أحدهما)، و" الحاوي " [ص 563]: (بحاجز اللحم والجلد).
4737 - قول " التنبيه " [ص 224]: (فإن عمت الرأس ونزلت إلى الوجه.. فقد قيل: يلزمه خمس، وقيل: عشر) الأصح الثاني، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 6.
4738 - قول " التنبيه " [ص 224]: (وإن خرق بينهما.. رجعت إلى خمس) محله: ما إذا كان ذلك قبل الاندمال، وفي معنى خرقه بينهما: تآكل الحاجز، وقد ذكره " الحاوي " فقال: [ص 563] (لا إن رفع أو تآكل) ودخل في عبارتهما: ما لو رفع الحاجز خطأ، وهو الأرجح في زوائد " الروضة " 7، وقيل: يلزمه أرش ثالث.
4739 - قول " المنهاج " [ص 484]: (ولو وَسَّع موضحته.. فواحدة على الصحيح، أو غيره.. فثنتان) يجوز في قوله: (غيره) الرفع، أي: وسعها غيره، وهو موافق لـ " المحرر " 8،
والنصب، وهو بمعناه؛ أي: وسع هو موضحة غيره، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ والجر؛ أي: وسع موضحة غيره، فيكون معطوفًا على الضمير المجرور، ونقل الوجهان الأخيران عن خط المصنف.
4740 - قول " التنبيه " [ص 224]: (وإن أوضح موضحتين ثم خرق بينهما في الباطن.. فقد قيل: إنه يجب عليه أرش موضحتين، وقيل: أرش موضحة) الأصح: الثاني، وهو موافق لما تقدم عن " المنهاج " و" الحاوي " أن المراد: حاجز اللحم والجلد 1.
4741 - قول " المنهاج " [ص 484، 485]: (ولو نفذت في بطنٍ وخرجت من ظهره.. فجائفتان في الأصح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في " أصل الروضة "، ثم قال: ويقال: قولان 2، وكان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص في " الأم " على أنهما جائفتان 3.
4742 - قوله: (ولو أوصل جوفه سنانًا له طرفان.. فثنتان) 4 شرطه: أن يكون الحاجز بينهما سليمًا، كما ذكره في " الروضة " وأصلها 5، ثم إن هذا يصدق بما إذا أوصله من منفذ مفتوح؛ فكان ينبغي أن يقول: (ولو طعن جوفه بسنان) ولا يرد ذلك على قول " الحاوي " [ص 562]: (وتتعدد بتعدد الجائفة صورة).
4743 - قولهم: (وفي الأذنين الدية) 6 إنما يقتصر عليها إذا لم يحصل مع استئصالهما إيضاح، فلو أوضح العظم.. وجب أيضًا أرش موضحة، وفي تعبير " المنهاج " عن ذلك بالمذهب مناقشة؛ فإن المسألة ليس فيها طريقان، وإنما فيها نص مشهور وقول مخرج، أو وجه ضعيف.
4744 - قول " التنبيه " [ص 224]: (وإن ضرب الأذن فشلت.. وجبت الدية في أحد القولين، والحكومة في الآخر، وإن قطع أذنًا شلاء.. ففيه قولان: أحدهما: تجب الدية، والثاني: تجب الحكومة) الأظهر في الأولى: وجوب الدية، وفي الثانية: وجوب الحكومة، وعليه مشى " المنهاج " 7، وإليه أشار " الحاوي " بقوله [ص 559]: (وأذن لمنع الهوام) فعُلم من كون المنفعة المعتبرة فيها منع الهوام وجوب الدية فيها إذا أشلها؛ لزوالها بعدم الإحساس، لكن نازع شيخنا الإمام البلقيني في ترجيح إيجاب الدية في الأولى، وقال: لم ينقله الرافعي إلا عن البغوي،
والجمهور لم يرجحوا شيئًا، ونص الشافعي في " الأم " يقتضي ترجيح إيجاب الحكومة، ثم بسط ذلك 1.
4745 - قول " المنهاج " [ص 485]: (وفي كل عين نصف دية ولو عين أحول وأعمش وأعور) يوهم أن العين العوراء فيها نصف الدية، وليس كذلك، وإنما هو في الأخرى، واحترز بذلك عمن يقول: في عين الأعور كل الدية، وأيضًا فلا يقال في الأعور: في كل عين له نصف دية؛ لأنه إنما له عين واحدة.
4746 - قوله: (وكذا من بعينيه بياضٌ لا ينقص الضوء، فإن نقص.. فقِسْطٌ، فإن لم ينضبط.. فحكومةٌ) 2 قد يفهم أن مراده: أن من بعينه بياض ينقص الضوء إذا أذهب جانٍ ضوءها.. لم يجب عليه إلا قسط الدية باعتبار نقص الضوء، فإن لم ينضبط.. فحكومة، وليس كذلك، بل يجب في مثل هذه العين الدية كاملة، كما هو ظاهر كلام " الوجيز " 3.
قال الرافعي: لكن ذكرنا في فقء العين التي فيها بياض: أنه إن نقص الضوء.. فلا تكمل الدية، فليكن في إذهاب ضوء العين وفيها بياض مثل ذلك 4، وأسقط ذلك في " الروضة "، وما بحثه الرافعي صرح به الماوردي 5، وكلام الشافعي في " الأم " يشير إليه أيضًا 6، وظهر بذلك أنه لو حمل كلام "المنهاج" على ذلك.. لم يمنع منه مانع، لكن مقتضى مطابقته لـ " المحرر " 7: أن مراده: ما إذا نقص ضوء العين بالجناية، فإن انضبط.. وجب قسط، وإن لم ينضبط.. فحكومة.
ويرد ذلك على إطلاق " التنبيه " أن في نقص الضوء الحكومة 8، وأورد شيخنا الإمام البلقيني على " المنهاج " أمرين:
أحدهما: أنه إذا انضبط بعض النقص ولم ينضبط كله.. فإنه يؤخذ بنسبة ما نقص من الدية قطعا، إلا أن تزيد الحكومة على القسط.. فتجب الحكومة، قال: وإنما لم يجب أرش المنضبط وحكومة غير المنضبط؛ لأن إفراد غير المنضبط بالحكومة قد لا ينضبط، فنظرنا إلى الجناية كلها، فإن اتفق إمكان إفراد غير المنضبط بالحكومة.. وجب المقدر وحكومة غير المنضبط.
ثانيهما: أن محل الحكومة في غير المنضبط: ما إذا لم يعد الجاني ويجني جناية أخرى تذهب ما بقي من الضوء، فإن عاد قبل الاندمال وأذهب ما بقي.. وجب عليه نصف الدية، وينقص منها ما أخذ أوَّلًا، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
4747 - قول " التنبيه " [ص 225]: (وفي أحد المنخرين نصف الدية، وقيل: ثلث الدية) الأصح: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 1، وتعبير " التنبيه " و" المنهاج " يوهم أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل هو قولان، نص على الثلث في " الأم "، ونقل النص على النصف سُليم وصاحب " المهذب " 2، وكذا هو في " الروضة " وأصلها 3.
4748 - قول " التنبيه " [ص 225]: (فإن قطع المارن وبعض القصبة.. لزمه دية وحكومة) الأصح: اندراج حكومة القصبة في دية المارن، كذا صححه في " أصل الروضة "، والرافعي قال: ذكر الإمام أن فيه وجهين، وأن المذهب الظاهر منهما: الاندراج، ثم ذكر بحثًا يقتضي أنه يجب مع دية المارن أرش منقلة، قال: وكذا حكى ابن كج عن نص " الأم " 4.
وحذفه من " الروضة "، بل في " الكفاية " عن الماوردي: أنه قد تزيد الحكومة على أرش المنقلة 5، ونص في " الأم " على إيجاب الحكومة، فقال: (وإذا قُطع من العظم المتصل بالمارن شيء.. كانت فيه حكومة مع دية المارن) 6.
4749 - قوله: (وإن ضرب الأنف فشل المارن.. ففيه قولان كالأذن) 7 الأظهر: وجوب الدية.
4750 - قول " المنهاج " - والعبارة له، وقد سقط من بعضه نسخه - و" الحاوي ": (وهي - أي: الشفة - في عرض الوجه إلى الشدقين، وفي طوله ما يستر اللثة في الأصح) 8 في " أصل الروضة ": إنه الأصح المنصوص، وبه قطع الأكثرون 9، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إن نص " الأم " يقتضي أن حَدَّ 10 الشفتين إلى محل الارتتاق من أعلى وأسفل، وهو من الأوجه
المقابلة للأصح هنا؛ فإنه قال: (والشفة كل ما زَايَلَ جلد الذقن والخدين من أعلى وأسفل مستدير بالفم كله مما ارتفع عن الأسنان واللثة) 1 فاعتبر مزايلة الخدين من أعلاه، وذلك واصل إلى محل الارتتاق، وقوله: (مما ارتفع عن الأسنان واللثة) يبين ذلك؛ فإن الذي ارتفع عن الشيء هو ما كان فوقه، أما ما كان قبالته.. فلا يقال: ارتفع عنه، وإنما يقال فيه: يستره أو يوازيه، واعتبر الشافعي الاستدارة بالفم كله، وذلك يقتضي نزوله على مقتضى الاستدارة على آخر الفم في العرض، قال: وهذا الذي نزلنا نص الشافعي عليه هو المعتمد.
4751 - قول " التنبيه " [ص 225] و" الحاوي " [ص 559]: (وفي اللسان الدية) يتناول لسان الطفل، وبه صرح " المنهاج " ثم قال: (وقيل: شرط طفلٍ ظهور أثر نطقٍ بتحريكه لبكاءٍ ومصٍّ) 2 ومقتضاه: أنه وجه، قال شيخنا الإمام البلقيني: وليس وجهًا، بل هو ظاهر نص " الأم " و" المختصر " 3، قال: والذي يظهر من كلام كثير من أصحاب الطريقين ترجيح إيجاب الحكومة في قطع لسان المولود عقب ولادته قبل أن يتحرك لسانه ثم يسقط ذلك، ومال إليه، قال: ومحل الخلاف: ما إذا لم يبلغ وقت التحريك، فإن بلغ وقت التحريك ولم يوجد.. فالواجب الحكومة، قال: ووقت التحريك هو ما بعد الولادة في الزمن القريب منها الذي يحرك المولود فيه لسانه لبكاءٍ ومصٍّ ونحوهما.
4752 - قول " المنهاج " [ص 485]: (ولأخرس حكومة) محله: ما إذا لم يذهب بقطعه الذوق، أو كان ذاهب الذوق، فأما إذا قطعه فذهب ذوقه.. وجبت الدية للذوق، وهذا مفهوم من قوله: (إن في الذوق الدية) 4.
4753 - قول " التنبيه " [ص 226]: (وإن قطع اللسان فأخذ الدية ثم نبت.. رد الدية في أحد القولين) الأصح: أنه لا يردها.
4754 - قوله: (وفي كل سن خمس من الإبل) 5 المراد: إذا كانت لذكر حر مسلم كما عبر به " المنهاج " 6، ولو قال: (نصف عشر ديته) كما عبر به " الحاوي " 7.. لتناول جميع الصور، واستفيد به التغليظ والتخفيف.
4755 - قول "المنهاج" [ص 485]: (وفي سن زائدة الحكومة) لو عبر ب (الشاغية) كما عبر به "المحرر" و"الحاوي" 1.. لكان أولى، وهي التي خالف نباتها نبات الأسنان؛ لأن تعبيره بالزائدة يشمل الزائدة على الغالب في الفطرة، وهي اثنان وثلاثون، وتلك فيها وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها: أحدهما: فيها خمس من الإبل، والثاني: حكومة 2، وصحح شيخنا الإمام البلقيني الأول؛ لإطلاق الخبر، وهو داخل في إطلاقهم السن.
4756 - قول "المنهاج" [ص 485]: (وحركة السن إن [نقصت] 3.. فالأصح كصحيحة) فيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "الروضة" وأصلها قولان 4.
ثانيهما: قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أجد ما صححه في كلام أحد من المصنفين، والأصح بمقتضى نصوص الشافعي وقاعدته: إنه إن لم يمكن المضغ عليها ولم يبق فيها إلا جمال.. فالواجب حكومة، وإن بقي بعض المضغ.. فكالصحيحة.
قلت: هذا لا ينافي كلامه؛ لأن التي لم يبق فيها إلا جمال قد بطلت منفعتها، وقد قدم أن فيها الحكومة.
4757 - قول "المنهاج" فيما لو قلع سن صغير [ص 485]: (والأظهر: أنه لو مات قبل البيان.. فلا شيء) فيه أمران:
أحدهما: أنه قد يفهم أنه لا تجب حكومة، وليس كذلك.
ثانيهما: في "أصل الروضة": أن الخلاف في ذلك وجهان، وقيل: قولان، لكن الرافعي في آخر الكلام قال: لو قلع سن صغير فطلع بعضها ومات الصغير قبل أن يتم نباتها.. فعليه من الدية قسط ما لم ينبت إن قلنا بوجوب الدية فيما إذا مات قبل النبات، والحكومة إن قلنا: لا تجب هناك الدية، حُكي هذا التصوير والتفريع عن نص الشافعي، وذلك يقوي رواية من روى الخلاف في المسألة قولين، وقد حكاهما ابن كج عن "الأم"، وأسقط ذلك في "الروضة" 5.
قال شيخنا الإمام البلقيني: والقولان في "الأم" في ترجمة أسنان الصبي 6، فالذي في "المنهاج" هو الصحيح.
4758 - قول "التنبيه" [ص 226]: (وإن قلع سن كبير فضمن ثم نبت.. ففيه قولان: أحدهما: يرد ما أخذ.
والثاني: لا يرد) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" 1.
4759 - قوله: (ولو قلعت الأسنان.. فبحسابه، وفي قول: لا يزيد على دية إن اتحد جانٍ وجنايةٌ) 2 قد يقتضى أنه لو جنى عليه جانيان دفعة واحدة.. لم يأت هذا القول فيه، وليس كذلك، فالظاهر كما قال في "المطلب": إجراء القولين أيضاً، وإنما يقطع بالتعدد عند تعدد الجاني إذا جنى بعد جناية الأول.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على هذا القول في شيء من كتب الشافعي؛ ولهذا حكاه ابن الصباغ والماوردي وغيرهما وجهًا، وحكايته وجها أرجح، وعليه جرى العراقيون.
4760 - قوله: (ولا يدخل أرش الأسنان في دية اللحيين في الأصح) 3 كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" و"مختصري المزني والبويطي" 4، وحكى في "الوسيط" مقابله قولاً 5، ويوافقه بعض نسخ "المحرر" فإنه نقل في ذلك قولين 6.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه غير معروف، قال: ولا فرق في هذا الحكم بين سن من لم يَثْغَر وغيره؛ لأنا إنما كنا ننتظر سن من لم يثغر لبقاء منبتها، والمنبت هنا قد زال.
قال: ولم أر من نبه على ذلك، وهو واضح.
4761 - قول "المنهاج" [ص 486]: (وكل يد نصف دية إن قطع من كف) كان ينبغي أن يقول: (من كوع) كما عبر به غيره، أو يقول: (كفاً) كما قال "التنبيه" [ص 226]: (وفي الكفين والأصابع الدية) ومع ذلك فيرد: أنه لو قطع الأصابع وحدها.. وجبت نصف الدية، لكنه ذكره بعد ذلك.
4762 - قولهما: (وكل إصبعٍ عشرةُ أبْعِرَةٍ، وأنملةٍ ثلث العشرة، وأنملة إبهام نصفها) 7 المراد: من صاحب الدية الكاملة، وهو الذكر الحر المسلم، والمراد: الإصبع غير الزائدة.
4763 - قول "المنهاج" [ص 486]: (وحشفةٌ كذكرٍ، وبعضها بقسطه منها، وقيل: من
الذكر) يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل هو قولان.
نص عليهما في "الأم" 1، وكذلك حكاهما في "التنبيه" 2، وكذا في بعض نسخ "المحرر" 3، ورجح في "أصل الروضة" طريقة القطع بالأول، ثم حكى طريقة الخلاف وجهين، ثم حكى عن المتولي: أن هذا إذا لم يختل مجرى البول، فإن اختل.. فالأكثر من قسط الدية وحكومة فساد المجرى 4.
وتعقبه شيخنا الإمام البلقيني: بأن القطعة من الحشفة التي لها الحصة المعلومة لا تدخل في الحكومة، بل يجب أرشها بالنسبة على ما سبق، ويجب لفساد المجرى حكومة.
4764 - قول "المنهاج" [ص 486]: (وكذا حكم بعض مارنٍ وحلمةٍ) أي: هل يجب بقسطه من المارن فقط أو من المارن والقصبة؟ وهل يجب بالقسط من الحلمة فقط أو من الحلمة والثدي؟ وحكى الخلاف في "أصل الروضة" طريقين 5.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما ذكره في المارن إنما يجيء على قولنا: إن القصبة تندرج في دية المارن، ونص في "الأم" على خلافه 6، فما ذكره هنا مفرع على الدخول، وهو الأصح في "الروضة"، وهو خلاف النص المعتمد.
4765 - قول "الحاوي" [ص 559]: (والجلد كالنفس) قيده "المنهاج" فقال [ص 486]: (إن بقي حياةٌ مستقرةٌ وحزَّ غير السالخ رقبته) وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا حاجة إليه؛ فقد يحصل تشقق يزيل الجلد خاصة من غير أن يكون قاتلاً، وقد رأينا من يتمزع غالب جلده بالحرارة التي تخرج إلى سطح جسده ثم يفيق منها، قال: ويتصور في السالخ أيضًا بأن يكون إحدى الجنايتين عمداً والأخرى خطأ.. فإن الأصح: أنهما لا يتداخلان.
انتهى.
وذهب الماوردي إلى أن في سلخ الجلد حكومة لا تبلغ دية النفس 7، وحكاه شيخنا الإمام البلقيني عن النص 8، وقال: إنه المعتمد.
4766 - قول "التنبيه" [ص 226]: (وإن قطع اللحم الناتئ على الظهر.. لزمته الدية) يعني: جانبي السلسلة، وفي "الكفاية" تبعًا لابن يونس: لا ذكر لهذه المسألة في الكتب المشهورة.
فَرْعٌ [في دية المعاني]
4767 - قولهم: (في العقل دية) 1 كذا أطلقوه، وقال المتولي: ذلك إذا تحقق الزوال وعدم العود بقول أهل الخبرة، فإن توقع عوده.. انتظر، فإن مات.. ففي الدية وجهان كسن المثغور، كذا في "الروضة" وأصلها عنه 2، وصوابه: كسن غير المثغور، وسيأتي في النطق ما يوافقه، لكن سيأتي في السمع أنه إنما ينتظر إذا قذر أهل الخبرة لعوده مدة، وأن الإمام استثنى: ما إذا قدروا مدة يغلب على الظن انقراض العمر قبل فراغها، وقال: الوجه: ألاَّ ينتظر هذه المدة، بل تؤخذ الدية 3.
4768 - قول "التنبيه" [ص 225]: (فإن نقص ما يعرف قدره؛ بأن يجن يوماً ويفيق يوماً.. وجب بقسطه) يقتضي أنه لا يعرف قدره إلا بالزمان، لكن في "الروضة" وأصلها: أنه قد يتأتى بغير الزمان؛ بأن يقابل صواب قوله ومنظوم فعله بالخطأ المطروح منهما، وتعرف النسبة بينهما.. فيجب قسط الزائل 4.
واستبعده شيخنا الإمام البلقيني: بأن الأفعال والأقوال لا تنضبط، بخلاف الزمان.
4769 - قوله: (فإن ذهب العقل بجناية لا أرش لها مقدر.. دخل أرش الجناية في دية العقل) 5 قال في "الكفاية": لم يوافقه عليه أحد من المصنفين إلا القاضي حسين في "تعلقيه"، وقد حكاه عنه الإمام، وقال: إنه ليس بشيء 6، والجمهور على خلافه حكوا القولين في الصورتين ما إذا كان أرش الجناية مقدراً، وما إذا كان غير مقدر، والأصح فيهما: عدم الدخول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 486]: (فإن زال بجرح له أرش أو حكومة.. وجبا، وفي قول: يدخل الأقل في الأكثر)، وقوله: (له أرش) أي: مقدر؛ فإن الحكومة أيضاً أرش، لكنه غير مقدر.
لكن صحح شيخنا الإمام البلقيني طريقه "التنبيه"، وقال: إنها ظاهر نص "الأم" 7، وفي كلام الشيخ أبي حامد ما يقتضيها، وعكس في "الروضة" وأصلها هذه الطريقة وهما، فقال:
وقيل: إن لم يكن أرش الجناية مقدراً.. لم يدخل قطعاً 1، وصوابه: دخل قطعاً.
وقوله: (يدخل الأقل في الأكثر) لا يفهم منه حكم المساوي؛ بأن قطع يديه فزال عقله، والحكم فيه على هذا القول التداخل أيضًا كما نقله شيخنا الإمام البلقيني عن مقتضى نص "الأم"، وحكاه في "الكفاية" عن النص صريحاً، وقال شيخنا: الظاهر أنه وَهِمَ فيه، وقطع في "المهذب" في التساوي بإيجاب ديتين 2، ورُدّ.
4770 - قول "المنهاج" [ص 486]: (ولو ادُّعي زواله؛ فإن لم ينتظم قوله وفعله في خلواته.. فله دية بلا يمين) فيه أمور:
أحدها: كيف يدعي وهو مجنون لا تصح دعواه؟ فينبغي أن يقرأ مبنيا لما لم يسم فاعله؛ أي: ادعى ذلك من له ولاية الدعوى، وهو الولي.
ثانيها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لا بد من كون الجناية تحتمل زوال العقل بها، وإلا.. لم تسمع الدعوى، ويحمل على الاتفاق كحصول الموت بصفعة خفيفة 3.
ثالثها: نازع شيخنا الإمام البلقيني في هذا الحكم، وقال: لم يذكره الشافعي ولا متقدموا أصحابه، وإنما ذكره الإمام 4 والصواب: أنه لا بد من إقامة الولي البينة بجنونه.
قلت: وقد يقال: ذلك لا ينافي ما ذكره المصنف؛ لأنه ليس المراد: عدم انتظام قوله وفعله بمجرد الدعوى، بل لا بد من ثبوته عند القاضي ببينة أو بعلمه عند من يجوز الحكم بالعلم.
رابعها: محل عدم اليمين في المطبق كما هو فرض المسألة، فإن كان متقطعاً وادعى زمن الإفاقة.. حلف فيه، ويرد ذلك أيضًا على قول "الحاوي" [ص 560]: (ولا يُحلّف).
4771 - قولهم: (وفي السمع دية) 5 فيه أمران:
أحدهما: أن محله: ما إذا لم يتوقع عوده، فإن توقع إلى مدة قدّرها أهل الخبرة.. انتظرت، قال الإمام: بشرط ألاَّ يظن استغراقها العمر فأكثر 6، قال في "التهذيب": فلو مات قبل تلك المدة.. فهو كما لو انتظرنا البصر لمدة فمات قبلها 7، وسيأتي.
ثانيهما: لو قال أهل الخبرة: لطيفة السمع باقية ولكن ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتتاقاً
لا وصول إلى زواله.. فالأصح: وجوب حكومة لا دية، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 560]: (لا تعطيله).
4772 - قول "المنهاج" [ص 486]: (ولو ادَّعَى زواله وانزعج للصباح في نومٍ وغفلةٍ.. فكاذب) يوهم أن حقه اندفع لمجرد ذلك، وكذا يقتضيه قول "التنبيه" [ص 225]: (سقط دعواه) وليس كذلك، بل لا بد من حلف الجاني؛ لاحتمال أن الانزعاج بسبب آخر، كذا في "الروضة" وأصلها 1، ونص عليه في "الأم" 2.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يحلف خصمه عند ظهور كذبه قطعا، وأوّل النص على ما إذا لم يقطع بكذبه.
4773 - قول "التنبيه" [ص 225]: (وإن جني عليه جناية فادعى فيها ذهاب البصر وشهد بذلك شاهدان من أهل الخبرة.. وجبت الدية) فيه أمران:
أحدهما: أن محله: في العمد، فأما في الخطأ.. فيكفي شهادة رجل وامرأتين، وشاهد ويمين.
ثانيهما: أنه يفهم أنه لا سبيل إلى معرفته إلا بالبينة، وفي "الحاوي" [ص 560]: (والحواس بصوتٍ منكرٍ بغنةً، وتقريبِ حديدةٍ) فلم يذكر البينة، بل اقتصر على الامتحان كالسمع، وفي "المنهاج" [ص 487]: (وإن ادعى زواله.. سُئل أهل الخبرة، أو يمتحن بتقريب عقرب أو حديدةٍ محماة من عينه بغتةً، ونُظرَ هل ينزعج؟ ) فخير بينهما، واقتضى ثبوته بكل منهما، وجعل ذلك في "أصل الروضة" خلافاً، فقال: وجهان:
أحدهما - وهو نصه في "الأم" -: يراجع أهل الخبرة؛ فإنهم إذ وقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس ونظروا في عينيه.. عرفوا أن الضوء ذاهب أم موجود، بخلاف السمع لا يراجعون فيه؛ إذ لا طريق لهم إليه.
والثاني: يمتحن بتقريب حية... إلى آخره، ثم قال: وقال المتولي: الأمر إلى خيرة الحاكم؛ إن أراد مراجعتهم.. فعل، وإن أراد امتحانه.. فعل.
انتهى 3.
وعبارة الرافعي في "الكبير": يمكن أن يقدر في هذا اختلاف قول أو وجه، ورد في "التتمة" الأمر إلى خيرة الحاكم.
انتهى 4.
فتوقف في ذلك، وجزم في "المحرر" بالتخيير 1، وفي "الشرح الصغير" بمقابله، فقال بعد ذكر المقالتين: وقيل: يتخير الحاكم.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس في المسألة خلاف، والذين قالوا: يمتحن أرادوا: في حالة ما إذا لم يظهر لهم شيء، أو عدموا.. فتتعين مراجعتهم عند إمكانها كما نص عليه، قال: والامتحان هنا لا يجدي شيئاً؛ فقد يحول بينه وبين الرؤية أغشية، فلا يبصر مع بقاء الضوء، فيتعين أهل الخبرة كما نص عليه.
وحاصل كلام شيخنا القطع بالبينة عند إمكانها، والخلاف عند تعذرها، وأن الصحيح مع تعذرها: أنه لا يكفي الامتحان.
واعلم: أن المراد: ذهاب البصر أصلاً، فلو قال أهل الخبرة بعوده بعد مدة.. انتظرت، وقد صرح بذلك "التنبيه" فقال [ص 225]: (وإن قالا: ذهب ولكن يرجى عوده إلى مدة.. انتظر إليها، وإن مات قبل انقضائها.. وجبت الدية) ونص الشافعي على إيجاب القصاص أيضاً، وفي "الروضة" وأصلها عن البغوي: أنه لا يجب للشبهة 2.
4774 - قوله: (وإن نقص الضوء.. وجبت الحكومة) 3 محله: ما إذا لم يعرف قدره، فإن عرف.. وجب بقسطه من الدية؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 487]: (وإن نقص) ويدخل فيه ما إذا نقص ضوء إحداهما فقط، وفي "أصل الروضة" هنا بعد أن قال: لو أبصر بالصحيحة من مئتي ذراع وبالعليلة من مئة ذراع.. فموجبه التنصيف، لكن لو قال أهل الخبرة: إن المئة الثانية تحتاج إلى مثلي ما تحتاج إليه المئة الأولى؛ لقرب الأولى وبُعد الثانية.. وجب ثلثا دية العليلة، قال الشافعي: وما أرى ذلك يضبط 4.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وقياسه.. أن يجب ثلثا الدية الكاملة لو كان النقص من العينين.
4775 - قول "المنهاج" [ص 487]: (وفي الشم دية على الصحيح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وبه صرح "المحرر" 5، وكذا في الرافعي عن "التقريب"، وعن منصور التميمي قولان 6، وقد نص على الدية في "الأم" و"المختصر"، وأشار في "الأم" إلى القول الآخر،
وهو الحكومة بقوله: قيل: فيه الدية 1.
4776 - قوله: (وفي بعض الحروف قسطه) 2 أي: موزعاً على ما يحسنه منها كما صرح به "الحاوي" بقوله [ص 562]: (وما يحسن من ثمانية وعشرين حرفاً) ودل عليه قول "المنهاج" بعده [ص 487]: (ولو عجز عن بعضها خلقةً أو بآفةٍ سماويةٍ.. فدية، وقيل: قسط) وعلم منه أن محل كلام "الحاوي": ما إذا كان بغير جناية، فلو كان نقص بعض الحروف بجناية.. وزع على الكل.
ويرد عليهما: أن محل هذا: فيما إذا بقي بعد الذاهب كلام مفهوم، فإن لم يبق كلام مفهوم.. فكذلك، كما قال في "التتمة": إنه المشهور في المذهب، والمنصوص في "الأم"، لكن في "التهذيب": إنه يجب كمال الدية لفوات منفعة الكلام 3، وهو المحكي عن أبي إسحاق والقفال.
وعن الروياني: أنه المذهب، ونقل عن مقتضى إيراد الرافعي في "الشرح الصغير"، وصححه شيخنا الإمام البلقيني، ورد ما قاله المتولي، وقال: إن نص "الأم" بخلافه؛ فإنه قال: (وإذا ذهب بعض كلام الرجل.. اعتبر عليه بأصول الحروف من التهجي) 4، قال: فلم يوزع على الحروف إلا مع بقاء بعض الكلام.
ويوافقه قول "التنبيه" [ص 225]: (وإن ذهب بعض الكلام.. وجب بقسطه يقسم على حروف لغته)، وهو أعم من قول "المنهاج" [ص 487]: (والموزع عليها ثمانية وعشرون حرفاً في لغة العرب) وهو أوضح من قول "الحاوي" [ص 562]: (وما يحسن من ثمانية وعشرين حرفاً) لاقتضاء إطلاقه اطراد ذلك في كل لغة، فعبارة كل منهما أحسن من الأخرى من وجه.
وأورد شيخنا الإمام البلقيني على قول "المنهاج" [ص 487]: (في لغة العرب) أنه لو عرف المجني عليه معها لغة غيرها، وذهب حروف من كل منهما، وكانت تلك اللغة أكثر حروفاً.. فالتوزيع على الأكثر، كما رجحه شيخنا؛ لأن الأصل براءة ذمة الجاني، فلا يلزم إلا باليقين، وفي "الروضة" وأصلها وجهان في المسألة بلا ترجيح: هل يوزع على الأكثر، أو الأقل؟ 5.
4777 - قول "التنبيه" [ص 226]: (وإن قطع النصف وذهب ربع الكلام.. وجب نصف الدية) كذا عكسه كما صرح به "المنهاج" 6، وتناولهما معاً قول "الحاوي" [ص 562]: (وأكثرهما للسان) والضمير لقسط الجرم وقسط ما يحسن، ونبه شيخنا الإمام البلقيني على أن تعبير الشافعي
والأصحاب بربع الكلام مجاز، والمراد: ربع أحرف كلامه؛ لأن الكلام هو اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها.
4778 - قول "المنهاج" [ص 487] و"الحاوي" [ص 559]: (وفي الصوت دية) قال شيخنا الإمام البلقيني: لم يذكره غير الإمام 1، وهو مردود، ويكاد أن يكون خرقاً للإجماع.
4779 - قول "المنهاج" في الذوق [ص 487]: (ويدرك به حلاوةٌ وحموضةٌ ومرارةٌ وملوحةٌ وعذوبةٌ) قال في "التوشيح": اعلم أن الحكماء قالوا: الجسم إما لطيف أو كثيف أو معتدل، والفاعل فيه إما الحرارة أو البرودة أو المعتدل بينهما، فيفعل الحار في الكثيف مرارة، وفي اللطيف حرافة، وفي المعتدل ملوحة، والبرودة في الكثيف عفوصة، وفي اللطيف حموضة، وفي المعتدل قبضاً، والكيفية المعتدلة في الكثيف حلاوة، وفي اللطيف دسومة، وفي المعتدل تفاهة، وكأن الفقهاء ذكروا أصول الطعوم؛ ولذلك قال بعض الحكماء: إن أصولها أربعة: الحلاوة، والمرارة، والحموضة، والملوحة، وأن ما عداها مركب منها، ولم يذكر الحكماء العذوبة، وقد يقال: إنها التفاهة، وفيه نظر.
وقال الماوردي: ربما فرعها الطبيب إلى ثمانية، ولا نعتبرها في الأحكام؛ لدخول بعضها في بعض كالحرافة مع المرارة 2.
قال في "التوشيح": كان الطب يشهد لأن هذه الزيادات توابع، وإذا فات متبوع واحد منها.. فاتت، وإذا أخذت دية المتبوع.. دخل التابع تحته، وقد يقال: ينبغي أن يجيء لنا خلاف في أنه هل تجب حكومة للتابع أو تدخل تحت دية المتبوع كما في نظائره؟.
انتهى 3.
4780 - قول "المنهاج" [ص 487] و"الحاوي" [ص 559]: (وتجب الدية في المضغ) أي: بأن يجني على أسنانه فتخدر وتبطل صلاحيتها للمضغ، كتعذر البطش بإشلال اليد، أو بأن يصلب مغرس اللحيين فتمتنع حركتهما مجيئاً وذهاباً؛ كتعذر المشي لكسر الصلب.
قال الرافعي: ويشبه أن يجيء في تكميل الدية في السن المعطلة بتصلب المغرس الخلاف فى تكميل الدية في الرجل المعطلة بكسر الصلب 4.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: انفرد بإيجاب الدية في المضغ الفوراني والإمام والغزالي 5، ولم يجيء فيه خبر ولا أثر، ولم ينص عليه الشافعي، بل نص على ما يرده، ثم بسط ذلك.
4781 - قول "المنهاج" [ص 487]: (وقوة إمناءٍ بكسر صُلْبٍ) و"الحاوي" [ص 559]: (والإمناء) نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: الأصح بل الصواب: خلافه؛ لأن الإمناء هو الإنزال.
فإذا أبطل قوة الإنزال ولم يذهب نفس المني.. وجبت الحكومة دون الدية؛ فإنه قد يمتنع الإنزال بما يسد طريقه.. فيشبه ارتتاق الأذن بحيث لا يسمع، لكن السمع باق ولا دية فيه على الأصح، قال: ولم يذكر هذه العبارة إلا الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" 1، وعبارة "البسيط": فأبطل منيه، وكذا تكلم الفوراني والإمام على إذهاب المني، والأرجح فيه: إيجاب الدية، ولا يلزم من ذهاب قوه الإمناء ذهاب المني بالكلية 2.
4782 - قول "المنهاج" [ص 487]: (وقوة حَبَلٍ) تبع فيه "المحرر" 3، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يذكره أحد، وإنما عبر الغزالي بقوله: (منفعة الإمناء والإحبال به) 4، وأراد به: منفعة واحدة، وذكر الإحبال ليشير إلى فوات النسل.. فاعتقد الرافعي أنه للمرأة، فقال في "الشرح": ولو أبطل من المرأة قوة الإحبال.. وجبت عليه ديتها 5، وعبر عنه في "المحرر" بـ (قوة الحبل) 6، وعبارة "الحاوي" [ص 559]: (والإمناء، والإحبال) وهو محتمل للتأويل، بخلاف "المنهاج".
4783 - قول "المنهاج" [ص 487]: (وذهاب جماع) صوّروه بما إذا لم ينقطع ماؤه وبقي الذكر سليماً، فكأنهم أرادوا بذهابه: بطلان الالتذاذ به والرغبة فيه؛ ولذلك عبر "الحاوي" [ص 559] بـ (التلذذ بالجماع) وصورها الإمام والغزالي بإبطال شهوته، واستبعدا إبطالها مع حركة الذكر وسيلان المني 7، وعبارة "الثنبيه" [ص 226]: (وإن كسر صلبه فعجز عن الوطء.. لزمته الدية) وعبارة الشافعي رضي الله عنه مثله 8.
4784 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وفي إفضائها من الزوج وغيره دية - وهو: رفع ما بين مدخل ذكر ودبر، وقيل: ذكر وبول -) 9 كذا صحح الأول في "أصل الروضة" 10، وهو
الأظهر في "المحرر" 1، والأشبه في "الشرح الصغير"، لكن جزم بالثاني في "الروضة" وأصلها في مثبتات الخيار في النكاح 2، ونقل في "الشرح الكبير" هنا كلاً منهما عن جماعة، ولم يصرح بتصحيح 3، وصحح المتولي أن كلاً منهما إفضاء يوجب كمال الدية، فإن أزالهما.. فديتان.
وقال الماوردي ما معناه: إن من أوجب الدية في الثاني.. أوجبها في الأول من طريق الأولى، بخلاف العكس 4، ووافقه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: الأصح: هو المذكور هنا، وأما الذي في (النكاح).. فاقتصر فيه على تفسير الشيخ أبي حامد وأتباعه؛ لأنه الغالب في الإفضاء، والقصد منه عدم ثبوت الخيار، وإذا قلنا بالثاني، فصار بولها لا يستمسك.. لزم الجاني مع الدية حكومة، صرح به في "أصل الروضة" 5.
وقياسه: إيجاب الحكومة على الأول أيضاً إذا لم يستمسك الغائط، وهو واضح.
4785 - قول "التنبيه" [ص 227]: (وفي إذهاب العذرة الحكومة) أي: إذا أذهبها غير الزوج بغير الوطء؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 487]: (ومن لا يستحق افتضاضها فأزال البكارة بغير ذَكَرٍ.. فأرشها، أو بذَكَرٍ لشبهةٍ أو مكرهةً.. فمهر مثل ثيباً وأرش البكارة) وكذا في "الروضة" وأصلها هنا 6، لكنهما جزما في البيوع المنهي عنها بوجوب مهر بكر وأرش بكارة فيما إذا وطئ الجارية في الشراء الفاسد 7، واختاره السبكي في (الغصب) من "شرح المنهاج".
وقول "التنبيه" فيما لا يجوز بيعه [ص 90]: (وإن كانت جارية فوطئها.. لزمه المهر وأرش البكارة إن كانت بكراً) يحتمل التصحيحين؛ فقد يريد مهر ثيب كالتصحيح الأول، ومهر بكر كالتصحيح الثاني، وكذا قول "الحاوي" هنا [ص 559]: (بالمهر؛ كأرش البكارة لا على الزوج) يحتملها، لكن دخل في عبارته ما إذا طاوعت، ولا مهر إذاً ولا أرش إن لم تكن أمة كما سيأتي.
وقول "المنهاج" [ص 487]: (وقيل: مهر بكر) يحتمل أن يريد: مع أرش البكارة، فيوافق ما في (البيوع المنهي عنها)، ويحتمل الاقتصار عليه، وهو المصحح في "أصل الروضة" في (الرد بالعيب) 8.
وفرق الماوردي بين الحرة والأمة، فجعل في الأمة في البيع الفاسد مهر بكر وأرش بكارة، وفي الحرة مهر بكر فقط؛ لأن الحرة لا تدخل تحت اليد 1، وحكى شيخنا الإمام البلقيني عن نص "الأم" أنه قال: فإن افتضها رجل بفرجه.. فعليه مهر مثلها؛ لإصابته وحكومةٌ على ما وَصَفْتُ 2، قال: فالضمير في قوله: (مهر مثلها) يعود على البكر، ولم يقبل تأويل القاضي حسين وغيره لذلك، قال: والمذهب المعتمد: أنه يجب مهر بكر وأرش بكارة في المكرهة ونحوها كما تقدم عن النص، ومهر بكر فقط في صورة الشبهة تنزيلاً لذلك منزلة وطء البكر في النكاح الصحيح.
قال شيخنا: ويستثنى من الشبهة: شبهة النكاح الفاسد؛ فإنه لا خلاف أن الواجب فيه مهر بكر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في النكاح بلا ولي: "فإن أصابها.. فلها المهر بما استحل من فرجها" 3 ولم يوجب لها أرشاً، قال: ومقتضى "المنهاج": أن لا يجب شيء من ذلك عند انتفاء الشبهة والإكراه، وهو صحيح في الحرة، أما الأمة: فيجب الأرش إذا قلنا: يفرد عن المهر كما ذكروه في (الغصب).
وفي إيجاب الزيادة على مهر مشلها وهي ثيب إذا طاوعت عالمة بالحال وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 4، ورجح شيخنا الوجوب، قال؛ لأن الذي يسقط بمطاوعة الأمة إنما هو المهر المتمحض للوطء، أما ما فيه شيء متعلق بإذهاب شيء من الجسد.. فلا.
4786 - قول "الحاوي" [ص 560]: (كالنطق) أي: لا تجب الدية بتعطيله كما إذا أذهب سمع صبي فتعطل لذلك نطقه؛ لأن نطق الصبي إنما هو بواسطة سماعه من أبويه وغيرهما.
4787 - قوله: (والمشي) 5 أي: وكذا المشي لو تعطل بكسر صلب إنسان.. لم تجب فيه إلا الحكومة، كذا في "التعليقة"، وقال في "المصباح": لا تجب الدية على الأصح، بل الحكومة، ويوافقه ما حكاه الرافعي في أثناء الكلام على النطق عن "التتمة": أنه لو كسر صلبه فتعطل مشيه والرجل سليمة.. لم يلزمه بتعطل المشي دية أخرى 6، وأسقطه في "الروضة".
ومقتضاه: وجوب الدية في كسر الصلب دون إبطال المشي، ويخالفه فيهما قول الرافعي بعد
ذلك: ولو كسر صلبه وشلت رجله.. قال في "التتمة": يلزمه الدية؛ لفوات منفعة المشي، وحكومة؛ لكسر الظهر، ويخالف ما إذا كانت الرجل سليمة حيث لا تجب مع الدية الحكومة؛ لأن المشي منفعة في الرجل، فإذا شلت الرجل ففواتها لشلل الرجل.. فأفرد كسر الصلب بالحكومة، وإذا كانت سليمة ففوات المشي لخلل الصلب.. فلا يفرد بحكومة، قال: وهذا يوافق ما ذكر ابن الصباغ: أنه لو كسر صلبه فشل ذكره.. يجب حكومة للكسر ودية لشلل الذكر، ثم قال: وفي هذا تصريح بأن مجرد الكسر لا يوجب الدية، وإنما تجب الدية إذا فات به المشي أو الماء أو الجماع (1). وعليه مشى "المنهاج" فذكر أن في المشي دية، و"التنبيه" فقال [ص 226]: (وإن كسر صلبه فلم يطق المشي.. لزمه الدية) ثم ذكرا أنه لو كسر صلبه فذهب مثيه وجماعه.. لزمه ديتان (2)، لكن الذي في "الحاوي" موافق لنظيريه اللَّذَيْن ذكرهما معه، وهما: تعطيل السمع والنطق بدون ذهابهما، ويوافقه أن الأصح فيما لو كسر صلبه فتعطل مشيه ثم قطع قاطع رجليه: أنه تجب الدية في قطعهما؛ لأنهما صحيحتان.
فرعٌ [تداخل ديتين فأكثر]
4788 - قول "المنهاج" [ص 488]: (أزال أطرافاً ولطائف تقتضي ديات فمات سراية.. فديةٌ) ينبغي أن يقول: (منها) كما في "المحرر" 3 ليخرج ما إذا مات سراية من بعضها بعد اندمال بعض.. فلا يدخل المندمل في دية النفس قطعاً، وكذا لو مات من سراية بعضها قبل اندمال شيء منها؛ كما لو جرحه جرحاً خفيفاً لا مدخل له في السراية وجائفة فمات منها قبل اندمال ذلك الجرح.. فلا يدخل أرشه في دية النفس كما اقتضاه قول "المحرر" و"الروضة" وأصلها: فمات منها 4، لكن نص الشافعي رضي الله عنه في الثانية يقتضي الاندراج، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إنه المعتمد.
4789 - قوله: (وكذا لو حزه الجاني قبل اندمال في الأصح) 5 يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "المحرر" و"الشرح" قولان، ثم نقل المصحح عن النص، ومقابله عن تخريج ابن12
سريج وقول الإصطخري واختيار الإمام، وكذا في "الروضة" بعد أن حكاهما وجهين (1)، فحاصله أنه نص ومخرج، فكان ينبغي أن يقول في "المنهاج" و"الروضة": (على النص) والنص المذكور هو في "المختصر" في صفة قتل العمد (2)، وممن حكى الخلاف في ذلك قولين القفال في "شرح التلخيص".
4790 - قوله: (فإن حز عمداً والجنايات خطأ أو عكسه.. فلا تداخل في الأصح) (3) يقتضي أن الخلاف وجهان، وقد حكاه قولين القاضي حسين والإمام والغزالي وغيرهم (4).
واعلم: أن مقتضى عبارة "المنهاج" وغيره: أنه لو مات بسقوط من سطح ونحوه.. وجوب الديات كلها؛ لأنه لم يسقط دية ما دون النفس إلا بالسراية، وحز الجاني قبل الاندمال.
وهو الذي أفتى به شيخنا الإمام البلقيني، وفرق بينه وبين اعتبار التبرع في المرض المخوف من الثلث ولو مات بسقوط من سطح: بأن التبرع صدر عند الخوف من الموت.. فاستمر حكمه، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفي زيادة "الروضة" في الطلاق فيما لو طلق زوجته بائناً وهو مريض ثم قتله قاتل.. عن "المهذب": أنها لا ترث على القديم، وعن "الشامل" و"التتمة": أنها ترث (5).
فصلٌ [فيما تجب فيه الحكومة وقدرها]
4791 - قول "المنهاج" [ص 488]: (تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه) فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: الجناية الموجبة للمال؛ ليخرج عن ذلك ما يوجب التعزير المجرد؛ كقلع سن من ذهب، ولهذا قال "الحاوي" بعد ذكر هذه المسألة [ص 575]: (وفي غيرٍ الحكومةُ) أي: غير ما تقدم مما يوجب الضمان بمال مقدر أو التعزير المجرد.
ثانيهما: كان ينبغي أن يضم لما فيه مقدر ما عرفت نسبته من مقدر؛ فإنه يؤخذ في هذا الثاني بنسبته من المقدر، ولا يرد ذلك على "الحاوي" أيضاً وإن كان قد ذكر من أمثلة ما فيه الحكومة المتلاحمة، وقد تعرف نسبتها من مقدر؛ بأن يكون بقربها موضحة، فيجب فيها أكثر الأمرين مما يقتضيه التقسيط ومن الحكومة؛ لقوله بعد ذلك: (وإن أمكن تقديره بما له مقدر.. فأكثر قسطه، والحكومة) 6.12345
فإن قلت: والإيجابُ بالنسبة لمقدر حكومةٌ أيضًا كما نص عليه الشافعي.
قلت: المراد: الحكومة التي يقدر الحر فيها رقيقاً، وهي التي فسرها بعده، وهذه ليست كذلك؛ ولهذا لما ذكر "المنهاج" هذا الحكم عند الكلام على الشجاج.. قال: (والشجاج التي قبل الموضحة إن عرفت نسبتها منها.. وجب قِسْطٌ من أرشها، وإلا.. فحكومة) 1 فلم يسم الإيجاب بالنسبة لمقدر حكومة، ويرد الأمران على قول "التنبيه" [ص 227]: (وفي الجراحات سوى ما ذكرناه الحكومة).
وقد يقال: لا يرد الأول؛ لأن مثل قلع سن من ذهب لا جراحة فيه، وقد يقال: بل فيه جراحة إذا نبت عليه اللحم.
ويرد عليه أيضاً: أنه تجب الدية أيضاً في إذهاب الصوت والمضغ والإمناء وقوة الإحبال والجلد على ما قدمته فيها، مع أنها قد تنشأ عن جراحه، وأنه تجب الحكومة في كسر العظام أو نقلها فيما عدا الرأس والوجه، وقد لا يكون فيها جراحة.
4792 - قول "التنبيه" [ص 227]: (وفي الشعور كلها الحكومة) شرطه: فساد المنبت بحيث لا تعود أو تعود ناقصة؛ ولهذا قيد "الحاوي" ضمان لحية المرأة بفساد المنبت 2، أما لو عادت كما كانت.. فلا تجب حكومة بلا خلاف، كما في "أصل الروضة" 3، لكن في "البويطي": (وليس في الشعر أرش معلوم، وفيه حكومة إن نبت كما كان بقدر الألم والشين، وإن لم يعد كما كان.. ففيه حكومة أكثر من ذلك) حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وبه يتأيد كلام "التنبيه"، وحكى القاضي حسين وجهاً ثالثاً: أنه إن حصل للمجني عليه ألم بالإزالة.. وجبت، وإلا.. فلا، وجمع في "الكفاية" الأوجه الثلاثة، وذلك يرد على تعبير شيخنا الإسنوي عنه بالصواب 4.
ثم هذا في الشعر الذي فيه جمال.
أما ما لا جمال في بقائه، بل في ذهابه؛ كشعر الإبط.. ففيه وجهان، صحح الماوردي منهما: أنه لا حكومة فيه.
واعلم: أن ظاهر كلامهم أنه لا قصاص في نتف الشعر، وبه صرح الماوردي في أسنان إبل الخطأ وتقويمها؛ وعلله باختلاف الناس فيه كثافة وخفة وطولاً وقصراً، وفي جماله ذهاباً وبقاء 5، لكنه قال في القصاص في الشجاج: فاما إن قلع شعره قلعاً لم يعد نباته؛ فإن أمكن فيه
القصاص حتى يذهب فلا يعود نباته.. اقتص منه 1.
4793 - قول "الحاوي" في أمثلة ما تجب فيه الحكومة [ص 575]: (ولسان الأخرس) محله: ما إذا لم يذهب الذوق بقطع لسانه أو كان قد بطل ذوقه من قبل، فلو ذهب بقطعه الذوق.. وجبت الدية، وهذا معلوم مما سبق.
4794 - قوله: (وسن صبي) 2 أي: لم يثغر ولم يفسد منبتها.
4795 - قوله: (وتسويد سن) 3 كذا لو اخضرت أو اصفرت، لكن حكومة الاخضرار أقل من الاسوداد، والاصفرار أقل من الاخضرار، فلو عبر ب (تغير لونها).. لكان أعم.
4796 - قوله: (وقوة الإرضاع) 4 كذا لو لم ينقطع لكن انتقص.. فتؤخذ حكومة تليق به.
4797 - قول "المنهاج" [ص 488]: (وهي جزءٌ نسبته إلى دية النفس - وقيل: إلى عضو الجناية - نسبة نقصها من قيمته لو كان رقيقاً بصفاته) فيه أمور:
أحدها: كان ينبغي أن يقول: (جزء من الدية) كما فعل "المحرر" و"الحاوي" 5، وكذا قال في "التنبيه" [ص 227]: (وجب بقسطه من الدية) فذكر "المنهاج" الدية في النسبة لا في المأخوذ منه.
ثانيها: يستثنى من قوله: (وقيل: إلى عضو الجناية) الرأس، فلو كانت الجراحة فيه.. فليس له دية، وفيه شجاج عديدة، والمعتبر منها على هذا الوجه الموضحة، فتعتبر نسبتها منها كما حكاه الرافعي عن الشيخ أبي إسحاق 6، وأسقطه في "الروضة" وأهمل الرافعي من كلام صاحب "المهذب" أنها إن كانت في الجسد.. اعتبر نسبتها من الجائفة 7.
ثالثها: يستثنى من كلام الثلاثة في اعتبار النسبة: ما إذا قطع أنملة لها طرفان.. فيجب فيها مع دية الأنملة حكومة لا تعتبر بالنسبة، بل يوجب فيها الحاكم ما يؤدي إليه اجتهاده، جزم به في "أصل الروضة" 8.
رابعها: مقتضى كلامهم: التقويم بالنقد، وعليه جرى الأصحاب، لكن نص الشافعي رحمه الله على التقويم بالإبل، فقال في إذهاب العذرة: فيقال: لو كانت أمة تسوى خمسين من
الإبل.. كم يُنقصها ذهاب العذرة من القيمة؟ فإن قيل: العشر.. وجب خمس من الإبل، وإن قيل: أكثر أو أقل.. وجب 1، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: هو صحيح جار على أصله في الديات أن الإبل هي الأصل، فلا حاجة للتقويم بالنقد، وربما يتفاوت فيكون قيمته بالنقد معيبًا أقل من تقويمه بالإبل أو أكثر، قال: ولم أر من ذكر ذلك من الأصحاب.
خامسها: لا يستقر التقويم إلا بحكم حاكم، فلو اجتهد فيه غيره.. لم يستقر، صرح به الماوردي 2، وهو مقتضى كلام غيره، ولم يتعرض الثلاثة للتصريح بذلك، لكن قول "المنهاج" بعده [ص 488]: (نقص الحاكم شيئاً بالاجتهاد) يقتضيه.
4798 - قول "المنهاج" [ص 488]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 576]: (فإن كانت لطرفٍ له مقدرٌ.. اشترط ألا تبلغ مُقَدَّره، فإن بلغته.. نقص القاضي شيئاً باجتهاده) أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أن الرأس ليس له مقدر وفيه عدة شجاج، والمعتبر في حكومته ألا تبلغ أرش الموضحة.
انتهى.
وقد يقال: لا يرد؛ لأن للرأس مقدرات الموضحة أقلها، فاعتبر بها أخذاً باليقين.
وأورد أيضًا: أنه لا بد من الاحتراز عن تساوي الجنايتين المتفاوتتين كالمتلاحمة والسمحاق إذا فرض النقص في كل منهما بنصف العشر.. فتنقص حكومتهما عن ذلك حتى لا يبلغا أرش الموضحة ويكون النقص في السمحاق أقل، قال: وهذا لا بد منه وإن لم يذكروه، وقد ذكروا في (الزكاة) قريباً منه.
انتهى.
وقد يدخل في قوله: (شيئاً) أقل متمول، وصرح الإمام بأنه لا يكفي 3، وقال الماوردي: أقله ما يجوز أن يكون ثمناً أو صداقاً 4.
4799 - قول "المنهاج" [ص 488]: (أو لا تقدير فيه كفخذٍ.. بألاَّ تبلغ دية نفس) فيه أمور:
أحدها: أنه دخل فيما لا تقدير فيه ما هو تابع لمقدر والشرط فيه ألاَّ تبلغ دية ذلك المقدر، وقد ذكر ذلك "الحاوي" فقال [ص 575]: (ناقص عن دية المجروح اجتهاداً ومتبوعه) فحكومة جرح الكف لا تبلغ دية الأصابع الخمس؛ ويجوز أن تبلغ دية إصبع كما قال الرافعي: إنه الأشبه، والنووي: إنه الأصح 5, وصحح الإمام مقابله 6، وتبعه في "الكفاية"، ونص عليه الشافعي
رضي الله عنه، فقال: ولا أبلغ بحكومة كفه دية إصبع 1، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إن له نصاً آخر بخلافه، لكنه محتمل، وهذا نص، وهو المعتمد.
ثانيها: تمثيله لما لا تقدير فيه بالفخذ مخالف لنص الشافعي؛ حيث قال: ولا يبلغ بحكومة الذراع أرش يد، وهذا هكذا في الفخذ والساق، وقال قبل ذلك: وهكذا إن كان في الذراع أو العضد أو الساق أو القدم.. لم يبلغ قدر يدٍ تامةٍ ولا رجلٍ تامةٍ 2، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لو مثل بالظهر والكتف.. كان أصوب.
ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: اشتراط ألاَّ يبلغ دية نفس محال؛ فكيف يصل جزء الشيء إلى تمامه ولا يتصور ذلك إلا إذا لم تصر له قيمة بالكلية؛ وهذا محال.
فما من حي إلا وله قيمة، وبتقدير فرض أنه لا قيمة.. يبقى قوله: (جزءٌ) غير معتبر، وكان يقال: وعند انتفاء الجزء.. لا بد من النقص عن الدية، قال: ولم أر من تعرض لذلك، قال: وإنما يتجه هذا لو كانت الحكومة مجرد اجتهاد من غير تقويم.
رابعها: أورد عليه شيخنا أيضاً: أن مقتضاه: أن جرح البطن يجوز أن تبلغ حكومته إلى ما ينقص عن دية النفس، وجزم في "الروضة" وأصلها بأنه لا تبلغ أرش جائفة 3.
قلت: كيف يرد ذلك وفي البطن ما له أرش مقدر وهو الجائفة؟ فهو داخل في كلامه الأول، والله أعلم.
4800 - قول "الحاوي" [ص 576]: (وإن لم ينقص - أي: بعد الاندمال -.. تقدر دامية) محله: ما إذا لم يظهر نقصان إلا في حال سيلان الدم، فإن ظهر نقصان في غيره.. اعتبر أقرب الأحوال إلى الاندمال؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 488]: (اعتبر أقرب نقص إلى الاندمال)، وعبارة "التنبيه" [ص 227]: (وإن كانت الجناية مما لا ينقص بها شيء بعد الاندمال ويخاف منه التلف حال الجناية؛ كالإصبع الزائدة وذكر العبد.. قوم حال الجناية؛ فما نقص.. وجب) وليس فيه إفصاح عن اعتبار أقرب نقص إلى الاندمال.
بل هو كـ"الحاوي" في اعتبارها دامية؛ لأنها حال الجناية، ويزداد بالتمثيل بذَكَرِ العبد؛ فإنه على الجديد في أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر في ديته تجب فيه القيمة، فلا حكومة؛ فإما أن يكون مفرعاً على القديم أن الواجب فيه ما نقص، أو يريد: ما إذا كان أشل، ومقتض اقتصار "المنهاج" على اعتبار أقرب نقص إلى الاندمال؛ لأنه لو لم يكن هناك نقص؛ كالسن الزائدة ولحية المرأة.. لم يجب شيء، وليس
كذلك، بل يقوم في السن وله سن زائدة ثابتة فوق الأسنان وليس خلفها أصلية، ثم يقوم مقلوع الزائدة ويظهر التفاوت؛ لأن الزائدة تسد الفرجة ويحصل بها نوع جمال.
وفي لحية المرأة تقدر لحية عبد كبير يتزين باللحية، وقد ذكر "التنبيه" و"الحاوي" حكم لحية المرأة 1، وفي "التهذيب": إنه يعتبر سنه في التقويم، وألاَّ ينقص قدر حكومة لحية المرأة عن الرجل 2، وكلام غيره ينازع فيه.
فلو كانت الجراحة خفيفة لا تؤثر في حال سيلان الدم.. ففي "الوسيط": أنا نلحقها باللطم والضرب؛ للضرورة، وفي "التتمة": أن الحاكم يوجب شيئاً بالاجتهاد، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، فترد هذه الصورة عليهم على مقتضى هذا الترجيح.
4801 - قول "المنهاج" [ص 488]: (والجرح المقدر كموضحة يتبعه الشين حواليه) هو معنى قول "الحاوي" [ص 576]: (والمقدر للشين) أي: الحكومة جزء ناقص عن المقدر للشين حوالي ما ليس له أرش مقدر، وخرج بقولنا: ما ليس له أرش مقدر: الشين حول الموضحة ونحوها، ويرد عليهما أمران:
أحدهما: لا بد أن يكون في محله، فلو تعدى شين الموضحة إلى القفا.. ففي استتباعه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها 3، ورجح شيخنا الإمام البلقيني أنه لا يستتبعه.
ثانيهما: يستثنى منه: ما لو أوضح جبينه وأزال حاجبه.. فعليه الأكثر من أرش موضحة وحكومة للشين وإزالة الحاجب، حكاه في "أصل الروضة" عن المتولي، وحكاه شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشافعي في رواية البويطي، وأن البويطي قال: ليس له إلا أرش موضحة.
4802 - قول "المنهاج" [ص 488]: (وما لا يتقدر يُفرد بحكومة في الأصح) أي: الشين الذي حوله، قال شيخنا ابن النقيب: وفي تصويره عسر؛ فإنا نحتاج تقويمه سليماً ثم جريحًا بلا شين، فيجب التفاوت، هذه حكومة الجرح، ثم يقوم جريحاً بشين فيجب التفاوت بين قيمته جريحاً بشين وجريحاً بلا شين، وهذه حكومة الشين، وينبغي أن يقوم سليماً ثم جريحاً بشين، ويجب ما بينهما؛ ولعله لا يختلف مع ما تقدم، فلا فائدة إذاً في قولنا.. يفرد بحكومة.
نعم؛ تظهر فائدته لو عفى عن إحدى الحكومتين.. فيجب الأخرى، هذا ما ظهر لي بحثاً.
انتهى 4.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأقيس عندنا: إيجاب حكومة واحدة جامعة لهما، وفي نظير ذلك من العيوب في البيع نظر، وتظهر فائدة حكومتين وحكومة واحدة فيما لو زاد على المقدر، فعلى إيجاب حكومتين لا يحتاج إلى نقص إذا نقصت كل واحدة منهما عن المقدر، وعلى إيجاب حكومة واحدة لا بد من النقص، وأورد شيخنا المذكور على عبارة "المنهاج": المتلاحمة؛ فإنها ليست بمقدرة شرعاً دائماً، وهي كالموضحة في استتباع الشين إذا قدرنا أرشها بالنسبة إلى الموضحة على الأصح في "أصل الروضة" هنا 1، لكن نص في "الأم" على أنه ينظر إلى الشين أيضًا 2.
ثم قال شيخنا: فإن قيل: أراد ما قدر ولو بالنسبة إلى جرح غيره.. فلا يرد عليه هذا على طريقته.. قلنا: قوله: كموضحة ينفي هذا، ولو سكت عن التشبيه.. كان الجواب قريباً.
قلت: هذا تمثيل، فيلحق به ما في معناه، فالجواب قريب مقبول ولا إيراد.
قال شيخنا: ومثل ذلك الجراحات على البدن إذا أمكن تقديرها بجائفة بقربها، وقلنا: إنها تتقدر بالنسبة، وأوجبنا ما يقتضيه التقسيط.. فالشين تابع لا يفرد بحكومة، وإن كانت الحكومة أكثر.. فقد وفينا حق الشين.
4803 - قوله: (وفي نفس الرقيق قيمته، وفي غيرها ما نقص إن لم يتقدر من الحر، وإلا.. فنسبته من قيمته، وفي قول: ما نقص) 3 فيه أمور:
أحدها: تقدم ذلك في (الغصب) بعبارة هي أوضح مما هنا، وكلامه هناك فيما إذا سبق الإتلاف يد عادية؛ ولهذا فصل في المقدر بين أن تتلف هي أو يتلفها متلف، وأما هنا.. ففي الإتلاف بلا يد عادية.
ثانيها: أن قوله: (وإلا.. فنسبته من قيمته) عبارة ملتبسة، وعبارة "المحرر": (جزء من القيمة نسبته إليها نسبة الواجب في الحر إلى الدية) 4 ففي يديه قيمته، وفي إحداهما نصفها، وفي جفنه ربعها، وفي إصبعه عشرها، وفي موضحته نصف عشرها، وفي أنملته ثلث عشرها، وعبارة "التنبيه" [ص 227]: (وما ضمن من الحر بالدية ضمن من العبد والأمة بالقيمة).
ثالثها: أورد شيخنا الإمام البلقيني على قوله: (ما نقص إن لم يتقدر من الحر) أن مقتضاه: إيجاب ما نقص فيما إذا لم يتقدر، لكنه تابع لمقدر كجراحة في كفه، لكن مقتضى ما صححه الرافعي والنووي في حكومة الكف في الحر: أنه لا يبلغ بها دية الأصابع 5: أنه يجب النقص هنا
عن النصف، ومقتضى ما حكاه شيخنا عن النص: أنه لا يبلغ دية إصبع 1: أنه [يجب] 2 النقص هنا عن العشر.
رابعها: وأورد عليه أيضًا: الجرح في رأس العبد أو وجهه أو بطنه إن قلنا: يجب في الحر الحكومة التقويمية.. فيعتبر ألاَّ تبلغ أرش موضحة، وإن قلنا: الواجب النسبة إن عرف قدر ذلك من موضحه أو جائفة.. فكذلك تجب النسبة في العبد، ولا يطلق فيه ضمان ما نقص.
خامسها: أورد أيضاً على قوله: (وإلا.. فنسبته من قيمته) أن محله: في جناية واحدة أو جنايتين بعد اندمال الأولى، فإن لم تندمل الأولى؛ كما لو قطع يد عبد قيمته ألف درهم فصار يساوي ثمان مئة درهم.. فإنا نغرمه على الأظهر خمس مئة؛ لأنها نصف القيمة، فإذا قطع آخر يده قبل الاندمال.. لا نغرمه أربع مئة، بل نصف ما أوجبنا على الأول، وهو مئتان وخمسون؛ لأن الجناية الأولى لم تستقر وقد أوجبنا نصف القيمة، فكأنه انتقص نصف القيمة كما جزم به في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" وغيره 3، لكن قال شيخنا: إنه لا يظهر وجهه، وأن مقتضى إطلاق القاضي حسين والإمام: أنه يجب على الثاني نصف قيمته حال جنايته، وارتضاه؛ فلا إيراد 4.
4804 - قوله: (ولو قُطع ذكره وأنثياه.. ففي الأظهر: قيمتان) 5 مقابله ذكر في (الغصب) أنه قديم، وأنكره بعضهم، وجعله بعضهم مخرجاً؛ فلا يحسن التعبير بالأشهر، بل ينبغي أن يقول: (المذهب أو النص أو الجديد)، والله أعلم.
4805 - قول "التنبيه" [ص 227]: (وإن قطع يد عبد ثم أعتق ثم مات.. وجب فيه دية حر، للمولى منه أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف القيمة) الأصح: أن له الأقل من نصف القيمة وكمال الدية؛ لأنا إن اعتبرنا وقت الجناية.. فنصف القيمة، أو الموت.. فكل الدية؛ فأقلهما هو المتيقن، والمراد: موته بالسراية، أما لو اندمل القطع ومات بسبب آخر.. فللسيد على الجاني نصف القيمة.
باب ما تجب به الدّية من الجنايات
4806 - قول "التنبيه" [ص 220]: (إذا أصاب رجلاً بما يجوز أن يقتل فمات منه.. وجبت الدية) قيل: إنه يشمل العمد المحض، قال في "الكفاية": وهو تفريع على اختياره أن موجب العمد أحد الأمرين.
قال في "التوشيح": يبعد أن يقال: العمد المحض يجوز أن يقتل، وإنما أراد بهذه اللفظة: ما لا قصاص فيه، وله عقد الباب.
4807 - قول "المنهاج" [ص 489]: (صاح على صبي لا يُميِّز على طرف سطحٍ فوقع بذلك فمات.. فديةٌ مغلظة على العاقلة، وفي قول: قصاص) فيه أمور:
أحدها: تقييد الصبي بكونه غير مميز يقتضي أن المميز ليس كذلك، لكن قوله بعد ذلك: (ومراهق متيقظ كبالغ) 1 يقتضي أن غير المراهق ليس كالبالغ ولو كان مميزاً؛ ولذلك أطلق "التنبيه" الصبي، و"الحاوي" الطفل 2، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبر الشافعي ولا أحد من أصحابه عدم التمييز في ذلك، وأفصح في "النهاية" عن المقصود، فقال: وما ذكره الأصحاب في صبي لا يميز إن كان ضعيف التمييز بحيث يبعد منه أن يتماسك، فإن كان مراهقا.. فهو في معنى الكبير.
انتهى 3.
فدل على أن من نفى التمييز أراد به: التمييز الكامل الذي يحصل مع البلوغ أو المراهقة، لا أصل التمييز، والله أعلم.
ثانيها: قوله: (على طرف سطح) تبع فيه الرافعي 4، ومقتضاه: أنه لو كان في وسطه.. فهو كالأرض، وعبر "التنبيه" بقوله [ص 220]: (فوقع من سطح) فلم يقيد بطرفه، وقد يقال: الفاء في قوله: (فوقع) يدل على أنه كان في طرفه؛ لتعقيب الوقوع منه للصياح.
ثالثها: لا يتقيد ذلك بالسطح، بل لو كان على بئر أو نهر.. كان كذلك كما ذكره في "أصل الروضة" 5 ولذلك قال "الحاوي" [ص 550]: (فسقط من علو).
رابعها: اقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على سقوطه 6، وفي "الحاوي" [ص 550]: (ارتعد
فسقط) وكذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 1، ومقتضاه: اشتراط الارتعاد؛ ليظهر به أن السقوط من خوف الصيحة، وقد اعتبره "المنهاج" في قوله [ص 489]: (ولو صاح على صيد فاضطرب صبي وسقط).
خامسها: قال شيخنا الإمام البلقيني: قد يتخيل أن الموت قيد، وليس كذلك، فلو ذهب بذلك مشي رجليه أو بطش يديه أو ضوء عينيه.. فهو مضمون كما نص عليه في "الأم" فقال: ضمن ما أصابه 2.
سادسها: كذا حكاهما في "المحرر" قولين 3، وعبارته في "الشرح": فيه وجهان، ويقال: قولان 4، فلذلك قال في "الروضة": في الأصح، وقيل: الأظهر 5.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يثبت العراقيون فيه خلافاً، وحكاه القاضي والإمام وجهين 6، والغزالي قولين 7، وليس بمعتمد؛ فالخلاف إن ثبت وجهان.
ويرد على "التنبيه" و"الحاوي": أنه لو صاح على صيد فاضطرب الصبي وسقط من علو.. وجبت ديته مع كونه لم يصح عليه، ولا يرد ذلك على "المنهاج" لذكره له بعد ذلك، وقال: (فدية مخففة على العاقلة) 8.
فإن قلت: لعلهما إنما قيدا لذلك؛ لأن تلك مغلظة.
قلت: لم يتعرضا لتغليظ ولا تخفيف.
4808 - قول "التنبيه" [ص 220]: (أو صاح على بالغ وهو غافل فوقع ومات.. وجبت الدية) سوى بين الغافل والصغير، والأصح: خلافه، وأنه لا تجب دية البالغ مطلقاً، وهو مفهوم تقييد "الحاوي" بالطفل، وصرح به "المنهاج" فقال [ص 489]: (ولو كان بأرض، أو صاح على بالغ بطرف سطحٍ.. فلا دية في الأصح) وفيه أمور:
أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضاه: أن الصبي الذي على الأرض لا يتعلق به من صيحته ضمان، وليس كذلك، فلو زال عقله.. وجب الضمان كما هو مقتضى نص "الأم"، وعليه جرى الشيخ أبو حامد وغيره.
قلت: وذكره "التنبيه" فقال [ص 220]: (وإن صاح على صبي فزال عقله.. وجبت الدية) و"الحاوي" فقال [ص 550]: (وصاح على طفل فجن) لكن لا يرد على "المنهاج" لأن قوله: (ولو كان) أي: الصبي الذي صيح عليه فمات، فكيف ترد عليه مسألة الجنون، وهي غير المفروض؛ غاية الأمر أنه لم يذكر مسألة الجنون.
ثانيها: أنه أهمل وصف البالغ بكونه عاقلاً، ولا بد منه، قال في "أصل الروضة": والمجنون والمعتوه والذي يعتريه الوسواس والنائم والمرأة الضعيفة كالصبي الذي لا يميز 1.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا بد أيضاً من أن يكون متماسكاً في وقوفه.
ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (على النص) لأن الشافعي نص عليه في البالغ، وقيد الصبي بكونه على طرف سطح، ففهم منه عدم الضمان فيما إذا كان على الأرض.
رابعها: أن كلامه يفهم نفي القصاص قطعاً وهو صحيح في البالغ، صرح به فيه القاضي حسين، وأما في الصبي الذي على الأرض.. فكلام "أصل الروضة" يقتضي إثبات خلاف فيه؛ فإنه حكى فيه وجهاً: أنه كالسقوط من سطح 2، ومقتضاه: وجوب القصاص على قول أو وجه، وصرح به القاضي حسين فقال: وإذا صاح بصبي على الأرض فسقط ومات.. يجب الضمان والقود على ما ذكرناه، وعبر في "المحرر" بنفي الضمان 3، فيحتمل مقابله الضمان بالدية أو بالقصاص.
4809 - قوله: (ومراهق متيقظ كبالغ) 4 نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: أناط الشافعي عدم الضمان بالبلوغ مع العقل، والضمان بالصبي بشرطه، وصار الصبي وصفاً ضابطاً لحكمةٍ، لا حكمةً مجردة لعدم الانضباط، فلا يُخرِج من صور الصبي أحداً وإن كان مراهقاً؛ لأنه لم يكمل عقله.
4810 - قول "التنبيه" [ص 220]: (وإن صاح على صبي فزال عقله) و"الحاوي" [ص 550]: (وصاح على طفل) لم يقيداه بكونه غير مميز كما لم يقيداه في السقوط من طرف سطح، وكذا لم يقيده في "أصل الروضة" إلا أنه عبر بالصغير، ومراده به: مطلق الصبي، فإنه قال عقبه: وإن كان بالغاً.. فعلى الأوجه مع تقييده مسألة السقوط بأن يكون غير مميز 5، فيحتمل أنه ترك القيد هنا اعتماداً على ذكره هناك، وهو أقرب، ويحتمل الفرق بينهما بأن تأثير الصياح في زوال العقل أشد
من تأثيره في السقوط من علو، فيكتفى في ضمان العقل بعدم البلوغ وإن كان مميزاً، وفيه نظر؛ فإن السقوط قد يعرض من رجفة ودهشة وإن لم يزال العقل.
وقيد بعض شراح "التنبيه" كلامه في مسألة زوال عقل الصبي بكونه غير مميز كما فعل في سقوطه من علو، وقد عرفت أن الشافعي والأكثرين لم يقيدوهما بذلك، والله أعلم.
ويعود في البالغ أنه لا بد من كونه عاقلاً مستيقظاً كما تقدم في السقوط.
4811 - قولهما: (ولو طلب السلطان من ذُكرت بسوءً فأجهضت.. ضُمن الجنين) 1 فيه أمور:
أحدها: لا اختصاص لذلك بطلب السلطان، بل لو فزعها إنسان بشهر سيف ونحوه.. ضمن جنينها، وقد قال الشافعي رضي الله عنه؛ لأن معروفاً أن المرأة تسقط من الفزع، وقد تناول هذا قول "الحاوي" في الإجهاض [ص 557]: (ولو بتخويف).
ثانيها: لا يتقيد ذلك بطلبها هي، بل لو طلب رجلاً عندها ففزعت فأجهضت.. ضمن أيضاً، نص عليه كما نقله شيخنا الإمام البلقيني.
ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا يتقيد بأن تذكر بسوء، بل مجرد طلب السلطان كاف في الضمان، نص عليه، قال شيخنا: فلو طلبها في دين فأسقطت.. ضمن إن كانت مخدرة؛ لتعديه، أو غير مخدرة لكنه يخاف من سطوته، فإن لم يخف من سطوته وهي غير مخدرة.. فلا ضمان، قال: وينبغي للحاكم أن يسأل هل هي حامل قبل أن يطلب؟ ولم أر من يفعله، وهو حسن.
قلت: ولهذا جرت العادة أن يكتب في القصص التي يطلب فيها الإعداء على امرأة: وهي برزة غير حامل؛ فهو احتياط حسن، والله أعلم.
رابعها: أورد عليه شيخنا أيضاً: أنه يقتضي قصور الضمان على الجنين، مع أنها لو ماتت من الإجهاض.. ضمنها أيضًا، خلاف ما لو ماتت بلا إجهاض.
4812 - قول "المنهاج" [ص 489]: (ولو وضع صبياً في مسبعةٍ فأكله سبعٌ.. فلا ضمان، وقيل: إن لم يمكنه انتقالٌ.. ضمن) فيه أمور:
أحدها: أنه يقتضي أنه لو كان بالغاً.. لم يجب الضمان قطعاً، وبه صرح في "أصل الروضة" ثم قال: ويشبه أن يقال: الحكم منوط بالقوة والضعف لا بالصغر والكبر 2.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو متعين، والتقييد بالصبي لا معنى له، فلو قيد رجلاً وألقاه في
مسبعة فأكله السبع.. ضمنه بالدية عند جماعة، فدل على أن الاعتبار بالقوة والضعف لا بالصبي والبلوغ، إلا من جهة أن الصبي مظنة الضعف، فإذا وجد الضعف في البالغ - ومنه أن يقيّد -.. اتجه الخلاف.
انتهى.
وقال في "المهمات": جزم في "المهذب" بأنه إذا ألقى حراً مشدوداً في مسبعة فقتله السبع.. أنه عمد، وهذا عين ما بحثه الرافعي، بل هو أبلغ؛ لجعله عمداً، فلا معنى لنفي الخلاف.
انتهى 1.
فإن قلت: إذا كان تقييد "المنهاج" لأجل محل الخلاف.. فلم قيد "الحاوي" مع كونه لا يحكي الخلاف، فقال [ص 550]: (لا إن وضعه - أي: الطفل - في مسبعة فافتُرِس)؟
قلت؛ لأنه محل الخلاف وإن لم يحكه، ويؤخذ البالغ منه من باب أولى، ويحتمل عود الضمير في كلامه على المجني عليه بأي صفة كان.
ثانيها: تناول تعبيرهما ما لو ألقاه في زبية السبع وهو فيها، والحكم في تلك وجوب القصاص أو الدية عند امتناعه، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص 220]: (وإن ألقاه على أفعى، أو ألقاها عليه، أو على أسد، أو ألقاه عليه فقتله.. وجبت ديته) لكن الأصح: عدم وجوب الدية في مسألة الأفعى إلا إن أنهشها إياه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 555]: (وإنهاش حية تقتل غالباً، وجمعه بسبُع في ضيِّقٍ) ولا بد من تقييد عبارة "التنبيه" بأن يكون في مضيق كما قال "الحاوي".
ثالثها: صحح شيخنا الإمام البلقيني فيما إذا لم يمكنه التخلص: وجوب الدية، وقال: إنه المعتمد في الفتوى، وحكاه عن "المهذب" و"الحاوي" في أحد جوابيه و"الوسيط" 2.
رابعها: محل عدم الضمان أيضاً: في الحر، فلو كان عبداً.. ضمنه باليد إن استمرت إلى الافتراس بالتكتيف ونحوه.
خامسها: كان ينبغي أن يقول: (وقيل: إن لم يمكنه تَخَلُّصٌ... ) فقد يمكنه الانتقال ولا يمكنه التخلص مما أوقعه فيه.
4813 - قول "التنبيه" [ص 220]: (وإن طلب بصيراً بالسيف فوقع في بئر.. لم يضمن، ولو طلب ضريراً فوقع في بئر.. ضمن) محله في البصير: مع العلم بها؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 489]: (فلو وقع جاهلاً لعمىً وظلمةٍ.. ضمن) وفي الضرير: مع الجهل بها، فلو علم بها.. لم يضمن، كما صرح به غير واحد، وعبر عنه النووي والإسنوي في "تصحيحيهما" بالصواب 3،