تحرير الفتاوىكتابُ الغَصْب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

2583 - قول "المنهاج" [ص 290]: (هو: الاستيلاء على حق الغير عدوانًا) أحسن من تعبير "المحرر" و"الحاوي" بـ (المال) 1 فإن الحق يشمل الكلب والسرجين وجلد الميتة وحبة الحنطة وحق التحجر، وكذا المنافع؛ كإقامة من قعد بمسجد أو موات أو استحق سكنى بيت برباط، قاله في "الدقائق" 2، لكن تعبير "الحاوي" بـ (غير) 3 أحسن من تعبير "المنهاج" بـ (الغير) 4 لامتناع إدخال (أل) على (غيرٍ) وإن كثر في ألسنة الفقهاء.
وقوله: (عدوانًا) 5 مثل قول "الحاوي" [ص 351]: (ظلمًا)، ويرد عليهما: ما إذا أخذ مال غيره يظنه ماله .. فإنه غصب يضمن ضمان الغصوب، وليس عدوانًا ولا ظلمًا، ولا يرد ذلك على تعبير "الروضة" بقوله: (بغير حق) 6 فالتعبير به أولى، وقد حكى في "الروضة" وأصلها عن الإِمام: أنه اختار هذه العبارة، وقال: لا حاجة إلى التقييد بالعدوان، بل يثبت الغصب وحكمه من غير عدوان كهذه الصورة، لكن قال الرافعي: إن أشبه العبارات وأشهرها التعبير بالتعدي، قال: والثابت في هذه الصورة حكم الغصب لا حقيقته 7، ولذلك قال شيخنا ابن النقيب: التعبير بعدوانًا أحسن.
انتهى 8. وفيه نظر؛ لأن القصد بيان الغصب حكمًا وشرعًا لا لغة، ولذلك عبر في "الروضة" من زيادته بقوله: (بغير حق) بعد نقله كلام الرافعي المتقدم، فكأنه لم يرضه، لكن قال في "المهمات": إن تعبيره به ذهول عما تقدم، والصواب: (عدوانًا)، وقال في "المطلب": إن أراد بالحق: ما وجب له؛ كالمستأجر ونحوه .. خرج به الوكيل والمستعير والمودع ونحوهم ممن ليس له حق واجب في العين، وإن أراد بالحق: الجائز .. فهو مساوٍ للتعبير بالعدوان، قال في "المهمات": وأقرب شيء فيه أن يقال: أراد بالحق: المسوغ في نفس الأمر .. فلا اعتراض.
انتهى.

الحديث: 2583 - الجزء: 2 - الصفحة: 181

ويرد على العبارات كلها: السرقة؛ فليست غصبًا مع دخولها في تعريفه، فينبغي أن يزاد: (جهرًا) كما حكاه القاضي، واستحسنه في "الشرح الصغير".
2584 - قول "الحاوي" في أمثلة المال [ص 351]: (ومكاتبًا) مخالف لقوله في (الأيمان): بعدم الحنث بالمكاتب فيما إذا حلف لا مال له 9، ولعل الفرق: اعتبار العرف هناك.
2585 - قول "المنهاج" [ص 290]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 351]: (فلو ركب دابة أو جلس على فراش .. فغاصبٌ وإن لم يَنْقُلْ) يقتضي أنه لا فرق بين أن يقصد الاستيلاء أم لا، وبه صرح في أصل "الروضة" 10، وهو مخالف لكلام الرافعي؛ فإنه قال: ويشبه أن تصور المسألة بما إذا قصد الاستيلاء، فإن لم يقصد .. ففي "التتمة": أن في كونه غاصبًا وجهين 11، فأسقط في "الروضة" هذا وقال ما تقدم.
قال السبكي: وفي تصحيح الغصب فيما إذا لم يقصد الاستيلاء نظر، والذي في "فتاوى البغوي": أنه لا يضمن، وليس الوجهان في "التتمة" في كونه غاصبًا، بل في كونه ضامنًا.
انتهى.
وفي "أصل الروضة" عن المتولي: أن هذا إذا كان المالك غائبًا، فإن كان حاضرًا فأزعجه وجلس على الفراش، أو لم يزعجه وكان بحيث يمنعه من رفعه والتصرف فيه .. فيضمنه قطعًا، قال الرافعي: وقياس العقار: ألَّا يكون غاصبًا إلا لنصفه.
انتهى 12. وما بحثه الرافعي صرح به القاضي حسين، لكن فيما إذا كان المالك يزجره فلم ينزجر، وهي فرد مما دخل في كلام الرافعي، قاله في "المهمات".
ومقتضى كلام المتولي: أنه لو حضر المالك فلم يزعجه ولا منعه التصرف فيه .. لم يكن غاصبًا له.
2586 - قول "المنهاج" [ص 290]: (ولو دخل داره) أي: بأهله على هيئة من يقصد السكنى، كذا قيده في "الروضة" وأصلها 13، وفي "المطلب": إذا اجتمع الإزعاج والدخول .. فالأقرب أنه غصب وإن خلا عن هيئة السكنى، وهو يؤيد ما في "المنهاج" 14. 2587 - قوله: (وفي الثانية وجهٌ) 15 أي: فيما إذا أزعجه ولم يدخل.

الحديث: 2584 - الجزء: 2 - الصفحة: 182

اعترض عليه: بأنه لم يحكه في "الروضة" وأصلها إلا عن الغزالي، وحكيا الأول عن مقتضى كلام عامة الأصحاب 16، فليس في المسألة نقل صريح؛ ولذلك قال في "المحرر": (فالأشبه: أنه غاصب) 17. 2588 - قول "المنهاج" [ص 290]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 351]: (فيما لو دخل بقصد الاستيلاء والمالك فيها ولم يزعجه .. فغاصبٌ لنصف الدار إلا أن يكون ضعيفًا لا يُعدُّ مستوليًا على صاحب الدار) قياسه: أنه لو كان المالك ضعيفًا والداخل قويًا .. يكون غاصبا لجميعها, ولم يصرحوا به.
2589 - قول "التنبيه" [ص 113]: (إذا غصب شيئًا له قيمة .. ضمنه بالغصب - أي: عند التلف - ويلزمه رده) أي: عند البقاء.
ولزوم الرد لا يتوقف على أن يكون له قيمة، فيلزم رد الكلب الذي فيه منفعة، والخمرة المحترمة، وحبة الحنطة وإن لم يكن لها قيمة؛ ولذلك أطلق "المنهاج" أن على الغاصب الرد 18، لكنه عقبه بقوله [ص 290]: (فإن تلف عنده .. ضمنه)، ولا بد من تقييد هذا الثاني بأن يكون متقومًا، وحاصل هذا: أن الرد مطلق والضمان مقيد، فقيدهما "التنبيه"، وأطلقهما "المنهاج"، وكلاهما معترض.
وشرط الضمان أيضًا: أن يكون المتلف أهلًا للضمان لا كحربي.
وذكر شيخنا الإِمام ابن النقيب أن قول "المنهاج" [ص 290]: (تلف) لا يتناول ما إذا أتلفه هو أو أجنبي، لكنه مأخوذ من باب أولى 19. وفيه نظر؛ فإن المتلف قد تلف، وعبر "التنبيه" بقوله [ص 114]: (وإن تلف المغصوب عنده أو أتلفه) فأورد عليه: ما إذا أتلفه أجنبي، وذلك الإيراد واضح؛ لأنه لما ذكر الإتلاف بعد التلف .. علمنا أنه أراد: التلف بآفة، فلا معنى لتقييد الإتلاف بأن يكون هو المتلف، والله أعلم.
فلو غصب من غير المالك .. برئ بالرد إلى المودع والمستأجر في الأصح، لا إلى الملتقط، وفي المستام والمستعير وجهان.
2590 - قول "الحاوي" [ص 351]: (ورد المغصوب بالزائد وضمنه ولو بفعله) أي: يضمن الزائد ولو حصلت الزيادة بفعله.

الحديث: 2588 - الجزء: 2 - الصفحة: 183

قد يدخل فيه: ما لو زادت قيمة الجارية بتعليم الغناء ثم نسيته، لكن قال الرافعي: نقل الروياني عن النص: أنه لا يضمن النقص؛ لأنه محرم، وعن بعض الأصحاب: أنه يضمنه، قال: وهو الاختيار 20، قال النووي: الأصح المختار: هو النص.
انتهى 21. والتعليل بكونه محرمًا مخالف للمصحح في (الشهادات) من الكراهة فقط.
2591 - قول "المنهاج" [ص 290]: (ولو أتلف مالًا في يد مالكه .. ضمنه) ليست هذه المسألة من الغصب، لكن الأصحاب استطردوا بذكر العدوان سواء كان باليد العادية وهو الغصب، أو بالمباشرة كهذه، أو بالتسبب؛ كفتح القفص ونحوه مما سيذكر.
2592 - قول "التنبيه" [ص 116]: (وإن فتح زقًا فيه مائع فاندفق ما فيه .. ضمن) فصّل ذلك "المنهاج" إلى مطروح على الأرض ومنصوب، فقال [ص 290]: (ولو فتح رأس زق مطروح على الأرض فخرج ما فيه بالفتح، أو منصوب فسقط بالفتح وخرج ما فيه .. ضمن)، وصور في "أصل الروضة" سقوطه بالفتح: بأن كان يحرك الوكاء ويجذبه حتى أفضى إلى السقوط، وبما إذا فتح رأسه فأخذ ما فيه في التقاطر شيئًا فشيئًا حتى ابتل أسفله وسقط 22، فقول "الحاوي" [ص 353]: (وفتح زقًا فتقاطر وسقط) اقتصار على إحدى الصورتين، وكأن الأولى واضحة مفهومة من طريق الأَولى، فلو حضر المالك وأمكنه التدارك فلم يفعل .. فوجهان.
2593 - قول "المنهاج" [ص 290]: (وإن سقط بعارض ريحٍ .. لم يضمن) التقييد بالعروض يفهم الضمان بالمقارن، قال شيخنا ابن النقيب: وهو متجه؛ كتفريقهم في إيقاد النار بينهما، وجوز في "المطلب" تخريجه على الخلاف في وضع الصبي في مسبعةٍ 23 فافترس، والأصح فيه: عدم الضمان، قال ابن النقيب: والصواب: الأول 24. وعبارة "الحاوي" [ص 353]: (لا إن سقط بريح)، فلم يقيدها بالعروض، لكن التقييد في "الروضة" وأصلها 25. وفي معنى الريح: الزلزلة ووقوع طير، وعبارة "التنبيه" [ص 116]: (وإن بقي ساعة ثم وقع بالريح فسأل ما فيه .. لم يضمن).
2594 - قول "التنبيه" [ص 116]: (فيما لو فتح قفصًا عن طائر فطار عقب الفتح .. فيه قولان،

الحديث: 2591 - الجزء: 2 - الصفحة: 184

أصحهما: أنه لا يضمن) تبع فيه القاضي أبا الطيب، والأصح: الضمان، ومحلهما: ما إذا لم يهيجه، فإن هيجه .. ضمن قطعًا، وقد أوضح ذلك "المنهاج" 26، لكن قوله: (فالأظهر: أنه إن طار في الحال .. ضمن، وإن وقف ثم طار .. فلا) 27 موافق لعبارة "الروضة"، ومخالف لكلام "الشرحين" فيما إذا وقف ثم طار؛ فإن فيها ترجيح القطع بعدم الضمان 28. ثم إن الحكم لا يختص بالطائر؛ ففتح الإصطبل عن الدابة والسجن عن العبد المجنون كذلك؛ ولهذا عبر "الحاوي" بـ (غير العاقل) 29، وهو شامل للجميع.
2595 - قول "التنبيه" [ص 116]: (وإن سقى أرضه فأسرف حتى أهلك أرض غيره، أو أجج نارًا على سطحه فأسرف حتى تعدى إلى سطح غيره .. ضمن) فيه أمران: أحدهما: يرد على تقييده بالإسراف في الأولى: ما إذا لم يسرف، ولكن كان فيها شق وهو عالم به فلم يحتط .. فيضمن، ذكره الرافعي في (الديات) 30، وحكاه في "الكفاية" هنا عن البندنيجي، قال القاضي حسين: وكذا لو لم يعلم به، وفيه نظر.
وفي الثانية: ما إذا كان التأجيج وقت هبوب الريح .. فيضمن وإن لم يُسرف؛ ولذلك قال "الحاوي" في (الجنايات) [ص 550]: (وأوقد في سطحٍ يومَ ريحٍ)، والتقييد بيوم الريح محله: ما إذا كان الإيقاد على سطح ملكه، فإن كان على سطح غيره .. ضمن مطلقًا.
ثانيهما: لو قال: (فأتلف شيئًا) .. كان أعم وأخصر من قوله: (فأهلك أرض غيره)، و (حتى تعدى إلى سطح غيره).
2596 - قول "الحاوي" عطفًا على المنفي [ص 353، 354]: (أو حبسه فهلكت ماشيته) أي: فلا يضمن، قال الرافعي: كذا قالوه؛ ولعل صورته فيما إذا لم يقصد منعه عن الماشية، وإنما قصد حبسه فأفضى الأمر إلى هلاكها؛ فإن المتولي حكى وجهين في الضمان فيما لو منعه سقي زرعه حتى فسد 31، قال النووي: الأصح في صورتي الماشية والسقي: أنه لا ضمان 32. 2597 - قول "المنهاج" [ص 291]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 357]: (والأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان) يستثنى منه: يد الحاكم وأمينه، ومن انتزع المغصوب ليرده لمالكه

الحديث: 2595 - الجزء: 2 - الصفحة: 185

إن كان الغاصب حربيًا أو عبدًا للمغصوب منه، وكذا غيرهما في وجه، وقال السبكي: الحق: أن لآحاد الناس انتزاع المغصوب من الغاصب، وقد نص عليه الشافعي في (سير الواقدي) فقال: إذا دخل المسلم دار الحرب ووجد مال غيره من المسلمين أو أهل الذمة مما غصبه المشركون .. كان له أن يخرج به 33. قلت: النص المذكور في الحربي، وليس ضامنًا، فلا نعدِّي ذلك لغيره ممن هو ضامن، والله أعلم.
2598 - قولهما أيضًا: (ثم إن علم .. فكغاصبٍ من غاصبٍ، فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده) 34 يستثنى: ما لو كانت القيمة في يد الأول أكثر .. فالمطالب بالزيادة هو الأول خاصة.
2599 - قول "التنبيه" فيما إذا كان المغصوب طعامًا فأطعمه إنسانًا [ص 115، 116]: (وإن قدمه إليه ولم يقل: هو لي أو مغصوب، فضمن الآكل .. رجع في أحد القولين دون الآخر) الأصح: أن قرار الضمان في هذه الصورة على الآكل .. فلا يرجع، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 291]: (وإن حمله الغاصب عليه؛ بأن قدَّم له طعامًا مغصوبًا ضيافة فأكله .. فكذا في الأظهر) أي: القرار على الآكل، ومحل القولين: عند جهل الآكل، فإن علم .. فالقرار عليه قطعًا، أما لو قال: (هو لي): فإن ضمن الآكل .. لم يرجع على الغاصب في الأظهر، وإن ضمن الغاصب .. لم يرجع على المذهب؛ لأنه معترف بأنه مظلوم، فلا يرجع على غير ظالمه، فليس القرار حينئذ على واحد منهما.
وقد ذكر هذه المسألة "التنبيه" 35، ولم يتعرض "المنهاج" للتصريح بها 36، وقد يُدعى دخولها في عبارته؛ لصدق التقديم ضيافة عليها, لكن يبقى مقتضى عبارته أن القرار على الآكل، وليس كذلك كما عرفت، بل من غرم منهما لا يرجع على الآخر.
2600 - قول "التنبيه" فيما إذا أطعم المغصوب منه المغصوب [ص 116]: (وإن لم يعلم .. ففيه قولان) الأظهر: أنه يبرأ، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 37. 2601 - قول "التنبيه" فيما إذا أودع المالك العين المغصوبة عند الغاصب [ص 116]: (فقد قيل: يبرأ، وقيل: لا يبرأ) الأصح: أنه يبرأ، ذكره في "التصحيح" هنا 38، وهو في

الحديث: 2598 - الجزء: 2 - الصفحة: 186

"المنهاج" و"الحاوي" في (الرهن) (1)، أما لو أودعه الغاصب للمالك .. لم يبرأ بذلك من ضمانه، ذكره "الحاوى" هنا، فقال [ص 358]: (لا بالإيداع)، وعبارته موهمة لقوله بعدها [ص 358]: (والقتل دفعا)، وقد عُرف أن الإيداع من الغاصب والدفع من المالك، وليست هذه الصورة الثانية في "المنهاج".

فصْل [ضمان المغصوب]

2602 - قول "المنهاج" [ص 291]: (تُضمن نفس الرقيق بقيمته أُتِلف أو تَلِفَ تحت يدٍ عاديةٍ) كذا في كتب الرافعي والنووي 40، ولو قالا: (ضامنة) .. لكان أعم؛ لتناوله المستعير والمستام وغيرهما ممن يضمن وليس متعديًا، ولكن الباب معقود للتعدي، فاقتصر على ذكره.
2603 - قوله: (وأبعاضه التي لا يتقدر أرشها من الحُرِّ بما نقص من قيمته) 41 يقتضي نفي الخلاف فيه، وكذا صرح به في "الروضة" في (الديات) 42، لكن قال المتولي: لو كانت الجناية في يد أو رجل وقلنا: يلزمه بسبب قطع ذلك العضو مقدر وكان الناقص أكثر منه أو مثله .. فلا نوجب جميعه؛ لئلا تزيد الجناية بخلل في العضو على نفس العضو، ويوجب الحاكم حكومة باجتهاده، نقله شيخنا الإِمام البلقيني، وقال: وهو تفصيل لا بد منه، وإطلاق من أطلق يحمل عليه.
2604 - قوله في المقدرة إذا تلفت: (وعلى الجديد: تتقدر من الرقيق، والقيمة فيه كالدية في الحر، ففي يده نصف قيمته) 43 محله: ما إذا لم تنقص عن أرش ما نقص من القيمة، فإن نقص .. وجب أرش النقص، فالواجب: أكثر الأمرين من أرش النقص والمقدر؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 352]: (بالأكثر من النقص والمقدر).
2605 - قول "المنهاج" [ص 291]: (وسائر الحيوان بالقيمة)، قال شيخنا الإسنوي: أي: تُضمن أعضاؤه بما نقص من القيمة، قال: هذا مراده، وأما ما دل عليه كلامه وهو تلف النفس .. فلا تستقيم إرادته؛ لأنه لا فرق فيه بين الآدمي وغيره، فلا تستقيم التفرقة.39

الحديث: 2602 - الجزء: 2 - الصفحة: 187

قال شيخنا ابن النقيب: لكن لا يُعلم من هذا التفسير بماذا تضمن نفسه، فلو حمل على ما هو أعم من النفس والأبعاض .. لكان أحسن 44. قلت: وتستقيم التفرقة؛ للتفصيل في الآدمي، والإطلاق في غيره.
2606 - قول "المنهاج" [ص 291]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 351]: (والأصح: أن المثلي: ما حصره قيل أو وزن وجاز السلم فيه) استحسنه الرافعي، وقال: لا يقال: كل مكيل أو موزون؛ لأن المفهوم منهما ما يعتاد كيله أو وزنه، فيخرج عنه الماء والتراب، وهما مثليان 45. واختار الإِمام السبكي وشيخنا الإسنوي أنه لا فرق؛ فإن المراد: ما لو قدر .. لقدر بأحدهما وهما كذلك، وليس المراد: ما أمكن وزنه؛ فإن كل مال يمكن وزنه.
واعلم: أن ابن الصلاح قال: إن المعيب ليس بمثلي، ويجب فيه قيمة مثله، فيرد ذلك على عبارتهم؛ لصدق الضابط عليه.
2607 - قول "المنهاج" في أمثلة المثلي [ص 291]: (وعنبٍ) مخالف لنقله في زكاة المعشرات عن الأكثرين: إيجاب القيمة فيما إذا أتلف المالك الثمرة بعد الخرص، ونقله قبل ذلك عن النص، قال في "المهمات": وحينئذ .. يكون المفتى به: أنه متقوم؛ لنص الشافعي وذهاب الأكثرين إليه.
2608 - قوله: (ودقيقٍ) 46، قال شيخنا ابن النقيب: ذكر في "الروضة" بعد ذلك ما يفهم أن الدقيق متقوم 47. قلت: وكأنه أشار بذلك إلى قوله: إنه لا يصح إطلاق الجواب بغرم المثل ولا القيمة فيما إذا غصب حنطة في الغلاء فتلفت عنده ثم طولب في الرخص، بل الصواب: أن يقال: إن تلفت وهي حنطة .. غرم المثل، وإن صارت إلى حالة التقويم ثم تلفت .. فالقيمة، لكن هذا إنما بناه على أن الدقيق ليس مثليًا كما صرح به في أول كلامه، فليس في المذكور بعد ذلك مخالفة للمذكور هنا.
2609 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: "فيضمن المثلي بمثله تَلِفَ أو أُتلِفَ) 48 يستثنى منه أمور: أحدها: إذا لم يكن للمثل عند المطالبة قيمة؛ كما إذا أتلف الماء في المفازة وطولب عند نهر، أو الجمد في الصيف وطولب في الشتاء .. فإنه يلزمه قيمته في مكان الإتلاف وزمانه، قال شيخنا

الحديث: 2606 - الجزء: 2 - الصفحة: 188

ابن النقيب: ومقتضى كلامهم: التصوير بما إذا لم يكن له في البلد والشتاء قيمة ألبتة، فإن كانت ولو يسيرة .. وجب المثل، وهو مشكل 49. قلت: لا إشكال فيه؛ لأن الأصل المثل، وإنما يعدل عنه إذا لم يصر له في تلك الحالة مالية، ولا نظر إلى زيادة قيمة المثل ونقصها، كما لا نظر إلى تفاوت الأسعار عند رد العين على المذهب.
ثانيها: الحلي، فإذا أتلف حليًا من ذهب أو فضة أو آنية، وجوزنا اتخاذها .. فالأصح: ضمان الكل بنقد البلد وإن كان من جنسه، ولا ربًا؛ لاختصاصه بالعقود، وقد ذكره "التنبيه" بعد ذلك 50. ثالثها: ما إذا لم يجد المثل إلا بأكثر من ثمن مثله .. فالأصح في زوائد "الروضة": أنه لا يلزمه تحصيله 51، وقد تبع فيه "التنبيه" حيث قال [ص 114]: (فإن أعوزه المثل أو وجده بأكثر من ثمن المثل .. ضمنه بقيمته)، ولم يصرح الرافعي بترجيح، بل حكى هذا عن تصحيح الغزالي وآخرين، واللزوم عن تصحيح البغوي والروياني 52، واستشكل شيخنا ابن النقيب ما صححه في "الروضة" 53، وسبقه لذلك شيخه السبكي.
رابعها: ما إذا ظفر بالغاصب في غير بلد التلف .. فالصحيح: أنه لا يطالبه بالمثل إن كان لنقله مؤنة، بل يغرّمه قيمة بلد التلف، وقد ذكره "المنهاج" 54، وأشار إليه "الحاوي" بعد ذلك 55. خامسها: لو تراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل .. جاز على أحد وجهين، صححه السبكي، فعلى هذا: لا يتعين المثل.
سادسها: المستعير والمستام لا يضمنان المثلي بالمثل، بل بالقيمة، وعنهما احترز "المحرر" بقوله: (تحت اليد العادية) 56، فَحَذْفُ "المنهاج" لذلك ليس بجيد، وكأنه اكتفى بأن الكلام في الغصب، ولا يرد ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" لتصريحهما بأن الكلام في المغصوب.
سابعها: يرد عليهم: القمح المختلط بالشعير؛ فإنه لا يجوز السلم فيه، ومع ذلك فإنه يضمن بالمثل.

الجزء: 2 - الصفحة: 189

ثامنها: عبارة "المنهاج" أعم من قول "التنبيه" [ص 114]: (وإن تلف المغصوب عنده أو أتلفه) فإنها تتناول ما لو أتلفه أجنبي؛ لبنائه فعل الإتلاف للمفعول، واقتصر "الحاوي" على التلف 57، وهو حسن؛ فإنه إذا أتلف .. تلف.
فإن قلت: فلا إيراد إذًا على "التنبيه".
قلت: لما جمع بينهما .. دلَّ على أنه أراد: التلف بغير فعل، بل بآفة .. فلا بد أن يأتي في الإتلاف بعبارة تتناول إتلاف الغاصب والأجنبي، بخلاف عبارة من اقتصر على التلف.
2610 - قول "المنهاج" [ص 291]: (فإن تعذر .. فالقيمة) أي: قيمة المثل، وقد صرح به "التنبيه" 58، وعبارة "الحاوي" مثل "المنهاج" في الإبهام 59. قال السبكي: الوجوب يتعلق بالعين ما دامت باقية وبنوعها، وهو أعم منها إذا تلفت، وبماليتها - وهي القيمة - إذا تعذر المثل، قال: ومن هنا يعلم أن الواجب: قيمة المثل لا قيمة المغصوب، ثم قال: وصواب العبارة: أنا إذا قومنا شيئًا .. أن نقول: قيمته لا قيمة مثله، وقولهم: (ثمن المثل، وأجرة المثل، ومهر المثل) احتراز من المسمى.
2611 - قول "التنبيه" [ص 114]: (ضمنه بقيمة المثل وقت المحاكمة والتأدية) ثم قال: (وقيل: عليه قيمة أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين تعذر المثل) هذا الأخير هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 60، وصورة كلامهما: ما إذا كان المثل موجودًا عند التلف فلم يسلمه حتى فقد، وقد صرح بتصويره بذلك في "المحرر" 61، أما إذا كان المثل مفقودًا عند التلف .. فقياس الأصح المتقدم ذكره: وجوب الأكثر من الغصب إلى التلف، وفي أصل المسألة في "الروضة" وأصلها أحد عشر وجهًا 62، وحكى في "الكفاية" وجهًا زائدًا، وهو: اعتبار الأقصى من الغصب إلى يوم الأخذ، ثم رجع عنه في "المطلب"، قال السبكي: وذلك لكونه غير منقول صريحًا, ولكنه ينشأ من كلام الأصحاب، قال: وربما يترجح على سائر الوجوه، فلا بأس بالمصير إليه.
انتهى.
2612 - قول "المنهاج" [ص 292]: (ولو نقل المغصوب المثلي إلى بلد آخر .. فللمالك أن يكلفه رده) فيه أمران:

الحديث: 2610 - الجزء: 2 - الصفحة: 190

أحدهما: لا يختص ذلك بالنقل إلى بلد آخر، ولا يكون المغصوب مثليًا، فعلى الغاصب الرد مطلقًا كما تقدم، ولو لم يكلفه المالك ذلك، ففي عبارته تكرير مع نقص، وكأنه إنما ذكره؛ لأنه لو اقتصر على أن له المطالبة بالقيمة في الحال .. لتوهم أنه ليس له سوى ذلك، مع أن له الجمع بينهما؛ فهما حقان واجبان في الحال، وعبارة "التنبيه" [ص 114]: (وإن ذهب المغصوب من اليد ولم يتلف).
وقد يرد عليهما: أن له المطالبة بالبدل وإن لم يذهب من اليد بأن نقله إلى بلدة أخرى ويده عليه، فلا يكلف المالك الصبر إلى إحضاره، بل له المطالبة ببدله في الحال، واقتصر "الحاوي" أيضًا على التمثيل بالإباق 63. ثانيهما: محل تكليفه رده: إذا عُلم مكانه.
2613 - قوله: (وأن يطالبه بالقيمة في الحال) 64 صريح في المطالبة بالقيمة في المثلي؛ لفرضه المسألة في المثلي، وذكر "الحاوي" القيمة أيضًا، لكنه مثل بالإباق 65، وإنما يتصور في متقوم، وعبارة "الروضة" وأصلها: في أعم من المثلي والمتقوم 66، واقتصرا على تضمين القيمة، ومقتضاه: عدم الفرق، وعبارة "التنبيه" [ص 114]: (ضمن البدل)، وهو محتمل، وقال شيخنا ابن النقيب: ينبغي وجوب المثل في المثلي، وكلامهم كالصريح في القيمة مطلقًا، قالوا: والاعتبار بأقصى القيم من الغصب إلى المطالبة، قال شيخنا ابن النقيب: وينبغي إذا زادت القيمة بعد ذلك .. أن يطالب بالزائد، وقيد الماوردي المطالبة بالقيمة ببُعد المسافة، فإن قربت .. فالرد فقط 67. وقال شيخنا الإِمام البلقيني: إنه مباين للطريقة المشهورة.
2614 - قولهم - والعبارة لـ" المنهاج" -: (فإذا رده .. ردها) 68 أي: وجوبًا في الراجح، والمراد: إذا بقيت، فإن تلفت .. رد بدلها، وفي زيادة "الروضة": أنه يردها بزيادتها المتصلة، ثم قال: قال القاضي أبو الطيب والجرجاني: هذا إذا تصور كون القيمة مما يزيد؛ أي: أن القيمة النقد، ولا زيادة له 69.

الحديث: 2613 - الجزء: 2 - الصفحة: 191

وقال في "الكفاية": طريق الجواب عنه: أن يكون المالك اعتاض عن القيمة شاة مثلًا؛ فإن عند القاضي أبي الطيب إذا استبدل من له ثمن في ذمة شخص عنه عينًا، ثم رد المبيع بعيب .. أن له أن يسترجع العين، ووزانه: أن يسترجع الشاة هنا، وعلى ذلك يحمل ما قالوه، وبه صور الروياني في "البحر" المسألة.
انتهى.
قلت: لكن الراجح: خلاف ما قاله أبو الطيب، وقال السبكي: رأيت على حاشية تمثيله ببلد يتعاملون فيه بالحيوان.
2615 - قول "الحاوي" [ص 352]: (ويحبس الآبق ليسترد قيمته) تبع فيه "الوجيز" 70، وحكاه القاضي حسين عن نص الشافعي، واختار الإِمام المنع 71، قال الرافعي: ويشبه أن يكون حبس الغاصب كحبس المشتري في الشراء الفاسد، والأصح فيه: المنع 72. 2616 - قول "المنهاج" [ص 292]: (فإن تلف في البلد المنقول إليه .. طالبه بالمثل في أيِّ البلدين شاء) كذا فيما وصل إليه مما بينهما، بل لو أعاده الغاصب إلى بلده فتلف فيه .. فالتخيير بحاله.
2617 - قوله: (فإن فُقد المثل .. غرمه قيمته) 73 المراد: قيمة أكثر البلدين، قال السبكي: كذا جزموا به، وتقدم لنا وجوه أكثر من عشرة، ولا منافاة بين جزمهم هنا واختلافهم ثم إذا تُؤُمِّل، لكن إذا غرمه قيمة البلد المنقول إليه، فاختلفت القيمة بالنسبة إلى يوم الغصب والتلف والطلب .. فالوجه: أن تجري فيه الأوجه المتقدمة، لكن لا تعتبر قيمة يوم الغصب ولا الأقصى منه، بل يجعل عوضه يوم الوصول إلى تلك البلد.
انتهى.
2618 - قوله: (ولو ظفر بالغاصب في غير بلد التلف .. فالصحيح: أنه إن كان لا مؤنة لنقله؛ كالنقد .. فله مطالبته بالمثل، وإلا .. فلا يطالبه بالمثل، بل يغرمه قيمة بلد التلف) 74 فيه أمور: أحدها: قال شيخنا ابن النقيب: أي: والمغصوب مثلي، والمثل موجود 75. قلت: لا حاجة لهذا التقييد؛ لأن الكلام في المثلي، وقد قال عقبه: (وأما المتقوم ... ) 76 فذكر حكمه، وفقد المثل سبق الكلام عليه.

الحديث: 2615 - الجزء: 2 - الصفحة: 192

ثانيها: بعد أن حكى الرافعي هذا عن الأكثرين حكى عن الشيخ أبي على وأبي عاصم: أنه إن كانت قيمة ذلك البلد مثل قيمة بلد التلف أو أقل .. طالبه بالمثل، وإلا .. فلا 77. قال في "المهمات": وجزم به البندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ وغيرهم، وذكر الزبيلي في "أدب القضاء" عن الشافعي: أنه قال؛ لأنا لو حملناه على المثل .. لكان في ذلك ضرر وإتلاف مال؛ لاختلاف الأسعار، قال في "المهمات": والتعليل صريح في تصوير المسألة واختصاصها بذلك، وقد تظافرت النفول عليه، وساعده المعنى؛ لفقد الضرر، وحمل الإطلاق عليه سهل لا مانع منه.
انتهى.
ثالثها: تعين قيمة بلد التلف محله: إذا لم ينتقل المغصوب عن موضعه، وإلا .. فقيمة أكثر البقاع كما تقدم.
رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: كلام الإِمام في "النهاية" يدل على أنه يجيء في القيمة الأوجه في الإعواز، وقد يتخيل أن الأقرب اعتبار وقت المطالبة كما في نظيره من القرض؛ لأنه أخذ القيمة عن مثل موجود، لكن الأول أقيس؛ لأنه غير متعد في القرض بخلاف الغصب، فوجب أن يقال: يجب أقصى القيام من الغصب إلى المطالبة؛ لأن بها تحقق الإعواز.
انتهى بمعناه 78. 2619 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وأما المتقوم .. فيُضمن بأقصى قيمه من الغصب إلى التلف) 79 محله: في العين، أما المنفعة .. فالأصح: أنها تضمن في كل بعض من أبعاض المدة بأجرة مثلها فيه، والثاني: كذلك إن كانت في الأول أقل، وإلا .. ضمنها بالأكثر، والثالث: بأكثر، حسماها في "أصل الروضة" أوجهًا عن حكايته أبي سعد الهروي 80، وإنما هي احتمالات له ذكرها في "الإشراف"، وصرح بأن المسألة غير منقولة، ويوافق الأول ما ذكره في "أصل الروضة" قبل ذلك: فيما إذا دخل المغصوب نقص .. أن الأجرة الواجبة لما قبل حدوث النقص أجرة مثله سليمًا, ولما بعده أجرة مثله معيبًا 81. 2620 - قول "التنبيه" [ص 114]: (وتجب قيمته من نقد البلد الذي غُصب فيه) المجزوم به في "أصل الروضة": اعتبار نقد البلد الذي تلف فيه 82، وعليه مشى "الحاوي" 83.

الحديث: 2619 - الجزء: 2 - الصفحة: 193

قال في "الكفاية": وما قاله في "التنبيه" متجه إذا كانت قيمة بلد الغصب أكثر أو أروج، وقد اعتبر في "الوسيط" قيمة بلد الغصب في مثلي تلف ببلد آخر، وظفر به بثالث، وقلنا: لا يطالب بالمثل في غير موضع التلف؛ حيث قال: يخير بين قيمة بلد الغصب وبلد التلف، وغاية الأمر حينئذ: إيهام كلام الشيخ الحصر في بلد الغصب، وهو أسهل من نقله ما لم يقله أحد.
انتهى 84. وقال السبكي: ينبغي اعتبار أكثر البلدين قيمة كما في المثلي، وقال بعضهم: أراد "التنبيه" بالغصب: التلف، فعبر بالسبب، وهو الغصب عن المسبب، وهو التلف.
وقال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" و"تنقيحه": الأصح: وجوب قيمة أكثر البلدين إذا نقل المغصوب إلى بلد أخرى.
انتهى 85. فجعل المسألة ذات اختلاف وتصحيح، ولم أر ذلك في المتقوم، وليس كلام "التنبيه" وغيره في أكثر القيمتين؛ فإن اعتبار الأكثر لا شك فيه، وإنما الكلام في النقد، ولا يتعلق بتعيينه كثرة ولا قلة، والله أعلم.
وقال في "المهمات": ما أطلقه، أي: في "أصل الروضة" من وجوب نقد بلد التلف محمول على ما إذا لم ينقله، فإن نقله .. قال في "الكفاية": فيتجه أن يُعتبر نقد البلد الذي تعتبر قيمته، وهو أكثر البلدين قيمة، قال: وفي "البحر" عن والده ما يقاربه.
انتهى 86. وهو كلام محرر، بخلاف كلام "التصحيح" و"التنقيح" 87. 2621 - قول "المنهاج" [ص 292]: (ولا تُضمن الخمر) هو على إطلاقه، وأما تقييد "الحاوي" بالمحترمة وللذمي .. فليس لاختصاص الحكم بهما، فغيرهما من طريق الأولى، وإنما ذكر هذا القيد؛ لقوله عقبه: (وتُرَدُّ) 88، والرد مختص بهما؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص 116]: (وإن غصب خمرًا من ذمي .. وجب ردها عليه، وإن أتلفها .. لم يضمن)، وفي المحترمة وجه: أنها تضمن بناء على طهارتها.
واعلم: أن النبيذ لا يضمن أيضًا كالخمر مع أن اسمها لا يتناوله، كما حكاه الرافعي عن الأكثرين 89، وكذلك الحشيشة يتجه إلحاقها بالخمر، كما قاله شيخنا ابن النقيب 90، أي: فلا

الحديث: 2621 - الجزء: 2 - الصفحة: 194

تضمن، وهو واضح، وهي كما قال النووي في "الدقائق": مسكرة 91، ولو أخذنا بقول غيره أنها مخدرة .. فاللائق عدم ضمانها مطلقًا.
وفي ضمان المتنجس من الزيت والماء وجهان.
2622 - قول "التنبيه" [ص 116]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 355]: (وإن غصب خمرًا من ذمي .. وجب ردها عليه) أي: ولا تراق، زاد "المنهاج" [ص 292]: (إلا أن يُظهر شربها أو بيعها)، وكذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 92، والصواب: ما في "الكفاية" و"المطلب" وهو: الإظهار من غير تقييد حتى يتناول الهبة والنقل وغيرهما، وهو موافق لإطلاقهم في الجزية منعهم من إظهارها.
واعلم: أن النبيذ ليس كالخمر في إراقته على غير الذمي، كما ذكره الماوردي في "الأحكام السلطانية"، فقال: ينهى المحتسب عن المجاهرة به، ويزجر عليه، ولا يريقه، إلا أن يأمر بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد؛ لئلا يتوجه عليه الغرم؛ فإنه عند أبي حنيفة مال.
انتهى 93. وحيث جازت الإراقة .. جاز كسر الإناء إذا لم يقدر عليها إلا به.
قال الغزالي في "الإحياء": وكذا لو كانت في قوارير ضيقة الرؤوس، ولو اشتغل بإراقتها لأدركه الفساق ومنعوه، قال: ولو لم يخف ذلك، لكن كان يضيع فيه زمانه ويتعطل شغله .. فله كسرها، قال: وللولاة كسر ظروف الخمر زجرًا وتأديبًا، دون الآحاد 94. انتهى 95. فإن قلت: ما معنى قول "المنهاج" [ص 292]: (وترد عليه إن بقيت العين)، وهل يمكن الرد مع تلف العين؟ . قلت: قصد بذلك نفي الضمان عند التلف، وفي عبارته قصور عنه مع دخوله في قوله أولًا: (ولا تُضمن الخمر) كما تقدم، ويفهم من وجوب الرد: أن مؤنته على الغاصب، وبه قطع الشيخ أبو محمَّد، وقال شيخنا الإِمام البلقيني: إنه أوجه، وحكى الإِمام عن المحققين: أن الواجب التخلية 96. 2623 - قول "التنبيه" [ص 116]: (وإن غصبها من مسلم .. أراق) يستثنى منه: ما إذا كانت محترمة .. فالصحيح: أنها ترد إليه ولا تراق، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 97، وعبر عنه

الحديث: 2622 - الجزء: 2 - الصفحة: 195

النووي في "تصحيحه" بالصواب 98، فاقتضى أنه لا خلاف فيه، قال شيخنا الإسنوي: وهو ممنوع؛ ففي "الكفاية" عن العراقيين قاطبة: أنها تراق.
قلت: والخلاف في ذلك في الرافعي في الكلام على ألفاظ "الوجيز"، وأسقطه في "الروضة" هنا 99، فلذلك لم يستحضره، وذكر الرافعي هنا: أن المحترمة هي التي تخمرت من غير قصد الخمرية 100، وقال في (الرهن): هي التي عصرت بقصد الخلية 101، وبينهما فرق؛ فإن ما عصر بغير قصد شيء، فتخمر .. محترم على الأول دون الثاني، فلو أبرز خمراً، وزعم أنها خمر خل .. قال الإمام في (الإقرار): نص طوائف من الأصحاب على أنه لا يقبل 102. 2624 - قول "التنبيه" [ص 116]: (وإن غصب صليباً أو مزماراً فكسره .. لم بضمن الأرش) فيه أمران: أحدهما: لو عبر بدل (المزمار) بـ (الملاهي) كما في "المنهاج" و"الحاوي" 103 .. لكان أعم، ومع ذلك فأورد عليهما: أنه ينبغي التقييد بالمحرمة؛ ليخرج الاُّفّ، وكذا الشبابة على ترجيح الرافعي 104. ثانيهما: ظاهر عبارته وعبارة "الحاوي" نفي الضمان بالكسر على أي وجه كان 105، وليس كذلك، وقد بيَّنه "المنهاج" بقوله [ص 292]: (والأصح: أنها لا تكسر الكسر الفاحش، بل تُفَضَّل لتعود كما قبل التأليف)، قال في "التوشيح": لكن قد يقال: هذا في جواز الكسر، والأول في نفي الضمان، وقد ينتفي وإن لم يجز الكسر؛ ولهذا قال في "المنهاج" [ص 292]: (وآلات الملاهي لا بجب في إبطالها شيء) وهو شامل لإبطالها بكل وجه، قال: لكن المنقول التضمين فيما لا يجوز فعله.
انتهى.
فهو بحث لم يساعده النقل، ولا المعنى أيضاً، وكيف يسوغ نفي الضمان في إتلاف مال الغير على وجه غير جائز؛ و"المنهاج" إنما فصَّل ما أجمله أولاً.
2625 - قول "الحاوي" [ص 355]: (لا الإحراق) أي: يضمن بالإحراق قيمة رضاضها بعد

الحديث: 2624 - الجزء: 2 - الصفحة: 196

الكسر المشروع، وينبغي أن يكون محله: إذا تمكن من إتلافها بغير الإحراق، فإن تعين الإحراق طريقاً للإتلاف .. لم يضمن، وهو مأخوذ من قول "المنهاج" [ص 292]: (فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحد لمنع صاحب المنكر .. أبطله كيف تبسر).
2626 - قول "المنهاج" [ص 292]: (وتُضمن منفعة الدار والعبد ونحوهما بالتفويت والفوات في بد عادية) هو الذي عبر عنه "الحاوي" بقوله [ص 354]: (وغيرهما - أي: غير البضع والحر - بالفوات، لا من الكلب) وهو أحسن من وجهين: أحدهما: أنه لا يُعرف ضابط ذلك من قول "المنهاج": (ونحوهما)، وبيّن "الحاوي" أن المراد بذلك: ما عدا البضع والحر والكلب 106، وضابطه كما في "الروضة" وأصلها: كل عين لها منفعة تستأجر لها 107. ثانيهما: أن الاقتصار على الفوات كافٍ، فذكر التفويت معه حشو، قال السبكي: إذا ثبت أن الفوات سبب للضمان وهو حاصل في التفويت .. فخصوص التفويت ملغي، فلا يعد سبباً آخر، إلا أن يقال: إذا كان الخصوص أيضاً مناسبا .. جاز التعليل بكل منهما.
انتهى.
وفي كلام الرافعي إشارة إلى ما بحثه أولاً، فقال في توجيه الأصح، وهو وجوب أجرة المثل وأرش النقص فيما إذا نقص المغصوب بالاستعمال: الأجرة لا تجب للاستعمال، وإنما تجب؛ لفوات المنفعة على المالك، ألا ترى أنها تجب وان لم يستعمل 108. فإن قلت: فات "الحاوي" قول "المنهاج" [ص 292]: (في يد عادية).
قلت: هو غير محتاج إليه؛ لقوله أول الباب: (بالاستيلاء ظلماً) 109، وفي "التنبيه" [ص 114]: (وان كان له منفعة .. ضمن أجرته للمدة التي أقام في بده)، وأورد عليه ابن يونس في "النبيه" منفعة البضع، ولا ترد؟ لخروجها بقوله: (أجرته) فإن منفعة البضع تقابل بالمهر لا بالأجرة.
2627 - قول "التنبيه" في الحر [ص 116]: (وإن حبسه .. ضمن الأجرة، وقيل: لا بضمن) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 110، ولو استولى على حر ولو صغيراً وضعيفاً .. لم يضمن ثيابه في الأصح، ذكره الرافعي في (السرقة) 111، وقد ترد على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" لعدم تناول لفظ بدن الحر ثيابه.

الحديث: 2626 - الجزء: 2 - الصفحة: 197

فصلٌ [في الاختلاف]

2628 - قول "المنهاج" [ص 293]: (ادعى تلفه وأنكر المالك .. صُدق الغاصب بيمينه على الصحيح، فإذا حلف .. كرَّمه المالك في الأصح) ظاهره أن مقابل الأصح: لا غرم أصلاً، وكذا تقتضيه عبارة "الروضة" وأصلها 112، وقال السبكي: ينبغي أن تجب له القيمة للحيلولة والأجرة إلى أن يتفقا على التلف، أو تقوم به بينة.
وقال شيخنا الإسنوي: إن كان متقوماً .. فينبغي إيجاب القيمة بدلاً إن كان تالفاً، وإلا .. فللحيلولة، وأما المثلي .. فالمالك يدعي فيه القيمة للحيلولة وينكر استحقاق المثل، والغاصب بالعكس، فلا شيء له إلا إذا عاد وصدقه، قال: ولا أجرة له؛ فإنا صدقنا الغاصب في التلف.
2629 - قوله: (ولو اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب .. صدق الغاصب بيمينه) 113 خرج الحر، وخرّجه ابن الرفعة على أن غاصبه هل يثبت يده على ثيابه؟ إن قلنا: نعم .. صدق، وإلا - وهو الأصح - .. صدق الولي.
2635 - قوله: (وفي عيب حادثٍ .. يُصدَق المالك بيمينه في الأصح) 114 يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "الروضة" وأصلها قولان 115. وصورة المسألة: أن يكون المغصوب تالفاً، فلو رده معيباً وقال: (غصبته هكذا) فقال المالك: (حدث عندك) .. صدق الغاصب، كما حكاه الرافعي عن المتولي 116، قال في "الروضة": وقاله ابن الصباغ أيضاً، ونقله في "البيان" 117، وحكاه شيخنا ابن النقيب عن النص 118. 2631 - قول "التنبيه" [ص 114] فيما لو غصب زوجي خف قيمتهما عشرة فضاع أحدهما وصار قيمة الباقي درهمين: (لزمه ثمانية، وقيل: درهمان) الوجه الثاني غريب، حتى قال ابن يونس في "النبيه": إن الشيخ سها فيه.

الحديث: 2628 - الجزء: 2 - الصفحة: 198

وقال في "الكفاية": لم أره فيما وقفت عليه من كتب المذهب في هذه المسألة.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هو مما ينكر.
انتهى.
وجزم الرافعي بالوجه الأول، وادعى في "أصل الروضة " القطع به، ثم زاد حكاية هذا الوجه عن "التنبيه" و"التتمة"، قال: وهو غريب 119. ووهم في نقله عن "التتمة"، وإنما فيها حكاية وجه بلزوم خمسة، وفي "نكت النشائي": أن هذا الوجه - وهو لزوم درهمين - في "الشامل" 120، وقال شيخنا ابن النقيب: نقل بعضهم عن "الشامل" ما يؤخذ منه.
انتهى 121. وحينئذ .. فتعبير "المنهاج" عن مقابله بالأصح معترض 122؛ لضعف الخلاف جداً إن ثبت.
2632 - قوله 123: (أو أتلف أحدهما غاصباً، أو في يد مالكه .. لزمه ثمانية في الأصح) 124 صحح الإمام والبغوي: لزوم خمسة 125، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 353]: (وفي فرد خف: نصف الجميع)، وقال في "الروضة" من زيادته: الأقوى: ما صححه الإمام وإن كان الأكثرون على ترجيح الأول، وعليه العمل 126، ومراد "المنهاج": إتلاف أحدهما غاصبا له فقط، وإلا .. تكرر مع قوله قبله: (ولو غصب خفين) 127. 2633 - قول "التنبيه" [ص 114]: (وإن أحدث فيه فعلاً نقص به وخيف عليه الفساد في الثاني - أي: ثاني الحال - بأن كان حنطة فبلها أو زيناً فخلطه بالماء وخيف عليه الفساد .. استحق عليه مثل طعامه وزيته، وقيل: فيه قولان، أحدهما: هذا، والثاني: أنه يأخذه وأرش ما نقص) فيه أمور: أحدها: أنه لا يختص ذلك بأن يكون الغاصب هو الفاعل لذلك، بل لو حصل البلل أو الاختلاط بغير فعله .. كان كذلك؛ ولهذا عبر "المنهاج" بقوله [ص 293]: (ولو حدث نقصٌ يسري إلى التلف)، وأما قول "الحاوي" [ص 357]: (والجناية السارية) فمحتمل لموافقة كل من التعبيرين.

الحديث: 2632 - الجزء: 2 - الصفحة: 199

ثانيها: ترجيحه طريقة القطع مخالف لكلام الرافعي والنووي؛ ففي "أصل الروضة" أربعة أقوال منصوصة، أظهرها عند العراقيين: هذا، والثاني: اختاره الإمام والبغوي، والثالث: يتخير المالك بين موجب القولين، واختاره الشيخ أبو محمد والمسعودي، والرابع: يتخير الغاصب 128، وعلى طريقة الخلاف مشى "المنهاج" 129، واستحسن في "الشرح الصغير" القول الثالث، واختاره السبكي، وزاد في "الروضة": أن الرافعي في "المحرر" رجح الأول، وعبارته: (رُجح) مبني للمفعول 130، وعلى هذا: فهل تبُقَّى الهريسة ونحوها للغاصب أم للمالك؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 131، واختار السبكي الأول.
ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (استُحقّ عليه بدله) ليشمل المثل في المثلي، والقيمة في المتقوم، ولا يقتصر على ذكر حكم المثال الذي ذكره؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 293]: (فكالتالف)، وقال "الحاوي" [ص 357]: (هلاك).
2634 - قول "المنهاج" فيما لو جنى المغصوب جناية تتعلق برقبته، وتلف في يده [ص 293]: (وللمجني عليه [تغريمه و] 132 أن يتعلق بما أخذه المالك) أي: بقدر حقه، وهو الأقل من قيمته والمال، لا بجميع ما يأخذه المالك، وهو أقصى القيم؛ فقد يكون أرش الجناية أقل من ذلك.
2635 - قوله: (ثم يرجع المالك على الغاصب) 133 يقتضي أنه لا يرجع إلا بعد غرامته للمجني عليه، وبه صرح الإمام 134، لاحتمال الإبراء، لكن قال ابن الرفعة: له ذلك كما يطالب الضامن المضمون بالأداء.
2636 - قوله: (ولو رد العبد إلى المالك فبيع في الجناية .. رجع المالك بما أخذه المجني عليه على الغاصب) 135 كذا في "الروضة" وأصلها 136، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس على إطلاقه، بل الصواب بمقتضى قاعدة الباب: أنه إذا أخذ الثمن بجملته مثلاً، وكان دون أقصى القيم .. فالذي يرجع به المالك على الغاصب أقصى القيم، ولا يقتصر رجوعه على ما بيع به، ثم استشهد لذلك وبسطه.

الحديث: 2634 - الجزء: 2 - الصفحة: 200

تنبيهٌ [ما يجب على غاصب العبد إذا جنى]

قال في "المهمات": إن كلام الرافعي والنووي يقتضي أنه لا يجب على الغاصب إلا الفداء، لكن ذكرا في (البيوع) من العيوب: جنايات الخطأ إذا كثرت، وجناية العمد إذا لم يتب عنها، فإن تاب .. فوجهان، قال في "المطلب": ويجوز أن يلتحق عمد الخطأ في هذا بالعمد، فإذا تقرر هذا .. فلا بد من أرش هذا العيب بعد الفداء.
انتهى.
2637 - قول "المنهاج" [ص 293]: (ولو غصب أرضاً فنقل ترابها .. أجبره المالك على رده أو رد مثله) أي: رده إن كان باقياً ورد مثله إن كان تالفاً، فإن تعذر .. فالنص: أنا نقوم الأرض بترابها ثم بعد نقله منها، فيجب ما بينهما، وقيل: يجب اكثر من هذا ومن قيمة التراب منقولاً.
2638 - قوله: (وللناقل الرد وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرضٌ، وإلا .. فلا يرده بلا إذن في الأصح) 137 فيه أمور: أحدها: لو قال: (وإن منعه المالك) .. لكان أحسن؛ فإن له الرد أيضاً مع المنع، صرح به في "المطلب" تبعاً للأصحاب، فتبقى حالة السكوت من طريق الأولى.
ثانيها: عبر في "الروضة" بالصحيح 138، وبينهما في اصطلاحه تفاوت.
ثالثها: عبارته توهم جريان الوجهين مع المنع، وجزم الرافعي فيها بأنه لا يرد 139. رابعها: أنه يتناول رد المثل عند التلف وفعله بغير إذن مشكل؛ لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ذكره في "المهمات"، وعبارة "الحاوي" [ص 355]: (ورد التراب بالأذن حيث لا غرض).
2639 - قوله: (أو لم يرض في الطم) 140 أي: يحتاج إلى الإذن في الطم فيما إذا كان له غرض فيه، وهو نفي الضمان عنه، لكن لو رضي المالك بترك الطم، وبقاء الحفر بحاله .. فإن الضمان حينئذ يسقط عنه، وفيه أمور: أحدها: أنه لا يحتاج إلى استثناء هذه الحالة؛ فإنه إذا لم يكن له غرض سوى نفي الضمان، وكان رضا المالك بترك الطم ينفي عن الحافر الضمان .. فلا غرض حينئذ للحافر في الطم؛ فإن الضمان منتف عنه، فدخل في قوله: (حيث لا غرض) 141.

الحديث: 2637 - الجزء: 2 - الصفحة: 201

ثانيها: أن كلامه يقتضي حصر الغرض في نفي الضمان عنه، وليس كذلك؛ فقد يكون له غرض آخر كتضرره بالتراب الذي نقله إلى ملكه، فحينئذ .. له الطم بغير رضا المالك.
ثالثها: أن كلامه يقتضي أن منع المالك من الطم يتضمن الرضا باستدامة الحفر حتى يسقط الضمان عن الحافر وإن لم يصرح بالرضا بالاستدامة، وبه قال المتولي، لكن قال الإمام: لا يتضمنه 142، ونقل في "أصل الروضة" المقالتين بلا ترجيح 143، وقال في "المنهاج" [ص 293]: (ويقاس بما ذكرنا حفر البئر وطمها)، فلم يجعل بين المسألتين فرقاً، وهو الصواب؛ فإن الاحتياج لإذن المالك مرتب على عدم غرض لناقل التراب، وأغراضه متنوعة؛ منها: ما هو مشترك بين كشط التراب والحفر، ومنها: ما يختص بالحفر، وهو خشية الضمان بالتردي، ورضا المالك ببقائها يدفع هذا الغرض الأخير دون غيره من الأغراض.
2640 - قول "المنهاج" [ص 294]: (عليه أجرة المثل لمدة الإعادة) كذا في "المحرر" 144 وعبارة "الروضة" وأصلها: (لمدة الحفر والرد) 145 قال السبكي: وهو أزيد فائدة، وفي "الشرح الصغير": لمدة الرد والتسوية مع مدة الحفر.
2641 - قول "التنبيه" [ص 114]: (فإن نقص من عينه شيء؛ بأن تلف بعضه، أو أحدث فيه ما نقص قيمته؛ بأن كان مائعاً فأغلاه فنقصت قيمته .. ضمن أرش ما نقص) قال في "الكفاية": أفهم أن المراد: المتقوم، أما المثلي؛ كالزيت والعصير .. فجزؤه مضمون بالمثل وإن لم ينقص القيمة في الأصح، وفرق بعضهم، فقال: يضمن في الزيت دون العصير؛ لأن حلاوة العصير باقية، والذاهب منه مائية ورطوبة، والذاهب من الزيت زيت متقوم، وهذا التفريق هو الأصح في "أصل الروضة"، وهو ظاهر إيراد الرافعي هنا 146، لكن نظم "الوجيز" يقتضي ترجيح التسوية بينهما 147، وبه قال أبو على الطبري، وصححه الرافعي في الفلس 148، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 354]: (والزيت والعصير إن نقص لا قيمته بالإغلاء) وعبارة "المنهاج" [ص 294]: (ولو غصب زيتاً ونحوه وأغلاه فنقصت عينه دون قيمته .. رده ولزمه مثل الذاهب في الأصح، وإن نقصت القيمة فقط .. لزمه الأرش، وإن نقصتا .. غرم الذاهب ورد الباقي مع أرشه إن كان نقص القيمة

الحديث: 2640 - الجزء: 2 - الصفحة: 202

أكثر)، فأوضح المسألة إيضاحاً حسناً، وأراد بـ (نحوه): بقية أنواع الدهن، وهو أحسن من قول "المحرر" و"الروضة": زيتاً أو دهناً 149، لإيهامه أن الزيت ليس دهناً، ولم يرد العصير؛ لترجيحه فيه في "الروضة" خلافه 150. وقوله: (إن كان نقص القيمة أكثر) 151 شرط في رد الأرش فقط، أما غرم الذاهب ورد الباقي .. فلا بد منهما بكل حال، وفهم صاحب "التوشيح" أن قول "التنبيه" [ص 114]: (بأن كان مائعاً فاغلاه) مثال لنقص العين، وليس كذلك، وإنما هو مثال لإحداثه فيه ما نقص قيمته، وأما نقص العين .. فقد مثله بقوله: (بأن تلف بعضه)، والحاصل: أن قوله أولاً: (فإن نقص من عينه شيء) لا بد من حمله على المتقوم، وإلا .. لم يستقم إطلاق قوله: (ضمن أرش ما نقص)، وقوله: (أو أحدث فيه ما نقص قيمته) يشملهما، إلا أنه لم يتكلم في هذه الصورة الثانية على نقصان العين، وإنما تكلم على نقصان القيمة خاصة، وبذلك يعلم أن قوله وقول النشائي في "نكته": (كان حق النووي استدراكه في "تصحيحه" على "التنبيه" لتصحيحه في "الروضة": عدم الضمان في نقص العصير) 152 ليس بجيد؛ لأن كلام "التنبيه" في نقص القيمة، وتصحيح "الروضة" في نقص العين، فلم يتوارد على محل واحد، كيف وقد نقل هذان المصنفان في صدر كلامهما عن "الكفاية" أن مراد "التنبيه": المتقوم دون المثلي، والتفصيل بين الزيت والعصير إنما هو في ضمان المثل.
فإن قلت: الإيراد إنما هو على اللفظ، وهو متناول.
قلت: فلا يكون الإيراد حينئذ من جهة افتراق حكم الزيت والعصير في ضمان نقص العين، وإنما يكون الإيراد على كونه أطلق ضمان الأرش، وكلامه أولاً في قوله: (فإن نقص من عينه شيء) 153 شامل للمثلي والمتقوم، وأما الصورة الثانية .. فلا إيراد عليها؛ لأنه وإن أطلق الكلام في أعم من المثلي والمتقوم .. فلم يتكلم إلا على صورة خاصة، وهي نقص القيمة، فلا يحتاج إلى حمل المائع في كلامه على الدهن دون العصير، والله أعلم.
ويرد على إطلاق "التنبيه" و"المنهاج" ضمان السمن الزائل 154 أن محله: في غير السمن المفرط الذي لا تنقص القيمة بزواله؛ فإنه غير مضمون، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 354]:

الجزء: 2 - الصفحة: 203

(لا السمن المفرط) لكن لو سمنت المعتدلة عند الغاصب سمناً مفرطاً، فنقصت القيمة .. فإنه يردها ولا شيء عليه، قاله الطبري، وفيه نظر، وقد يجاب عن "التنبيه" بخروج السمن المفرط بقوله [ص 114]: (فإن زاد).
2642 - قول "المنهاج" [ص 294]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 356]: (وأن تَذَكُّرَ صنعة نسيها يَجْبُرُ النسيان) يتناول ما إذا تذكرها بنفسه وما إذا تذكرها بإنشاء تعليم، فلو تذكرها في يد المالك .. قال في "المطلب": فيظهر أن يجبر أيضاً حتى يسترد ما دفع من الأرش، ولو تعلمها .. فالمتجه كما قال شيخنا الإسنوي: عدم الجبر، فلا يسترد.
2643 - قول "التنبيه" فيما لو غصب عصيراً فصار خمراً ثم صار خلاً [ص 116]: (وقيل: يرد الخل، ويضمن مثله من العصير وأرش ما نقص) ما ذكره في تتمة الوجه الضعيف من رد أرش النقص هو في بعض النسخ دون بعضها، وقال ابن يونس: لم يذكره غيره، فكأنه سهو، وقال ابن الرفعة: كأنه بناه على مذهب أبي ثور في ضمان تفاوت الأسعار عند رد العين.
2644 - قوله فيما لو غصب جلد ميتة: (فإن دبغه .. فقد قيل: يرده، وقيل: لا يرده) (1) الأصح: الأول، وعليه مشى "الحاوي" (2)، وهو معنى قول "المنهاج" [ص 294]: (الأصح: أنه للمغصوب منه) وخرج بالغصب: ما لو أعرض عنه فأخذه شخص فدبغه .. فالأصح: أنه لا يرده، كما في "أصل الروضة" في (الصيد) وزوائدها هنا (3).

فصلٌ [للمالك تكليف الغاصب ردَّ المغصوب كما كان]

2645 - قول "المنهاج" في الأثر المحض كالقصارة [ص 294]: (وللمالك تكليفه رده كما كان إن أمكن) قد يفهم أن الغاصب ليس له فعل ذلك بغير رضا المالك، وهو كذلك إلا أن يكون ضربه دراهم بغير إذن السلطان، أو على غير عياره، فيخاف التعزير، فله ذلك، ولو لم يأمره ولم يمنعه .. فقياس ما تقدم في التراب: المنع من الإعادة في الأصح.
2646 - قوله: (وأرش النقص) 158 قال شيخنا ابن النقيب: هو منصوب عطفاً على (رده) أي: تكليفه رده وأرش 159.155156157

الحديث: 2642 - الجزء: 2 - الصفحة: 204

قلت: ويجوز رفعه عطفاً على (تكليفه) اْي: وللماك أرش النقص، وهو المتداول على الألسنة.
2647 - قول "المنهاج" [ص 294]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 356]: (وإن كلانت عيناً؛ كبناء وغراس .. كُلِّف القلع) قد يفهم أنه ليس له القلع بغير رضا المالك، وليس كذلك.
2648 - قول "المنهاج" [ص 295]: (وإن صبغ الثوب بصبغِهِ) احتراز من صبغه بمغصوب من المالك؛ فإنه لا يثبت فيه بعض الأحكام المذكورة، وهو الاشتراك عند الزيادة؛ إذ الثوب والصبغ لواحد، ومن صبغه بمغصوب لثالث .. فإنه يحصل فيه أحكام أخرى: منها: أن لكل منهما الفصل وأرشاً إن نقص به، والنقصان على الصبغ، وله الأرش، وعبارة "الحاوي" [ص 256]: (وإن صبغ ولو بمغصوب) فسوى بين أن يكون الصبغ للغاصب أو مغصوباً؛ لأنه لم يذكر من الأحكام إلا ما هو مشترك بينهما، فقال: (فالنقصان على الصبغ والزيادة بينهما) 160، وعُلم من قوله: (والزيادة بينهما) أن مراده: بمغصوب من ثالث؛ فإنه لو كان الغصب من المالك .. لم تكن شركة، وأطلق "التنبيه" المسألة 161، ومراده: ما إذا كان الصبغ للغاصب، وقوله: (وإن أراد صاحب الثوب قلع الصبغ وامتنع الغاصب .. أجبر، وقيل: لا يجبر، وهو الأصح) 162 أقره النووي في "تصحيحه" عليه، لكن صحح في "المنهاج" تبعاً "للمحرر" الإجبار 163، وعليه مشى "الحاوي" 164، وحكى في "الروضة" وأصلها تصحيحه عن البغوي والإمام وطائفة، وتصحيح مقابله عن العراقيين، قال الإمام: وموضع الوجهين إذا كان يخسر بالفصل خسراناً بينا" 165. وقد تفهم عبارة "المنهاج" و"الحاوي" أنه ليس للغاصب قلع الصبغ 166، وليس كذلك، وقد صرح به "التنبيه" فقال [ص 115]: (فإن أراد الغاصب قلع الصبغ .. لم يمنع) واعلم: أن محل هذا: فيما إذا حصل من الصبغ عين، فلو كان تمويهاً محضاً .. فكالتزويق ليس للغاصب الاستقلال بقلعه جزماً، ولا للمالك إجباره في الأصح في "أصل الروضة"، وحكى الرافعي تصحيحه عن البغوي 167.

الحديث: 2647 - الجزء: 2 - الصفحة: 205

2649 - قول "المنهاج" [ص 295]: (فإن لم تزد قيمته) أي: ولم ينقص؛ بدليل قوله بعده: (وإن نقصت) كذا قرره، والحق: أنه لا يحتاج إلى هذا التقييد؛ لأن المحكوم به، وهو قوله: (فلا شيء للغاصب) 168 لا يختلف، بل هو ثابت مع الاستواء ومع النقص، وتزيد حالة النقص حكماً آخر ذكره بقوله: (وإن نقصت .. لزمه الأرش) 169. 2650 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وإن زادت .. اشتركا فيه) 170 فيه أمران: أحدهما: قد تفهم عبارتهم أن المراد: اشتراكهما على الإشاعة، وليس كذلك، بل كل منهما يملك ما كان له قبل ذلك، نبه عليه السبكي، وأوضحه شيخنا الإسنوي، وقال: إنه حاصل كلام البندنيجي والماوردي والغز الي وغيرهم، كما حكاه في "المطلب" وارتضاه، قال: ومن فوائده: لو زادت قيمة أحدهما .. فاز به صاحبه، قال: ويؤيده قولهم: هل لأحدهما الانفراد ببيع نصيبه؟ فيه وجهان، الأصح: لا.
ثانيهما: قال الرافعي: وأطلق الجمهور المسألة، وفي "الشامل" و"التتمة": إن نقص لانخفاض سعر الثياب .. فالنقص على الثوب، أو سعر الصبغ أو الصبغة .. فعلى الصبغ، وإن زاد سعر أحدهما .. فالزيادة لصاحبه، أو بسبب الصبغة، فهي بينهما، قال الرافعي: فيمكن تنزيل الإطلاق عليه 171، وحكى في "المطلب" هذا التفصيل عن القاضيين حسين وأبي الطيب أيضاً، وحكاه شيخنا ابن النقيب أيضاً عن البندنيجي وسُليم 172، وهو واضح.
2651 - قول "التنبيه" [ص 115]: (وإن خلط المغصوب بما لا يتميز؛ فإن كان مثله .. لزمه مثل مكيلته منه، وإن خلطه بأردأ منه .. فالمغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ حقه منه، وبين أن يأخذ مثل ماله) الأصح: أن الخلط استهلاك، فلا يجبر الغاصب على الدفع من المخلوط مطلقاً، ولو خلطه بمثله أو بأردأ منه، بل له دفع مثله، وعلى ذلك مشى "المنهاج" فقال [ص 295]: (فالمذهب: أنه كالتلف فله تغريمه، وللغاصب أن يعطيه من غير المخلوط) و"الحاوي" بقوله [ص 357]: (والخلط هلاك إن لمن يتميز)، وذكر السبكي: أن القول بالهلاك باطل، وبعيد من الشريعة وقواعد الشافعي، ثم قال: وأنا أوافق على الهلاك إذا لم يبق له قيمة؛ كَصَبّ قليل من ماء الورد في كثير من الماء.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لو غصب دراهم وخلطها بدراهم له مثلها، ولم يتميز .. فقياس

الحديث: 2649 - الجزء: 2 - الصفحة: 206

كلامهم: أن يكون فيها الخلاف المذكور، لكن جزم ابن الصباغ بأنهما يصيران شريكين، قال شيخنا: أما لو غصب من اثنين زيتاً ثم خلطه .. فالمعروف عند الشافعية أنه لا يملك شيئاً من ذلك، ولا يكون كالهالك، وقد ذكروا ذلك في الاستدلال، لكن حكى صاحب "البحر" وجهين فيما إذا غصب دراهم من اثنين وخلطهما: أحدهما: يقسم بينهما.
والثاني: أنهما يتخيران بين القسمة والمطالبة بالمثل.
انتهى 173. واعلم: أن عبارة "المنهاج" و"الحاوي" تتناول ما لو خلطه بغير جنسه؛ كزيت بشيرج .. ففيه الطريقان، لكنه أولى بكونه كالهالك، وفرق صاحب "التنبيه" بينهما، فتكلم أولاً على خلط الحنطة بمثلها، والزيت بمثله، وذكر ما تقدم، ثم قال: (وإن خلط الزيت بالشيرج وتراضيا على الدفع منه .. جاز، وان امتنع أحدهما .. لم يجبر) 174. 2652 - قول "المنهاج" [ص 295]: (ولو غصب خشبة وبنى عليها .. أُخرجت) أعم من تعبير "التنبيه" و"الحاوي" بالساج 175، وهو نوع من الخشب، ومع ذلك: فالحكم غير مختص بالخشبة؛ فالحجر والآجر ونحوهما كذلك، فلو قال: (شيئاً) .. كان أعم، ومحله: إذا لم يتعفن؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص 114]: (وإن أدخل ساجاً في بناء فعفن فيه .. لم ينزع).
2653 - قول "المنهاج" [ص 295]: (ولو أدرجها في سفينة .. فكذلك إلا أن يخاف تلف نفسٍ أو مالٍ معصومين) فيه أمران: أحدهما: التقييد بخوف تلف النفس المعصومة في "الروضة" وأصلها أيضاً 176، ومقتضاه: أنه لو خاف تلف ما دونها من الأعضاء .. أخرجت، ولا يبالى بذلك، وينبغي أن يلحق بها ما يبيح التيمم، كما سيأتي في مسألة الخيط، ومقتضاه: اعتبار الشين في الآدمي دون غيره، ويوافق هذا البحث قول "التنبيه" [ص 113]: (وهي في اللجة وفيها حيوان معصوم) فإنه لم يخص الحكم بالخوف على نفسه، وأجزاؤه معصومة كنفسه، وقول "الحاوي" [ص 356]: (لا إن خاف محترماً) فإن الأعضاء في الاحترام كالنفس.
ثانيهما: أخرج بتقييد المال بالعصمة مال الحربي، وأما مال الغاصب .. فمختلف فيه، قال في "التنبيه" [ص 114]: (قيل: ينزع، وقيل: لا ينزع) ونقل الرافعي تصحيح النزع عن الإمام،

الحديث: 2652 - الجزء: 2 - الصفحة: 207

وتصحيح مقابله عن ابن الصباغ وغيره 177، وتبع "الحاوي" الإمام، فقال [ص 356] (لا إن خاف محنرماً غير مال الغاصب)، وقال النووي: الأصح عند الأكثرين: ما صححه ابن الصباغ 178، وصححه في "تصحيح التنبيه" 179، ويجري هذا الخلاف فيما إذاكان فيها مال لمن علم بالغصب قبل وضعه، وإذا لم نبال بمال الغاصب، فاختلطت السفينة التي فيها اللوح بسفن للغاصب، ولم يوقف على اللوح إلا بنزع الجميع .. ففيه وجهان، قال في "الروضة": أطلقوهما بلا ترجيح، وينبغي أن يكون أرجحهما: عدم النزع 180. قلت: سبقه لتصحيح ذلك الفارقي، فصح عدم النزع نقلاً، فلم يطبقوا على السكوت عن الترجيح فيهما، وليس في "الروضة" وأصلها و"التنبيه" تقييد المال بكونه معصوماً 181، فيرد عليهم مال الحربي، وما أحسن قول "الحاوي" [ص 356]: (لا إن خاف محترماً) اختصاراً وشمولاً.
2654 - قول "التنبيه" [ص 113]: (فيما لو غصب خيطاً وخاط به جرح حيوان يؤكل .. ففيه قولان) الأصح: أنه لا يجب نزعه، ويغرم القيمة للحيلولة، وعليه مشى "الحاوي" فقال عطفاً على النفي [ص 356]: (كما خاط به جرح محنرم وخاف هلاكه) فلم يفرق بين المأكول وغيره، لكنه اعتبر خوف الهلاك، واقتصر "التنبيه" على خوف الضرر 182، وهو المنقول؛ ففي "أصل الروضة": وفي معنى خوف الهلاك: خوف كل محذور يُجوِّز العدول إلى التيمم وفاقاً وخلافاً، ولا اعتبار في غير الآدمي ببقاء الشين 183. ومحل القولين: فيما إذا كان الحيوان للغاصب، فإن كان لغيره .. لم ينزع، كما جزم به في "أصل الروضة" 184، وحكى صاحب "المعين" اليمني طرد القولين فيه، ونقله صاحب "المذاكرة" عن ابن عجيل.
2655 - قول "الحاوي" [ص 356]: (وإن مات الآدمي) أي: فلا ينزع الخيط من الآدمي بعد موته، كذا صححه الروياني 185، لكن الذي في "الرافعي": الأصح على ما ذكره في "النهاية":

الحديث: 2654 - الجزء: 2 - الصفحة: 208

النزع 186 فلذلك أطلق في " أصل الروضة" تصحيحه؛ لكون الرافعي لم يذكر تصحيحاً سواه 187، وصحح في "الكفاية" تبعاً للماوردي: أنه إن أثر القلع فحشاً .. لم ينزع، دمالا .. نُزع 188. 2656 - قوله: (ومنفعة البضع بالتفويت) 189 أي: إن كانت مكرهة، فإن طاوعته .. فلا مهر، وقد صرح به "التنبيه" و"المنهاج" 190، ومحل كون المطاوعة لا مهر لها: إذا علمت التحريم، فلو جهلته حيث تعذر؛ لقرب إسأمها، أو نشأتها في بعد عن المسلمين .. وجب لها المهر، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 259]: (إن علمت) وهو شرط للحكمين المذكورين قبله، وهما الحد جزماً، وعدم المهر عند المطاوعة على الصحيح، وقد تفهم عبارتهم عدم المطالبة بالمهر فيما إذا وطئها غيره، والأصح: مطالبة الغاصب أيضًا، وتناولت عبارتهم: ما إذا وطئ بإذن المالك، وفيه قولان محكيان في "أصل الروضة" عن "ذخيرة البندنيجي" 191. ومقتضى المصحح في وطء المرتهن بإذن الراهن: الوجوب أيضًا، ولم يتعرض "المنهاج" هنا لأرش البكارة في البكر، ولا شك في وجوبه، لكن هل نفرده، فنقول: مهر ثيب والأرش، أم لا، فنقول: مهر بكر؟ وجهان، أصحهما في "الروضة" هنا: الأول، وفي الرد بالعيب: الثاني، قال الرافعي: والوجه: أن يقال: إن اختلف المقدار .. وجب الزائد، وقد أشار إليه الإمام، وإلا .. فالوجهان، ولهما فوائد 192 ولولا ذلك .. لقيل: اتّحد الوجهان؛ فمنها: لو طاوعت وقلنا بالصحيح: أنه لا مهر .. وجب الأرش إن أفردناه.
ومنها: إذا غرمه المشتري .. لم يرجع به إن أفردناه، وفي المسألة وجه ثالث ليس في "الروضة" وأصلها هنا 193، وجزما به في البيع الفاسد أنه يجب مهر بكر وأرش بكارة، واختاره السبكي، وقال: هو هنا أولى، قال: وينبغي أن تكون صورة المسألة: أن تزول البكارة مع التقاء الختانين، فإن زالت قبله برأس الحشفة .. فينبغي القطع بالأول، أو بعده كالغوراء .. فينبغي القطع بأرش بكارة ومهر بكر غوراء.
انتهى.
وأشار "التنبيه" إلى لزوم أرش البكارة بحكاية الخلاف في رجوع المشتري بها على

الحديث: 2656 - الجزء: 2 - الصفحة: 209

الغاصب 194، وقد يدخل في قول "الحاوي" [ص 354]، : (منفعة البضع) فإن البكارة منفعة في البضع فاتت بالافتضاض.
2657 - قول "المنهاج" في وطء المشتري من الغاصب [ص 295]: (فإن كرمه .. لم يرجع به على الغاصب في الأظهر) محلهما: إذا جهل الغصب، فإن علمه .. فلا يرجع قطعاً، وقد صرح بذلك "التنبيه"، وبين أن المرجح جديد، ومقابله قديم 195. 2658 - قول "المنهاج" فيما إذا أحبل [ص 295]: (وإن جهل .. فحرٌ نسيبٌ، وعليه قيمته يوم الانفصال) محله: إذا انفصل حياً، أو ميتاً بجناية، فإن انفصل ميتاً بغير جناية .. لم يضمنه على المشهور، ويرد ذلك على إطلاق "التنبيه" أيضاً: ضمان ولد الجارية 196، ويرد عليه أيضًا: ما إذا كان رقيقاً وانفصل ميتاً بغير جناية .. ففي ضمانه وجهان، قال الرافعي هنا: ظاهر النص ضمانه، وصحح بعد ذلك بأوراق عدمه 197. 2659 - قولهما: (ويرجع بها المشتري على الغاصب) 198 كذا في "المحرر" و"الشرحين" 199، ووقع في "الروضة": لا يرجع 200، وهو غلط سبق إليه القلم.
2660 - قول "المنهاج" [ص 295]: (وكذا لو تعيّب عنده في الأظهر) أي: لا يرجع بما غرمه، ومحل الخلاف: إذا لم يكن التعيب بفعله، فإن كان بفعله .. لم يرجع قطعاً.
2661 - قول "التنبيه" [ص 115]: (وإن غصب شيئاً وباعه .. كان للمالك أن يضمّن من شاء منهما) لا بد في تضمين المشتري من أن يكون قبض.
2662 - قوله: (وإن لم يعلم؛ فما التزم ضمانه بالبيع .. لم يرجع به؛ كقيمة العين والأجزاء) 201 اعترض: بأن الملتزم ضمانه بالبيع منحصر في قيمة العين والأجزاء، فليس لإدخال الكاف فائدة.
وأجيب عنه: بأنه يدخل فيه أيضاً ما أنفقه على العبد، وما أداه من خراج الأرض، وقد حكى الرافعي عن البغوي: أن القياس: أن لا يرجع بذلك على الغاصب؛ لأنه شرع في الشراء على أن يضمنها 202.

الحديث: 2657 - الجزء: 2 - الصفحة: 210

وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما ذكره في خراج الأرض ممنوع؛ لأنه إن أداه للغاصب على ظن أن عليه خراجاً، فلم يكن .. فكمن أدى ديناً ظاناً أنه عليه، فتبين خلافه يرجع على من أداه له، وإن أداه لغير الغاصب؛ كمن اشترى أنشاباً في أرض خراجية لغير البائع، فأعطاه خراجها، ثم ظهرت الأنشاب مملوكه لغير البائع .. فيرجع المشتري على من أخذ منه الخراج.
2663 - قوله: (وما لم يلتزم ضمانه ولم يحصل له به منفعة؛ كقيمة الولد ونقصان الولادة .. يرجع به على الغاصب) 203 ما ذكره من الرجوع بنقصان الولادة حكاه الرافعي عن قطع العراقيين، قال: وعن غيرهم خلافه، وعبر في "أصل الروضة" عن الأول بالمذهب 204، وقال في "الكفاية": بل قطع أكابر العراقيين بالمنع، قال: وقد يحمل ما قاله الشيخ على ما إذا سمنت في يد المشتري وزال بالولادة، كما صرح به صاحب "رفع التمويه"، ونقل في "المطلب" عن الجمهور: أنه لا يرجع، ونص عليه في "البويطي".
2664 - قوله: (وما حصل له به منفعة؛ كالأجرة والمهر وأرش البكارة .. فقد قال في القديم: يرجع، وقال في الجديد: لا يرجع) 205 فيه أمران: أحدهما: محل ما ذكره في الأجرة: إذا كان قد استوفى المنفعة، فإن فاتت تحت يده .. رجع بها، وقد يفهم ذلك من قوله: (وما حصل له به منفعة)، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 295]: (ويرجع بغُرم ما تلف عنده) أي: من المنافع من غير استيفاء، وقال بعضهم: كلامه في أعم من المنفعة، فيتناول ثمرة الشجرة ونتاج الدابة وكسب العبد.
قال السبكي: ولولا أنه شامل لذلك .. لقال: (ما فات) لأنها العبارة المستعملة في المنفعة.
قال شيخنا ابن النقيب: ويمكن ألاَّ يريد ذلك، وحينئذ .. يصح تذكير الفعل وتأنيثه، فيقال: (ماتلفت)، والتاء ملحقة خفية في خط المصنف 206. ثانيهما: اعترض: بأن المشهور في أرش البكارة: القطع بمنع الرجوع؛ فإنه بدلُ جزءٍ أتلفه كاليد، قال في "الكفاية": ومقابله وجه حكاه المتولي، وإليه يرشد قول الرافعي: وأجرى الخلاف في أرش الافتضاض 207، وحينئذ .. فلا قديم فيه.
2665 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وكل ما لو غرمه المشتري رجع به لو غرمه

الحديث: 2663 - الجزء: 2 - الصفحة: 211

الغاصب .. لم يرجع به على المشتري، وما لا .. فيرجع) 208 دخل فيه قيمة العين، فمقتضى كلامهما: رجوع الغاصب بها مطلقا، لكن يستثنى: ما لو ضمن الغاصب قيمة يوم الغصب لكونها أكثر .. فلا يرجع بالزائد على أكثر من قيمة يوم قبض المشتري إلى التلف؛ لأنه لم يدخل في ضمانه؛ ولهذا لا يطالب به ابتداء.
2666 - قول "المنهاج" من زيادته [ص 295]: (وكل من انبنت يده على يد الغاصب فكالمشتري) فيه أمران: أحدهما: قوله: (انبنت) بنون ثم باء موحدة ثم نون كذا ضبطه "المصنف" بخطه، وقوى الرافعي أن تقرأ عبارة "الوجيز" كذلك 209، قال: وأكثرهم يقرؤها (ابتنت) بباء موحدة ثم تاء ثم نون، وضعفه 210. ثانيهما: قوله: (فكالمشتري) أي: في الضابط المذكور في الرجوع وعدمه، لا في جميع ما تقدم، وقد تقدم في أوائل الباب بيان ذلك بقوله [ص 291]: (والأيدي المترتبة على يد الغاصب ... إلى آخره)، قال شيخنا ابن النقيب: فتأمله هناك، وقيد به هذا الإطلاق، والله أعلم 211.


الحديث: 2666 - الجزء: 2 - الصفحة: 212

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل