كتاب القِراض
2727 - قول "المنهاج" [ص 300]: (القراض والمضاربة: أن يدفع إليه مالاً ليتجر فيه والربح مشترك) قيل: إنه أحسن من قول "التنبيه" [ص 119]: (ولا يصح إلا على مال) لأنه عرف القراض، ونبه بلفظ الدفع على أنه لا يصح على الدين سواء أكان على العامل أم غيره، وفيما إذا كان على العامل وجه في "الكفاية" عن ابن سريج.
قلت: وقد نبه "المنهاج" على أنه لا يصح على الدين أيضاً بقوله بعد ذلك [ص 300]: (إنه يشترط في المال أن يكون معيناً) وصرح بذلك "المحرر" فقال عقبه: (فلا يجوز على دين له في ذمة الغير، ولا أن يقارض المديون) 1.
2728 - قول "الحاوي" [ص 366]: (في خالص نقدٍ مضروبٍ) كذا قيد الرافعي في "المحرر" النقد بكونه مضروباً 2، لكنه قال في "الشرح الكبير": يشترط أن يكون نقداً، وهو الدراهم والدنانير المضروبة.
انتهى 3.
وهذا يقتضي اختصاص النقد بالمضروب، فلا حاجة حينئذ للتقييد، وعبارة "المنهاج" [ص 300]: (ويشترط لصحته: كون المال دراهم أو دنانير)، فلم يقيدها بالمضروبة، واقتضى كلامه اختصاصها بالمضروبة؛ ولهذا عقبه بقوله: (فلا يجوز على تبر وحلي ومغشوش) 4 وكذا اقتصر "التنبيه" على ذكر الدراهم والدنانير 5، ومقتضى عبارة "الشرح" و"الروضة": أنه لا بد من تقييدها بأن تكون مضروبة 6، ولعل الذي في "التنبيه" و"المنهاج" أقرب، وقد تفهم عبارة "المنهاج" أنه لابد أن يكون رأس المال دراهم فقط، أو دنانير فقط، ولا يجوز كونه منهما معاً، وليس كذلك، فحينئذ .. يكون قول "التنبيه" [ص 119]: (ولا يصح إلا على الدراهم والدنانير) أحسن؛ لدلالته على أن المذكور جنس رأس المال، فإما أن يكون منهما أو من أحدهما.
2729 - وقولهم: (إنه لا يجوز القراض على المغشوش) 7 قال الجرجاني: محله: إذا كان
الحديث: 2727 - الجزء: 2 - الصفحة: 234
الغش ظاهراً، فإن كان مستهلكاً .. جاز، وقوى السبكي الوجه الذاهب إلى جواز القراض على الدراهم المغشوشة.
2730 - قول "التنبيه" [ص 119]: (ولا يصح إلا على مال معلوم الوزن) فيه أمران:
أحدهما: أن التقييد بالوزن يقتضي أنه لا يشترط العلم بصفته، وليس كذلك، فقد صرح هو باشتراطه في "المهذب" 8، وتبعه ابن الرفعة، ولم يتعرض الرافعي للتصريح به، لكن أطلق كونه معلوماً، فقد يدخل فيه العلم بالصفة، وتعليله يقتضيه، وكذا أطلق "المنهاج" كونه معلوما" 9، وقال"الحاوي" [ص 366]: (معلوم القدر) فقيد كـ "التنبيه".
ثانيهما: أنه لو قارضه على ما في أحد هذين الكيسين وهما معلومان .. صح، وهو وجه، الأصح: خلافه؛ ولهذا اشترط "المنهاج" و"الحاوي" أن يكون معينًا 10، وخرج به ما لو قارض على دين كما تقدم، وأورد ذلك على "التنبيه" إذ ليس في عبارته ما يخرجه، فلو قارضه على دراهم غير معينة، ثم عينها في المجلس .. صح، كما قطع به القاضي حسين والإمام 11، ورجحه في "الشرح الصغير"، وقطع البغوي بالمنع 12.
2731 - قول "المنهاج" [ص 300]: (وقيل: يجوز على إحدى الصُرَّتَيْنِ) أي: ويتصرف العامل في أيهما شاء، فيتعين للقراض، ولا بد أن يكون ما فيهما معلوماً كما قدمته، وأن تكونا متساويتين، وهل تشترط الرؤية تفريعاً على اشتراطها في البيع؟ قال السبكي: فيه نظر، والأقرب: الثاني؛ ولعل عدول "المحرر" و"المنهاج" عن التعبير بأحد الألفين إلى إحدى الصُّرَّتين لهذه الفائدة 13، ولكن صورها الرافعي وصاحب "المهذب" بما إذا دفعهما إليه 14، فإن كان شرطاً .. فلتقيد به عبارة "المنهاج" في حكاية هذا الوجه.
2732 - قوله: (ومسلَّماً إلى العامل) 15 قد يفهم أنه يشترط تسليمه له حالط العقد أو في المجلس، وليس كذلك، وإنما المراد: أن اليد له فيه، فلا يصح الإتيان بما ينافيه؛ كشرط كونه
الحديث: 2730 - الجزء: 2 - الصفحة: 235
تحت يد المالك أو غيره؛ ولهذا عقبه بقوله: (فلا يجوز شرط كون المال في يد المالك) 16، فقول "الحاوي" [ص 366]: (في يد العامل) أوضح في هذا المعنى، وأبعد من هذا الإفهام.
وقول "المنهاج" [ص 300]: (ولا عمله معه) قد يفهم دخوله فيما احترز عنه بقوله: (مسلَّماً إلى العامل) 17 وليس كذلك، بل هو شرط آخر، وهو: استقلال العامل بالتصرف.
2733 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويجوز شرط عمل غلام المالك معه على الصحيح) 18 المراد: عبده، كما عبر به "الحاوي" 19، ولا بد أن يكون معلوما بالمشاهدة أو الوصف، وشرطه: ألاَّ يصرح بالحجر على العامل بألاَّ يتصرف دون الغلام، أو يكون بعض المال في يده، وهو مفهوم من تعبيرهم بالعمل.
2734 - قول "التنبيه" [ص 119]: (وعلى العامل أن يتولى بنفسه ما جرت العادة أن يتولاه) يفهم منعه من الاستنابة فيه، وليس كذلك؛ ولهذا عبر "المنهاج" بقوله [ص 300]: (ووظيفة العامل التجارة وتوابعها؛ كنشر الثياب وطيها) ولا يلزم من كونه وظيفته منع الاستنابة فيه، لكن أجرة النائب عليه، وقد أفصح عنه "الحاوي" بقوله [ص 369]: (والنشر والطي وحمل الخفيف والأجر إن استأجر) لكن عبر "المنهاج" في الفصل الذي يليه بمثل تعبير "التنبيه" فقال [ص 302]: (عليه فعل ما يعتاد ... إلى آخره) لكنه أَدْوَن في صراحة ذلك من قول "التنبيه" [ص 119]: (نفسه).
2735 - قول "التنبيه" [ص 119]: (ولا يجوز إلا على التجارة في جنس يعم وجوده) يقتضي اشتراط جنس ما يقارض عليه، حتى لو قارضه على أن يتجر فيما أراد .. لم يصح، وليس كذلك، كما صرح به الماوردي وغيره 20، ولهذا لم يذكره "المنهاج" و"الحاوي"، وفي اشتراط تعيين النوع وجه، الأصح: خلافه، عكس الوكالة، وهو مفهوم عبارة "التنبيه".
2736 - قوله: (فإن علقه على ما لا يعم، أو على ألاَّ يشتري إلا من رجل بعينه .. لم يصح) 21 لو عبر بقوله: (عقده) .. كان أولى؛ فإنه ليس في هاتين الصورتين تعليق، وقد ذكر التعليق بعد ذلك.
الحديث: 2733 - الجزء: 2 - الصفحة: 236
2737 - قوله: (ولا يصح إلا أن يعقد في الحال، فإن علقه على شرط .. لم يصح) 22 قد يفهم أنه لو عقد في الحال وعلق التصرف على شرط .. صح كما في الوكالة، وليس كذلك.
2738 - قول "المنهاج" [ص 300]: (ولا يشترط بيان مدة القراض، فلو ذكر مدة ومنعه التصرف بعدها .. فسد، وإن منعه الشراء بعدها .. فلا في الأصح) فيه أمور:
أحدها: أنه يفهم الصحة فيما لو قال: قارضتك سَنَةً، ولم يزد، وكذا يفهمه عبارة "التنبيه"، لكن الأصح المنصوص: البطلان، وقد دل عليه قول "الحاوي" [ص 367]: (لا مؤقتةٍ).
ثانيها: في معنى منعه التصرف: منعه البيع فقط، وقد صرح بهما في "المحرر" و"الروضة" 23، و"الحاوي" بقوله [ص 367]: (مطلقاً، أو في البيع) ولو اقتصروا على منع البيع كما في قول "التنبيه" [ص 119]: (على ألاَّ يبيع بعده) .. لكان أحسن؛ لأنه المفسد.
ثالثها: تعبيره في منع الشراء كقول "التنبيه" [ص 119]: (وإن عقد إلى شهر على ألاَّ يشتري بعده) وكذا في "المحرر" 24، لكن في "شرحي الرافعي" و"الروضة" و"الكفاية" في تصوير ذلك الإذن في البيع، فقالوا في تصويره على ألاَّ تشتري بعد السنة: ولك البيع 25، ومفهومه: أنه إذا لم يصرح بالإذن في البيع .. بطل قطعاً، فإن صح ذلك .. ورد على "المنهاج"، ولا يرد على "التنبيه" لأنه لم يحك خلافاً حتى يحتاج إلى تقييد محله، لكن اختار في "المطلب": أنه لا فرق بين أن يأتي بهذه الزيادة أم لا.
رابعها: محل الصحة فيما إذا منعه الشراء كما قال الإمام: أن تكون تلك المدة يتأتى فيها الشراء لغرض الربح، بخلاف ساعة ونحوها 26، وهذا وارد على "التنبيه" و"الحاوي" أيضاً.
خامسها: أورد عليه: أنه يفهم أنه لو منعه التصرف قبل المدة؛ بأن عقد في الحال وعلق التصرف على شرط .. صح، وليس كذلك، وقد تقدم إيراد ذلك أيضاً على قول "التنبيه" [ص 119]: (فإن علقه على شرط .. لم يصح).
2739 - قول "المنهاج" [ص 300]: (ويشترط اختصاصهما بالربح) أحسن من قول "المحرر" و"الروضة" وأصلها: (اختصاص الربح بهما) 27 فإن الباء إنما تدخل على المقصور.
الحديث: 2737 - الجزء: 2 - الصفحة: 237
فصلٌ [شروط القراض]
2740 - قول "المنهاج" [ص 301]: (يشترط إيجاب وقبول) فيه تسمح؛ فإنهما ركنان لا شرطان، فقول "الحاوي" [ص 366]: (توكيل بإيجاب وقبول) لا اعتراض عليه، وكذا قول "المحرر": لا بد في القراض 28.
2741 - قول "المنهاج" [ص 301]: (وقيل: يكفي القبول بالفعل) محله: ما إذا كانت صيغة الإيجاب لفظ أمر؛ كـ (خذ)، فلو أتى بلفظ عقد؛ كـ (قارضتك) .. فلا بد من اللفظ، كذا في "الروضة" وأصلها 29، وعبارة "المحرر": (فأخذ .. استغنى عن القبول) 30، وحينئذ .. فالمراد بالفعل في "المنهاج": أخذ الدراهم؛ ليطابق "المحرر"، فيستغنى بأخذها فعلاً عن القبول لفظاً، وليس في "الروضة" وأصلها تعرض للأخذ 31، فظاهره أن المراد بالفعل: التصرف كما في الوكالة والجعالة، ومقتضاه: أنه لو تصرف فيه قبل أخذه .. كفى، وفيه نظر، قاله شيخنا ابن النقيب 32.
2742 - قول "التنبيه" [ص 119]: (من جاز تصرفه في المال .. صح منه عقد القراض) يتناول المالك والولي ولو كان وصياً أو حاكماً أو قَيّمَهُ، وهو صحيح، والوكيل، والعبد المأذون، وعامل القراض مع أنه لا يصح منهم القراض، ولا يرد ذلك على قول "المنهاج" [ص 301]: (شرطهما كوكيلٍ وموكلٍ) وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 366]: (توكيل).
2743 - قول "المنهاج" [ص 301]: (ولو قارض العامل آخر بإذن المالك ليشاركه في العمل والربح .. لم يجز في الأصح) قال السبكي: الذي يظهر أن الجواز أقوى، واحترز بالمشاركة عما لو أذن له في ذلك على أن ينسلخ من القراض ويكون وكيلاً في نصب الثاني .. فإنه يصح جزماً، وقد صرح به "الحاوي" بقوله [ص 368]: (وإن قارض بالإذن وانسلخ .. جاز) ومحله: ما إذا كان المال مما يجوز عليه القراض في تلك الحالة، فلو وقع ذلك بعد تصرفه وصيرورته عرضاً .. لم يجز، نبه عليه ابن الرفعة.
2744 - قول "المنهاج" [ص 301]: (فإن تصرف الثاني .. فتصرت غاصبٍ، فإن اشترى في الذمة، وقلنا بالجديد .. فالربح للعامل الأول في الأصح) فيه أمران:
الحديث: 2740 - الجزء: 2 - الصفحة: 238
أحدهما: مراده القول الجديد: أن الربح للغاصب، والقديم: أنه للمالك، ولم يتقدم له ذكره، ففي الإحالة عليه نظر.
ثانيهما: اختار السبكي الوجه الثاني أن الربح للثاني.
2745 - قوله: (وعليه للثاني أجرته) 33 ليس في "المحرر"، وهو في "الروضة" وأصلها 34، فينبغي تمييزه.
2746 - قوله: (ويجوز أن يقارض الواحدُ اثنينِ) 35 شرطه عند الإمام: استقلال كلٍّ منهما 36، فلو شرط على كل مراجعة الآخر .. لم يجز، قال الرافعي: وما أرى أن الأصحاب يُساعدونه عليه 37، والمشهور في "المطلب": إطلاق الجواز كما رواه الرافعي، وقال في "المهمات": الأمر كما ظنه الرافعي من الجواز، فقد حكاهُ الإمام عن ابن سريج، وصرح به القاضي أبو الطيب والغزالي في "البسيط"، ورجح البويطي من عنده: عدم الجواز، فقال: لو قارض رجلين على أن يشتركا .. لم يجز؛ لأن هذا قراض وشركة، وقيل: يجوز.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: بل الأصحاب يساعدونه عليه، وهو الظاهر، والوجه: القطع به؛ فإن من شرط صحة القراض: الاستقلال بالتصرف، وهنا ليس كذلك، ولو شرط على العامل مراجعة المالك .. فسد، فالأجنبي أولى، وصرحوا أيضاً بأنه لو نصب عليه مشرفاً .. لم يجز، وأعلى مراتب هذا الرفيق: أن يكون مشرفاً، وقالوا فيما إذا شرط عمل غلامه معه، وصححناه: محله: ما إذا لم يصرح بحجر على العامل، فإن حجر، فقال: لا تتصرف دونه .. فسد قطعاً.
انتهى.
واستشكل الإمام الصحة مع الاستقلال أيضاً؛ لعدم وثوق كل منهما بتصرفه؛ لاحتمال كونه مسبوقاً بتصرف صاحبه، ثم قال بعد ذلك: إنه باطل لا شك فيه، حكاه في "المهمات" 38.
2747 - قول "التنبيه" [ص 119]: (وإن قال: "قارضتك على أن الربح كله لي، أو كله لك" .. فسد العقد، إلا أنه إذا تصرف .. نفذ تصرفه، ويكون الربح كله لرب المال وللعامل أجرة المثل) الأصح: أنه لا أجرة له في الصورة الأولى، وهي قول المالك: إن الربح كله لي، وقد استثناه "المنهاج" بقوله [ص 301]: (إلا إذا قال: "قارضتك وجميع الربح لي" .. فلا شيء له في
الحديث: 2745 - الجزء: 2 - الصفحة: 239
الأصح) والحاوي بقوله [ص 368]: (وإن فسد .. تصرف بأجر المثل إن لم يشرط الكل للمالك)، لكن صحح ابن الرفعة: أن له الأجرة في الأولى أيضاً، وقال السبكي: ولم يصحح الأكثرون شيئاً، وهما مفرعان على أن هذا قراض فاسد، وتكون هذه على تصحيح "المنهاج" وغيره مستثناةً من قولنا: فاسد العقود كصحيحها في الضمان وعدمه، فإن قلنا: إبضاع .. فلا شيء جزماً.
2748 - قول "المنهاج" [ص 301]: (ويتصرف العامل مُحتاطاً) مثل قول "التنبيه" [ص 119]: (وأن يتصرف على وجه النظر والاحتياط) وعبر في "المحرر" بالغبطة 39، وفي "الروضة" بالمصلحة 40، وفي "الشرحين" بهما 41، وصوب في "المهمات" التعبير بالمصلحة، وقال: هي كشراء ما يتوقع فيه الربح، أو بيع ما يتوقع فيه الخسران، وأما الغبطة .. فهي كما قال في "المطلب": الزيادة على القيمة زيادة لها بال، ولا يشترط ذلك، وفي "الحاوي" [ص 368]: (وهو كالوكيل، لا في البيع بالعرض، وشراء ابنه وزوجه) فاستثنى من كونه كالوكيل: أنه يبيع بالعرض، وأنه لا يشتري ابن المالك، ولا أباه، ولا زوجه.
ويرد على هذا الحصر مسائل:
إحداها: أنه يشتري المعيب إذا رأى شراءه - كما سيأتي - ولو بقدر قيمته على الأصح من زوائد "الروضة" 42.
الثانية: أنه يرد ما ظن سلامته فبان معيباً ولو رضي المالك بإبقائه، بخلاف الوكيل.
الثالثة: أنه لا يشتري بثمن المثل ما لا يرجو فيه ربحاً، قاله الماوردي 43.
الرابعة: قياس جواز بيعه بعرض: أن يبيع بنقد غير نقد البلد، لكن جزم البندنيجي وابن الصباغ وسليم والروياني بالمنع، قاله ابن الرفعة، وقد استشكل جواز بيعه بعرض بالمنع في الشريك.
2749 - قول "المنهاج" [ص 301]: (لا بغبنٍ)، و"التنبيه" [ص 119]: (ولا يبيع بدون ثمن المثل) محل المنع: إذا فحش ذلك، كما فى الوكيل.
2750 - قول "التنبيه" [ص 119]: (وإن اشترى شيئاً على أنه سليم فخرج معيباً .. ثبت له الخيار) فيه أمران:
الحديث: 2748 - الجزء: 2 - الصفحة: 240
أحدهما: قد يفهم من لفظة: (على) أنه شرط السلامة، وليس كذلك، وإنما المراد: مجرد الظن.
ثانيهما: يستثنى من ثبوت الخيار: ما إذا كان الحظ في الإمساك .. فلا ينفذ الفسخ في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 302]: (وله الرد بعيب تقتضيه مصلحة، فإن اقتضت الإمساك .. فلا في الأصح)، وهو أحسن من تعبير "الروضة" وأصلها بالغبطة 44، ومع ذلك فاعترض بأمرين:
أحدهما: اقتصاره على جواز الرد في هذه الحالة هو المنقول، لكن القياس: الوجوب.
ثانيهما: أن في قوله: (تقتضيه مصلحة) نظراً من جهة الإعراب؛ فإنه عائد إلى الرد، ولا يجوز كونه صفة له؛ لأن المعرفة لا تُنعت بجملة، ولاً حالاً منه؛ لأن الحال لا يأتي عن المبتدأ، ولا ضمير في المجرور الواقع خبراً متقدمًا كما حُكي عن سيبويه، فيُنصب حالاً عنه، قال شيخنا الإسنوي: وأقرب ما يجاب به: أن يجعل الرد فاعلاً على مذهب الأخفش وغيره ممن يرى أن الجار والمجرور يعمل، وإن لم يعتمد، أو تكون اللام في الرد لام الجنس، فتعامل في الوصف معاملة النكرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ وقول الشاعر 45: [من بحر الكامل]
ولقد أَمُر على اللّئيمِ يسبُّني
أي: لئيم من اللئام.
قلت: يمكن أن يكون قوله: (تقتضيه) صفة لعيب بحذف، تقديره: تقتضي الرد به مصلحة، والله أعلم.
2751 - قول "التنبيه" [ص 119]: (وإن اشترى معيباً رأى شراءه - أي: مربحاً كما قاله في "الكفاية" - .. جاز) ومقتضى تقييد "الكفاية" -: أنه لو اشتراه بقيمته فقط .. لم يصح، وهو وجه، والأصح في زوائد "الروضة": الصحة إذا رأى فيه المصلحة 46.
2752 - قول "المنهاج" [ص 302]: (ولا يعامل المالك) أي: بمال القراض، قال في "المطلب": فإن ظهر ربح وملكناه بالظهور .. فلا مانع من معاملته إياه في تلك الحصة.
2753 - قول "التنبيه" [ص 119]: (وإن اشترى من يعتق على رب المال، أو زوج رب المال بغير إذنه .. لم يصح) أي: للقراض، لكنه يقع للعامل إن كان اشتراه في الذمة، وقد صرح به
الحديث: 2751 - الجزء: 2 - الصفحة: 241
"المنهاج" 47، وظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين أن يصرح بالسفارة أم لا، وفيه نظر، وتعبيرهما بمن يعتق عليه أعم من تعبير "الحاوي" بابنه 48، لشموله الأصل والفرع، ومن أقر بحريته، ومستولدته التي بيعت لكونها مرهونة.
2754 - قول "التنبيه" فيما إذا اشترى العامل أباه وفي المال ربح [ص 120]: (قيل: لا يصح، وقيل: يصح ويعتق، وقيل: يصح ولا يعتق) صحح النووي في "التصحيح" الثالث 49، وقال النشائي في "نكته": إنه وَهْمٌ، والأصح: الثاني، وهو أنه يصح ويعتق 50، والخلاف مبني على ملك العامل بالظهور، فإن ملكناه بالقسمة .. صح قولاً واحداً ولم يعتق.
فكأن النووي أراد: أن هذا هو الأصح في الجملة من غير تعرض لكونه مع قطع أو من خلاف.
2755 - قولهم: (ولا يسافر بالمال بلا إذن) 51 مفهومه جواز السفر مطلقاً بالإذن، وكذا أطلقه الرافعي 52، وقال النووي: لا يجوز في البحر إلا أن ينص له عليه 53.
قال شيخنا ابن النقيب: أي: الملح 54.
وفيه نظر؛ فقد يقال بطرد المنع في النيل ونحوه من الأنهار العظيمة، والله أعلم.
2756 - قول "الحاوي" [ص 369]: (وصح بيعه لا بدون ثمن البلد الأول واستحق الربح) يقتضي بقاء القراض، وهو مقتضى كلام "الروضة" وأصلها 55، وصرح به الإمام والغزالي 56.
وقال الماوردي: ينفسخ القراض إن كان عين ماله باقياً؛ لأنه صار غاصباً، وإن انتقلت عين المال إلى عروض مأذون فيها .. لم ينفسخ؛ لاستقراره بالتصرف 57.
وقال في "الكفاية": إن ما أطلقه الإمام من أن العقد قائم محمول على كلام الماوردي، قال: لكن قال الإمام: إن العامل إذا خلط رأس مال القراض بماله .. ضمن، ولا ينعزل مع أن ما ذكره الماوردي من كونه غاصبًا موجود فيه.
انتهى 58.
الحديث: 2754 - الجزء: 2 - الصفحة: 242
ومقتضى تشبيه العامل بالوكيل: عدم الانعزال بالخيانة، والله أعلم.
2757 - قول "التنبيه" [ص 119]: (فإن سافر بالإذن .. فقد قيل: إن نفقته في ماله، وقيل: على قولين، أحدهما: في ماله، والثاني: أنها في مال المضاربة) الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: أنها في ماله، وقد ذكر ذلك "المنهاج" بقوله [ص 302]: (ولا ينفق على نفسه حضراً، وكذا سفراً في الأظهر) وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" أن عليه نفقته 59.
2758 - قول "التنبيه" [ص 119، 120]: (وأي قدر يكون في مال المضاربة؟ قيل: الزائد على نفقته في الحضر، وقيل: الجميع) الأصح: الأول.
2759 - قوله: (وإن ظهر في المال ربح .. ففيه قولان، أحدهما: أن العامل لا يملك حصته منه إلا بالقسمة) 60 هو الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 61.
2760 - قول "التنبيه" تفريعًا على أنه يملك بالظهور [ص 120]: (إلا أنه لا يخرج منه الزكاة قبل المقاسمة) الأصح: جواز إخراجها من المال، قال في "الكفاية": وما ذكره الشيخ هو رأي المراوزة.
2761 - قول "المنهاج" [ص 302]: (وثمار الشجر والنتاج وكسب الرقيق والمهر الحاصلة من مال القراض يفوز بها المالك، وقيل: مال قراض) قواه السبكي بتصحيحهم في زكاة التجارة أنها مال تجارة.
واعلم: أن كسب الرقيق يتناول الصيد والاحتطاب وقبول الهدية والصدقة والوصية، قال السبكي: ولم أر من صرح بذلك.
انتهى.
وصورة المسألة: أن يشتري الشجر أو الرقيق أو الحيوان للتجارة، فتحصل منه هذه الفوائد في مدة التربص للبيع، أما لو اشتراها لذلك .. فهي مال قراض، وتعبير "الحاوي" بقوله [ص 369]: (لا الزيادة العينية) لعله أوضح في هذا المعنى.
2762 - قول "المنهاج" [ص 302]: (والنقص الحاصل بالرخص محسوب من الربح ما أمكن ومجبور به) ذكر الرخص مثال، فكذا النقص الحاصل بالعيب والمرض الحادثين؛ ولهذا أطلق "الحاوي" قوله [ص 369]: (ويجبر به النقصان).
2763 - قول "المنهاج" [ص 302]: (وكذا لو تلف بعضه بآفةٍ أو غصبٍ وسرقةٍ 62 بعد تصرف العامل في الأصح) فيه أمور:
الحديث: 2757 - الجزء: 2 - الصفحة: 243
أحدها: أن الأصح في الآفة: القطع بذلك، فكان ينبغي التعبير فيها بالمذهب، والمراد: الآفة السماوية، وهو ما ليس بفعل آدمي؛ كحريق وغرق، وعللوا القطع فيها بانتفاء ما يجبر به بخلاف الغصب ونحوه، ومقتضى الفرق: أن المتلف لو كان ممن لا يضمن؛ كالحربي .. كان كالآفة.
ثانيها: المراد في الغصب والسرقة: ما إذا تعذر أخذه وأخذ بدله، فإن أخذ .. استمر القراض.
ثالثها: التصرف يشمل البيع والشراء، والأصح: الاكتفاء بالشراء فقط؛ ولهذا عبر به "الحاوي" 63، وعبارة "التنبيه" [ص 120]: (بعد التصرف والربح)، ولم يتعرض غيره لذكر الربح؛ ولعله بناه على الغالب في كون البيع بربح، لا أن ذلك شرط.
2764 - قول "التنبيه" [ص 120]: (فإن اشترى سلعة بثمن في الذمة وهلك المال قبل أن يُنقد الثمن .. لزم رب المال الثمن، وقيل: يلزم العامل) صحح النووي في "تصحيح التنبيه" الثاني 64.
قال شيخا ابن النقيب: ونقله الرافعي عن النص في "البويطي"، وصحح نظيره في العبد المأذون 65.
قلت: لم ينقل الرافعي عن نص "البويطي" لزوم الثمن للعامل في هذه الصورة بعينها صريحاً، وإنما حكى عنه: أنه يرتفع القراض، ويكون الشراء للعامل، وأن بعض الأصحاب حمله على ما إذا كان التلف قبل الشراء، فإن كان بعده .. وقع للمالك، ولزمه ألف أخرى، وقال ابن سريج: يقع عن العامل مطلقاً، ولم يرجح منهما شيئاً، لكنه قبل ذلك جزم في أثناء تعليل بالأول، فقال في تعليل منع الشراء بالنسيئة؛ لأنه ربما يهلك رأس المال، فتبقى العهدة متعلقة به 66، أي: برب المال، ولم يصحح الرافعي نظيره في العبد المأذون، إنما صحح فيه: أن السيد مخير، فإن دفع الثمن .. أمضى العقد، وإلا .. فللبائع فسخه.
قال في "المهمات": وقد رأيت كلام الشافعي رحمه الله في "البويطي"، وهو كما قالوه محتمل لكل من الوجهين السابقين.
قلت: بل هو صريح في الرد على صاحب الوجه الأول، ولفظه: وإذا قارض رجلاً واشترى
الحديث: 2764 - الجزء: 2 - الصفحة: 244
ثوبا وقبض الثوب، ثم جاء ليدفع المال، فوجد المال قد سرق .. فليس على صاحب المال شيء، والسلعة للمقارض.
انتهى.
فصرح فيه بأن التلف بعد الشراء.
فصلٌ [فسخ عقد القراض وجوازه من الطرفين]
2765 - قول "التنبيه" [ص 120]: (وإذا انفسخ وهناك عرض وتقاسماه .. جاز، وإن طلب أحدهما البيع .. لزم بيعه) ظاهره: لزوم بيع الجميع، وليس كذلك، وإنما يلزم قدر رأس المال؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 303]: (وتنضيض رأس المال إن كان عرضاً) وقال الرافعي: قال الإمام: الذي قطع به المحققون أن ما يلزمه تنضيضه هو قدر رأس المال، وأما الزائد عليه .. فهو كعرض مشترك لا يكلف أحدهما بيعه 67، وجزم به في "الشرح الصغير"، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 269]: (فإن فسخ .. فعليه رد قدر رأس المال إلى جنسه) وفيه زيادة فائدة، وهي أنه ينضه بجنس رأس المال، ويعتبر أيضاً أن يكون على صفته.
ويستثنى من الاقتصار على بيع البعض: ما لو كان ينقصُ باقيه كالعبد .. فالذي يظهر كما قال في "المطلب": وجوب بيع الكل.
واعلم: أنه يشكل على اقتصارهم على بيع قدر رأس المال إطلاقهم استيفاء الدين، ولم يخصوه بقدر رأس المال، وظاهره التعميم، وبه صرح ابن أبي عصرون، ومال إليه في "المطلب"، ويحتاج إلى الفرق بينهما، وتعليل الرافعي يقتضي استواءهما؛ فإنه قال: أخذ منه ملكاً تاماً .. فليرده كما أخذه، والدين دون العين، والعرض دون النقد.
انتهى 68.
وفي معنى العرض: ما لو كان الحاصل نقداً من غير جنس رأس المال، أو على غير صفته، وذلك يفهم من عبارة "الحاوي" 69 فإنه لم يخصه بالعرض، واعثبر رده إلى جنسه مطلقًا، وفي عبارة "التنبيه" فائدة، وهي أن محل لزوم البيع إذا لم يرضيا بقسمته على حاله، وهو واضح.
2766 - قول "المنهاج" [ص 303]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 370]: (وإن استرد بعد الربح .. فالمسترد شائعٌ ربحاً ورأس مالٍ) محله: ما إذا كان الاسترداد بغير رضا العامل، فإن كان برضاه؛ فإن قصد الأخذ من رأس المال .. اختص به، أو من الربح .. اختص به، وفي هذه
الحديث: 2765 - الجزء: 2 - الصفحة: 245
الحالة يملك العامل مما في يده مقدار ذلك على الإشاعة، وإن أطلقا .. حمل على الإشاعة، وهل يكون نصيب العامل قرضاً أو هبة؟ فيه نظر، والأشبه: الأول، نبه على ذلك كله في "المطلب".
2767 - قول "الحاوي" في مثال ذلك [ص 370]: (فلو عاد إلى ثمانين .. للعامل منه درهم وثلثاه) قال في "المهمات": كون العامل يأخذ مما في يده خارج عن القواعد؛ لأنا لما جعلنا المسترد شائعاً .. لزم أن يكون نصيب العامل في عين المال المسترد إن كان باقياً، وفي ذمة المالك إن كان تالفاً، ولا يتعلق بالمال الباقي إلا برهن ونحوه، ولم يوجد، حتى لو أفلس .. لم يقدم به، بل يضارب.
2768 - قول "المنهاج" [ص 303]: (ويصدق العامل بيمينه في قوله: "لم أربح"، أو "لم اْربح إلا كذا")، فلو قال بعد ذلك: (غلطت في الحساب، أو كذبت) .. لم يقبل، ذكره في "الحاوي" 70.
وهل له تحليف المالك؟ وجهان، قال الماوردي: محلهما: إذا لم يذكر شبهة، فإن ذكرها .. فله ذلك 71.
2769 - قول "الحاوي" في المسألة [ص 371]: (وبعده لو قال: "خسرت" .. يقبل) محله: عند الاحتمال؛ بأن حدث كساد، فإن لم يحتمل .. لم يقبل، حكاه في "الروضة" وأصلها عن المتولي 72، وصرح به أيضاً القاضي حسين والروياني، وجزم به في "الشرح الصغير".
2770 - قولهم - والعبارة لـ "التنبيه" -: (والقول قول العامل فيما يذكر أنه اشتراه للمضاربة أو لنفسه) 73 يستثنى من تصديقه فيما إذا قال: (اشتريته لنفسي) ما إذا أقام المالك بينة أنه اشتراه بمال القراض .. فإنه يحكم بالبينة، ويقع للقراض، كما جزم به في "المطلب"، لكن في "الروضة" وأصلها في الحكم بالبينة في هذه الصورة وجهان عن "المهذب" بلا ترجيح؛ وعللا المنع: بأنه قد يشتري لنفسه بمال القراض متعدياً .. فيبطل 74.
وقد يفهم من اقتصاره على تعليله ترجيحه، وقد رجحه الماوردي والشاشي والفارقي وابن أبي عصرون في "المرشد" 75، واستغرب في "المهمات" ما تقدم عن "المطلب"، وقال:
الحديث: 2767 - الجزء: 2 - الصفحة: 246
وكأنه لم يقف إلَّا على كلام الإمام، فإنَّه ذكر أن العامل إذا اشترى لنفسه بمال القراض .. لغت نيَّتُه، ووقع للقراض 76.
2771 - قولهم - والعبارة لـ "التَّنبيه" -: (وإن اختلفا في قدر رأس المال .. فالقول قول العامل) 77 وفي وجه ضعيف: التحالف فيما إذا كان هناك ربح، واستشكل شيخنا الإمام البلقيني كلا الوجهين، ورجح تصديق المالك، وقال: تقابل أصلان عدم الربح وعدم استيلاء العامل على قدر زائد، وترجح الأوَّل باعتضاده بوجود مال في يد العامل يدعي حدوثه ليستحق فيه، والأصل: عدمه، وشبَّهه بمسألة قد الملفوف، والأصح فيها: تصديق الولي، وقال: تصديق العامل يؤدي إلى أن يأخذ مال المالك بقوله، وهو بعيد من قواعد الشرع، قال: فلو قامت بينة تشهد على العامل أن مال القراض كذا، فادعى أن فيه ربحاً .. قطعت بتصديق المالك بيمينه.
2772 - قولهم: (بتصديق العامل في دعوى التلف) 78 يستثنى منه: ما إذا أسند الهلاك إلى سبب ظاهر .. فلا بد من إثباته بالبينة؛ كالوديعة.
2773 - قول "التَّنبيه" [ص 120]: (وإن اختلفا في رد المال .. فقد قيل: القول قوله، وقيل: القول قول رب المال) الأصح: الأوَّل، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 79.
2774 - قول "الحاوي" [ص 370]: (وقرر الوارث بلفظه) أي: بلفظ التقرير، وكذا يصح التقرير بلفظ الترك.
الحديث: 2771 - الجزء: 2 - الصفحة: 247