تحرير الفتاوىصفحات 686-714

كتابُ الشهادات

صفحات 686-714

(بلا إعادة الشهادة؛ كالغائب والطفل) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا لا يستقيم في الغائب؛ لأن القاضي لو أرسل له من حلفه وهو غائب.. فحلفه صحيح، وإن لم يزل عذره.
قلت: المراد: أن تأخر اليمين للعذر لا يقطع الحق منها، ولا يحوج إلى إعادة شهادة، وهذا موجود في الغيبة، والله أعلم.
قال الرافعي: وينبغي أن يكون الحاضر الذي لم يشرع في الخصومة، أو لم يشعر بالحال كالمجنون في بقاء حقه، بخلاف ما سبق في الناكل.
انتهى 1. ومحل ما تقدم: إذا لم يتغير حال الشاهد، فإن تغير.. فوجهان، قال القفال: لا يقدح، فيحلف ويأخذ؛ لاتصال الحكم بشهادته، وقال الشيخ أبو علي: لا؛ لأنه اتصل في حق الحالف فقط؛ ولهذا لو رجع الشاهد.. لم يكن له أن يحلف، أما إذا أقام بعضهم شاهدين، فثبت المدعى عليه، فإذا حضر الغائب، وكمل غير المكلف.. أخذ نصيبه بلا دعوى ولا بينة، ويقبض القاضي نصيب الصبي والمجنون عيناً كان أو ديناً، وأما نصيب الغائب؛ فإن كان ديناً.. فسنذكره، وإن كان عيناً.. انتزعها الحاكم، وكلام الأصحاب يقتضي وجوب ذلك، وهو الظاهر، لكن سبق في الوديعة أن الغاصب لو حمل المغصوب إلى القاضي والمالك غائب.. ففي قبوله وجهان، قال الرافعي: فيجوز أن يعود ذلك الخلاف هنا مع قيام البينة 2، ونبه في "المهمات" على أنه تقدم في استيفاء القصاص أن محل الخلاف في انتزاع الحاكم: فيما عدا هذه الصورة، فيجب فيها قطعاً؛ حفظاً لحق الميت، فهذا البحث ذهول عما قدره هناك.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا يجوز أن يعود ذلك الخلاف هنا، والفرق أن المدعى عليه منكر معتقد أن الدار ملكه، فوجب أن يأخذ الحاكم نصيب الغائب قطعاً؛ لتزول هذه المفسدة المؤدية لضياع حق الغائب، ولا كذلك في الغاصب المقر الذي أحضر المغصوب للحاكم.
انتهى.
6191 - قول "التنبيه" [ص 265]: (وإن ادعى رجل أن أباه مات عنه وعن أخ غائب وله مال عند رجل حاضر وأقام بينة بذلك.. سلم إليه نصف المال وأخذ الحاكم نصيب الغائب ممن هو عنده وحفظه، وقيل: إن كان ديناً.. لم يأخذ نصيبه، بل يتركه في ذمة الغريم حتى يقدم) هذا الثاني هو الأصح في "أصل الروضة" هنا وفي الوديعة 3، قال الرافعي: حكاه ابن كج عن النص 4. وقال شيخنا الإمام البلقيني: رأيت النص في "الأم" في باب ميراث سيد المكاتب، ولفظه:

(فإن كان الورثة الكبار غُيَّباً فسأل المكاتب يعني: الحاكم أن يدفع الكتابة إلى عدل يقبضه لهم إن لم يكن لهم وكيل.. كان ذلك له، فإذا دفعه.. عتق المكاتب، وليس هذا كدين لهم على رجل ثم غابوا عنه فجاء به إلى الحاكم ليدفعه.. هذا لا يدفع إلا إليهم أو وكيل لهم، فإن لم يكن لهم وكيل.. تركه الحاكم، فلم يأمر بقبضه من صاحبه الذي هو عليه؛ لأن في الكتابة عتقاً للعبد، فلا يحبس بالعتق، وليس في الدين شيء يحبس عنه صاحب الدين) 1، قال شيخنا: وهو يقتضي أنه لو كان بالدين رهن.. أن القاضي يقبضه؛ لوجود ما حبس عن صاحب الدين، وهذا الذي ينبغي أن يفتى به.
انتهى.
وقول "الحاوي" [ص 675]: (ويؤخذ للمجنون والغائب بشاهدين) يحمل في الدين على الجواز، لا على الوجوب؛ لما عرفته، لكن لا يمكن حمله على ذلك في المجنون، وفي "التنقيح" لشيخنا الإسنوي: أن في هذه المسألة تعارضاً، ولم أره، ولم يستدركه في "تصحيحه" على "التنبيه"، وكان حقه استدراكه، وقال الفارقي في هذا: إذا كان من عليه الدين ثقة ملياً، وإلا.. فالأخذ منه أولى.
6192 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا تجوز شهادة على فعل كزناً وغصبٍ وإتلافٍ وولادةٍ إلا بالإبصار) 2 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": مقتضاه: أن الأعمى لا تدخل له في ذلك، وليس كذلك فتتصور شهادته في هذه الأمور كلها؛ ففي الزنا إذا وضع يده على ذكر داخل في فرج امرأة أو دبر صبي فأمسكهما ولازمهما حتى شهد عند الحاكم بما عرفه بمقتضى وضع اليد.. فهذا أبلغ من الرؤية، وفي الغصب أو الإتلاف لو جلس الأعمى على بساط لغيره فغصبه غاصب أو أتلفه فأمسكه الأعمى في تلك الحالة والبساط وتعلق به حتى شهد بما عرفه.. جاز، وفي الولادة وضعت العمياء يدها على قُبل المرأة وخرج منها الولد وهي واضعة يدها على رأسه إلى أن يكمل خروجه وتعلقت بهما حتى شهدت بولادتها مع غيرها.. قبلت.
6193 - قول "المنهاج" [ص 571]: (والأقوال كعقدٍ يشترط سمعها وإبصار قائلها) أعم من قول "التنبيه" [ص 271]: (وإن كان عقداً أو إقراراً.. فلا بد من مثاهدة العاقد والمقر وسماع كلامهما) لأنه يدخل في القول غير العقد والإقرار كالفسخ والردة وغيرهما، ومثل الأول قول "الحاوي" [ص 671]: (وسمع القول به) أي: بالإبصار، والباء بمعنى مع، وهي عبارة قلقة.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يحتاج إلى شرط ثالث، وهو: أن يكون الشاهدان عارفين باللغة التي يعقد بها النكاح على الصحيح، فإن قيل: هذا شرط لانعقاد النكاح والكلام في

شرط أداء الشهادة في الأقوال.. قلنا: أداء الشهادة مبني على صحة التحمل، وإذا لم يصح التحمل.. لا يصحُّ أداء الشهادة.
انتهى.
6194 - قول "التنبيه" [ص 269]: (وتقبل شهادة الأعمى فيما تحمله قبل العمى) و"الحاوي" [ص 672]: (أو سمع قبله) محله: ما إذا كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب كما صرح به "المنهاج" (1)، وكذا لو عمي ويد المقر في يده.. فيشهد عليه لمعروف الاسم والنسب.
قال شيخنا ابن النقيب: ويظهر مع جهالتهما أيضاً إن كانت يدهما بيده، وضبط المشهود له من المشهود عليه (2). ولا يرد على "المنهاج" و"الحاوي" شهادة الأعمى فيما يشهد فيه بالاستفاضة بشرط أن لا يحتاج إلى تعيين وإشارة؛ فإنها مقبولة، وقد ذكرها "التنبيه" (3) لأن كلامهما فيما يحتاج إلى الإبصار.
ويرد على "التنبيه" و"المنهاج": شهادة الأعمى بالترجمة؛ فإنها مقبولة، وقد ذكرها "الحاوي" (4). ويرد على قول "المنهاج" [ص 571]: (إلا أن يقر في إذنه فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به) وقول "التنبيه" [ص 269]: (وبحمله إلى القاضي) أن لنا غاية أخرى، وهي أن يشهد على شهادته بصيراً، أو يسترعيه حيث تسوغ الشهادة، على الشهادة ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 672]: (إن تعلق بالمقر) لعدم ذكره الغاية.

تَنْبِبيهٌ [أقسام المشهود به]

في "أصل الروضة" عن الشافعي والأصحاب أنهم قسموا المشهود به إلى ثلاثة أقسام: ما يكفي فيه السماع بدون إبصار، وهو ما يشهد فيه بالاستفاضة، وما يكفي فيه الإبصار، وهو الأفعال، وما يحتاج إليهما كالأقوال 5. قال في "المهمات": وليس بحاصر؛ لجواز الشهادة بما علم ببقية الحواس الخمس؛ كما لو اختلفا في حموضة المبيع أو تغير رائحته أو حرارته ونحوها.1234

قلت: والشهادة بالحمل وبالقيمة خارجة عن ذلك كله، والله أعلم.
6195 - قول "المنهاج" [ص 571]: (ومن سمع قول شخص أو رأى فعله؛ فإن عرف عينه واسمه ونسبه.. شهد عليه في حضوره إشارةً، وعند غيبته وموته باسمه ونسبه) فيه أمران: أحدهما: ظاهر إطلاق النسب الاكتفاء بالأب، لكن في "أصل الروضة": إن كان يعرفه باسمه واسم أبيه دون جده.. قال الغزالي: يقتصر عليه في الشهادة، فإن عرفه القاضي بذلك.. جاز، ثم قال: ويحتمل أن يقال هذه شهادة على مجهول؛ فلا تصح كما سبق في القضاء على الغائب أن القاضي لو لم يكتب إلا: (أني حكمت على محمد بن أحمد).. فالحكم باطل، وقد ذكر الشيخ أبو الفرج أنه إذا لم يعرف نسبه قدر ما يحتاج إلى رفعه.. لا يحل له أن يشهد إلا بما عرف، لكن الشهادة و - الحالة هذه لا تفيد، وقال الإمام: لو لم يعرفه إلا باسمه.. لم يتعرض لاسم أبيه، لكن الشهادة على مجرد الاسم قد لا تنفع في الغيبة.
انتهى 1. ولا منافاة بين كلام الغزالي وبحث الرافعي؛ فإن كلام الغزالي فيما إذا عرف بذلك، وتصويرهم في الغائب لمحمد بن أحمد يدل على عدم معرفته بذلك؛ لكثرة التسمية بهذين الاسمين، فالمدار على المعرفة؛ ويدل لذلك قول الرافعي قبله بعد ذكر اسمه واسم أبيه وجده وحليته وصنعته وإذا حصل الإعلام ببعض ما ذكرناه.. اكتفي به.
انتهى 2. فيدخل فيه ما إذا حصل الإعلام بذكر أبيه خاصة، بل قد يدخل فيه ما إذا حصل الإعلام باسمه خاصة؛ كالشهادة في زمننا على سلطان الديار المصرية والشامية برقوق لا يحتاج معه إلى شيء آخر ولو كان بعد موته، وبهذا يزول الإشكال في الشهادة على عتقاء السلطان والأمراء وغيرهم ببلادنا وغيرها؛ فإنه لا يعرف أنسابهم غالباً، فيكتفي بذكر أسمائهم مع ما حصل به التمييز من أوصافهم، وعليه العمل عند الحكام ببلادنا.
وقال شيخنا في "تصحمِح المنهاج" بعد ذكر هذه النقول: وظهر منها أن المدار على ذكر ما يعرف به كيف ما كان، وقال: إن مقتضى كلام الإمام: أن الشهادة على مجرد الاسم قد تنفع عند الشهرة وعدم المشارك.
انتهى.
ثانيهما: مقتضاه: أن مجرد الموت مانع من الشهادة على عينه، وتتعين فيه الشهادة على الاسم والنسب، وليس كذلك؛ فإنه متى أمكن إحضاره بعد موته؛ ليشهد على عينه.. فُعل، فإن دفن.. لم ينبش، وقد تعذرت الشهادة عليه، قاله في "أصل الروضة"، وقال: كذا قاله القاضي حسين والإمام والغزالي، لكن استثنى الغزالي: ما إذا اشتدت الحاجة إليه ولم يطل العهد بحيث يتغير

منظره، وهذا احتمال ذكره الإمام ثم قال: والأظهر: ما ذكره القاضي 1، وجزم في "الشرح الصغير" بأنه الأظهر.
6196 - قوله: (فإن جهلهما - أي: اسمه ونسبه -.. لم يشهد عند موته وغيبته) 2 قد يفهم أنه إذا عرف أحدهما.. شهد، قال شيخنا ابن النقيب: لكنه لم يرد ذلك 3. قلت: فكانت العبارة المحصلة لمقصوده: (فإن جهل أحدهما).
6197 - قوله: (ولا يصح تحمل شهادة على متنقبة؛ اعتماداً على صوتها) 4 قال في "أصل الروضة": ولك أن تقول: ينبغي أن لا يتوقف جواز التحمل على كشف الوجه، ولا على المعرفة؛ لأن من أقرت تحت نقاب ورفعت إلى القاضي والمتحمل ملازمها.. أمكنت الشهادة على عينها، وقد يحضر قوم يكتفى بإخبارهم في التسامع قبل أن تغيب المرأة إذا لم يشترط في التسامع طول المدة، فيخبرون عن اسمها ونسبها، فيتمكن من الشهادة على اسمها ونسبها، بل ينبغي أن يقال: لو شهد اثنان تحملا الشهادة على امرأة لا يعرفانها أن امرأة يوم كذا حضرت مجلس كذا فأقرت لفلان بكذا، وشهد عدلان أن المرأة الحاضرة يومئذ في ذلك المكان هي هذه.. ثبت الحق بالبينتين؛ كما لو قامت بينة أن فلان ابن فلان الفلاني أقر بكذا وقامت أخرى على أن الحاضر هو فلان بن فلان.. ثبت الحق، وإذا اشتمل التحمل على هذه الفوائد.. وجب أن يجوز مطلقاً، ثم إن لم يحصل ما يفيد جواز الشهادة على العين أو على الاسم والنسب أو لم ينضم إليه ما يتم به الإثبات.. فذاك لشيء آخر.
انتهى 5. وفي "المهمات": هذا ليس محل خلاف، بل يجوز التحمل فيه قطعاً، وقد صرح بجوازه الروياني وغيره مع حكايتهم الخلاف في أصل المسألة، وقد استدركه عليه ابن الرفعة.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا البحث مستقيم وفقهه ظاهر.
6198 - قوله: (ولا يجوز التحمل عليها بتعريف عدل أو عدلين على الأشهر، والعمل على خلافه) 6 يحتمل أن مراده: أن العمل على التحمل عليها بتعريف عدل، وأن العمل على التحمل عليها بتعريف عدلين، وقد حكاهما في "أصل الروضة" وجهين، وحكى الأول منهما عن جماعة

من المتأخرين 1، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" الأول عن الشيخ أبي محمد، والثاني عن اقتضاء كلام الشيخ أبي حامد، وقال: إن الأول هو المراد بقول "المحرر": (والعمل على خلافه) 2 يعني: عمل جماعة من المتأخرين، أو أن المراد: ما حكاه القاضي حسين أن عادة أهل هراة وغيرها من البلدان أن يأتي المخدرة مع شاهدين يقولان: نشهد أن هذه بنت فلان، وهي تقر بأن لفلان عليّ كذا، فيكتب شهادته على الصك، ثم يؤدي الشهادة.
انتهى.
وقد ظهر بذلك أنه ليس المراد: عمل الأصحاب، بل: عمل بعض الشهود في بعض البلدان، ولا اعتبار بذلك، والله أعلم.
6199 - قوله: (ولو قامت بينة على عينه بحق فطلب المدعي التسجيل.. سجل القاضي بالحلية لا الاسم والنسب ما لم يثبتا) 3 أي: بالبينة، ولا يكفي في ذلك إقرار من قامت عليه البينة؛ لأن نسب الإنسان لا يثبت بإقراره، كذا في "أصل الروضة" 4. لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ممنوع؛ لأمور: منها: قولهم في القضاء على الغائب فيما إذا شهد شهود الكتاب على المسمى فيه: لا على عينه: فاعترف المحضر بأن ذلك اسمه ونسبه، أو أنكر ونكل فحلف المدعي على ذلك.. توجه له الحكم، فدل على ثبوت نسبه بإقراره.
ومنها: ما عليه العمل من أن المشهود عليه يسأل عن اسمه ونسبه، ويجعل ذلك حجة عليه.
ومنها: أن الناس مؤتمنون على أنسابهم، ومن ائتمن على شيء.. رجع إليه فيه.
قلت: إنما ذلك فيما عليه لا فيما له، ولو ثبت نسبه بإقراره.. لا يسشحق المسطور الذي أقر فيه لشخص مسمى منسوب بدعواه أنه ذلك المسمى والمنسوب، وليس كذلك، بل لا بد من معرفته بذلك بالبينة، والله أعلم 5. 6200 - قول "التنبيه" [ص 271]: (وإن كان نسبا أو موتاً أو ملكاً.. جاز أن يتحمل بالاستفاضة) قيده ابن يونس في النسب بالأب، وهو وجه صححه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، والأصح: أن النسب من الأم كذلك، وقد صرح به "المنهاج"، وهو داخل في إطلاق "الحاوي" أيضًا 6، وقول "المنهاج" [ص 572]: (من أب وقبيلة) من تفصيله، واستحسن، والذي في

"المحرر" إطلاق النسب 1، وشرطه عدم الريبة، فإن وجدت؛ بأن كان المنسوب إليه حياً فأنكر.. لم تجز الشهادة، فإن كان مجنوناً.. جازت على الصحيح كالميت، ولو طعن بعض الناس في ذلك النسب.. امتنعت الشهادة في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 671]: (بلا معارض؛ كإنكار المنسوب إليه، وطَعْنٍ).
6201 - قول "التنبيه" [ص 271]: (وأما النكاح والوقف والعتق والولاء.. فقد قيل: يشهد فيها بالاستفاضة، وقيل: لا يُشهد) كذا حكى الخلاف في هذه الأربعة، وجزم في الملك بثبوته بالاستفاضة، والذي في كتب الرافعي والنووي حكاية الخلاف في الخمسة 2، وقال في " المحرر": (رجح منهما المنع) 3، وعبر عنه "المنهاج" بالأصح 4، وفي "الشرح الصغير" فيما عدا الملك رجحه كثيرون، وصححه في الملك الغزالي وغيره، وهو الذي يفهم من كون "الحاوي" لم يذكر سوى النسب والموت 5، واستدرك في "المنهاج" فقال [ص 572]: (الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع: الجواز) قال شيخنا ابن النقيب: كذا رأيته في أصل المصنف: في الجميع، لكنه على كشط، ويوجد في بعض النسخ: في الوقف، والذي في "الروضة" وأصلها: في العتق والولاء والوقف والزوجية وجهان، قال الإصطخري وابن القاص وابن أبي هريرة وأبو على الطبري: نعم، ورجحه ابن الصباغ، وقال أبو إسحاق: لا، وبه أفتى القفال، وصححه الإمام وأبو الحسن العبادي والروياني، وفي "العدة": هو ظاهر المذهب، لكن الفتوى الجواز؛ للحاجة، قال النووي: والجواز أقوى وأصح، وهو المختار.
انتهى 6. وصححه في "تصحيح التنبيه" أيضًا 7، وأما الملك.. ففي "أصل الروضة": فيه وجهان، أقربهما إلى إطلاق الأكثرين: الجواز، والظاهر أنه لا يجوز، وهو محكي عن نصه في حرملة، واختاره جماعة، ثم قال: والجواز مشهور في المذهب، فلعل المانع يكتفي بانضمام اليد، أو التصرف إليه، أو بانضمامهما وإن لم تطل المدة، وإلا.. فهما كافيان إذا طالت في الأصح؛ فلا أثر معهما حينئذ للاستفاضة 8.

قال شيخنا ابن النقيب: فائدتهما معا الجزم بالجواز حينئذ؛ كما ذكره في "الروضة" قبله بسطر 1. وقال في "المهمات": الصواب الذي عليه الفتوى: المنع؛ فقد نص عليه الشافعي، وحكاه عنه في "الكفاية".
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما نسبه "المنهاج" إلى الأكثرين في المسائل الخمس لا يعرف إلا في الملك، وما صححه من الجواز مخالف لنصوص الشافعي، والفتوى عندنا في الأربعة الباقية على المنع، قال: وظاهر كلامه استواء الجميع في الخلاف، وليس كذلك؛ فالولاء له قرب من النسب، والعتق دونه، والوقف دون العتق، والزوجية دون الكل؛ لما يطرق الزوجية من وجوه الفراق المقتضية لخروجها من الزوجية.
انتهى.
وهنا أمور: أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل الخلاف في الولاء: ما لم يشتهر اشتهاراً شائعاً في الآفاق؛ كنافع مولى ابن عمر، وعكرمة مولى ابن عباس.
قلت: قد اشتهر في مقسم أنه مولى ابن عباس، وليس مولاه كما قرر في علوم الحديث، فينبغي إجراء الخلاف مطلقاً، والشهرة في المثالين الذين ذكرهما إنما هو لشهرة المذكورين، والله أعلم.
ثانيها: قال شيخنا أيضاً: محل الخلاف: في الوقف الذي لم يشتهر اشتهاراً شائعاً كأرض السواد؛ فإن الشافعي قال فيها بما اشتهر عنده من وقف عمر رضي الله عنه.
ثالثها: قال شيخنا أيضاً: ومحله عندي فيما إذا أضيف إلى ما يصح الوقف عليه، فأما مطلق الوقف.. فلا يجوز أن يكون مالكه وقفه على نفسه واستفاض أنه وقف، وهو وقف باطل، وهذا مما لا توقف فيه.
رابعها: قد يفهم ثبوت شروط الوقف وتفاصيله بذلك، وليس كذلك كما ذكره النووي في "فتاويه"، قال: بل إن كان وقفاً على جماعة معينين أو جهات متعددة.. قسمت الغلة بين الجميع بالتسوية، وإن كان على مدرسة مثلاً وتعذرت معرفة الشروط.. صرف الناظر الغلة على ما يراه من مصالحها 2. واعترض في "المهمات لا على إطلاقه، وقال: الأرجح ما في " فتاوى ابن الصلاح ": أنه إن شهد بها منفردة.. لم تثبت، أو ذاكراً لها في شهادته بأصل الوقف في معرض بيان شرط الواقف..

سمعت؛ لرجوعه إلى بيان كيفية الوقف، ونُقل من خط ابن الصلاح: أنه لو شهد بالنظر على الوقف الفلاني لزيد من لم يشهد على الواقف ولم يذكر مستنده.. حمل على أن مستنده الاستفاضة، والشروط لا تثبت بمثل ذلك 1. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إطلاق أن الشروط لا تثبت بالاستفاضة غير محقق؛ فالشروط لا تستفيض أصلًا، فإن اتفق شرط يستفيض غالباً؛ ككونه وقفاً على حرم مكة ونحوه.. ففيه الخلاف في ثبوت أصل الوقف بالاستفاضة، وصرح الماوردي بما يقتضيه.
خامسها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل الخلاف في غير حدود العقار؛ فإن الحدود لا تثبت بالاستفاضة كما ذكره ابن عبد السلام في تسجيل له في بركة الحبش وقفت عليه، وفيه: ولم يثبت حدودها؛ إذ الحدود لا تثبت عنده بالاستفاضة، قال شيخنا: وهو معمول به غير أن الحدود لا تستفيض، وفي "تعليق الشيخ أبي حامد" ما يقتضي ثبوتها بالاستفاضة، وهو ممنوع.
سادسها: الخلاف في الملك قولان، أما المنع.. فقد تقدم من كلام "الروضة" أنه محكي عن نصه في حرملة، وأما الجواز.. فهو نصه في "الأم" و"المختصر" كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
سابعها: قيد في "الأم" و"المختصر" الجواز في الملك بألَّا يَرَى منازعاً في ذلك.
6202 - قول "التنبيه" [ص 271]: (وأقل ما يثبت به الاستفاضة اثنان) أي: عدلان، قيده بذلك "المنهاج" لما حكاه وجهًا، وصدر كلامه بأن شرطه: سماعه من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب 2، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 671]: (ممن لا ينحصر)، وعبارة "الروضة": جمع كثير يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم ويؤمن تواطؤهم على الكذب، قال: وينبغي أن لا يشترط فيهم العدالة ولا الحرية والذكورة 3. قال في "المهمات": وما ذكره بحثًا جزم به الماوردي بالنسبة للعدالة، والروياني بالنسبة للحرية والذكورة، وحكى وجهين في انفراد الصبيان به مع شواهد الحال بانتفاء المواطأة.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": اعتبار أن يؤمن تواطؤهم على الكذب لم يذكره الشافعي، وإنما اعتبر بظاهر الأخبار بحيث يثبت في قلب السامع معرفته، وهو المعتمد، وقيد ابن الصباغ وجه الاكتفاء بعدلين بأن يسكن قلبه إلى خبرها، وحكاه عن أصحابنا المتأخرين.

6203 - قول "التنبيه" [ص 271]: (وإن رأى رجلاً يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة.. جاز أن يشهد له باليد والملك، وقيل: يشهد باليد دون الملك، وهو الأصح) الأصح: الشهادة له بالملك أيضًا، صححه في "المنهاج"، لكنه لم يقيده بعدم المعارضة (1)، ولا بد منه، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 671]: (بطول أو تسامع بلا منازع)، فأشار إلى الاستغناء بالتسامع عن طول المدة، هذا إن قرأته بضم الميم، فقال بعضهم ينبغي: أن يقرأ بفتح الميم عطفاً على (أبصر) ليوافق ما هو أقرب إلى كلام الأكثرين أنه يكفي التسامع وحده من غيرِ يد وتصرف، واختار القاضي والإمام والغزالي أنه يكفي، وهو المنصوص، فينبغي على هذا قراءته بضم الميم، ولا يختص ذلك بالدار كما صوره "التنبيه"، وقد يفهم من قول "المنهاج" [ص 572]: (وشرطه: تصرف ملاك من سكنى وهدم وبناء) و"الحاوي" [ص 671]: (كالبناء والهدم) فقد قال في "أصل الروضة": وسواء العقار والعبد والثوب وغيرها إذا ميز المشهود به عن أمثاله (2)، لكن صحح النووي في اللقيط: أنه لو رأى صغيراً في يد إنسان يأمره وينهاه ويستخدمه.. ليس له أن يشهد له بملكه، إلا إن سمعه يقول: هو عبدي، أو سمع الناس يقولون ذلك (3). قال في "المهمات": وكأن الفرق وقوع الاستخدام في الأحرار كثيراً مع الاحتياط في الحرية.
انتهى.
وقد يفهم من تعبير "المنهاج" أنه لا بد من اجتماع هذه الأمور، وليس كذلك، بل واحد منها كاف، وليس المراد: اختصاص هذه التصرفات بالملاك، بل الغالب صدورها منهم، ولا يفهم منه الاكتفاء بالتصرف مرة واحدة؛ لاعتباره قبل ذلك طول المدة.

فَصْلٌ [في تحمل الشهادة في النكاح وغيره]

6204 - قول "المنهاج" [ص 572]: (تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح) ألحق به شيخنا في "تصحيح المنهاج" عقد الوكيل المقيد بالإشهاد بحيث لا يصح ذلك المقيد إلا به، فهو كالنكاح في الجزم بأن التحمل فيه فرض كفاية، وفيه نظر، وقرن الماوردي النكاح بالرجعة، وكأنه مفرع على القديم في وجوب الإشهاد عليها.123

6205 - قوله: (وكذا الإقرار والتصرف المالي وكتابة الصك في الأصح) 1 فيه أمور: أحدها: لا معنى لتقييد التصرف المالي؛ فإن الخلاف جار في الطلاق والعتق والرجعة تفريعاً على الجديد؛ ولذلك أطلق "التنبيه" أن تحمل الشهادة فرض كفاية 2. ثانيها: عبر في "الروضة" فيما عدا الصك بالصحيح، وبه قطع العراقيون، وفي كتابة الصك بالأصح، وبه قطع السرخسي 3. ثالثها: يرد عليهما معاً: أن محل الوجوب إذا حضره المتحمل، فإن دعاه.. لم يلزمه في الأصح، إلا أن يكون المحمل معذوراً بمرض أو حبس، أو كانت مخدرة واعتبرنا التخدر، وكذا إذا دعاه القاضي ليشهده على أمر ثبت عنده.. لزمه الإجابة.
رابعها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله إذا كان المتحملون كثيرين، فإن لم يوجد إلا العدد المعتبر في الحكم.. فهو فرض عين كما جزم به الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما، وهو واضح جار على القواعد، وفي كلام الشافعي ما يقتضيه.
انتهى.
وصرح به "التنبيه" فقال [ص 269]: (فإن كان في موضع ليس فيه غيره.. تعين عليه).
خامسها: استثنى ابن يونس في "النبيه" من ذلك: حدود الله تعالى، للندب إلى سترها.
سادسها: قد يفهم من كلامهما أنه لو طلب التحمل من اثنين.. لزمهما كالأداء، وليس كذلك بلا خلاف كما في "أصل الروضة" 4، لكن الخلاف فيه موجود، حكاه الماوردي 5. ويرد على إطلاق "التنبيه" أن أداء الشهادة فرض كفاية: ما إذا لم يكن في القضية إلا اثنان.. فيلزمهما الأداء كما صرح به "المنهاج" 6، وقد يفهم من قول "التنبيه" [ص 269]: (فإن كان في موضع ليس فيه غيره.. تعين عليه) وإن كان المتبادر إلى الفهم منه أن هذا الكلام في التحمل.
ويرد على إطلاقه أيضاً: أن لوجوب الأداء شروطاً ذكرها "المنهاج" و"الحاوي"، وعبارته: (إن دُعيَ من العدوى، لا على فاسق إجماعاً، ومعذورٍ بنحو مرضٍ) 7 وسنتكلم على ذلك.
6207 - قول "المنهاج" [ص 572]: (فلو طلب من اثنين.. لزمهما في الأصح) محل الخلاف كما قال الإمام: أن يعلما أن في الشهود من يرغب في الأداء، أو لم يعلما منهم رغبة ولا إباء، فإن

علما إباءهم.. فليس موضع الوجهين، حكاه عنه الرافعي 1، ومراده: الجزم باللزوم في هذه الصورة كما صرح به في "الشرح الصغير" من غير عزو إليه، فقال: فإن علم المدعوان أن غيرهما يأبى الأداء.. فعليهما الإجابة بلا خلاف، واختصر ذلك في "الروضة" بقوله: وليس موضع الخلاف ما إذا علما من حالهم رغبة أو إباءً 2، وهي عبارة مختلة كما قال شيخنا في "تصحيح المنهاج" فإنهما إذا علما من حال الباقين رغبة.. فهو أحد صورتي محل الخلاف.
وقال شيخنا ابن النقيب: يظهر أن مفهومه أنه إذا علم رغبتهم.. الجواز جزماً، أو إباءهم.. الامتناع جزماً 3. قلتُ: وكان يمكن القول بهذا، لكنه ليس مطابقًا لما حكاه الرافعي عن الإمام، فإن أراد النووي هذا من جهة النقل أو التفقه.. فكان حقه نقل ما حكاه الرافعي عن الإمام.
ثم يزيد ما يرى زيادته، والله أعلم.
6208 - قول "المنهاج" [ص 573] و"الحاوي" [ص 675]: (ولوجوب الأداء شروط: أن يُدعى من مسافة العدوى) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ليس للشافعي نص يقتضيه، ولا هو في كلام العراقيين هنا، وكلامهم دال على اعتبار انتفاء الضرر عن الشاهد، وصرح الماوردي بأنه إذا دعي للأداء إلى موضع يخرج به عن بلده.. فإنه يعذر بالتأخير، قربت المسافة أو بعدت، كان ذا مركوب أو لم يكن 4، ولم يتعرض في "الروضة" وأصلها لطريقة العراقيين في ذلك، وهي قوية تقتضيها نصوص الشافعي.
6209 - قول "المنهاج" [ص 573]: (وقيل: دون مسافة قصر) كذا وقفت عليه، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" لفظه: (وقيل: من مسافة قصر) وقال: إنه وهم، فإن كان كذلك في لفظ "المنهاج".. فهو وهم بلا شك لكن الذي وقفت عليه في نسخ "المنهاج" ما تقدم.
6210 - قوله: (فإن دُعي ذو فسق مجمع عليه، قيل: أو مختلف فيه.. لم يجب) 5 شرط جريان الوجه في المختلف فيه: أن يكون ظاهراً كما قيده في "الروضة"، بخلاف المجمع عليه لا فرق بين الظاهر والخفي 6، وقد اقتصر "المنهاج" تبعاً "للمحرر" على عدم الوجوب 7،

وهو الذي يقتضيه قول "الحاوي" [ص 675]: (ويجب أداؤها، لا على فاسق إجماعاً)، لكن الذي في "الروضة" وأصلها في المجمع عليه: أنه يحرم عليه أداء الشهادة 1. وأفهم "المنهاج" و"الحاوي" باقتصارهما على الشروط المتقدمة أنه لو دعي إلى قاض متعنت لا يأمن أن يرده جوراً.. وجبت عليه الإجابة، وهو الأرجح في "الروضة"، وأنه لو دعي للأداء عند أمير أو وزير.. لزمته الإجابة، وبه قال ابن كج إذا علم أنه يصل به إلى الحق، بعد أن نقل عن ابن القطان أنه لا يلزمه، قال في "الروضة": قول ابن كج أصح 2. وقال في "التوشيح": ينبغي أن يحمل على ما إذا علم أن الحق لا يخلص إلا عند الأمير أو الوزير، وإليه يرشد قوله: (إذا علم أنه يصل به إلى الحق) أما إذا علم أن القاضي يقدر على تخليصه.. فلا وجه لإقامة الشهادة عند من ليس أهلاً لسماعها، وقد جزم في "الروضة" في القضاء على الغائب بأن منصب سماع الشهادة يختص بالقضاة، وأفهم كلامهما أيضاً الوجوب فيما لو دُعي لأداء الشهادة عند من لا يعتقد انعقاد ولايته لجهل أو فسق، وكذا ذكره في "الكفاية".
ويرد على "الحاوي" أنه لو لم يكن في القضية إلا شاهد واحد.. لم يلزمه الأداء إلا إن كان مما يثبت بشاهد ويمين، وقد ذكره "المنهاج"، وتناول إطلاقه ما لو دعي لأداء الشهادة عند حنفي لا يقضي بالشاهد واليمين، والأظهر في "الكفاية": أنه لا يجب الأداء في هذه الصورة.
6211 - قول "التنبيه" [ص 269]: (ولا يجوز لمن تعين عليه أن يأخذ أجرة ويجوز لمن لم يتعين) الأصح عند الرافعي والنووي: جواز أخذ الأجرة على التحمل وإن تعين، ومنعه على الأداء وإن لم يتعين، ثم قال الرافعي: ومقتضى قولنا: له طلب الأجرة إذا دعي للتحمل.. أن يطلب الأجرة إذا دعي للأداء، سواء كان القاضي معه في البلد أم لا 3. قال النووي: هذا ضعيف مخالف لكلام الأصحاب، فإن فرض من يحتاج إلى الركوب في البلد.. فهو محتمل، والوجوب ظاهر 4. قلت: فرق الماوردي وغيره بينهما بأن أخذ الأجرة على الأداء يوجب ريبة، على أن الماوردي حكى وجهين فيما إذا كان ممتنعاً عن كسبه بالتحمل أو الأداء، وجعل في أخذ الأجرة عليهما ثلاثة أوجه: ثالثها: يجوز على التحمل دون الأداء 5. وقال الشيخ عز الدين في "القواعد": لا يجوز أخذ الأجرة على تحمل شهادة يبعد تذكرها

ومعرفة الخصمين فيها؛ لأن باذل الأجرة إنما يبذلها على تقدير الانتفاع بها عند الحاجة إليها، فيصير هنا أخذ الأجرة على شهادة لا يحل له أداؤها.
قال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": ويسأل عن الفرق بين أخذ الأجرة هنا وبين وضع الجذوع إذا قلنا بالقديم.
وهو إجبار الجار عليها؛ فإنه لا أجرة له كما نقله ابن الرفعة عن "المهذب" وغيره 1، ولم يحكِ فيه خلافاً، ويشكل أيضاً على استئجار المسلم على الجهاد؛ فإنهم قالوا: لا يجوز؛ وعللوه بأنه إذا حضر الصف.. تعين عليه، ومن تعين عليه الشيء لا يأخذ عليه أجرة، ثم إنه يشكل على الاستئجار للحج؛ فإنه يجوز وإن قلنا: إن من قصد مكة.. يلزمه الإحرام.
انتهى.
ومحل أخذ الأجرة على التحمل: ما إذا لم يكن له رزق من بيت المال، فإن كان.. لم يجز الأخذ، وكذا حكم كاتب الصكوك، وهو وارد على قول "الحاوي" [ص 675]: (وللكاتب أجره) وقد يحمل الآخر على أعم من المأخوذ من بيت المال، فلا إيراد.
قال أبو الفرج: وإنما يستحقها إذا دعي للتحمل، أما إذا أتاه المشهود عليه.. فلا أجرة له.
6212 - قول "الحاوي" [ص 675]: (وله أجر المركوب وإن لم يركب) أي: من موضعه إلى القاضي كذا أطلقه في "الوجيز" 2، وقيده الإمام والبغوي بمسافة العدوى 3، وجزم به في "الروضة" 4، وضم في "التهذيب" نفقة الطريق إلى أجرة الركوب 5، وفي "تعليق الشيخ أبي حامد": أن الشاهد لو كان فقيراً يكسب قوته يوماً يوماً، وكان في صرف الزمان إلى أداء الشهادة ما يشغله عن كسبه.. لم يلزمه الأداء إلا إذا بذل له المشهود له قدر كسبه في ذلك الوقت، وحكى البغوي وجهين فيما لو أعطاه شيئاً ليصرفه في نفقه الطريق وأجرة المركوب.. هل له أن يصرفه إلى غرض آخر ويمشي؛ وهما كالوجهين فيما لو أعطى فقيراً وقال له: اشتر لك به ثوباً.. هل له أن يصرفه إلى غير الثوب؟ والأصح: الجواز فيهما، كذا في "أصل الروضة" هنا 6، لكن في مسألة الفقير تفصيل مذكور في الهبة، والقياس: طرده في مسألة الشاهد.
قال في "المهمات": ثم إن مشى الشاهد من بلد إلى بلد.. قد يكون خارماً للمروءة قادحاً في قبول الشهادة، فيظهر حينئذ امتناعه في حق من هذا شأنه.

قلت: وقد لا يكون خارمًا للمروءة؛ لصرفه فيما هو أهم من الركوب من نفقة نفسه وعياله ووفاء دينه، لا أنه يفعل ذلك بخلاً وإيثاراً لتحصيل المال.
6213 - قول "التنبيه" [ص 270]: (ولا تقبل شهادة الإنسان على فعل نفسه) يقتضي أنه لا يقبل قوله: أشهد أني رأيت الهلال، وبه صرح ابن أبي الدم، لكن صرح الرافعي في صلاة العيد بالاكتفاء بذلك 1، وقال في الشهادة على الزنا: إنهم يقولون: أدخل ذكره في فرجها... إلى آخره 2، وسبقه إلى ذلك ابن سراقة والقفال وغيرهما، ونص السبكي في "الحلبيات" وخطّأ من أنكره، وأطنب في ذلك، وقال: الرؤية ليست من فعله، وإنما هي أشعة تتعلق بالمرئي 3. نعم؛ النظر من فعله فلا يقول: نظرت، وقد تقدم ذلك في الصيام.
6214 - قوله: (كالمرضعة على الرضاع) 4 محله: ما إذا قالت: أشهد أني أرضعته، أو ادعت أجرة، فإن لم تدع أجرة.. فالأصح: القبول.
6215 - قوله: (والحاكم على الحكم بعد العزل) 5 قال في "التوشيح": تقييده بما بعد العزل لا يتضح؛ فإنه لا تقبل شهادته على فعل نفسه مطلقاً؛ غاية الأمر أن قوله قبل العزل مقبول، لكنه ليس شهادة، وإلا.. لم تقبل منه وحده، بل هو حكم أو إخبار عن الحكم الصادر منه قبل ذلك، وهو مقبول منه؛ لقدرته على الإنشاء.
6216 - قوله: (وقيل: تقبل شهادة القاسم والحاكم) 6 قال في "التوشيح" أيضًا: حكاية الخلاف في القاسم والحاكم مع القطع بالمنع في المرضعة لا يعرف؛ فإنها أولى منهما، وقد جزم في "المهذب" بقبول شهادتهما.
6217 - قوله: (وإن شهد ثلاثة بالزنا.. وجب على الشهود حد القذف في أحد القولين) 7 هو الأصح، فعلى هذا: لا تقبل شهادتهم حتى يتوبوا، والمشهور: قبول روايتهم قبلها، ويمتحن بذلك، فيقال: فاسق تقبل روايته دون شهادته.
ويستثنى من ذلك: ما لو شهد بالجرح وذكر سببه وهو الزنا، ولم يكمل أربعة.. فإنه لا حد عليه على المختار أو الصواب في "الروضة" 8 لأنه مسئول عنها، بخلاف شهود الزنا؛ فإنهم مقصرون.

6218 - قوله: (وإن شهد أربعة أحدهم الزوج.. فقد قيل: يحد الزوج قولاً واحداً، وفي الثلاثة قولان، وقيل: في الجميع قولان) 1 الأصح: الطريقة الأولى، وأصح القولين: أن الثلاثة يحدون أيضًا، ومحل الطريقين: ما إذا لم يسبق من الزوج قبل شهادته قذف، فإن سبق منه قذف.. حد قطعاً، قاله ابن الصباغ.
6219 - قوله: (ومن شهد بالرضاع.. ذكر أنه ارتضع من ثديها أو من لبن حلب منها، وذكر عدد الرضاع، ووقته) 2 أي: كونه في سن الرضاع وهو الحولان فما دونهما، لا بد أيضاً مع ذكر العدد من التفريق، لكن قال الرافعي: إن ذكر العدد يقتضيه، وقال ابن الرفعة: لا؛ فإن مأخذ ذكره اختلاف الناس، فذكره ينفي احتمال الانتقال من ثدي إلى ثدي، الأصح أيضًا: أنه لا بد من ذكر وصوله إلى الجوف.
6220 - قوله: (وإن شهد بالزنا.. ذكر الزاني وكيف زنى) 3 أوضحه "الحاوي" بقوله [ص 672]: (وللزنا أنه أدخل فرجه في فرجها) والمراد: الحشفة أو قدرها من مقطوعها، وإن كان ظاهر إطلاق الفرج يوهم الجميع.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لنا كلام في الاكتفاء بتغييب الحشفة؛ فإن العمدة في ذلك ما علق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيجاب الغسل عليه بقوله: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل" 4، والختان: موضع القطع، وهو وراء الحشفة بقدر أنملة ونحوها، فلابد في تعلق الأحكام من إيجاب الغسل وغيره من دخول الحشفة وما بعدها حتى يدخل موضع القطع، ولم أجد في حديث من الأحاديث تعليق الحكم على الحشفة وعلى هذا فمقطوع الحشفة أو بعضها لابد أن يولج القدر الذي كان يعتبر عند السلامة، وكذا لو خلق لا حشفة له.. فلابد من اعتبار الحشفة وما بعدها إلى موضع القطع، قال شيخنا: وينبغي أن يقول الشاهد في يقظته؛ لأنه قد يدخل ذكره في حال نومه.
6221 - قول "التنبيه" [ص 272]: (وفي أي موضع زنا) لم يتعرض له الرافعي والنووي، وذكره الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وحكاه الماوردي عن أصحابنا، قال: وعلى قياسه زمان الزنا، ثم قال: وليس إطلاق هذا القول عندي صحيحاً، والواجب أن ينظر، فإن صرح بعض الشهود بذكر المكان والزمان.. وجب سؤال الباقين عنه، وإن لم يصرح بعضهم

به.. لم يسألوا عنه؛ لأنه لو وجب سؤالهم عن الزمان والمكان إذا لم يذكروه.. لوجب سؤالهم عن ثيابه وثيابها، وعن لون المزني بها من سواد أو بياض، وعن سنها من صغيرة أو كبيرة، وعن قدها من طول أو قصر؛ لأن اختلافهم فيه موجب لاختلاف الشهادة، فيتناهى إلى ما لا يحصى، وهذا غير معتبر في السؤال، فكذلك في المكان والزمان، إلا أن يبتدئ بعض الشهود بذكره.. فيسأل الباقون عنه؛ ليعلم ما هم عليه من موافقة واختلاف (1). وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" اعتبار الزمان عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ، ثم قال: والصحيح عندنا: أنه لا يشترط بيان المكان ولا الزمان ولو ذكره بعض الشهود؛ لأنهم لو قالوا: لا ندري في أي زمان كان.. كانت شهادتهم مقبولة، وأما المكان.. ففي نسيانه بعد، لكن لما لم يسأل عنه عمر رضي الله عنه.. دل على أنه ليس بمعتبر، والشافعي لم يعتبره، والمعتمد عدم اعتباره.
انتهى.
6222 - قوله: (ومن كانت عنده شهادة في حد من حدود الله عز وجل؛ فإن رأى المصلحة في الشهادة.. شهد، وإن رأى المصلحة في الستر.. استحب أن لا يشهد) (2) كذا صححه النووي في باب حد الزنا من زيادة "الروضة" (3)، وصحح الرافعي في الموضع المذكور أنه لا يستحب كتمانها؛ لئلا تتعطل (4)، وجزم هو والنووي في باب الشهادات بأن الأفضل فيها الستر (5)، وكذا جزم به النووي من زيادته في آخر الباب الثاني من القضاء (6)، وفي "الكفاية": أن محل ذلك فيما إذا لم يتعلق بتلك الشهادة إيجاب حد على غير مرتكب الجريمة، فإن تعلق به كما إذا شهد ثلاثة بالزنا.. فإنه يجب على الرابع الأداء ويأثم بالتوقف، وحكاه عن "الحاوي" و"البحر".

فَصْلٌ [في الشهادة على الشهادة]

6223 - قول "التنبيه" [ص 272]: (تجوز الشهادة على الشهادة في حقوق الآدميين، وفي حدود الله عز وجل قولان، أظهرهما: أنه يجوز) هو ظاهر إطلاق "الحاوي" قبول الشهادة على123456

الشهادة، لكن المذهب في "أصل الروضة": منعه في حدود الله تعالى 1، وهو مفهوم قول "المنهاج" [ص 573]: (وفي عقوبة لآدمي على المذهب) والمراد: منع إثباتها، أما الشهادة بأن القاضي حد فلاناً.. فلا خلاف في جوازه؛ لأنه حق آدمي، فإنه إسقاط حد عنه، قال في " أصل الروضة": ذكره ابن الصباغ، وظاهره أنه من كلامه، وإنما نقله عن ابن القاص، قال ابن القاص: والإحصان كالحد، كذا أطلق نقله عنه في "أصل الروضة" 2، وإنما قاله في إحصان من ثبت زناه، لا مطلقاً كما حكاه عنه ابن الصباغ.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لو خرج على أن شهود الإحصان هل يتعلق بهم الغرم إذا رجعوا.. لكان له وجه، فإذا فرعنا على الأصح أنه لا يتعلق بهم.. دخلته الشهادة على الشهادة، قال: ويحتمل أن لا تدخله الشهادة على الشهادة على المرأتين؛ لأنه على كل حال ترتب عليه قتل الذي ثبت زناه، ثم بحث شيخنا الفرق بين أن يثبت زناه بالإقرار.. فتقبل الشهادة على الشهادة في إحصانه؛ لإمكان رجوعه، وبين أن يثبت بالبينة، وقال: له وجه قوي أقوى من إطلاق الثبوت، قال: ويفهم منه أنه لا يثبت بالشهادة على الشهادة بلوغ من ثبت زناه؛ لأنه يؤول إلى العقوبة، وكذا بقية ما يعتبر في الإحصان، قال: ويزاد عليه لعان الزوج إذا أنكرته المرأة.. لا يثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأنه يترتب على لعانه إيجاب الحد على المرأة إذا لم تلاعن، وكذا الشهادة بانتقاض عهد الذمي؛ لتخيُّر الإمام فيه بين أمور فيها القتل، والشهادة على الإمام باختيار القتل، وعلى الحاكم الذي حكم بقتل من نزل على حكمه من الرجال المكلفين، وعلى الحاكم بإيجاب الحد على الزاني.
6224 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وتحمُّلُهَا بأن يسترعيه فيقول: "أنا شاهد بكذا وأشهدك"، أو "اشهد على شهادتي"، أو يسمعه يشهد عند قاض، أو يقول: " أشهد أن لفلانٍ على فلانٍ ألفاً من ثمن مبيع أو غيره") 3 فيه أمور: أحدها: أنه يفهم اختصاص الشهادة بالمسترعي، وليس كذلك، قال في "أصل الروضة": وإذا صح الاسترعاء.. لم يختص التحمل بمن استرعاه 4، ولذلك قال "الحاوي" [ص 672]: (أو أذن فيها) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وظهر بذلك أنه إذا سمع قضاء القاضي بعلمه.. فإنه يجوز أن يتحمل الشهادة على قضاء القاضي وإن لم يسترعه، وكذا المحكم إذا جوزنا حكمه.

ثانيها: مقتضى كلامهما: أنه لابد مع الإذن من الشهادة على شهادته من أن يخبر أن عنده شهادة بكذا، وليس كذلك؛ ولهذا لم يعتبر "الحاوي" سوى الإذن فيها، لكن مقتضى عبارته الاكتفاء بقوله: (أذنت لك أن تشهد بكذا) وإن لم يقل: (على شهادتي)، ويوافقه تمثيل "أصل الروضة " لذلك بأن يقول: إذا استشهدت على شهادتي.. فقد أذنت لك أن تشهد 1، وتعقبه شيخنا في "تصحيح المنهاج" باحتماله أن تشهد أنت على ما تعرفه من ذلك، قال: ومقتضى نص الشافعي أنه لابد أن يقول: فاشهد على شهادتي، وفي "الحاوي" للماوردي: لو قال: أشهد أن لفلان على فلان ألفاً، فاشهد أنت بها.. لم يكن استرعاء حتى يقول: فاشهد على شهادتي، نص عليه 2. ثالثها: ذكر "المنهاج" المضارع وهو قوله: (أشهدك) والأمر وهو قوله: (اشهد) واقتصر "التنبيه" على الأمر، وقد يفهم منهما أنه لو قال: (أشهدتك) بلفظ الماضي.. لم يكف، وقد صرح في "أصل الروضة " بالتمثيل بالماضي 3، وقد يقال: إن تعبير "الحاوي" بالإذن لا يتناول الماضي ولا المضارع.
رابعها: يرد على عبارة الثلاثة المحكم، فيكفي أداء الشهادة عنده وإن لم نجوز التحكيم، وينبغي الاكتفاء بأداء الشهادة عند أمير أو وزير؛ بناء على تصحيح النووي وجوب أدائها عنده، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعندي يجوز على الوجهين؛ لأن الشاهد لا يقدم على ذلك عند الوزير أو الأمير إلا وهو جازم بثبوت المشهود به، قال: وكذلك لو شهد عند الكبير الذي دخل في القضية بغير تحكيم.
خامسها: نازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الطريق الثالث وهو بيان السبب، فقال: لم أقف في نصوص الشافعي رضي الله عنه على ما يقتضي الاكتفاء به، وفي "النهاية " عن الأكثرين: أنه لا يكتفى به، وأنه الأظهر 4، وقال شيخنا المذكور: إنه الصحيح الذي تقتضيه نصوص الشافعي.
6225 - قول "المنهاج " [ص 573]: (وفي هذا وجه) يقتضي أنه ليس في الذي قبله وهو الشهادة عند القاضي، وليس كذلك، وفي الرافعي عن أبي حاتم القزويني وجه أنه لا يكفي أيضاً 5.

6226 - قول "التنبيه" [ص 272]: (فإن أراد أن يؤدي الشهادة على الشهادة؛ فإن تحمل بالاسترعاء... إلى آخر كلامه) يفهم أن ذلك على طريقة اللزوم، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 573]: (وليبين الفرع عند الأداء جهة التحمل، فإن لم يبين ووثق القاضي بعلمه.. فلا بأس) وهو مفهوم من سكوت "الحاوي" عن بيان جهة التحمل.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": انفرد بذلك الإمام، وهو مخالف لإطلاق الأصحاب، والمعتمد عندي خلافه؛ لأنه وإن كان عالماً بكيفية التحمل قد لا يوافق رأيه رأي الحاكم ولو كان مقلداً لإمام الحاكم؛ لأن المقلدين تختلف آراؤهم على مقتضى مذهب إمامهم، وقال الغزالي: إن له الإصرار، وإن سأله القاضي.. لم يلزمه التفصيل 1، قال شيخنا: وهذا يورث القاضي ريبة في جهة التحمل التي اعتمدها.
6227 - قول "المنهاج" [ص 573]: (ولا يصح تحمل النسوة) لم يصرح به في "المحرر"، وقال في "الدقائق": ليس بزيادة محضة، فإنه يفهم من قول "المحرر" قبل هذا: (إن ما ليس المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال غالباً لا يثبت إلا برجلين).
انتهى 2. ولا يصح تحمل الخنثى المشكل أيضًا، لكن لو بانت ذكورته.. صح تحمله.
6228 - قوله: (فإن حدث - أي: بالأصل - ردة أو فسق أو عداوة.. منعت) 3 أي: شهادة الفرع، و"الحاوي" [ص 672]: (لا إن فسق أو عادى) فيه أمور: أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى منه: ما إذا كان الفرع شاهداً على شهادة من قضى بعلمه؛ فإنها شهادة على شهادة ملازمة للقضاء، فإذا حدث من القاضي بعلمه ردة أو فسق أو عداوة.. لم يمنع من قبول شهادة الفرع، ولا يلحق به ما إذا شهد الفرع على شهادة أصل شاهد عند حاكم؛ فإنه إن قضى القاضي بشهادة الأصل.. فليس شهادة على شهادة، وإلا.. فهو منفك عن القضاء بخلاف ما ذكرناه.
ثانيها: أنه تناول ما إذا حدثت العداوة بعد إقامة الفرع شهادته عند الحاكم، وقد قال ابن الصباغ: إن ذلك لا يؤثر في الشاهد الأصلي، وحكاه عن الشافعي، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج ": وليس في كلام غيره ما يخالفه، وفقهه واضح، وهو وارد على إطلاق أن حدوث عداوة مانع من قبول شهادة الفرع.
ثالثها: المراد: حدوث ذلك قبل الحكم بشهادته، ولا أثر لحدوثه بعده، كما صرح به في

"أصل الروضة" 1، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا مقيد في الفسق والردة بأن لا يكون في حد لآدمي أو قصاص لم يستوف، فإن وجد بعد القضاء وقبل الاستيفاء.. لم يستوف على المذهب كما في الرجوع عن الشهادة.
6229 - قول "المنهاج" [ص 573]: (وجنونه كموته على الصحيح) قد يفهم أن الإغماء ليس كذلك، وقد فصل فيه الإمام فقال: فإن كان غائباً.. لم يؤثر، وإن كان حاضراً.. لم يشهد الفرع، بل ينتظر زواله، لقربه 2، قال الرافعي: ومقتضاه: أن يلحق به كل مرض يتوقع زواله كالإغماء 3، وقال النووي: الصواب: أن المرض لا يلحق به وإن توقع زواله قريباً؛ لأن المريض أهل للشهادة بخلاف المغمى عليه 4. واعترضه في "المهمات": بأنه لا يقتضي بطلان كلام الرافعي، بل يعضده ويقويه؛ لأن وجود الأصل بصفة الشهادة أقرب إلى عدم قبول الفرع من وجوده بصفة يخرج بها عن الأهلية بسبب لا تقصير فيه، والمجنون الحاضر تقبل شهادة فرعه، وإلحاق الإغماء به أقرب من إلحاقه بمرض لا يزيل العقل، فإذا انتظرنا زوال الإغماء، لقربه.. فالمرض القريب أولى، وكأنه توهم أن مراد الرافعي: إلحاق المرض بالإغماء في بطلان شهادة فرعهما.
6230 - قول "التنبيه" [ص 272]: (فإن شهد اثنان على أحد الشاهدين ثم شهدا على الآخر.. ففيه قولان، أحدهما: يجوز، والثاني: لا يجوز) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 574]: (وتكفي شهادة اثنين على الشاهدين).
6231 - قول "التنبيه" [ص 272]: (ولا تجوز الشهادة على الشهادة إلا أن يتعذر شهود الأصل بالموت أو المرض أو الغيبة في مسافة تقصر فيها الصلاة) فيه أمور: أحدها: أن المرض والغيبة لا يتعذر معهما حضور شاهد الأصل، فكان ينبغي أن يقول كـ "المنهاج" [ص 574]: (وشرط قبولها: تعذر أو تعسر الأصل) ولم يذكر "الحاوي" تعذراً ولا تعسراً، فسلم من ذلك.
ثانيها: أنه أطلق المرض، وقيده "المنهاج" بأن يشق حضوره معه 5، وقيده في "أصل الروضة" بالمشقة الظاهرة 6.

ثالثها: أن ذلك لا يختص بالمرض، بل يلحق به خوف الغريم، وسائر ما يترك به الجمعة، كما قال الإمام والغزالي 1، وتبعهما "الحاوي" فقال [ص 672]: (أو به عذر الجمعة)، لكن قال الرافعي والنووي: وليكن ذلك في الأعذار الخاصة دون ما يعم الأصل والفرع؛ كالمرض والوحل 2. واعترضه في "المهمات": أن ذلك لا يستحيل معه الحضور، بل يمكن مع مشقة، فقد يرضى الفرع بالحضور دون الأصل.
رابعها: الأصح: أنه لا يتوقف ذلك على مسافة القصر، بل تكفي الغيبة فيما فوق العدوى، وعليه مشى "الحاوي" 3، وأما قول "المنهاج" [ص 574]: (أو غيبة لمسافة عدوى) فسبق قلم؛ فإن مسافة العدوى كالقريبة، وعبارة "المحرر" و"الروضة" وأصلها: على الصواب 4، فسهى "المنهاج" في اختصاره، وقد مشى على الصواب فيما إذا دعي لأداء شهادة في بلد أخرى، وفي سماع الدعوى على غائب، وفي الإعداء على غائب، فجعل فيها مسافة العدوى كالقريبة.
6232 - قول "المنهاج" [ص 574]: (وأن يسمى الأصول) أي: يسمى كل فرع أصله، والمراد: تسمية يحصل بها تعريفهم؛ ولذلك عبر في "أصل الروضة" بقوله: يجب على الفروع تسمية الأصول وتعريفهم 5، وقوله بعد ذلك: (ولو شهدوا على شهادة عدلين أو عدول ولم يسموهم.. لم يجز) 6 قد يدعى أنه تكرر؛ لما سبق من اشتراط تسميتهم، ولكن هذه فيها زيادة تعديل بغير تسمية، فهي أخص مما تقدم، والله أعلم.
6233 - قول "التنبيه" [ص 272]: (وإن شهد شهود الفرع ثم حضر شهود الأصل قبل أن يحكم.. لم يحكم حتى يسمع من شهود الأصل) كذا لو شفوا من مرضهم، وفي معناه: لو أبصروا بعد عماهم، أو أفاقوا من جنونهم أو من إغمائهم إن سوغنا الشهادة على الشهادة معه، وينبغي أنه إذا علم أنهم توجهوا من غيبتهم البعيدة بحيث كانوا وقت أداء الفروع الشهادة في مسافة العدوى فما دونها.. أنه لابد من شهادة الأصول كما قاله البغوي في غيبة الولي، والله أعلم.

فَصْلٌ [في الرجوع عن الشهادة]

6234 - قولهما - والعبارة "للتنبيه" -: (وإن شهدوا بحق ثم رجعوا عن الشهادة؛ فإن كان قبل الحكم.. لم يحكم) 1 قد يفهم اختصاص امتناع الحكم بحالة الرجوع، وليس كذلك، بل لو قالوا له: توقف.. وجب عليه التوقف، فلو قالوا بعد ذلك: اقض فإنا على شهادتنا.. جاز القضاء من غير إعادة شهادة على الأصح فيهما، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 681]: (وإن قال: توقف، ثم: اقض.. قضى بلا إعادة) وقال شيخنا الإمام البلقيني: عندي ينبغي أن يسأله عن سببه هل هو لشك طرأ أم لأمر ظهر له؟ فإن قال: لشك طرأ.. قال بيّنه، فإن ذكر ما لا أثر له عند الحاكم.. لم يمنعه من الحكم.
6235 - قول "المنهاج" [ص 574]: (أو بعده وقبل استيفاء مال.. استوفى) كذا العقد كما صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 2، وكذا الفسوخ تستمر على إمضائها.
6236 - قول "الحاوي" [ص 682]: (وإن قُتل.. قُتل إن قال: تعمدت) أحسن من قول "المنهاج" [ص 574]: (وقالوا: تعمدنا) لأن مقتضى عبارة "المنهاج" أنه لابد أن يقول كل واحد: تعمدت وتعمد صاحبي، وليس كذلك، بل لو قال كل منهم: تعمدت ولم أعلم حال من شهد معي، أو اقتصر على قوله: تعمدت.. لزمهما القصاص أيضاً، كما حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي وغيره، ولو قال أحدهما: تعمدت أنا وصاحبي، وقال الآخر: أخطأت أو أخطأنا.. فلا قصاص على الثاني، ويلزم الأول القصاص على الأصح، ولو قال أحدهما: تعمدت وتعمد صاحبي، وقال صاحبه: تعمدت وأخطا هو.. وجب القصاص على الأول، ولا يجب على الثاني على الصحيح؛ لأنه لم يعترف إلا بشركة مخطئ، ولو رجع أحدهما وأصر الآخر وقال الراجع: تعمدنا.. لزمه القصاص، وإن اقتصر على قوله: تعمدت.. فلا، كذا في "أصل الروضة" 3. وتعقبه شيخنا في "تصحيح المنهاج" في هذه الأخيرة؛ لأن إصرار صاحبه يقتضي أنه تعمد، فهو قاصد لقتله بحق، فكان كشريك القاتل قصاصاً أو القاطع حداً، وذلك مقتضي لإيجاب القصاص على الذي قال: تعمدت.
انتهى.
ولا يرد ذلك أيضًا على قول "التنبيه" [ص 273]: (فإن تعمدوا.. لزمهم القصاص) لأنه رتب

لزوم القصاص على تعمد كل واحد لا على نسبته التعمد لنفسه ولصاحبه.
ويرد عليهما: أنهم لو قالوا: لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا، بل ظننا أنه يحبس ونحو ذلك، وكانوا ممن يخفى عليهم ذلك لقرب عهدهم بالإسلام.. فهو شبه عمد، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 682]: (أو ما علمت يقتل بقولي)، ولا بد من تقييده بمن يخفى عليه، ويمكن أن يدرج في عبارته ما إذا قالوا: لم نعلم أنه يقتل بقولنا؛ لأنا ظننا أنا نجرح بأسباب تقتضي الجرح، وقد أدرجها الرافعي في عبارة "الوجيز" ثم قال ويمكن أن يجعل هذا خطأ 1، وأسقط ذلك في "الروضة"، وذكره شيخنا الإمام البلقيني على حاشية "الروضة" بحثاً فقال: ينبغي إذا قالوا: لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا؛ لظهور أمور فينا تقتضي رد شهادتنا عليه ولكن الحاكم قصر في ذلك.. أن يكون شبه عمد أيضاً، ولم أر من تعرض له.
6237 - قول "المنهاج" في المسألة [ص 574]: (أو رجم زناً أو جلده ومات) فيه أمران: أحدهما: لو قال: (أو جلداً).. لكان أخصر وأعم؛ ليتناول جلد القذف والشرب.
ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يأتي في الجلد ما ذكر من الحكم بعد ذلك؛ فإن جلد الحد لا يقتل غالباً، فلا قصاص، ولا يغلظ الدية تغليظ العمد المحض، فإن خرج الجلد عن الحد حتى صار يقتل غالباً.. فقد خرج عن المقصود، قال: ولم يذكر ما إذا لم يمت من الجلد، وحكمه أنهم يعزرون، وإن حصل أثر يقتضي الحكومة.. وجبت، ولم أر من تعرض له من الأصحاب، وفي نص "المختصر" ما يقتضيه حيث قال: (وما لم يكن من ذلك فيه قصاص.. أغرموه وعزروا) 2. 6238 - قوله: (وإن رجع هُوَ وَهُمْ - أي: القاضي والشهود -.. فعلى الجميع قصاص) 3 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا مخالف لما ذكره في الولي والشهود من أنهم إذا رجعوا.. اختص القصاص بالولي؛ لأنه 4 مستقل كالولي؛ فإنه يمكنه أن لا يحكم ولا يقال: هو ملجأ؛ لأن رجوعه واعترافه بالتعمد يمنع من ذلك، فالأصح: أنه يختص القصاص بالقاضي كما يختص بالولي، وقوله: (إن قالوا: "تعمدنا") 5 فيه ما سبق من أن اعتراف كل واحد بالتعمد كاف.
6239 - قوله: (ولو رجع مزكِّ.. فالأصح: أنه يضمن) 6 قد يفهم أنه لا قصاص عليه؛

لاقتصاره على الضمان مع ذكره القصاص فيما قبله وبعده، وليس كذلك، فالأصح: أن عليه القصاص عند وجود مقتضيه، وقد صرح بذلك "الحاوي" 1. قال القفال: ومحل الخلاف إذا قال: علمت كذبه، فإن قال: علمت فسقه.. فلا شيء عليه؛ لأنه قد يصدق مع فسقه، وطرده الإمام في الحالين 2. 6240 - قول "المنهاج" [ص 574]: (أو ولي وحده.. فعليه قصاص أو ديه) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله في غير قطع الطريق، فلا أثر فيه لرجوع الولي وحده؛ لأن القتل لا يتوقف على طلبه ولا يسقط بعفوه.
6241 - قوله: (أو مع الشهود.. فكذلك، وقيل: هو وهم شركاء) 3 ما صححه من اختصاص الولي بالقصاص أو الدية فيما إذا رجع مع الشهود لم يصححه في "المحرر"، وإنما قال: (رجح كلًّا مرجحون) 4 فترجيحه من زيادة "المنهاج" بلا تمييز، ونقل الرافعي في "شرحيه" تصحيحه عن الإمام وتصحيح مقابله عن البغوي 5، وعليه مشى "الحاوي" فقال بعد ذكر الشهود [ص 682]: (والولي والمزكي وهم شركاء) وذكر القاضي حسين والمتولي أنه المذهب، وقال في "الروضة": الأصح: ما صححه الإمام، وقد سبق في أول الجنايات القطع به، فهو الأصح نقلاً ودليلاً 6. واعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأنه لم يسبق في أول الجنايات رجوع الولي والشهود، وإنما سبق اعتراف الولي بعلمه بكذبهما، وهذا أخص منه؛ فإن مجرد رجوع الولي لا يقتضي تكذيب الشهود؛ فإن الولي قد يرجع لأمر قد ظهر له، وذلك الأمر لا يقتضي تكذيب الشهود، فإذا اعترف الولي بتكذيب الشهود فيما شهدوا له به وأقدم على القتل.. فقد صار هو المنفرد بالقتل، ولا شركة بينه وبينهم هنا قطعاً، وأما صورة الرجوع: فقد يقول: تعمدت ذلك ولا أعلم حال الشهود، فهنا في ثبوت الشركة بينه وبينهم الوجهان المذكوران؛ لأنهم يتعاونون على القتل، وإقدام الولي على القتل المستند إلى شهادتهم التي أقاموها بطلب الولي يقتضي أنهم محقون فيما شهدوا به، وما مكنه القاضي من القتل إلا بشهادتهم، ولم يعترف الولي بكذبهم حتى ينقطع التعلق بهم، فظهر بذلك الفرق بين الصورتين.

والرافعي قد غاير بينهما في الجنايات، فقال فيه: وإن رجع الشهود وقالوا: لم نعلم أنه يقتل بقولنا، أو رجع المزكي أو القاضي إما مع الشهود أو دونهم، أو الولي إما معهم أو وحده، فكل ذلك سيأتي في الشهادات، وإنما يجب القصاص على الشهود إذا أخرجت شهادتهم مباشرة القتل عن أن يكون عدواناً، أما إذا اعترف الولي بكونه عالماً بكذبهم.. فلا قصاص عليهم، قال في "الوسيط"؛ لأنهم لم يلجئوه حساً ولا شرعاً، فصار قولهم شرطاً محضاً كالإمساك 1. قال شيخنا: فقد صرح الرافعي بأن صورة رجوع الولي مع الشهود تأتي في الشهادات، ثم ذكر صورة اعتراف الولي بكونه عالماً بكذب الشهود، وجزم فيها بأنه لا قصاص على الشهود.
6242 - قول "التنبيه" [ص 273]: (فإن رجع شهود الطلاق بعد الحكم؛ فإن كان بعد الدخول.. لزمهم مهر المثل للزوج، وإن كان قبل الدخول.. ففيه قولان، أحدهما: يلزمهم نصف مهر المثل، والثاني: يلزمهم جميعه) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 2، وهنا أمور: أحدها: أطلق "التنبيه" الطلاق، وقيده "المنهاج" بالبائن، وفي معناه: ما إذا كان رجعياً ولم يراجع كما صححه في "أصل الروضة" 3، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" 4، والذي في "الكفاية" عن "التهذيب" والقاضي حسين: أنه يغرم في الحال، فإن راجع.. رد، وإلا.. استقر، وبينهما تفاوت، ومشى "الحاوي" على الأول فقال [ص 681]: (لا في الرجعي إن راجع)، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا عندنا غير معتمد، بل الأصح المعتمد: أنه إذا أمكن الزوج الرجعة فتركها باختياره.. لم يغرموا له شيئاً، فال: ولو شهدوا بطلاق رجعي على رجعية.. فأولى بأن لا يغرموا شيئاً.
ثانيها: أنه دخل في عبارتهم: ما لو شهدوا على رجعية بطلاق بائن، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو الأرجح عندي؛ لأنهم قطعوا عليه ملك الرجعة الذي هو كملك البضع، ولم أر من تعرض لذلك.
ثالثها: يستثنى من وجوب مهر المثل صور: أحدها: إذا لم يرجعوا إلا بعد موت الزوج.. لم يغرموا لورثته شيئاً كما قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج" لأن الغرم للحيلولة بينه وبين بضعه، ولا حيلولة هنا، قال: وهذا فقه ظاهر، ولم أر من تعرض له.

الثانية: إذا لم يرجعوا إلا بعد أن أبانها بطريق من الطرق على زعمه في بقاء عصمته.. فلا غرم أيضاً على قياس ما تقدم، بل أولى؛ لتقصيره بالبينونة باختياره.
الثالثة: إذا قال الزوج بعد الإنكار إما قبل رجوعهم أو بعده: أنهم محقون في شهادتهم.. فلا رجوع له.
الرابعة: إذا رجعوا عن شهادتهم عليه بالطلاق على عوض على المرأة أو أجنبي قدر مهر المثل أو أزيد.. فلا غرم على قياس ما في "أصل الروضة" عن ابن الحداد والبغوي فيما إذا اشهدوا أنه طلقها بألف ومهرها ألفان.. أن عليهما ألفاً وقد وصل إليه من المرأة ألف 1، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: التغريم، فلا تستثنى هذه الصورة لا في عدم الغرم ولا في غرم تكملة مهر المثل فيما إذا كان العوض المشهود به ألفاً وكان مهر مثلها ألفين.
الخامسة: إذا كان المشهود عليه قناً.. فلا غرم كما قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، لا له؛ لأنه لا يملك شيئاً، ولا لمالكه؛ لأنه لا تعلق له بزوجة عبده، فلو كان مبعضاً.. غرم له الشهود بقسط الحرية، قال: ولم أر من تعرض لشيء من ذلك، قال: ولو كان الرجوع عن الشهادة على مجنون أو غائب.. فالأرجح: أن لوليه أو وكيله تغريمهم، ويحتمل خلافه؛ لأنه لم يوجد منه إنكار.
6243 - قول "المنهاج" [ص 574]: (ولو شهدا بطلاق بائن أو رضاع أو لعان وفرق القاضي فرجعا.. دام الفراق) فيه أمران: أحدهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يكفي التفريق، بل لابد من القضاء بالتحريم، والتفريق يترتب على ذلك؛ لأن القاضي قد يقضي بالتفريق من غير حكم بالتحريم كما في النكاح الفاسد.
ثانيهما: قوله: (دام الفراق) لا يستقيم في الطلاق البائن، فلو عبر بالنفوذ كما في "الحاوي" 2، أو بقوله: (لم يرتفع الفراق) كما في "الروضة" وأصلها.. لكان أولى 3. 6244 - قول "المنهاج" [ص 575]: (ولو شهدا بطلاق وفرق فرجعا فقامت بينة أنه كان بينهما رضاع.. فلا غرم) كذا لو اعترف الزوج بذلك، وفي معناه: ما لو قامت بينة بأنه كان طلقها قبل ذلك ثلاثاً، وفهم من قوله: (كان بينهما رضاع) أن حدوث رضاع بعد الشهادة بالطلاق، لكونها صغيرة ليس كذلك، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": أنه لا غرم في هذه الصورة أيضاً كما تقدم في رجوعهم بعد إبانتها.

6245 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولو رجع شهود مال.. غرموا في الأظهر) 1 عبر في "الروضة" بالمذهب 2، ووقع في "المطلب" أنه عبر بالمذهب عن عدم التغريم، وهو سهو على "الروضة"، وفي "الكفاية" أن النووي صححه.
قال النشائي: ولم أره في شيء من كتبه 3، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن التغريم قديم أو مخرج، ويستثنى من ذلك مسألتان: إحداهما: إذا شهدوا بعوض المال الذي فوتوه بقدر قيمته؛ كأن شهدوا بشفعة أو بيع والثمن مثل القيمة، ثم رجعوا.. فلا غرم كما [حكاه] 4 شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن الماوردي، وقال: إنه فقه ظاهر معمول به.
الثانية: إذا ادعى بالغ في يد إنسان أنه حر، وأن هذا استولى عليه ظلماً، وادعى صاحب اليد أنه رقيقه، وأقام عليه بينة، فحكم الحاكم بها، ثم رجعوا.. لم يغرموا للعبد شيئاً، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقال: يشهد له أن المنقول فيما إذا ادعى عبد أن مالكه أعتقه، وأجنبي أنه باعه له، فأقر بالبيع.. أنه لا يحلف للعبد قولاً واحداً؛ لأنه لو اعترف له بما ادعاه.. لم يقبل؛ لتعلق حق الأجنبي، ولا يلزمه غرم، قال: وغرم الشهود الراجعين في المال مخرج من غرم القائل: هذا لزيد بل لعمرو، وقد قطعوا في المخرج منه بعدم التغريم.
6246 - قول "التنبيه" [ص 273]: (وإن شهد ستة - أي: بالزنا - فرجع اثنان.. فقد قيل: لا يلزمهما شيء، وقيل: يلزمهما ثلث الدية) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 5، ونص عليه الشافعي في "مختصر البويطي".
6247 - قول "المنهاج" [ص 575]: (وإن نقص النصاب وزاد الشهود عليه.. فقسطٌ من النصاب، وقيل: من العدد) و"الحاوي" [ص 682]: (حصة ما نقص عن أقل الحجة) ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه مخالف لنص الشافعي في "البويطي" على أنه إذا رجع من شهود الزنا ثلاثة من ستة.. فعليهم نصف الدية، قال: فلو قال: كان على الراجع حصة بمقتضى التوزيع على الكل.. لكان موافقاً للنص محصلاً للمقصود.
6248 - قول "المنهاج" [ص 575]: (وإن شهد هو وأربع بمال.. فقيل: كرضاع) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا وجه لم يقل بظاهره أحد؛ فإن قضية كونه كرضاع أنه لو رجع الرجل

وحده.. لا غرم، وليس كذلك هنا؛ لأن المال لا يثبت بالنسوة المنفردات.
قلت: إنما أراد تشبيهه بالرضاع في حالة رجوع الكل، فيكون عليه ثلث وعليهن ثلثان؛ ويدل لذلك قوله: (والأصح هو نصف وهن نصف) 1 فدل على الرجوع من الكل؛ فإنه لا غرم على من لم يرجع، لكن يشكل على ذلك قوله: (سواء رجعن معه أو وحدهن) 2 فإنه يقتضي تناول كلامه المتقدم رجوع البعض.
6249 - قول "التنبيه" [ص 273]: (وإن شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان ثم رجعوا.. فقد قيل: لا يلزم شهود الإحصان شيء، وقيل: يلزمهم) الأول أصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 3، لكن في "المهمات": أن المعروف الغرم؛ فقد صححه الماوردي وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد" والجرجاني في "الشافي".
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه الأرجح؛ لأن المزكين داخلون في الضمان على الأصح، وقياسه: غرم شهود الإحصان، والبغوي صحح فيهما: عدم الضمان، وليس بمعتمد في المزكي، فكذا في شهود الإحصان، وعبارة "التنبيه" و"المنهاج" تقتضي أن الخلاف في ذلك وجهان، وكذا رجحه في "الشرح الصغير" و"أصل الروضة" 4، وكذا حكاه جماعة، وحكاه الفوراني والإمام والغزالي قولين 5. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والظاهر أن ناقل القولين معه زيادة علم بنسبته ذلك للشافعي رضي الله عنه.

جارٍ التحميل