2142 - قول "التنبيه" فيما إذا حصلت على رجل ديون حالة [ص 101]: "وإن كان له مال لا يفي بديونه، فسأل الغرماء الحاكم الحجر عليه.. حجر عليه) فيه أمور:
أحدها: أنه لا يخفي أن التعبير بالرجل مثال لا مفهوم له؛ فالمرأة كذلك؛ ولذلك عبر "المنهاج" و"الحاوي" بعبارة تتناولهما 1.
ثانيها: تعبيره وتعبير "المنهاج" بالديون مثال أيضًا جريا فيه على الغالب؛ فالدين الواحد إذا زاد على المال كذلك؛ ولذلك عبر "الحاوي" بالدين 2.
ثالثها: تعبيرهم جميعًا بالمال يقتضي عدم الحجر إذا لم يكن له مال، وتوقف فيه الرافعي، وقال: قد يقال: يجوز منعًا له من التصرف فيما عساه يحدث له باصطياد واتهاب والظفر بركاز وغيرها 3.
رابعها: تناول إطلاقهم دين الآدمي ودين الله تعالى كالزكاة ونحوها، والمراد: الأول، فلا حجر بدين الله تعالى، كما في الرافعي في (الأيمان) بعد ذكر الأقوال في اجتماعهما؛ حيث قال: ولا تجري هذه الأقوال في المحجور عليه بالفلس إذا اجتمعت حقوق الله ما دام حيًا.
انتهى 4.
وعليه يدل تعبيرهم بسؤال الغرماء، وقول "المنهاج" و" التنبيه" بعد ذلك: (قسم بين الغرماء) 5، وقول "المنهاج" [ص 250]: (فإذا حُجِرَ.. تعلق حق الغرماء بماله).
خامسها: نقل شيخنا الإسنوي في "شرح المنهاج" عن الرافعي: تصحيح الحجر بالتماس الغرماء ولو زاد ماله على الدين إذا امتنع من وفائه، ولو صح ذلك.. لورد على الكتب الثلاثة، لكن الذي في الرافعي إطلاق كونه له مال 6، فليحمل على ما إذا كان الدين أزيد من المال.
سادسها: لا يتقيد ذلك بسؤال جميع الغرماء، بل لو سأل بعضهم ذلك، ودينه قدر يُحْجَر به.. حُجِر أيضًا، وقد ذكره "المنهاج" 7، ولا يختص أثر الحجر بطالبه، بل يعم الكل، بل حكي
النووي عن جماعة: إطلاق الحجر إذا عجز ماله عن ديونه، وطلبه بعضهم، ولم يعتبروا دين الطالب، وقال: إنه قوي 1، وقد يوافقه تعبير "الحاوي" بـ (الغريم) 2، وقد يُدعي فيه العموم أيضًا؛ لكونه جنسًا معرفًا بالألف واللام.
سابعها: في معنى سؤال الغرماء أو بعضهم: سؤال المفلس فيحجر بطلبه، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 3، قال السبكي: وصورته: أن يثبت الدين بدعوي الغرماء والبينة أو الإقرار أو علم القاضي، فيطلب المديون الحجر دون الغرماء، وإلا.. لم يكف طلبه ولو لم يدع الغرماء، فمقتضي كلام ابن الرفعة: تخريج الحجر على الحكم بالعلم.
انتهى.
ثامنها: مقتضي كلامه: أنه لا يحجر بغير طلب، وقد صرح بذلك "المنهاج" 4، لكن محله: في الرشيد، أما المحجور عليه لصبًا أو جنون أو سفه.. فيحجر له بسؤال وليّه، فإن لم يسأل.. حجر الحاكم بغير سؤال أحد، وقد ذكره "الحاوي 5.
تاسعها: عبارته وعبارة "المنهاج" تقتضي أنه إنما يكون الحجر على من عليه الدين، ويرد عليه: ما إذا كان الذي زاد دينه على ماله صبيًا ونحوه؛ فإن الحجر إنما يُضرَبُ على وليه في مال محجوره لا مطلقًا، وقد توقف شيخنا الإسنوي في الحجر في هذه الصورة، وقال: إن رأينا الحجر به.. ضُرب على الولي، ومراده: في مال محجوره لا مطلقًا كما ذكرته، لكن لا معنى لهذا التوقف؛ فإطلاق المطولات والمختصرات يقتضي الحجر في هذه الصورة، وهو الفقه، لكن الحجر على الولي كما ذكرته، وأما من عليه الدين.. فإنه محجور عليه بأصل الشرع، وعبارة "الحاوي" لا تنافي ذلك؛ لأنه لم يصرح بمن يحجر عليه.
عاشرها: تعبير الكتب الثلاثة يحتمل جواز الحجر، ووجوبه، والأول هو الذي في "المحرر" تبعًا للإمام وغيره 6، والثاني هو الذي صرح به في "الروضة" من زيادته، وقال: إنه صرح به أصحابنا، وعد جماعةً، قال: ونبهت عليه؛ لأن عبارة كثير منهم: فللقاضي الحجر، ولم يريدوا: أنه مخير فيه.
انتهى 7.
وقال السبكي: لعل الإمام ومن وافقه يقولون: إن القاضي يفعل المصلحة من الحجر والبدار
إلى البيع، وقال في "شرح المهذب": إن الوجوب ظاهر إذا تعذر البيع في الحال، فإن أمكن.. فينبغي ألَّا يجب الحجر، ويوفي الدين كما لو كان المال زائدًا.
حادي عشرها: يشترط أيضًا: أن يكون الدين لازمًا لا كنجوم الكتابة، وهو مفهوم من كلامهم في الكتابة، وأورد النشائي في "نكته" على "التنبيه": اشتراط حلول الدين 1، ولا يرد ذلك عليه؛ لذكره له في صدر كلامه.
2143 - قول "المنهاج" [ص 250]: (وإذا حجر بحَالٍّ.. لم يَحِلَّ المؤجل في الأظهر) عبر في "الروضة" بالمشهور 2.
2144 - قول "التنبيه" فيمن عليه دين مؤجل [ص 101]: (فإن أراد السفر.. لم يمنع منه، وقيل: يمنع من سفر الجهاد) فيه أمور:
أحدها: يستثني من هذا الوجه: ما إذا أتي بكفيل.. فلا منع منه حينئذ.
ثانيها: أنه لا يختص بالجهاد، بل كل سفر مخوف كالبحر كذلك في الأصح.
ثالثها: رجح الشيخ هذا الوجه في قتال المشركين؛ فإنه اعتبر الإذن في الجهاد، وجعل التفصيل بين المؤجل وغيره وجهًا مرجوحًا.
وقد جُمع بين كلاميه: بأن الذي تكلم فيه في قتال المشركين الجهاد، وهنا السفر، وليسا شيئًا واحدًا، ولا متلازمين.
2145 - قوله: (وإن كانت حالّةً وله مال يفي بها.. طولب بقضائها) 3، قال في "الكفاية": أفهم أن المعسر لا يمنع من السفر، لكن قوله في قتال المشركين: (ولا يجاهد من عليه دين إلا بإذن غريمه) 4 يشمل سفر الجهاد مع الإعسار، والصحيح في "أصل الروضة": أنه لا يمنع؛ إذ لا مطالبة في الحال 5، لكن في "الكفاية": قال الأصحاب كما قال الماوردي: يمنع رجاء يساره 6، وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" قوله [ص 306]: (كمنع السفر).
2146 - قول "المنهاج" [ص 250]: (وأُشْهِدَ على حجره) أي: استحبابًا، كما صرح به "التنبيه" 7.
2147 - قول "التنبيه" [ص 101]: (فإذا حجر عليه.. لم ينفذ تصرفه في المال) فيه أمور:
أحدها: أنه يتناول التصرف في الذمة، ولا منع منه؛ ولذلك قال في "الحاوي" [ص 307]: (لا في الذمة)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص 250]: (فلو باع سلمًا أو اشتري في الذمة.. فالصحيح: صحته، ويثبت في ذمته) لتناوله البيع الوارد على الذمة وليس سلمًا، والقرض وإجارة الذمة، بخلاف عبارة "المنهاج"، وأيضًا: فتعبيره بالصحيح مردود؛ لأن الخلاف قولان، فينبغي أن يقول: (المشهور).
ثانيها: أن ظاهر قوله: (في المال) إرادةُ المال الحاصل، كما أشار إليه في "الكفاية"، فيخرج ما حدث بعد الحجر باصطياد ووصية ونحوهما، والأصح: تعدي الحجر إليه، وقد ذكره "المنهاج" 1، لكن شرطه: أن يكون ملكه عليه مستقرًا؛ ليخرج ما لو وُهب له أبوه أو ابنه، أو أُوصي له به، فقبل الهبة وقبض، أو قبل الوصية وهو محجور عليه بالفلس.. فإنه يعتق على المفلس وليس للغرماء تعلق به، ونص الشافعي يشهد له، ولا يرد ذلك على قولط "الحاوي" [ص 307]: (حُجِرَ من تصرفٍ ماليٍّ مفوتٍ) لصدق التصرف المالي على التصرف في الحادث، ولكن يرد عليه: التدبير والوصية؛ فإنه لا حجر عليه فيهما، كما جزم به الرافعي والنووي هنا 2، وقالا في (باب التدبير): إن تدبيره كإعتاقه 3، ومقتضي ذلك: بطلانه، فعلى الصحة ينبغي أن يزيد "الحاوي": (في حال الحياة)، ولم يذكر "المنهاج" لذلك ضابطًا، وإنما قال: (ولو باع أو وهب أو أعتق.. فالأظهر: بطلانه)، ثم قال: (ويصح نكاحه وطلاقه وخلعه واقتصاصه وإسقاطه) 4 ففهم من الأمثلة منع التصرف المالي دون غيره، فعبارة "التنبيه" و"الحاوي" من جهة ذكر الضابط أحسن لولا ما ورد عليهما، ومراد "المنهاج": خلع الزوج، أما الزوجة أو الأجنبي: فلا ينفذ منهما.
واعلم: أن ظاهر كلامهم تعدي الحجر إلى الحادث ولو زاد ماله بالحادث على الديون، وهو مشكل، ويمكن حمله على ما إذا استمر على النقص اعتبارًا بالابتداء.
ثالثها: أورد على "التنبيه" أيضًا: أنه يتناول الإقرار بمال في الذمة إذا أسنده لما قبل الحجر بمعاملة أو إتلاف، أو لما بعد الحجر بإتلاف، والأصح: القبول في حق الغرماء، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 5، لكن قوله عطفًا على المحجور فيه: (وإقرارٍ بدينِ معاملةٍ
لاحقةٍ) 1 قد يخرج الإقرار بدين المعاملة مع الإطلاق؛ أي: لا يبين تقدمها على الحجر ولا تأخرها عنه، والإقرار بدين مطلق؛ أي: لا يبين هل هو عن معاملة أو إتلاف؟ مع أنهما داخلان في الحجر أيضًا، فلا يقبل في حق الغرماء، وقد ذكر الثانية "المنهاج" بقوله [ص 251]: (وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر بمعاملةٍ او مطلقًا.. لم يُقبل في حقهم)، وقال الرافعي في الأولى: قياس المذهب: تنزيله على الأقل، وجعله كإسناده إلى ما بعد الحجر 2، قال في "الروضة": وهو ظاهر إن تعذرت المراجعة، وإلا.. فينبغي أن يراجع.
انتهى 3.
وهذا البحث يجيء في الصورة الأخرى، فهما صورتان؛ في "الروضة" واحدة، وفي "المنهاج" أخرى.
قال السبكي: ولو قال "المنهاج": (إن أطلق أو أسند وجوبه إلى معاملة بعد الحجر).. لكان أحسن من العبارتين؛ أي: لتناوله صورتي الإطلاق.
وقول "المنهاج" [ص 251]: (وجب قبل الحجر) أحسن من قول "الروضة" وأصلها: (لزم) 4 لتناوله ما وجب، وتأخر لزومه إلى ما بعده؛ كثمن مبيع شرط فيه الخيار.
وفي قول "المنهاج" [ص 251]: (وإن قال: عن جنايةٍ.. قبل في الأصح) فيه نظر؛ لتعبيره في "الروضة" بـ (المذهب) 5، فالأحسن: التعبير به أو بالأظهر، وذكر في "الكفاية" أن "التنبيه" احترز بالتصرف في المال عن الإقرار بالمال، وقال النشائي في "نكته": إنه غلط، قال: بل هو شامل له؛ فإنه تصرف كما في الرافعي 6.
قلت: وقد ذكر "التنبيه" إقرار المفلس بالمال في (باب الإقرار)، وقال: (فيه قولان، أحدهما: يجوز، والثاني: لا يجوز في الحال) 7، وأشار بقوله: (في الحال) إلى أن الخلاف في قبوله في حق الغرماء، وقد عرفت أن الأصح: قبوله على ما فيه من التفصيل، والله أعلم.
رابعها: أنه يتناول الرد بالعيب مع أن له ذلك إن كانت الغبطة في الرد، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 8، ومقتضي عبارتهما: جواز الرد في هذه الحالة دون لزومه، وبه صرح القاضي حسين.
واستشكل: بأن من اشتري في الصحة ثم مرض واطلع على عيب، والغبطة في الرد فلم يرد.. فما نقصه العيب محسوب من الثلث، فدل على أنه تفويت، ومقتضاه: وجوب الرد في هذه المسألة، وتعبير "المنهاج" بقوله [ص 251]: (وله أن يرد بالعيب ما كان اشتراه) يوهم المنع فيما اشتراه بعد الحجر بثمن في الذمة، وصححناه، قال شيخنا الإسنوي: والمتجه: التسوية، قال شيخنا ابن النقيب: بل الرد فيه أولي؛ ولعل سكوتهم عنه لذلك 1.
قلت: ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" عطفًا على المحجور فيه [ص 307]: (ورد بعيبٍ بلا غبطةٍ) لأنه لم يأت بعبارة تدل على تقييده بما إذا تقدم شراؤه.
واعلم: أنه يستفاد من عبارة "المنهاج" و"الحاوي" مسألة حسنة ليست في "الروضة"، وهي منع الرد حيث لا غبطة في الرد ولا في الإمساك، لكن في "المهمات": أن المنقول في نظيره - وهو الرد بالخيار تفريعًا على اعتبار الغبطة فيه -: الجواز عند الاستواء، ذكره في "النهاية"، قال: إلا أن يفرق باستقرار الملك على المعيب دون زمن الخيار 2.
خامسها: ويتناول أيضًا الرد بالخيار مع أنه له ذلك وإن لم يكن فيه غبطة، وقد ذكره "الحاوي" 3.
سادسها: يستثني من منع "التنبيه" و"الحاوي" التصرف المالي: الاستيلاد؛ ففي "خلاصة الغزالي": نفوذه 4، قال شيخنا الإمام البلقيني: ويظهر القطع به؛ لأن حجر الفلس دائر بين حجر السفه والمرض، وكلاهما ينفذ معه الاستيلاد حتى تكون في مسألة المريض من رأس المال 5.
سابعها: محله أيضًا: ما إذا كان المال له، فإن لم يكن له؛ كإعراضه عن نصيبه في الغنيمة قبل القسمة وقبل اختيار التملك.. فإنه ينفذ، وكذا إذا أجاز ما فعل مورثه مما يحتاج إلى الإجازة.. فإنه ينفذ على قولنا: إنه تنفيذ، وهو الأصح، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض لذلك، قال: فينبغي أن يقال: في ماله.
ثامنها: يستثني من كلامهما أيضًا: طهارته بالماء الذي عنده، وشربه منه، وسكناه في بيته قبل بيعه، ونحو ذلك لا سيما فيما إذا دخل وقت الصلاة عليه قبل حجر الفلس، وقد تعين للطهارة، ذكره شيخنا الإمام البلقيني أيضًا، وهو واضح، والله أعلم.
2148 - قول "المنهاج" [ص 250]: (فلو باع ماله لغرمائه بِدَيْنِهم.. بطل في الأصح) فيه أمران:
أحدهما: قال شيخنا الإسنوي: صورة المسألة: أن يكون دينهم من نوع واحد، وباعهم بلفظ واحد، فإن ترتبوا.. فالبطلان واضح، وإن وقع بلفظ واحد، وتنوعت ديونهم.. فهو كما لو كان لهما عبدان لكل منهما عبد، فباعاهما بثمن واحد، وأصح القولين فيها: البطلان لمعنى آخر.
ثانيهما: محله: إذا لم يأذن فيه القاضي، فإن أذن فيه.. صح.
2149 - قوله تفريعًا على تعدي الحجر إلى الحادث بعده بالشراء إن صححناه عطفًا على الأصح: (وأنه ليس لبائعه أن يفسخ ويتعلق بعين متاعه إن علم الحال، وإن جهل.. فله ذلك ((1) يوهم أن الجاهل يفسخ قطعًا، والخلاف في العالم، وليس كذلك، بل الخلاف ثلاثة أوجه: الفسخ، وعدمه، والتفصيل، وهو الأصح.
2150 - قوله: (وأنه إذا لم يمكن التعلق بها.. لا يُزاحم الغرماء بالثمن) (2) فيه أمران:
اْحدهما: قال السبكي: عبارة "المحرر": (وأنه إذا لم يكن له) (3)، فحذف المصنف (له) اختصارًا، والتبس على بعض النساخ، فكتب: (إذا لم يمكن) (4).
ثانيهما: أن عبارته توهم المزاحمة على الوجه المرجوح في جميع المال، وكذا تقتضيه عبارة الرافعي تبعًا لـ "الوسيط" و "الوجيز" (5)، لكن صرح في "البسيط" تبعًا للإمام بأن المزاحمة في المبيع فقط (6)، وجعل ذلك السبكي خلافًا محققًا، وفيه نظر؛ فالظاهر: أن ذلك من خلل العبارة، والصواب: ما في "البسيط"، والله أعلم.
فَصْلٌ [بيع مال المفلس وقسمته وما يتعلق به]
2151 - قول "المنهاج" [ص 251]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 308]: (يبادر القاضي بعد الحجر ببيع ماله) فيه أمور:123456
أحدها: أنه لا يفهم منه أن ذلك واجب أو مستحب، والذي في "الروضة" وأصلها تبعًا لـ "البسيط" أنه مستحب 1، لكن في "الوسيط" و"الوجيز": (وعلى القاضي) 2، وهو يفهم الوجوب، واختاره السبكي.
ثانيها: لا بد من التنبيه على أنه لا يفرط في المبادرة بحيث يقل الثمن.
ثالثها: لا بد في البيع من ثبوت كونه ملكه، ذكره الماوردي وابن الرفعة 3، وحكي السبكي في ذلك وجهين، ورجح: الاكتفاء باليد.
رابعها: أورد أن ظاهره بيع الجميع، وإنما يبيع بقدر الدين، وفيه نظر؛ لأنه إنما يحجر إذا كان الدين زائدًا علي المال، إلا أن يفرض ذلك فيما إذا كانت أمواله وقت الحجر أقل من ديونه، ثم زادت أمواله بارتفاع الأسعار قبل البيع.
خامسها: لا يختص هذا الحكم بالمفلس، بل كل مديون ممتنع يبيع القاضي عليه، وقد ذكره "الحاوي" معه فقال [ص 308]: (ومال المديون الممتنع)، وكذا ذكره "التنبيه" 4، لكن غير المفلس لا يتعين فيه البيع، بل القاضي مخير بينه وبين إكراهه على البيع، كما في "الروضة" عن الأصحاب 5، ولذلك اقتصر "المنهاج" على المفلس؛ لتعين ذلك فيه، قال السبكي: والذي يظهر أن تخييره إنما هو عند طلب المدعي الحق من غير تعيين طريق، فإن عينه.. تعين على القاضي، وعزي ذلك للقفال الكبير، وفيه نظر؛ فحق المدعي في خلاص حقه لا في تعيين طريق بعينها، فينبغي أن تكون الخيرة في ذلك للحاكم ولو عين المدعي طريقًا كما هو مقتضي إطلاقهم 6.
سادسها: استثني العبادي مما يباع: كتب العلم للعالم، وفيه نظر.
2152 - قول "المنهاج" [ص 251]: (وَقَسْمِهِ بين الغرماء) أي: بنسبة ديونهم، وقد ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 7، لكن المكاتب إذا حُجر عليه وعليه نجومٌ وأرشُ جنايةٍ ودينُ معاملةٍ.. فالأصح: تقديم دين المعاملة ثم الأرش ثم النجوم، وقد تقدم أنه لا حجر بنجوم الكتابة، وهذا بخلاف المديون إذا كان غير محجور عليه.. فيقسم كيف شاء، هذا هو المنقول، وقال السبكي:
وهو ظاهر بالنسبة إلى صحة التصرف، ولكن ينبغي إذا استووا وطالبوا وحقهم على الفور.. أن تجب التسوية 1.
2153 - قول "المنهاج" [ص 251]: (ويُقَدِّم ما يُخاف فساده) أحسن من قول "التنبيه" [ص 101]: (ما يسرع إليه الفساد) فقد يتهيأ بيع الحيوان قبل فساد ما يتسارع فساده.. فيقدم.
2154 - قولهما: (ثم الحيوان) 2 محله: إذا لم يكن في ماله ما تعلق الحق بعينه؛ كمرهون وجان ومال قراض، فإن كان.. قُدِّم بيعه بعد ما يُخشي فساده؛ فإن فضل منه شيء.. قسم، أو بقي للمرتهن أو المقارض شيء.. ضارب به، قال السبكي: والأحسن: تقديم ما تعلق به حق، ثم ما لم يتعلق به، ويقدم منهما ما يخاف فساده 3.
2155 - قول "التنبيه" [ص 101]: (ثم بالعقار) يرد عليه سائر المنقول، فيقدم بيعه على العقار، وقد ذكره "المنهاج" 4، قالوا: وتُقدّم الثياب على النحاس ونحوه، والبناء على الأراضي.
2156 - قول "الحاوي" [ص 308]: (بحضوره) أهمل حضور غرمائه أيضًا، وقد ذكره "التنبيه" و"المنهاج" 5، وفي معنى حضوره: حضور وكيله، وقد ذكره "التنبيه" 6، وهو مستحب.
2157 - قولهما: (كل شيء في سوقه) 7 مستحب أيضًا، ومحله كما قال الماوردي: إذا لم تكثر مؤنة نقله، وإلا.. استدعي أهل السوق إليه إن رآه مصلحة 8.
2158 - قول "المنهاج" [ص 251]: (بثمن مثله، حالًا، من نقد البلد) أي: وجوبًا، وعبارته توهم التسوية بين ذلك وبين البيع بحضوره كل شيء في سوقه، وليس كذلك؛ فالأولان مستحبان كما تقدم، وهذا واجب، لكن لو رأي الحاكم المصلحة في البيع بمثل حقوقهم - أي: بنوعه - أو رضي المفلس والغرماء بغير نقد البلد أو بمؤجل.. جاز.
2159 - قوله: (فيما إذا كان الدين غير جنس النقد ورضي به الغريم.. جاز صرف النقد إليه إلا
في السلم) 1 في معناه: المنفعة في إجارة الذمة على الأصح، وذلك لامتناع الاعتياض عنه.
وأورد شيخنا ابن النقيب عليه: النجوم؛ فليس للسيد الاعتياض عنها في الأصح 2، ولا ترد؛ لأن النجوم لا يحجر لأجلها، فليمست مرادة هنا، والله أعلم.
2160 - قوله: (ولا يسلم مبيعًا قبل قبض ثمنه) 3 يفهم أنه لو فعل ذلك.. ضمن؛ للمخالفة، وبه صرح في "الروضة" 4.
وقال السبكي: هذا في الولي والوكيل والوصي والعدل، أما الحاكم: فلم أر تصريحًا به، قال: وينبغي إن اعتقده باجتهادٍ أو تقليد صحيح.. لا يضمن، وإن فعله جهلًا أو معتقدًا تحريمه.. ضمن وانعزل.
انتهى.
وفي قول السبكي: (لم أر تصريحًا بالحاكم) نظر؛ لأن كلام "الروضة" هنا إنما هو في الحاكم، وقد صرح بذلك شيخنا في "المهمات" فقال: قوله: (ثم لو خالف) يعني: الحاكم، وكنت سمعت شيخنا الإمام البلقيني سُئل عن تسليم أمين الحكم المبيع على اليتيم قبل قبض ثمنه؟ وأفتي فيه بعدم الضمان، وهما من وادٍ واحد.
2161 - قول "التنبيه" [ص 101] و "الحاوي" [ص 308]: (وقسم بين الغرماء) قد يفهم أنه لا يقسم بينهم إلا بعد بيع الجميع، وفي "المنهاج" [ص 252]: (وما قبض.. قسمه بين الغرماء إلا أن يَعْسُرَ لقلته فيؤخر ليجتمع)، وهذا هو المعتمد، ومع ذلك ففيه شيئان:
أحدهما: أن ذلك على طريق الاستحباب دون الوجوب، فلو طلبوا قسمة ما يعسر.. قال الإمام والعراقيون: يجيبهم 5، واختاره السبكي، وقال الرافعي: الظاهر: خلافه 6.
ثانيهما: محل التأخير فيما عسرت قسمته لقلته: ما إذا كان لجماعة، فإن كان الغريم واحدًا.. سلمه إليه أولًا فأولًا، ذكره في "الكفاية"، وهو مفهوم من لفظ (القسمة) إذ لا قسمة على شخص واحد.
2162 - قول "المنهاج" [ص 252]: (ولو خرج شيءٌ باعه قبل الحجر مستحقًا والثمن تالف.. فكدينٍ ظهر) ينبغي أن يقول: (فدين ظهر)، ولا معنى لهذه الكاف؛ بل هي زائدة.
2163 - قوله: (ويُنفق على من عليه نفقته) 1 يتناول نفسه؛ فهي مقدمة في النفقة على كل أحد، فقول "التنبيه" [ص 101]: (أنفق عليه وعلى عياله) زيادة إيضاح، والمراد بعياله: من عليه نفقته، وزاد ذلك "الحاوي" إيضاحًا بقوله [ص 308]: (ويُنفق عليه وعلى من عليه مؤنته من الزوجة والقريب، ويكسوهم بالمعروف).
واعلم: أنه يدخل في الأقارب ولدٌ تجدد بعد الحجر، ولا يدخل في الزوجاتِ زوجةٌ نكحها بعده، قاله الرافعي في (النكاح) 2، وهل ينفق على الزوجة كمعسر أم كموسر؟ رجح النووي وابن الرفعة تبعًا للإمام: الأول، والرافعي تبعًا للروياني: الثاني؛ بعلة: أنه لو أنفق كمعسر.. لما أنفق على الأقارب 3.
قال السبكي: وهو عَجَبٌ؛ لأنهم ذكروا في اليسار المعتبر في نفقة الزوجة غير المعتبر في نفقة القريب، فلا يلزم من انتفاء الأول انتفاء الثاني.
وبقي ممن عليه مؤنته: أمهات أولاده، فلو لم يفصّل "الحاوي" واقتصر على الإجمال.. لكان أولي؛ لكونه فاته بعض التفصيل كما علمت.
قال الإمام: وإذا لم يكن سوي المرهون.. لا ينفق عليه وعلى عياله منه 4.
قال ابن الرفعة: وغير المرهون مما تعلق به حق؛ كالمبيع الذي لم يقبض ثمنه والجاني.. لم أر فيه نقلًا، والقياس: أنه كالمرهون.
2164 - قول "المنهاج" [ص 252]: (حتى يُقَسِّم ماله) عبر "الحاوي" عنه بقوله [ص 308]: (إلى الفراغ من بيع ماله) و"التنبيه" بقوله [ص 101]: (إلى أن ينفك الحجر) والأمور الثلاثة متلازمة، فإذا فرغ من بيع ماله.. قسم وفك حينئذ الحجر، فالمراد بالعبارات المختلفة شيء واحد.
2165 - قول "المنهاج" [ص 252]: (إلا أن يَسْتَغْنِيَ بكسب) أحسن من قول "التنبيه" [ص 101] و"الحاوي" [ص 308]: (إن لم يكن له كسبٌ) فإنه قد يكون له كسب ولا يستغني به؛ لكونه لم يجد من يستعمله، فلو وجد، فلم يعمل تقصيرًا.. فمقتضي عبارة "المنهاج": الإنفاق من ماله أيضًا؛ لصدق عدم الاستغناء بالكسب عند فوات العمل، واختاره شيخنا الإسنوي، وهو مقتضي كلام ابن الرفعة في "المطلب"، وإطلاق "التتمة" يقتضي أنه لا ينفق من ماله، واختاره السبكي.
قال شيخنا ابن النقيب: ولو فُصّل بين أن يتكرر ذلك منه ثلاث مرات فأكثر، وبين أن يوجد منه مرة أو مرتين.. لم يبعد.
انتهى 1.
ولا بد من تقييد الكسب بكونه لائقًا به.
2166 - قول "المنهاج" [ص 252]: (ويباع مسكنه وخادمه) مفهوم من إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" بيع ماله 2، وقوله: (على الأصح) 3 ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص، ومقابله مخرج من الكفارة، قال السبكي: اضطرب حكم السكن والخادم؛ ففي الفلس: يباعان في الأصح، وفي الكفارة: إن كانا لائقين به لزَمَانةِ أو منصبٍ.. بُقِّيا، وإلا.. فلا في الأصح، ويباع النفيسان إن لم يُؤْلَفَا، وفي الفطرة ونكاح الأمة: يُبقيان في الأصح، وفي زكاة المال: لا يسلبان اسم الفقر، وفي الحج: يبقيان لزمانةٍ أو منصبٍ، ويبدّل النفيسان، ونفقة القريب والزوجة وسراية العتق كالدين، وفي العاقلة: يبقيان، وفي ستر العورة: يبقيان وفاقًا لابن كج وخلافًا لابن القطان.
2167 - قول "المنهاج" [ص 252]: (ويُترك له) أي: لمن عليه نفقته من نفسه وعياله.
2168 - قولهْ (دَسْتُ ثوبٍ يليق به) 4 أي: في حال إفلاسه دون يُسْرته، قاله الإمام 5، ولو كان يلبس دون ما يليق به.. لم يرده عليه، والمراد: أنه إن كان ذلك في ماله، وإلا.. اشْتُري له، وعبارة "الحاوي" [ص 308]: (وترك دست ثوب لائق)، وفصّل ذلك "المنهاج" بقوله [ص 252]: (وهو: قميصٌ وسراويل وعمامةٌ ومكعبٌ، ويُزاد في الشتاء جُبَّة) وفيه أمور:
أحدها: أن الرافعي ذكر بدل العمامة: المنديل، ومراده: العمامة، وأهل تلك البلاد يسمون العمامة منديلًا، فعبر عنه النووي بالعبارة المشهورة فيه 6.
ثانيها: زاد في "الروضة" مع المكعب: نعلًا 7، وليس ذلك في "المحرر" و"الشرح"، والظاهر: أنهما شيء واحد.
ثالثها: بقي من التفصيل: أنه يترك له درَّاعة فوق القميص وطيلسان وخف إن كان ذلك لائقًا به، وللإمام في الخف والطيلسان احتمال 8.
رابعها: هذا في الرجل، أما المفلسة أو زوجة المفلس أو قريبته: فتزاد المقنعة 1 وغيرها مما يليق بها.
2169 - قول "المنهاج" [ص 252]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 308]: (ويُترك قوت يوم القسمة) أي: وليلته، كما صرح به البغوي، وحكاه عنه النووي، وارتضاه 2، زاد "الحاوي": سكني يوم القسمة أيضًا 3، وقد ذكره الغزالي 4، قال في "الروضة" وأصلها: فاستمر على قياس النفقة، لكن لم يتعرض له غيره 5.
قلت: وجزم به الرافعي في (العتق) عند الكلام على السراية، فقال: يصرف في السراية كل ما يباع ويصرف في الدين، وذكر أنه يبقي له سكني يوم 6.
2170 - قول "المنهاج" [ص 252]: (وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب) يستثني منه: ما إذا لزمه الدين بسبب هو عاص به.. فيجب عليه الكسب لوفائه، حكاه ابن الصلاح في "فوائد الرحلة" عن محمد بن الفضل الفُراوي.
2171 - قوله: (والأصح: وجوب إجارة أم ولده وأرض موقوفة عليه) 7 أحسن من قول "الحاوي" [ص 308]: (ويُؤجرُ موقوفه ومستولدته) لأمرين:
أحدهما: تصريحه بوجوب الإجارة، ولا يؤخذ ذلك من "الحاوي" فعبارته تصدق بالجواز.
ثانيهما: أن عبارته توهم أن المراد: ما وقفه هو، وإنما المراد: ما وقف عليه، والإضافة في عبارته؛ لكونه وقف عليه لا لكونه وقفه، وهو خلاف المتبادر إلى الفهم، وليس في عبارتهما بيان مدة الإجارة، والمنقول: أنه يؤجر مرة بعد مرة إلى فناء الدين.
قال الرافعي: وقضيته دوام الحجر إلى فناء الدين، وهو كالمستبعد 8.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا مقتضاه، وإنما مقتضاه أحد أمرين؛ إما أن يفك الحجر بالكلية، وإما أن يفك بالنسبة إلى غير الموقوف والمستولدة، ويبقي فيهما كما ذكر الرافعي والنووي تظير ذلك فيما إذا اشتري بثمن مؤجل، وقلنا: لا يباع.
انتهى.
ونبه شيخنا الإسنوي على أن تصريحهم بالإيجار إلى فناء الدين صريح في أن ملك المنفعة لا يمنع الحجر وإن كان ماله معها زائدًا على الدين 1.
واعلم: أن اقتصار "التنبيه" على بيع ماله يفهم أنه لا يؤجر أم ولده والوقف عليه، ورجحه الإمام 2، والأصح: خلافه، ثم إنه لا اختصاص لهذه الأحكام بالمحجور عليه، بل هي في كل مديون.
2172 - قول "المنهاج" [ص 252]: (وإذا ادعي أنه معسرٌ أو قَسَمَ ماله بين غرمائه وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروا؛ فإن لزمه الدين في معاملة مالٍ كشراءٍ أو قرضٍ.. فعليه البينة، وإلا.. فَيُصَدَّق بيمينه في الأصح) فيه أمور:
أحدها: أنه قد يدخل في المعاملة الإجارة، وليست منقولة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الظاهر: أن الأجرة إن لزمت بسبب السكن.. فهي كالصداق، وإن حصل عقد إجارة.. فيحتمل أن يكون كذلك، ويحتمل أن يقال: لا يقبل قوله؛ لحصول اليسار بملك المنفعة، ويرجح الأول؛ بأن اليسار إنما يحصل بسبب أن يؤجر بأجرة، ومن يدعي ذلك يحتاج إلى البينة.
ثانيها: اقتصر "التنبيه" و "الحاوي" على الصورة الأولى، وهي: دعوي الإعسار، وفي الثانية إشكال؛ إذ الفرض أنه قد وجد مال وقسم.. فكيف يحتاج إلى بينة على الإعسار أو على هلاك مال المعاملة؟ ولعل المال الذي قسم هو مال المعاملة، فينبغي ألَّا يحتاج إلى البينة إلا عند نقص المال الموجود عن مال المعاملة.
ثالثها: لا يتقيد الاحتياج إلى البينة بأن يلزم الدين في معاملة، بل لو لزم في غير معاملة وعرف له مال قبل ذلك.. احتاج إلى البينة أيضًا؛ ولهذا عبر "التنبيه" بقوله [ص 101]: (فإن كان قد عُرف له مال)، و"الحاوي" بقوله [ص 308]: (إن لم بُعهد ماله).
رابعها: قوله: (فعليه البينة) لم يفصح عما تقام عليه البينة، والمتبادر إلى الفهم منه أن المراد: البينة بالإعسار في الصورة الأولى، وبأنه لا يملك غيره في الثانية، وكذا صرح "التنبيه" و"الحاوي" بأن المعتبر: إقامة البينة على الإعسار 3، وفي معناها: بينة تلف المال؛ فهي تغني عن بينة الإعسار، بل هي آكد؛ فإنه لا يحلف معها على أنه لا يملك غيره بلا خلاف، كما صرح به الجرجاني في "المعاياة" وعلله: بأن فيه تكذيب البينة؛ ولهذا قال في "الكفاية": إن هذه الصورة مفهومة من طريق الأولى، قال النشائي في "نكته": وفيه انظر؛ فإن بينة الإعسار
أبلغ، وإن كان يحتمل أن مستندها تلفه 1.
2173 - قول "المنهاج" [ص 252]: (وشرط شاهده: خبرة باطنه) مراده: الجنس؛ فإنه يشترط شاهدان، فلو قال: (شاهديه) كما في "التنبيه" 2.. لكان أحسن، ثم إنه إنما تشترط الخبرة الباطنة في الشاهد بالإعسار، أما الشاهد بتلف المال: فلا تشترط فيه الخبرة الباطنة، وفي "الكفاية": لا فرق في ذلك على ما حكاه الإمام بين أن تكون البينة معدلة أو لا.
قال السبكي: وهو غلط على الإمام لو استطعت.. لكشطته من "الكفاية"، بل لا بد من بينة عادلة جزمًا، ولم يذكر الإمام غيره 3، وإذا كان يحبس ابتداء في الدين بشاهدين لم يعدلا على الأصح مدةً يظهر للقاضي الجرح والتعديل احتياطا للحق وإن لم يثبت.. فلأن يستدام مع ثبوت الدين قبل ثبوت الإعسار أولي.
2174 - قول "التنبيه" [ص 101]: (فإن قال: حلفوه أنه لا مال له في الباطن.. حلف في أحد القولين)، هو الأصح، وعليه مشي "الحاوي" فقال [ص 308]: (وحَلَّفه إن طُلِبَ) وتقدم عن الجرجاني: أنه إنما يحلف من لم يقم بينة على تلف ماله، فإن أقامها عليه.. لم يحلف بلا خلاف؛ لأن فيه تكذيب البينة.
2175 - قول "المنهاج" [ص 252، 253]: (وليقل: هو معسرٌ، ولا يُمحّض النفي) لابد أن يقول مع ذلك: (لا يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه) كما هو في "الروضة" وأصلها 4، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذه الصفة ليست صحيحة؛ لأمور:
منها: أن ملك قوت يومه قد يصير به موسرًا إذا كان مستغنيًا عنه بالكسب الذي يصرفه لجهات المؤنة من نفقة نفسه وغيره، فلا يكتفي بالاستثناء مع الإبهام.
ومنها: أن ثياب بدنه قد تكون لائقة به وقد تكون زائدة على ما يليق به، والذي يترك له إنما هو الذي يليق به؛ فاستثناء ذلك على طريق الإبهام لا يكفي، ثم اللبد والحصير القليل القيمة يترك أيضًا، وليس من ثياب البدن.
ومنها: أنه قد يكون مالكًا لغير ذلك وهو معسر؛ بأن يكون له مال غائب مسافة القصر فما فوقها، فيصدق عليه أنه معسر؛ بدليل: أن الزوجة تفسخ، وتُعطي من الزكاة، كما ذكر في سهم ابن السبيل، ومع ذلك لا يصدق أنه لا يملك غير قوت يومه وثياب بدنه؛ إذ هو مالك لغيرهما،
لكن لا على وجه يصير به موسرًا في هذه الحالة.
ومنها: لو كان له دين مؤجل على شخص.. فهو مال؛ بدليل: أنه يحنث على الأصح فيما إذا حلف لا مال له وله دين مؤجل، ومع ذلك فلا يصير به موسرًا حتى لا يجب عليه الحج بسبب الدين المؤجل وقت الخروج، وللزوجة أن تفسخ إلا أن يكون الأجل قريبًا، وذكر النووي تبعًا لأصله في (النفقات): أنه ينبغي أن يضبط القرب بمدة إحضار المال الغائب فيما دون مسافة القصر 1، ومثل هذا قد يتخيل هنا، وقد يفرق، ومثل الدين المؤجل الدين على معسير أو جاحد ولا قدرة له على إثباته.. فهو مال، ولا يصير به موسرًا، والمستولدة مال، ولا يصير برقبتها موسرًا، فإذا كانت زَمِنة.. فلا منافع، ولا يصير بها موسرًا، والعبد الآبق الذي لا يصل إليه، ونحو ذلك كثير، فهذه الصفة ضيقت وأوقعت في محذور، فالذي يعتبر في ذلك - والله أعلم - أن يقول: (أشهد أنه معسر عاجز العجز الشرعي عن وفاء شيء من هذا الدين، أو أشهد أنه معسر لا مال له يجب وفاء شيء من هذا الدين منه)، فإن لم يكن هناك دين، بل المراد: ثبوت الإعسار من غير نظر إلى خصوص دين.. فيقول: (أشهد أنه معسر الإعسار الذي تحرم معه المطالبة بشيء من الدين).
انتهى كلام شيخنا رحمه الله 2.
وقال في "المهمات": ينبغي أن يضيف إلى هذا: ما يصرفه لسكني اليوم؛ فإنه مستثنى أيضًا، قال: وإذا كان مالكًا لما لا يتأتي صرفه إلى الدين؛ كالمغصوب والغائب.. فوجوده كعدمه؛ ولهذا جاز له أخذ الزكاة، فتسمع إقامة بينة الإعسار، ولا يتأتي إقامتها بالصيغة المذكورة هنا؛ لأنه مالك، بل يتعين التعبير بالقدرة أو الوصول ونحوهما، بل الغالب أن الشخص لا يعيش طول عمره من غير ظلامة تتعلق به، فينبغي التعبير بما قلناه.
انتهى.
2176 - قول "التنبيه" [ص 101]: (فيمن عرف له مال.. حبس) فيه أمور:
أحدها: أنه يتناول الوالد لدين ولده، وهو داخل أيضًا في عموم مفهوم قول "المنهاج" [ص 253]: (وإذا ثبت إعساره.. لم يجز حبسه)، وبه صرح "الحاوي" فقال [ص 308]: (ولو لولده)، وهو الذي صححه الغزالي 3، لكن الأصح في "التهذيب" وغيره: خلافه، كما في "الروضة" و"الشرحين" هنا 4، وأطلق في "الروضة" في (الشهادات) تصحيحه 5، وحكاه الإمام عن المعظم 6.
ثانيها: ظاهر قول "التنبيه" [ص 101]: (حبس إلى أن يقيم البينة على إعساره) أنه لا فرق في ذلك بين الغريب وغيره، لكن في "المنهاج" و"الحاوي": (إن الغريب العاجز عن بينة الإعسار.. يوكل القاضي به من يبحث عن حاله، فإذا غلب على ظنه إعساره.. شهد به) 1، فإن كان مرادهما: فعل ذلك معه وهو في الحبس - وهو الذي تقتضيه عبارة "الروضة" وأصلها -.. فلا فرق حينئذ بين الغريب وغيره، وكلام "التنبيه" على إطلاقه، وإن كان المراد: فعل ذلك معه قبل الحبس.. فيستثنى ذلك من عبارة "التنبيه"، والله أعلم.
ثالثها: يستثنى من الحبس: من وقعت الإجارة على عينه.. فيقدم حق المستأجر كما ذكره الغزالي في "فتاويه"، كما يقدم حق المرتهن لا سيما والعمل مقصود بالاستحقاق، والحبس لايستحق في نفسه، وإنما يتوصل به إلى غيره 2، وهذ إن صح وارد على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا، قال السبكي في "شرح المهذب": وهو غريب لم أره لغيره، ولكنه فقه جيد، وعلى قياسه لو استعدي على من وقعت الإجارة على عينه، وكان حضوره لمجلس الحكم يُعطل حق المستأجر.. ينبغي ألَّا يحضر، ولا يعترض باتفاق الأصحاب على إحضار المرأة البرزة 3 وإن كانت ذات زوج وحبسها؛ لأن للإجارة أمدًا ينتظر 4.
رابعها: يستثني من كلامهم أيضًا: نجوم الكتابة، فلا حبس بها، كما ذكره الرافعي في آخر (أدب القضاء) 5، وهو واضح.
خامسها: قال الأصحاب: إن لم ينزجر بالحبس.. زاد في تعزيره بما يراه من الضرب وغيره 6، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 309]: (وضرب بالعناد)، وفي "أدب القضاء" لشريح الروياني وجهان في تقييد المحبوس إذا كان لجوجًا صبورًا على الحبس.
2177 - قول "الحاوي" [ص 308]: (وينفك بالقاضي) صحح القاضي حسين: أنه ينفك بنفسه، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني أيضًا فقال: إنه الصواب، قال: ويوافقه نصه في "الأم" حيث قال: وليس بمحجور عليه بعد الحجر الأول وبيع المال؛ لأنه لم يحجر عليه لسفهٍ، إنما حجر في وقتٍ لبيع ماله، فإذا مضى.. فهو على غير الحجر.
انتهى 7.
وهو مفهوم من سكوت "التنبيه" و"المنهاج" عنه، واقتصارهما على البيع والقسمة.
فَصْلٌ [في رجوع نحو بائع المفلس عليه بما باعه له قبل الحجر ولم يقبض عوضه]
2178 - قول "المنهاج" [ص 253]: (من باع ولم بقبض الثمن حتى حُجر على المشتري بالفلس.. فله فسخ البيع واسترداد المبيع) فيه أمور:
أحدها: أن قوله: (ولم يقبض الثمن) أي: جميعه، وذلك صادق بألَّا يقبض منه شيئًا وبأن يقبض بعضه.. فله الفسخ أيضًا على الجديد كما ذكره بعد ذلك 1، لكن في البعض فقط بالنسبة، وينبّهُ على مثل ذلك في قول "التنبيه" [ص 102]: (وإن كان فيهم من له عين مال باعها منه.. فهو بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء، وبين أن يفسخ البيع ويرجع فيها) فإنه وإن لم يصرح بأنه لم يقبض الثمن، لكن ذكره البائع مع الغرماء يقتضي أن له دينًا، وذلك صادق بجميع الثمن وببعضه، إلا أن قوله: (ويرجع فيها) وقول "المنهاج": (واسترداد المبيع) يقتضي أنه لم يقبض شيئًا من الثمن، وقد صرح "الحاوي" بمسألة قبض البعض بقوله [ص 309]: (بحصة غير مقبوض).
ثانيها: قوله: (حتى حجر) يقتضي اختصاص ذلك بالمبيع قبل الحجر دون ما اشتراه بعده، لكن الأصح فيه: جواز الفسخ أيضًا مع الجهل بالحال، وقد ذكره "المنهاج" قبل ذلك 2، وصرح به "الحاوي" هنا بقوله [ص 309]: (لا حال الحجر بالعلم)، وهذا وارد على ظاهر كلام "التنبيه" أيضًا؛ لأن قوله: (وإن كان فيهم) أي: في الغرماء المتقدم ذكرهم، وهم الذين حصل الحجر بسؤالهم، فلا يدخل في ذلك غريم تجدد بعد الحجر.
ثالثها: قد يقال: لِمَ لَمْ يقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على الفسخ، وأيّ حاجة إلى ذكر استرداد المبيع؟
وجوابه: ما ذكره السبكي: أن الفسخ وارد على العقد، ويتبعه الاسترداد؛ فلذلك جمع بينهما، وفي الرد بالعيب يعتمد المردود.
ويختص "التنبيه" بإيرادات:
أحدها: أن للفسخ شروطًا لم يتعرض منها لسوى واحد، منها: كون الثمن حالًّا، ومنها: كون المبيع باقيًا في ملك المشتري، وقد ذكرهما "المنهاج"، واقتصر "الحاوي" على الأول 3،
والجواب عن الثاني: أنه مفهوم من اشتراط عدم تعلق حق لازم به؛ لأنه إذا امتنع الرجوع لتعلق حق مع كونه في ملكه.. فأولي إذا خرج عن ملكه، ومنها: أن يكون الراجع من أهل تملكها، وسنتكلم عليه.
ثانيها: أنه خص ذلك بالبيع مع أن له الرجوع في سائر المعاوضات، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 1، وسنتكلم عليه.
ثالثها: ظاهر كلامه: أن هذا الخيار على التراخي، والأصح: أنه على الفور، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 2.
2179 - قول "الحاوي" [ص 309]: (بفسختُ البيع ونقضته ورفعته) فيه أمران:
أحدهما: أنه لو عبّر بـ (أو) كما في "الروضة" 3.. لكان أولي من الواو.
ثانيهما: أنه لا تنحصر صيغة الفسخ فيما ذكره، فلو قال: (رددت الثمن أو فسخت البيع فيه).. حصل الفسخ على الأصح، فـ (فسخت البيع فقط) كاف قطعًا، وبزيادة: (في الثمن) مختلف فيه.
2180 - قول "المنهاج" [ص 253]: (وله الرجوع في سائر المعاوضات) لا بد من تقييد المعاوضة بكونها محضة، كما في "الحاوي" 4، فلا يثبت للزوج إذا خالع استرداد البضع، ولا للمصالح عن دم العمد استيفاء النفس.
واعلم: أن من المعاوضة المحضة الإجارة، وقال في "المهمات": الإجارات المعتادة الآن - وهي التي يستحق فيها أجرة كل شهر عند انقضائه - لا فسخ فيها؛ لأن الفسخ من شرطه: أن يكون العوض حالًّا والمعوض باقيًا، فلا يتأتي الفسخ قبل الشهر؛ لعدم المطالبة بالأجرة، ولا بعده؛ لأن منفعته قد فاتت، فهي كالمبيع يتلف، وهكذا العمل في كل شهر، وحينئذ.. فلا يتصور فيها الفسخ، وإنما يتصور إذا كانت الأجرة كلها حالة، نبه عليه مع وضوحه ابن الصلاح في "فتاويه" 5.
قلت: يتصور مع كون الأجرة ليست كلها حالة؛ بأن تكون مقسطة، لكن لم يجعل كل قسط في مقابلة جزءٍ من المدة، بل جعلت أجرة السنة مثلًا على قسطين؛ أحدهما بعد مضي ستة أشهر والآخر سلخ السنة، ولم يجعل القسط الأول في مقابلة الأشهر الستة الأولى، ولا الثاني في مقابلة
الثانية، فإذا حجر على المستأجر بعد حلول القسط الأول وقد بقي من المدة ستة أشهر.. فله أن يفسخ منها بقدر ما يقابل الحال - وهو نصفها - وليس له الفسخ في جميعها؛ لأن الأجرة التي حلت والتي لم تحل كلاهما في مقابلة ما مضي وما بقي، فلا يمكن الفسخ فيما بقي مما تقابله الأجرة التي لم تحل إلى الآن، وإنما يفسخ فيما يقابل الحال خاصة، والله أعلم 1.
2181 - وقول "المنهاج" [ص 253]: (كالبيع)، قال السبكي: نبه به على أنه بالقياس لا بالنص، وعلى أن الأحكام التي ذكرها في البيع تجري فيها، وذلك زيادة على مقتضى ما في "المحرر" فإنه قال: (ولا يختص الرجوع بالمبيع، بل يثبت في سائر المعاوضات) 2، وقال غيره: قوله: (كالبيع) أي: بما شرطناه من كونه سابقًا على الحجر، وبما سيأتي من الشروط أيضًا 3.
2182 - قوله: (وله شروط؛ منها: كون الثمن حالًا) 4 قد يفهم اعتبار حلوله من الأصل، وليس كذلك، بل لو كان مؤجلًا فحل قبل الحجر.. رجع فيه في الأصح، وكذا لو حل بعده على الأصح في "الشرح الصغير" ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 309]: (حل ولو بعده).
2183 - قول "المنهاج" [ص 253] و"الحاوي" [ص 309]: (وأن يتعذر حصوله بالإفلاس) خرج به تعذره بانقطاع جنسه.. فلا فسخ إن جوزنا الاستبدال عن الثمن، وإلا.. ففيه الخلاف في انقطاع المسلم فيه، كذا في "الروضة" وأصلها 5، وقال في "المهمات": منع الفسخ مشكل لا يوافق القواعد؛ فإن المعقود عليه إذا فات.. جاز الفسخ؛ لفوات المقصود منه، وقد جزم به الرافعي في فوات المبيع 6، وإذا جاز الفسخ لفوات عينه مع إمكان الرجوع إلى جنسه ونوعه.. فبطريق الأولى عند فوات الجنس، قال: ومنقول الأصحاب في هذه المسألة لا يوافق المذكور في الرافعي، ثم أوضح ذلك.
2184 - قول "المنهاج" [ص 253]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 309]: (ولو قال الغرماء: "لا تفسخ ونُقدّمك بالثمن".. فله الفسخ) كذا صححه في "الروضة" هنا 7، لكنه جزم بمقابله في آخر فرع في الباب 8.
2185 - قول "المنهاج" [ص 253]: (وكون المبيع باقيًا في ملك المشتري) فيه أمران:
أحدهما: أن المتبادر إلى الفهم منه أن يكون لم يخرج عن ملكه أصلًا، فلو زال ملكه عنه ثم عاد إليه قبل الحجر.. لم يكن له الرجوع، وهو الذي صححه النووي في "الروضة" كما هو المصحح في الهبة للولد 1، لكن الذي صححه الرافعي في "الشرح الصغير": الرجوع، وهو مقتضي كلامه في "الكبير" فإنه شبهه بمثله في الرد بالعيب 2، والمصحح في تلك: جواز الرد، ومقتضاه هنا: جواز الرجوع، والمصحح في "المنهاج" في نظيره من الصداق: جواز الرجوع 3، وعلى ذلك مشي "الحاوي" فقال [ص 309، 310]: (إن كان في ملكه ولو بالعود).
ثانيهما: يستثني من اعتبار هذا الشرط مسائل:
منها: ما لو باعه وحجر عليه في زمن الخيار.. فإنه يجوز الرجوع، ولو قلنا: بزوال ملكه كما يجوز للمفلس، قاله الماوردي 4، قال شيخنا الإمام البلقيني: ويلزم عليه ما إذا باعه المشتري لآخر بثمن ثم أفلسا وحجر عليهما.. أن للبائع الأول الرجوع، ولا بُعْدَ في التزامه 5.
ومنها: لو أقرض المشتري العين المشتراة لشخص وأقبضه إياها.. فللبائع استرجاعها من يد المقترض، كما كان للمشتري بعد قرضه وإقباضه، ذكره الماوردي أيضًا 6.
ومنها: لو وهب المشتري العين المشتراة لولده وأقبضه إياها، ثم أفلس.. فللبائع استرجاعها من يد الولد، كما لوالده استرجاعها منه، ذكره شيخنا الإمام البلقيني تخريجًا على الفرع المتقدم، قال: ويدل على صحة هذا: أنه لو وهب لأجنبي ولم يقبضه.. كان للبائع الرجوع، صرح به الماوردي 7.
قلت: في هذه الصورة لم يملك الموهوب له تلك العين، ولم يخرج عن ملك المشتري بحال، والله أعلم.
2186 - قول "المنهاج" [ص 253]: (فلو فات أو كاتب العبد.. فلا رجوع) وكذا لو كاتب
الأمة أو بعضهما، وكذا الاستيلاد كما في "الروضة" وأصلها (1)، ووقع في "فتاوي النووي": أنه يرجع (2)، وهو غلط من الناقل عنه؛ فإنه ذكر في "تصحيحه": أنه لا خلاف في عدم الرجوع في الاستيلاد (3). 2187 - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (ولا يمنع التزويج) (4) قال شيخنا الإسنوي: لا حاجة لهذه المسألة؛ لأنه عيب في العبد والأمة، وهو مذكور بعده.
تنْبِيهٌ [بقية شروط الرجوع]
بقي للرجوع شروط أهملها "المنهاج":
أحدها: ألَّا يتعلق به حق لازم لثالث؛ كشفعة ورهن وجناية، وقد ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 5، ولكن لا بد من تقييد الرهن بكونه مقبوضًا، فله الرجوع قبل القبض، كما صرح به الماوردي 6، وإذا زال التعلق.. جاز الرجوع.
ثانيها: أن يكون الراجع من أهل تملكها، فلو كان مُحْرِمًا والمبيع صيد.. فالأصح: المنع، قال شيخنا الإمام البلقيني: فلو حل من إحرامه.. فقياس الفقه: أن يرجع.
قلت: لا شك فيه ما لم يُبَعْ لحق الغرماء، وعبارة النووي في "تصحيحه": "لم يرجع ما دام مُحْرِمًا) 7، وهي تقتضي ذلك، ويشكل على هذا الفرع: أن في "الروضة" عن المحاملي: جواز رجوع الكافر فيما إذا كان المبيع عبدًا مسلمًا 8، لكن منع مجلي الرجوع هنا كالمسألة المتقدمة، وهو الحق، ورأي ابن الرفعة تخريجه على الرد بالعيب، وهذا وارد أيضًا على "التنبيه" و"الحاوي".
ثالثها: ألَّا يضمن المشتري بالثمن ضامن، فإن ضمنه به ضامن بإذنه.. فلا فسخ، أو بغير إذنه.. فوجهان، وقد لا يرد هذا على "المنهاج" و"الحاوي" لاعتبارهما تعذره بالإفلاس،1234
وهذا لم يتعذر؛ لحصوله من جهة الضامن، وهو وارد على "التنبيه" قطعًا، ولو مات المفلس وقال وارثه: أؤدي من مالي.. ففيه وجهان، الذي في "التتمة" منهما: منع الرجوع، فإن ترجح ما في "التتمة".. فهذا شرط لم يتعرضوا له، وهو: عدم أداء الوارث من ماله فيما إذا مات المشتري مفلسًا.
2188 - قول "المنهاج" [ص 253]: (وجناية المشتري كآفةٍ في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على الأظهر) أو (المذهب) فإن في "الروضة" طريقين: أصحهما عند الإمام: أنه كالأجنبي، وقطع البغوي وغيره بأنه كجناية البائع على المبيع قبل القبض، ففي قول: كالأجنبي، وعلى الأظهر: كالآفة، قال النووي: المذهب: كالآفة.
انتهى 1.
فإن اقتصر على طريقة البغوي.. عبر بـ (الأظهر)، أو أراد حكاية الطريقين.. عبر بـ (المذهب).
2189 - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (ولو تلف أحد العبدين ثم أفلس.. أخذ الباقي وضارب بحصة التالف) 2 يفهم أنه ليس له الفسخ في البعض مع بقاء الجميع، وليس كذلك، بل له ذلك كرجوع الأب في البعض، ولا يبالي بتفريق الصفقة هنا؛ لأن مال المفلس لا يُقتنى، بل يباع كله.
2190 - قول "المنهاج" في تمثيل الزيادة المتصلة التي يفوز بها البائع [ص 254]: (كالسمن والصنعة) كذا في "الروضة" وأصلها هنا 3، لكن في "الروضة" وأصلها بعد ذلك في الكلام على الضرب الثاني في الصفة: أن تعلّم العبد القرآن والحرفة.. قيل: كالسمن، والأصح: أنها من صور القولين 4، يعني: الآتيين في الطحن والقصارة، وقال شيخنا في "المهمات": إن العمدة عليه.
2191 - قول "التنبيه" [ص 102]: (وإن زاد زيادة متميزة؛ كالولد والثمرة.. رجع فيها دون الزيادة) قد يفهم جواز التفريق بين الجارية وولدها مع صِغَره بالرجوع بالفلس، وهو وجه حكاه جماعة، ولم يستحضره الرافعي، فقال: لم يحكوه هنا، والأصح: أنه إن بذل البائع قيمته.. أخذه مع أمه، وإلا.. بيعا معًا، واختص بحصة الأم من الثمن 5، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي"، لكن تعبير "المنهاج" بقوله [ص 254]: (وتصرف إليه حصة الأم) أحسن من قول
"الحاوي" [ص 309]: (وخُصَّ بقيمة الأم)، وقول "المنهاج" [ص 254]: (وقيل: لا رجوع) أي: إن لم يبذل البائع القيمة، فإن بذلها.. أخذه جزمًا، ولا يأتي هذا الوجه 1. 2192 - قول "التنبيه" [ص 102]: "وإن كانت الزيادة طلعًا غير مؤبر.. ففيه قولان، أحدهما: يرجع، والثاني: لا يرجع) أظهرهما: الرجوع، وعليه يدل كلام "المنهاج" و"الحاوي" 2. 2193 - قول "المنهاج" [ص 254]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 309]: (ولو كانت حاملًا عند الرجوع دون البيع أو عكسه.. فالأصح: تعدي الرجوع إلى الولد) عبر في "الروضة" بـ (الأظهر) 3، ومدرك الخلاف البناء على أن الحمل هل يعلم أم لا؟ وحينئذ.. فالتصحيح في المسألة الأولى مشكل، وكذا هو مصحح في "التنبيه"، وقياس تصحيح أن الحمل يعلم: تصحيح عدم الرجوع كما صححوه في نظائره من الرد بالعيب والرهن ورجوع الوالد في الهبة من أن الحمل لا يتبع، لكنهم نظروا هنا إلى أنه زيادة متصلة 4. 2194 - قول "المنهاج" [ص 254]: (واستتار الثمر بكِمَامِهِ وظهوره بالتأبير قريبٌ من استتار الجنين وانفصاله، وأولي بتعدي الرجوع) أي: فتجيء فيه الأحوال الأربعة المذكورة في الجنين، لكن هنا طريقة جازمة باستقلال الثمرة حتى تكون للبائع قطعًا إذا كانت غير مؤبرة عند الرجوع، وللمشتري قطعًا في عكسه؛ لأنها وإن كانت مستترة.. فهي مشاهدة تفرد بالبيع، وعبر عن ذلك في "الوجيز" بقوله: (وأولي بالاستقلال)، قال الرافعي: أشار به إلى طريقة القطع تارة بالإثبات وتارة بالنفي 5، فقول "المنهاج" تبعا لأصله: (وأولي بتعدي الرجوع) 6 معترض في مسألة العكس؛ فإنها أولى بعدم تعدي الرجوع 7. 2195 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي" فيما لو غرس أو بني: (له أن يرجع ويتملك الغراس والبناء بقيمته، وله أن يقلعه ويغرم أرش نقصه) 8 كذا صححه في "الروضة" 9، وهو نظير تصحيحه في "الروضة" في (العارية) 10، وسيأتي في "المنهاج" في (العارية)
تصحيح التخيير بين التبقية بأجرة والقلع وضمان أرش النقص 1، وفي "الحاوي" التخيير بين الثلاثة 2، وسنبسط هناك ما وقع في ذلك من الاضطراب في الأبواب إن شاء الله تعالى.
واعلم: أن عبارة "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" هنا: (له أن يرجع على أن يتملك) بصيغة الشرط 3، فينظر هل بينهما وبين عبارة "المنهاج" و"الحاوي" تفاوت في المعنى أم لا؟
2196 - قول "الحاوي" [ص 310]: (وتُرِكَ زَرْعُهُ) أي: إلى أوان الحصاد إذا أجره أرضًا لزراعة، ومحله: إذا لم يتفق الغرماء والمفلس على القطع قبل أوانه، فإن اتفقوا عليه.. قطع، وإن اختلفوا فيه؛ فإن كان للمقطوع قيمة.. أجيب من يدعو إلى القطع، وإلا.. فمن يدعو إلى الإبقاء، نبه عليه الرافعي 4.
قال في "التعليقة": وإنما لم يتعرض "الحاوي" للقطع عند المصلحه؛ لأن المرعيّ مصلحة المفلس والغرماء.
2197 - قول "التنبيه" [ص 102]: (أو خلطه بما هو أجود منه) لا بد من تقييد ذلك بكونه مثليًا، وإلا.. فلا يؤثر الخلط فيه شيئًا، وقول "المنهاج" [ص 254]: (وإن كان المبيع حنطة) و"الحاوي" [ص 310]: (وخُلِطَ الزيت) مثالان، فالضابط: كونه مثليًا كما تقدم.
ويستثني من ذلك: ما لو قل الخليط جدًا.. فقال الإمام: الوجه: القطع بالرجوع إن كان القليل للمشتري، وبعدمه إن كان للبائع 5.
2198 - قول "المنهاج" فيما لو طحنها أو قَصَّرَ الثوب [ص 254]: (وإن زادت - أي: القيمة -.. فالأظهر: أنه يباع وللمفلس من ثمنه بنسبة ما زاد)، قد يفهم أن البائع لو أراد أخذه ودفع حصة الزيادة للمفلس.. لم يمكن من ذلك، والأصح في "الروضة" هنا من زيادته: أن له ذلك 6، وصححه الرافعي أيضًا بعد ذلك 7، فكان ينبغي أن يقول كما في "المحرر": (أصح القولين: أن المفلس شريك فيه، فيباع) 8، وكذا في "الحاوي" [ص 311]: (فشريك بالزائد)، فحاصل ذلك أن محط الأظهر: الشركة، والبيع أحد فرعيه قطعًا، والفرع الآخر: إمساك البائع له ودفع
حصة الزيادة، ويوافق ذلك أيضًا قول "التنبيه" [ص 102]: (رجع في العين، وكانت الزيادة للمشتري)، فهي دالة على الشركة كما تقدم، والله أعلم.
2199 - قول "المنهاج" [ص 255]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 311]: (ولو صبغه بصبغِهِ؛ فإن زادت القيمة قدر قيمة الصبغ.. رجع، والمفلس شريك بالصبغ) فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: ما إذا كانت زيادة القيمة بسبب الصنعة، وهو المتبادر إلى الفهم من العبارة، أما إذا زادت بارتفاع سوقهما أو سوق أحدهما.. فالزيادة لمن ارتفع سعر سلعته.
ثانيهما: في كيفية الشركة وجهان لا ترجيح فيهما في "الروضة" وأصلها:
أحدهما: أن كل الثوب للبائع، وكل الصبغ للمفلس كما لو غرس.
والثاني: يشتركان فيهما كخلط الزيت 1.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وللوجهين التفات على قاعدة الحصر والإشاعة.
2200 - قول "المنهاج" [ص 255]: (أو أكثر.. فالأصح: أن الزيادة للمفلس) لا يعرف منه مقا بل الأصح، وهو وجهان، أحدهما: أنها للبائع، والثاني: أنها توزع عليهما.
2201 - قوله فيما لو اشتراهما من اثنين: (وإن زادت بقدر قيمة الصبغ.. اشتركا) 2 كذا إذا لم تبلغ الزيادة قدر قيمة الصبغ، لكن النقص عليه 3.
2202 - قوله: (وإن زادت على قيمتهما.. فالأصح: أن المفلس شريكٌ لهما بالزيادة) 4، قال شيخنا ابن النقيب: أي: فيما إذا اشتراهما من واحد أو من اثنين 5، وفيما قاله انظر؛ فكيف يصح تحميل عبارته صورة ما إذا اشتراهما من واحد مع قوله: (شريك لهما)؟
2203 - قول "التنبيه" في الصورة المذكورة [ص 102]: (وإن نقصت قيمتهما.. حسب النقصان من قيمة الصبغ، ويرجع صاحب الثوب في ماله، وصاحب الصبغ بالخيار إن شاء.. رجع فيه ناقصًا، وإن شاء.. ضرب مع الغرماء) ظاهره: أنه لا يضارب بباقي الثمن إذا رجع فيه ناقصًا، وصححه في "الروضة" 6، وبحث فيه في "الكفاية".
2204 - قول "الحاوي" [ص 311]: (وللقصّار الحبس) 7 أي: حبس ما استؤجر على قصارته
ليقبض الأجرة، لكن ليس له حبسه في يده، بل عند عدل، نص عليه الشافعي، كما حكاه في "الروضة" من زيادته، قال: وليس مخالفًا لما سبق، فإن جعله عند العدل.. حبس 1.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب: تقييده بما إذا كان العمل قد زادت به القيمة، فإن لم تزد، أو نقصت.. فلا يحبس، ويأخذه المالك كما لو عمل المفلس، ويضارب المستأجر بأجرته في مال المفلس، وسبقه إلى ذلك البارزي في "توضيحه الكبير".
2205 - قول "التنبيه" [ص 102]: (وإن كان للمفلس دين وله به شاهد ولم يحلف.. فهل يحلف الغرماء؟ فيه قولان) فيه أمور:
أحدها: صورة المسألة: أن يكون المفلس قد ادعي وأقام الشاهد شهادته بطلبه، فلو لم يدع.. فليس للغرماء الدعوي والتحليف على الأصح.
ثانيها: العين في ذلك كالدين.
ثالثها: في معنى ما إذا كان له شاهد: ما إذا ردت اليمين عليه فنكل.
رابعها: الأظهر: عدم الحلف، بل الأرجح: القطع به، وأن الخلاف في الوارث خاصة، وقد سلم "الحاوي" من هذه الإيرادات بقوله [ص 307]: (وإن نكل المفلس أو وارثه عن اليمين المردودة أو مع شاهد.. لم يحلف الغريم، كما لا يدعي).
بابُ الحَجْر
2206 - قول "المنهاج" [ص 256]: (منه: حجر المفلس لحق الغرماء، والرهن للمرتهن، والمريض للورثة، والعبد لسيده، والمرتد للمسلمين) ليس في عبارته ما يدل على حصر الحجر لمصلحة الغير في هذه الأنواع الخمسة، وعبارة "الروضة" وأصلها تقتضي حصره فيها 1.
وزاد ابن الرفعة في "الكفاية" عليها: الحجر على السيد في المكاتب، وفي الجاني، وعلى الورثة في التركة.
وزاد في "المطلب": الحجر الغريب على المشتري في جميع ماله حتى يوفي الثمن، وعلى الأب إذا أعفّه ابنه بجارية حتى لا يبيعها، قاله القاضي حسين والمتولي.
وزاد السبكي: الحجر على الممتنع من وفاء دينه وماله زائد إذا التمسه الغرماء في الأصح.
وزاد شيخنا الإسنوي: إذا رد بعيب.. فله حبس السلعة، ويحجر على البائع في بيعها حتى يؤدي الثمن، قاله المتولي.
وعلى من غنم مال حربي مديون قد استرق حتى يوفي، وعلى المشتري في المبيع قبل القبض، قاله الجرجاني.
وعلى العبد المأذون للغرماء، وعلى السيد في نفقة الزوجة حتى يعطيها بدلها، وعلى مالك دار قد استحقت العدة فيها بالحمل أو الأقراء، بخلاف الأشهر، وعلى من اشتري عبدًا بشرط العتق، وفي المستولدة، وفيما إذا أعتق شريكه الموسر نصيبه في الأصح إذا قلنا: لا يسري إلا بدفع القيمة، وفيما استؤجر على العمل فيه حتى يفرغ ويُعطي أجرته، وفيما إذا قال شريكان لعبد بينهما: (إذا متنا.. فأنت حر) فمات أحدهما.. فليس لوارثه التصرف فيه بالبيع ونحوه، ونصيب اللآخر مدبر حتى يموت، فيعتق جميعه.
وفيما إذا نعل المشتري الدابة ثم اطلع على عيبها وقلْعه يُعَيِّبُهَا، فردها، وترك له النعل.. جُبر على قبوله، وهو إعراض عنه في الأصح، فيكون للمشتري لو سقط، ويمتنع عليه بيعه؛ كدار المعتدة.
وفيما إذا أعار أرضًا للدفن.. فيمتنع بيعها قبل بلاء الميت، وفيما إذا خلط المغصوب بما لا يتميز.. فعليه بدله، ويحجر عليه فيه إلى رد البدل، وفيما إذا أوصي بعين تخرج من الثلث وباقي ماله غائب.. فيحجر على الموصي له في الثلثين؛ لاحتمال التلف، وفي الثلث على الأصح؛ لعدم تمكن الوارث من الثلثين.
وفيما إذا أقام شاهدين على ملك ولم يعدلا.. فيمتنع على صاحب اليد البيع ونحوه بعد حيلولة الحاكم وقبلها على أحد الوجهين، وفيما إذا اشترى عبدًا بثوب وشرطا الخيار لمالك العبد.. فالملك لا فيه، ويبقي الثوب على ملك الآخر؛ لئلا يجتمعا في ملك واحد، ولا يجوز لمالكه التصرف فيه.
وفيما إذا أحبل الراهن المرهونة وهو معسر.. فلا ينفذ الاستيلاد، ومع ذلك لا يجوز بيعها في الأصح؛ لأنها حامل بحرّ، ولا بعهد الولادة حتى تسقيه اللبأ ويجد مرضعة خوفًا من سفر المشتري بها، فيهلك الولد.
وفيما إذا أعطى الغاصب القيمة للحيلولة ثم ظهر المغصوب.. فله حبسه إلى استرداد القيمة, كما في الرافعي في (الغصب) عن النص، ثم مال إلى خلافه 1، ويلزم من حبسه امتناع تصرف مالكه فيه بطريق الأولى.
وفي بدل العين الموصى بمنفعتها إذا تلفت.. فيمتنع على الوارث التصرف فيه؛ لأنه يستحق عَليه أن يشتري به ما يفوم مقامه، وفيما إذا أعطي لعبده قوته ثم أراد عند الأكل إبداله.. لم يكن لي ذلك، كما قال الروياني، وقيده الماوردي بما إذا تضمن الإبدال تأخير الأكل 2.
وفيما إذا نذر إعتاق عبده، فليس له التصرف فيه وإن لم يخرج عن ملكه إلا بالإعتاق, وفيما إذا دخل وقت صلاة وعنده ما يتطهر به... لم يصح بيعه ولا هبته.
وفيما إذا وجبت عليه كفارة على الفور وفي ملكه ما يكفر به.. فقياس ما سبق امتناع تصرفه فيه، قاله الإسنوي؛ قال: ومن عليه دين لا يرجو وفائه، أو وجبت عليه كفارة.. لا يحل له التصدق بما معه ولا هبته، ولكن لو فعل.. ففي صحته نظر.
انتهى.
فهذه خمس وثلاثون مسألة، وبقيت مسائل أخر؛ منها: الحجر على المالك قبل إخراج الزكاة؛ وعلى الوارث في العين الموصي بها قبل القبول, وعلى السيد فيما بيد العبد المأذون إذا ركبته ديون بغير إذن الغرماء، وكذا بغير إذن العبد في الأصح، وإذا اشترى شيئًا شراء فاسدًا وأقبض الثمن.. فله الحبس إلى استرداد الثمن على قول أو وجه، حكاه الرافعي في البيوع المنهي عنها عن الإططخري 3، واقتضى كلامه في موضعين من الضمان ترجيحه 4، واختار السبكي فيما حكاه عنه ابنه: التفصيل بين أن يكون فاسدًا بشرط.. فله الحبس، أو لكونه ملك الغير.. فلا حبس.
انتهى.
ويلزم من الحبس امتناع التصرف كما تقدم، وحجر القاضي على من ادعي عليه بدين في جميع ماله إذا اتهم بحيلة، وقد أقام المدعي شاهدين ولم يزكيا، كما قاله القاضي الحسين، والأصح: خلافه، والحجر على النائم، قاله القاضي الحسين، وعلى المشتري إذا خرس في مجلس البيع.. فإن الحاكم ينصب عنه قيمًا، قاله الرافعي 1، وعلى الواقف في الموقوف وإن قلنا: إنه ملكه، فهذه ثماني صور، والله أعلم.
2207 - قول "التنبيه" [ص 102]: (لا يجوز تصرف الصبي والمجنون في مالهما) قد يخرج به إسلام المميز، وجوابه السلام على جمع هو فيهم، وإخباره وهو مشكل بميله إلى الرجال أو النساء، وأمانُهُ كافرًا، ووقوع الطلاق المعلق بمشيئته، بقوله: (شئت)، وإخباره بنجاسة أحد الإناءين، وشهادته بهلال رمضان، وشهادة الصبيان بأن فلانًا قتل فلانًا.. هل يكون لوثًا؟ وقوله للشاهد يجهل عين المشهود عليها: هي هذه، والأصح في الكل: المنع؛ ولذلك قال في "الحاوي" [ص 312]: (المجنون محجور إلى الإفاقة، والطفل إلى البلوغ من الإيمان وغيره).
لكن يستثنى من ذلك: أنه يصح من المميز إحرامه وعبادته، ويعتبر قوله في إذن الدخول، وإيصال الهدية، وله إزالة المنكر، ويثاب عليه كالبالغ كما في "الروضة" من زيادته في (الغصب) 2، وفي "المنهاج" [ص 256]: (فبالجنون تنسلب الولايات واعتبار الأقوال)، وسكت عما يحجر على الصبي فيه؛ كأنه للاكتفاء بما ذكره في المجنون، وهو كذلك إلا ما يستثني، واقتضي كلامه اعتبار فعله، وهو كذلك في الإتلاف، ومنه إحباله، بخلاف غيره؛ كالهدية والصدقة.
2208 - قول "الحاوي" [ص 312]: (والمميز يُبعد به عن أهله) أي: استحبابًا، كما رجحه الرافعي في (اللقيط) 3، أو وجوبًا، كما هو ظاهر كلامه في (الحضانة) 4.
2209 - قول "التنبيه" [ص 103]: (وإذا بلغ الصبي، وعقل المجنون، وأونس منهما الرشد.. انفك الحجر عنهما) فيه أمران:
أحدهما: أنه لا يتوقف انفكاك الحجر عن المجنون على إيناس الرشد، بل ينفك عنه بمجرد الإفاقة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 312]: (إلى الإفاقة) و"المنهاج" [ص 256]: (ويرتفع بالإفاقة)، لكن يستثنى منه: ولاية القضاء ونحوها، فلا تعود إلا بولاية جديدة؛ فلعل المراد:
عود الأهلية، وحمل ابن الرفعة كلام "التنبيه" على المجنون الذي جُن في صباه، أو بعد بلوغه وقبل إيناس الرشد، وقد قال بعد ذلك: (وإيناس الرشد: أن يبلغ مصلحًا لدينه وماله) 1، ولم يذكر الإفاقة.
ورده السبكي: بأن الباقي فيما إذا لم يؤنس منه الرشد حجر السفه لا حجر الجنون.
ثانيهما: أن ما ذكره في الصبي موافق لقول "المنهاج" [ص 256]: (وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدًا)، لكن في "الحاوي" [ص 312]: (والطفل إلى البلوغ) ولم يذكر الرشد، قال الرافعي: وليس خلافًا محققًا، ومراد الأول: الإطلاق الكلي، والثاني: المخصوص بالصبي، وهذا أولي؛ لأن كلًا من الصِّبَا والتبذير سبب مستقلٌ.
انتهى 2.
وعلى هذا.. فالرشد غير محتاج إليه في ارتفاع حجر الصبي؛ فإن حجر الصبي يرتفع بالبلوغ مطلقًا، ويخلفه حجر السفه، وله أحكام تخصه، فهذا يرتفع بالرشد، قال السبكي: وللبحث مجال في أن حجر الصبي للسفه الذي هو مظنته فاتحدا وإن اختص الصبي بإلغاء أقواله جملة، وحكي في "التوشيح" عن والده: أنه أفتي في يتيم غائب علم وليّه أنه بلغ، ولم يعلم هل بلغ رشيدًا؟ بأنه لا يجوز له التصرف في ماله، ولا إخراج زكاته استصحابًا لحكم الحجر، واحتج بقول الأصحاب: إذا أجر الولي الصبي مدة يبلغ فيها بالسن.. لم يصح فيما زاد على البلوغ، قال: فهذا يدل على أنهم لا يكتفون في العقود بالأصل.
2210 - قول "الحاوي" [ص 312]: (بخمس عشرة سنة) قد يوهم حصول البلوغ بالطعن فيها، وهو وجه، والأصح: اعتبار استكمالها، وصرح به "التنبيه" و"المنهاج" 3، وابتداؤها من خروج جميع الولد، وهي تحديد، كما ذكره النووي في "الأصول والضوابط"، فقال: الأصح: القطع به 4.
2211 - قول "التنبيه" [ص 103]: (بالاحتلام) و"الحاوي" [ص 312]: (والحلم) أراد به: خروج المني في نوم أو جماع أو غيرهما، فلو عبرا بـ (خروج المني) كما في "المنهاج" 5.. لكان أوضح؛ ولذلك قال النووي في "تحرير التنبيه": (لو قال: بالإنزال.. لكان أصوب) 6.
وجوابه: أن هذا هو المراد؛ وقد قال الماوردي: إن الاحتلام: إنزال المني في نوم أو جماع أو غيرهما 1.
2212 - قول "التنبيه" [ص 103]: (أو بإنبات الشعر الخشن في العانة في أظهر القولين) فيه أمران: أحدهما: أن ذلك إنما هو في حق ولد الكافر دون المسلم في الأظهر، وعلى ذلك مشي "المنهاج" و"الحاوي" 2.
ثانيهما: أنه ليس نفس البلوغ، وإنما هو علامة عليه في الأظهر؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 256]: (ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر)، وهذا وارد على قول "الحاوي" [ص 312]: (وإنبات العانة لطفل الكفار) فإن ظاهره أنه بلوغ أيضًا، وتظهر فائدة الوجهين فيما لو شهد عدلان بأنه لم يستكمل خمس عشرة سنة مع نبات العانة، فإن قلنا: حقيقة.. فبالغ، وإن قلنا: دلالة.. فلا، ذكره الماوردي 3.
واعلم: أن عبارتهم تقتضي تعميم هذه العلامة في الذكر والأنثى، وهو المشهور، فهو أحسن من تعبير "المحرر" بـ (صبيان الكفار) 4، ونقل السبكي عن الجوري: أنه ليس علامة في حق النساء؛ لأنهن لا يقتلن، وإنما يكون علامة في حق الخنثى إذا كان على فرجيه، كما صرح به الماوردي 5، وفيه شيء، كما قال شيخنا الإمام البلقيني.
ويرد على "المنهاج" و "الحاوي": أنهما لم يقيدا الشعر بكونه خشنًا، ولا بد منه.
2213 - قول "الحاوي" [ص 312]: (وحُلّف إن قال: استعجلته بالدواء) محله: في ولد الحربي إذا سُبي، فإن كان ولد ذمي، وطولب بالجزية، فادعي مثل ذلك.. ففي "الكفاية" عن العبادي: أنه لا يسمع منه.
2214 - قولهم في بلوغ المرأة: (والحبل) 6 أي: يتبين بالولادة البلوغ قبلها بستة أشهر ولحظة، فإن كانت مطلقة وأتت بولد يلحق الزوج.. حكم ببلوغها قبل الطلاق بلحظة، والمشهور: أنه ليس ببلوغ، ولكنه علامة، قاله في "الكفاية"، وهو مفهوم من قول الرافعي: لأنه مسبوق بالإنزال 7.
تنبيه [بلوغ الخنثى]
قد يفهم من سكوتهم عن الخنثى مساواته لما ذكر؛ لأنه إما ذكر أو أنثى، لكن إن أمنى بذكره وحاض بفرجه.. حكم ببلوغه في الأصح، وإن وجد أحدهما.. فلا عند الجمهور، وقال الإمام: إنه بلوغ، قال الرافعي: وهو الحق، فإن ظهر من الآخر ما يخالفه.. غيرنا الحكم 1، واستحسن في "الروضة" قول المتولي: إنه يحكم به إن تكرر 2، وتقدم قول الماوردي: إن الإنبات إنما يكون علامة إذا كان على فرجيه معًا 3.
2215 - قول "التنبيه" [ص 103]: (وإيناس الرشد: أن يبلغ مصلحًا لدينه وماله) لا معنى لتقييد ذلك بالبلوغ؛ فالرشد: صلاح الدين والمال، كما عبر به "المنهاج" 4، وهو معنى تعبير "الحاوي" بـ (الصلاح دينًا ودُنيا) 5، ولا فرق بين أن يقارن البلوغ أم لا، ومال الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى الاكتفاء في الرشد بالمال وحده، وهو وجه.
2216 - قول "المنهاج" [ص 256]: (والأصح: أنَّ صرفه في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تلبق بحاله ليس بتبذيرٍ) فيه أمور:
أحدها: أن ذكر وجوه الخير بعد الصدقة من ذكر العام بعد الخاص؛ ففيه تكرير لا يليق بالمختصرات، فكان ينبغي الاقتصار على الثاني، كما قال في "الحاوي" [ص 313]: (لا في الخير).
ثانيها: مقابل الأصح في مسألة وجوه الخير قاله الجويني، وشرطه عنده: أن يقارن البلوغ، لا إن طرأ، وعبارة "المنهاج" توهم عمومه.
ثالثها: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين القليل والكثير، وهو مقتضي المنقول، ويشكل تسفيه من تصدق بفلس ونحوه.
رابعها: مقابل الأصح في مسألة المطاعم والملابس قاله الإمام والغزالي 6، والخلاف فيه مفرع على القول بعدم التحريم، كما هو ظاهر "الروضة" وأصلها هنا 7، لكن في "الشرحين"
و"الروضة" عند الكلام على الغارم في الزكاة الجزم بتحريمه، فهو حينئذ تبذير قطعًا، وقد صحح السبكي: أنه تبذير.
2217 - قوله: (ويختبر رشد الصبي) 1 قد يخرج المرأة؛ ولذلك لم يقيده "التنبيه"، بل قال [ص 103]: (ولا يسلم إليه المال حتى يختبر) أي: المحجور مطلقًا، وقد يقال: لفظ الصبي متناول للأنثي، كما نقله ابن حزم الظاهري 2، والاختبار يكون في الدين وفي المال، فقول "المنهاج" بعده [ص 256]: (ويختلف بالمراتب) أي: اختبار المال دون الدين.
2218 - قوله: (فيختبر ولد التاجر: بالبيع والشراء والمماكسة فيهما) 3 كذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 4، وهو يقتضي صحة البيع والشراء منه، والأصح: خلافه.
2219 - قوله: (وولد الزَّرَّاع) 5 أعم من قول "المحرر": (المزارع) 6 فإنه الذي يدفع أرضه إلى من يزرعها، والزراع يتناوله ويتناول من يزرع بنفسه.
2220 - قول "التنبيه" [ص 103]: (إما قبل البلوغ أو بعده) الأصح: قبله، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 257]: (ووقته: قبل البلوغ، وقيل: بعده)، قال الرافعي في توجيهه؛ لأن تصرف الصبي باطل 7، وهو يفهم أن محله: في الاختبار بالتجارة، وبه صرح في "الاستقصاء"، وهو الأقرب في "الكفاية"، لكن الجمهور أطلقوه، قال الجرجاني: إن قلنا: إن الاختبار قبله.. فالمخاطب به كل ولي، وإن قلنا: بعده.. فوجهان، أحدهما: كذلك، والثاني: الحاكم فقط 8.
2221 - قوله: (فعلى الأول: الأصح: أنه لا يصح عقده) 9 فيه أمران:
أحدهما: أنه يفهم أنه على الثاني بخلافه، ولم يصرحوا به، ويظهر بناؤه على صحة تصرفه بالإذن، وأولي بالصحة؛ لعدم تحقق سفهه حسًا.
ثانيهما: ظاهر كلامه: أن مقابل الأصح: صحة عقده مطلقًا، وكذا أطلقه في
"الروضة" 1، وقيده في "الكفاية" بالإذن.
2222 - قولهما - والعبارة لـ "التنبيه" -: (فإن كان سفيهًا في دينه أو ماله.. استديم الحجر عليه) 2 أي: جنس الحجر؛ فإن حجر الصبي زال بالبلوغ، وخلفه حجر السفه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 312]: (والطفل إلى البلوغ من الإيمان وغيره، ثم من تصرفٍ ماليٍّ... إلى آخر كلامه).
2223 - قولهما - والعبارة لـ "التنبيه" -: (وإن كان مصلحًا لدينه وماله.. انفك الحجر عنه، وقيل: لا ينفك إلا بالحاكم) 3 لا يختص الفك على الوجه الثاني بالحاكم، بل ينفك أيضًا بالأب أو الجد، وفي الوصي والقيم وجهان، كذا في "الروضة" وأصلها 4، وفي "الحاوي" و"البحر" في (الوصية): أنه إن كان الولي أبًا أو جدًا.. انفك بنفس البلوغ والرشد، وإن كان حاكمًا.. فلا بد من فكه هو للحجر، وإن كان وصيًا.. فوجهان 5، وقال الشيخ أبو حامد: إن كان أبًا أو جدًا.. انفك بالبلوغ رشيدًا، وإن كان حاكمًا.. فوجهان.
قال بعضهم: ولذلك قال "التنبيه" أولًا [ص 103]: (وإذا بلغ الصبي، وعقل المجنون، وأونس منهما الرشد.. انفك الحجر عنهما) ثم قال بعد ذلك: (وإن كان مصلحًا لدينه وماله.. انفك الحجر عنه، وقيل: لا ينفك إلا بالحاكم) فحمل الأول على ما إذا كان وليه أبًا أو جدًا، والثاني على ما إذا كان الحاكم، وهو أولي من قول النووي في "نكته": إنها مكررة.
2224 - قول "المنهاج" [ص 257]: (فلو بذَّر بعد ذلك.. حُجر عليه) لم يتبين الحاجر عليه، وهو القاضي كما صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 6، فإن عاد رشيدًا.. لم ينفك إلا بالحاكم على المذهب.
2225 - قول "التنبيه" [ص 103]: (فإن فك الحجر عنه ثم سفه في الدين دون المال.. فقد قيل: يعاد الحجر عليه، وقيل: لا يعاد) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 7، وعلى الأول: فظاهر كلامهم وجوب إعادة الحجر عليه، والذي في "البسيط": جوازه للحاكم إن رآه مصلحة.
2226 - قول "المنهاج" فيمن حجر عليه لسفهٍ [ص 257]: (وقيل: وليُّهُ في الصغر) محله: إذا قلنا: يعود الحجر بنفسه، وإلا.. لم ينظر إلا القاضي قطعًا، فطريقة الوجهين مبنية على وجه ضعيف، قاله الرافعي 1، لكن في "الإشراف" للهروي حكاية الوجهين مع حجر القاضي، وتبعه في "الكفاية".
2227 - قولهم: (إنه لا يصح من محجور عليه لسفهٍ بيع ولا شراءٌ) 2 محله: إذا كان ذلك لنفسه، فإن توكل في ذلك لغيره.. ففيه وجهان.
مقتضي تصحيح الرافعي: المنع أيضًا 3، لكنه صحح في (الوكالة): جواز توكيله في قبول النكاح 4، واستشكل في "المهمات" جريان الخلاف في توكله لغيره في البيع؛ لأنه مطالب بالثمن، ولو اعترف البائع بوكالته في الأصح.. فهو كالضامن، ولا يصح من المحجور ضمان، وقد أنكر النووي على الرافعي تخريجه إذا كان بإذن الولي على البيع بإذنه؛ لما في الضمان من الغرر 5.
2228 - قول "المنهاج" [ص 257]: (ولا إعتاقٌ) أي: في الحياة، فأما بعد الموت؛ كالتدبير والوصية بالعتق.. فالمذهب: الصحة، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 312]: (لا وصيةٍ وتدبيرٍ) ومقتضي ذلك أنه في الكفارة يصوم كالمعسر، لكن صحح في "المطلب" في القتل: أن الولي يعتق عنه.
2229 - قول "المنهاج" [ص 257]: (وهبةٌ) أي: أن يهب شيئًا من ماله، زاد في "الروضة" وأصلها: لا بشرط الثواب ولا دونه 6.
واعترضه في "المهمات": بأنه إذا شرط ثوابًا معلومًا.. كان بيعًا على الأصح تجري عليه أحكام البيع كلها، نظرًا للمعنى، قال: فينبغي أن يجوز ذلك حيث يجوز البيع، وبه صرح الإمام، وحكاه عنه الرافعي في (الهبة)، وأقره، وجزم به في "الروضة".
انتهى 7.
أما إذا وُهب له.. فوجهان، صحح النووي: الصحة 8، ومقتضي كلام الرافعي أن الوجهين
إذا أذن له الولي؛ فإنه ذكرهما فيما إذا أذن له في البيع، ثم قال: ويجريان في اتهابه وقبوله الوصية لنفسه 1، وأطلق الماوردي أنه لا يسلم إليه الموهوب 2، وقال ابن الرفعة: إن كان هناك من يأخذها منه عقب قبضها من ولي أو حاكم.. لم يمتنع دفعها إليه، وإلا.. ففيه توقف.
وتجويز الاتهاب وارد على إطلاق "التنبيه" استدامة الحجر و"الحاوي" منع التصرف المالي 3.
2230 - قول "المنهاج" [ص 257]: (ونكاحٌ بغير إذن وليه) يعود إلى النكاح فقط؛ فإنه الذي يصح بالإذن دون التصرف المالي، كما ذكره بعد ذلك.
2231 - قول "التنبيه" [ص 103]: (وإن أذن له في البيع.. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) الثاني هو الأصح، وعليه مشي "المنهاج" بقوله [ص 257]: (لا التصرف المالي في الأصح)، ومحل الوجهين: إذا عين له الولي قدر الثمن، وإلا.. بطل جزمًا، والحق في "المطلب": تعيين المبيع بتقدير الثمن، ويتقدر بثمن المثل، ولو وجب عليه قصاص، فصالح بغير إذن الولي على الدية أو أكثر.. صح، وإن وجب له قصاص.. فله العفو على مال، وكذا مجانًا على المذهب، والأصح: صحة قبضه دينه بإذن وليه، وهذا وارد أيضًا على إطلاق "الحاوي" المنع من تصرف مالي و"التنبيه" استدامة الحجر 4.
2232 - قول "المنهاج" [ص 257]- والعبارة له - و"الحاوي" في (الوديعة) [ص 441]: (فلو اشتري أو اقترض وقبض وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه.. فلا ضمان) محله: إذا أقبضه إياه البائع أو المقرض الرشيد أو غير الرشيد بإذن وليه، وإلا.. فيضمنه، وألَّا يطالبه البائع به، فإن طالبه فامتنع.. ضمن، كما ذكره الداوودي في "شرح المختصر"، حكاه في "المهمات"، قال: وهو ظاهر، ثم إن هذا في الظاهر، وهل يضمن فيما بينه وبين الله تعالى؟ صحح الإمام والغزالي: المنع أيضًا 5، وصحح الروياني: أنه إن جهل البائع الحجر وأتلفه السفيه.. وجب، وإلا.. فلا.
2233 - قول "المنهاج" [ص 257]: (ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر أو بعده) هما ظرفان لما أوجب الدين؛ أي: سواء أسنده إلى ما قبل الحجر أو بعده.. فلا يلزمه وإن فك الحجر عنه، وهو
ظاهر إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" منع الإقرار بالمال 1، وهذا في الدنيا، فأما بينه وبين الله تعالى.. فيلزمه بعد فك الحجر إن كان صادقًا فيه.
2234 - قول "المنهاج" [ص 257]: (وكذا بإتلاف المال في الأظهر) كذا حكي الخلاف في "المحرر" و"الروضة" وأصلها هنا قولين 2، وحكياهما في (القسامة) وجهين، وقالا: سبقا في الحجر 3، وهذا يقتضي أن المعتمد هو المذكور هنا.
2235 - قوله: (ويصح نفيه النسب بلعانٍ) 4 لا حاجة لتقييده باللعان؛ لأن له نفيه من أمته بالحلف، ولا لعان هناك.
2236 - قوله: (وحكمه في العبادة كرشيد) 5 أي: الواجبة، أما المالية التي ليست واجبة؛ كصدقة التطوع وغيرها.. فليس هو فيها كرشيد.
2237 - قوله: (وإذا أحرم بحجٍّ فرضٍ.. أعطي الوليّ كفايته لثقةٍ يُنفق عليه في طريقه) 6 فيه أمور:
أحدها: أنه يفهم أنه لا يعطي قبل الإحرام، وليس كذلك، بل إذا سافر لذلك وأخر الإحرام للميقات.. أعطي أيضًا.
ثانيها: تناول حج الفرض حجة الإسلام والقضاء والنذر قبل الحجر، وكذا النذر بعده إن جعلناه كواجب الشرع، وفي القضاء الواجب في السفه وجهان.
ثالثها: ينبغي حذف اللام من قوله: (لثفة) لأن (أعطي) يتعدي لاثنين بنفسه.
2238 - قوله: (وإن أحرم بتطوع وزادت مؤنة سفره على نفقته المعهودة.. فللولي منعه) 7 فيه أمران:
أحدهما: أن صورة المسألة: أن يحرم به حال الحجر، فلو أحرم به قبله ثم حجر عليه.. فكالفرض.
ثانيهما: أن تعبيره تبعًا للرافعي هنا يقتضي منعه من السفر 8، وعبرا في الحج: بأن له
تحليله، وعبر الإمام والغزالي: بمنعه من زائد المؤنة (1)، أي: لا نفس المضي، ومال إليه في "المطلب".
2239 - قوله: (ويتحلل بالصوم إن قلنا: لدم الإحصار بدلٌ) (2) أي: وهو الأصح، فإن قلنا: لا بدل له، بل يبقي في ذمة المحصر.. فلم يتعرض الرافعي والنووي للتصريح بالتفريع عليه، وقال في "المطلب": يظهر أن يبقي في ذمة السفيه أيضًا.
2240 - قوله: (ولو كان له في طريقه كسبٌ قَدْرَ زيادةِ المؤنةِ.. لم يجز منعه) (3) كذا لو لم يكن، ولم تزد المؤنة على مؤنته في الحضر.
فصْلٌ [فيمن يلي نحو الصبي مع بيان كيفية تصرفه في ماله]
2241 - قول "المنهاج" [ص 258]: (ولي الصبي: أبوه، ثم جده، ثم وصيهما، ثم القاضي) فيه أمور:
اْحدها: أن ذلك لا يختص بالصبي؛ فالمجنون كذلك، وقد صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 4، وكذا من بلغ سفيهًا كما دلت عليه عبارتهما أيضًا، وحكاه في "الكفاية" عن القاضي مجلي.
ثانيها: المراد بالجد: أبو الأب، وهذا وارد على إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا.
ثالثها: المراد بوصيهما: وصي من تأخر موته منهما؛ فإنه لا يتصور اجتماعهما، وأطلق "التنبيه" و"الحاوي" الوصي 5.
رابعها: اقتصر "المنهاج" و"الحاوي" على القاضي 6، وفي "التنبيه": الحاكم أو أمينه 7، والمراد: القاضي الذي في ولايته اليتيم وماله، فلو كان اليتيم ببلد وماله في آخر.. فأولي الوجهين عند الغزالي وأقره الرافعي: يتصرف حاكم بلد المال، كما أنه الذي يحفظه ويتعهده، ويفعل ما فيه مصلحته عند الإشراف على الهلاك 8.123
خامسها: يشترط في ولاية الأب: الإسلام ولو كان الولد كافرًا كما صرح به الماوردي والروياني 1، لكن صحح في "الذخائر" تبعًا للإمام: ولاية الكافر على مال طفله الكافر 2، ويعضده مسألة وصية الذمي إلى الذمي على أطفاله الذميين، والجزم بصحة وصية الذمي إلى المسلم على الولد الكافر يدل على ذلك أيضًا.
ويشترط: ظهور عدالة الأب والجد، وفي ثبوتها وجهان، قال في "الروضة" وينبغي الاكتفاء بالعدالة الظاهرة 3، ومقتضى ما ذكره ابن كج في ولاية الإجبار في النكاح: أن شرطها عدم العداوة.. أن يطرد ذلك في ولاية المال.
سادسها: ذكر النووي في "شرح المهذب" في إحرام الولي عن الصبي: أن للعصبات كالأخ والعم الإنفاق من مال الصبي في تأديبه وتعليمه وإن لم يكن لهم عليه ولاية؛ لأنها قليلة، فسومح بها 4.
2242 - قول "التنبيه" [ص 102]: (ولا يبيع لهما شيئًا بدون ثمن المثل) كذا لا يبيع أيضًا بثمن المثل إذا وجد زيادة، وحكمه في ذلك حكم الوكيل.
2243 - قوله: (ولا أن يغرر بمالهما في المسافرة) 5 فلو غلبت السلامة.. جاز في الأصح، إلا في البحر في الأصح، لكن روي الشافعي رحمه الله: (أن عائشة رضي الله عنها كانت تُبْضِعُ مال بني محمد بن أبي بكر في البحر) 6، وذلك يشعر باختيار الشافعي الجواز.
2244 - قوله: (ويتخذ لهما العقار) 7 شرطه: أن يشتريه من ثقة، وألاَّ يكون في موضع قد أشرف على الخراب أو يخشى هلاكه بزيادة الماء ونحوه، قال الماوردي: وأن يحصل له من ريعه الكفاية، وإلا.. فالتجارة أولي عند الأمن وعدل السلطان 8.
2245 - قولهما: (ويَبْنِيه) 9، قال ابن الصباغ: بشرط أن يساوي بعد الفراغ ما أنفق عليه، وهذا في زمننا نادر، قال بعضهم: وإنما يبنيه إذ لم يكن الشراء أحظّ، وهو ظاهر.