كتابُ الأضحية
5529 - قولهما: (الأضحية سنة) 1 فيه أمران:
أحدهما: قد يفهم أنها سنة عين، وليس كذلك، وإنما هي سنة على الكفاية، إذا أتى بها واحد من أهل البيت .. تأدت السنة عنهم.
ثانيهما: لم يُبَيْنا من هي سنة في حقه، إلا أن "المنهاج" أشار إلى بعض ذلك بقوله في آخر الباب: (ولا تضحية لرقيق) 2، وبيانه: أنها إنما تسن للحر القادر، وكذا المبعض بما ملكه بحريته، ولا بد من اعتبار الإسلام، فلا تتعلق سنة الأضحية بالكافر، وقال في "الأم": إنه لا يضحى عما في البطن 3.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويظهر من ذلك أن سنتها تتعلق بمن يولد عند دخول وقت الأضحية، فمن كان حملاً ذلك الوقت ثم انفصل بعد في يوم النحر أو ما بعده .. لم تتعلق به سنة الأضحية، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وخرجته من زكاة الفطر.
انتهى واستثنى العبدري من ذلك: الحاج بمنى؛ فإنه لا أضحية في حقه؛ لأن ما ينحر بمنى يكون هديا لا أضحية، قال النووي: وهو فاسد مخالف لنص الشافعي في "البويطي" على أنها سنة للحاج بمنى، من كان معه هدي ومن لم يكن، وصرح به القاضي أبو حامد وغيره، وفي "الصحيحين": (أنه عليه الصلاة والسلام ضحى في منى عن نسائه بالبقر) 4.
5530 - قول "التنبيه" [ص 81]: (إلا أن ينذر) قال في "الكفاية": يرد على حصره قوله: جعلت هذه الشاة أضحية؛ فإنها تجب، وليس بنذر، بل ألحقوه بالتحرير، وقد ذكر الغزالي الصورتين 5، وجمعهما قول "المنهاج" [ص 537]: (لا تجب إلا بالالتزام) لكن مقتضاه: أنه لو قال: التزمت الأضحية، أو هي لازمة لي .. لزمته.
قال في "التوشيح": ولا قائل به فيما أحسبُ.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يساعد عليه المنقول؛ فإن قوله: (التزمت
الحديث: 5529 - الجزء: 3 - الصفحة: 399
الأضحية) لم يشتهر اشتهار: (الطلاق لازم لي) فهو كناية قطعاً لا يلزم بمجرده، بل بنيّة، بخلاف نظيره من الطلاق؛ ففيه خلاف.
وفي "أصل الروضة" عن "البحر": لو قال: (إن اشتريت شاة .. فـ لله عليَّ أن أجعلها أضحية) .. فهو نذر مضمون في الذمة، فإذا اشترى شاة .. فعليه جعلها أضحية، ولا تصير بالشراء أضحية، ولو عين فقال: (إن اشتريت هذه الشاة .. فلله عليّ جعلها أضحية) .. فوجهان 6، والأقيس في "شرح المهذب": أنه لا يلزمه تغليباً لحكم التعين، وقد أوجبها قبل الملك 7، ولا بد من تقييد المسألة بأن يقصد الشكر على حصول الملك، فإن قصد الامتناع .. فهو نذر لجاج كما ذكره الرافعي في نظيره من نذر إعتاق العبد إذا ملكه 8، ولم يذكر في "المهذب" قوله: (إلا أن ينذر) كأنه لفهمه من كونها سنة، ومن ذَكَرَه رفع به توهم الوجوب بحمل السنة على الطريقة التي هي أعم من الواجب والمندوب، ونص على أن الشراء بنيّة التضحية لا يصير أضحية بذلك ما لم يلتزمها بالنذر.
واعلم: أن الواجبة بالنذر أو بجعلها أضحية غير التي تسن التضحية بها؛ فإنه لا يشترط فيها السلامة، فلو نذر التضحية بمعينة أو صغيرة أو جعلها أضحية .. وجب ذبحها؛ لالتزامه، وتكون قربة وتفريق لحمها صدقة، ويختص ذبحها بيوم النحر، ويجري مجرى الأضحية في الصرف على الأصح فيهما.
5531 - قول "التنبيه" [ص 81]: (والمستحب لمن دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي ألاَّ يحلق رأسه ولا يقلم ظفره) يرد عليه أن ذلك لا يختص بشعر الرأس ولا بالحلق، وقد سلم "الحاوي" من الأول بقوله [ص 631]: (وترك المضحي الحلق والقلم عشر ذي الحجة)، ويوافقه قوله في بعض نسخ "التنبيه" أو أكثرها: (شعره)، وسلم منهما "المنهاج" بقوله [ص 537]: (ويسن لمريدها ألاَّ يزيل شعره ولا ظفره في عشر ذي الحجة حتى يضحي).
ويرد عليهم جميعاً: أن سائر أجزاء البدن كالشعر، حكاه في زيادة "الروضة" عن إبراهيم المروذي 9، وفي "شرح مسلم" عنه وعن غيره 10، وقال في "المهمات": ما يزال من أجزاء البدن قد تكون إزالته واجبة؛ كختان البالغ وقطع يد السارق والجاني بعد الطلب ونحوها، وقد تكون مستحبة؛ كختان الصبي، وقد يباح كقلع السن الوجعة والفصد والحجامة ونحوهما؛ فإن
الحديث: 5531 - الجزء: 3 - الصفحة: 400
الدم من الأجزاء كما صرحوا به في الطلاق، فتأخير الواجب لا يجوز فضلاً عن كونه مستحباً.
وأما الثاني: فالتضحية من مال الصبي ممتنعة.
وأما الثالث: فالأمر بها مبناه الآلام فيه بعد؛ فقد يقال: صورته فيما إذا كان في بيت المضحي صبي .. فإنه تحصل السنة في حقه بتضحية صاحب البيت، وقد يمنع، وهو الأوجه؛ فإن الأحاديث وعبارات الأئمة إنما دلت عليه في حق من أراد التضحية، وهذا لم يُردها، وأقرب ما يصور به الفصد والحجامة وقطع السلعة ونحو ذلك مما يؤتي به بغير ألم عاجل.
انتهى.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المراد به: قطع جلدة ونحوها مما لا يضر قطعها، ولا حاجة له في قطعها، ولا يتناول فصداً ولا حجامة، ومن أدخل ذلك في هذا الموضع فقد أخطأ، ثم استدل بقوله في رواية الشافعي وابن ماجه: "فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً 0" 11، وهو أحد ألفاظ "مسلم" أيضاً، قال: والبشرة تعم أجزاء البدن غير الشعر والظفر.
انتهى.
ومراد "التنبيه" و"الحاوي": استحباب ترك ذلك حتى يضحي كما صرح به "المنهاج" 12، وتقييده هو و"الحاوي" ذلك بعشر ذي الحجة يفهم أنه لو لم يضح يوم النحر .. فلا بأس بالحلق في أيام التشريق، وإن كان على عزم التضحية في بقيتها، وليس كذلك؛ ولهذا لم يقيده "التنبيه" و"الروضة" وأصلها بعشر ذي الحجة، فلو ضحى يوم النحر وعزمه التضحية بعد ذلك .. فهل يكف عن أحدهما للتضحية الثانية أم لا؟ مقتضى التعليل ببقائها لتشملها المغفرة أو بالتشبه بالمحرمين: زوال هذا الاستحباب؛ لحصول المقصود.
وقال شيخنا الإسنوي في "التمهيد": يتجه تخريجه على مسألة أصولية، وهي: أن الحكم المعلق على معنى كلي هل يكفي فيه أدنى المراتب؛ لتحقق المسمى فيه أم يجب الأعلى احتياطاً؟ والصحيح: القول الأول 13، وتردد شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيما لو أخر الناذر التضحية بمعين إلى انقضاء أيام التشريق، ورجح بقاء الكراهة؛ لأن عليه أن يذبحها قضاء، وفيما لو نذر التضحية ولم يُرد فعلها.
واعلم: أن هذا الاستحباب مؤكد، فلو خالفه .. كره، وقيل: يحرم.
5532 - قول "التنبيه" [ص 81]: (والأفضل أن يذبحها بنفسه، فإن لم يحسن .. فالأفضل أن يشهد ذبحها) مقتضاه: أنه لا ينتقل للاستحباب الثاني إلا من لا يحسن، وعبارة "المنهاج" [ص 537]: (وإلا .. فيشهدها) ومعناه: إن لم يذبح بنفسه؛ إما لعجز أو غيره، ويوافقه قول
الحديث: 5532 - الجزء: 3 - الصفحة: 401
"الحاوي" [ص 631]: (وأن يضحي أو يشهد) ومقتضاه: تأدي الاستحباب بالحضور مع الإحسان، ويستثنى من ذلك: المرأة؛ فالأولى أن تستنيب، ذكره في "شرح المهذب" هنا 14، وفي "تصحيح التنبيه" في صفة الحج 15، وذكر بعضهم أن الخنثى في ذلك كالمرأة.
5533 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولا تصح إلا من إبل وبقر وغنم) 16 لا يخفى أن المراد: البقر الإنسية ولو كانت جاموساً دون بقر الوحش وإن دخل في اسم البقر، حتى يحنث بأكله فيما إذا حلف لا يأكل لحم بقر، فلو تولد بين أنثى من البقر وذكر من الغنم مثلاً ولد واستكمل سنتين .. فقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": القياس إجزاؤه؛ لأن كلاً من أصله يضحى به؛ ولهذا لم يستثنوا هنا وفي الزكاة إلا المتولد بين الغنم والظباء.
5534 - قول "التنبيه" [ص 81]: (ويجزئ في الأضحية الجذعة من الضأن، وهي: ما لها سنة أشهر) الأصح: أنها ما لها سنة ودخلت في الثانية، وعليه مشى "المنهاج" 17، لكن ذكر العبادي والبغوي: أنه لو أجذع قبل السنة - أي: سقطت أسنانه - .. أجزأ 18، ويكون الإجذاع هنا كالاحتلام الذي يسبق خمس 19 عشرة، وهو ظاهر كلام "الحاوي" فإنه لم يعتبر إلا كونه جذعاً من غير تقييد سن 20، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": واختاره الروياني، وهو الأصح المعتمد.
5535 - قول "التنبيه" [ص 81]: (والثنية من المعز: ما لها سنة) الأصح: أنها ما له سنتان ودخل في الثالثة، وعليه مشى "المنهاج" 21، وقد تقدم أن الواجبة بالنذر أو بجعلها أضحية تجزئ مع صغرها عن هذا السن.
5536 - قول "المنهاج" [ص 537]: (ويجوز ذكر وأنثى) لا يفهم منه أفضلية الذكر، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 631]: (وذكر أكمل).
5537 - قول "المنهاج" [ص 537]: (والبعير والبقرة عن سبعة) لو قال: (أو البقرة) .. كان أولى؛ فإن كلًّا منهما يجزئ عن سبعة كما صرح به "التنبيه" 22، وهو معنى
الحديث: 5533 - الجزء: 3 - الصفحة: 402
"الحاوي" [ص 629]: (ويجزئ عن سبعة) أي: ثني الإبل والبقر.
5538 - قول "التنبيه" [ص 81]: (وأفضلها البدنة، ثم البقرة، ثم الجذع من الضأن، ثم الثنية من المعز) قد يرد عليه: أن سبعاً من الغنم أفضل من بدنة؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 631]: (والأولى سبع غنم، ثم بدنة، ثم بقرة) وقد يقال: لا يرد؛ لأن الكلام في الأضحية الواحدة وسبع الغنم سبع ضحايا؛ ولهذا لم يذكره "المنهاج" في أول كلامه، بل جزم بأن أفضلها بعير، ثم قال: (وسبع شياهٍ أفضل من بعير) 23.
وقول "المنهاج" [ص 537]: (ثم بقرة) قال في "الدقائق": إنه زائد 24، قال شيخنا ابن النقيب: وقد رأيته في "المحرر" فلعل النسخ فيه مختلفة 25.
5539 - قولهم: (لا يجزئ فيها معيب) 26 تقدم أنه يستثنى منه: ما لو نذر التضحية بمعيبة 27، أوجعلها أضحية .. فإنه يذبحها مع العيب.
5540 - قولهما: (إن المراد بالعيب هنا: ما ينقص اللحم) 28 اقتصر عليه "التنبيه"، وفصله "المنهاج" بعده، واقتصر "الحاوي" على التفصيل 29، ولم يذكر هذا الضابط، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن فيه إلباساً؛ فإنه إن أريد: ما حصل نقص اللحم بسببه .. ورد عليه أنه لو أخذ الذئب فلقة يسيرة من فخذها أو من عضو كبير .. فإنه تجوز التضحية بها مع نقصان اللحم، وأن العوراء البين عورها لا تجزئ، ولو كانت سمينة، لم يحصل نقص في لحمها، وكذا لو انكسرت رجل الحيوان وهو تحت السكين قبل ذبحه .. فلا يجزئ في أضحية التطوع على الأصح، وإن أريد: الذي من شأنه أن ينقص اللحم وإن لم يحصل نقص .. ورد عليه الفحل الذي كثر نزوانه والأنثى التي كثرت ولادتها؛ فإن ذلك مظنة النقص، ومع ذلك يجزئان، وكذلك تجزئ الحامل مع أن شأن الحمل تنقيص اللحم، كذا قال ابن الرفعة: إنه المشهور، قال: وعدم إجزائها وجه حكاه العجلي، وجزم في الزكاة من "شرح المهذب" بعدم إجزائها، وعزاه للأصحاب 30، وحكاه في "المهمات" عن الشيخ أبي حامد والمتولي والعمراني والبندنيجي في "الذخيرة" وصاحب
الحديث: 5538 - الجزء: 3 - الصفحة: 403
"الاستقصاء"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": أخرجت من نصوص الشافعي التصريح بجواز الأضحية بالحامل، واتفاق الأصحاب على ذلك، وذلك ما لم يحصل فيه نقص أو حصل نقص يسير، فإن حصل نقص فوق اليسير ودون الفاحش .. فهو محل الخلاف الذي ذكره العجلي، وإن حصل نقص فاحش وتفاحش نقصان اللحم .. فهذه يمنع الأضحية بها.
5541 - قول "المنهاج" [ص 537]: (فلا تجزئ عجفاء) هي التي ذهب مخها من شدة هزالها، فإن قل هزالها ولم يذهب مخها .. أجزأت، كذا أطلقه كثيرون، وقال الماوردي: إن كان خلقياً .. أجزأت، أو لمرض .. فلا 31، وقال الإمام: لا يعتبر العجف البالغ، وضبطه: بألاَّ يرغب في لحمها الطبقة العليا في زمن الرخاء 32، وعبر "الحاوي" عن ذلك بأنه لا يجزئ بيّن الهزال 33.
5542 - قوله: (ومجنون لا يرعى) 34 مقتضاه: أنه لو رعى يسيراً .. أجزأ، لكن الذي في "الروضة" وأصلها: أنه ورد النهي عن التولاء، وهي المجنونة التي [تستدير في] 35 المرعى ولا ترعى إلا قليلاً فتهزل 36، ولذلك أطلق "المنهاج" أنه لا تجزئ المجنونة 37.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا الحكم لم يذكره الشافعي في شيء من كتبه، ولم يذكروا فيه حديثاً ثابتاً، والبهائم لا يطلب منها العقل، وإذا كانت التولاء سمينة .. جازت الأضحية بها، فإن كانت هزيلة .. امتنعت كالعجفاء.
5543 - قول "المنهاج" [ص 537]: (ومقطوعة بعض أذن) محله: ما إذا أبين، وقد ذكر بعده أنه لا يضر شق أذن، ثم إن ذلك لا يختص بالأذن، فلو قال كـ"الحاوي" [ص 629]: (وفائت جزء) .. لكان أحسن، فلو خلقت بلا أذن .. لم يجز، جزم به في "أصل الروضة" 38، ونص عليه في "الأم" 39، بخلاف المخلوقة بلا ألية أو بلا ذنب أو بلا ضرع .. فإنها تجزئ في الأصح، لكن صحح شيخنا في "تصحيح المنهاج": عدم الإجزاء في الأخريين، وجزم الماوردي والبغوي
الحديث: 5541 - الجزء: 3 - الصفحة: 404
بعدم الإجزاء في المخلوقة بلا ذنب 40، وزاد البغوي فجزم بعدم إجزاء المخلوقة بلا ألية أيضاً 41.
5544 - قول "الحاوي" فيما لا يجزئ [ص 629]: (وأعورُ) أحسن من تقييد "المنهاج" العور بالبيّن 42، فإنه غير محتاج إليه؛ لأن المدار في عدم الإجزاء على ذهاب الضوء من إحدى العينين وإن بقيت الحدقة.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن أراد بالبين: ذهاب الحدقة أو نورها كله .. اقتضى أنه لو غطى البياض أكثر الحدقة .. لم يمنع، وليس كذلك؛ فقد جزم الماوردي والروياني فيه بالمنع 43، وإن أراد بالبين: ما في العينين من ضعف البصر .. فالجمهور كما في "أصل الروضة" على أن ذلك لا يمنع 44.
5545 - قول "الحاوي" [ص 629]: (لا بيّن الجرب) يقتضي أنه لا يضر يسيره، وتبع في ذلك "المحرر" 45، لكن استدرك عليه "المنهاج" فقال [ص 537]: (الصحيح المنصوص: يضر يسير الجرب)، وصححه في "أصل الروضة" 46، وعبارة الرافعي: قضية ما أورده المعظم صريحاً ودلالة ونقلوه عن نصه في الجديد: أنه يمنع يسيراً كان أو كثيراً 47.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وما ذكره عن المنصوص يقتضي أن اليسير من الجرب غير بيّن، وليس كذلك؛ فنص "الأم" يخالفه فقال: (والجرب قليله وكثيره مرض بيّن مفسد للحم وناقص للثمن) 48.
5546 - قول "المنهاج" [ص 537] و"الحاوي" [ص 629]: (ألاَّ يضر فقد قرون) قد يستثنى منه: ما إذا انكسرت وأثر انكسارها في اللحم .. فهو كالجرب، كما حكاه في "أصل الروضة" عن القفال 49، وقد يقال: لا حاجة لاستثناء ذلك؛ لقوله أولاً: (وشرطها سلامة من عيب ينقص لحماً) 50.
الحديث: 5544 - الجزء: 3 - الصفحة: 405
5547 - قول "التنبيه" [ص 81]: (ويدخل وقتها إذا انبسطت الشمس يوم النحر ومضى وقت صلاة العيد والخطبتين) فيه أمران:
أحدهما: المراد بانبساطها: ارتفاعها كرمح، كما صرح به في "المحرر" 51، وهذا موافق لقول "التنبيه" [ص 45]: (إن صلاة العيد إنما يدخل وقتها بارتفاع الشمس) لكن الأصح: دخول وقتها بالطلوع، فيعتبر قدر العيد والخطبتين من الطلوع؛ ولهذا استدرك "المنهاج" هنا فقال [ص 537]: (ارتفاع الشمس فضيلة، والشرط طلوعها، ثم مُضِيُّ قدر الركعتين والخطبتين)، ونازعه شيخنا في "تصحيح المنهاج" في قوله: (إن ارتفاع الشمس فضيلة) وقال: تعجيل النحر مطلوب، فلا يعتبر في فضيلة الارتفاع، بل السنة عند الشافعي التعجيل في صلاة النحر.
ثانيهما: يعتبر في صلاة العيد كونها خفيفة، وفي الخطبتين كونهما خفيفتين؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 629]: (بين مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفات من طلوع شمس النحر وآخر أيام التشريق)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص 537]: (ثم مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين) فإن ظاهره عدم اعتبار الخفة في الركعتين، وليس كذلك، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المذهب المعتمد عندنا: اعتبار ركعتين على المعتاد بالتكبير والفاتحة والسورة، وإنما أوردنا عليه أن يقول: خفيفات على ما ذكره هو في "الروضة"، وادعى أنه المذهب.
انتهى 52.
وقال الإمام: ما أرى من يعتبر خفة الصلاة يكتفي بأقل المجزى 53، وظاهر ما في "الشامل" خلافه، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا المحكي عن "الشامل" ليس بمعتمد.
5548 - قول "التنبيه" [ص 81]: (وأفضلها البيضاء ثم الصفراء ثم السوداء) ذكر في "المهذب" موضع الصفراء: العفراء 54، وهي بمعناها، وقد ذكر في "أصل الروضة" الصفراء 55، وفسرها بأنها التي لا يصفو بياضها، وذكر في "شرح المهذب" البلقاء بين العفراء والسوداء 56، وليس ذكر السوداء لتقدمها على شيء بعدها، وإنما هو زيادة إيضاح.
5549 - قوله: (وإن نذر أضحية معينة) 57 صوّره "المنهاج" بقوله [ص 538]: (فقال: "لله عليّ أن أضحي بهذه") وفي معناه: لو قال: جعلتها أضحية .. فحكمه كذلك، وقد جمع بينهما
الحديث: 5547 - الجزء: 3 - الصفحة: 406
"الحاوي" فقال [ص 629، 630]: (وتعيّن بجعله أضحية، ونذر المعين).
5550 - قول "التنبيه" [ص 81]: (زال ملكه عنها ولم يجز بيعها) اعتُرض بأن امتناع بيعها مفهوم من زوال ملكه عنها، فلا فائدة فيه، وقال في "الكفاية": له فوائد:
منها: إفادة التنصيص على مخالفة أبي حنيفة؛ إذ جوز البيع ومنع زوال الملك.
ومنها: أن الملك قد يزول ويسلط من زال ملكه عنه على بيعه؛ كمن نذر أن يهدي إلى الحرم شيئاً معيناً، فنفى توهم إلحاق هذه بتلك.
ومنها: أنه جزم بجواز الركوب، وشرب فاضل اللبن عن الولد، والانتفاع بالصوف المضر بقاؤه مع أن زوال الملك ياباه، فنفى توهم أن يكون البيع أيضاً كذلك.
قال في "التوشيح": ولك أن تقول على الأول: إنما يحسن لو كان أبو حنيفة يجوز البيع مع الموافقة على زوال الملك، أما إذا منع زوال الملك .. فجواز البيع عنده مستفاد من بقاء الملك، وأما الأخريان .. فقريبتان، والحاصل: أنه لا يلزم من زوال الملك امتناع البيع؛ لجواز كونه بولاية أو نيابة؛ كما أن الواقف يزول ملكه على المذهب، ثم له النظر والتصرف على خلاف فيه، فقد يقال: يزول الملك وله بيعها وشراء أجود منها، فنفى توهم ذلك.
انتهى.
5551 - قول "الحاوي" [ص 630]: (ولمعيبة صرف مصرفها) قد يفهم أنه يختص ذبحها بوقت الأضحية، وبه صرح الرافعي والنووي، قالا: فلو ذبحها قبله .. تصدق بلحمها، ولم يأكل منه شيئاً، وعليه قيمتها يتصدق به 58.
واستشكله في "المهمات" لأنها ليست أضحية حقيقة، بل حكمها كحكمها، وهو لو صرح في نذر التصدق بيوم .. جاز التقدم عليه بغير الملفوظ به، وهو في المقدر أولى.
وقد يقال: سكوت "الحاوي" عن الوقت يدل على أنه ليس في ذلك كالمصرف.
5552 - قول "المنهاج" [ص 538]: (فإن تلفت قبله .. فلا شيء عليه) يفهم أنها لو تلفت في الوقت .. ضمنها، ومحله: ما إذا كان بعد التمكن من ذبحها، فإن تلفت في الوقت قبل التمكن من ذبحها .. فلا شيء عليه أيضاً، وإطلاق "التنبيه" و"الحاوي" أنه لا يضمنها إذا تلفت 59، محمول على ما ذكرناه، هذا هو المنقول، وقول النووي من زيادته فيما إذا ضلت بعد مضي بعض أيام التشريق: الأرجح: أنه ليس بتقصير كمن مات في أثناء وقت الصلاة الموسع لا يأثم على الأصح 60، مخالف لما تقدم، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد.
الحديث: 5550 - الجزء: 3 - الصفحة: 407
5553 - قول "المنهاج" [ص 538]: (فإن أتلفها .. لزمه أن يشتري بقيمتها مثلها ويذبحها فيه) قد يفهم منه أنه لو لم يجد مثلها إلا بأكثر من قيمتها .. لم يلزمه شراؤه، وليس كذلك، بل يلزمه أكثر الأمرين من قيمتها وأضحية مثلها؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 631]: (أكثر القيمة والمثل) و"التنبيه" بقوله [ص 81]: (ضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها أو أضحية مثلها) وقال في "الكفاية" تبعاً لـ"التحرير": كذا في "التنبيه" وسائر كتب الفقه، والأجود حذف ألف (أَوْ) لأنه على تقدير إثباتها يكون معناه: (أكثر الأمرين من قيمتها أو أكثرهما من أضحية) ومعلوم أن هذا غير منتظم 61.
واعترضه الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين: بأن صيغة الأجود تقتضي جواز غيره، وقوله: (غير منتظم) يقتضي منعه، وبأن إثبات الألف جائز بمعنى آخر، وهو أن يكون قوله: (من قيمتها ... إلى آخره) بياناً للأكثر، لا للأمرين؛ فكأنه قال: وهو - أي: وأكثر الأمرين - هو قيمتها أو أضحية مثلها، ويعلم من بيان الأمرين بطريق اللزوم، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وقال: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وفي حديث ذي اليدين: (صلى إحدى صلاتي العشاء الظهر أو العصر) 62.
قال في "التوشيح" ما ذكره محتمل حسن، والنووي لم يمنعه؛ ولذلك عبر بالأجود، وإنما ادعى اقتضاء العبارة لما ذكره ولا ريب أنها ظاهرة فيه، وقوله: (غير منتظم) لا ينافي كون الأجود حذف الألف؛ لأن معنى كلامه إثبات الألف يفهم كذا، وإفهام كذا غير منتظم؛ فالأجود حذف الألف دفعاً لهذا، وقد يبقى ويُؤَول الكلام بالطريق التي أفادها الشيخ برهان الدين.
نعم؛ قول النووي: إن الألف موجودة في سائر الكتب لعله أراد الغالب، وإلا .. فهي محذوفة في الرافعي.
5554 - قول "التنبيه" [ص 81]: (إن زادت القيمة على مثلها تصدق بالفاضل، وقيل: يشتري به اللحم ويتصدق به، وقيل: يشارك في ذبيحة أخرى) الأصح: الثالث، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 631]: (أو زاد ولا كريمة .. فشقصٌ) ومحله: فيما إذا أمكن، أما إذا لم يمكن .. فقال في "الشامل": ينبغي أن يكون فيه الوجهان الأولان، ومحل الخلاف: فيما إذا لم يمكن أن يشتري بالفاضل أضحية كاملة، فإن أمكن ولو من غير الجنس .. لزمه قطعاً، ثم ظاهر المشاركة في ذبيحة أخرى الإجزاء، ولو كان بجزء لا يجزئ في الأضحية كالمشاركة في شاة، وهو الذي حكى
الحديث: 5553 - الجزء: 3 - الصفحة: 408
في "الكفاية" عن الإمام وغيره التصريح به، وهو مقتضى إطلاق الرافعي هنا 63، لكنه خالفه في (الوقف) فقال في أثناء مسألة: بخلاف ما إذا أتلف الأضحية ولم يوجد بقيمتها إلا شقص شاة؛ لأنه لا يضحي بشقص الشاة 64.
5555 - قول "الحاوي" [ص 630]: (وإن عيّب .. صرفه وضحى سليمة) حمله القونوي وغيره على المعين ابتداء، وعما في الذمة، وليس كذلك في الثانية، بل لا يلزمه ذبحه، وينفك عن الاستحقاق على الأصح، ونسب للنص، والحق أن كلام "الحاوي" إنما هو في المعيّن ابتداء، وقد ذكر المعين عما في الذمة بقوله بعده: (وإن عيّن لنذر .. أبدل بها) 65 ومراده: ما إذا حصل له العيب بعد ذلك، وإن كان ظاهر عبارته الإبدال من غير عيب، لكنه متى حمل على ذلك .. خالف الأصح الذي عليه الأكثرون: أنه يتعين بالتعيين، ولا يجوز إبداله، ووقع في موضع من الرافعي و"الروضة" ما يقتضي الانفكاك في المعينة ابتداءً أيضاً 66.
قال في "المهمات": والظاهر أنه سهو.
5556 - قول "التنبيه" [ص 81]: (وله أن يركبها) قيده في "أصل الروضة" بأن يكون بغير إجحاف 67، ومعناه كما في "الكفاية": ألاَّ يلحقها بذلك مشقة، قال في "التوشيح": ولا يختص بالهدي والأضاحي؛ فلا يجوز تحميل الدواب ما يضر بها، وهو في "التنبيه" في بابه.
انتهى.
وصحح في "شرح المهذب": أنه لا يجوز إلا لحاجة، وقال: إنه ظاهر النص 68، وحكى الماوردي عن الشافعي أنه قال: ويركب الهدي إن اضطر إليه ركوباً غير قادح، ويحمل المضطر عليها 69.
قال في "المهمات": فعلى هذا لا يجوز ذلك لقادر على المشي ركب مترفهاً، ولا لقادر على غيرها بملك أو إجارة، قال: وفي الإعارة نظر، قال الماوردي: وكذلك لو ركبها من غير ضرورة .. جاز ما لم يهزلها 70، وحمله في "التوشيح" على الحاجة، وقال: الذي يظهر حرمة
الحديث: 5555 - الجزء: 3 - الصفحة: 409
الركوب لا لحاجة أصلاً؛ لأنه عبث وإتعاب حيوان بلا فائدة، قال: ولا اختصاص لهذا بالهدي والأضاحي.
5557 - قول "المنهاج" [ص 538]: (وولد الواجبة يذبح) أحسن من قول "التنبيه" [ص 81]: (فإن ولدت .. ذبح معها ولدها) لأمرين:
أحدهما: أنه يتناول الهدي، ويتناول المعينة بالنذر ابتداء، وما إذا عينها عما في ذمته وهو الأصح في الثانية، وفيها وجهان آخران:
أحدهما: أنه لا يجب ذبح ولد المعينة عما في الذمة.
والثاني: يبيعها ما دامت حية، بخلاف عبارة "التنبيه" فإنه لا يتناول الهدي ولا المعينة عما في الذمة.
الأمر الثاني: أن عبارة "التنبيه" تقتضي أنه لا يجب ذبح ولدها إلا معها، وكذا عبارة "المحرر" 71، فأسقط "المنهاج" لفظة: (معها) ليشمل ما لو ماتت الأم .. فإنه يذبح جزماً في المعينة ابتداءً، وعلى الصحيح في المعينة عما في الذمة.
5558 - قول "المنهاج" [ص 538] و"الحاوي" [ص 631]: (وله أكل كله) صريح في أن الكلام في ولد الواجبة، وهو مشكل؛ لأن وجوب ذبحه مع جواز أكله مدركه أنه كالجزء من الأم .. فجاز أكله كعضو منها، فيلزم من جواز الأكل من الواجب وهو خلاف ما تقرر، وفي "أصل الروضة": في الأكل منه ومن أمه أوجه، صحح الروياني: أن لكل منهما حكم ضحية، فيتصدق من كل منهما بشيء، والثاني: يكفي التصدق من أحدهما، والثالث: لا بد من التصدق من الأم؛ لأنها الأصل، وصححه الغزالي، قال: ويشترك الثاني والثالث في جواز أكل جميع الولد 72.
فرض في "شرح المهذب" هذه الأوجه في أضحية التطوع، وقال: إن المختار ما صححه الروياني، ثم قال: والأصح على الجملة: أنه يجوز أكل جميعه 73.
وجعل ابن الرفعة محل الأوجه إذا قلنا: يجوز الأكل من الواجبة، وأنه لا يأكل الكل، فأفهم أنا إذا قلنا: لا يأكل الواجبة .. لا يأكل من الولد، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن بعضهم أنه اعتقد أن الأوجه في الواجبة والتطوع، قال شيخنا: والخلاف إنما هو في الواجبة كما في كلام الماوردي والإمام ومن تبعه، قال: ولا خلاف أن أضحية التطوع لا يلزمه ذبح ولدها، وأنه لو
الحديث: 5557 - الجزء: 3 - الصفحة: 410
ذبحه .. لا يقع أضحية، قال: وهل يختص أكل ولد الواجبة جميعه بالذي أوجب دون وارثه، فيتعين عليه التصدق به، أو يجوز للوارث ما كان لمورثه؟ الأرجح: الثاني، ولم أر من تعرض لذلك.
5559 - قولهما: (وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها) 74 قال الماوردي: مع الكراهة، قال الشافعي: ولو تصدق به .. كان أحب إليّ 75.
ويستثنى من الفاضل: ما ينهك لحمها، وعبارة الشافعي في "المختصر": (ولا يشرب من لبنها إلا الفضل عن ولدها وما ينهك لحمها) 76، ومقتضاه: أنه لو مات الولد أو فطم .. كان له شرب ما لا ينهك لحمها.
5560 - قول "التنبيه" [ص 81]: (فإن كان صوفها يضر بها إلى وقت الذبح .. جاز له أن يجزه وينتفع به) يفهم أنه لو كان بعد وقت الذبح ولا حاجة بها لإبقائه .. أنه لا يُجَزُّ، ومفهوم كلام الرافعي خلافه 77.
5561 - قول "المنهاج" في المنذور [ص 538]: (لزمه ذبحه فيه) قد يفهم أنه لو فات الوقت .. لا يذبحه، وليس كذلك، بل يذبحه بعده قضاءً، وقد صرح به "التنبيه" فقال [ص 81]: (فإن لم يذبحها حتى فات الوقت .. لزمه أن يذبحها) وقال قبل ذلك فيمن لم يضح حتى فات الوقت: (وإن كان منذوراً .. لزمه أن يضحي) 78 فحمل بعضهم كلامه أولاً على الملتزمة في الذمة، والثاني على المعينة ابتداءً؛ دفعاً للتكرار، ولو قال: (واجباً) بدل (منذوراً) .. لكان أولى؛ ليدخل الواجب بالتعيين؛ كقوله: جعلتها أضحية.
5562 - قول "المنهاج" [ص 538]: (فإن تلفت قبله .. بقي الأصل عليه في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على المذهب) ففي "أصل الروضة" طريقان: قطع الجمهور بوجوب الإبدال لمن اشترى بدينه سلعة من المديون فتلفت قبل القبض، وقيل: وجهان، نقلهما الإمام 79.
والضمير في قوله: (قبله) عائد إلى الذبح لا إلى الوقت؛ فإنها لو تلفت في الوقت قبل الذبح .. بقي الأصل عليه أيضاً، ومحل الخلاف: ما إذا لم يكن تلفها بعد أيام التشريق مع إمكانه الذبح في وقته، فإن كان كذلك .. بقي الأصل بلا خلاف.
الحديث: 5559 - الجزء: 3 - الصفحة: 411
5563 - قوله: (وتشترط النية عند الذبح إن لم يسبق تعيين) 80 كذا في "المحرر" 81، والذي في "الروضة": النية شرط في التضحية، وهل يجوز تقديمها على الذبح، أم يجب قرنها به؟ وجهان، أصحهما: الجواز 82.
وقال الرافعي: قضية ما ذكره عن الإمام أنهما كالوجهين في تقدم النية على تفرقة الزكاة.
وقيدهما في "شرح المهذب" في الزكاة بما إذا نوى بعد إفراز المال وقبل الدفع 83، قال في "المهمات": فتكون الأضحية كذلك، ثم قال في "الروضة": ولو قال: جعلت هذه الشاة ضحية .. فهل يكفيه التعيين والقصد عن نية الذبح؟ وجهان، أصحهما عند الأكثرين: لا، ولو التزم ضحية في ذمته ثم عين شاة عما في ذمته؛ فإن قلنا: تتعين .. فالوجهان، وإلا .. فلا بد من النية عند الذبح، كذا عبر في "الروضة" 84، وعبارة الرافعي: فلا بد من نية الذبح 85، وبينهما تفاوت، وسيأتي ما يخالف عدم الاكتفاء بالتعيين عن نية الذبح في الاكتفاء بذبح أجنبي المعينة.
وقول الرافعي في تعليله: إن ذبحها لا يفتقر إلى نية، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": قوله (إن لم يسبق تعيين) فيه إلباس؛ لاحتمال أن يريد به: إن لم يسبق تعيين الأضحية، بقوله: هذه أضحي بها، وأن يريد به: إن لم يسبق تعيين بنذر، وأن يريد به: إن لم يسبق تعيين عن نذر في الذمة، وأيضاً فيحتمل: إن سبق تعيين .. لم يشترط النية، أو تشترط ولكن لا عند الذبح، فأما الصورة الأولى: فيجوز فيها تقديم النية على الذبح بعد التعيين، ولم يذكره في "الروضة" وأصلها، وهو مقتضى ما سبق عن "شرح المهذب" في الاكتفاء بنية الزكاة بعد إفراز المال، ولا يكفي التعيين المذكور عن النية بلا خلاف، وأما صورتا النذر: فلا يغني التعيين فيهما عن النية عند الذبح على الأصح في "أصل الروضة"، ونحن نخالف في ذلك.
قلت: كيف يكتفي بتقديم النية على الذبح في المعين بلا نذر دون المعين بنذر، وقد عرفت أن الذي في "الروضة": تصحيح جواز التقديم، ولم يقيده بشيء، وظهر أن قول "المنهاج": (إن لم يسبق تعيين) أي: فلا نشترط النية عند الذبح فيما إذا سبق تعيين سواء أكان بنذر أم بغيره، وينبغي إطلاق "الروضة" نصحبح الجواز على ما إذا سبق تعيين، والله أعلم.
وعبارة "الحاوي" في ذلك [ص 629]: (بنيّة وإن تقدمت)، وهي موافقة لما في "الروضة".
الحديث: 5563 - الجزء: 3 - الصفحة: 412
5564 - قول "المنهاج" [ص 538]: (وكذا إن قال: "جعلتها أضحية" في الأصح) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا نعرف هل هو تشبيه لقوله: (إن لم يسبق تعيين) .. فيكون: (كذا إن قال: "جعلتها أضحية" في الأصح) فإنه يكون كسبق التعيين فلا يحتاج إلى النية، أو فيجوز تقديم النية، أو تشبيه لقوله: (وتشترط النية عند الذبح) أي: وكذا إن قال: "جعلتها أضحية" .. فتشترط النية عند الذبح، وهذا الكلام غير مستقيم، وكلامه يوهم اختصاص الخلاف بما بعد (كذا)، وليس كذلك؛ ففي التي قبلها أيضاً خلاف.
انتهى.
وفهم في "المهمات" الثاني، فقال: وصحح في "المنهاج" أنه لا يكفي، وكذا حكاه في "أصل الروضة" عن تصحيح الأكثرين 86، واضطرب كلامه في ذلك في "شرح المهذب" 87.
5565 - قوله: (وإن وكل بالذبح .. نوى عند إعطاء الوكيل أو ذبحه) 88 يوهم عدم جواز النية من الوكيل، وليس كذلك، بل له تفويض النية له كما يفوض الذبح إليه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 629]: (لا إن وكل مسلماً بهما) أي: بالذبح والنية، والتقييد بالمسلم لأجل النية، ولا بد من تقيده أيضاً بأن يكون عاقلاً صاحياً، فكل من المجنون والسكران لا تصح نيته.
5566 - قول "المنهاج" [ص 538]: (وله الأكل من أضحية تطوع) فيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي تحريم أكله من الواجب، وبه صرح "التنبيه" و"الحاوي" 89، وصححه في "شرح المهذب" 90، وحكى الماوردي عن أكثر الأصحاب الجواز 91، وصححه شيخنا في ["شرح المنهاج"] 92، وهو مقتضى قول "المنهاج" في ولد الواجبة [ص 538]: (وله أكل كله) وقال الرافعي: يشبه أن يتوسط فيرجح في المعين الجواز، وفي المرسل المنع سواء عين عنه ثم ذبح، أو ذبح بلا تعيين؛ لأنه عن دين في الذمة، فأشبه الجبرانات، وإلى هذا ذهب صاحب "الحاوي", وهو مقتضى سياق الشيخ أبي على 93.
ومشى على تصحيح هذا التفصيل شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" 94، وقال في "التنقيح": إن الرافعي قرره في "الشرح"، وكذا النووي في "شرح المهذب" و"الروضة"، وقد عرفت أنه
الحديث: 5564 - الجزء: 3 - الصفحة: 413
في "الشرح" و"الروضة" بحث، وأن المصحح في "شرح المهذب": المنع مطلقاً.
وقال في "المهمات": خالف الرافعي ذلك في المعينة فقال فيما إذا [تعينت] 95 يوم النحر قبل التمكن: فيذبحها ويتصدق بلحمها، ونقل بعد ذلك عن "التهذيب" ما يوافقه، وذكر في الكلام على ولد الأضحية ما حاصله: أنه يجوز الأكل في المعينة عما في الذمة.
انتهى 96.
ثم هذا كله في غير نذر المجازاة، فلا يجوز في نذر المجازاة الأكل مطلقاً على المذهب، وفي غير نذر اللجاج؛ كقوله على وجه الغضب: (إن كلمت زيداً .. فـ لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة) فإذا كلمه واختار وفاء ما التزمه .. لم يجز الأكل منها قطعاً؛ لأنه ككفارة اليمين، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: لم يتعرضوا له هنا، وذكر في "المطلب" التفريع على ما إذا قلنا: يلزمه الوفاء بما عينه، ونحن ذكرنا التفريع على التخيير، وهو الأصح.
ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل الأكل من أضحية تطوع: ما لم يرتد، فإن ارتد .. لم يكن له الأكل من أضحيته التي تطوع بها قبل الردة، وقال الشافعي رضي الله عنه في "البويطي": ولا يطعم منها أحد على غير دين أهل الإسلام.
5567 - قول "المنهاج" [ص 538] و"الحاوي" [ص 631]: (وإطعام الأغنياء، لا تمليكهم) قد عرفت مما تقدم أنه لابد من تقييد الأغنياء بأن يكونوا مسلمين، ونازع شيخنا الإمام البلقيني في أنه ليس له تمليكهم وقال: إنما ذكره الإمام من تفقهه، وظاهر نصوص الشافعي رضي الله عنه والأصحاب وعمل الناس في الأعصار والأمصار على خلافه، والقياس على صدقة التطوع وعلى من يأخذ الزكاة مع الغنى كالغارم يدل على خلافه، وقد نازع ابن الصلاح الإمام فيما ذكره، وقال: إن فيه نظراً، وما أطلقه غيره من جواز الإهداء إلى الأغنياء ظاهره الهدية المفيدة للملك لا الإطعام على وجه الضيافة، وفي "المطلب": الظاهر مع ابن الصلاح، قال شيخنا: ويستثنى من كلام الإمام، ضحية الإمام من بيت المال؛ فيملك الأغنياء ما يعطيهم منها، وقال: ما أظن الإمام يخالف في هذه الصورة.
5568 - قول "التنبيه" [ص 81]: (والمستحب أن يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث في أحد القولين، وفيه قول آخر: أنه يأكل النصف ويتصدق بالنصف) الأصح في "تصحيح التنبيه": الأول 97، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 538]: (ويأكل ثلثاً، وفي قول: نصفاً) ولم يبين تمام القسمة، وقد أفصح عنه "التنبيه"، وقيل: يتصدق بالثلثين، وعليه مشى "الحاوي"
الحديث: 5567 - الجزء: 3 - الصفحة: 414
فقال [ص 631]: (والتصدق بالباقي) أي: الأولى التصدق بالباقي بعد اللقمة ثم قال: (والكمال بالثلثين) 98 أي: وكمال الشعار يحصل بالتصدق بالثلثين، وإن كان الأفضل الأول.
وهذا التفاوت الذي بين عبارتي "التنبيه" و"الحاوي" هو اختلاف بين الأصحاب في التعبير عن القول الجديد، وقال الرافعي في "التذنيب": إن المشهور التصدق بالثلثين 99.
وقال في "أصل الروضة": يشبه ألاَّ يكون اختلافاً في الحقيقة، لكن من اقتصر على التصدق بالثلثين ذكر الأفضل، أو توسع فعد الهدية صدقة، قال: والمفهوم من كلام الأصحاب أن الهدية لا تغني عن التصدق بشيء إذا أوجبناه، وأنها لا تحسب من القدر الذي يستحب التصدق به 100.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويستثنى من أكل الثلث أو النصف: تضحية الإمام من بيت المال.
5569 - قول "المنهاج" [ص 538]: (والأصح: وجوب تصدق ببعضها) كان ينبغي التعبير بالأظهر؛ فإن في "البحر" حكاية مقابله عن رواية ابن القاص عن النص، وفي "المطلب": كأن مستند ابن القاص في حكايته عن النص كونه نص في القديم على ما حكاه البندنيجي على أنه لو أكل الكل .. لا يضمن، وقد يدخل في تعبيره بـ (بعضها) وتعبير "التنبيه" بـ (أدنى جزء) 101 العظم والجلد، ولا شك في عدم إجزائهما.
وتردد شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الشحم وجلد السميط الذي يمكن أكله، ورتب الألية على الشحم، وقال: إنها أولى بالجواز، فتعبير "الحاوي" بقوله [ص 631]: (ويجب تمليك الفقير اللحم نياً أقل شيء) حسن؛ لتصريحه باللحم، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولم يتعرضوا للقديد، والظاهر أنه لا يجزئ.
5570 - قول "الحاوي" [ص 631]: (والتصدق بالباقي) أي: بعد اللقمة أحسن من قول "المنهاج" [ص 538]: (والأفضل: بكلها إلا لقماً يتبرك بأكلها) وقد خير في "أصل الروضة" بينهما، فقال: إلا لقمة أو لقماً 102.
5571 - قول "المنهاج" [ص 538]: (ولا تضحية لرقيق) أي: كامل الرق، فيجوز تضحية المبعض كما تقدم أول الباب.
الحديث: 5569 - الجزء: 3 - الصفحة: 415
5572 - قوله: (فإن أذن سيده .. وقعت له) 103 يوهم وقوعها للعبد؛ لقرب ضميره في قوله: (سيده) وإنما تقع للسيد.
5573 - قوله: (ولا يضحي مكاتب بلا إذن) 104 أي: فبالإذن القولان في تبرعه به.
5574 - قوله: (ولا تضحية عن الغير بغير إذنه) 105 هذا هو المشهور المجزوم به هنا، لكن في "أصل الروضة" في (الوصية) بعد ذكر الصدقة عنه: وهذا القياس يقتضي جواز التضحية عن الميت؛ لأنها ضرب من الصدقة، وأطلق أبو الحسن العبادي جواز التضحية عن الغير، وروى فيه حديثاً، لكن في "التهذيب": لا تجوز التضحية عن الغير بغير إذنه، وكذا عن الميت، إلا أن يكون أوصى به.
انتهى 106.
ويستثنى من التضحية عن الغير بغير إذنه صور:
أحدها: المعينة بالنذر إذا ذبحها أجنبي وقت التضحية .. وقعت الموقع على المشهور في "أصل الروضة" 107، فيفرق صاحبها لحمها؛ لأنه مستحق الصرف إلى هذه الجهة، فلا يشترط فعله، كردّ الوديعة؛ ولأن ذبحها لا يفتقر إلى نية، فإذا فعله غيره .. أجزأ، وقد ذكرها "الحاوي" فقال [ص 631]: (وإن ذبح أجبني وقتها .. فضحية، وضمن أرش الذبح).
الثانية: تضحية الولي من ماله عن محاجيره، ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن مقتضى قول "الأم": (ولا يضحى عما في البطن) 108 جوازه، وقال الماوردي: ولا يجوز لولي الطفل والمجنون أن يضحي عنهما من أموالهما 109، فمفهومه: جوازه من ماله.
الثالثة: أضحية واحد من أهل البيت يحصل بها سنة الكفاية لهم كما تقدم، وإن لم يصدر من بقيتهم إذن، وفي زيادة "الروضة" عن "العدة": لو أشرك غيره في ثواب أضحيته وذبح عن نفسه .. جاز 110.
الرابعة: الإمام يضحي عن المسلمين من بيت المال، صرح به الماوردي 111.
الحديث: 5572 - الجزء: 3 - الصفحة: 416
5575 - قوله: (ولا عن ميت إن لم يوص بها) 112 لا يخفى أنه من ذكر الخاص بعد العام، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ذكر ذلك البغوي، ومستنده أن علياً رضي الله عنه كان يضحي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (أمرني فلا أدعه أبداً) رواه أبو داوود والترمذي، واستغربه 113، ثم قال شيخنا: والذي يقتضيه مذهب الشافعي: أنه لا يضحى عن الميت مطلقاً؛ وهو الأرجح، وحديث على إن صح.
. محمول على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وكون الأصل عدم التخصيص إنما هو فيما ثبت فيه تشريع بطريق العموم.
انتهى.
وحيث ضحى عن الميت.
. لا يجوز الأكل من الأضحية؛ لتعذر إذن الميت، بل يجب التصدق بجميعها، قاله القفال في "فتاويه".
الحديث: 5575 - الجزء: 3 - الصفحة: 417
بابُ العَقِيقة
5576 - قول "المنهاج" [ص 538]: (يُسن أن يعُق) لم يبين الذي يسن له ذلك، وكذا لم يبينه "الحاوي"، وفي "التنبيه" أنه من ولد له 114، وهذا يتناول الأم، والمجزوم به في "أصل الروضة" أنه من تلزمه نفقته 115، ومقتضاه: أنها لا تعق إلا عند [إعسار] 116 الأب، والمراد: من تلزمه نفقته حقيقة لإعسار الولد، أو بتقدير إعساره فيما إذا كان موسراً .. فإنهم صرحوا بأنه لا يعق من مال المولود لو كان موسراً، فدل على ما ذكرناه، فهذا الولد الموسر لا يلزم أباه نفقته، ومع ذلك فهو الذي يعق عنه.
قال الرافعي: وأما عق النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين .. فمتأول.
قال النووي: تأويله أنه عليه الصلاة والسلام أمر أباهما بذلك، وأعطاه ما عق به، أو أن أباهما كان عند ذلك معسراً، فيكونان في نفقة جدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
انتهى 117.
ولا بد أيضاً من تقدير [إعسار] 118 أمهما في تلك الحالة، وقد ذكره في "شرح المهذب" 119، وهو في بعض نسخ "الروضة"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": اختصاص ذلك بمن تلزمه النفقة، ذكره الماوردي وغيره 120، ولم أجده في كلام الشافعي وأكثر أصحابه، والأقرب عندي: أن ذلك يتعلق بالأصول، لا على ترتيب النفقة، ولكن أولاهم به الأب، ثم أبوه، ثم الأم، ثم الجد للأم، ولو ذبح الأبعد .. وقع الموقع، ولا أأوّل الحديث.
ودخل في قولهم: من تلزمه نفقته: الأب الكافر؛ فيعق عن ولده المسلم بإسلام أمه أو غير ذلك، وذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: كما يتعلق به إخراج زكاة الفطر عنه على الأصح، قال: ولم أر من تعرض لهذا.
5577 - قول "الحاوي" [ص 632]: (من الولادة إلى البلوغ) موافق لقول "أصل الروضة": ويجزئ ذبحها قبل فراغ السبعة، ولا يحسب قبل الولادة، بل تكون شاة لحم، ولا تفوت بتأخرها عن السبعة، لكن الاختيار ألاَّ يؤخر إلى البلوغ، ثم قال أبو عبد الله البوشنجي من أصحابنا: إن لم
الحديث: 5576 - الجزء: 3 - الصفحة: 418
تُذبح في السابع .. ذُبحت في الرابع عشر، وإلا .. ففي الحادي والعشرين، وقيل: إذا تكررت السبعة ثلاث مرات .. فات وقت الاختيار، فإن أخرت حتى بلغ .. سقط حكمها في حق غير المولود، وهو مخير في العقيقة عن نفسه، واستحسن القفال الشاشي أن يفعلها، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة، ونقلوا عن نصه في "البويطي": أنه لا يفعل ذلك، واستغربوه: قال النووي: رأيت نصه في نفس كتاب "البويطي" قال: (ولا يعق عن كبير) هذا لفظه، وليس مخالفاً لما سبق؛ فإن معناه: لا يعق عنه غيره، وليس فيه نفي عقه عن نفسه 121.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الظاهر أنه مطلق، ثم قال في "أصل الروضة" بعد ذلك: فلو كان المنفق عاجزاً عن العقيقة فأيسر في السبعة .. استحب له العق، وإن أيسر بعدها وبعد مدة النفاس .. فهي ساقطة عنه، وإن أيسر في مدة النفاس .. ففيه احتمالان للأصحاب؛ لبقاء أثر الولادة 122.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": فعلى المذكور أولاً إذا أيسر المنفق في أي وقت كان قبل البلوغ .. استحب له أن يفعلها.
قلت: لا منافاة بين الكلامين؛ لأن كلامه أولاً في أصل العقيقة، وثانياً فيمن توجهت السنية إليه وقت الولادة، فما دام المولود غير بالغ .. فمخاطبة من تلزمه نفقته بعقيقته على سبيل الاستحباب باقية، والذي يتوجه إليه هذا الاستحباب هو من تلزمه نفقته بشرط اليسار في السبعة، أو في مدة النفاس على أحد الاحتمالين، ولا يتوجه إليه الاستحباب بيساره بعد مدة النفاس، بل ينتقل الاستحباب لمن بعده؛ ولهذا حين ذكر البلوغ .. عبر بسقوط حكمها، وحين ذكر انقضاء مدة النفاس .. قال: فهي ساقطة عنه، ولم يقل: سقط حكمها مطلقاً، بل حكمها مستمر، لكن على غير هذا المعسر طول مدة النفاس، والله أعلم.
5578 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (عن غلام بشاتين، وجارية بشاة) 123 فيه أمور:
أحدها: أنه يفهم أنه لا تحصل السنة عن الغلام بشاة، وليس كذلك، بل يحصل به أصل السنة؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 632]: (وشاتان، وللأنثى شاة أحبُّ) وقد تفهم عبارته أنه يستحب للخنثى شاتان؛ لأنه قرر ذلك ثم استثنى منه الأنثى خاصة، وقال بعضهم: الخنثى كالأنثى فيما يظهر، وفيه احتمال.
ثانيها: قيده شيخنا في "تصحيح المنهاج" بأن يكون حراً نسيباً إلى أصله، قال: فلو كان رقيقاً
الحديث: 5578 - الجزء: 3 - الصفحة: 419
وضعته جارية الإنسان أو زوجته الرقيقة .. لم تتعلق سنة العقيقة بوالده؛ لأنه لا يلزمه نفقته، ولا بمالكه؛ لأنه لا ينسب إليه، ولو كان حراً إلا أنه لا ينسب لصاحب الفراش .. لم يسن له العق عنه.
نعم؛ يسن للأم إذا لزمتها نفقته.
ثالثها: ظاهره أنه لا تتأدى السنة في العقيقة بغير الشاة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولم يقل به أحد من الشافعية، وقال في "التوشيح": قاله أبو نصر البندنيجي في كتاب "المعتمد"، ونصه: ليس للشافعي نص في غير الغنم في العقيقة، وعندي لا تجزئ غيرها، وأبو نصر هذا من أكابر تلامذة أبي إسحاق الشيرازي.
انتهى.
ومقتضى قول "الحاوي" المتقدم: (وشاتان، وللأنثى شاة أحبُّ) مع قوله أولاً: (والعقيقة كهي) 124 - أي: كالأضحية - تأدي السنة بالإبل والبقر أيضاً، لكن مقتضاه: ترجيح الشياة عليهما، والأصح: تفضيل الإبل ثم البقر كالأضحية.
قال الرافعي: وينبغي أن تتأدى السنة بسبع بدنة أو بقرة 125.
5579 - قول "التنبيه" [ص 82]: (ويفرق على الفقراء) فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضاه: تفرقة الجميع عليهم، لكن في "المنهاج" [ص 538]: (وسنهما وسلامتهما والأكل والتصدق كالأضحية) ومقتضاه: أكل الثلث، وهو مقتضى قول "الحاوي" [ص 632]: (العقيقة كهي)، ولم يذكر "المنهاج" الهدية، ولا دخلت في عبارة "الحاوي" أيضاً؛ لأن رأيه في الأضحية التصدق بالثلثين، وذكرها في "الروضة" وأصلها 126، ودخل في عبارة "الحاوي" سائر أحكام الأضحية.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم نجد للشافعي رضي الله عنه نصاً يقتضي التثليث في العقيقة، وجاءت أحاديث في إعطاء القابلة رجلها، وذكر في "أصل الروضة": أنه مستحب 127، فخرجت العقيقة عن تثليث الأضحية إن كانت الرجل قبل التثليث، وإن كانت من ثلث الهدية .. فليس ذلك كالأضحية، قال: وفي إعطاء القابلة الرجل والنهي عن إعطاء الجزار من الأضحية شيئاً دلالة على المسامحة في العقيقة، وإذا أهدي للغنى من العقيقة شيء .. ملكه، وفي الأضحية كلام الإمام وما تعقبناه به، والفرق: أن الأضحية ضيافة عامة من الله تعالى للمؤمنين، فلا يملكها الأغنياء بالهدية، بخلاف العقيقة.
الحديث: 5579 - الجزء: 3 - الصفحة: 420
ثانيهما: أن مقتضاه: تفرقته نياً كالأضحية، لكن في "المنهاج" [ص 538]: (ويسن طبخها)، وفي "الحاوي" [ص 632]: (والتصدق بالمطبوخ من الدعوة أحبُّ)، وهو الصحيح في "أصل الروضة" 128، والمحكي عن الجمهور في "شرح المهذب" أي: أنه لا يتصدق بلحمها نياً، بل مطبوخاً 129.
ونازع شيخنا الإمام البلقيني في ذلك، وقال: ليس فيه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أثر عن صحابي نحتج به، وما في "المهذب" عن عائشة لم نقف له على إسناد 130، ونقل البغوي عن الشافعي: أنه يطبخها بحموضة 131، لا يعرف في شيء من كتبه، ولم يذكره غيره، وبتقدير ثبوته فليس فيه أنه سنة، وإنما فيه جواز الطبخ، ولا خلاف في جواز طبخ أكثرها، وتمسك شيخنا بأن المارودي قال: إن لم نجوز ما دون الجذعة والثنية .. وجب التصدق بلحمها نياً 132، وأن الإمام قال: إن أوجبنا التصدق بقدر .. وجب تمليكه نياً 133، وهما محكيان في "أصل الروضة" 134، لكنه صحح خلافهما كما تقدم، وقال شيخنا: إن المحكي في "شرح المهذب" عن الجمهور لم أجده في كلام أحد من الأصحاب، ولا يوجد في تصنيف، والعجب أن في "المهذب": ويستحب أن يطبخ من لحمها طبيخاً حلواً 135، وهو مباين لنقل شارحه عن الجمهور! فإن كان عنده موافقاً له .. فممنوع، أو مخالفاً .. فكان ينبغي التنبيه عليه.
5580 - قول "المنهاج" [ص 538]: (ولا يُكسر عظم) و"الحاوي" [ص 632]: (بلا كسر عظم) قد يفهم كراهته، وليس كذلك في الأصح؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 82]: (ويستحب نزع اللحم من غير أن يكسر العظم) والمراد: استحباب ذلك ما أمكنه.
5581 - قول "التنبيه" [ص 82]: (فإن كان غلاماً .. عق عنه بشاتين ... إلى آخره) بعد قوله: (المستحب لمن ولد له ولد أن يحلق رأسه يوم السابع) يتبادر إلى الفهم منه أن العقيقة يوم السابع، لكنه لم يصرح به، وصرح بذلك "الحاوي" فقال [ص 632]: (وفي السابع أحب) لكنه لم يبين هل يحسب يوم الولادة من السبعة أم لا، فظاهر قول "المنهاج" [ص 538]: (وأن تذبح يوم سابع
الحديث: 5580 - الجزء: 3 - الصفحة: 421
ولادته) حسبان يوم الولادة منها، وهو الأصح في "أصل الروضة" هنا 136، لكنه صحح في الختان من زيادته: أنه لا يحسب 137، ونقل هنا من زيادته عن نص الشافعي في "البويطي": أنه لا يحسب 138، وقال في "شرح المهذب" مع نقله فيه هذا النص: إن المذهب: أنه يحسب 139.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وكيف استقام له بعد أن عرف النص أن يقول: إن المذهب غيره، وليس للشافعي نص يخالفه مع أن نص "البويطي" إنما حكاه الشافعي عن مالك، لكن لما لم يتعقبه .. كان العمل به في مذهبه أولى.
وظاهر كلامهم: استحبابها في السابع وإن مات المولود قبله، وهو المذكور في "شرح المهذب" فقال: تستحب عندنا، وقال الحسن البصري ومالك: لا تستحب 140، لكن في "الكفاية": مذهبنا أنها لا تستحب، فهذان نقلان متباينان، ويوافق ما في "الكفاية" قول "أصل الروضة": ويستحب أن يعق عمن مات بعد الأيام السبعة والتمكن من الذبح، وقيل: يسقط بالموت.
انتهى 141.
فإن مفهومه سقوطها عمن مات قبل السابع أو بعده وقبل التمكن من الذبح.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن مقتضى كلام "المنهاج" عدم استحبابها إذا مات قبله، وفي "أصل الروضة": ولا يترك تسمية السقط، ولا من مات قبل تمام السبعة 142، وهو موافق لما في "شرح المهذب" 143، وإن كانت المسألتان مختلفتين، وقال بعضهم في السقط الذي لم يتميز كونه ذكراً أو أنثى: يسمى بما يصلح لهما؛ كحمزة وطلحة وهند.
5582 - قول "المنهاج" [ص 538] و"الحاوي" [ص 632]: (ويُسَمَّى فيه) قال البيهقي في "سننه" بعد ذكره ما يدل عليه: إن ما جاء في تسميته حين يولد أصح، فذكر حديث أنس، قال: (ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد) وفيه: (وسماه عبد الله)، وحديث أبي موسى الأشعري: (ولد لي غلام، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم) 144 فهذان حديثان ثابتان في "الصحيحين" يدلان على التسمية يوم
الحديث: 5582 - الجزء: 3 - الصفحة: 422
الولادة 145، وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" حديث أنس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولد لي الليلة غلام فسميته إبراهيم باسم أبي إبراهيم"، وقال: إنه أصح من قول الزبير بن بكار: أنه سماه يوم سابعه 146.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إذا ثبتت الأحاديث الصحيحة بالتسمية يوم الولادة .. فهو السنة، وليس للشافعي نص يخالفه.
5583 - قول "المنهاج" [ص 538]: (ويحلق رأسه) و"الحاوي" [ص 632]: (وحَلْق شعره) لم يصرحا بكونه يوم السابع، وصرح به "التنبيه" 147، وجزم به في "أصل الروضة" 148، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن الأخبار والآثار والنص واتفاق الأصحاب؛ فكان ينبغي أن يقولا: (فيه) كما فعلا في التسمية.
5584 - قول "المنهاج" [ص 538]: (بعد ذبحها) حكاه الرافعي عن البغوي، قال: والذي رجحه الروياني ونقله عن النص: أنه يكون قبل الذبح 149، قال في "الروضة": وبهذا قطع المحاملي في "المقنع"، وبالأول قطع صاحب "المهذب" والجرجاني في "التحرير"، وفي الحديث إشارة إليه، فهو أرجح 150.
ومال شيخنا في "تصحيح المنهاج" إلى كونه قبل الذبح؛ للنص، وحكاه عن الشيخ أبي حامد، وقال: إنه المذهب؛ فإنه ليس في ذلك الجانب نص للشافعي، ثم ذكر أن الماوردي حكى عن الشافعي أنه قال: وهذا - أي: حلق شعره والتصدق بزنته - أحب ما صُنع بالمولود بعد الذبح 151، ثم أوَّله شيخنا على أن الشافعي إنما أراد: اجتناب صنع الجاهلية في تدمية رأسه يوم العقيقة ثم حلقه؛ لأن تأخير الحلق عن الذبح سنة.
قلت: وفي التأويل انظر، بل هما نصان، وفي المسألة قولان، والله أعلم.
وذكر في "الكفاية" أن مقتضى عبارة "التنبيه" كونه قبل الذبح.
5585 - قول "المنهاج" [ص 538] و"الحاوي" [ص 632]: (ويتصدق بزنته ذهباً أو فضة) عبارة
الحديث: 5583 - الجزء: 3 - الصفحة: 423
"أصل الروضة": ذهباً، فإن لم يتيسر .. ففضة 152.
5586 - قول "المنهاج" [ص 538]: (ويُؤذن في أذنه حين يولد) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هو مقيد بمقتضى الأدلة بالأذن اليمنى؛ لحديث عائشة: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) 153، وهذا داخل في شأنه كله.
قلت: وروى ابن السني عن الحسين بن عليّ مرفوعاً: (من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى .. لم تضره أم الصبيان" 154، وحكى استحبابه في "أصل الروضة" عن عمر بن عبد العزيز وبعض أصحابنا 155، وفي "الأذكار" عن جماعة من أصحابنا 156.
5587 - قوله: (ويحنك بتمر) 157 قال في "أصل الروضة": فإن لم يكن تمر .. فحلو غيره 158، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن التحنيك مختص بالصبيان، فلم يجيء في السنة تحنيك الإناث، قال: ولهذا قال البغوي: إذا وُلد صبي .. يستحب أن يحنك 159، قال شيخنا: والحكمة فيه: أن الذكر تطلب فصاحته واشتداد حنكه وحلاوة لسانه، بخلاف الأنثى.
قلت: إنما كانوا يحملون الصبيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاعتنائهم بهم دون الإناث، فالظاهر أنهم كانوا يحنكوهن في البيوت؛ تسوية بينهن وبين الذكور، والله أعلم.
5588 - قول "الحاوي" [ص 632]: (ويكره تلطبخ رأسه بالدم) هو المنقول في "الروضة" وأصلها 160، قال في "المهمات": لكن المشهور: تحريم التضمخ بالنجاسة، ويحرم على الولي أن يفعل به شيئاً من المحرمات على المكلفين؛ كسقيه خمراً أو إدخال فرجه في فرج محرم ونحو ذلك.
الحديث: 5586 - الجزء: 3 - الصفحة: 424