تحرير الفتاوىصفحات 68-107

كتابُ الطهارة

صفحات 68-107

1 - قول "المنهاج" [ص 67]: (يشترط لرفع الحدث والنجس: ماء مطلق) فيه أمور: أحدها: أنه عدل عن قول "المحرر": (لا يجوز) 1 وهي عبارة "التنبيه" 2؛ لأنه لا يلزم من عدم الجواز الاشتراط، قاله في "الدقائق" 3، لكنه أجاب عنه في "شرح المهذب": بأن الجواز يصلح للحل وللصحة ولهما، وهو هنا لهما.
انتهى 4. وهو مبني على استعمال المشترك في معنييه، وحينئذ فعبارة "المحرر" و"التنبيه" أولى؛ لدلالتها عليهما بالمنطوق.
ثانيها: يرد على مفهوم قوله: (لرفع الحدث) طهارة دائم الحدث، والوضوء المجدد، والأغسال المسنونة، والمضمضة، والاستنشاق، والتثليث، وغسل الميت، وغسل الذمية والمجنونة؛ لتحل للزوج؛ فإنها طهارات لا ترفع الحدث، ويشترط لها الماء، فلو قال: (ونحوه).. لتناول هذه الأمور، لكن يرد عليه: التيمم، وهو أخف إيراداً، وهذا وارد أيضاً على قول "التنبيه" [ص 13]: (ولا يجوز رفع حدث) وعلى قول "الحاوي" [ص 115]: (كالحدث الخبث).
ثالثها: لو قال: (وإزالة النجس) كما فعل في "التنبيه" 5.. لكان أولى؛ لأن النجس لا يوصف بالرفع في الاصطلاح، لكن سهله تقدم الحدث عليه.
2 - قول "الحاوي" [ص 115]: (رافعه ماء طاهر) يتناول ما إذا أغلى ماء فرشح بخاره، وهو ما نقله في "الروضة" عن اختيار صاحب "البحر" 6، وصححه في "شرح المهذب" 7، لكن نقل الرافعي في "الشرح الصغير" عن عامة الأصحاب: أنه غير طهور.
3 - قول "التنبيه" في تفسير المطلق [ص 13]: (على أي صفة كان من أصل الخلقة)، قال في "شرح المهذب" وغيره: إنه فاسد، وصحح أنه ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد 8، وعليه مشى

"المنهاج" تبعاً "للمحرر" 1، ولا حاجة لتقييد القيد بكونه لازماً، كما في "الروضة" حيث قال: (هو العاري عن الإضافة اللازمة) 2 لأن القيد الذي ليس بلازم؛ كماء البئر مثلاً.. ينطلق اسم الماء بدونه، فلا حاجة للاحتراز عنه، وإنما يحتاج إلى القيد في جانب الإثبات؛ كقولنا: (غير المطلق هو: المقيد بقيد لازم).
4 - قول "التنبيه" [ص 13]: (وإذا تغير الماء بمخالطة طاهر يستغني الماء عنه؛ كالزعفران، والأشنان.. لم تجز الطهارة به) فيه أمران: أحدهما: دخل فيه التغير اليسير، والأصح: خلافه، فلا بد من تقييده بكونه يمنع إطلاق اسم الماء، كما فعل في "المنهاج" 3. نعم؛ لو وقع في ماء غير متغير، وتغير به.. ضر، كما قاله ابن أبي الصيف في "نكته" لأنه تغير بما يمكن الاحتراز عنه، وهو الخلط، وفيه نظر.
ثانيهما: يستثنى من كلامه وكلام "المنهاج": المتغير بأوراق الشجر المتناثرة، وبالملح المائي على الأصح فيهما، ولا يرد عليهما المتغير بالتراب؛ لخروجه بقول "التنبيه" [ص 13]: (طاهر) فإنه طهور، وصرح به في "المنهاج" 4. 5 - قول "التنبيه" [ص 13]: (وإن تغير بما لا يختلط به.. جازت الطهارة به في أحد القولين) هو الأصح.
6 - قول "المنهاج" [ص 67]: (وطحلب وما في مقره، وممره) أي: من زرنيخ 5 ونحوه، يشترط: اتصاله به، فلو أخرج منه الطحلب والزرنيخ ونحوهما، ودق ناعماً، وألقي فيه، فغيره.. فالأصح في "شرح المهذب" وغيره: أنه يضر 6. 7 - قولهما في المجاور 7: (كعود ودهن) 8 كذا أطلق الرافعي وغيره 9، وقيدهما جماعة

تبعاً "للأم" بالمطيبين 1، وأطلق في "المهذب" العود وقيد الدهن 2، وعكس غيره.
8 - قول "المنهاج" [ص 67] و"الحاوي" [ص 115]: (أو بتراب طرح) لم يقيداه بالقصد، وقيده بذلك في "الروضة" و"شرح المهذب" 3، تبعا للرافعي في "شرحيه" 4، قيل: والأول أولى، حتى لو طرحه شخص بلا قصد، أو قصد طرحه على الشط، فوقع في الماء، أو طرحه من لا تمييز له.. كان كذلك.
9 - قول "المنهاج" في المسألة [ص 67]: (في الأظهر) فيه أمران: أحدهما: تبع "المحرر" في جعل الخلاف قولين 5، والمرجح في "الشرح" و"الروضة": كونهما وجهين 6. ثانيهما: محل الخلاف: في غير النجاسة الكلبية؛ فإنه لا بد فيها من تكرير إحدى الغسلات به، فلو أزال طهوريته.. لم يستعمل فيه لذلك.
10 - قول "الحاوي" [ص 115]: (وتراب وإن طرح، وملح ماء) قد يفهم أن الملح المائي يضر مع الطرح، فلو أخر قوله: (وإن طرح) حتى يعود إليهما.. لكان أحسن، وكأنه إنما صرح به في التراب فقط؛ لاختصاصه بالخلاف، على أن شيخنا الإمام جمال الدين قال في "المهمات": (إن المتجه: ما اقتضته عبارة "الحاوي" لأن حمل التراب بإثارة الريح كثير، بخلاف الملح).
11 - قول "التنبيه" [ص 13]: (وتكره الطهارة بما قصد إلى تشميسه) فيه أمور: أحدها: أنه ظاهر في اعتبار القصد، وهو وجه، الأصح: خلافه، ويمكن تأويله على أن المراد: ما يمكن قصد تشميسه عادة -كماء الجرة ونحوها- وإن لم يقصد؛ لتخرج الأنهار والبرك.
ثانيها: أن الكراهة لا تختص بالطهارة، بل تعم ملاقاة البدن في طهارة حدث، وخبث، وتنظف، وتبرد، وشرب، وغير ذلك، صرح به الماوردي والروياني وغيرهما 7. ثالثها: أنه شامل لإزالة النجاسة ولو في الثوب، مع أن الكراهة مختصة بالبدن.
ويرد على إطلاقهما كراهة المشمس أمور: أحدها: الأصح: اختصاص الكراهة بالبلاد الحارة، والأواني المنطبعة، وإليه الإشارة بقول

"الحاوي" [ص 116]: (منطبع بقطر حار) لكن يستثنى من المنطبع: إناء الذهب والفضة، فلا يكره المشمس فيه، كما نقله الرافعي عن بعضهم 1، وجزم به في "الروضة" 2، ونقله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" عن الصيدلاني 3، ونقل عن الجويني: أن حكمهما كغيرهما 4. ثانيها: أن عبارتهما تقتضي أنه لو تشمس بنفسه.. لم يكره؛ لأن التشميس يستدعي شخصاً مشمِّساً، مع أن الكراهة ثابتة سواء تشمس بنفسه أو بتشميس غيره له 5؛ ولذلك عبر في "الحاوي" بقوله [ص 115]: (متشمس) بزيادة تاء.
ثالثها: أن عبارتهما شاملة لباقي الحرارة وزائلها، وهو المصحح في "الشرح الصغير"، لكن صحح في "الروضة": زوال الكراهة عند زوالها 6، وهذا وارد على "الحاوي" أيضاً.
رابعها: اختار النووي من جهة الدليل عدم الكراهة مطلقاً، وقال: (ليس للكراهة دليل يعتمد) 7، ونقله صاحب "الإقليد" عن نص الشافعي.
12 - قول "المنهاج" [ص 67]: (والمستعمل في فرض الطهارة -قيل: ونفلها- غير طهور في الجديد) فيه أمور: أحدها: في قوله: (فرض الطهارة) نظر؛ فإن الوضوء المجدد، والغسل المسنون طهارتان لكل منهما فرض وسنة، فيصدق على المرة الأولى منهما أنها فرض الطهارة، وليست محل جزم على الجديد، بل هي من محال الوجهين فيما أدى به عبادة غير مفروضة، فالأولى أن يقال: (في رفع الحدث أو النجس) كما في "الروضة" 8، أو (المستعمل في فرض الطهارة المفروضة).
ثانيها: قوله: (قيل: ونفلها) قال الشيخ برهان الدين بن الفركاح في "حواشيه": (هذه عبارة قاصرة؛ فإنه إن أراد حكاية وجه في أن المستعمل في النفل غير طهور كالمستعمل في الفرض.. كان كلامه مشتملاً به على نقل شيئين: أحدهما: أن المستعمل في الفرض غير طهور، لا غير.
والثاني: أن المستعمل في أيهما كان غير طهور؛ أي: سواء استعمل في فرض أو نفل، ويلزم

منه أن المستعمل في غسل الذمية لتحل للمسلم: غير طهور قطعاً، أما على الراجح: فلكونه مستعملاً في فرض، وأما على الثاني: فلوجود أحد الأمرين وهو: الاستعمال في فرض، وإن أراد معنى آخر.. فلا بد من بيانه.
ولو قال: "وقيل: في عبادتها".. لحصل الغرض؛ فإنه يحصل منه شيئان: أحدهما: أن المستعمل في فرض الطهارة غير طهور، لا غير.
والثاني: أن المستعمل في عبادة الطهارة غير طهور، لا غير.
فعلى الأول: المستعمل في غسل الذمية غير طهور؛ لأنه مستعمل في فرض الطهارة.
وعلى الثاني: هو طهور؛ لأنه لم يستعمل في عبادة.
وعبارة "المحرر": "والمستعمل ليس بطهور على الجديد إن كان مستعملاً في فرض الطهارة، وقيل: إن المستعمل في عبادة الطهارة في معناه!، فذكر العبادة دون النفل، وهي أيضاً قاصرة) انتهى 1. قلت: المتبادر إلى الفهم من عبارة "المنهاج" في تقرير الوجه الضعيف: أنه لا بد من اجتماع الاستعمال في الفرض والنفل، ولو أراد ما فهمه عنه ابن الفركاح.. لقال: (أو في نفلها) وكلاهما معترض.
ثالثها: مشى على طريقة القولين، وصححها في "شرح المهذب"، لكنه صحح فيه عند الكلام على المستعمل في النجاسة طريقة القطع بالجديد 2، وكذا فعل في "الروضة" حيث قال: (غير طهور على المذهب، وقيل: طهور على القديم) 3 فضعف الطريقة الحاكية للقديم.
وأطلقا الكلام في المستعمل، وهو مقيد بحالة القلة، كما دل عليه قولهما بعد ذلك: (فإن جمع قلتين) 4. 3 ا- قول "التنبيه" [ص 13]: (وما تطهر به من حدث) احترز به عن الخبث، فسيأتي، قاله في "الكفاية".
قال النشائي: (لكن ما أخره هو الخلاف في أنه طاهر أو نجس، فيقتضي أنه ليس بطهور جزماً، والخلاف فيه أيضاً كما نقله في "الكفاية"، بل لم يحك الرافعي إطلاق كونه طاهراً) 5. قلت: كأن الشيخ أراد هناك بالطاهر: الطهور، كما سيأتي.

14 - قول "الحاوي" [ص 115]: (لغير ذلك الفرض، وله إذا انفصل) يقتضي أن الجنب لو انغمس في ماء قليل، ونوى رفع الجنابة ثم مس ذكره مثلًا، وهو في الماء.. أنه لا يكون له الوضوء بذلك الماء؛ لأنه فرض آخر، وهو موافق لبحث الرافعي حيث قال: (ومقتضي كلام الأصحاب أن الماء لا يصير مستعملًا بالنسبة إلى المنغمس حتى يخرج منه، وهو مشكل، وينبغي أن يصير؛ لارتفاع الحدث به) انتهى 1. والمعتمد: إطلاق الأصحاب؛ فقد صرح الخوارزمي بمقتضاه، وهو أنه لو أحدث حدثاً آخر في حال انغماسه.. جاز ارتفاعه به.
وجواب إشكال الرافعي: ما ذكره النووي في "شرح الوسيط" أن صورة الاستعمال باقية 2. 15 - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه"-: (وإن كان الماء قلتين، ولم يتغير.. فهو طاهر) 3 أطلقوا الماء، وهو مقيد بالماء المحض، فلو وقع في الماء مائع يوافقه في صفاته، وفرضناه مخالفاً، فلم يغيره، فحكمنا بطهوريته، وكان الماء الصرف ينقص عن قلتين بقدر المائع الواقع فيه، فصار به قلتين، ووقعت فيه بعد صيرورته قلتين نجاسة.. فإنه ينجس بمجرد ملاقاتها، وإنما يدفع النجاسة قلتان من محض الماء.
واستشكل على هذا: تصحيحهم استعمال جميع ذلك الماء وإن كان وحده غير كاف للطهارة، فنزلوا المائع المستهلك فيه منزلة الماء من وجه دون وجه.
16 - قولهما: (وإن تغير.. فهو نجس) 4 فيه أمران: أحدهما: أورد صاحب "الكفاية"، والنووي والإسنوي في "تصحيحيهما" 5: أنه يُفهم أنه لو لم يتغير؛ لموافقة أوصافه له.. أنه باق على طهوريته.
وليس كذلك، والجواب: أن التغير شامل للحسي والتقديري، كما أوّل الرافعي عليه كلام "الوجيز" 6، فلا إيراد.
ثانيهما: قال في "الكفاية": (إنه يقتضي عدم الفرق بين ما تغير كله أو بعضه، وهو ما صرح به في "المهذب" وغيره، وقال الرافعي: إنه ظاهر المذهب) انتهى 7.

وصحح النووي: أن المتغير نجس، وأما الباقي: فإن كان قلتين.. لم ينجس، وإلا.. فهو نجس؛ فإن هذا المتغير بالنجاسة لا يزيد على عين النجاسة.
انتهى 1. ويمكن موافقة كلامهما له، فإن قولهما: (تغيَّر) صفة للكثير، وذلك يتناول الكل؛ فإنه يصح عند تغير البعض أن يقال: ما تغير هذا، إنما تغير بعضه، فماطلاق التغير عليه مجاز.
17 - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه"-: (وإن زال التغير بنفسه، أو بماء.. طهر) 2 أي: بماء زيد عليه أو أخذ منه، كما صرح به في "التهذيب" 3، وقال في "شرح المهذب": (لا خلاف فيه، وصوره بأن يكون مختنقاً لا يدخله الريح، فإذا نقص.. دخلته وقصرته) 4. 18 - قول "المنهاج" [ص 68]: (أو بمسك وزعفران.. فلا) اعترض عليه في هذا التعبير، بأن العلة في عدم عود الطهورية: احتمال أن التغير استتر، ولم يزل، فكيف يعطفه على ما جزم فيه بزوال التغير وذلك تهافت؟ وعبارة "المحرر" سالمة من هذا حيث قال: (إن زال بنفسه أو بماء.. طهر، وإن طرح فيه مسك أو زعفران فلم يوجد التغير.. لم يطهر) انتهى 5. والجواب عنه: أن المراد: زواله ظاهراً، وإن أمكن استتاره باطناً، والله أعلم.
19 - قوله: (وكذا تراب وجص في الأظهر) 6 فيه أمور: أحدها: فيه ما سبق من التجوز في التغير في المسك والزعفران.
ثانيها: أنه أطلق القولين، ومحلهما: في حال الكدورة، فإن صفا، ولا تغير به.. طهر قطعاً؛ كما في "شرح المهذب" 7. ثالثها: نقل الرافعي عن بعضهم: أنه خصص القولين بما إذا كان التغير بالرائحة، فأما اللون والطعم.. فلا يطهر بالتراب قطعاً، قال: والأصول المعتمدة ساكتة عن هذا التفصيل 8. قال النووي: (بل مصرحة بخلافه، ففرضها المحاملي والفوراني في التغير بأحد الأوصاف الثلاثة، وفرضها المتولي في اللون والرائحة) 9. رابعها: في الجص ونحوه مما ليس له صفة غالبة ولا طهورية طريقة قاطعة بأنه لا يطهر؛ فكان

ينبغي أن يقول: (وكذا بتراب في الأظهر، وجص على المذهب).
وقول "التنبيه" [ص 13]: (وإن زال بالتراب.. ففيه قولان، أصحهما: أنه يطهر) خصص القولين بالتراب، فهو اختيار لهذه الطريقة المرجوحة، فيرد عليه هذه الإيرادات الأربعة، لكن الإيراد الرابع من وجه غير الوجه الذي أورد على "المنهاج"، إلا أن يقال: إنه ذكره على سبيل التمثيل، لا لتخصيص الحكم به، ويختص "التنبيه" بإيراد خامس، وهو أن الأظهر: أنه لا يطهر، خلاف ما صححه.
20 - قولهم -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ودونهما ينجس بالملاقاة) 1 فيه أمور: أحدها: استثنى في "التنبيه" و"المنهاج": ما لا دم له يسيل، وما لا يدركه الطرف، واقتصر في "الحاوي" على الأولى؛ لأن الأظهر في الثانية عند الرافعي: التنجيس 2، خلافاً للنووي 3. ويستثنى مع هاتين المسالتين مسائل: الأولى: الشعر النجس اليسير في العرف يعفى عنه من الآدمي قطعا، ومن غيره على الأصح.
الثانبة: الحيوان المتنجس المنفذ على الأصح.
الثالثة: غبار السرجين.
الرابعة: الهرة إذا أكلت نجاسة ثم غابت بحيث يمكن ولوغها في ماء كثير، ثم ولغت في ماء قليل، أو مائع.. فلا تنجسه على الأصح، وفي "فتاوى ابن الصلاح": أن أفواه الصبيان كذلك 4. وفي استثناء هذه الصورة نظر، وإن كان قد استثناها في "الروضة" 5؛ لأن العفو فيه؛ لاحتمال أن فمها طاهر، ولو تحققت نجاسته.. لم يعف عنه، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن العفو فيه ورد على محقق النجاسة.
الخامسة: قليل دخان النجاسة إذا حكمنا بتنجيسه.
ثانيها: محل ذلك: إذا وردت النجاسة عليه، أما إذا ورد عليها لإرادة غسلها.. ففيه خلاف وتفصيل يأتي في إزالة النجاسة إن شاء الله تعالى.

ثالثها: يرد على ظاهر عبارتهم: ما إذا صب ماء نجس على مطلق ينقص عن القلتين بقدره فبلغا قلتين.. فإنه لا ينجس المطلق، بل يطهر النجس.
21 - قول "المنهاج" [ص 68]: (فلو كوثر بإيراد طهور فلم يبلغهما.. لم يطهر، وقيل: طاهر لا طهور) هذه القيود -وهي: كون المصبوب وارداً، وكونه طهوراً، وكونه أكثر من المورود- شروط للقول بالطهارة، لا للقول بعدمها، فكان الأحسن أن يقول: (فلو لم يبلغهما.. لم يطهر، وقيل: إن كوثر بإيراد طهور.. فهو طاهر غير طهور).
22 - قولهم: (إن الميتة التي لا دم لها سائل، لا تنجس الماء القليل) 1 محله: إذا لم تغيره، فإن غيرته.. نجسته على الأصح، ويزداد "التنبيه" و" المنهاج لما إيرادين آخرين: أحدهما: أنهما أطلقا القولين، ومحلهما: فيما ليس نشؤه منه، أما العلق، ودود الخل، والفاكهة، والجبن إذا مات فيما نشأ منه.. لا ينجسه قطعاً، وقد يفهم من قول "التنبيه" [ص 13]: (وقع).
ثانيهما: أن محل العفو: ما لم يطرح، فإن طرح قصداً.. لم يعف عنه، كما جزم به في "الشرح" و"الحاوي" الصغيرين، وسنتكلم عليه.
وعلى "التنبيه" إيراد رابع، وهو: أنه لم يبين الأظهر من القولين، وهو: العفو.
وعلى "المنهاج" إيرادان آخران: أحدهما: أن قوله: (فلا تنجس مائعاً) 2 أعم من قول "المحرر" [ص 8]: (فلا ينجس الماء)، ومن قول "التنبيه" [ص 13]: (وإن وقع فيما دون القلتين منه) أي: من الماء المطلق، وهو أحسن؛ فإن الحكم غير مختص بالماء، بل يعم الدهن، والمرق وغيرهما.
ومع حسنها أورد بعضهم عليها: أن المائع في عرف الفقهاء قسيم للماء الطهور، فقد يُفهم أن الخلاف مختص بغير الماء، وأن الماء يجزم فيه بالطهارة؛ لقوته على الدفع.
لكن جواب هذا الإيراد: أن هذا الاستثناء عائد إلى قوله: (ودونهما ينجس بالملاقاة) أي: دون القلتين من الماء، فانتفى أن يكون المراد: المائع الذي هو قسيم الماء الطهور، بل المراد: المائع الذي هو أعم منه.
نعم؛ قال بعضهم 3: لو قال: (رطباً).. لكان أشمل؛ ليعم الإناء، والثوب الرطبين، وكذا الفاكهة الرطبة، وهو حسن.

ثانيهما: أنه عبر بقوله: (على المشهور) وعبر في "الروضة" و"التحقيق" بـ (الأظهر) 1 وبينهما في اصطلاحه تنافٍ.
ويختص "الحاوي" بإيراد، وهو: أنه قال: (ما لم يطرح) 2 وتبع في ذلك " الشرح الصغير" كما تقدم، لكن قال في "الكبير": (فيما نشؤه منه، فلو طرح فيه من خارج.. عاد القولان) 3. ومقتضاه ترجيح العفو، لكن مال شيخنا جمال الدين في "المهمات" إلى أنهما مسألتان: التي في "الصغير" إذا لم يكن منه، والتي في "الكبير" إذا كان منه، واختار السبكي والإسنوي في أصل المسألة وجهاً ثالثاً، وهو: التفرقة بين ما يعم؛ كالذباب ونحوه فيعفى عنه، ولا يعفى عن غيره.
23 - قول "التنبيه" [ص 13]: (وإن وقع فيما دون القلتين منه نجاسة لا يدركها الطرف.. لم تنجسه، وقيل: تنجسه، وقيل: فيه قولان) فيه أمران: أحدهما: ظاهره: ترجيح طريقة القطع بعدم التنجيس، وهي التي صححها النووي في "شرح الوسيط" 4، لكنه صحح في "التحقيق": طريقة القولين 5، وكذا صححها الرافعي في "الشرح الصغير"، ومشى عليها في "المنهاج" 6. ثانيهما: قال في "الكفاية": (أفهم بقوله: "منه" -أي: من الماء-: أن ما عداه من المائعات ينجس بما لا يدركه الطرف قولاً واحداً، قال: وقد قاله بعض الشارحين، واعتقادي عدم صحته؛ لأن القاضي حسين حكى نفي التنجيس بوقوع الحيوان النجس المنفذ في الدهن، وقد سوى الأصحاب بينهما في الميت الذي لا يسيل دمه) انتهى.
وهو ظاهر عبارة "المنهاج" 7، حيث عطفه على عدم تنجيس المائع به.

بابُ الاجتهاد

24 - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج"-: (ولو اشتبه ماء طاهر بنجس.. اجتهد وتطهر بما ظن طهارته) 1 فيه أمور: أحدها: أن الثياب والأطعمة والتراب وغيرها.. كالماء، فلذلك عبر "الحاوي" بعبارة شاملة، فلو أسقط "المنهاج" لفظة (ماء).. لكان أشمل، وكان العذر له عن ذلك: أن كلامه في المياه، وكذا: لو اشتبه طهور بمستعمل في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" 2. ثانيها: اعترض الشيخ برهان الدين بن الفركاح على قوله: (اجتهد): بأنه إن أراد: وجوب الاجتهاد.. شمل ما إذا قدر على طاهر بيقين، ولا يجب إذ ذاك، بل قيل: لا يجوز.
أو الاستحباب.. اقتضى فيما إذا لم يقدر على المتيقن.. أنه يستحب، وهو إذ ذاك واجب.
أو الجواز.. لم يفهم منه الوجوب عند عدم المتيقن، وهو أهم ما يُنَبَّه عليه.
انتهى 3. وقال بعضهم: المراد: أنه يجب أن يجتهد إن لم يجد غيرهما، ويجوز إن وجد 4. قلت: لا حاجة لذلك، بل هو محمول على الوجوب مطلقاً، ووجود متيقن لا يمنع وجوب الاجتهاد في هذين، لأن كلًا من خصال المخيَّر يصدق عليه أنه واجب، والله أعلم 5. ثالثها: كان ينبغي "للمنهاج" أن يقول من زيادته: (ما داما باقيين) فإنه صحح فيما إذا تلف أحدهما.. أنه لا يجتهد في الباقي، كما سيأتي.

رابعها: قول "المنهاج": (وتطهر) أعم من قول "التنبيه": (وتوضأ).
25 - قول "المنهاج" [ص 68]: (وقيل: إن قدر على طاهر بيقين.. فلا) أحسن من قول "التنبيه" [ص 14]: (وقيل: إن كان معه ماء بتيقن طهارته.. لم يتحر) لأنه قد لا يكون معه ماء يتيقن طهارته لكنه قادر على تحصيله بشراء، أو بأن يكون في كل إناء قُلّة غير متغيرة وأمكن خلطهما، ومثله: قول "الحاوي" [ص 120]: (ووجد متيقنا) لأنه غير واجد حقيقة، وقد يقال: القادر على التحصيل واجد.
26 - قول "المنهاج" [ص 68]: (والأعمى كبصير في الأظهر) ليس مثله من كل وجه؛ فإنه لو تحيّر.. قلد في الأصح، بخلاف البصير، فلو قال: (والأعمى يجتهد في الأظهر).. لكان أحسن، كما فعل في "التنبيه" [ص 14] حيث صرح بأن الخلاف في التحري، لكنه لم يبين الأصح من القولين، وقد عرفْتَه.
27 - قول "الحاوي" [ص 120]: (ومحرم) أي: بأجنبية أو بأجنبيات؛ حيث يحرم النكاح لفقد العلامة، وإنما يحرم.. إذا كن محصورات، وإلا.. فيجوز نكاح واحدة من غير اجتهاد، كما سيأتي في بابه.
28 - قوله: (وإن تلف غيره) 1 كذا جزم به الرافعي 2، وصحح النووي فيما إذا تلف أحدهما.. أنه لا يجتهد، بل يتيمم ويصلي ولا يعيد وإن لم يرقه 3. 29 - قول "التنبيه" [ص 14]: (وإن اشتبه عليه ماء وبول.. أراقهما وتيمم) وفي "المنهاج" [ص 68]: (بل يخلطان ثم يتيمم) وهو أحسن؛ لتصريحه بتقديم الخلط على التيمم، ولم يتعرض في "الشرح" و"الروضة" لخلط ولا إراقة.
وقال السبكي: (إن ذلك مستحب على قول الجمهور).
وقوى شيخنا الإمام جمال الدين: عدم الاحتياج إلى ذلك، ثم تنزل وقال: (ينبغي أن يُكتفى بإراقة أحدهما) وهو ظاهر.
واختار شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني: جواز الاجتهاد بين الماء والبول، وقال: (إنه مقتضى كلام المتولي).
وقال الإمام: (إنه القياس) 4.

30 - قول "المنهاج" [ص 69]: (أو وماء ورد.. توضأ بكلٍّ مرة) استشكل بعدم جزم النية في كل منهما؛ لشكه في طهوريته.
وأجيب عنه: بأنه يمكنه أن يضع في كف من هذا وفي كف من هذا، ويغسل خده الأيمن بيمناه والأيسر بيسراه دفعة من غير خلط مقترناً بالنية، ثم يعيد غسل وجهه، ويكمل وضوءه بأحدهما، ثم يتوضأ بالآخر.. فيصح وضوءه وجزمه بالنية، فهذا تصوير المسألة، وهو تصوير صحيح، فلا يفهم كلام "المنهاج" على الإطلاق، لكن مال شيخنا جمال الدين في "المهمات": إلى أنه لا يكلف الوضوء بماء الورد؛ لما فيه من إضاعة المال، بل يتيمم.
انتهى.
ويمكن أن يقال: إن كان ثمن ماء الورد المنقطع الرائحة كثمن الماء المطلق لو وجده.. كلف استعماله.
31 - قوله: (وإذا استعمل ما ظنه.. أراق الآخر) 1 أي: ندبًا، كما صرح به في "الحاوي" 2، ومحله: إذا لم يحتج إليه لعطش ونحوه، ومقتضاه: تقديم الاستعمال على الإراقة، ونقله في "الكفاية" عن النص 3، لكن في "شرح المهذب" و"التحقيق" تقديم الإراقة، ونقله عن الماوردي وغيره 4، وهو ظاهر نص " المختصر" 5، وهو موافق لتعليلهم ذلك باحتمال أن يغلط فيتطهر بالنجس، أو يلتبس ثانياً قبل الاستعمال.
32 - قوله: (فإن تركه وتغير ظنه.. لم يعمل بالثاني على النص، بل يتيمم بلا إعادة في الأصح) 6 أي: إن لم يبق من الأول شيء؛ كما هو صورة مسألة الكتاب، وذلك مأخوذ من قوله: (وإذا استعمل ما ظنه) فإن حقيقته: أن يستعمل جميعه، أما لو بقي شيء من الأول.. فإن الإعادة تجب في الأصح.
33 - قوله: (وبَيَّنَ السبب، أو كان فقيهاً موافقاً.. اعتمده) 7 هو مراد "الحاوي" بقوله [ص 120]: (لا يجازف) وعبارة "المنهاج" أحسن؛ لأن تلك مبهمة لا يفهم المراد منها إلا بتوقيف، ويحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الشهادة على الردة؛ حيث صححوا قبولها مطلقة من الموافق وغيره مع الاختلاف في أسبابها.

34 - قول "الحاوي" [ص 120]: (ولو بخبر عدل.. لا يجازف، ومستعمل) قد يفهم من هذه العبارة: أن خبر عدل بالاستعمال ليس كخبره بالنجاسة، بل لا تأثير له، وليس كذلك، فكان ينبغي تأخير قوله: (ولو بخبر عدل) عن قوله: (ومستعمل) ليرجع إلى النجاسة والاستعمال.
35 - قوله: (لا ما بال فيه ظبي، فشك في سبب تَغَيُّره) 1 يدخل فيه: ما إذا وجده عقب البول غير متغير ثم تغير بعد ذلك، والذي في "شرح المهذب" عن الأصحاب: عدم الحكم بالنجاسة، خلافا للدارمي؛ فحكم بالنجاسة مطلقاً، وفيه نظر، كما قال في "شرح المهذب" 2.

بابُ الآنية

36 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (يحل استعمال كل إناء طاهر) 1 أورد على منطوقه: المغصوب، وجلد الآدمي المحترم؛ فإنهما طاهران حرامان.
وأجيب: بندور الثاني، وأن تحريم المغصوب لأمر خارج، وهو: تحريم ملك الغير.
واعتُرض على الجواب: بأنه حينئذ لا يحتاج إلى التقييد بالطهارة، فإن تحريم النجس؛ لتنجس المظروف لا لذاته.
وأورد على مفهومه: الإناء النجس إذا كان فيه قلتان فأكثر، ولم نوجب التباعد.. فإنه نجس، ويحل استعماله.
وأجيب عنه: بأن في استعمال النجس تفصيلاً، وهو: الكراهة في الجاف.
والتحريم في الرطب، والمائع وإن كثر، والماء القليل.
والجواز في الماء الكثير، فقد خالف حكمه حكم الإناء الطاهر، وهو إطلاق الحل.
وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالاستعمال أعم من تعبير "التنبيه" بالطهارة.
37 - قول "التنبيه" [ص 14]: (وهل يجوز اتخاذه؟ فيه وجهان) الأصح: التحريم، ويوافقه في حكاية الخلاف وجهين تعبير "المنهاج": بالأصح 2. وقال في "الكفاية": حكاهما جماعة قولين، والمراد بالاتخاذ: الاقتناء من غير استعمال، وجوز بعضهم أن يراد به: الاصطناع، وابتداء العمل، ثم قال: الأولى أن يقال: إن قصد عند صنعته استعماله.. حرم قطعاً، أو اقتناؤه.. فالوجهان 3. 38 - قول "المنهاج" [ص 69]: (ويحل المموه في الأصح) وهو مفهوم "الحاوي" حيث خص التحريم بما إذا كان الإناء كله، أو بعضه، أو ضبته ذهباً أو فضة 4، وفيه أمران: أحدهما: أن محل الوجهين: إذا لم يحصل منه شيء بالنار، فإن حصل.. حرم قطعًا.
ثانيهما: تبعا في الحل "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة"، وكذا في " شرح المهذب" هنا 5.

لكن صحح في (الزكاة) و (باب ما يكره لبسه): التحريم 1. وكذا صححه السبكي في "تنزل السكينة على قناديل المدينة" وهو الذي جزم به في "التنبيه" في (باب ما يكره لبسه) 2 فإما أن يكون موافقاً لهذا التصحيح، وإما أن يحمل على ما إذا حصل منه شيء بالنار، ثم إنه خصه بالمموه بالذهب، فقد يُتَخيل أنه يفرق بينه وبين المموه بالفضة، والذي في كتب الرافعي والنووي: عدم الفرق 3، وأيضاً: قيده 4 بما إذا لم يصدأ 5. وصحح الرافعي والنووي: أنه يحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة 6، وخالفهما السبكي، فصحح: الحل، وفاقاً للقاضي حسين، وقال: (المنع -لا سيما في الكعبة- بعيد شاذ غريب في المذاهب كلها، قلَّ من ذكره، ولا وجه له، ولا دليل يعضده، قال: وهذا في التحلية بصفائح الذهب والفضة ونحوهما، أما التمويه: فلا أمنع من جريان الخلاف فيه؛ لأن فيه إفساداً للمالية) انتهى.
فالتمويه عنده أشد من التحلية، وقال في "شرح المهذب" في (الزكاة): (إن تمويه سقف البيت أو الجدار حرام بالاتفاق، حصل منه شيء أم لا، وكذا استدامة تمويهه إن حصل منه شيء) 7. 39 - قول "المنهاج" [ص 69]: (والنفيس -كياقوت- في الأظهر) أي: النفيس في ذاته؛ كما مثله، أما النفيس بالصنعة: فلم يطرد فيه الجمهور الخلاف، ومثل في "التنبيه" مع الياقوت بالبلور 8، وامتنع بعضهم من إجراء الخلاف فيه، لكن الجمهور طردوا فيه الخلاف 9. 40 - قول "التنبيه" [ص 14]: (وما ضبب بالفضة) خرج به ضبة الذهب، فتحرم مطلقاً، كما صححه النووي 10، وصحح الرافعي: التسوية 11، وعليه مشى في "الحاوي" 12، ومحل

التفصيل: إذا لم يعم التضبيب الإناء، فإن عم.. حرم قطعاً، ذكره الماوردي 1، ومراده: على الجديد في تحريم الأواني.
41 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ضبة كبيرة لزينة.. حرم) 2 عبارة "المحرر": (فوق قدر الحاجة) 3 فيؤخذ منه: تحريم كبيرةٍ بعضها لحاجة وبعضها لزينة، ولا يؤخذ ذلك من عبارتهما.
42 - قول "المنهاج" [ص 69]: (أو صغيرة بقدر الحاجة.. فلا) أي: فلا يحرم، وكان ينبغي أن يقول: (أبيح) فإنه كما لا يحرم لا يكره أيضاً، وقد صرح بذلك في "التنبيه" 4. 43 - قول "المنهاج" [ص 69]: (أو صغيرة لزينة، أو كبيرة لحاجة.. جاز في الأصح) أي: مع الكراهة، كما صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 5، فكان ينبغي أن يقول: (يكره، وقيل: يحرم).
44 - قول "التنبيه" [ص 14]: (وقيل: إن كان في موضع الشرب.. حرم، وإن كان في غيره.. لم يحرم) كذا حكى هذا الوجه في "الروضة" و"شرح المهذب" 6، وعبر في "المنهاج" بقوله [ص 69]: (وضبة موضع الاستعمال كغيره في الأصح).
ومقتضى هذه العبارة: أن هذا الوجه الضعيف قائل بأنها إن كانت في موضع الاستعمال.. حرم، وإن كانت في غيره.. ففيها التفصيل؛ لأنه إنما حكاه في ضبة موضع الاستعمال، فدل على أنه لا يغاير الأصح في ضبة غير موضع الاستعمال، وهو مقتضى عبارة "المحرر" و"الشرح" 7.

باب أسباب الحَدَث

45 - هذه عبارة "المنهاج" 1، وهي أولى من قول "التنبيه" [ص 17]: (ما ينقض الوضوء) لأن الأصح: أن الحدث لا يبطل الوضوء، بل ينتهي الوضوء بوجوده؛ كانتهاء الصوم بالغروب، لكن سيأتي التعبير بالنقض في قوله: (فخرج المعتاد.. نقض) 2. 46 - قولهما: (هي أربعة) 3 ضم إليها المحاملي: شفاء دائم الحدث 4، ويؤيده قول النووي في "شرح المهذب": (مرادهم بلزوم الوضوء: ما إذا خرج منه شيء في أثناء الوضوء أو بعده، وإلا.. فلا يلزمه وضوء، بل يصلي بوضوئه الأول بلا خلاف، صرح به الغزالي في "البسيط" وغيره) انتهى 5. فقد صرح بأن الخارج بعد الوضوء وفي أثنائه إنما يبطل بحصول الشفاء.
وأجيب عنه: بأن حدثه مستمر، فلم يطرأ له سبب، وأيضاً: فإن وضوء دائم الحدث لا يرفع الحدث، فكيف يصح عدّ الشفاء سبباً للحدث مع أنه لم يزل؟ ذكره السبكي.
وألحق شيخنا في "التدريب" بشفاء دائم الحدث: انقطاع حدثه انقطاعاً طويلاً بحيث يسع الوضوء والصلاة، إلا إذا كان الانقطاع في الصلاة.
ويرد على الحصر أيضاً: الردة -في وجه-، وظهور رجل الماسح، أو انقضاء مدته -في قول-، ومس بدن الميت -في قول قديم-، وأكل لحم الإبل -في قديم-، اختاره النووي -تبعاً لابن المنذر وغيره- دليلاً 6، وإن كان المذهب خلاف ذلك في جميعها.
47 - قول "المنهاج" [ص 70] و"الحاوي" [ص 130]: (خروج) كذا عبر في "المحرر" و"الشرح" 7، وعبر في "التنبيه" [ص 17] بـ (الخارج)، وكذا في "الروضة" 8، وهو ظاهر كلام "المختصر" 9، وكل من الخروج والخارج يسمى حدثاً، فكلا التعبيرين صحيح.

48 - قول "التنبيه" [ص 17]: (أحدها: الخارج من السبيلين) فيه أمران: أحدهما: أن المراد: الخروج منهما على سبيل البدل، وليس المراد: أن النقض لا يحصل إلا بالخروج منهما، فعبارة "المنهاج" و"الحاوي" 1 أوضح.
ثانيهما: مقتضاه النقض بخروج المني، وهو الذي صححه في "الكفاية" -وفاقاً للقاضي أبي الطيب- مستدلاً بالاتفاق في الحيض، وأوّل كلام غيره: بأنه أراد: الاندراج في الغسل، ونقل عن الرافعي تصحيحه في كتابه "المحمود"، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه 2، لكن الذي صححه الرافعي والنووي: أنه لا ينقض الوضوء 3؛ ولذلك استثناه في "المنهاج" و"الحاوي"، لكن يرد على قول "المنهاج" [ص 70]: (من قبله أو دبره): قبلا المشكل؛ فإنه لا ينقض إلا الخروج منهما في الأصح.
وقد يرد على قول "التنبيه" [ص 17]: (من السبيلين) لأن المراد: أحدهما، كما تقدم.
وقد يجاب عنه: بأنه لا يُتَحقق كون الخارج من السبيل إلا بالخروج منهما؛ لأن كل واحد منهما لا ندري هل هو سبيل أم لا؟ فلا يرد على "التنبيه"، وقد يُدعى مثل ذلك في عبارة "المنهاج" أيضاً.
فان قلت: يستثنى من كلامهم دائم الحدث؛ فإنه لا يترتب على خروج حدثه حكم في بعض الأحوال.
قلت: ينتقض وضوءه على كل حال، ولكن يعفى عنه للضرورة.
فإن قلت: محل النقض في الحي، أما الميت: فإنه إذا خرج من فرجه نجاسة.. غسل ذلك المحل فقط في الأصح.
قلت: لا تكليف على ميت، والكلام في الأحياء.
49 - قولهم: (ولو انسد مخرجه... إلى آخره) 4 محل هذا التفصيل والخلاف: في الانسداد العارض، أما الخلقي: فينتقض بالخروج منه جزماً فوق المعدة وتحتها مطلقاً، صرح به الماوردي 5. وفي "شرح المهذب": (لم أر لغيره تصريحاً بموافقته ولا مخالفته) انتهى 6.

وهو مفهوم من تعبيرهم بالانسداد، كما أشار إليه النووي في "نكت التنبيه".
50 - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه"-: (المخرج المعتاد) 1 هل المراد: القبل والدبر معاً حتى إذا بقي أحدهما منفتحاً.. لا تكون مسألة الانسداد؟ أم يكفي انسداد أحدهما إذا كان الخارج من التي انفتحت يناسبه؛ كما إذا انسد القبل فخرج من الثقبة المنفتحة بول، أو انسد الدبر فخرج منها غائط.. تكون مسألة الانسداد؟ فيه نظر.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (الثاني عندي أقوى، لكن يشكل بما إذا كان الخارج ليس معتاداً لواحد منهما؟ كالقيح مثلاً) 2. قلت: يعتبر بما خرج منه من قبل أو دبر.
51 - قول "المنهاج" [ص 70]: (فخرج المعتاد.. نقض) قد عرفت ما فيه من التجوز الذي احترز عنه في التبويب.
52 - قوله: (أو فوقها) 3 كذا في نسخة المصنف وأكثر النسخ؛ أي: فوق المعدة، وفي بعض النسخ: (أو فوقه) أي: فوق تحت المعدة ليشمل الانفتاح في نفس المعدة؛ فإنه كفوقها، وهذا هو الذي حمل النووي على أن قال في "الروضة": (مرادهم بتحت المعدة: ما تحت السرة، وبفوقها: السرة ومحاذيها وما فوقها) انتهى 4. فلما كان حكم نفس المعدة حكم ما فوقها.. سماه باسم ما فوقها مجازاً لأن المقصود: بيان الأمر الشرعي لا الطبي، وبهذا يندفع قول من قال: إنه يقتضي أن لا معدة ألبتة.
وقال في "الكفاية": (المعدة: ما بين فوق السرة والموضع المنخفض تحت الصدر).
وقريب منه قول صحاب "الإقليد": (المعدة: من السرة إلى ما تحت الصدر، فتحت السرة: تحتها وما يلاقي الصدر، وفوقه: فوقها).
وعبارة "المنهاج" أولاً تدل على أن المعدة هي: السرة، ويوافقه قول "شرح المهذب": (مرادهم بتحتها: ما تحت السرة، وبفوقها: ما فوق السرة) 5. 53 - قول "التنبيه" [ص 17]: (وإن انفتح فوق المعدة.. ففيه قولان)، وقوله [ص 17] فيما إذا لم ينسد...: (وفيما تحتها قولان) 6.

الأصح في كلا الصورتين: عدم الانتقاض؛ فالانتقاض مختص بما إذا انسد المعتاد وكان المنفتح تحت المعدة.
54 - قولهم: (الثاني: زوال العقل، إلا النوم) 1 فيه أمران: أحدهما: أنه يقتضي أن النوم يزيل العقل، وفي "الكفاية" ما يقتضي ذلك، وقال بعضهم: إنه لا يزيله؛ فعلى هذا كان الأحسن: التعبير بالغلبة على العقل؛ ليصح استثناء النوم منه 2. ثانيهما: أن مقتضى تعبير "التنبيه" بالإفضاء بمحل الحدث إلى الأرض، وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بتمكين المقعدة: أنه لا فرق في ذلك بين السمين والهزيل، وقال الروياني: (ينتقض وضوء مفرط الهزال) 3 نقله عنه في "الشرح الصغير" وأقره، وادعى بعضهم أن عبارة هذه الكتب توافقه، وعدَّه في "الكفاية" وجهاً مرجوحاً، والأصح في "الروضة" في المحتبي يقتضي خلافه 4. ويستثنى من انتقاض الوضوء بالنوم: النبي صلى الله عليه وسلم.
55 - قول "التنبيه" [ص 17] و"الحاوي" [ص 130]: (إلى الأرض) قد يخرج التمكن من السفينة وظهر الدابة؛ ولذلك أطلق في "المنهاج" تمكين المقعدة، ولم يقيده بتمكينها بالأرض، وقد نص الشافعي على أنهما كالأرض، فقال في "الأم" ومنه نفلت: (وسواء الراكب للسفينة والبعير والدابة والمستوي على الأرض) 5. 56 - قول "المنهاج" [ص 70]: (التقاء بشرتي الرجل والمرأة) ويوافقه قول "التنبيه" [ص 17]: (على بشرة امرأة) وعبر في "المحرر" و"الحاوي" بالذكورة والأنوثة 6، وهو أولى؛ فإن الصبي والصبية إذا بلغا حد الشهوة عرفاً.. نقضا وانتقضا، ولعل عدول "المنهاج" عن ذلك؛ لأنه يشمل لمس الرجل أنثى غير آدمية، ولمس المرأة ذكراً غير آدمي، والرجل يطلق لغة: على الصبى أيضاً، نحو: قولهم: الرجل خير من المرأة، فهو شامل للصبي، فإن أطلق في مقابلة الصبي.. اختص بالبالغ، والاستعمالان معروفان في اللغة.
57 - قول "التنبيه" [ص 17]: (فإن وقع على بشرة ذات رحم محرم.. ففيه قولان) فيه أمران: أحدهما: الأصح: عدم النقض.

ثانيهما: تقييد محل القولين بذات الرحم المحرم يقتضي أنهما لا يجريان عند انفراد أحد الوصفين، وهو كذلك في الرحم غير المحرم، وكذا في المحرم غير الرحم على طريقة مرجوحة، والأصح: طرد القولين فيها أيضًا؟ فلذلك قال في "المنهاج" [ص 70]: (إلا مَحْرَماً في الأظهر).
58 - قوله: (وفي الملموس قولان) 1 الأصح: الانتقاض.
59 - قول "المنهاج" [ص 70]: (كلامس) اعتُرض عليه: بأنه لم يتقدم له حكم ليحيل عليه؛ فإن الالتقاء يشمل اللامس والملموس، فإن فرض الالتقاء منهما دفعة بفعلهما -فإنهما حينئذ لامسان-.. صح، ولكنها صورة نادرة لا شعور للفظه بها، فتبعد الإحالة عليها.
60 - قوله: (ولا تنقض صغيرة) 2 أي: لم تبلغ حد الشهوة.
61 - قوله: (وشعر وسن وظفر) 3 أي: متصل.
62 - قوله: (في الأصح) 4 كذا في "الروضة" حكاية الوجهين في الجميع 5، لكنه صحح في "شرح المهذب": القطع بعدم النقض في الشعر والسن والظفر 6. 63 - قول "الحاوي" [ص 130]: (حي وميت) هذا هو المعروف، ووقع في "رؤوس المسائل" للنووي: تصحيح عدم النقض بلمس الميت والميتة.
64 - قولهم: (مس فرج الآدمي ببطن الكف) 7 فيه أمران: أحدهما: المراد: مس جزء من الفرج بجزء من بطن الكف.
ثانيهما: المراد ببطن الكف: الراحة وبطون الأصابع، لكن قول "التنبيه" في (الديات) [ص 226]: (وفي الكفين مع الأصابع الدية) يقتضي أن باطن الكف لا يتناول بطون الأصابع؛ فلذلك أورده في "الكفاية".
65 - قول "المنهاج " [ص 70]: (وكذا -في الجديد- حلقة دبره) أي: دبر الآدمي.
يفهم: أن حلقة دبر البهيمة لا ينقض في القديم، لكن قوله: (لا فرج بهيمة) 8 يشمل دبرها.

قال في "شرح المهذب": (ظاهر إطلاقهم: شمول الخلاف قبلها ودبرها، وخصه الرافعي بقبلها، وقال: "لا ينقض دبرها قطعاً؛ لأن دبر الآدمي لا ينقض في القديم، فالبهيمة أولى"، قال: وكأنه بناه على أن النقض بقبلها قديم، تبعاً للغزالي، وليس بقديم؛ فإنه حُكِي عن حكاية ابن عبد الحكم وابن عبد الأعلى، وهما صحبا الشافعي بمصر دون العراق) انتهى 1. وعبارة "المنهاج" هنا تقتضي أنه قديم؛ فإنه جعل فيه القولين في الدبر مع اختلافهما في التصحيح، والله أعلم.
66 - قوله: (ومحل الجب) 2 أي: إذا قطع من أصله، فإن بقى شاخصاً.. نقض قطعاً.
67 - قوله: (والذكر الأشل) 3 لو قال: (وقبل أشل) ليشمل فرج المرأة.. لكان أولى؛ لأن الظاهر أنه لا فرق.
68 - قوله: (والذكر الأشل، وباليد الشلاء في الأصح) 4 فيه أمران: أحدهما: أن فيهما طريقة قاطعة بالنقض، صححها في "شرح المهذب" 5. ثانيهما: تعبيره بالأصح يقتضي قوة مقابله، وفي "الروضة" في فرج الصغير والميت: وجه ضعيف، وعبر في باقيها بالصحيح 6، فيقتضي ضعف المقابل.
69 - قول "الحاوي" [ص 130]: (وعاملة كفين) كذا في "الشرح" و"الروضة" وغيرهما 7، وفي "التحقيق" تصحيح النقض مطلقاً وإن لم تكن عاملة 8، وعزاه في "شرح المهذب" لإطلاق الجمهور 9. 70 - قوله: (كذكرين) 10 أي: يأتي فيهما التفصيل في الكفين، ويستثنى من ذلك: إذا كان الذكران على سنن واحد؛ فإن الزائد كالإصبع الزائدة إذا كانت على سنن الباقي في النقض بها، كما نقله شيخنا في "المهمات" عن "العمد" للفوراني.

71 - قوله: (وبطن أصبع زائدة باستواء الأُخر) 1 أي: على سننها، كذا في "الشرح" و"الروضة" وغيرهما 2، وحكى في "شرح المهذب" إطلاق النقض بها عن الجمهور، وقال: إنه المشهور 3. 72 - قوله: (وإن مس أحدهما وصلى الصبح، ثم الآخر وصلى الظهر، إن توضأ بينهما.. لا يعيد) 4 كذا أطلق الرافعي والنووي المسألة 5، وصورتها: ما إذا توضأ لحدث آخر، أما لو توضأ لمس الفرج احتياطاً.. فلا يفيده شيئاً؛ إذ لا يرتفع حدثه على تقدير كون الأول فرجاً، وقد صورها بذلك القاضي حسين في "شرح التلخيص" والمحب الطبري، كما نقله في "المهمات".
73 - قول "التنبيه" [ص 17]: (ومس المصحف) يخرج: الخريطة والصندوق، والأصح: تحريم مسهما إذا كان المصحف فيهما، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 6، إلا أنه لم يقيده بكون المصحف فيه، وفي كلام الرافعي اشتراط كونه معداً له، حتى لو كان المصحف في جراب مثلاً.. لم يحرم مسه 7. ويخرج تقليب أوراقه بعود، وهو ما صححه النووي تبعا للعراقيين 8، وصحح الرافعي: التحريم 9، وعليه مشى في "الحاوي" 10. 74 - قوله: (وحمله) 11 أي: مقصوداً، فالأصح: جواز حمله في أمتعة، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 12، لكن شرطه: ألا يكون مقصوداً بالحمل، كما صرح به الرافعي وغيره 13، وحذفه في "الروضة" 14، وعبارة سليم في "المجرد": شرطه: أن يُقصد نقل المتاع لا غير.
انتهى.

ومقتضاها: أنه إذا قصد المصحف وغيره.. حرم.
وهل يشترط كون الأمتعة ثلاثة أشياء فأكثر -محافظة على صيغة الجمع- أم يكفي أقل من ذلك؟ لم أر من تعرض لذلك، والظاهر: الثاني 1. وخرج بالمصحف: اللوح، والأصح: حرمته، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 2، لكن تعبير "المنهاج" فيه بالأصح يخالف تعبيره في "الروضة" بالصحيح 3، ومقتضى إطلاق "التنبيه": تحريم المس، والحمل على الصبي أيضاً، والأصح: تمكينه منه، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 4. وقال في "المهمات": (إن المفهوم من كلام الأصحاب: أن المنع في الحمل؛ لأجل الدراسة، فإن حمل لغير غرض أو لغرض آخر.. منع منه 5، وهو ظاهر) انتهى.
ويستثنى من تحريم حمله: ما إذا خاف عليه من غرق، أو حريق، أو نجاسة، أو كافر، ولم يتمكن من الطهارة.. فيجوز أخذه مع الحدث للضرورة.
75 - قول "المنهاج" [ص 71، و"الحاوي" [ص 131]: (وتفسير) يقتضي الحل وإن كان القرآن أكثر، وهو مقتضى كلام الرافعي 6. قال النووي: (وهو منكر) 7. بل الصواب: القطع بالتحريم، قاله الماوردي وآخرون 8، ونقله صاحب "البحر" عن الأصحاب 9، وقال في "شرح المهذب": (إنه لا خلاف فيه) 10. واعترضه في "المهمات" بموافقة الشاشي في "الحلية" للرافعي في ذلك 11، ومقتضى عبارة "الروضة" و"شرح المهذب": الحل عند الاستواء، وهو نظير تصحيحهم في الجديد 12،

ومقتضى عبارة "التحقيق": الجزم بتحريمه؛ فإنه فرض الخلاف فيما إذا كان القرآن أقل 1، وفي عبارة "المنهاج" في قوله: [ص 71] (وتفسير) العطف على الضمير المجرور في قوله: (وحمله) بدون إعادة الجار، وكذا في قول "الحاوي" [ص 131]: (وجلده) عطفًا على الضمير في قوله: (ومسه)، وهو جائز عند بعضهم؛ لقوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر 2، ومنعه الجمهور.
76 - قول "المنهاج" [ص 71]: (ودنانير)، وقول "الحاوي" [ص 131]: (لا الدرهم) شرط الماوردي في ذلك: أن يكون مما يتداول كثيراً في المعاملة، وإلا.. فيحرم 3، والجمهور أطلقوا الوجهين، وتعبير "المنهاج" فيها بالأصح، بخلاف تعبيره في "الروضة" بالصحيح 4. 77 - قول "الحاوي" [ص 131]: (وكتبته) أي: بشرط انتفاء الحمل والمس؛ بأن يكون موضوعاً بين يديه، وهذا واضح بذكره تحريم المس والحمل أولاً.
78 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ومن تيقن طهراً أو حدثاً وشك في ضده.. عمل بيقينه) 5 ووافقهما "الحاوي" على ذلك في يقين الطهر، وخالف في يقين الحدث، فقال: (إنه يرفع بالظن لا بالشك) 6 وتبع في ذلك الرافعي 7، وهو غلط معدود من أفراده.
قال ابن الرفعة: (لم أره لغيره).
وقال في "المهمات" عن "الشامل": (إنما قلنا بنقض الوضوء بالنوم مضطجعاً؛ لأن الظاهر خروج الحدث، فَصَدَقَ أن يقال: رفعنا يقين الطهارة بظن الحدث، بخلاف عكسه) انتهى.
فكأن الرافعي أراد: ما ذكره ابن الصباغ، فانعكس عليه، ولمجلي احتمال: فيما إذا ظن الحدث بأسباب عارضة في تخريجه على قولي الأصل والغالب.
قال في "الدقائق": (المراد بالشك هنا وفي معظم أبواب الفقه: مطلق التردد، سواء أكان على السواء أو أحد طرفيه أرجح) 8. 79 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (فلو تيقنهما، وجهل السابق.. فَضِدُّ ما قبلهما في

الأصح) 1 كذا أطلقه الجمهور، وقال المتولي والرافعي: (إنما يأخذ بالضد مطلقاً إذا كان قبلهما محدثاً، فإن كان قبلهما متطهراً.. فإنما يأخذ بالضد إذا كان ممن يعتاد تجديد الوضوء، وإلا.. فيأخذ بالمثل، فيكون الآن متطهراً) 2. وتبعهما في "الروضة" و"التحقيق" 3، وعليه مشى في "الحاوي" حيث قال: (لا بضد الطهر من لا يعتاد تجديده) 4 لكن مقتضى عبارته: أن من ليست له عادة محققة.. يأخذ بالمثل، وذكر السبكي أنه يأخذ بالضد، فعلى هذا كان ينبغي أن يقول: (لا بضد الطهر من اعتاد عدم تجديده).
وقال في "شرح المهذب": (الصحيح المختار: لزوم الوضوء بكل حال) 5 ونقله في "الروضة" عن تصحيح جماعات من محققي أصحابنا 6.

بابُ الاسْتِنْجاء

80 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (يقدم داخل الخلاء يساره، والخارج يمينه) 1 قد يفهم من لفظ الدخول والخروج: اختصاصه بالبنيان، وهو وجه، والأصح: اطراده في الصحراء، فيقدم يسراه إذا بلغ موضع جلوسه، وإذا فرغ.. قدم يمناه في انصرافه.
ويجاب: بأن الدخول والخروج جرياً على الغالب، فلا مفهوم له.
واستشكل ابن الرفعة تقديم يسراه إلى موضع جلوسه؛ لمساواته قبل قضاء الحاجة فيه غيره، بخلاف تقديم يمناه في انصرافه.
وأجيب عنه: بأنه لما عينه للبول فيه.. انحطت رتبته، فهو كالخلاء الجديد قبل أن يقضي فيه أحد حاجته.
81 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ولا يحمل ذكر الله تعالى) 2 قال في "شرح المهذب": (لم يتعرض الجمهور لغيره) 3، وفي " الحاوي" [ص 128]: (نحى اسم الله ورسوله والقرآن)، وفي "الروضة" مثله 4، وأَلْحق به الإمام: كل اسم معظم، نقله عنه في "الكفاية" 5. لكن لو نقش على خاتمه محمداً مثلاً مريداً به نفسه، أو اسماً من أسماء الله تعالى التي تطلق على غيره مريداً به غير الله.. لم يكره استصحابه، كما في "شرح الوسيط" للنووي 6، ولو نسيه حتى قعد على الخلاء.. غيبه بضم كفه عليه، أو وضعه في عمامته، أو غير ذلك.
وقال صاحب "الكفاية" في قول "التنبيه" [ص 17]: (إذا أراد قضاء الحاجة؛ فإن كان معه شيء فيه ذكر الله تعالى.. نحاه) أي: في البناء، بدليل قوله بعد: (وإن كان في صحراء)، وهو وجه، وهذا صريح في أن جميع الأحكام المتقدمة خاصة في كلام الشيخ بالأبنية، وليس كذلك، بل الأحكام المتقدمة شاملة لهما، والأحكام المذكورة بعد قوله: (وإن كان في صحراء) خاصة بالصحراء، وزعم بعضهم: أن تصدير "المنهاج" الباب بتقديم اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً يفهم اختصاصه وما عطف عليه بالبنيان 7.

والحق: أن هذا الإفهام إنما هو في المسألة الأولي فقط، كما قدمنا إيراده والجواب عنه.
82 - قول "المنهاج" [ص 71]: (ويعتمد جالساً يساره)، وفي "المحرر": (يسراه) 1، وهو أحسن.
83 - قول "التنبيه" [ص 18]: (ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها) زاد "المنهاج" [ص 71] و"الحاوي" [ص 128]: (تحريمه بالصحراء)، وقيده في "الروضة": بألاَّ يستتر بشيء 2. والمعتبر في الساتر: أن يكون ارتفاعه ثلثي ذراع فأكثر، وأن يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل، ولو جلس في بنيان ولم يستتر على الوجه المذكور.. حرم، إلا في الأبنية المعدة لذلك، ذكره في "شرحي مسلم والمهذب" 3. فالتحريم على هذا دائر مع الستر وعدمه، لا مع البناء وعدمه.
قال صاحبا "التهذيب" و"الكافي": (والمراد بالبنيان: ما أسقف، أو أمكن سقفه) 4 وحيث لا يحرم.. يكره، كما قاله الرفعي في "التذنيب" تبعاً للمتولي 5، واختار النووي عدم كراهته 6. 84 - قول "التنبيه" [ص 18]: (ولا يستقبل الشمس والقمر) زاد "الحاوي" [ص 128]: ترك الاستدبار أيضاً؛ فإنه عبر بالمحاذاة، وهي شاملة للاستقبال والاستدبار، كما فعل في القبلة، وقد جزم به الرافعي في الاستقبال، وحكاه في الاستدبار عن الغزالي والصيمري والجرجاني، وقال: هو صحيح، وسكت عنه الجمهور، وجزم به في "التذنيب"، بل زاد الكراهة فيهما 7. وفي "شرح المهذب": الصحيح: عدم الكراهة 8، وفي "التحقيق": لا أصل لها 9، وفي "شرح الوسيط": لم يذكره الشافعي والأكثرون، والمختار: الإباحة 10. 85 - قول "المنهاج" [ص 71] و"الحاوي" [ص 128]: (ويبعد، ويستتر) أي: في الصحراء، كما قيده في "التنبيه" فيهما 11.

86 - قول "المنهاج" [ص 71]: (ولا يبول في ماء راكد)، وفي "الحاوي" [ص 128]: (ولا يقضي في الماء الراكد) وهو أحسن؛ لشموله الغائط، إلا أنه مفهوم من عبارة "المنهاج" من طريق الأولى.
وهو في الكثير: مكروه قطعاً، وقال النووي في "شرح مسلم": (لو قيل: يحرم.. لم يكن بعيداً) 1. وفي القليل: حرام على الصواب المختار في "شرح مسلم"، ومفهومه: أنه لا يتجنب ذلك في الجاري، وهو في الكثير المستبحر: مجمع عليه، وفي القلتين: متفق عليه عندنا، والأولي: اجتنابه، كما قال النووي 2. قلت: إلا إذا كان بالليل.. فإنه يكره ولو كان كثيراً جارياً، كما جزم به ابن الرفعة؛ لما يقال: أن الماء بالليل للجن.
وفيما دون القلتين: حرام على المختار في "شرح مسلم" 3. 87 - قول "المنهاج" [ص 71] و"الحاوي" [ص 128]: (ولا يبول في الجحر) وهو: الخرق النازل المستدير، ويقال له: الثقب أيضاً، ومثله: السرب -بفتح السين والراء المهملتين- وهو: الشق المستطيل، وصرح بهما في "التنبيه"، فقال [ص 17، 18]: (ولا يبول في ثقب ولا سرب).
88 - قول "المنهاج" [ص 71] و"الحاوي" [ص 128]: (ومهب ريح) يشمل: استقبالها واستدبارها، ومقتضى تعليل الرافعي ذلك باحتمال عود الرشاش عليه: اختصاصه بالاستقبال 4، لكن الاستدبار أيضاً فيه عود الرائحة الكريهة عليه، وهو الذي علل به الخطابي في "غريب الحديث" قوله عليه الصلاة والسلام: "استمخروا الريح" 5. فنأخذ بعموم لفظ الرافعي لا بخصوص علته، وظهر بذلك أن حمل كلام "المنهاج" على الاستقبال فقط ليس بجيد.
89 - قول "التنبيه" [ص 18]: (ولا في ظل) أي: في الصيف، وفي معناه: الشمس في الشتاء؛ فلهذا كان تعبير "المنهاج" [ص 72] بـ (المُتَحدَّث)، و"الحاوي" [ص 128] ب (النادي) أحسن؛ لعمومه.

90 - قول "المنهاج" [ص 72] و"الحاوي" [ص 128]: (وطريق) أعم من تعبير "التنبيه" و"الروضة" بـ (قارعة الطريق) 1 وعبارة "الحاوي" شاملة للغائط والبول، بخلاف عبارة "التنبيه" و"المنهاج" فإنها خاصة بالبول.
وحكى الرافعي في (الشهادات) عن صاحب "العدة": أن التغوط في الطريق صغيرة 2، ولم يعترضه هو ولا النووي، فمال شيخنا في "المهمات" على أن مقتضى هذا كراهة البول، وتحريم الغائط، قال: لكن في شرحي "المهذب" و"مسلم" ظاهر كلام الأصحاب أنه نهي تنزيه، وينبغي تحريمه، وإليه أشار الخطابي 3. 91 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (وتحت مثمرة) 4 أي: سواء كان عليها ذلك الوقت ثمرة أم لا، لكن الكراهة عند عدم الثمرة أخف، وأشار في "الشرح الصغير" إلى أنها في الغائط أخف؛ لأنها تُرَى فَتُجْتَنَبْ، أو تغسل.
92 - قولهم -والعبارة لهما-: (ولا يتكلم) 5 أي: يكره حتى رد السلام، وهذا في غير موضع الضرورة، فإن رأى أعمى يقع في بئر، أو حية تقصد إنساناً.. لم يكره إنذاره، بل يجب.
وهذه المسألة من زيادة "المنهاج" على "المحرر" من غير تمييز، وقد نبه على زيادتها في "الدقائق" 6. 93 - قولهم -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ولا يسننجي بالماء في مجلسه) 7 قال في "الروضة": (إلا في الأخلية المتخذة لذلك، فلا ينتقل فيها؛ للمشقة، ولبعد الهواء) انتهى 8. وهذا لا يرد على "التنبيه" لما بيناه من أن الأحكام التي ذكرها آخراً مختصة بالصحراء.
94 - قول "الحاوي" [ص 128]: (ويستبرئ) أي: من البول، كما صرح به "التنبيه" و"المنهاج" 9. 95 - قول "المنهاج" [ص 72]: (ويقول عند دخوله... ثم قال: وعند خروجه) قد يوهم

اختصاص ذلك بالبنيان، وليس كذلك، ولم يحكوا فيه الخلاف السابق في تقديم اليسرى، وتنحية ذكر الله.
96 - قول "التنبيه" [ص 17]: (ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) الأحسن: أن يقال: (يرفع ثوبه شيئاً فشيئاً) كما عبر به في "الحاوي" 1، وقد تحمل عبارة "التنبيه" عليه، بمعنى: أنه لا يستكمل الرفع حتى يدنو، لا أن المراد: أنه لا يبتدئ الرفع حتى يدنو، فلو رفعه دفعة واحدة.. لم يحرم بلا خلاف، كما صرح به في "شرح المهذب" 2، لكنه في "نكت التنبيه" خرجه على كشف العورة في الخلوة، وكذا في "الكفاية" و" شرح المحب الطبري"، ومقتضاه: تصحيح تحريمه، وهو مردود؛ لأن الخلاف إنما هو في كشفها لغير حاجة؛ فإنهم أطبقوا على جواز الاغتسال عارياً مع إمكان الستر، ومراعاة رفع الثوب شيئاً فشيئاً أشق من التستر عند الاغتسال.
97 - قول "التنبيه" [ص 18]: (والاستنجاء واجب من البول والغائط) اعترض عليه: بأن التقييد بهما يخرج غيرهما من الرطوبات؛ ولهذا أطلق "المنهاج" وجوب الاستنجاء 3، وقيده في "الحاوي" بالملوث 4. وأجاب عنه في "الكفاية": بأنها مفهومة من قوله: (وإن كان الخارج حصاة لا رطوبة معها.. لم يجب الاستنجاء في أحد القولين) 5 وهو أظهرهما، كما صرح به في "المنهاج" 6، ومثّل في "المحرر" بـ (الحصاة) 7 كما فعل في "التنبيه"، فعدل عنه في "المنهاج" إلى البعرة؛ ليبين أن المعتاد إذا خرج بلا رطوبة.. لا استنجاء منه، وحكاية "التنبيه" و"المنهاج" للخلاف قولين، هو المشهور، ونقله الرافعي عن الأكثرين 8، لكنه في "المحرر" و"الوجيز" -تبعاً للصيدلاني والجويني- وجهان 9. 98 - قولهما- والعبارة لـ"المنهاج"-: (أو حجر) 10 محله: في المخرج المعتاد، فلا

يجزئ الحجر في الثقبة المنفتحة في الأصح، وكذلك قُبُلا المشكل، وقد استثناهما في "الحاوي" بقوله [ص 129]: (عن المعتاد، لا قُبُل المشكل)، لكن يرد عليهم جميعاً: الثيب إذا تحققت نزول البول إلى مدخل الذكر؛ كما هو الغالب.. فإنه لا يجزئ الحجر، فإن لم ينزل، أو شكت.. كفى الحجر في الأصح كالبكر.
ولم يذكر في "التنبيه" شروط الاستنجاء بالحجر، وهي: ألاَّ تجف النجاسة، ولا تنتقل عن موضعها، ولا تطرأ نجاسة أجنبية.
وقد ذكر هذه الثلاثة في "المنهاج" و"الحاوي" 1، وأهملا شرطاً رابعاً، وهو: ألاَّ يكون الحجر مبلولاً.
ويجاب: بأن هذا مفهوم من الشرط الثالث؛ فإنه إذا كان الحجر مبلولاً.. تنجس بملاقاة المحل ونجس المحل.
99 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج": (وجمعهما أفضل) 2 مقتضاه: اطراد ذلك في الغائط والبول، وبه صرح سليم الرازي والغزالي وابن سراقة 3، لكن قال القفال في "محاسن الشريعة": (إن هذا مختص بالغائط) 4، وهو مقتضى تعليلهم استحباب الجمع: بأنه يستعمل الحجر أولاً لإزالة العين، ثم الماء لإزالة الأثر.
100 - قول "التنبيه" [ص 18]: (فإن اقتصر على الحجر.. أجزأه) زيادة إيضاح، فقد علم ذلك من قوله أولاً: (فإن أراد: الاقتصار على أحدهما.. فالماء أفضل) 5، وظاهر عبارته: تَعَيُّن الحجر، وليس كذلك، بل يقوم مقامه كل جامد طاهر قالع غير محترم، كما صرح به في "المنهاج"، وهو مفهوم من كلام "الحاوي" 6، ونَفْيُ "التنبيه" بعد ذلك الاستنجاء بالمطعوم والمحترم دال عليه.
والتصريح بالجامد من زيادة "المنهاج" على "المحرر"، وأشار "الحاوي" إلى اشتراط كونه قالعاً بقوله [ص 129]: (لا قصب) لكنه لا يحتاج إلى ذكره؛ لفهمه من قوله أولاً: (قلع) مع ما في الاقتصار على القصب من إيهام عدم إلحاق الزجاج والحديد الأملس ونحوهما به.
101 - قول "الحاوي" [ص 129]: (وما كتِبَ عليه عِلمٌ) المراد: العلم المحترم،

لا كالطب والفلسفة، كما نبه عليه في "المهمات".
ومفهومه: جوازه بجلد كتاب، ولا شك في منعه مع الاتصال، وأما بعد الفصل.. ففي "عنقود المختصر" للغزالي: منعه في جلد المصحف 1. 102 - قوله: (وجزئه المتصل به) 2 أي: فالمنفصل يصح الاستنجاء به إذا كان طاهراً، كذا قالوا، ومقتضاه صحته بيد الآدمي المنفصلة.
قال في "المهمات": (والقياس: المنع).
103 - قول "المنهاج" [ص 72]: (وجلد دُبغ دون غيره في الأظهر) اعترض عليه: بأنه كان ينبغي تقديم المنع الذي هو من أمثلة المحترم، فيقول: (فيمتنع بجلد طاهر غير مدبوغ دون كل مدبوغ في الأظهر) فإنَّ كلامه الآن كالمفلت؛ لأنه إن كان ابتداء كلامه.. فلا خبر له، وإن كان معطوفاً على (كل) وقرئ بالرفع.. فيكون الجلد المدبوغ قسيماً لكل جامد طاهر قالع غير محترم، فيكون غيره، والفرض أنه بعض منه، وكذا إذا قرئ بالجر عطفاً على مجرور (كلٍّ)؛ وإذ قَدَّم الجواز.. فكان ينبغي أن يقول: (ومنه جلد دُبغ) أي: من أمثلة هذا الجامد: جلدٌ دُبغ دون جلد غير مدبوغ طاهر في الأظهر.
104 - قول "التنبيه" [ص 18]: (وإن كان الخارج دماً، أو قيحاً.. ففيه قولان، أحدهما: لا يجزئه إلا الماء، والثاني: يجزئه الحجر) الدم والقيح مثالان، فالقولان جاريان في كل نادر، كما صرح به في "المنهاج" 3، وأظهرهما: إجزاء الحجر، وقد صرح به في "المنهاج"، وهو مفهوم من "الحاوي" 4 حيث اعتبر كونه خارجاً غير معتاد، لا كونه معتاداً، لكن صحح في "شرح مسلم": تعين الماء 5. ويستثنى من الدم: دم الحيض، فقال الرافعي: (إنه لا يمكن الاقتصار فيه على الحجر؛ فإن عليها غَسْلُ جميع بدنها) 6. فلا فائدة في الحجر، وإليه أشار في "الحاوي" بقوله [ص 129]: (أو يوجب الغسل)، لكن قال في "الروضة": (صرح الماوردي وغيره بجواز الاقتصار على الحجر في دم الحيض) 7.

وفائدته: فيمن انقطع حيضها، واستنجت، ثم تيممت لسفر أو مرض.. فإنها تصلي بلا إعادة، وجزم به في "التحقيق" 1، وفي "الكفاية" عن الروياني، عن الشافعي: جوازه للبكر دون الثيب 2، ووجَّهَهُ في "الكفاية": بأن الثيب يجب عليها الاستنجاء عما يبدو منها حال القعود، وإزالته بالحجر لا يمكن، بخلاف البكر لا يجب عليها الاستنجاء عما وراء العذرة، وإزالة النجاسة عن الظاهر بالحجر ممكنة.
وبحث شيخنا في "المهمات": أن الثيب يمكنها الاستنجاء بالحجر عن البعض، وهو ما ظهر منها، فينبغي تخريجه على ما إذا قدر على إزالة بعض النجاسة، والأصح: وجوبه.
105 - قول "التنبيه" [ص 18]: (وإن انتشر الخارج إلى باطن الألية.. ففيه قولان، أصحهما: أنه يجزئه الحجر) محل القولين: في الانتشار الزائد على العادة، كما صرح به في "المنهاج" 3، والمراد: عادة الناس، وقيل: عادته، ونقل المزني قولًا في مطلق الانتشار وإن لم يجاوز العادة 4، فغلَّطَه فيه الجمهور.
ومحل إجزاء الحجر: إذا لم يَتَقَطَّع، فإن تقطع.. تعين في المنفصل الماء وإن كان في باطن الألية، كما قيده في "الكفاية"، ونقله في "شرح المهذب" عن الصيدلاني 5، ومقتضى كلامهم: أنه إذا (تجاوز) 6 الألية.. تعين الماء في الجميع، وكذا هو في "الشرح" و"الروضة" وغيرهما 7، وفي "شرح المهذب" و"الكفاية" تقييده بغير المتقطع، فإن تقطع فصار بعضه باطن الألية وبعضه خارجها.. فلكل منهما حكمه 8، وهذان واردان على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا.
106 - قول "التنبيه" [ص 18]: (وإن انتشر البول.. لم يجزئه إلا الماء، وقيل: فيه قولان، أحدهما: يجوز فيه الحجر ما لم يجاوز موضع القطع) الأظهر: طريقة القولين، والأظهر منهما: الإجزاء.
107 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ولو بأطراف حجر) 9 قال في "الكفاية": (أفهم

نفي الإجزاء بحجر واحد استنجى به، ثم غسله ونشفه، واستعمله بعد ذلك، والأصح: الإجزاء).
ويجاب عنه: بأن هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له.
108 - قول "المنهاج" [ص 72]: (وكل حجر لكل محله) لو قال: (كل مسحة لكل محله) كما في "المحرر" 1.. لكان أحسن.
وظاهر كلام السبكي أن قوله: (وكل حجر) معطوف على قوله: (ثلاث مسحات) أي: يجب ذلك، ومال إليه شيخنا شهاب الدين بن النقيب؛ لئلا يلزم أن التعميم سنة، وهو واجب على الأصح، وجعله شيخنا جمال الدين معطوفًا على قوله: (إيتار)، فقال: تقديره: (ويسن الإيتار، وأن يكون كل حجر... إلى آخره، قال: فنستفيد منه أن الخلاف في الاستحباب، ولا يستفاد ذلك من "المحرر") 2. 109 - قول "التنبيه" [ص 18]: (فإن استنجى بشيء من ذلك.. لم يجزئه) قد يفهم إجزاء الحجر بعده، وهو صحيح في غير الاستنجاء بالنجس إذا لم يَنْقُل النجاسة.
قال الماوردي: (وماء زمزم له حرمة، تمنع الاستنجاء به، ثم لو استنجى به.. أجزأه بالإجماع) 3. 110 - قوله: (ولا يستنجي بيمينه) 4 عطفًا على قوله: (ولا بما له حرمة) 5 يوهم التحريم، ويؤيده قوله في "المهذب" وفاقًا لجماعة: إنه لا يجوز 6. والمشهور: الحل مع الكراهة.
قال في "شرح المهذب": (ويمكن تأويله: بأنه ليس مباحًا مستوي الطرفين) 7 ولا يستفاد من عبارة "المنهاج" و"الحاوي" كراهته باليمين؛ فإنهما إنما ذكرا سنيَّتَه باليسار، وقول "الحاوي" [ص 129]: (باليسرى) أحسن من قول "المنهاج" [ص 72]: (باليسار).

بابُ الوضوء

111 - قول "التنبيه" [ص 15]: (نوى رفع الحدث) أُورِد عليه أمور: أحدها: أن الأصح: أن دائم الحدث لا يكفيه الاقتصار على نية رفع الحدث، أورده في "التصحيح" 1، وقد يقال: هذا مفهوم من قوله في المتيمم: (وينوي استباحة الصلاة) 2، وهذا لا يرد على "المنهاج" و"الحاوي" لتصريحهما بالمسألة بعد ذلك 3. ثانيها: قال في "الكفاية": (شمل كلامه ما لو اجتمع الحدثان أكبر والأصغر وقلنا بعدم الاندراج، والذي أورده الماوردي أنه لا يجزئ عن واحد منهما) 4. قال النشائي في "نكته": (وصححه النووي في "التحقيق"، فكان حقه استدراكه) 5. قلت: هذا استدراك على وجه ضعيف، وليس موضوع التصحيح ذلك.
ثالثها: أنه يقتضي أنه لو نوى رفع الحدث أكبر.. لا يجزئه، والأصح: الإجزاء، كذا صححه في "الكفاية" تبعًا للماوردي 6، لكن صحح صاحب "البيان": عدم الصحة 7، والمتجه: الفرق بين العامد والغالط، كما قاله المحب الطبري، وهو الموافق لقولهم: إن نوى غير ما عليه.. صح مع الغلط لا مع العمد، وقد تورد هذه على "الحاوي"، وقد يُدّعى دخولها في قوله: (أو غيرها غلطًا) 8، وقد يقال: تصحيح "الكفاية" لا ينافي كلام الشيخ؛ فإن تقييد الحدث بالأكبر لا ينافي إطلاقه.
رابعها: أنه يخرج ما لو نوى من عليه أحداث رفع أحدها، والأصح: صحته؛ ولذلك عدل في "المنهاج" عن عبارة "المحرر" 9، وهي مثل عبارة الشيخ إلى قوله: (رفع حدث) بالتنكير؛ ليتناول هذه الصورة كما نبه عليه في "الدقائق" 10، وهو متناول للصورة قبلها، فلا ترد عليه إن وافق على تصحيح "الكفاية"، وإلا.. وردت عليه، وقد يقال: من نوى حديثًا معينًا.. فقد نوى

رفع الحدث؛ لأن الحدث لا يتجزأ، وصرح بهذا الفرع في "الحاوي" 1. خامسها: أنه يخرج ما لو نوى غير ما عليه، والأصح: الصحة مع الغلط دون العمد، فترد على عبارة "التنبيه" صورة الغلط، وعلى عبارة "المنهاج" صورة العمد؛ لتناول لفظه لها مع عدم الصحة فيها، وصرح بالمسألة في "الحاوي" 2. سادسها: أنه يخرج ما لو نوى رفع الحدث والتبرد، والأصح: الصحة، كذا أورده في "الكفاية"، ولو ادعى تناوله.. لم يَبْعُد؛ فإنه لا ينافي المذكور؛ لحصوله مطلقًا.
سابعها: أنه يخرج ما إذا فرق النية على الأعضاء فنوى عند كل عضو رفع الحدث عنه، والأصح: الصحة، كذا أورده في "الكفاية"، وصرح بهذه المسألة والتي قبلها في "المنهاج" و"الحاوي" 3، ويصح أن يقال: (نوى رفع الحدث مطلقًا، ونوى رفع الحدث عن كل عضو عضو).
أورد هذه الإيرادات الستة في "الكفاية".
112 - قول "المنهاج" [ص 73]: (أو استباحة مفتقر إلى طهر) لو قال: (إلى وضوء) كما في "الحاوي" 4.. لكان أولى؛ لأن القراءة والمكث في المسجد مفتقران إلى طهر، وهو الغسل، مع أنه لا يصح الوضوء بنية استباحتهما, ولا يَرِدُ هذا على قول "التنبيه" [ص 15]: (أو الطهارة لأمر لا يستباح إلا بالطهارة؛ كمس المصحف) لأن تمثيله يخرج القراءة ونحوها، وأيضًا: تعريف الطهارة مشعر بالعهد، وهو الوضوء المعقود له الباب، بخلاف التعبير يطهر مُنَكَّر، ولا تمثيل معه بعينه للوضوء.
113 - قول "المنهاج" [ص 73]: (أو أداء فرض الوضوء) يكفي أيضًا: (أداء الوضوء) بإسقاط لفظة (فرض)، و: (فرض الوضوء) بإسقاط لفظة (أداء)، فلو أسقط أحدهما.. لكان أحسن، ويفهم الصحة مع جمعهما من طريق الأولى، وقد يقال: إسقاطة لفظة (فرض) أولى كما في "الحاوي" حيث قال [ص 124]: (أداء الوضوء) لأن الإتيان بلفظة (فرض) يخص قصد ما هو فرض، فلا يشمل مسنونات الوضوء؛ كالمضمضة والاستنشاق ونحوهما، وهذا الإشكال يتوجه أيضًا على نية رفع الحدث؛ فإنه لا يتوقف على السنن, فلم تشمله النية.
وقد يجاب: بدخولها تبعًا؛ كنية فرض الظهر، على أن النووي صحح في "شرح المهذب"

و"التحقيق": إجزاء نية الوضوء فقط 1، فعلى هذا لو حذف "المنهاج" اللفظتين و"الحاوي" لفظة أداء.. لكان أولى، والله أعلم.
114 - قول "التنبيه" [ص 15]: (أو الطهارة للصلاة) وفي "الحاوي" [ص 124]: (الطهارة عن الحدث) ومقتضاهما: أنه لا يكفي نية الطهارة فقط، وهو ما صححه النووي 2، وكلام الرافعي يقتضي الصحة؛ فإنه قال: (ينوي رفع الحدث أو الطهارة عنه، فإن أطلق.. كفى) انتهى 3. وأسقط من "الروضة" قوله: (فإن أطلق.. كفى) 4. 115 - قول "التنبيه" [ص 15]: (النية عند غسل الوجه) أي: أول غسل الوجه، فلو عزبت بعد ذلك.. لم يضره، وعبر "المنهاج" بقوله [ص 73]: (بأول الوجه) وفيه إضمار تقديره: بأول غسل الوجه أو بغسل أول الوجه، والأول هو الموافق لتعبير "الحاوي" بقوله [ص 123]: (بأوله) أي: بأول الغسل، وهو أولى من الثاني، إذ لا أول للوجه، وقال بعضهم في توجيه كونه أولى: لأن الثاني يقتضي تعين النية عند أول الوجه، وهو منابت شعر الرأس أو غيره من أطرافه، ولا شك أنه يكفي اقترانها بأول جزء مغسول منه ولو كان وسطه؛ كالأنف.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (ويخدش التعبيرين معًا أنه لو ابتدأ بغسله من أوله ثم نوى عند وصوله إلى وسطه.. فإنه لم ينو عند أول غسله ولا عند غسل أوله مع أن نيته صحيحة قطعًا، غايته: أنه يجب إعادة ما غسله منه قبل النية، فلا مخلص إلا أن يقول: ويجب قرنها بغسل جزء من الوجه، ثم يجب غسل باقيه) 5. قلت: الموضع الذي نوى عنده هو أول الغسل الشرعي، وما قبله ليس مغسولًا عن وضوء، بل يجب غسله مرة أخرى، فكأنه غير مغسول بالكلية؛ لأن الكلام في الغسل عن الوضوء، والله أعلم.
ثم إن هؤلاء الثلاثة إنما تكلموا على وقتها الواجب، فلو قارنت أول الوجه.. لم يُثَب على ما قبله من السنن في الأصح، ولو اقترنت بسنة من سننه المتقدمة، ثم عزبت قبل الوجه.. لم يصح وضوءه في الأصح.
قال النووي: (إلا أن ينغسل شيء من حمرة الشفة مع المضمضة إن قصد به غسل الوجه، وكذا إن لم يقصد في الأصح، ويحتاج إلى غسل ذلك الجزء في الأصح) 6.

فالأكمل: أن ينوي عند أول السنن ويستصحبها ذكرًا إلى أول غسل الوجه.
116 - قول "التنبيه" [ص 15]: (وهو ما بين منابت شعر الرأس ومنتهى اللحيين والذقن طولًا) فيه أمور: أحدها: قال في "الكفاية": (أي: المعتادة؛ ليدخل الغمم ويخرج الصلع) ولهذا قال في "المنهاج" [ص 73]: (غالبًا)، وقال في "الإقليد" تبعًا للإمام: (إنما تلزم هذه الزيادة -يعني: قوله: "غالبًا"- لمن قال: من الشعر، أما من قال: من منابت شعر الرأس.. فلا؛ فإن منابت الرأس معلومة، أنبتت أم لم تنبت، جاوزها الشعر أو وقف عندها) انتهى.
وهو الحق، فمنبت موضع النبات، كما أن الأرض منبت بمعنى الصلاحية إن لم يكن فيها نابت، وهذا شأن مَفْعِلْ، فقيد "المنهاج" غير محتاج إليه.
ثانيها: أن مقتضاه: أن منتهى اللحيين ليس من الوجه، وليس كذلك، بل ما أقبل منهما من الوجه، إلا أن يريد بمنتهاهما: ما يليهما من جهة الحنك، كما قال الرافعي 1. ثالثها: أنه يشعر بمغايرة منتهى اللحيين للذقن مع أنهما شيء واحد، وعبر "المنهاج" بقوله [ص 73]: (ما بين منابت رأسه غالبًا ومنتهى لحييه)، ويرد عليه الإيراد الثاني على "التنبيه"، وأن قوله: (غالبًا) غير محتاج إليه كما تقدم، بل لا معنى له؛ فإن منابت شعر رأسه شيء موجود لا غالب فيه ولا نادر، وإنما يصح الإتيان بقوله: (غالبًا) لو عبر بالرأس من غير إضافة، كما فعل غيره.
وعبر "الحاوي" بقوله [ص 123]: (ما بين الرأس ومنتهى الذقن واللحيين) فاستغنى عن التقييد بالغالب، بل استحال معه ذلك مع الاختصار، وورد عليه الإيرادان الأخيران على "التنبيه"، وهنا تنبيهات: أحدها: المراد بالغسل هنا: الانغسال، ولا يشترط أن يغسله المتوضئ، وكذا الحكم في باقي الأعضاء.
ثانيها: المراد: ظاهر هذا المحدود؛ فإنه لا يجب غسل داخل العين والفم والأنف.
ثالثها: لا بد مع ما ذكره من غسل ما يتحقق به استيعاب الوجه، وهو جزء من الرأس والرقبة وما تحت الذقن، كما في "الروضة" عن الأصحاب 2. 117 - قول "المنهاج" [ص 73]: (وكذا التحذيف في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (في الأظهر) كما في "المحرر" 3 لأن الخلاف قولان:

جارٍ التحميل