5887 - قول " المنهاج " [ص 557]: (هو فرض كفاية) أي: قبول التولية، أما إيقاع التولية للقاضي.. فهو فرض عين على الإمام وعلى قاضي الإقليم في المعجوز عنه، فإن لم يبلغ الإمام الخبر؛ لبعده عنه.. تعين فرض التولية على القاضي، وإن بلغه.. فالفرض عليهما، فأيهما ولى.. سقط الفرض، ذكره الماوردي (1).
وأما إيقاع القضاء بين المتنازعين.. ففرض عين على الإمام بنفسه أو نائبه، وإذا ارتفعا إلى النائب.. فإيقاع القضاء بينهما فرض عين عليه، ولا يحل له الدفع إذا كان فيه تعطيل وتطويل نزاع، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقول " التنبيه " [ص 251]: (ولاية القضاء فرض على الكفاية) يخرج هذا الأخير، لكنه ظاهر في إيقاع التولية؛ فيؤول على أن المراد: قبول ولاية القضاء.
5888 - قول " المنهاج " [ص 557]: (فإن تعين - أي: إنسان -.. لزمه طلبه) فحذفه؛ للعلم به، ولو أفصح به.. لكان أولى، كما قال " التنبيه " [ص 251]: (فإن لم يكن من يصلح إلا واحد.. تعين عليه، ويلزمه طلبه) و" الحاوي " [ص 658]: (ولزم متعين البلد طلبه).
5889 - قول " التنبيه " [ص 251]: (فإن امتنع.. أجبر عليه) استشكل: بأنه بامتناعه من هذا الفرض الذي هو مناط المصالح العامة بعد تعينه فاسق.
وأجاب عنه الرافعي: بأنه يمكن أن يكون المراد أنه يؤمر بالتوبة أولًا، فإذا تاب.. ولي (2)، وهو مشكل؛ لأنه لا بد بعد توبته من مضي مدة الاستبراء، ولم يشترطوه؛ فالصواب ما أجاب به النووي: أنه لا ينبغي أن يفسق؛ لأن امتناعه غال
بًا ب
تأويل، فلا يعصي وإن كان مخطئًا في تأويله 3. 5890 - قوله: (وإن كان هناك غيره.. كره أن يتعرض له، إلا أن يكون محتاجًا.. فلا يكره لطلب الكفاية، أو خاملًا.. فلا يكره لنشر العلم) 4 فيه أمور: أحدها: أن محل ذلك: فيما إذا كان ذلك الغير مساويًا له، فإن كان دونه.. استحب القبول،12
وكذا الطلب إذا وثق بنفسه، جزم به في " الروضة " وأصلها 1، وذكره شيخنا الإسنوي في " تصحيحه " بلفظ الصواب 2، وذكره " الحاوي " بقوله [ص 658]: (وندب للأصلح)، وهو مأخوذ من مفهوم " المنهاج " في ذكره ما إذا كان غيره أصلح، وما إذا كان مثله، وإن كان أصلح منه.. جاز القبول بناء على جواز ولاية المفضول مع وجود الفاضل، ولكن يكره الطلب، وقيل: يحرم 3، وعلى الكراهة مشى " الحاوي " و" المنهاج "، لكنه قيد ذلك بما إذا كان ذلك الأصلح يتولاه 4، ولا بد منه، فإن كان لا يتولى.. فهو كالمعدوم.
ولم تدرج هذه الصورة في عبارة " التنبيه " لاستثنائه من الكراهة الحاجة والخمول، وإنما استثنوها في صورة المساواة وأطلقوا الكراهة فيما إذا كان غيره أصلح، وظاهر عبارة الرافعي والنووي عدم كراهة القبول فيما إذا كان غيره أصلح؛ لأنهما إنما ذكرا الكراهة في الطلب 5، لكن ذكر القاضي حسين: أنه يكره له القبول، ويكره للإمام أن يبتدأه بالتولية، ومحل الخلاف في ولاية المفضول مع الفاضل إذا لم يكن عذر، فإن كان؛ بأن كان أطوع في الناس وأقرب إلى القلوب.. انعقدت قطعًا، قاله الماوردي.
ثانيها: ما ذكره من الكراهة في هذه الحالة هو الذي في " شرحي الرافعي " 6، ومشى عليه " الحاوي " 7، وفي " المنهاج " من زيادته 8، لكن الذي في " المحرر " أن الأولى تركه 9، وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن تصحيح الكراهة ممنوع؛ لأنه ليس هناك متعين، والداخل من الذين يصلحون للقضاء مع التساوي في طلب القضاء داخل في طلب فرض كفاية، وذلك إن لم ينته إلى الإيجاب ولا إلى الندب.. فلا أقل من انتفاء الكراهة.
ثالثها: أنه اقتصر في الحاجة والخمول على انتفاء الكراهة؛ والذي في " المنهاج " و" الحاوي " ندب الطلب 10، وهنا تنبيهات:
أحدها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يزاد على الخامل والمحتاج آخرين:
أحدهما: أن يكون ذاك الذي هو مثله في الاجتهاد أو التقليد يرتكب أمورًا يضعف مدركها.. فهنا يندب الطلب، وقد يقوى الإيجاب ولا سيما إذا كانت تلك الأمور ينقض القضاء فيها.
ثانيهما: إذا كان الذي مثله لا يقوم بكفاية الناس في خصوماتهم وأحوالهم إلا بجهد وتعب وتكلف وربما تأخر بعض القضايا للكثرة.. فيندب الطلب لمن يقوم بالمصالح بحيث يزول ما ذكر.
ثانيها: قال شيخنا أيضًا: محل ولاية المفضول مع الفاضل في المجتهدين أو المقلدين العارفين بمدارك مقلدهما، فإن كان الفاضل مجتهدًا أو مقلدًا عارفا بمدارك إمامه والمفضول ليس كذلك.. لم يجز توليته ولا قبوله؛ ويدل لذلك توجيه الأصحاب الجواز: بأن تلك الزيادة خارجة عن الحد المطلوب.
ثالثها: قال شيخنا أيضًا: المثلية والأصلحية يتناولان القوة في القيام في الحق، فإذا كان أحدهما أقوى من الآخر في القيام في الحق.. فقد يقتضي الحال هنا تعين الأقوى، ولا يتخرج على الخلاف في جواز تولية المفضول مع وجود الفاضل؛ لأن الزائد هنا محتاج إليه، بخلاف ما يتعلق بالعلم.
رابعها: قال شيخنا أيضًا: في قول " المنهاج " [ص 557]: (وإن كان مثله.. فله القبول) اقتصر عليه مع أنه يندب له القبول؛ لأن في الوجوب وجهين، ومن عينه الإمام لفرض من فروض الكفايات.. يطلب منه موافقة الإمام إما وجوبًا وإما ندبًا.
خامسها: محل هذا التفصيل: فيما إذا لم يكن هناك قاض متول أو كان وهو غير صالح، فإن كان وهو صالح ولو كان مفضولًا؛ إن صححنا ولايته.. حرم الطلب والطالب مجروح، حكاه في " أصل الروضة " عن الماوردي، وأقره 1، وذكره " الحاوي " بقوله [ص 659]: (وحرم قبول غير المتعين بعزل غيرٍ) وليس مطابقًا لكلام الماوردي؛ فإن الماوردي إنما ذكر تحريم الطلب لا تحريم القبول.
سادسها: جميع ما تقدم في الطلب بغير بذل فأما مع البذل.. فأطلق جماعة تحريمه، والصحيح: تفصيل ذكره الروياني، وهو: أنه إن تعين عليه أو ندب له.. جاز، وإلا.. فلا، لكن لهذا إذا كان متوليًا لبذل؛ لئلا يعزل، والبذل لعزل متول حرام إن كان صالحًا، وإلا.. فمندوب، والأخذ حرام مطلقًا.
5891 - قول " المنهاج " [ص 557]: (والاعتبار في التعين وعدمه بالناحية) و" الحاوي " [ص 658]: (ولزم متعين البلد طلبه) ذكر الرافعي أن طرق الأصحاب متفقة عليه، قال: وقضيته أن
لا يجب على من يصلح للقضاء طلب القضاء ببلدة أخرى لا صالح بها ولا قبوله إذا وُلِّي، ويجوز أن يفرق بينه وبين القيام بسائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر؛ كالجهاد وتعلم العلم ونحوهما؛ بأنه يمكن القيام بتلك الأمور والعود إلى الوطن، وعمل القضاء لا غاية له؛ فالانتقال إليه هجرة، وترك الوطن بالكلية تعذيب 1.
قال في " المهمات ": ولم يتفقوا على ذلك؛ ففيه خلاف حكاه في " الكفاية " عن ابن الصباغ وغيره.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هو عندنا متعقب نقلًا ودليلًا، أما النقل: فليس ما ذكره مصرحًا به في كتاب من كتب الأصحاب، لا العراقيين ولا المراوزة، وأما الدليل: فلأنه يلزم تعطل البلدة التي ليس فيها من يصلح للقضاء عن قاض، ولا يؤدي ذلك إلى هجر الوطن بلا غاية، بل الإمام ينظر فى المصالح العامة والخاصة، ويبعث قاضيًا بعد قاض، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًا إلى اليمن قاضيًا، وكذلك بعث أبا موسى ومعاذًا رضي الله عنهم، واستمر الخلفاء بعده على ذلك من غير أن يقول أحد من المبعوثين: إنه لا يتعلق بي أمر البلد التي تريد أن تبعثني إليها؛ لأنها ليست بلدي.
5892 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وينبغي أن يكون القاضي ذكرًا، حرًا، بالغًا، عاقلًا، عدلًا، عالمًا بالأحكام) فيه أمور:
أحدها: أن قوله: (ينبغي) بمعنى: يشترط كما عبر به " المنهاج " 2.
ثانيها: أنه أهمل من الأوصاف المشترطة فيه الإسلام، وقد ذكره " المنهاج " 3، وحذفه في " الروضة " استغناء عنه بالعدالة.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": اشتراط الإسلام إنما هو في قاضي المسلمين أو المطلق، فأما قاضي الكفار.. فلا يشترط إسلامه، وللإمام أن ينصب بينهم قاضيًا كافرًا، ثم ذكر قول " أصل الروضة ": إنه لا يصح تولية الكافر ولو على كافر، وقول الماوردي: إن ما جرت به عادة الولاة من نصب رجل بين أهل الذمة.. فهو تقليد رياسة وزعامة، لا تقليد حكم وقضاء، ولا يلزمهم حكم بإلزامه 4، ثم قال شيخنا: إنه ممنوع؛ لمخالفة نصوص الشافعي رضي الله عنه، وما اشتهر بين الأصحاب، وأهمل أيضًا: كونه سميعًا بصيرًا ناطقًا، وقد ذكرها " المنهاج " 5، وجمع ذلك
" الحاوي " بقوله [ص 658]: (أهل القضاء والنيابة العامة أهل للشهادات)، ويستثنى من اشتراط البصر: القاضي الذي ينزل أهل القلعة على حكمه؛ فيجوز كونه أعمى كما هو مذكور في موضعه، وأهمل كونه كافيًا، وقد صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 1، وأخرجا به المغفل الذي اختل رأيه بكبر أو مرض ونحوهما، مع أنه خرج بذكر الاجتهاد، فمن هو كذلك.. ليس من أهل الاجتهاد، قاله في " المهمات ".
ثالثها: المراد: كونه عالمًا بالأحكام بالاجتهاد كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 2، ويستثنى منه مسألتان:
أحدهما: المولّى في واقعة معينة يكفيه أن يعرف الحكم فيها بطريق الاجتهاد المتعلق بتلك الواقعة بناء على أن الاجتهاد يتجزأ، وهو الأرجح، وقد أشار إلى ذلك " الحاوى " بقوله [ص 658]: (والنيابة العامة).
ثانيهما: الحاكم الذي ينزل أهل القلعة على حكمه؛ ففي " أصل الروضة ": أنهم أطلقوا أنه يشترط كونه عالمًا، وربما قالوا: فقيهًا، وربما قالوا: مجتهدًا، قال الإمام: ولا أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي؛ ولعلهم أرادوا: [المهتدي] 3 إلى طلب الصلاح وما فيه النظر للمسلمين 4.
رابعها: أهمل هو " والمنهاج " أيضًا أن يكون ممن تجوز شهادته، فمن لا تجوز شهادته من أهل البدع.. لا يجوز تقليده القضاء، وقد تناوله قول " الحاوي " [ص 658]: (أهل للشهادات)، قال الماوردي: وكذا لا يجوز تقليد من لا يقول بالإجماع أو بأخبار الآحاد، وكذا حكم نفاة القياس الذين لا يقولون بالاجتهاد أصلًا، بل يتبعون النصوص، فإن لم يجدوا.. أخذوا بقول سلفهم كالشيعة، حكاه عنه في " أصل الروضة "، وأقره 5، وفيها أيضًا عن الصيمري: أنه يشترط في الشاهد أن يكون غير محجور عليه بسفه 6.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ويشترط ذلك في القاضي قطعًا؛ لأن مقتضى القضاء التصرف على المحجور عليهم، قال: وأما الإكراه.. فإنه مانع من صحة القبول، إلا فيما تعين عليه.
5893 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وقيل: يجوز أن يكون أميًا، وقيل: لا يجوز)، الأصح: جوازه، وهو مفهوم من عدم اشتراط " المنهاج " و" الحاوي " الكتابة.
5894 - قول " المنهاج " [ص 557، 558]: (فإن تعذر جمع هذه الشروط فولَّى سلطان له شوكة فاسقًا أو مقلدًا.. نَفَذَ قضاؤه للضرورة) و" الحاوي " [ص 658]: (فإن تعذر من ولاه ذو شوكة) فيه أمور:
أحدها: هذا الكلام قاله الغزالي 1، واستحسنه الرافعي 2، وجزم به في " المحرر " 3، وقال ابن الصلاح وابن أبي الدم وابن شداد: لا نعلم أحدًا ذكر ما ذكره الغزالي، والذي قطع به العراقيون والمراوزة: أن الفاسق لا تنفذ أحكامه، ورد في " المهمات " ما قالوه؛ بأن الرافعي حكى في البغاة عن المعتبرين: أنه إن كان قاضيهم لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم.. نفذ حكمه، وإن استحلها.. لم ينفذ، ومنهم من أطلق نفوذه 4، وبأن في " البحر ".. يحتمل وجهين: أحدهما: لا ينفذ ويتحاكمون إلى من هو أهل القضاء، فإن لم يجدوا أهلًا له.. نفذت أحكامه للضرورة، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": سبق الدارمي الغزالي إلى كلام أعم مما قال، فقال: في " الاستذكار ": إن ولي من ليس بأهل.. فعلى كل واحد عزله وتولية غيره، فإن لم يقدروا.. قضى بهم، قال: فقوله: (قضى بهم) يعني: نفذ قضاؤه للضرورة.
انتهى.
وقال ابن الرفعة: الحق أنه إذا لم يكن ثَمّ من يصلح للقضاء.. نفذ حكمه قطعًا، وإلا.. فتردد.
ثانيها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": السلطان ذو الشوكة إذا ولى فاسقًا.. نفذ قضاؤه للضرورة، وإن لم يتعذر جمع هذه الشروط، هاذا تعذر جمع هذه الشروط.. فتولية المقلد صحيحة، وإن صدرت من غير ذي الشوكة.
قلت: إذا تعذر جمع هذه الشروط.. لم تكن السلطنة إلا بالشوكة؛ فإن من شرطها: الاجتهاد، والفرض تعذره، فلا يوجد مع ذلك خلافة صحيحة، والله أعلم.
ثالثها: قال شيخنا أيضًا: إن قاضي الضرورة لا يستحق جامكية على القضاء من بيت المال؛ لأن ذلك يتعلق به خاصة ولا ضرورة للناس تتعلق بذلك، وإذا زالت شوكة من ولاه.. انعزل؛ لزوال المقتضي لدوام ولايته.
رابعها: قال في " المهمات ": التقييد بالفاسق والجاهل يشعر بأنه لا ينفذ من المرأة والكافر، وهو ظاهر، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": تنفذ أحكامها للضرورة، وفي " البحر " عن جده رواية وجهين في أن المرأة إذا قلدت القضاء على مذهب أبي حنيفة فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه فحكمت.. هل يحل للحاكم الشافعي نقض حكمها؟
أحدهما: نعم وهو اختيار الإصطخري.
والثاني: لا؛ لأنه مجتهد فيه 1، قال شيخنا: وكذا ينفذ حكم الأعمى للضرورة فيما يعرفه وينضبط له، قال: ومقتضى كلام الخوارزمي في العبد والصبي: المنع جزمًا، قال: والذي عندي في العبد أنه ينفذ أحكامه للضرورة، بخلاف الصبي، لعدم صحة عبارته، وقد دخل جميع هذه الصور في قوله: (من ولاه ذو شوكة) 2.
5895 - قول " المنهاج " [ص 558]: (ويُندب للإمام إذا ولى قاضيًا أن يأذن له في الاستخلاف) قيده الشافعي رضي الله عنه في " مختصر المزني " بالأطراف فقال: (وأحب للإمام إذا ولى القضاء رجلاً أن يجعل له أن يولي القضاء في الطرف من أطرافه) 3.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومقتضاه أنه لا يندب له ذلك إلا بهذا القيد، وهو المعتمد.
5896 - قول " التنبيه " [ص 252]: (وإن احتاج إلى أن يستخلف في أعماله لكثرتها.. استخلف) فيه أمران:
أحدهما: محله ما إذا لم ينهه عن ذلك، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص 558]: (فإن نهاه.. لم يستخلف) فلو كان المفوض إليه مما لا يمكنه القيام به.. ففي " الشامل " عن القاضي أبي الطيب: أن هذا النهي كالعدم، والأقرب أحد أمرين، إما بطلان التولية، وإما اقتصاره على الممكن وترك الاستخلاف، قال النووي: هذا أرجحهما 4، وقال في " الكفاية ": إنه المشهور.
قال شيخنا ابن النقيب: والذي يظهر أن الأقرب من كلام الرافعي أو ابن الصباغ 5، وجزم في " التوشيح " بأنه من كلام الرافعي 6.
وقال في " المهمات ": إطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في تعاطي الممكن بين أن يكون إمكانه مقارنًا للتولية أو طارئًا عليها.
وقال في " التوشيح ": قوله: (لم يستخلف) 1 يحتمل شيئين:
أحدهما: شمول ولايته للممكن وغيره، ولكن لا يجوز له الاستخلاف، وهو أظهر الاحتمالين في عبارة " المنهاج ".
والثاني: اقتصار ولايته على الممكن، فلا يكون قاضيًا فيما زاد، وهو أظهر الاحتمالين في قول " الروضة ": (وإما اقتصاره على الممكن وترك الاستخلاف) 2، ويظهر أثر هذا فيما لو كان عاجزًا عن الولاية عن شيء ثم قدر عليه.. فعلى الأظهر من عبارة " المنهاج ": له القضاء فيه، وعلى الأظهر من عبارة " الروضة ": ليس له؛ لأن ولايته لم تشمله.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وما رجحه النووي ممنوع فيما إذا كان ذلك لاتساع العمل؛ كمصرين متباعدين كالبصرة وبغداد؛ فإنه إن قيل: صحت الولاية فيهما.. كان تصحيحًا لها مع عدم إمكان القيام بها، وإن قيل: صحت في مصر منهما غير معين.. صار كأنه قال: وليتك القضاء في إحدى البلدين، وهذا لا يصح، فلم يبق إلا بطلان التولية.
وفي " الحاوي " للماوردي: هو بالخيار في النظر في أيهما شاء، فإذا نظر في أحدهما.. ففي انعزاله من الآخر وجهان محتملان 3.
ثانيهما: قد يفهم جواز الاستخلاف في الكل، والأصح: أنه لا يجوز الاستخلاف إلا في القدر المعجوز عنه؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 558]: (استخلف فيما لا يقدر عليه لا غيره في الأصح).
قال الرافعي: والقياس فيما إذا أذن له في الاستخلاف: أن يكون في القدر المستخلف فيه هذان الوجهان، إلا أن يصرح بالاستخلاف في الجميع، وقطع ابن كج بالجواز في الكل عند مطلق الإذن 4.
وذكر في " التوشيح " أن عبارة " التنبيه " هنا أحسن من عبارة " المنهاج " لأن قوله: (وإن احتاج) 5 ينبي عن كونه لا يمكنه القيام بما تولاه.
قلت: قول " المنهاج ": في القدر المعجوز عنه أشد دلالة على ذلك.
5897 - قول " التنبيه " [ص 252]: (وإن لم يحتج.. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز إلا أن يؤذن له في ذلك) الثاني هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " 1. 5898 - قول " التنبيه " [ص 252]: (استخلف من يصلح أن يكون قاضيًا) قيده " المنهاج " فقال [ص 558]: (وشرط المستخلف كالقاضي، إلا أن يستخلف في أمر خاص - كسماع بينة - فيكفي علمه بما يتعلق به)، وظاهره اشتراط الاجتهاد في ذلك الخاص، وهو قياس قاعدة الباب، لكن في " الروضة " وأصلها: أنه لا يشترط رتبة الاجتهاد فيه، وحكاه عن الشيخ أبي محمد وغيره 2، واستحسن في " النهاية " كلام شيخه، ثم قال: ولكن ينبغي أن يكون مستقلًا بما يليق بسماع الدعوى وأحكام البينات، وهذا يحْوِج إلى حظ صالح من الفقه 3. وظاهر كلام " المنهاج " أن الخلاف في الاستخلاف جار في الأمور الخاصة أيضًا، وهو مقتضى إطلاق الأكثرين، وقطع القفال بجوازه في الخاصة للضرورة، ويوافقه جزم " الروضة " وأصلها بانعزال الخليفة في شيء خاص بموت القاضي وانعزاله، وجعل الخلاف في انعزال الخليفة العام 4. 5899 - قول " المنهاج " [ص 558]: (ويحكم باجتهاده أو اجتهاد مقلده إن كان مقلدًا، ولا يجوز أن يشرط عليه خلافه)، لم يبين فيما إذا شرط عليه خلافه.. هل تصح ولايته أم لا؟ وفي " أصل الروضة ": عن " الوسيط " فيما لو شرط القاضي الحنفي على النائب الشافعي الحكم بمذهب أبي حنيفة.. له الحكم في المسائل التي اتفق عليها الإمامان دون المختلف فيها، قال: وهذا حكم منه بصحة الاستخلاف، لكن قال الماوردي وصاحبا " المهذب " و" التهذيب " وغيرهم: لو شرط الإمام على القاضي مذهبًا عينه.. بطلت الولاية، وهذا يقتضي بطلان الاستخلاف هناك، وفي " فتاوى القاضي حسين ": لو شرط أن لا يقضي بشاهد ويمين ولا على غائب.. صحت التولية ولغا الشرط؛ فيقضي باجتهاده، ومقتضاه: أن لا يراعي الشرط هناك، قال الماوردي: ولو لم يقع صيغة شرط؛ كوليتك فاحكم بمذهب الشافعي، أو لا تحكم به.. قال الماوردي: صح التقليد ولغا الأمر والنهي، وفيه احتمال، قال: ولو قال: لا تحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد.. جاز، وقد قصر عمله على باقي الحوادث، وحكى وجهين فيما لو قال: لا تقض فيهما بقصاص: أنه يلغو، أم يكون منعًا له من الحكم بالقصاص نفيًا وإثباتًا؟ انتهى 5.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح: أنه يلغو، وإذا كان القاضي ألغا الشرط.. فإلغاء النهي أولى، قال: وتلخص من ذلك أن المعتمد في التولية بشرط أن يقضي بمذهب غيره: أن التقليد باطل، وأنه يلغو ما صدر من أمر ونهي مخالفين لعقيدة الحاكم.
5900 - قول " التنبيه " [ص 251]: (فإن تحاكم رجلان إلى رجل يصلح للقضاء، فحكماه في مال.. ففيه قولان، أحدهما: أنه لا يلزم ذلك الحكم إلا أن يتراضيا به بعد الحكم، والثاني: يلزم بنفس الحكم) الأظهر: الثاني كما في " المنهاج "، فقال [ص 558]: (ولا يُشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر) و" الحاوي " فقال [ص 667]: (والحكم على [التراضي] 1 برضاه الأول)، وهل يستثنى من ذلك: ما إذا كان لا يحكم لكل منهما كالأبعاض؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي عن السرخسي 2، وينبغي ترجيح المنع؛ لأنه لا يزيد على الحاكم بالولاية.
واستثنى من ذلك شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الوكيلين؛ فلا يكفي تحكيمهما، بل المعتبر تحكيم الموكلين، والوليين، فلا يكفي تحكيمهما إذا كان مذهب المحكم يضر بأحدهما، والمحجور عليه بالفلس، فلا يكفي رضاه إذا كان مذهب المحكم يضر بغرمائه، والمأذون له في التِّجارة وعامل القراض لا يكفي تحكيمهما، بل لا بد من رضا المالك، وإن كان هناك ديون.. فلا بد من رضا الغرماء، والمكاتب إذا كان مذهب المحكم يضر به.. لا بد من رضا السيد، والمحجور عليه بالسفه لا أثر لتحكيمه، قال: ولم أر من تعرض لذلك 3.
وفي كلام " التنبيه " و" المنهاج " أمور:
أحدها: أنه خرج بقول " التنبيه " [ص 251]: (رجلان) " والمنهاج " [ص 558]: (خصمان) التحكيم في التزويج فلا خصومة، وليس هناك إلا رجل واحد، وفي النص الذي حكاه يونس ابن عبد الأعلى ما يقتضي الاكتفاء بتحكيم المرأة من غير نظر إلى إدخال الزوج في التحكيم، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وكذا قال به جمع من الأصحاب، والأرجح: اعتبار إدخال الزوج في التحكيم؛ لأنه الذي يقبل، وهو ركن في النكاح، ولو كان الزوج سفيهًا.. فلابد من إذن وليه له في النكاح، والتحكيم من وليه، فإن صدر من السفيه بعد إذن الولي.. ففي الاكتفاء به تردد، والأرجح: المنع.
ثانيها: مقتضى تعبيرهما برجل: أنهما لو حكما رجلين.. لم يجز، وليس كذلك، بل يجوز كما هو مجزوم به في تحكيم أهل القلعة.
ثالثها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل الخلاف في غير النازلين من القلعة على حكم المحكم؛ فإنه إذا حكم بأمر.. لم يحتج بعد الحكم قطعًا، قال: ويستثنى منه أيضًا: اللعان، فإذا قلنا بدخول التحكيم فيه وهو الأظهر.. لم يشترط الرضا بعد صدور اللعان من الزوج قطعًا؛ لحصول الفرقة باللعان؛ ولهذا قال الماوردي: إذا قلنا: لابد من الرضا بعد الحكم.. لا يدخل التحكيم في اللعان.
رابعها: قال شيخنا أيضًا: من العراقيين من يحكي هذا الخلاف قولين، ومنهم من يحكيه وجهين، ولم أجد للشافعي ما يقتضي إثبات القولين، وقال الماوردي: إنه نص عليهما في اختلاف العراقيين 1، وليس كذلك؛ فالموجود في اختلاف العراقيين جواز هذا التحكيم وعدمه، لا اعتبار رضا جديد.
5901 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وإن رجع فيه أحدهما قبل أن يحكم.. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الأول، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 2.
5902 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وإن تحاكما إليه في النكاح واللعان والقصاص وحد القذف.. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: على القولين) الأصح: طريقة الخلاف، والأصح منه: الجواز في غير عقوبة لله تعالى من حد وتعزير، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 558]: (ولو حكم خصمان رجلًا في غير حد لله تعالى.. جاز مطلقًا) ثم قال: (وقيل: يختص بمال دون قصاص ونكاح ونحوهما)، والتقييد بغير حد الله تعالى ليس في " المحرر " 3، ولا بد منه، وكان ينبغي التعبير بالعقوبة كما عبرت به؛ ليتناول التعزير، ومسألة العقوبة واردة على إطلاق " الحاوي "، وطريقة القطع بالجواز غريبة ليست في الرافعي و" الروضة "، ونسبها في " الكفاية " عن حكاية ابن الصباغ وغيره عن الأكثرين، وأن النووي صححها، ولم يصحح إلا الجواز من حيث هو، وأما القطع به.. فلم يذكره، وظاهر كلامهم أن الخلاف جار في تعاطي ذلك وإثباته، وفرض ذلك في " الكفاية " في الإثبات، ثم قال: ولو كان الترافع في النكاح لأجل العقد.. فالأصح عند الروياني وغيره: الصحة مع القدرة على الحاكم، وصور الجيلي مسألة القصاص وحد القذف بما إذا طلب المستحق.. هل له إثباته بالبينة واستيفاؤه؟ والمصحح في " الروضة " وأصلها: أنه ليس للمحكم الحبس، بل غايته الإثبات والحكم 4، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 667]: (بلا حبس وعقوبة).
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومقتضاه: أنه ليس له أن يوكل بالمستحق عليه من يلازمه، وصرح في " النهاية " عن والده الشيخ أبي محمد بأنه ليس إليه استيفاء العقوبات، وإنما إليه إثباتها؛ فإن إقامتها استقلالٌ عظيم وخرمٌ لأبهة الولاية، وصحح ما قاله والده 1، وتبعه عليه الغزالي 2، وحمل شيخنا في " تصحيح المنهاج " قوله: (في غير حد لله تعالى) على ما إذا كان مستقلًا، فإن كان في ضمن تحكيم في حق آدمي.. تناوله حكم المحكم، قال: وذلك في صورتين:
أحدهما: إذا حكم الزوجان في اللعان، فلاعن الزوج بأمر المحكم.. توجب حد الزنا على الزوجة ضمنًا، ولها رفعه باللعان، قال: وإنما قلنا هذا؛ لأنهم وجهوا منع التحكيم في العقوبة المتمحضة لحق الله تعالى بأنه لا طالب لها متعين، فيتعذر التحكيم فيها، وفي هذه الصورة الزوج طالب لنفي حد القذف عنه، والزوجة طالبة لحد القذف، فإذا لاعن.. سقط عنه حد القذف ووجب حد الزنا عليها؛ لصحة التحكيم من الزوجين في اللعان المتضمن لإثبات حد الزنا، قال: ولم أر من تعرض لذلك، قال: ولو حكماه في أمر القذف، فأقام الزوج بنية بزناها.. سقط حد القذف عن الزوج، وفي وجوب حد الزنا عليها تردد؛ لتضمن اللعان إيجاب حد الزنا، وقد يسقط حد القذف ولا يجب حد الزنا.
الثانية: حكم السارق والمالك في المال المسروق، فأنكر ونكل وحلف المالك، وقلنا: يثبت القطع باليمين المردودة عند الحاكم.. فكذلك المحكم، ولو أقام بينة.. ففي ثبوت القطع تردد.
5903 - قول " المنهاج " [ص 558]: (وفي قول: لا يجوز) جرى على طريقة القولين، ولم يحك الرافعي غيرها، لكن طريقة العراقيين القطع في المال، وحكاها في " الكفاية " عن الجمهور، وعليها مشى " التنبيه "، فلم يحك خلافًا في التحكيم في المال، وإنما حكى الخلاف في أنه يلزم بنفس الحكم أم لا 3.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل هذا القول فيما إذا لم يكن أحد المحكمين الإمام والآخر منازعه في الإمامة.. فيجوز هنا التحكيم قولًا واحدًا؛ لإجماع الصحابة في قضية على ومعاوية رضي الله عنهم، وكذا لا خلاف في تحكيم الإمام وأهل قلعة من الكفار في نزولهم على حكم فلان، وكذا إذا خلا الزمان عن قيام الإمام بأحكام الإسلام فينفذ حكم المحكم قطعًا، ذكره الإمام في " الغياثي "، قال شيخنا: وينبغي هنا أن يستوفي العقوبات المتعلقة بالآدميين ويحبس في حقوقهم.
5904 - قوله: (ولا ينفذ حكمه إلا على راض به) 1 و" الحاوي " [ص 667]: (والحكم على الراضي) قال في " أصل الروضة ": قال السرخسي: وإنما يشترط رضا المتحاكمين إذا لم يكن أحدهما القاضي نفسه، فإن كان.. فهل يشترط رضا الآخر؛ فيه اختلاف نص، والمذهب: أنه لا يشترط، وليكن هذا مبنيًا على جواز الاستخلاف إن جاز؛ فالمرجوع إليه نائب القاضي 2.
وقال ابن الرفعة: لا يحسن هذا البناء؛ فإن ابن الصباغ وغيره قالوا: إن التحاكم إلى الشخص لا يكون تولية.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج " وقضية هذا البحث: أنا إن لم نجوز الاستخلاف.. اشترط الرضا من الجانبين، وهو ظاهر، قال: وقضية ذلك: أن يشترط الرضا من الجانبين في التنازع مع الإمام في مال إذا جعلناه محكمًا من متنازعين ولم يجعله نائب الإمام، وقال الشيخ أبو حامد في تحاكم عمر وأبَيّ إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم: فدل على أن حكمه لازم إجماعًا منهم على ذلك، وقال في " الشامل ": لا يصير برضا الإمام بحكمه حاكمًا.
5905 - قول " التنبيه " [ص 251]: (ويجوز أن يكون في البلد قاضيان وأكثر، ينظر كل واحد منهم في موضع) كذا لو اختص أحدهما بزمن أو نوع، ذكره " المنهاج "، قال [ص 558]: (وكذا إن لم يخص في الأصح، إلا أن يشرط اجتماعهما على الحكم) وفيه أمور:
أحدها: أن عبارة " المنهاج " [ص 558]: (ولو نصب قاضيين) فقد يفهم اختصاص ذلك باثنين، ورفع " التنبيه " هذا الإبهام بقوله: (وأكثر) ولكنه لم يذكر لذلك حدًا، وقد قال الماوردي: إن كثروا - يعني: والصورة إثبات الاستقلال لكل واحد -.. لم يصح جزمًا، ولم يحد الكثرة بشئ، وفي " المطلب " بعد حكايته لجواز أن يناط ذلك بقدر الحاجة.. وعندي أن يرجع في ذلك إلى العرف.
ثانيها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن ظاهره التخصيص بمكان الحكم، وهذا لا يخلص في الجزم بالجواز؛ لأنه إذا خصص مكان الحكم، ولكن عمم مكان الطلب.. فلا يجزم فيه بالجواز؛ لأن المعنى المذكور في توجيه المنع من تنازع الخصمين في اختيارهما وفي إجابة داعيهما موجود هنا، قال: فالصواب أن يقال: وخصص كلًا منهما بمكان حكمًا وطلبًا.
ثالثها: أن محل الخلاف: فيما إذا جعلهما أصلين، فإن جعل أحدهما.. أصلًا والآخر خليفة عنه.. جاز قطعًا؛ لأن المعنى المقتضي للمنع: تنازع الخصمين في اختيارهما وإجابة داعيهما، وهنا يجاب داعي الأصل كالإمام مع القاضي.
رابعها: أن تعبيره بالأصح يقتضي أنه وجه، وقد نص عليه الشافعي كما حكاه في " البحر "، وقوة مقابله مع أنه ضعيف جدًا.
خامسها: دخل في قوله: (وكذا إن لم يخص) 1 قسمان: أحدهما: أن ينص على التعميم، ويثبت لكل منهما الاستقلال، وفيه الوجهان، والآخر: أن يطلق، فلا يشرط اجتماعًا ولا استقلالًا؛ فقال صاحب " التقريب ": يحمل على إثبات الاستقلال تنزيلًا للمطلق على ما يجوز، وقال غيره: التولية باطلة، قال النووي: الأول أصح، وبه قطع في " المحرر " 2.
قال شيخنا ابن النقيب: وليس في " المحرر " إلا هذا الإطلاق الذي في " المنهاج "، فهو ظاهر في التعميم 3.
وقال في " المهمات ": ما ذكره من قطع " المحرر " غلط، بل حكى وجهين.
قلت: لم يقل النووي أن " المحرر" قطع بالجواز، بل قال: إنه قطع بما قاله في " التقريب "، وهو إلحاق صورة الإطلاق بصورة إثبات الاستقلال، وتلك فيها وجهان؛ فهذه أيضًا كذلك، فلا إيراد عليه.
قال في " المهمات ": ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا قال الموصي: أوصي 4 إلى من شئت أو إلى فلان، ولم يقل: عني ولا عنك.. فصحح البغوي: أنه يحمل على كونه عن الوصي حتى لا يصح، ولم ينزل المطلق على ما يجوز.
قلت: ويمكن الفرق: بأن الأصل منع وصاية الوصي إلا إن صرح الموصي بأن يوصي عنه، بخلاف تولية القضاء؛ فإنه جائز، والظاهر من اللفظ إرادة الاستقلال.
سادسها: ما ذكره من البطلان عند شرط اجتماعهما على الحكم قاله في " النهاية " 5، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه ليس بمعتمد، والذي نقوله أحد وجهين إما صحة التولية وإلغاء الشرط [وهو الأرجح] 6، وإما صحة الشرط ولا يحكمان إلا بما يتفقان عليه، وهو الذي في زوائد العمراني عن القاضي أبي حامد، وقال: إنهما يجريان مجرى القاضي الواحد؛ ويؤيده صورة النزول من القلعة على حكم اثنين؛ فإنه جائز، ولا يحكمان إلا بما يتفقان عليه.
فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه]
5906 - قول " المنهاج " [ص 558]: (جن قاضٍ، أو أغمي عليه، أو عَمِيَ، أو ذهبت أهلية اجتهاده وضبطه بغفلةٍ أو نسيان.. لم ينفذ حكمه) قد يُفْهِمُ بقاءه على ولايته وإن لم ينفذ حكمه؛ كمن هو في غير ولايته، وفائدته استمرار ثوابه، وليس كذلك، فلو قال: (انعزل) كما عبر به " الحاوي " 1.. لكان أولى، وهذا هو مراده؛ لقوله بعده: (فإن زالت هذه الأحوال.. لم تعد ولايته في الأصح) 2.
ويستثنى من العمى: ما لو عمي بعد سماع البينة وتعديلها.. فالأصح: أنه ينفذ قضاؤه في تلك الواقعة إن لم يحتج إلى الإشارة، كما ذكره في " الروضة " في الشهادات 3، ولا يخفى أن تعبير " المنهاج " بذهاب أهلية اجتهاده... إلى آخره، أعم من تعبير " الحاوي " عن ذلك بالنسيان.
5907 - قول " المنهاج " [ص 558]: (وكذا لو فسق في الأصح) نازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في إثبات خلاف ذلك، وقال: لا يعرف في شيء من كتب الطريقين، وإنما حكى الإمام في " النهاية " عدم انعزاله عن بعض الأصوليين 4، قال: والصواب الذي يقتضيه كلام الشافعي رضي الله عنه وأصحابه: القطع بالانعزال بالفسق المنافي لابتداء الولاية.
5908 - قوله: (فإن زالت هذه الأحوال لم تعد ولايته في الأصح) 5 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله في غير المريض الذي حصل له ما يمنعه من الاجتهاد من غير حصول إغماء؛ فإنه وإن لم ينفذ حكمه فيه.. لا ينعزل إذا كان مرجو الزوال، فإذا زال المانع.. فولايته مستمرة قطعًا، ذكره الماوردي 6، وهو الصواب، ولا توقف فيه.
5909 - قوله: (وللإمام عزل قاض ظهر منه خللٌ، أو لم يظهر وهناك أفضل منه أو مثله وفي عزله به مصلحة كتسكين فتنة، وإلا.. فلا) 7 فيه أمور:
أحدها: أن ذلك لا يختص بالإمام؛ فالقاضي مع نوابه كذلك؛ ولذلك لم يقيده " الحاوي "
بالإمام 1، وقال الماوردي: للقاضي عزل خليفته من غير موجب بناء على انعزاله بموته 2، وكذا قال السبكي في تصنيف له: له عزله لمصلحة وغيرها؛ لأنه يستعين به، ولو باشر الأحكام كلها بنفسه.. لجاز، فكيف يحجر عليه إذا استناب أن لا يعزل إلا لمصلحة، لكن الأولى أن لا يفعله إلا لمصلحة؛ لما فيه من كسر القلوب بغير فائدة، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأرجح عندنا: خلاف ما ذكر الماوردي.
ثانيها: قد يفهم من قوله: (ظهر منه خلل) ثبوته، وليس كذلك؛ ففي " أصل الروضة " عن " الوسيط ": أنه يكفي فيه غلبة الظن 3، وجزم به في " الشرح الصغير "، وعبارة " الحاوي " [ص 659]: (ويُعزل بخلل).
ثالثها: محل جواز عزله بالخلل ما إذا كان غير متعين، فإن لم يصلح غيره.. لم يعزل بمجرد الخلل الذي لا يقتضي انعزاله، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: وهذا لا توقف فيه وإن لم يصرحوا به، ولكنهم ذكروا ما يقتضيه.
رابعها: قد يفهم أن قوله: (وفي عزله به مصلحة) أن يعود للصورتين قبله، وليس كذلك؛ فإنما يعود للثانية فقط، وهي ما إذا كان هناك مثله، وعبارة " الحاوي " صريحة في ذلك؛ لقوله [ص 659]: (وأصلح، ومصلحة) فعطفها عليها يقتضي أنها غيرها.
خامسها: أن عبارته تقتضي أنه لا يعزل بدونه إذا كان فيه مصلحة، وليس كذلك، بل المثل والدون في هذا سواء، وقد تناول الدون قول " الحاوي " [ص 659]: (ومصلحة).
سادسها: ذكر في " المحرر " في العزل بالمثل قيدًا آخر أسقطه " المنهاج "، وهو: أن لا يكون في عزله به فتنة 4، ولا يستغنى عنه بقوله: (وفي عزله به مصلحة) فقد يكون الشيء مصلحة من وجه ومفسدة من جهة أخرى.
5910 - قول " المنهاج " [ص 559]: (لكن ينفذ العزل في الأصح) و" الحاوي " [ص 659]: (ودونه نفذ) لا يخفى أن محله في غير المتعين، ثم في " النهاية " عن الأصحاب: أنه إن عزله بمن هو دونه.. لم ينفذ على ظاهر المذهب، أو بمن هو مثله.. فعلى قولين، كذا رتبه القاضي، وقال الإمام: الوجه القطع بنفوذه في كل صورة 5.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وظهر بذلك أن الذي ذكره في " المنهاج " مخالف للطريقين معًا.
5911 - قول " المنهاج " [ص 559]: (والمذهب: أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله) يفهم انعزاله ببلوغ خبره، وبه صرح " الحاوي " 1، واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " ما إذا لم يبلغ نوابه خبر عزله.. فولايته مستمرة حكمًا، وإن كان لا ينفذ حكمه، ويستحق ما رتب له على الوظيفة لسدها بنائبه، قال: والقياس في عكسه: أن النائب لا ينعزل حتى يبلغ أصله خبر العزل، وينفذ حكمه كما ينفذ حكم أصله، قال: ولم أر من تعرض له.
5912 - قول " المنهاج " [ص 559]: (وإذا كتب الإمام إليه: " إذا قرأت كتابي.. فأنت معزول "، فقرأه.. انعزل) لا يتوقف ذلك على القراءة الحقيقية، فلو تأمله وعرف ما فيه.. انعزل، وفي " النهاية " في الطلاق: لم يختلف علماؤنا أنها إذا طالعته وفهمت ما فيه.. أنه يقع الطلاق وإن لم تتلفظ بشيء 2.
5913 - قوله: (وكذا إن قُرئ عليه في الأصح) 3 مخالف لنظيره في الطلاق، قال في " المهمات ": والصواب التسوية بين البابين، وعدم الاكتفاء بها.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": العزل بذلك قاله الصيدلاني، وفرق بينه وبين الطلاق: بأن تفاصيل الصفات مرعية في تعليق الطلاق، وأمر العزل يُرعى فيه الإعلام، ولا يرد على دقائق الصفات، ولو راعى الإمام غير الإعلام.. لكان في مقام [العابث] 4، قال الإمام: وهو حسن، ولكن اتفق الأصحاب على التسوية بين هذا وبين الطلاق في الوفاق والخلاف 5.
5914 - قوله: (وينعزل بموت القاضي وانعزاله مَنْ أُذِنَ له في شغلٍ معينٍ كبيع مال [يتيم]) 6 7، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن كان له يتيم.. فهذا قيم يتيم، وقيم اليتيم لا ينعزل بموت القاضي ولا بانعزاله كما سيأتي.
قلت: قيم اليتيم متصرف في جميع أموره، وهذا مأذون له في قضية خاصة، وهي البيع، فلم يجعله القاضي قيمه، وإنما استعان به في أمر مخصوص، والله أعلم.
5915 - قول " المنهاج " [ص 559]: (والأصح: انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذن له في الاستخلاف، أو قيل له: " استخلف عن نفسك "، أو أطلق، فإن قيل له: " استخلف عني ".. فلا) و" الحاوي " [ص 659]: (وبنعزل ونائبه، لا العام عن الإمام) ما ذكراه في حالة الإطلاق مخالف ما صححاه في نظيره من الوكالة من أنه يكون نائبًا عن الأول حتى لا ينعزل بعزل الثاني.
قال في " المهمات ": ولعل العكس أقرب، لكن حكيا عن تصحيح البغوي فيما لو قال الموصي للوصي: أوص، وأطلق.. أنه كما لو قال: (عنك) حتى لا يصح، وصححا فيما لو قال: أعتق عبدك على ألف.. أنه كما لو قال: (عن نفسك).
وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن التفصيل المذكور هنا لا يعرف في شيء من كتب المذهب، إلا في كلام البغوي والخوارزمي، قال: والأرجح عندنا: ما حكاه الشيخ أبو حامد عن عامة أصحابنا: بأنه لا ينعزل مطلقًا كالإمام إذا مات.
وفي " أصل الروضة " عن السرخسي: أن الإمام لو نصب نائبًا عن القاضي.. لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون له من جهة الإمام، قال الرافعي: ويجوز أن يقال: إذا كان الإذن مقيدًا بالنيابة ولم يبق الأصل.. لم يبق النائب.
انتهى 1.
ويوافق هذا البحث حكاية الماوردي وجهين في أنه هل للقاضي عزل هذا الذي استنابه الإمام عن القاضي؟ فإنه متى كان له عزله.. انعزل بموته 2.
5916 - قول " المنهاج " [ص 559]: (ولا ينعزل قاضٍ بموت الإمام) زاد " الحاوي " [ص 659]: (وانعزاله) واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما إذا أقامه قاضيًا ليحكم بين الإمام وبين خصمائه.. فإنه ينعزل بموت الإمام؛ لزوال المعنى المقتضي لذلك، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفقهه واضح.
قلت: ليس هذا قاضيًا عامًا، وإنما هو مأذون له في شغل معين، فينعزل بموته، ولو لم يتعذر ذلك الشغل، فكيف وقد تعذر بموت أحد الخصمين، والله أعلم.
5917 - قول " المنهاج " [ص 559]: (ولا يقبل قوله بعد انعزاله: " حكمت بكذا ") فيه أمران:
أحدهما: يستثنى منه: ما إذا انعزل بالعمى.. فتقدم إن له إنشاء الحكم إذا استوفى الشروط قبله، ولم يحتج لإشارة؛ فالإقرار به أولى، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم من أر من تعرض له، وهو فقه دقيق.
ثانيهما: في معنى قوله: (حكمت بكذا) ثبت عندي كذا، وعقدت نكاح فلانة على فلان، وبعت كذا على محجوري بالحكم، فلو قال: (صرفت مال الوقف لجهته العامة، أو في عمارته التي تقتضيها الحال).. قبل قوله بلا يمين، ولو قال: المال الذي في يد هذا الأمين سلمته له زمن قضائي، وهو لزيد، وصدقه الأمين على أنه تسلمه منه، وادعى أنه لعمرو.. فالقول قول القاضي بلا يمين، وهل يغرم الأمين لعمرو؟ فيه وجهان، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح: أنه لا يغرم له شيئًا، ولو لم يصدقه الأمين في تسلمه منه فالقول قول الأمين.
5918 - قوله: (فإن شهد مع آخر بحكم حاكم جائز الحكم.. قبلت في الأصح) 1 و" الحاوي " [ص 660]: (ويشهد بشاهدٍ إن قضى به قاضٍ) محله: ما إذا لم يعلم القاضي أنه يعني نفسه؛ فإن للرافعي احتمالين في أن الخلاف فيما إذا لم يعلم القاضي أنه يعني نفسه، فإن علم.. فهو كما لو أضاف إلى نفسه، أو الخلاف فيما إذا علم، وإلا.. قبل قطعًا، وصحح النووي: الأول 2.
لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": قد يظهر أن الثاني أرجح؛ لأن القاضي إذا علم.. جاز الوجهان في الرد وعدمه، فإذا لم يعلم.. فالقبول مقطوع به؛ إذ لا خلل في لفظ الشاهد ولا في علم القاضي.
انتهى.
وفي " المهمات ": أن الاحتمال الثاني لا يتصور هنا؛ لأنه علل المنع؛ فإنه قد يريد نفسه، ولو كان محلهما: ما إذا علم.. لم يصح هذا التعليل؛ لأنه تعليل لمحل النزاع، ثم قال: إن كلام الأصحاب يدل على الاحتمال الثاني؛ فإن الإمام علل وجه المنع بأن الظاهر أنه يعني نفسه 3، وعلله الماوردي بجواز أن يكون هو الحاكم به 4، وعلل البغوي القبول بأن الظاهر أنه يريد حكم غيره 5، ويوافقه قوله في " فتاويه " فيما لو باع دارًا، فغصبت من المشتري، فشهد له البائع بالملك.. يقبل، ولا يرد القاضي شهادته بعلمه أنه باعها كما لا ترد شهادة من علم أنه شهد بالملك بظاهر اليد، وإن كان لو صرح لم يقبل، فلو صرح الشاهد الآخر بأن المعزول حكم به.. قبل على الاحتمال الثاني؛ لأنا لا نعتني تفريعًا عليه إلا بتصحيح الصيغة، قاله الرافعي 6.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو مردود؛ فإن الشهادة على حاكم واحد لم يتم النصاب
فيها، ولو علم القاضي أن المعزول يريد نفسه.. فليس قاطعًا بذلك عند أداء الشهادة؛ لجواز أن يريد غيره، فلم تتفق الشاهادتان على حاكم واحد تعين في أداء شهادتهما وَحْدَتُه.
5919 - قول " المنهاج " [ص 559]: (ولو ادعى شخصٌ على معزولٍ أنه أخذ ماله برشوةٍ أو شهادة عبدين مثلًا.. احضر وفُصِلَتْ خصومتهما) و " التنبيه " [ص 253، 254]: (فإن ادعى عليه مالًا غصبه أو رشوة أخذها على حكم.. أحضره) فيه أمران:
أحدهما: قد يفهم تعين إحضاره، وليس كذلك، فله إرسال وكيله، ذكره في " المطلب "، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو واضح؛ لأن في إحضاره من [الإهانة] 1 ما لا يستحقه بمجرد الدعوى.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: مقتضاه: أنه يحلفه هنا بلا خلاف، بخلاف الصورة التي ستأتي بعدها، وليس كذلك؛ فقد قال القاضي أبو الطيب: إن فيها الخلاف الآتي بعدها، وبه جزم ابن الصباغ، فقال: كان القول قول المعزول بلا يمين.
5920 - قول " التنبيه " [ص 254]: (وإن قال: " حكم عليّ بشهادة فاسقين أو عبدين ".. فقد قيل: يحضره، وقيل: لا يحضره حتى يقيم المدعي بينة أنه حكم عليه) فيه أمور:
أحدها: محل الخلاف: ما إذا لم يذكر مالًا، وقد قيده به " المنهاج " 2، فإن ادعى أنه أخذه منه بشهادتهما ودفعه إلى فلان.. أحضره قطعًا.
ثانيها: الأصح في " المنهاج " و" التصحيح " الأول 3، وكذا صححه في " أصل الروضة " 4، مع أن الرافعي إنما نقل تصحيحه في " الشرح " عن الروياني وغيره، وتصحيح مقابله عن البغوي 5، وكلامه في " الشرح الصغير " يقتضي ترجيح الثاني؛ فإنه اقتصر على حكاية ترجيحه عن البغوي، ولم ينقل ترجيح الأول عن أحد، وكذا قال في " المحرر " عن الثاني: رجحه مرجحون 6.
قال في " الدقائق ": وليس ما في " المنهاج " مخالفًا لما في " المحرر " لأنه لا يمنع أن الأول رجحه آخرون أو الأ كثرون، قال: وقد صحح هو الأول في "الشرح " وصححه آخرون.
انتهى 7.
وقد عرفت أنه لم يصححه في " الشرح "، وإنما حكى تصحيحه عن الروياني وغيره مع نقل تصحيح مقابله عن البغوي، وعادته في " المحرر " إذا اقتصر على حكاية ترجيح أحد الوجهين ولو مبهمًا بقوله: (رجح).. اعتمد في " المنهاج " ترجيحه، فما باله خالف هنا عادته.
وقال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": إن اقتضى ما في " المحرر " عكس ما صححه في " المنهاج ".. فالمخالفة واضحة، وإن لم يقتض تصحيحه من غير تنبيه عليه.
وقال في " التوشيح ": هذا الثاني هو الذي ظهر من كلام الوالد رحمه الله تعالى ترجيحه، ذكره في كتاب التعريف.
ثالثها: ليس المراد على الوجه الثاني: أن البينة تقام في غيبته ويحكم بها، بل المراد: أن لا يحضره إلا بعد التثبت؛ بأن يقيم بينة بعلم القاضي بها أن لدعواه حقيقة، فإذا حضر وادعى عليه.. شهدوا في وجهه.
5921 - قول " التنبيه " [ص 254]: (فإن حضر وقال: " حكمت عليه بشهادة حرين عدلين ".. فالقول قوله مع يمينه، وقيل: القول قوله من غير يمين، والأول أصح) كذا صححه في " المنهاج " من زيادته 1، ولم يصرح في " الروضة " بتصحيح، وعبارته: صدق بيمينه على الأصح عند العراقيين والروياني كالمودع وسائر الأمناء، وقيل: يصدق بلا يمين، وبه قال ابن القاص والإصطخري وصاحب " التقريب " والماوردي، وصححه الشيخ أبو عاصم والبغوي 2.
وحكى النشائي في " نكته ": أن الرافعي قال: والأحسن ما صححه الشيخ أبو عاصم... إلى آخره 3، وهو تحريف، وإنما قال: وهذا أحسن وأصح عند الشيخ أبي عاصم... إلى آخر كلامه 4، فأسقط في " الروضة " لفظة (أحسن)، وفهم في " المهمات " أن قوله: إنه أحسن من عند الرافعي غير منقول عن أبي عاصم؛ ولذلك اقتصر عليه في " الشرح الصغير " و" المحرر " فقال: أحسنهما بلا يمين 5، ولم يذكر فيهما ترجيح غيره عن أحد، ويوافقه كلام " أصل الروضة " في الباب الثالث من الدعوى والبينات 6، وحكى في " التوشيح " عن والده: أنه صححه، وعليه مشى " الحاوي " فقال فيمن لا يحلف [ص 687]: (والقاضي وإن عُزِلَ).
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه الأصح المعتمد؛ فإن منصب القضاء والشهادات شرع
للمصلحة العامة، فلا يليق بمن يقوم به تحليفه فيما يتعلق به؛ لئلا يؤدي إلى الرغبة عنه؛ ولهذا لا يحلف المتولي كما سيأتي، ثم نازع شيخنا في نسبة تصحيح التحليف للعراقيين؛ بأن صاحب " الشامل " حكى الوجهين بلا ترجيح، وجزم فيما إذا قال المدعي: أخرج عقارًا أو عينًا من يدي دفعها لفلان بغير حق، فقال المعزول: فعلت هذا بحق من بينة أو إقرار.. أن القول قول المعزول بلا يمين.
5922 - قول " المنهاج " [ص 559]: (ولو ادُّعِيَ على قاضٍ جورٌ في حكمٍ.. لم تسمع، وتشترط بينة) علله الرافعي وغيره: بأن هذا الباب لو فتح.. لاشتد الأمر، ورغب القضاة والشهود عن القضاء والشهادة 1.
وعلله السبكي: بأن القاضي نائب الشرع، والدعوى على النائب كالدعوى على المستنيب، والدعوى على الشرع لا تسمع، فإن فرض قيام بينة عادلة.. فقد خرج عن نيابة الشرع، فتسمع إذ ذاك، قال: وهذه العلة ترد على الشيخ أبي حامد قوله: إن قياس المذهب: تحليف القاضي كسائر الأمناء، فيقال: الفرق بينه وبينهم أنه أمين الشرع، بخلافهم.
وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن محل عدم إحضاره عند فقد البينة: إذا لم يكن المشكو إليه الإمام.. فللإمام إحضاره إن رأى ذلك؛ لأنه ليس نقصًا في حقه، قال: وكذا نائب الإمام العام، فأما قاض مثله.. فليس له ذلك، إلا إذا اشتهر جور ذلك القاضي.. فيستغنى بذلك عن البينة.
5923 - قوله: (وإن لم تتعلق بحكمه.. حَكَمَ بينهما خليفته أو غيره) 2 قال السبكي: هذا إذا كانت الدعوى بما لا يقدح فيه، ولا يخل بمنصبه، ولا يوجب عزله، فإن كانت بقادح.. فالقطع بأنها لا تسمع، ولا يحلف، ولا طريق للمدعي حينئذ إلا البينة، قال: ولا يعارض قولهم بسماع الدعوى على المعزول بالغصب والإتلاف؛ لأمرين:
أحدها: أن الإتلاف والغصب قد يكون بغير تعمد للباطل، فليس بقادح.
والثاني: أنه بعد العزل، وكلامنا هنا في حال الولاية، فالمتولي نائب الشرع، والمعزول ليس نائب الشرع الآن، قال: وسواء كانت الدعوى تتعلق بالحكم أم خارجة عنه.. فإن يده يد الشرع، ثم قال: بل أقول: سواء أكان يقدح فيه أم لا يقدح.. ينبغي أن يصان منصبه عن الابتذال بالدعوى والتحليف ما لم يظهر للقاضي عنده صحة دعوى المدعي، ومتى لم يظهر.. يبنى الأمر على الظاهر، ومتى ثبت عنده من أمانته، قال: بل أقول: كل من ثبتت عدالته وادعي عليه بدعوى..
ينبغي للقاضي أن ينظر فيها، وفي إنكار ذلك العدل لها، فإن كان يمكن أن تكون عن سهو وغفلة أو اجتهاد وتأويل ونحوه بحيث لا يخل بعدالته.. فيسمعها ويفصلها بيمين أو ببينة كغيرها، إلا أن يظهر له من المدعي تعنت.. فيدفعه، وإن كان إنكاره لا يمكن أن يكون إلا قادحًا فيه.. فينبغي أن لا تسمع دعوى المدعي وطلبه تحليفه إلا أن يأتي ببينة، وذلك لأن ما يدعيه والحالة هذه مخالف لما ثبت من عدالته، وله طريق وهو البينة، ولم يقم لنا دليل من الشرع على أن كل دعوى مسموعة، بل على أن الناس لو أعطوا بدعواهم.. لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
ومعنى هذا: دفع أن يعطى الناس بدعواهم، وإنما يعطى المدعي حيث يعطى بالبينة أو بإقرار المدعى عليه، وإن لم يكن كذلك.. فلا يعطى ويحلف المدعى عليه حيث تسمع دعوى المدعي، وأما متى تسمع؛ فليس في اللفظ تعرض لبيان، وهو مفوض إلى رأي القاضي، فإن رآها محتملة.. سمعها، أو مستحيلة.. ردها، وقد تختلف حال احتمالها، وهو مفوض إلى اجتهاده، وقد يستوي الأمران عنده.. فيسمعها بشروطها على من يسوغ سماع الدعوى عليه، وعند قوة كذبه ينبغي ألا يسمعها؛ فليس في الشرع ما يوجب سماع كل دعوى، ألا ترى أن في القسامة لما قوي جانب المدعي في اللوث.. كانت اليمين في جانبه، وترجح على جانب المدعى عليه؛ فلذلك إذا قوي جانب المدعى عليه.. ينبغي أن تندفع عنه اليمين حتى تقوم بينة تكون الحجة فيها أقوى من ظاهر حاله؛ فباب القسامة فتح لنا اعتماد الظنون.
انتهى.
فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]
5924 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وإذا ولى الإمام رجلًا.. كتب له العهد) و" المنهاج " [ص 560]: (ليكتب الإمام لمن يوليه) قد يفهم وجوبه، وليس كذلك، بل هو استحباب صرح بذلك جمع من الأصحاب، ولا خلاف فيه، قاله شيخنا في " تصحيح المنهاج "؛ ولهذا لم يذكره " الحاوي "، ولا يختص ذلك بالإمام؛ فقاضي الإقليم إذا ولى نائبًا في عمل من إقليمه.. يستحب أن يكتب له تقليدًا بما فوضه إليه وبما يشترطه عليه.
5925 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وأشهد على التولية شاهدين) أحسن من قول " المنهاج " [ص 560]: (ويُشهد بالكتاب شاهدين) لأن الاعتماد على التولية دون الكتاب، قال الأصحاب: ليس هذا على قواعد الشهادات؛ إذ ليس هناك قاض يؤدي عنده الشهادة، قاله في " أصل الروضة " 1.
وفي كلام الماوردي: أن الشاهدين يشهدان عند أهل البلد بالولاية، وأقام صاحب " المطلب " هذين الكلامين وجهين.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أنه إذا كان المدار على الإخبار، وأنه ليس على قواعد الشهادات.. فينبغي أن يكتفى بواحد؛ لأن هذا من باب الخبر، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
5926 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وقيل: إن كان البلد قريبًا بحيث يتصل به الخبر.. لم يلزمه الإشهاد) هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 560]: (وتكفي الاستفاضة في الأصح) وظاهره تبعًا " للمحرر " الاكتفاء بها ولو كان البلد بعيدًا 1، لكن رجح في " الروضة " وأصلها: أن ذلك في البلد القريب، ثم قال: ومن الأصحاب من أطلقهما ولم يفرق بين القريب والبعيد، قال ويشبه أن لا يكون خلاف ويكون التعويل على الاستفاضة 2.
ومشى " الحاوي " على الإطلاق كما سنحكي عبارته، وظاهر قول " التنبيه " [ص 251]: الم يلزمه الإشهاد) لزوم الإشهاد في غير هذه الصورة، وليس كذلك، وإنما المراد توقف الثبوت على الإشهاد؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 659]: (ويثبت بشاهدين أو شهرةٍ) وظاهره انحصار ثبوته في ذلك، وعليه يدل قول "المنهاج " [ص 560]: (لا مجرد كتاب على المذهب) وأراد به: القطع بذلك؛ فإن عبارة "الروضة": هو المذهب والمفهوم من كلام الجمهور، وذكر الغزالي فيه وجهين 3.
وهذه الطريقة هي التي في " المحرر " فقال: (فيه وجهان)، أظهرهما: لا 4.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضاه: أن الخلاف في مجرد الكتاب، وليس كذلك، بل الخلاف في الكتاب مع قول المتولي وظهور مخايل الصدق، وهو مقتضى نصوص الشافعي، بل نصه في " الرسالة " في تثبيت خبر الواحد يقتضي الاكتفاء بقول من تولى العمل إذا كان معروفًا بالصدق عند أهل عمله 5.
5927 - قول " المنهاج " [ص 560]: (ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله) زاد " التنبيه " [ص 251]: (قبل دخوله) وفي " الروضة ": إذا أراد الخروج إلى بلد قضائه.. سأل، فإن لم يتيسر.. ففي الطريق، فإن لم يتيسر.. فحين يدخل 6.
5928 - قول " المنهاج " [ص 560]: (ويدخل يوم الإثنين) عبارة " التنبيه " [ص 251]: (والمستحب أن يدخل صبيحة يوم الإثنين) فزاد دخوله صبيحته، قال: (وإن فاته.. دخل السبت أو الخميس) 1، وعبارة " الروضة ": قال الأصحاب: فإن تعسر يوم الاثنين.. فالخميس، وإلا.. فالسبت 2.
فبيّن تقديم الخميس على السبت.
5929 - قولهم - والعبارة " للتنبيه " -: (وأول ما ينظر فيه أمر المحبسين) 3 قال الإمام: إنه على وجه الوجوب 4، وفي الرافعي في أواخر الآداب: إنه سنة 5، ولو قال " التنبيه ": (المحبوسين).. لكان أولى من المحبسين، وأفصح.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومحله: ما إذا لم يكن هناك أمر أهم منه؛ كالنظر في المحاجير الجائعين الذين تحت نظره، وما أشرف على الهلاك من الحيوانات في التركات وغيرها، وما أشرف من الأوقاف وأملاك محاجيره على السقوط بحيث يتعين الفور في تداركه ونحو ذلك 6، وذكر الماوردي: أنه قبل النظر في المحبسين يتسلم المحاضر والسجلات من القاضي المنصرف، وأموال الأيتام والضوال والوقوف، والذي ذكرناه أهم وأولى.
انتهى 7.
5930 - قول " التنبيه " [ص 253]: (فمن حبس بحق.. رده إلى الحبس) و" المنهاج " [ص 560]: (فمن قال: " حبست بحق ".. أدامه) ليس على إطلاقه، بل إن كان حدًا.. أقامه، وأطلقه، وإن كان مالًا.. أمر بأدائه، فإن ادعى الإعسار.. فعلى ما سبق في التفليس، فإن لم يؤد ولم يثبت إعساره.. رد إلى الحبس، وإن أدى أو ثبت إعساره... نؤدي عليه؛ لاحتمال خصم آخر، فإن لم يحضر أحد.. أطلق.
ولا إيراد على " المحرر " لأنه عبر بقوله: (أمضي الحكم عليه) 8، وهو صادق بما فصلناه.
ويستثنى من ذلك: ما إذا حبس تعزيرًا ورأى القاضي إطلاقه، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 660]: (وللتعزير إن رأى) وفيه تقييد لإطلاق الغزالي إطلاقه؛ فإن الرافعي قال بعد نقله عنه:
وأن معظم الكتب ساكتة عنه، ولو بانت [خيانته] 1 عند الثاني ورأى إدامة حبسه.. فالقياس: الجواز 2.
وفي " الكفاية " عن " الحاوي " و" البحر ": لو قال: حبسني تعزيرًا للرد كان مني.. فقد استوفى حبس التعزير بعزل الأول، وإن لم يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول؛ لأن الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره 3، وحكاه في " المهمات " عن " المحيط " لمحمد بن يحيى.
5931 - قول " المنهاج " [ص 560]: (أو ظلمًا.. فعلى خصمه حجة) أورد عليه: أنها عبارة غير مستقيمة، ولا مطابقة " للمحرر " فإن الذي فيه إنما هو فيما إذا قال: حبست ظلمًا 4، وكذا قال في " الحاوي " [ص 660]: (وعلى خصم زاعم الظلم الحجة) ولما عبر " التنبيه " [ص 253] بقوله: (ومن حبس بغير حق).. قال: (خلاه)، وكيف يستقيم مع الجزم بأنه محبوس ظلمًا أن يقول لخصمه: أقم حجة بما عرفنا أنه ظلم والقاضي لا يقضي بخلاف علمه؟ وإنما يستقيم هذا الحكم - وهو إلزام خصمه الحجة - إذا كان هو القائل: حبس ظلمًا، وخصمه ينازعه.
كذا أورد.
والحق أنه لا يرد؛ لأن قول " المنهاج ": (ظلمًا) هو معمول قول المحبوس: (حبست) فهو في ذلك " كالمحرر " و" الحاوي ".
ونازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في هذا الحكم، وقال: إنه ممنوع؛ فإن الظاهر: أن حبس الحاكم بحق، فالمحبوس حينئذ هو المدعي وخصمه هو المدعى عليه؛ فالقول قول خصمه بيمينه، ولا يكلف حجة؛ لأن معه حجة سابقة، وقد اعترف المحبوس بها، وهي أن الحاكم حبسه، وقد جزم الفوراني بأنه لا يقبل قوله، وقال الماوردي فيما إذا ادعى أن الحاكم حبسه بغير حق لغير خصم: إن شهدت بينة بأنه حبس بحق.. عزر في جرحه لحابسه، أو ظلمًا.. نادى ثلاثًا في حضور خصم إن كان له، وأطلق بعد الثلاث إن لم يحضر، وإن لم تقم بينةٌ بأحدهما.. أعاده إلى الحبس حتى ييأس بعد الكشف من ظهور حق عليه، وطالبه بكفيل بنفسه ثم أطلقه، ثم قال: فإن قيل: فالكفالة في النفس لا تصح إلا فيمن ثبت عليه حق قبل الحبس من جملة الحقوق، فإن عدم كفيلًا.. استظهر في بقاء حبسه على طلب كفيل، ثم أطلقه عند إعوازه، وهو غاية ما يقدر عليه القاضي من استظهاره 5، قال شيخنا: والذي أوقع الرافعي في جزمه بهذا الحكم المخالف
للقواعد والشواهد كلام الغزالي تبعًا لإمامه، قال: والذي عندنا في ذلك أنه إن قال: حبست لغير خصم، فحضر رجل وقال: أنا خصمه، فأنكره.. اتجه أن القول قول المحبوس بيمينه، وعلى خصمه الحجة، وبهذا صوره ابن الصباغ وطائفة، وإن قال: حبست لفلان بغير حق.. فلا سبيل هنا إلى تصديق المحبوس بيمينه، وتكليف خصمه الحجة.
انتهى.
وقال الرافعي في قول " الوجيز ": (فيطلق كل من حبس بظلم) فإن المراد منه: إذا اعترف الخصم بأنه ظلمه، أو كان القاضي عالمًا وقلنا: يقضي بعلمه، فأما إذا قال المحبوس: أنا مظلوم.. فهو مذكور من بعد 1.
قال في " المهمات ": وتخريجه الإطلاق من الحبس عند علم القاضي بالظلم على القضاء بالعلم باطل؛ فإنه ذكر بعد هذا أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه بالإجماع، فلو رده إلى الحبس حتى يؤدي الحق المدعى به.. لكان قاضيًا بخلاف ما يعلمه.
5932 - قول " المنهاج " [ص 560]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 660]: (فإن كان غائبًا.. كتب إليه ليحضر) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أطلق إحضار هذا الغائب ولو بمسافة القصر فما فوقها بقضية لم يتوجه عليه فيها طلب وتعطل عليه أحواله وينفق فيها أمواله، وقد اعترف المحبوس أن القاضي حبسه للمذكور وإجابته إلى إحضاره من العجائب أن يصير المطلوب المحبوس طالبًا لمن له الحق عليه بمقتضى الظاهر من حبس القاضي المنصرف، وليس في الشريعة ما يشهد لهذا.
قلت: ليس المراد إلزامه بالحضور، بل إعلامه بذلك؛ ليلحن بحجته في إدامة حبس المحبوس إن كانت له بذلك حجة.
وعبارة " أصل الروضة ": وإن ذكر خصمًا غائبًا.. فقد قيل: يطلق قطعًا، والأصح: أنه على وجهين، فإن قلنا: لا يطلق.. حبس، أو يؤخذ منه كفيل ويكتب إلى خصمه في الحضور، وإن لم يفعل.. أطلق حينئذ.
انتهى 2.
وليس فيه تصريح بترجيح، لكن في بعض النسخ: على الوجهين؛ أي: فيما إذا كان خصمه ظاهرًا، ومقتضاه: تصحيح أنه لا يطلق كالحاضر، وعبارة الرافعي: فإن قلنا: يطلق.. فيحبس، أو يؤخذ منه كفيل، فذكر الكفيل تفريعًا على الإطلاق، ولم يخير بينه وبين الحبس تفريعًا على عدمه 3، فعبارة " الروضة " في ذلك غير مطابقة له.
5933 - قول " الحاوي " [ص 660]: (ونودي إن زعم الجهل، فإن لم يحضر.. أطلق) أي: بعد تحليفه على ما ادعاه؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص 253]: (ومن ادعى أنه حبس بغير خصم.. نادى عليه ثم يحلفه ويخليه) وظاهر كلامهما الاكتفاء بالنداء ساعة، وفي " تعليق القاضي الحسين ": نادى عليه ساعة أو ساعتين، وفي " الكفاية " عن " البحر ": ثلاثة أيام 1، وكذا في " الحاوي " للماوردي 2، ولم يتعرض الرافعي لقدر مدة النداء.
قال في " الوسيط " تبعًا للإمام: وفي مدة النداء لا يحبس ولا يخلى بالكلية، بل يرتقب 3.
5934 - قول " المنهاج " [ص 560]: (فمن ادعى وصاية.. سأل عنها وعن حاله وتصرفه، فمن وجده فاسقًا.. أخذ منه المال) يفهم أنه لا يأخذ منه إذا شك في عدالته، وهو أحد وجهين حكاهما في " الروضة " وأصلها بلا ترجيح 4.
وقال في " التوشيح ": الأرجح في النظر، وهو ما كتب لشاهده من صنيع الشيخ الإمام الانتزاع.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح عندنا: أنه ينتزعه منه، قال: ومحل [الوجهين] 5 ما إذا لم تثبت عدالته عند الأول، فإن ثبتت وأطلق تصرفه.. لم يكن للمتولي التعرض إليه مع الشك جزمًا، بخلاف ما إذا عدل الشاهد ثم شهد في واقعة أخرى بحيث طال الزمان.. فرجح في " الروضة " وأصلها: الاحتياج إلى الاستزكاء؛ لأن طول الزمان يغير الأحوال 6، والفرق: أن الوصاية قضية واحدة، وقد ثبت الحال فيها، فلا يتكرر، ولو كلفنا الوصي ذلك... لأضررنا المحجور عليه باشتغال الوصي عنه بإثبات عدالته، ولا كذلك الشاهد 7، قال: وبذلك صرح ابن الصباغ، وإن أوهم تعبير " الروضة " وأصلها خلافه.
5935 - قوله: (أو ضعيفًا.. عضده بمعين) 8 كذا لو كان المال كثيرًا لا يمكن الواحد حفظه والتصرف فيه، وهو راجع إلى الضعف؛ فقد يكون سببه عجز الإنسان في نفسه، وقد يكون سببه كثرة المال.
5936 - قوله: (ويتخذ مزكيًا) 1 لو قال: (مزكيين) كما في " الحاوي " 2.. لكان أولى؛ فإنه لا يكتفى بواحد إلا إن نصب حاكمًا في الجرح والتعديل، وعبارة " التنبيه " [ص 252]: (ويتخذ قومًا من أصحاب المسائل... إلى أخر كلامه)، وعبارة " الروضة ": ينبغي أن يكون للقاضي مزكون وأصحاب مسائل، فالمزكون المرجوع إليهم ليبينوا حال الشهود، وأصحاب المسائل هم الذين يبعثهم إلى المزكين ليبحثوا ويسألوا، وربما فسر أصحاب المسائل في لفظ الشافعي بالمزكين 3.
5937 - قول " المنهاج " [ص 560] و" الحاوي " [ص 660]: (وكاتبًا) قيده " التنبيه " بالاحتياج لذلك 4، ومحل استحبابه: إذا لم يطلب الكاتب أجرة أو كان رزقه من بيت المال، فإن طلبها ولا رزق له عليه.. لا يعين كاتبًا.
5938 - قول " التنبيه " [ص 252]: (استحب أن يكون مسلمًا، عاقلًا، عدلًا، فقيهًا) الإسلام والعدالة شرطان، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص 560]: (ويشترط كونه مسلمًا، عدلًا) و" الحاوي " فقال [ص 660]: (مسلمًا عدلًا شرطًا) مع أن ذكر العدالة يغني عن الإسلام؛ فلا عدالة مع الكفر.
وقولهم: (إن الكافر قد يكون عدلًا في دينه) تجوّز، وعلامة المجاز فيه لزوم التقييد، والمراد بالعقل: وفوره، لا مطلقه، كما صرح به " المنهاج ".
ويشترط أيضًا كونه عارفًا بكتابة محاضر وسجلات، ذكره " المنهاج " 5، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه مخالف لظاهر النص، ولكلام جمع من الأصحاب، وللمعنى؛ فإنه يكتب ما يمليه القاضي، فلا يشترط فيه ذلك؛ لإمكان أن يكون بإملاء الحاكم أو غيره أو نقل من نسخه، والقاضي لا بد له من الإطلاع عليه.
انتهى.
ولذلك لم يذكره " الحاوي " أيضًا، وحمل عليه البارزي قوله: فقيهًا، ففسره بمعرفة ما يكتب، ولا يطابق مع ذلك كلام الرافعي؛ لأن ذلك شرط عنده، وإنما ذكره " الحاوي " في المستحبات، وقال بعضهم: إن اشتراط ذلك مأخوذ من تسميته كاتبًا، وفيه نظر، واشترط الماوردي والروياني الحرية، وقد يفهم ذلك من اشتراط العدالة 6، ويوافقه قول الشافعي رضي الله
عنه في " الأم ": (ولا ينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبًا لأمور الناس حتى يَجْمَعَ أن يكون عدلًا جائز الشهادة) ثم قال: (فإن كتب له عنده في حاجة نفسه وضيعته دون أمر المسلمين.. فلا بأس) 1.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج " بعد حكاية ذلك.
ولكن المعنى القوي يقتضي جواز اتخاذ العبد كاتبًا إذا كان مسلما عدلًا؛ لأنه لا يؤدي شهادة، فاعتبار الحرية فيه بعيد.
قلت: المعتاد في المسجل على القاضي أن يشهد عليه بما تضمنه الإسجال؛ ليؤدي ذلك عند قاض آخر إذا احتاج إليه، فمن هنا اعتبرت الحرية؛ لأن شهادة العبد غير مقبولة، والله أعلم.
5939 - قول " الحاوي " [ص 661]: (ومترجمين) أحسن من قول " المنهاج " [ص 560]: (ومترجمًا) مع أنه صرح بعده بأن شرطه: العدد، وظاهر كلامهما اعتبار كونهما رجلين وإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين، لكن في " أصل الروضة " عن الأصحاب: الاكتفاء برجل وامرأتين فيما يثبت برجل وامرأتين، قال: وانفرد الإمام باشتراط رجلين، واختاره البغوي لنفسه 2.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لم ينفرد الإمام بذلك، بل هو منصوص " مختصر المزني "، وقال به الأصحاب فيما إذا كانت الترجمة من جانب المدعي أو المدعى عليه بالإنكار أو بالإقرار في غير المال وحقه تفريعًا على اعتبار التعدد، فإن كانت من جانب المدعى عليه بالإقرار بالمال أو بحقه، ولا يختلف المذهب في أنه يكفي في ذلك رجل وامرأتان.
انتهى.
وقال شيخنا ابن النقيب: كذا أطلقوه، ولم يظهر لي اتخاذه على أي لغة؛ فإن اللغات لا تكاد تنحصر، ويبعد أن يحيط الشخص بجميعها، ويبعد أن يقال: يتخذ من كل لغة اثنين؛ فإن ذلك كثير مشق.
فالأقرب أن يتخذ من اللغات التي يغلب وجودها في عمله، وفيه عسر أيضًا، والله أعلم 3.
5940 - قول " التنبيه " [ص 257]: (ولا يقبل فيه إلا قول من تقبل شهادته) يستثنى منه: الأعمى؛ فإنه يقبل في الترجمة على الأصح، مع أنه لا تقبل شهادته، وقد ذكره " المنهاج " 4.
ومحله: فيما إذا كان أهل المجلس سكوتًا، فإن تكلم بعضهم.. لم تقبل شهادته بالترجمة قطعًا إذا احتمل الالتباس بذلك، ذكره في " المطلب "، والمراد: إذا تكلم غير المترجم عنه بتلك اللغة التي تكلم بها المترجم عنه، والله أعلم.
5941 - قول " التنبيه " [ص 257]: (فإن كان الدعوى في زنا.. ففيه قولان، أحدهما: يقبل في
الترجمة اثنان، والثاني: لا يقبل إلا أربعة) الأول هو الأصح.
5942 - قول " المنهاج " [ص 560]: (واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) لا يخفى أنه مع ذلك يسمع رفع الصوت، وإلا.. استحالت المسألة، ولم تصح ولايته.
5943 - قول " التنبيه " [ص 249]: (ولا يتخذ حاجبًا ولا بوابًا) يستثنى: وقت الخلوة، قال الإمام: فلو جلس للقضاء وهناك زحمة؛ فإن رأى المصلحة في اتخاذه.. اتخذه، أو في الترك.. فلا 1، وعبارة " الحاوي " [ص 662]: (وكره نصب بواب وحاجب إن جلس له ولا زحمة).
5944 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ويأمره أن لا يقدم أخيرًا على أول) لا يمنع التسوية بينهما، فلو قال كمختصره " النبيه ": (ولا يقدم خصمًا إلا بسبق).. لكان أولى؛ لأن تقديم السابق واجب.
5945 - قول " المنهاج " [ص 560]: (ويتخذ درة للتأديب) قد يفهم أنه لا يؤدب بالسياط، وهو ما في " أصل الروضة " عن " تتمة التتمة " في مشى الأدب بين يدي القاضي؛ وعلله بأن الضرب بالسياط من شأن الحدود، لكن رده الرافعي بقول الشافعي في تأديب شاهد الزور: لا يبلغ أربعين سوطًا 2، وقال الماوردي: لا يجوز للزوج أن يعزر زوجته بالسياط؛ معللًا بمثل ذلك.
قال في " التوشيح ": وقد يقال: يعزر بالسياط في الكبيرة التي لا حد فيها بخلاف الصغيرة، ولكن ليس ذلك بشيء، والحق الذي لا مرية فيه أن للقاضي أن يؤدب بالسوط وغيره، وما عدا ذلك غلط فاحش، نبهت عليه؛ لئلا يغتر به، أو محمول على صغائر المعاصي، ثم هو مع ذلك ضعيف.
5946 - قوله: (ويستحب أن يكون مجلسه فسيحًا، لا مسجدًا) 3 أي: يستحب أن لا يكون مسجدًا، والمراد: اتخاذه لذلك كما صرح به في " المحرر " و" الروضة " وأصلها 4، ولذلك قال في " التنبيه " [ص 253]: (ولا يجلس للقضاء في المسجد، فإن اتفق جلوسه فيه وحضره الخصمان.. لم يكره أن يحكم بينهما) وهذا يدل على كراهة اتخاذه مجلسًا للحكم، وبه صرح " الحاوي " فقال [ص 662]: (وكره المسجد لا لمتفرقةٍ) أي: قضايا متفرقة اتفق حضورها وقت حضوره المسجد، وفي تأدية هذا اللفظ لهذا الغرض نظر.
5947 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ولا يقضي وهو غضبان) و" المنهاج " [ص 560]: (ويكره
أن يقضي في حال غضب) وهو داخل في قول " الحاوي " [ص 662]: (وكره الحكم بما يدهش عن الفكر) استثنى منه صورتان:
إحداهما: أن يكون الغضب لله تعالى كما حكاه الرافعي عن الإمام والبغوي وغيرهما، ثم قال: وظاهر كلام آخرين أنه لا فرق 1.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والمعتمد الاستثناء، والفرق أن الغضب لله تعالى يؤمن معه التعدي، بخلاف الغضب لحظ النفس؛ فإنه لا يؤمن معه مجاوزة الحد.
قال في " المطلب ": ولو فرق بين أن يكون ما حكم به في هذه الأحوال لا مجال للاجتهاد فيه، فلا يكره؛ لأن المحذور مأمون فيه، أو الاجتهاد فيه مجال، فيكره.. لم يبعد.
ثانيهما: إذا كان الغضب يخرجه عن طريق الاستقامة.. فإنه يحرم عليه القضاء في هذه الحالة، وفي نص " الأم " ما يشهد له 2، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج ".
5948 - قول " المنهاج " [ص 560]: (وكل حال يسيء خُلُقُهُ) كذا في بعض النسخ، وفي نسخة المصنف: (يسوء خلقه) أي: فيها، وهذا لا يتناول عروض النوم، ولا كونه حاقنًا أو حاقبًا؛ لأن ذلك لا يسيء الخلق، فلو عبر " كالحاوي " بقوله [ص 662]: (والحكم بما يدهش عن الفكر).. لكان أحسن، وعبارة " التنبيه " [ص 252، 253]: (ولا يقضي وهو غضبان، ولا جائع، ولا عطشان، ولا مهموم، ولا فرحان، ولا يقضي والنعاس يغلبه، ولا يحكم والمرض يقلقله، ولا وهو حاقن أو حاقب، ولا في حر مزعج ولا برد مؤلم، فإن حكم في هذه الأحوال.. نفذ حكمه).
5949 - قول " المنهاج " [ص 560]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 661]: (ويندب أن يشاور الفقهاء) محله عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الأدلة، فأما الحكم المعلوم بنص أو إجماع أو قياس جلي.. فلا؛ ولهذا قال " التنبيه " [ص 253]: (فإن اتفق أمر مشكل.. شاورهم فيه).
5950 - قول " الحاوي " [ص 661]: (وخرج إن اجتمع الفقهاء) تبع فيه " الوجيز " 3، قال الرافعي: وهو كالصريح في أنه يحضرهم قبل خروجه، وهذا وإن لم يتعرض له المعظم.. فيجوز أن يُوَجَّه بأنهم بانتظاره أولى كما في الصلاة 4.
5951 - قول " المنهاج " [ص 560]: (وألا يشتري ويبيع بنفسه، ولا يكون له وكيل معروف)
أي: يندب ذلك، وكذا في " المحرر " 1، لكن في " الحاوي ": (وكره أن يعامل بنفسه ووكيل يعرف) والكراهة هي التي في " الروضة " و" الشرحين "، ولا يختص ذلك بالبيع والشراء، بل الإجارة وسائر المعاملات كذلك، بل نص في " الأم " على أنه لا ينظر في نفقة عياله، ولا أمر ضيعته، بل يكله إلى غيره؛ ليتفرغ قلبه 2.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله فيما إذا احتمل وجود محاباة، فلو تحقق عدم المحاباة.. لم يكن مخالفًا للندب؛ لكي لا يتعاطاه في مجلس الحكم.
5952 - قولهما - والعبارة " للمنهاج " -: (فإن أهدى إليه من له خصومة.. حرم قبولها) 3 لا يفهم منه أنه لا يملكها، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 662]: (ولا يملك) قال البندنيجي: وكذا لو أحس أنها لحكومة، ووقع في " الروضة ": أن محل تحريم هدية ذي الخصومة ما إذا كان في محل ولايته، قال: وهديته في غير محل ولايته كهدية من عادته أن يهدي له قبل الولاية.. فلا يحرم قبولها على الصحيح 4.
وهذا غلط بلا شك، وليس مقصودًا، وإنما حصل الخلاف فيه من شيء سقط عليه من كلام الرافعي، وهذا التفصيل بين العادة وغيرها إنما هو في غير صاحب الخصومة.
5953 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ولا يقبل هدية ممن لم يكن له عادة بالهدية له قبل الولاية) هو مفهوم من قول " الحاوي " [ص 662]: (عُهِدَ منه) وهو حرام كما صرح به " المنهاج " 5، ثم لا يخفى أن محل التحريم: ما إذا كان المهدي في عمله سواء كان من أهله أم لا، فلو أرسل بها إليه في عمله من ليس من أهل عمله، ولم يدخل معها ولا حكومة له.. ففي جواز قبولها وجهان في " الكفاية " عن الماوردي.
5954 - قول " التنبيه " [ص 252]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 662]: (فإن لم يكن له خصومة - أي: من له عادة -.. جاز أن يقبل) قيده في " المنهاج " بقوله [ص 560]: (بقدر العادة)، وهو من زيادته على " المحرر " بلا تمييز، ومقتضاه: اختصاص التحريم فيما إذا زاد بالقدر الزائد، لكن قول " أصل الروضة ": (فإن زاد المهدي على قدر المعهود.. صارت هديته كهدية من لم يعهد منه الهدية) 6 يقتضي تحريم الكل.
وقال في " المهمات ": القياس تخصيص ذلك بما زاد ويخرج الباقي على تفريق الصفقة، وحينئذ.. فتصير الهدية مشتركة على الصحيح، فإن زاد في المعنى؛ كإهداء الحرير بعد أن كان يهدي الكتان.. فهل يبطل في الجميع أم يصح فيها بقدر قيمة العادة؛ فيه نظر، والاْوجه: الأول.
انتهى.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد اختصاص التحريم بالزيادة إن تميزت، وإلا.. حرم الكل.
وقال شيخنا ابن النقيب: لو قال " المنهاج ": (كالعادة).. لكان أشمل ليعم القدر والصفة 1.
5955 - قول " التنبيه " [ص 252]: (والأفضل أن لا يفعل) ينافي قول " المنهاج " في هذه الحالة [ص] 560: (والأولى أن يثيب عليها) فإنه جعل الأولوية في الإثابة لا في عدم القبول، وجمع " الحاوي " بين الأمرين فقال [ص 662]: (ندب أن لا يأخذ أو يثيب) فدل على حصول الاستحباب بأحد الأمرين، والله أعلم.
تنبيهات:
أحدها: قال في " التوشيح ": ما ينعم به الملوك على القضاة من الخلع وغيرها لا يظهر أن حكمه حكم الهدية، بل إنه حلال؛ لأنه لا يفعل لاستمالة قلب القاضي في محاكمة، لكن بشرطين:
أحدهما: أن يجد القاضي من نفسه أن حاله لم يتغير في التصميم على الحق، وأنه قبل الهدية وبعدها سواء.
الثاني: أن تجري عادة ذلك الملك الفعل هذا مع من هو في منصب هذا القاضي سواء تقدم له فعله مع هذا القاضي أم لا؛ لأنه إنما يهدي لصاحب المنصب من حيث هو، وخصوص هذا القاضي عنده غير معتبر.
الثاني: قال السبكي في " الحلبيات ": يجوز للقاضي قبول الصدقة ممن لم يكن له عادة 2، وقال في " تفسيره ": إن لم يكن المتصدق عارفًا بأنه القاضي ولا القاضي عارفًا بعينه.. فلا شك في الجواز، وإلا.. فيحتمل أن يكون كالهدية، ويحتمل الفرق بأن المتصدق إنما يبتغي ثواب الآخرة.
قال في " التوشيح ": وهذا التفصيل حق.
قلت: وينبغي أن يجوز له أخذ الزكاة قطعًا.
الثالث: تردد السبكي في " تفسيره " فيما لو شرط واقف تدريس مدرسة للقاضي، وكان
للتدريس معلومٌ 1، فقال: يحتمل بطلان الشرط، ويحتمل أن يقال: إن طلب القاضي التدريس من غير معلوم.. أجيب إليه، ويصح الشرط، ويحتمل أن يجاب ويأخذ المعلوم؛ لأنه ليس معينًا، قال: وهذا في حياة الواقف، أما بعد موته، أو إذا كان من غير أهل ولايته.. فلا يتخيل فيه منع، قال: وإن وقف عليه واحد من أهل ولايته وشرطنا القبول في الوقف.. فهو كالهدية، وإلا.. فينبغي الحكم بالصحة كما لو كان عليه دين فأبرأه منه، قال: فإنه يبعد أن يقال: لا يصح، قال: بل يصح، وعلى القاضي الاجتهاد في عدم الميل.
قلت: ولو وفَّى عنه دينه بغير إذنه.. ينبغي أن يجوز قطعًا؛ فإن كان بإذنه بشرط عدم الرجوع.. لم يجز قطعًا، قلته بحثًا.
5956 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ولا يحكم لنفسه) و" الحاوي " [ص 667]: (وقضى حيث شهد) لا يفهم منه أنه لو حكم.. لم ينفذ، وقد صرح بذلك " المنهاج " فقال [ص 561]: " ولا ينفذ حكمه لنفسه " واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورًا يتضمن حكمه فيها الحكم لنفسه، وهو نافذ:
الأولى: أنه يحكم لمحجوره بالحكم، وإن تضمن استيلاءه على المال المحكوم به، وتصرفه فيه، وفي معناه: حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق الحكم.
الثانية: أنه يحكم لمحجوره بالوصية على الأصح في " أصل الروضة "، لكن رجح ابن الرفعة في " المطلب " وشيخنا في " تصحيح المنهاج " مقابله، وفرق في " المطلب " بين هذه والتي قبلها: بأن ولاية القاضي الذي ليس بوصي تنقطع عن المال الذي حكم فيه بانقطاع ولاية القضاء، ولا كذلك الوصي إذا تولى القضاء؛ فإن ما حكم فيه لليتيم الذي هو تحت وصيته تبقى ولايته عليه بعد العزل؛ فقويت التهمة في حقه، وضعفت في حق غيره.
وفرق شيخنا في " تصحيح المنهاج " بينهما بأن الحاكم في الصورة الأولى لو شهد بالمال للمحجور عليه قبل ولايته.. لقبلنا شهادته، بخلاف الوصي يشهد قبل الولاية بالمال لمن هو موصى عليه؛ فإنه لا تقبل شهادته، وفي معنى هذه الصورة: حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق خاص غير الحكم.
الثالثة: الأوقاف التي شرط فيها النظر للحاكم أو صادفها النظر له بطريق العموم لانقراض ناظرها الخاص له الحكم بصحتها وموجبها، وإن تضمن الحكم لنفسه في الاستيلاء والتصرف.
الرابعة: للإمام الحكم بانتقال ملك إلى بيت المال، وإن كان فيه استيلاؤه عليه بجهة الإمامة،
وللقاضي الحكم به أيضًا، وإن كان يصرف إليه في جامكيته ونحوها، وهو قريب مما إذا شهد على شخص لا وارث له سوى بيت المال بما يقتضي قتله.. فهل يجوز أن يصرف له شيء من ماله؛ صحح النووي: المنع، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ليس الأمر كما قال، وينبغي أن يعد حكمه فيما هو ناظر فيه بخصوص أو عموم صورتين مستقلتين، فتكون الصور ستة، وكذا ذكرها شيخنا في " تصحيح المنهاج ".
واعلم: أن كلامهم يفهم نفوذ حكمه على نفسه، وقد قال الماوردي: إنه مقبول، وحكى وجهين في أنه إقرار أو حكم يظهر أثرهما فيما لو حكم على نفسه بشفعة، الجواز؛ فإنه يلزم على الحكم دون الإقرار، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد أنه لا ينفذ حكمه على نفسه؛ لئلا يؤدي إلى اتحاد الحاكم والمحكوم عليه؛ ولأن الحاكم يستوفي من المحكوم عليه، والإنسان لا يستوفي من نفسه لغيره.
5957 - قولهم - والعبارة " للمنهاج " -: (ورقيقه) 1 استثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورًا:
الأولى: حكمه لرقيقه بجناية عليه قبل رقه؛ بأن يجني ملتزم على ذمي ثم ينقض المجني عليه العهد، ويلتحق بدار الحرب، فيسترق، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض لذلك، قال: ويوقف المال إلى عتقه، فإن مات رقيقًا.. فالأظهر: كونه فيئًا.
الثانية: العبد الموصى بإعتاقه الخارج عن الثلث، إذا قلنا: إن كسبه له دون الوارث، وكان الوارث حاكمًا.. فله الحكم له بطريقه.
الثالثة: العبد المنذور إعتاقه.
الرابعة: العبد الموصى بمنفعته للذي ورثه الحكم له بكسبه.
الخامسة: إذا كان عبد الحاكم وكيلًا في دعوى، فطلب الحكم عند توجهه.. حكم له مالكه؛ لأن الحكم إنما هو للموكل، والأرجح: أنه يحكم بتسليم المال له أيضًا؛ لأن يده نائبة عن يد الموكل، فليست كيد المالك.
5958 - قول " المنهاج " [ص 561]: (وشريكه في المشترك) يستثنى منه: ما إذا حكم له بشاهد ويمين الشريك.. فإنه يجوز؛ لأن المنصوص أنه لا يشاركه في هذه الصورة، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض له.
5959 - قوله: (وكذا أصله وفرعه على الصحيح) 2 يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في
" المحرر " و" الشرح " 1، ثم قال في " الشرح ": إن صاحب " التلخيص " عبر عن الخلاف بقولين مخرجين 2، وليس في كلام " التلخيص " أنهما مخرجان، والمنع قد نص عليه في " المختصر " 3، ومحل الخلاف في القضاء بغير العلم، ولا ينفذ بالعلم قطعًا كما في " أصل الروضة " 4.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وإنما أوقع الرافعي في ذلك كلام الإمام، ولكن الإمام إنما منع حيث منعت شهادته لهم 5، وشهادته لهم ليست ممنوعة قطعًا، بل فيها القولان: الجديد، والقديم، وهنا أمران:
أحدهما: يستثنى من الحكم لأصله أو فرعه: ما إذا كان وكيلًا عن غيره كما سبق، فيما إذا كان عبد الحاكم وكيلًا.
ثانيهما: مقتضاه: امتناع الحكم فقط دون الدعوى والبينة، وكذا قال القاضي حسين في " تعليقه ": إن ظاهر ما ذكره في " المختصر " أنه تسمع منه الدعوى والبينة، ولا يقضي له؛ لأنه قال: يرد حكمه 6، فخص الحكم بالرد، فدل على أن ما عداه غير مردود، وحكى مع ذلك احتمالًا للقفال بالمنع، وحكى في " النهاية " في ذلك وجهين، وقال: الوجه عندنا: أنه لا ينفذ تعديله البينة، وكذلك إذا كان هو الناقل.. فلا مساغ له، ولينقل الشهادة شاهدان عن الشاهدين الأصليين 7.
5960 - قوله: (ويحكم لهؤلاء) 8 أعم من قول " المحرر ": (له ولأبعاضه) 9.
5961 - قوله: (أو قاض آخر) 10 أعم من قول " المحرر " و" الروضة " وأصلها: (أو قاضي بلدة أخرى) 11 لشموله ما لو كان معه في بلدة قاض آخر مستقل.
5962 - قوله: (وإذا أقر المدعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على
إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به.. لزمه) 1 هو أنص على الوجوب من قول " المحرر ": (أجابه إليه) 2 وقد يتوهم من عبارتهما: أنه لو أقام المدعي بينة بما ادعاه وسأله الإشهاد به.. لم يلزمه، والأصح: اللزوم.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أن محل الخلاف فيما إذا لم يطلب منه الحكم بذلك، فإن طلب منه.. لزمه قطعًا؛ لأن فيه زيادة تعلق بها حقه ليست في مجرد قيام البينة، قال: وأما إذا علم القاضي أن الحق على المدعي به، وطلب المدعي منه الحكم على المدعى عليه حيث يجوز القضاء بالعلم، أو طلب منه الإشهاد منه على حكمه.. فإنه يلزمه ذلك، ولا يجيء فيه خلاف البينة؛ لانتفاء المعنى الذي علل به الوجه المرجوح.
انتهى.
وقد يفهم كلامهما أنه ليس للمدعى عليه طلب الإشهاد بما جرى، ومحله: فيما إذا لم يكن له فيه مصلحة، فإن كان له فيه مصلحة؛ كخشية تحليف المدعي إياه.. لزم الإشهاد بذلك إذا طلبه؛ لئلا يطالبه بالحلف مرة أخرى.
5963 - قول " التنبيه " [ص 257]: (وإذا ثبت عند الحاكم حق، فسأل صاحب الحق أن يكتب له محضرًا بما جرى.. كتبه، ووقع فيه، ودفعه إليه) ثم قال: (فإن أراد أن يسجل له.. كتب له سجلًا، وحكى فيه المحضر، وأشهد على نفسه بالإنفاذ، وسلمه إليه) لم يبين هل ذلك على طريق الوجوب، أو الاستحباب؛ وفي " المنهاج " [ص 561]: (استحب إجابته، وقيل: يجب)، ومحل الخلاف: إذا كان له من بيت المال قرطاس، أو جاءَهُ به الطالب، وإلا.. لم يجب جزمًا.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": فإن تبرع متبرع بالقرطاس.. جاء وجه الإيجاب.
5964 - قولا التنبيه " [ص 254]: (وإن كان يسوغ فيه الاجتهاد ووافق رأيه.. لم ينقضه، وإن خالفه.. ففيه قولان، أحدهما: ينقضه، والثاني: لا ينقضه) الأظهر: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " فأطلق أنه لا ينقض ما خالف قياسًا خفيًا 3، و" الحاوي " فقيد النقض بمخالفة القياس بالجلي 4، وذكر بعضهم: أن الأول لا يعرف في كلام غير " التنبيه ".
وأورد شيخنا في " تصحيح المنهاج " على قول " المنهاج " [ص 561]: (وإذا حكم باجتهاد ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس جلي.. نقضه هو وغيره، لا خفي) أمورًا:
أحدها: أن قوله: (باجتهاد) يرد عليه: ما لو حكم بنص ثم بان أنه منسوخ، أو بعموم نص ثم بان خروج تلك الصورة بدليل مخصص.. فإنه ينقض أيضًا.
ثانيها: أنه يخرج بنص الكتاب أو السنة دلالة العموم؛ فإنها ليست نصًا عند الشافعية مع أنه ينقض أيضًا.
ثالثها: أن تعبيره يقتضي توقف الحال على نقضه، وليس كذلك، بل الحكم المذكور وقع في نفسه غير معتبر؛ فهو منقوض من غير احتياج إلى نقض، وقول الشافعي وأصحابه في ذلك نقضه محمول على إرادة أظهر نقضه، لا أنه ينعقد حتى ينقضه القاضي.
رابعها: أن قوله: (نقضه هو وغيره) يقتضي التسوية بينهما، وليس كذلك، بل يفترقان في أنه لا يتتبع قضاء غيره، وإنما ينقضه إذا رفع إليه، وله تتبع قضاء نفسه لينقضه، كذا في " أصل الروضة " 1.
ويرد على قول " التنبيه " [ص 257]: (وإن حكم الحاكم فوجد النص أو الإجماع أو القياس الجلي بخلافه.. نقض حكمه) الإيرادان المتوسطان دون الأول والأخير، ولا يرد على قول " الحاوي " [ص 662]: (ونقض الخطأ قطعًا وظنًا بخبر واحد وقياس جلي) سوى الثالث.
ثم ظاهر كلامهم نقضه من غير ترافع إليه، وهو كذلك في حقوق الله تعالى، أما حقوق الآدميين.. فالذي في " أصل الروضة " عن ابن سريج: أنه لا يلزم القاضي تعريف الخصمين صورة الحال ليترافعا إليه إن علما أنه بان له الخطأ، بل إن ترافعا إليه.. نقض، وعن سائر أصحابنا: أنه يلزمه وإن علما 2، ومقتضى ذلك: أنه لا ينقضه إلا بعد الترافع، لكن في " الوسيط ": أنه ينقضه وإن لم يرفع إليه 3، وذكر الماوردي وغيره نحوه.
قال في " المهمات ": والذي ذكروه أوجه مما توهمه عبارة الرافعي، وتأويلها به متعين.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يلزمه المبادرة إلى التفريق بين الزوجين، ولا يأتي هنا خلاف ابن سريج؛ للاحتياط في الإبضاع 4.
5965 - قوله: (كنفي خيار المجلس، والعرايا، وذكاة الجنين، والقصاص بالمثقل) 5 تبع في نقض الحكم بذلك الإمام والغزالي 6، فإن الرافعي حكاه عنهما في الصورتين الأوليين والرابعة، ثم قال: وبمثله أجاب محققون في الحكم بصحة النكاح بلا ولي، فذكر تمام عشر نظائر، ثم قال: ومن الأصحاب من منع النقض وقال: هي مسائل اجتهادية، والأدلة فيها
متقاربة، قال الروياني: وهو الصحيح، وكذا ذكره ابن كج في الحكم ببطلان خيار المجلس 1، واقتصر في " الروضة " على ذكر تصحيح الروياني في جميع الصور 2، فاقتضى كلامه موافقته، ويوافقه تصحيح الرافعي في النكاح عدم النقض في النكاح بلا ولي.
5966 - قول " التنبيه " [ص 253]: (وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء.. نقض أحكامه كلها أصاب فيها أو أخطأ)، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله ما إذا لم يكن هناك تولية من ذي شوكة بحيث ينفذ الحكم بالجهل، فإن كان.. لم ينقض ما أصاب فيه.
5967 - قول " المنهاج " [ص 561]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 667]: (والقضاء ينفذ ظاهرًا لا باطنًا) محل الجزم به ما ليس بإنشاء؛ بل هو تنفيذ لما قامت به الحجة؛ مثل إن حكم بشهادة زور سواء كان مالًا أو نكاحًا أو غيرهما، أما الإنشاء؛ كفسخ النكاح بالعيب وتسليط الشفيع - ووهم في " الروضة " وأصلها في تمثيله بتفريق المتلاعنين 3؛ لأنه حاصل بلعان الزوج من غير تفريق القاضي - فإن ترتبت على أصل كاذب؛ كشهادة زور.. فكالأول، أو صادق؛ فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين.. نفذ باطنًا أيضًا، وهذه قد لا ترد على إطلاقهما؛ لأنه ليس للقضية باطن، بخلاف ظاهرها عند أحد؛ لعدم الاختلاف فيه كما تقرر، وإن كان مختلفًا فيه.. نفذ ظاهرًا، وفي الباطن أوجه: صحح جماعة منهم البغوي وأبو عاصم: النفوذ مطلقًا، وذهب الأستاذ أبو إسحاق والغزالي إلى المنع؛ وهو مقتضى إطلاق " المنهاج " و" الحاوي "، والثالث: إن اعتقده الخصم أيضًا.. نفذ باطنًا، وإلا.. فلا.
وفي " المهمات ": إن الصحيح الأول؛ فقد حكاه الرافعي في كتاب الدعاوى في الكلام على اليمين عن ميل الأكثرين، وفي دعوى الدم عن ميل كلام الأئمة، قال في " المهمات ": وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في النفوذ باطنا بين ما ينقض وما لا ينقض، وفيه نظر، لكنه مستقيم؛ فإنه لا منافاة.
5968 - قول " المنهاج " [ص 561]: (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع) فيه أمور:
أحدها: عبارة " المحرر " و" الروضة " و" الشرحين ": (بلا خلاف) 4، ولا يصح؛ فلنا وجه: أنه يقضي بالبينة إذا شهدت بما يعلم خلافه، حكاه الماوردي والروياني والشاشي وابن يونس وابن الرفعة 5، وقال في " التوشيح ": كنت أسمع الوالد رحمه الله يتوقف في إثبات هذا الخلاف.