تحرير الفتاوىصفحات 545-584

كتابُ النِّكاح

صفحات 545-584

منه.. فالأظهر: المنع أيضًا، وظاهر كلامهم طرد الخلاف وإن رضيت بترك الكفاءة.
قال الإمام: والقياس: تخصيصهما بمن لم ترض، وإلا.. لم يشترط 1. وقال شيخنا الإمام البلقيني: بل القياس الإطلاق؛ لأن المعنى المقتضي للتعيين اختلاف الرغبات بالنسبة إلى الأشخاص، وذلك لا يختلف بالكفء وغيره؛ ولهذا لو وكل الرجل في قبول النكاح.. ففي اشتراط التعيين وجهان مختلف في الترجيح فيهما، وليس من جهة الكفاءة، بل من الجهة التي قدمناها.
3543 - قول " المنهاج " [ص 377]: (ويحتاط الوكيل فلا يزوج غير كفء) يرد عليه أنه لا يزوج كفئًا أيضًا، وقد طلبها أكفاء منه، فلو زوج غير كفء أو كفئًا مع خطبة أكفاء منه.. لم يصح على الأصح.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب؛ القطع به وإن جرى الخلاف في الولي؛ لأن قضية الإطلاق الحمل على المصلحة كما إذا أطلق.. يبيع بثمن المثل.
3544 - قوله: (وغير المجبر إن قالت له: " وَكِّل ".. وَكَّلَ) 2 يتناول ما إذا قالت: (زوج ووكّل) وما إذا قالت: (وكّل) وسكتت عن التزويج، وما إذا قالت: (وكّل ولا تزوج) وقد نقل الإمام هذه الأخيرة عن الأئمة: بطلان الإذن 3. 3545 - قوله: (وإن قالت: " زوجني ".. فله التوكيل في الأصح) 4 مخالف لظاهر النص؛ حيث قال: جاز للولي الذي لا أمر للمرأة معه أن يوكل، وهذا للأب خاصة في البكر، ولم يجز لولي غيره للمرأة معه أمر أن يوكل، أبٌ في ثيب، ولا غير أب إلا بأن تأذن له أن يوكل بتزويجها؛ فيجوز بإذنها، حكاه شيخنا الإمام البلقيني.
3546 - قوله: (وليقل وكيل الولي: " زوجتك بنت فلان ") 5 أي: وإن لم يقل: موكلي؛ هذا إذا كان الزوج يعلم الوكالة، وإلا.. اشترط، قاله في " التتمة ". 3547 - قول " التنبيه " [ص 158]: (وإن كانت مجنونة؛ فإن كانت صغيرة.. جاز للأب والجد تزويجها، وإن كانت كبيرة.. جاز للأب والجد والحاكم تزويجها) اقتصر في الكبيرة على الجواز، وهو واجب عند الحاجة، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص 378]: (ويلزم المجبر تزويج مجنونة بالغة) و" الحاوي " فقال بعد ذكر الأب ثم الجد [ص 456]: (ولزمه تزويج المجنونة التائقة، ثم

السلطان المجنونة بالحاجة) وعبارته أحسن من عبارة "المنهاج" هنا من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قد يفهم من لفظ الإجبار اختصاص ذلك بالبكر؛ فإنها التي تجبر، وليس كذلك، فلا فرق هنا بين البكر والثيب.
ثانيها: أنه لم يعتبر الحاجة مع ذكره لها في المجنون ولا بد منها في المجنونة أيضاً بالنسبة للوجوب.
ثالثها: أنه لم يذكر تزويج الحاكم للمجنونة، لكن ذكر "المنهاج" المسألة بعد ذلك في فصل آخر، وعبر بعبارة سالمة من الأمور الثلاثة فقال: (ويزوج المجنونة أب أو جد إن ظهرت مصلحة، ولا تشترط الحاجة، وسواء صغيرة وكبيرة، ثيب وبكر، فإن لم يكن أب وجد.. لم تزوج في صغرها، فإن بلغت.. زوجها السلطان في الأصح للحاجة، لا لمصلحة في الأصح) 1 وقد تفهم عبارة "التنبيه" مساواة الحاكم للأب والجد في تزويج المجنونة الكبيرة، وليس كذلك؛ فإنهما يزوجانها بالمصلحة، والحاكم لا يزوجها إلا بالحاجة كما أفصح به "الحاوي" 2، وقول "الحاوي" [ص 456]: (وشاور الأقارب) ظاهره الوجوب، وبه صرح البغوي والخوارزمي، وقال الإمام بالاستحباب 3، وصححه الروياني، وقال: إنه ظاهر النص، ويوافقه قولهم في الخطبة على الخطبة: إن المعتبر رد السلطان وإجابته، ثم هذا كله في المطبقة، فلو كان جنونها متقطعاً.. فلا تزوج حتى تفيق فتأذن، ويشترط وقوع العقد حال الإفاقة، وصرح "المنهاج" و"الحاوي" بأنه لا يلزم تزويج الصغيرة المجنونة 4، لكن لو ظهرت الغبطة فيه.. ففيه احتمالان للإمام، ومال إلى الوجوب.
3548 - قول "المنهاج" [ص 378]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 456]: (ومجنون ظهرت حاجته) يرد عليه أن محله: في المطبق، وأن الحاكم يزوجه أيضاً عند فقد الأب والجد، وقد ذكرهما "التنبيه" فقال [ص 157]: (وإن كان مجنونًا؛ فإن كان يفيق في وقت.. لم يزوج إلا بإذنه، وإن كان لا يفيق وهو محتاج.. زوجه الأب أو الجد أو الحاكم) وفي احتياج الحاكم إلى مشاورة الأقارب ما تقدم في المجنونة، وهو في "الروضة" وأصلها 5، وزعم في "المهمات" أن الرافعي أغفله، وليس كذلك، والمراد بحاجته إلى النكاح: إما ظهور رغبته فيهن بدورانه حولهن

وتعلقه بهن، أو يتوقع شفاؤه بالوطء، أو بأن يحتاج لخدمته ولا يوجد في محارمه من يحصل ذلك، وتكون مؤنة النكاح أخف من ثمن جارية.
واستشكل الرافعي هذا: بأن الزوجة لا يلزمها خدمته، فربما تمتنع، أو لا تفي إن وعدت 1. وأجاب بعضهم: بأن طبعها يدعوها إلى خدمته.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ظاهر كلامهم أن الوصي لا يزوج المجنون، ويعضده نص الإمام، لكن في "الشامل" في الوصايا ما يقتضي أنه يزوجه، وهو الأقرب في الفقه؛ لأنه ولي المال، وإنما أراد الشافعي وأصحابه إخراج العصبات لا الوصي؛ فإنه قائم مقام الأب.
3549 - قول "المنهاج" [ص 378]: (ويلزم المجبر وغيره إن تعين إجابة ملتمسة التزويج) شرطه: أن تكون بالغة، وقد ذكره في العضل، فقال: (إذا دعت بالغة عاقلة) وأوردناه هناك على عبارتي "التنبيه" و"الحاوي" 2. 3550 - قول "المنهاج" [ص 378]: (وإذا اجتمع أولياء في درجة.. استحب أن يزوجها أفقههم وأسنهم برضاهم) فيه أمور: أحدها: عبارة "التنبيه" [ص 158]: (وإن استوى اثنان في الدرجة والإدلاء.. فالأولى: أن يقدم أسنهما وأعلمهما وأفضلهما) فزاد الاستواء في الإدلاء؛ ليحترز به عن نحو أخوين أحدهما شقيق والآخر لأب؛ فإنهما مستويان في الدرجة مع أن الولاية للشقيق؛ لتميزه بالإدلاء بالأم، فكان ينبغي لـ"المنهاج" الاحتراز عن ذلك أيضاً، وقد يقال: ليسا في درجة واحدة ولا حاجة للاحتراز.
ثانيها: ليس في عبارته إفصاح عن تقديم الأفقه على الأسن؛ فإن الواو لا تدل على الترتيب، وقد صرح بذلك "الحاوي" فقال [ص 459]: (وقدم الأفقه ثم الأسن) ويرد عليه الأورع، وقد ذكره الرافعي بينهما فقال: الأفقه ثم الأورع ثم الأسن 3، وحمل في "الكفاية" عبارة "التنبيه" المتقدمة على الترتيب؛ أي: يقدم الأسن ثم الأعلم ثم الأفضل، وليس في عبارته ما يدل عليه، وهو مخالف لكلام الرافعي والنووي 4. ثالثها: صورة ذلك: أن تأذن المرأة لكل من الأولياء منفرداً، أو تقول: أذنت في تزويجي من فلان، فمن شاء منكم.. فليزوجني به، وكذا لو قالت: رضيت بفلان زوجاً على الأصح، وقيل:

لا تزوج في هذه الصورة، أما لو أذنت لأحدهم.. لم يزوج غيره، ولو قالت: زوجوني.. اشترط اجتماعهم في الأصح.
3551 - قولهم: (فإن تشاحوا.. أُقرع) 1 شرطه: أن تأذن لجميعهم كما تقدم، وأن يتحد الخاطب، فإن تعدد ورغب كل ولي في خاطب.. فالتزويج ممن رضيت به، فإن رضيتهما.. أمر الحاكم بالتزويج من أصلحهما، قاله البغوي 2 والرافعي في "الشرح الصغير"، وقال المارودي والروياني والمتولي: يزوجها السلطان بأصلحهما وهما عاضلان؛ لامتناع كل من التزويج ممن رضيه الآخر، وعليه حمل قوله عليه الصلاة والسلام: " فإن اشتجروا.. فالسلطان ولي من لا ولي له" 3، ولا يقرع؛ لئلا يصير قارعاً بين الزوجين.
3552 - قول "التنبيه" [ص 158]: (فإن خرجت القرعة لأحدهما فزوج الآخر.. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) الأصح: الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 4، ولا يخفى أن الصورة عند إذنها لكل منهم، وقد قيده به "المنهاج" 5 و"الكفاية"، قال الرافعي: وهل يختص البطلان بقرعة السلطان أم يعم؟ فيه تردد للإمام 6، وعلى الصحة: يكره في قرعة السلطان دون غيره، قاله الإمام بحثاً 7، وخرج بقيد خروج القرعة لأحدهما ما لو بدر واحد وزوج مع التنازع قبل القرعة.. فإنه يصح قطعاً بلا كراهة، قاله القاضي مجلي.
3553 - قول "المنهاج" [ص 378]: (ولو زوجها أحدهم زيداً والآخر عمراً) المسألة بأحوالها الخمسة محلها كما قال المارودي: ما إذا كانا كفئين، فإن كانا غير كفئين.. فنكاحهما باطل، أو أحدهما كفء.. فنكاحه هو الصحيح ولو تأخر 8. 3554 - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (ولو سبق معين ثم اشتبه.. وجب التوقف حتى يتبين) 9 قال شيخنا الإمام البلقيني: المختار عندي في هذه الصورة عند اليأس من التبين: عدم التوقف، والمصير إلى إنشاء الفسخ.

3555 - قول "الحاوي" فيما إذا التبس السابق في إنكاح وليين [ص 459]: (ولا نفقة) تبع فيه الإمام؛ فإنه صححه 1، وكلام "الوسيط" 2 يقتضى ترجيحه أيضاً، والذي في "الوجيز" أنهما يتفقان 3، وبه أجاب ابن كج، وليس في "الروضة" وأصلها إفصاح بترجيح 4. 3556 - قول "المنهاج" [ص 378]: (فإن ادعى كل زوج علمها بسبقه.. سُمعت دعواهما بناءً على الجديد - وهو قبول إقرارها بالنكاح -) فيه أمور: أحدها: كذلك لو ادعى ذلك إحداهما فقط.. كانت دعواه مسموعة، وهو مفهوم من ذكر المبني عليه وهو قبول إقرارها بالنكاح.
ثانيها: لو عبر بقوله: (علمها بأنه السابق، أو بسبق نكاحه).. لكان أحسن؛ لاحتمال عود الضمير في قوله: (بسبقه) 5 على مطلق النكاح، فيتناول دعوى كل علمها بسبق أحدهما من غير تعيين، ومن المعلوم أن هذه دعوى لا تسمع لعدم الفائدة فيها، لكن المراد: علمها بسبق نكاحه كما في "المحرر" 6، وقال شيخنا ابن النقيب: لو قال: (علمها السابق).. لكان أحسن 7، وهذه عبارة مدخولة؛ فإنه لا تسمع دعوى كل علمها بالسابق حتى يقرن به، وأنه هو السابق، فما ذكرناه أولاً أولى.
ثالثها: خرج بذلك دعوى أحدهما على الآخر، فلا تسمع خلافا للصيدلاني وغيره، والدعوى على الولي مع أنها مسموعة إذا كان مجبراً على الأصح؛ لما تقدم من قبول إقرار المجبر دون غيره.
3557 - قوله: (فإن أنكرت.. حلفت) 8 يحتمل أن تحلف لكل واحد منهما يميناً، وأن تحلف لهما يميناً واحدة، وبالأول قال البغوي 9، وصححه السبكي، وبالثاني قال القفال والإمام والغزالي وغيرهم إن حضرا، لكن اعتبر الإمام رضاهما بها 10، وإن حضر أحدهما وحلفها ثم جاء الآخر.. ففي تحليفها له وجهان جاريان في كل اثنين ادعيا شيئاً واحداً كما قال الرافعي هنا 11،

وجزم في (اللعان) فيما إذا ادعيا عليه مالاً فأنكر.. بأنه يحلف لكل منهما يميناً 1، وكذا في (الدعاوى) 2، فإن رضوا بيمين واحدة.. فالأصح عند النووي: المنع 3، وينبغي أن يقال: إن حلفت أنها لا تعلم أنه السابق.. فللآخر تحليفها قطعاً، وإن حلفت أنها لا تعلم السابق.. فهو موضع الخلاف في أنه هل يحتاج إلى يمين للآخر أم لا؟ 3558 - قول "الحاوي" [ص 460]: (فإن حلفت بجهل السابق.. فالنكاح لمن حلف) تبع فيه الإمام والغزالي؛ فإنهما قالا: إن التداعي بين الزوجين والتحالف إنما ينكر ابتداء، فأما بعد الدعوى عليها وحلفها.. فيتداعيان، فإن حلفا أو نكلا.. استمر الإشكال، وإن حلف أحدهما فقط.. قضي له بالنكاح 4، لكن الذي نص عليه في "الأم" وقال به العراقيون والماوردي كما حكاه ابن الرفعة: أنه لا تحالف بينهما مطلقاً، ويبقى الإشكال 5، وصرح ابن الرفعة تفريعاً عليه بأنه يبطل النكاحان.
3559 - قول "المنهاج" [ص 378]: (وإن أقرت لأحدهما.. ثبت نكاحه.
وسماع دعوى الآخر وتحليفها له يبنى على القولين فيمن قال: "هذا لزيد بل لعمرو" هل يغرم لعمرو؟ إن قلنا: نعم.. فنعم) هو الأصح فيهما.
3560 - قول "التنبيه" [ص 159]: (ولا يجوز لأحد أن يتولى الإيجاب والقبول في نكاح واحد، وقيل: يجوز للجد أن يوجب ويقبل في تزويج بنت ابنه بابن ابنه) هذا الوجه هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" 6، و"الحاوي" ذكره في (البيع) لكنه عبر بالوالد 7، ومراده: الجد، وشرطه: كون الابن صغيراً أو مجنوناً، وكون بنت الابن بكراً أو مجنونة، وكون أبويهما ميتين أو مسلوبي الولاية لفسق ونحوه.
وأفهم كلامهم أنه لا يجوز في غير هذه الصورة، فلو وكل الولي والخاطب واحداً أو وكله في تزويج بنته من نفسه فتولى الطرفين.. لم يصح على الصحيح، ولو تولى الطرفين في تزويج عبده بأمته.. صح إن قيل: له إجباره، والأصح: خلافه.
وفى "البحر": لو أراد الحاكم تزويج مجنون بمجنونة.. لا نص فيه، والقياس: أن لا يتولى الطرفين ولا يحتمل على المذهب غيره.

3561 - قول "المنهاج" [ص 379]: (فلو أراد القاضي نكاح من لا ولي لها.. زوَّجه من فوقه من الولاة أو خليفته) كذا من هو مثله في بلده أو غيرها وفى معناه: الإمام الأعظم، فيزوجه خليفته القاضي، وفي الإمام وجه أنه يزوج نفسه، حكاه في "التنبيه" (1)، وفى معنى إرادتهما التزويج: ما لو أراد أحدهما تزويج من لا ولي لها لابنه الصغير.

فَصْلٌ [في اعتبار الكفاءة]

3562 - قول "التنبيه" [ص 159]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 459]: (ولا يزوج أحد من الأولياء المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء) المراد: الذين لهم ولاية حال العقد؛ ولهذا عبر "المنهاج" [ص 379] ب (الأولياء المستوين)، لكن كلام الأصحاب يقتضي أن الأبعد لا يكون وليًا مع الأقرب، وحينئذ.. فقوله: (المستوين) زيادة بيان، لا احتراز، وقد يقال: إن الأبعد ولي أيضاً، لكن الأقرب مقدم عليه فيحتاج إلى الاحتراز عنه، فإن قيل: لم لا يجب رضا الأبعد للقرابة وإن لم يكن له الاَن حق لما يلحقه من العار؟ قلت: لأن القرابة تنتشر كثيراً فيشق اعتبارها، ولا ضابط نقف عنده، فقصر على الأقرب.
3563 - قول "التنبيه" [ص 159]: (فإن زوجها من غير كفء بغير رضاها أو بغير رضا بقية الأولياء.. فالنكاح باطل، وقيل: فيه قولان، أحدهما: أن النكاح باطل، والثاني: أنه صحيح ولها الخيار) فيه أمور: أحدها: أن الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: بطلان النكاح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 2. ثانيها: صورة المسألة: إذا كان الولي مجبراً، أو كان غير مجبر أذنت له من غير تعيين زوج وجوزناه وهو الأصح، وقد ذكر "المنهاج" التصويرين، إلا أنه في تصوير غير المجبر قال: (برضاها دون رضاهم) 3، وقد عرفت أنه يتصور مع رضاها في إذنها من غير تعيين، وقال في تفريع الضعيف فيما إذا كان بغير رضا بقية الأولياء: (ولهم الفسخ) 4، وفيما إذا كان بغير رضاها: (وللبالغة الخيار، وللصغيرة إذا بلغت) 5.1

ثالثها: قد ظهر بذلك أن قوله في تفريع الضعيف: (ولها الخيار) ناقص؛ لاختصاصه بصورة ما إذا كان ذاك بغير رضاها، أما إذا كان بغير رضا بقية الأولياء.. فالخيار لهم كما ذكره "المنهاج" 1، وتناولت عبارة "التنبيه" القاضي، فمقتضاها: أن له تزويج من لا ولىّ لها من غير كفء برضاها، والأصح في "المنهاج": بطلانه 2، وعليه مشى "الحاوي" 3، وقال بالصحة الشيخ أبو محمد والإمام والغزالي 4، ومال إليه السبكي إلا أنه توقف آخراً بعد الكلام على حديث فاطمة بنت قيس، وقال بالصحة شيخنا الإمام البلقيني أيضًا، وقال: إن ما صححه الرافعي والنووي من البطلان ليس بالمعتمد، وليس للشافعي نص شاهد به، ولا وجه له، وهو مخالف لمذهب أكثر العلماء.
انتهى 5. ثم اعلم: أن محل الخلاف: عند تزويج القاضي لفقد الولي، فلو زوج لغيبة الولي أو عضله أو إحرامه.. لم يكن له ذلك قطعاً، وذلك شاهد للوجه الآخر، ولو كان في الولي مانع من فسق ونحوه وليس بعده إلا القاضي فزوج من غير كفء برضاها.. فظاهر إطلاقهم طرد الوجهين.
قال السبكي: ولو قيل: إنه كالعضل.. لم يبعد.
3564 - قول "التنبيه" [ص 159]: (والكفاءة في الدين والنسب والصنعة والحرية) أهمل السلامة من العيوب المثبتة للخيار، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 6 ثم هو على عمومه فيما إذا كانت الكفاءة لحق المرأة كالمجبرة أو غيرها إذا أطلقت الإذن وصححناه، لكن استثنى منه البغوي: التعنين؛ لعدم تحققه، وإطلاق الجمهور - وبه صرح الشيخ أبو حامد -: أنه لا فرق، وصوب في "المهمات" استثناء البغوي، لما رجحوه من أن الرجل قد يعن عن امرأة دون أخرى وفي نكاح دون آخر مع اتحاد المرأة، حتى يثبت للمرأة الفسخ بالعنة في النكاح مع علمها بعنيته؛ إما عن غيرها أو عنها نفسها في نكاح آخر.
قال: وما قاله أبو حامد هو على القول الآخر، وهو الاكتفاء بما ثبت من العنة، وأما الكفاءة التي هي حق للولي.. ففي الجنون وكذا الجذام والبرص في الأصح، لا في الجب والعنة، وسيأتي بيانه في (الخيار)، وقول "الحاوي": (وليست النسيبة) إلى قوله: (كفء غيرٍ) 7 كان ينبغي أن يقول: (وليست غير النسيبة... ) إلى آخره

(كفؤاً لها)، فإن المتبادر إلى الفهم عرفاً من قولنا: ليس زيد كفئاً لعمرو: أن عمراً أشرف، وهذا عكس المراد هنا.
3565 - قول "التنبيه" [ص 159]: (ولا حرة بعبد) و"الحاوي" [ص 459]: (وليست الحرة كفء غيرٍ) كذا الحرة الأصلية مع العتيق، وقد ذكرها "المنهاج" 1، وكذا من مس الرق أحد آبائه وولد حراً.. ليس كفئاً لمن لم يمس الرق أحد آبائها على المذهب، وعلى هذا من مس الرق أباه أو جداً له قريباً.. ليس كفئاً لمن مس جداً بعيداً لها، واستشكله السبكي، وكذا من مسه الرق وعتق.. ليس كفئاً لمن عتق أبوها كما ذكره أبو محمد بن الحسين، وانفرد به، قال ابن الصلاح: وأظنه ابن القاضي حسين، ومن مس الرق أما له أو جدة.. قال الرافعي: يشبه أنه كذلك 2، ووافقه ابن الرفعة، وفي كلام الماوردي ما يؤيده 3، وفي "الروضة": المفهوم من كلامهم أنه لا يؤثر، وصرح به في "البيان" 4، والمدبر والمكاتب والمبعض كالقن، وهل العبد كفء للمبعضة؟ فيه وجهان، حكاهما الماوردي 5، وصحح في "الذخائر": أنه ليس كفئاً لها.
3566 - قول "التنبيه" [ص 159]: (ولا هاشمية بغير هاشمي) دخل في غير الهاشمي المطلبي، مع أنه كفء للهاشمية، وقد صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 6، ومقتضى كلامهم: أن غير قريش من العرب أكفاء، وحكاه الرافعي عن جماعة 7، وقال النووي: إنه مقتضى كلام الأكثرين 8؛ لكن قال الرافعي: يقتضي اعتبار النسب في العجم اعتباره فيمن سوى قريش من العرب 9، قال النووي: وذكر الشيخ إبراهيم المروذي: أن غير كنانة ليسوا أكفاء لكنانة 10، واستدل له السبكي بقوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله اصطفى من العرب كنانة "، قال: وهو حديث صحيح 11، وقال الماوردي والروياني: قال البصريون من أصحابنا: غير قريش

متكافئون، وقال البغداديون: بالتفاضل؛ فيفضل مضر على ربيعة، وعدنان على قحطان؛ اعتباراً بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم 1. وقال في "المهمات": اعتبار النسب في الكفاءة أضيق منه في الإمامة العظمى؛ ولهذا قال: سووا بين قريش في الإمامة، ولم يسووا بينها في الكفاءة، وقد جزم الرافعي في الإمامة: بأنه إذا لم يوجد قرشي مستجمع الشروط.. نصب كناني، فإن لم يكن.. فمن ولد إسماعيل؛ فإن تعذر.. انتقلنا إلى العجم 2، فتقديم الكناني في النكاح أولى، ومقتضى كلام "التنبيه" و"الحاوي": عدم اعتبار النسب في العجم، والأصح: خلافه، وقد صرح به "المنهاج" 3. 3567 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فليس فاسق كفء عفيفة) 4 قد يفهم أنه لا يعتبر ذلك في آبائهما، وبه صرح ابن الرفعة، وقال: فمن أبوه كافر.. كفء لمن أبوها مسلم، ولكن في "أصل الروضة": أن من أسلم بنفسه ليس كفئاً لمن لها أبوان فأكثر في الإسلام في الأصح، وفي معنى الفسق والعفة: أن المبتدع ليس كفئاً للسُّنِّية 5، وقال في "المهمات": الذي يتوجه عند زيادة الفسق أو اختلاف نوعه عدم الكفاءة، قيل: ولا يشك أن الفسق بالقتل والسكر ليس في تعدي المفسدة والنفرة؛ كالعقوق وترك الصلاة ونحوهما.
3568 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فصاحب حرفة دنيئة ليس كفء أرفع منه) 6 قد يفهم منه أنه لا يضره حرفة أبيه الدنيئة، لكن قال الرافعي: الحرفة الدنية في الآباء والاشتهار بالفسق مما يُعيَّر به الولد؛ فيشبه أن من حرفة أبيه دنية أو مشهور بفسق مع بنت من ليس كذلك؛ كمن أسلم بنفسه مع بنت المسلم، ثم قال: والحق: بأن يجعل النظر في حق الآباء ديناً وسيرة وحرفة من حيز النسب 7، وفي "المهمات" عن " الإشراف" للهروي: الجزم بخلافه، وأن ذلك لا أثر له، وجعل مثله: ولد 8 المعيب كابن الأبرص ونحوه؛ قال الإمام والغزالي: لا عبرة بالانتساب لعظماء الدنيا والظلمة المستولين على الرقاب وإن تفاخر الناس بهم 9، قال الرافعي: ولا يساعد

عليه كلام النقلة في العظماء، قال في "التتمة" في الكفاءة: وللعجم عرف في الكفاءة؛ فيعتبر عرفهم (1). قلت: تتمة كلام "التتمة": وهو أنهم يقدمون الأمراء والرؤساء والقضاة والعلماء على السوقة، فيعتبر عرفهم، ولا لجعل السوقة أكفاء لهؤلاء الأصناف، وقال في "المهمات": عدم اعتبار الانتساب للظلمة واضح وللعظماء ممنوع، وأقل مراتب الإمرة: أن تكون كالحرفة، وصاحب الحرفة الخسيسة لا يكافئ النفيسة.
3569 - قول "المنهاج" [ص 380]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 456]: (وليس له تزويج ابنه الصغير أمة، وكذا معيبة) المراد: العيب المثبت للخيار في النكاح، فلو زوجه عمياء أو عجوزاً أو مفقودة بعض الأطراف.. ففيه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها (2)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: أنه لا يجوز؛ فقد نص عليه في "الأم" (3).

فَصْلٌ [في نكاح المحجور عليه بالسفه ونحوه]

3570 - قول "المنهاج" [ص 380]: (وله تزويج صغير عاقل أكثر من واحدة) لم يتقدم ما يعود عليه هذا الضمير، والمراد: الأب، ثم الجد كما صرح به "المحرر" و"التنبيه" و"الحاوي" 4، وأطلق "التنبيه" تزويجه 5، وصرح "الحاوي" بأنه يزوجه أربعًا 6. 3571 - قول "التنبيه" [ص 158]: (وإن كان سفيهًا وهو محتاج إلى النكاح.. زوجه الأب أو الجد أو الحاكم) فيه أمور: أحدها: أنه أطلق السفيه، وكذا فعل "الحاوي" 7، والمراد: المحجور عليه بالسفه؛ كما عبر به "المنهاج" 8، فخرج سفيه لا حجر عليه؛ بأن بلغ رشيداً ثم سفه، ولم يعد الحجر عليه، وشرطناه وهو الأصح.. فتصرفه نافذ، وجوز ابن الرفعة مجيء خلاف فيه من خلاف في أن دخول123

وقت الشيء هل يقوم مقامه؛ كرمي الجمار؟ وكذلك: من بلغ سفيهاً ولم يتصل به حكم، وهو المهمل.. فيزوجه كسائر تصرفاته، وفيها خلاف، ولا يرد ذلك على "التنبيه" لأنه ذكره في أقسام غير جائز التصرف، وغير المحجور عليه جائز التصرف.
ثانيها: قد يفهم من عبارته ومن قول "الحاوي" [ص 458]: (بالحاجة): الاكتفاء بدعواه الاحتياج للنكاح، وليس كذلك في الأصح، بل لا بد من ظهور الحاجة بغلبة الشهوة بأمارات تدل عليها، أو باحتياجه إلى من يخدمه بالشرط المتقدم في المجنون، وفيه ما تقدم.
والحق: أن عبارتهما لا تفهم ذلك، بل تقتضي ثبوت الاحتياج، ولم يتعرض "المنهاج" لاعتبار الحاجة في تزويج السفيه، وهو وارد عليه.
ثالثها: قد يفهم تزويجه بغير إذنه، وهو محكي عن العراقيين، والأصح: خلافه؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 381]: (وإن قَبِلَ له وليّه.. اشترط إذنه في الأصح) وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 458]: (وعكسه) أي: عكس تزويجه بإذن الولي، وهو تزويج الولي له بإذنه.
رابعها: مقتضى كلامه: أن الحاكم إنما يزوجه عند فقد الأب والجد؛ ومحل هذا: ما إذا بلغ سفيهاً، فإن بلغ رشيداً ثم أعيد الحجر عليه.. فالأصح: أن الذي يليه هو الحاكم كما ذكروه في (الحجر)، وأحالوا الأمر هنا عليه، وحكى الرافعي هنا: التصريح به عن أبي الفرج الزاز 1. خامسها: مقتضى كلامه: أنه لا يزوجه الوصي، وهو الذي ذكره النووي في "الروضة" من زيادته، فقال: الأصح: أنه إن كان له أبٌ أو جدٌ.. فالتزويج إليه، وإلا.. فلا يجوز أن يزوجه إلا القاضي أو من فوض القاضي إليه تزويجه، وممن جزم بذلك الشيخ أبو محمد.
انتهى 2. لكن كلام الرافعي هنا يدل على تزويج الوصي؛ فإنه قال: والكلام فيمن يلي أمر السفيه سبق في الحجر 3، وصرح بذلك في الوصايا، وحذفه من "الروضة" هناك، وحكي عن نص الشافعي في "الأم" و"المختصر" 4، ونقله شيخنا الإمام البلقيني عن الشيخ أبي حامد والماوردي وصاحب "الذخائر"، ومال إليه، وصنف فيه تصنيفاً سماه "الجواب الوجيز عن تزويج الوصي للسفيه"، وهو ظاهر إطلاق "المنهاج" و"الحاوي" الولي.
3572 - قول "المنهاج" [ص 381]: (فإن زاد.. فالمشهور: صحة النكاح بمهر المثل من المسمى) وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 458]: (ولغا الزائد) ويوافقه قول "التنبيه" في

(الصداق) [ص 166]: (ولا يتزوج السفيه بأكثر من مهر المثل، فإن زاد.. بطلت الزيادة)، ومقتضاه: ثبوت قدر مهر المثل من عين المسمى، وقال ابن الصباغ: القياس بطلان المسمى والرجوع إلى مهر المثل، ويوافقه قول "المنهاج" في الصداق [ص 397]: (ولو نكح لطفل بفوق مهر المثل.. فسد المسمى، والأظهر: صحة النكاح بمهر المثل)، وقول "الحاوي" هناك فيما يوجب فساد الصداق [ص 478]: (ولابنه بأكثر)، وأما قول "التنبيه" هناك أيضاً [ص 165، 166]: (ولا يزوج ابنته الصغيرة ولا ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل، فإن نقص ذلك وزاد هنا.. وجب مهر المثل وبطلت الزيادة).. فإنه يقتضي صدره - وهو قوله: (وجب مهر المثل) 1 - إلغاء المسمى، وآخره - وهو قوله: (وبطلت الزيادة) 2 - وجوب قدر مهر المثل من المسمى كما تقدم في السفيه، وهذا الثاني هو الذي فهمه في "المهمات"، وقال: إن صاحب "التنبيه" سوى بينهما، وحكم ببطلان الزائد فقط، وأقره النووي في "تصحيحه".
وقال السبكي: في تصوير المسألة بين الأصحاب وابن الصباغ نظر؛ فإن الولي إن لم يتعرض لمهر.. فالعقد إنما يكون على الذمة، ولا يصح إلا بمهر المثل لا بمسمى غيره؛ فلا يتحقق الخلاف، وإن أذن في عين هي أكثر من مهر المثل.. فينبغي أن يبطل في الزائد، وفي الباقي خلاف تفريق الصفقة، أو هو كبيعه بالإذن عيناً من ماله، قال: ويمكن أن يصور بقوله: (أنكح فلانة وأصدقها من هذا المال) فأصدق منه أكثر من مهر مثلها، لكن يأتي فيه الخلاف في إذنه في البيع، قال: وقد يصور بما إذا لم ينص على المهر، وعقد على زائد من غير نقد البلد.. فعند ابن الصباغ: يرجع إلى مهر المثل من نقد البلد، وعند غيره: يصح في قدر مهر المثل مما سمى.
3573 - قول "المنهاج" [ص 381]: (ولو قال: انكح بألف ولم يعين امرأة.. نكح بالأقل من ألفٍ ومهر مثلها) و"الحاوي" [ص 458]: (بأقل مهر اللائقة والمعين) أورد عليه: أن مقتضاه: عدم الصحة فيما إذا نكح بما عينه الولي، وهو مهر مثلها؛ لاشتراطهما الأقلية، والحق: أن هذا لا يرد؛ لأن المراد: الأقلية إن كان أحد الأمرين أقل من الآخر، فأما إذا استويا.. فلا أقلية، وفى قول "الحاوي" [ص 458]: (اللائقة) إشارة إلى أنه لو نكح شريفة يستغرق مهرها ماله.. لم يصح، وقد ذكره "المنهاج" [ص 381] بعد ذلك بقوله: (وينكح بمهر المثل من تليق به) وظاهره: أنه لو فعل غير ذلك.. لم يصح جزماً، وفيه وجهان: اختيار الإمام والغزالي بطلان النكاح 3، ولو أراد "المنهاج" عود الخلاف إلى هذه.. لعطفه على ما قبله، فقال: (وأنه ينكح) وقد يفهم

من قوله: (وينكح) 1 أنه لا يوكل، وكذا قاله ابن كج، وفيه احتمال لابن الرفعة.
3574 - قول "المنهاج" [ص 381]: (ولو نكح السفيه بلا إذن.. فباطل، فإن وطئ.. لم يلزمه شيء) يشمل المهر، وصرح به "الحاوي" 2، واستشكله الرافعي؛ لأنه حق للزوجة، وقد تزوَّج جاهلة بحاله 3. وأجاب عنه بعضهم: بأن حقها بطل بتمكينها، ونقل الماوردي: أن محل الخلاف عند البصريين: عند جهلها، وإلا.. فلا مهر قطعاً، وعند البغداديين: أنه في الحالين 4. وصورة سقوط المهر: أن تكون المرأة رشيدة، فإن كانت سفيهة.. وجب لها مهر المثل كما ذكره النووي في "فتاويه".
قال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": وينبغي أيضاً استثناء من زوجت بالإجبار؛ فإنه لا تقصير من جهتها؛ فإنها لم تأذن والتمكين واجب عليها، وهذه صورة لا مهر في الوطء فيها مع انتفاء الحد، وقد ذكر "الحاوي" معها صورتين أخرتين: الأولى: أن يزوج عبده أمته.
والثانية: أن يعتقها مريض وهي ثلث ماله وينكحها ويموت.. فلا مهر فيهما 5. وبقيت صورة رابعة، وهي: ما إذا نكح كافر كافرة بالتفويض واعتقد أن لا مهر ثم أسلما، وهي مذكورة في نكاح المشركات.
وخامسة، وهى: وطء النبي صلى الله عليه وسلم، فمن خصائصه: أنه لا يجب عليه مهر وإن لم يكن العقد بلفظ الهبة.
وسادسة بحثها الرافعي فيما لو أصدق الحربي امرأته مسلمًا استرقوة وأقبضها إياه ثم أسلما وانتزع من يدها.. أنه لا يجب مهر كما لو أصدقها خمراً وأقبضها ثم أسلما 6. قال في "التوشيح": وبقيت صور لا عقر فيها ولا حد، ولكن فيها التعزير؛ منها: وطء الميتة على خلاف في الحد، ومنها: وطء جاريته المرتدة، ومنها: وطء أخته المملوكة على خلاف فيه، ومنها: وطء الموقوفة على خلاف فيه، ومنها: وطء البائع الجارية المبيعة؛ ففي كل من وجوب الحد والمهر خلاف، ثم قال: ومما ينبغي النظر فيه أيضاً أنه هل المراد بالعقر: المهر

فيرد أيضاً وطء المملوكة، أو المال مطلقاً فلا يرد؟ لأن وطئه صادر بعد ملكه بعوض من شراء أو ميراث أو غيرهما.
انتهى.
3575 - قول "التنبيه" في كثير من نسخه [ص 157]: (وإن كان يكثر الطلاق.. سُرِّي بجارية) و"الحاوي" [ص 458]: (وإن كان مطلاقاً.. سُرِّي بأمة) صوابه: حذف الباء، وكذا هو في نسخة الشيخ من "التنبيه"، نبه عليه النووي في "تحريره" 1، لكنه عبر به في "الروضة" أيضاً 2، ومقتضى هذا الكلام: أنه لا يسري ابتداءً، والظاهر جوازه، وأنه إنما أريد بالتقييد بكثرة الطلاق: تعين التسري.
3576 - قول "المنهاج" [ص 381]: (ومن حجر عليه بفلس.. يصح نكاحه، ومؤن النكاح في كسبه) أي: فإن لم يكن له كسب.. ففي ذمته إلى فك الحجر عنه.
3577 - قول "المنهاج" [ص 381]: (ونكاح العبد بلا إذن سيده باطل، وبإذنه صحيح)، وقول "التنبيه" [ص 157]: (وإن كان كبيراً.. تزوج بإذن المولى) لا فرق فيه بين أن يكون السيد ذكراً أو أنثى، وفي تناول اللفظ للأنثى نظر، وقد صرح بذلك "الحاوي" بقوله [ص 455]: (ونُطق السيدة) وأشار إلى أنه لا يكفي سكوتها ولو كانت بكراً.
3578 - قول "التنبيه" [ص 157]: (وإن كان عبداً صغيراً.. زوجه المولى) ثم قال في العبد الكبير: (وهل للمولى أن يجبره على النكاح؟ فيه قولان، أصحهما: أنه ليس له إجباره) 3 الأصح عند الرافعي والنووي: أنه يجري في الصغير القولان في الكبير 4، والأظهر: المنع، والمجنون في معنى الصغير؛ ولهذا أطلق "المنهاج" قوله [ص 382]: (والأظهر: أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح) وعليه مشى "الحاوي" 5، بل حكى الدزماري طريقة ثالثة، وهي: القطع بمنع تزويج الصغير؛ لأن في الكبير غرضاً ظاهراً، وهو الصيانة، بخلافه، لكن ذكر الرافعي في (الرضاع): أنه لو زوج مستولدته من عبده الصغير، فأرضعته بلبن السيد.. حرمت على السيد والصغير معاً 6، وفي التحليل عن الأئمة - إن أَسْلَمَ - طريق في الباب، وأدفعه للعار والغيرة: أن تزوج بعبد طفل للزوج أو غيره، وتستدخل حشفته، ثم تملكه ببيع أو هبة.. فينفسخ النكاح،

ويحصل التحليل إذا اكتفينا بوطء الصغير، لكنه قال عقبه: ويتعلق بأصل آخر، وهو إجبار العبد الصغير.
قال في "المهمات": وهو تصرف منه مناف لكلامهم، ورجح في "المهمات" تزويج العبد الصغير، وقال: إنه نص الشافعي والأصحاب والقياس الجلي.
3579 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وله إجبار أمته بأيّ صفة كانت) 1 يستثنى منه: أنه ليس له تزويجها لمن به عيب يثبت الخيار، وقد صرح به "التنبيه" بعد ذلك في (باب الخيار في النكاح) و (الرد بالعيب) 2، والمراد أيضاً: الكاملة الرق، أما المبعضة.. فلا تجبر.
3580 - قولهما: (وقيل: إن كانت محرمة عليه.. لزمه تزويجها) 3 المراد: التحريم المؤبد كما ذكره ابن الرفعة وغيره، وقيد ابن يونس في "النبيه" الوجوب بالبلوغ؛ لانتفاء الحاجة مع الصغر، وهو واضح.
3581 - قول "التنبيه" في المكاتبة [ص 158]: (وإن دعت إلى تزويجها.. فقد قيل: يجب، وقيل: لا يجب) صحح ابن الرفعة الأول، والنووي الثاني 4. 3582 - قول "المنهاج" [ص 382]: (ولا يُزَوِّج وليٌ عَبْدَ صبيٍّ) كذلك المجنون والسفيه، فلو عبر بـ (المحجور).. لكان أولى، والصبية والمجنونة والسفيهة كذلك.
3583 - قول "التنبيه" في أمة المرأة [ص 158]: (فإن كانت المرأة غير رشيدة.. فقيل: لا تزوج، وقيل: يزوجها أب المرأة أو جدها) الأصح الثاني، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 382]: (ويزوج أمته في الأصح) أي: أمة الصبي، والصبية في معناه، وتعبير "التنبيه" بغير الرشيدة أعم 5، لكنه خاص بالأنثى، فلو عبر بـ (المحجور): لكان أعم، وإنما يجوز ذلك بشرط الغبطة؛ ولهذا قال الحاوي [ص 455]: (ووليه بالمصلحة).
وفي وجه ثالث: يزوج أمة الصبية دون أمة الصبي، وحكي عن النص، قال الإمام: ويجوز تزويج أمة الثيب الصغيرة وإن لم تزوج السيدة، وليس للأب تزويج أمة بنته البكر البالغة قهراً وإن زوج السيدة 6. قال الرافعي: وهذا يوافق وجهاً للأصحاب في أن ولي المال يزوج أمة الصغير والمجنون،

والأظهر: أن الذي يزوجها هو ولي النكاح الذي يلي المال، وعلى هذا لا يزوج الأب أمة الثيب الصغيرة، انتهى 1. 3584 - قول "التنبيه" [ص 159]: (وإن كانت حرة.. لم يجز - أي العزل عنها - إلا بإذنها، وقيل: يجوز من غير إذنها) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" [473] وقال الإمام: وحيث حرمنا.. فذاك إذا نزع بقصد أن يقع الإنزال خارجاً تحرزاً عن الولد، فأما إذا عنَّ له أن ينزع لا على هذا القصد.. فيجب القطع بأن لا يحرم 2.

باب ما يَحْرُم من النّكاح

3585 - قال ابن الرفعة: المراد بالتحريم هنا: عدم الصحة، قال السبكي: لا ضرورة إلى هذا، بل التحريم هنا على حقيقته ومعه عدم الصحة.
3586 - قول "التنبيه" [ص 160]: (ويحرم على الرجل نكاح الأم والجدات... إلى آخره) ولا معنى لتخصيص ذلك بالرجل.. فإن التحريم شامل للنوعين؛ ولهذا أطلق "المنهاج" فقال [ص 383]: (تحرم الأمهات... إلى آخره) واكتفيا بتفصيل المحرمات عن ذكر ضابطهن، وذكر لهن "الحاوي" ضابطين فقال [ص 460]: (وحرم من النسب والرضاع غير ولد الخؤولة والعمومة) ثم قال [ص 461]: (أو على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل) ويرد على الضابط الثاني ما ورد على "التنبيه" في التقييد بالرجل، وأنه لا بد من تقييد قوله [ص 461]: (وأول فصل من كل أصل) بقوله: (بعده) أي: بعد أول الأصول؛ للاحتراز عن التكرار بدخول الأخوات.
3587 - قول "الحاوي" [ص 460]: (لا ولد الزنا على الأب) احترز به عن الأم؛ فإنه يحرم عليها نكاح ولدها من الزنا، لكن أورد عليه: أن انتفاء الحرمة لا يختص بالأب؛ فإن أقاربه كذلك، لكن يعرف حكمهم من حكمه؛ لإدلائهم به، وعبر "المنهاج" عن ذلك بقوله [ص 383]: (والمخلوقة من زناه تحل له، ويحرم على المرأة ولدها من زنا) وقد يفهم منه الحل المستوي الطرفين، وليس كذلك، بل هو مكروه.
3588 - قول "المنهاج" [ص 383]: (وكل من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو من ولدك، أو ولدت مرضعتك، أو ذا لبنها.. فأم رضاع) يرد على هذا الضابط: من أرضعت ذا اللبن.
3589 - قول "التنبيه" [ص 160]: (وما حرم من ذلك بالنسب حرم بالرضاع) استثنى "المنهاج" و"الحاوي" من ذلك أربع صور، فقال المنهاج [ص 383]: (ولا يحرم عليك من أرضعت أخاك ونافلتك، ولا أم مرضعة ولدك وبنتها) وعبر "الحاوي" عن الأخيرة بأخت الولد 1، وهو الذي عبر به الرافعي 2، وحذف في "التعجيز" أم الحافد، وزاد ثلاث مسائل، وهي: أم العم، وأم الخال، وأخو الابن، وصورة هذه الأخيرة في امرأة لها ابن، ثم إن ابنها

ارتضع من امرأة أجنبية لها ابن.. فذلك الابن أخو ابن المرأة المذكورة أولاً، ولا يحرم عليها أن تتزوج بهذا الذي هو أخو ابنها.
وقال النووي في "الروضة": كذا قال جماعة من أصحابنا تستثنى الصور الأربع، وقال المحققون: لا حاجة إلى استثنائها؛ لأنها ليست داخلة في الضابط؛ ولهذا لم يستثنها الشافعي وجمهور الأصحاب ولا اسْتُثْنِيَتْ في الحديث الصحيح: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" 1 لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ، وإنما حرمت لكونها أماً أو حليلة أب، ولم يوجد ذلك في الصورة الأولى، وكذا القول في باقيهن 2، وسبقه إليه الرافعي فقال في (الرضاع): قد يقال: المراد: ما يحرم من النسب، والتحريم في تلك الصور ليس من جهة النسب، وإنما هو من جهة المصاهرة 3. 3590 - قول "المنهاج" [ص 383]: (وعكسه) أي: لا تحرم عليك أخت أخيك لأمك لأبيه، وهو من زيادته على "المحرر" و" الشرحين".
3591 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وكذا بناتها - أي: الزوجة - إن دخلت بها) 4 قد يفهم حل المنفية باللعان إذا لم يدخل بالملاعنة؛ لأنها بنت زوجة لم يدخل بها، ولم يثبت كونها بنتاً، والأصح: تحريمها، وقد ذكرها "الحاوي" قبل ذلك فقال [ص 460]: (كالمنفية) أي: باللعان.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأقرب عندي: أن المحرمية لا تثبت لها، وإن ثبتت الحرمة.. قال: ولم أقف فيه على نقل صريح، وظاهر كلامهم إن الربيبة لا تحرم باستدخال أمها ماء الزوج، لكن في "الروضة" وأصلها 5 الجزم بأن استدخال الماء يثبت المصاهرة، ومقتضاه: تحريم الربيبة.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذا الموضع مما أخالف فيه، وأجزم بعدم تحريم الربيبة بذلك؛ فإنه لم يوجد دخول.
واعلم: أن الثلاثة لما ذكروا محرمات المصاهرة.. لم يقيدوا ذلك بالنكاح الصحيح، وقيده به في "المحرر" فقال: (ويحرم بالنكاح الصحيح أمهات الزوجة... إلى آخره) 6، وقال في

"الدقائق": الصواب: حذف لفظ (الصحيح) كما حذفها "المنهاج" فإن حرمة المصاهرة تثبت بالنكاح الفاسد.
انتهى 1. قال في "المهمات": وهو غلط، وتقييد "المحرر" هنا صحيح، لكنه قال بعده: (ويحرم بالدخول في النكاح الصحيح بنات الزوجة... إلى آخره) 2، والتقييد هنا غير صحيح، فلا فرق في التحريم بالدخول بين الصحيح والفاسد، فأراد النووي التنبيه على الثاني.. فانتقل نظره إلى الأول فغلط.
انتهى بمعناه.
3592 - قول "التنبيه" [ص 160]: (ومن دخل بها الأب بملك أو شبهة) المراد: الشبهة القائمة به لا بالمرأة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 383]: (بشبهة في حقه - قيل: أو حقها -) و"الحاوي" [ص 461]: (بشبهته) فأضاف الشبهة إليه.
3593 - وقوله: (كما في العدة والنسب) 3 أورد عليه: أن ملك اليمين لا عدة فيه.
وجوابه: أن مراده: أن الاعتبار في الشبهة به كما أن الاعتبار بحاله فى العدة والنسب، وليس المراد: أنها كالزوجة في العدة والنسب.
وأورد على قوله [ص 461]: (كالزوجة) أنه يقتضي ثبوت المحرمية في وطء الشبهة حتى يجوز النظر والخلوة والمسافرة، وكذا صححه الإمام 4، والأصح عند الجمهور وحكوه عن النص: خلافه؛ ولهذا اقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على الحرمة 5. 3594 - قوله: (وفي المهر بشبهتها) 6 استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني: ما لو وطئها في النكاح بلا ولي.. فإنه يجب لها المهر وإن اعتقدت التحريم؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: " فإن أصابها.. فلها المهر بما استحل من فرجها" وهو حديث صحيح 7. 3595 - قول "التنبيه" [ص 160]: (فإن لمسها بشهوة أو وطئها فيما دون الفرج.. ففيه قولان) فيه أمور: أحدها: أن الأظهر: عدم التحريم بذلك، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 461]: (لا الملموسة) و"المنهاج" فقال [ص 384]: (وليست مباشرة بشهوة كوطء في الأظهر) والتقييد

بالشهوة ليس في "المحرر"، قال في "الدقائق": ولا بد منه 1. قلت: قال الإمام: منهم من أرسل ذكر الملامسة ولم يقيده بالشهوة، فيجوز الاكتفاء بها كما في نقض الطهارة 2. قال السبكي: وإطلاق نص الشافعي يقتضيه، وذكر الرافعي في الكلام على الإتيان في الدبر: أن القول بأن المباشرة بشهوة كالوطء قوي 3. ثانيها: ما حكيته من عبارته هو الذي وقفت عليه وأورده غير واحد بلفظ: (فإن لمسها بشهوة فيما دون الفرج) ليس فيه: (أو وطئها)، وأوردوا عليه: أنه لا فرق في اللمس بين الفرج وغيره، وبتقدير أن تكون عبارته كما حكوه.. فما احترز بقوله: (فيما دون الفرج) إلا عن الوطء.
ثالثها: ظاهر كلامه التحريم بالوطء في الدبر؛ لأنه فرج، وكذا هو مقتضى عبارة "المنهاج" و"الحاوي" 4، وهو الأصح.
3595/ 1 - قول "المنهاج" [ص 384]: (ولو اختلطت مَحْرَمٌ بنسوة قرية كبيرة.. نكح منهن، لا بمحصورات) عبارة "الحاوي" [ص 461]: (معدودات) والمراد بهن: ما لا يعسر عدهن بمجرد النظر، ومثل الغزالي ما لا يعسر عدُّهُ بالعشرة والعشرين، وعكسه بالألف، قال: وبين الطرفين أوساط تلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشك.. استفت فيه القلب 5. 3596 - قولهما: (ويحرم جمع المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها) 6 لا يختص تحريم الجمع بهذه الصور، فيحرم أيضاً.. الجمع بين المرأة وخالة أحد أبويها أو عمة أحد أبويها، وضابطه: كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع لو كانت إحداهما ذكراً.. لحرمت المناكحة بينهما، واحترز بالقرابة والرضاع عن المصاهرة؛ فإنه يجوز الجمع بين المرأة وأم زوجها أو زوجة ولدها، وذكر في "الروضة" بدل المثال الثاني بنت زوجها، وكلاهما صحيح 7. قال الرافعي 8: وقد يستغنى عن قيد القرابة والرضاع بأن يقال: يحرم الجمع بين كل امرأتين

أيتهما قدرت ذكراً.. حرمت عليها الأخرى؛ فإن أم الزوج وإن حرمت عليها إذا قدرت ذكراً زوجة الابن.. لا تحرم على زوجة الابن لو قدرت ذكراً أم الزوج؛ لأنها حينئذ أجنبية، وأسقط ذلك في "الروضة" 1، واعتمده "الحاوي" فقال [ص 462]: (وثنتين أيةٌ فرضت ذكراً بينهما مُحَرِّمٌ).
ونقضه بعضهم بالمرأة وأمتها، فيجوز جمعهما، وأيتهما قدرت ذكراً.. لم تنكح الأخرى.
3597 - قول "المنهاج" [ص 384]: (فإن جمع بعقد.. بطل، أو مرتباً.. فالثاني) محله: ما إذا عُلمت السابقة، فلو جهلت.. بطلا أيضاً، ولو علمت الأولى ثم نسيت.. اجتنبهما.
3598 - قوله في ملك الأختين: (فإن وطئ واحدة.. حرمت الأخرى حتى يُحَرِّم الأولى ببيعٍ) 2 لو عبر بـ (زوال الملك) كما فعل "الحاوي" 3.. لكان أولى؛ ليتناول الهبة مع الإقباض والعتق والوقف.
3599 - قول "المنهاج" عطفاً على المنفي [ص 384]: (وكذا رهن في الأصح) أي: مع الإقباض؛ فإنه محل الخلاف، فإن لم يقع إقباض.. لم تحل الثانية قطعاً.
3600 - قول "التنبيه" [ص 160]: (وإن وطئ أمة بملك اليمين ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها.. حلت المنكوحة وحرمت المملوكة) فيه أمران: أحدهما: أنه لا يتقيد ذلك بأن يطأها.
ثانيهما: لا يختص هذا الحكم بأن يكون التزوج متأخراً، فلو تقدم.. كان الحكم كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 384]: (ولو ملكها ثم نكح أختها أو عكس.. حلت المنكوحة دونها) وكأن "التنبيه" إنما عبر بذلك لفهم غير المذكور من طريق الأولى.
3601 - قول "المنهاج" [ص 384]: (فإن نكح خمساً معاً.. بطلن) محله: ما إذا لم يكن فيهن أختان، فإن كان.. بطل فيهما، وفي الباقيات قولا تفريق الصفقة، وأصحهما: الصحة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 462]: (ولو فيه أختان.. فيهما).
3602 - قول "التنبيه" هنا [ص 161]: (وتحرم المطلقة ثلاثاً على من طلقها) أي: حتى تنكح زوجاً غيره ويطأها؛ وذلك في الحر، أما العبد: فيحصل التحريم بطلاقه ثنتين، وقد بين ذلك في (باب الرجعة) فقال: (وإن طلق الحر امرأته ثلاثاً، أو طلق العبد امرأته طلقتين.. حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، ويطأها في الفرج، وأدناه: أن يغيب الحشفة في الفرج) 4 وفيه أمور:

أحدها: أن المراد بالفرج: القبل دون الدبر، وقد صرح بذلك "المنهاج" 1، وهو من زيادته على "المحرر" من غير تمييز، ولم يفصح "الحاوي" بذلك، بل اقتصر على قوله [ص 462]: (حتى يولج قدر الحشفة).
ثانيها: لا بد مع ذلك من الانتشار كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 2، وسواء قوي الانتشار وضعيفه، فيستعين بأصبع، قال في "الروضة": فإن لم يكن انتشار أصلاً؛ لتعنين أو شلل أو غيرهما.. لم يحلل على الصحيح، وبه قطع الجمهور 3. وقال السبكي: المراد: سلامة العضو من العنة والشلل، وأن يكون له قوة الانتشار، وأما الانتشار بالفعل.. فلم يشترطه أحد.
ثالثها: المراد: تغييب الحشفة إن كانت موجودة، فإن كانت مقطوعة.. اكتفي بإيلاج قدرها من بقية الذكر على الصحيح، وقد ذكره "التنبيه" بعده، وكذلك قال "المنهاج" [ص 384]: (حشفته أو قدرها) وهو أحسن من قول "الحاوي" [ص 462]: (حتى يولج قدر الحشفة) لأن القدر إنما هو عند الفقد كما تقدم.
ويرد عليهم معاً أمور: أحدها: أن الاكتفاء بتغييب الحشفة أو قدرها محله: في الثيب، أما البكر: فأدناه: أن يفتضها بآلته كما حكاه الرافعي عن البغوي وأقره 4، وحكاه المحاملي عن نصه في "الأم" 5، ولم يتعرض له الجمهور، وأوّل بعضهم النص على أن الغالب إزالتها بتغييب الحشفة، وعن الماوردي: أن إصابة البكر الافتضاض، وليس بشرط في الإباحة، بل شرط في التقاء الختانين الذي هو شرط الإباحة 6. ثانيها: يستثنى من كلامهم: ما إذا وطئها في حال ردته ثم عاد إلى الإسلام.. فالأصح: أنها لا تحل؛ لاضطراب النكاح، ولو طلقها رجعياً باستدخال الماء قبل الدخول بناء على ثبوت الرجعة باستدخال الماء - وفيه اختلاف ترجيح - ثم وطئها في العدة.. لم تحل للأول وإن راجعها فيها على الأصح المنصوص، وعن ابن المنذر: أن حديث رفاعة دال على أنه إذا واقعها وهي مغمى عليها لا تحس باللذة.. لا تحل.

ثالثها: لا بد مع ذلك من فراق الثاني وانقضاء عدته، وإنما أغفلوا ذكره؛ لوضوحه، أو لأن تحريم الطلاق الثلاث قد ارتفع وخلفه تحريم زوجية الغير أو عدته.
3603 - قول "التنبيه" [ص 183]: (وإن طلقها ثلاثاً وغاب عنها، فادعت أنها تزوجت بزوج أحلها له ولم يقع في قلبه صدقها.. كره له أن يتزوجها) أي: ولو كذبها الزوج الثاني، وصدق في أنه لا يلزمه إلا نصف المهر، أما لو كذبها الزوج الثاني والولي والشهود.. ففي "الروضة" من زيادته عن إبراهيم المروذي: أنها لا تحل على الأصح 1، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح عندنا: الحل، وشاهده نص الشافعي، وهو قوله: ولو ذكرت أنها نكحت نكاحاً صحيحاً وأصيبت ولا يعلم.. حلت له 2، قال شيخنا: ويشهد له أيضًا تفريعهم على الجديد في إقرارها، قال: وجزم بما صححناه أبو الفرج الزاز، وفي "تهذيب البغوي" في صورة تكذيب الزوج والشهود: الحل من غير ذكر خلاف.
انتهى.
وقال في "المطلب": لا فرق بين أن يصدقها الولي والشهود أو يكذبوها.
نعم؛ إذا كذبها الولي.. فيظهر أنه لا يحل له الإقدام على تزويجها من الأول، ويزوجها الحاكم.
انتهى.
وهو موافق لما تقدم عن شيخنا من الجواز مع تكذيب الكل.
قال في "المطلب": ولا خلاف في أنها إذا ادعت نكاح زوج معين وأنه طلقها، فكذبها في الطلاق فقط.. أن القول قوله، فلا تحل للأول في الظاهر.
نعم؛ لو علم طلاقها.. حلت له في الباطن.
انتهى.
ولا يخفى أن محل حلها: إذا مضى زمن يمكن فيه ذلك، ومحله أيضاً: بالنسبة إلى الزوج المطلق أو إلى الحاكم أيضاً، ولكن أقامت بينه على الطلاق من الثاني، فأما إذا اعترفت بذلك بين يدي الحاكم ولم تقم عليه بينة.. فإنه لا يزوجها كما حكاه الرافعي قبل (باب دعوى النسب) عن "فتاوى البغوي"، وأقره 3، وقد حكاه البغوي عن القاضي حسين، لكن في "فتاوى القاضي حسين": أنها إذا ادعت علم الولي بوفاة زوجها أو طلاقه إياها، فأنكر.. حلفت، وزوجها الحاكم أو أمره بتزويجها.
3604 - قوله: (وإن تزوجها على أنه إذا أحلها طلقها.. ففيه قولان، أحدهما: أنه يبطل، والثاني: لا يبطل) 4 الأصح: البطلان، وقد ذكره "المنهاج"، وعبر عنه بقوله: (ولو نكح

بشرط أنه إذا وطئ طلق) (1) وهو أحسن من تعبير "التنبيه"، فالمعتبر في البطلان شرط الطلاق إذا وطئ وإن لم يكن فيه إحلالها لغيره.

فَصْلٌ [في نكاح الأمة]

3605 - قول "التنبيه" [ص 161]: (يحرم على الرجل نكاح جاريته) كذا لو ملك بعضها فقط، وقد صرح بذلك "المنهاج" و"الحاوي" 2. 3606 - قول "التنبيه" [ص 161]: (ويحرم على العبد نكاح مولاته) كذا لو كانت تملك بعضه فقط، وقد صرح بذلك "المنهاج" و"الحاوي" أيضاً 3. 3607 - قول "التنبيه" [ص 161]: (فإن تزوجت الحرة بعبد ثم اشترته.. انفسخ النكاح) كذا لو اشترت بعضه، ثم محل الانفساخ: أن يتم البيع، فإن فسخ في زمن الخيار.. فالنكاح بحاله، إلا إذا قلنا: إن الملك للمشتري.. ففيه خلاف، وهذا أيضاً إذا اشترته بغير (الصداق)، فإن اشترته بعين الصداق قبل الدخول.. فالأصح: أنه لا يصح الشراء ولا ينفسخ النكاح بل يستمر، وسيأتي ذلك في الصداق، ولا يختص هذا أيضاً بالشراء، فحصول الملك في الزوج أو الزوجة بأي سبب كان؛ كالشراء في انفساخ النكاح، وإنما ذكر الشراء؛ لأنه الغالب، وهو ظاهر إطلاق "المنهاج" و"الحاوي" أنه لا ينكح من يملكه أو بعضه، فإنه شامل للابتداء والدوام وللملك بأي سبب كان.
3608 - قول "التنبيه" [ص 160، 161]: (ويحرم على الحر نكاح الأمة المسلمة إلا أن يخاف العنت ولا يجد صداق حرة) لو حذف وصف الأمة أولاً بالإسلام وذكره في شروط الجواز كما فعل غيره.. لكان أولى؛ فإن تقييد التحريم بالمسلمة يفهم حل الكافرة، وليس كذلك، لكنه قال قبل ذلك: (ويحرم على المسلم نكاح الأمة الكتابية) 4 ويفهم من كونه لا يجد صداق حرة: ألاَّ يكون تحته حرة، وظاهر إطلاق "الحاوي" أنه لا فرق في الحرة التي تحته بين أن تصلح للاستمتاع أم لا 5، وسبقه إليه "المحرر" فقال: (والأحوط المنع وإن كانت لا تصلح للاستمتاع) 6، لكن خالفه "المنهاج" من غير تنبيه على أنه من زيادته فقال في شروط الجواز: (ألا تكون تحته حرة1

تصلح للاستمتاع، قيل: ولا غير صالحة) 1 وكأنه فهم من جعل "المحرر" مقابله أحوط أنه أصح، وفيه نظر؛ فالظاهر أن "المحرر" إنما أشار بكونه أحوط إلى ترجيحه، وكيف يقتصر في كتاب التزم فيه التنصيص على ما صححه المعظم على ضعيف من غير ذكر مقابله؟ ! وليس في "الروضة" و"الشرحين" تصريح بترجيح، وإنما نقلا ترجيح التقييد بصلاحية الاستمتاع عن صاحب "المهذب" والقاضي حسين، والقطع به عن ابن الصباغ وجماعة من العراقيين، ومقابله عن قطع الإمام والغزالي والبغوي 2. أما الحرة التي يقدر على نكاحها وليست تحته.. فالأصح: اشتراط صلاحيتها للاستمتاع بها كما صححه في "أصل الروضة" 3، وعليه مشى "المنهاج" 4، وكذا "الحاوي" فقال عطفاً على المنفي: (ورتقاء) 5 وقد يقال: إنه مستثنى من الأمرين معاً: أن يكون تحته حرة، أو يقدر عليها، لكن الصورة التي قبلها والتي بعدها إنما هي في الحرة المقدور عليها، لا التي تحته، وذلك ينفي استثناءها منهما معاً، وتعبير "المنهاج" بالعجز عن حرة 6، و"الحاوي" في محل المنع بالقدرة عليها 7 أحسن من قول "التنبيه" [ص 161]: (ولا يجد صداق حرة) فإنه قد يجد صداق حرة ولا يجد في البلد خلية عن زوج، أو يجدها لكن لا ترضى بنكاحه؛ لنقصه أو لغير ذلك، فيجوز له نكاح الأمة قطعاً.
ودخل في عبارتهم: الحرة الكتابية، وهي في ذلك كالمسلمة على الأصح، لكن قال ابن حزم في " المحلى": إن للشافعي في ذلك قولين، وإن آخر قوليه: الجواز، وابن حزم ثقة فيما ينقل؛ فلعله اطلع على نص للشافعي لم يطلع عليه أصحابه.
3609 - قول "الحاوي" [ص 463]: (وبعيدة الغيبة) لا يختص الجواز ببعد غيبتها، بل لو قربت وخشي الزنا في مدة قصدها.. جاز له نكاح الأمة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 385]: (فلو قدر على غائبة.. حلت أمة إن لحقه مشقة ظاهرة في قصدها، أو خاف زناً مدته) وضبط الإمام المشقة: بأن ينسب متحملها في طلب زوجة إلى الإسراف ومجاوزة الحد 8.

3610 - قول "المنهاج" [ص 385]: (ولو وجد حرة بمؤجل.. فالأصح: حل أمة) محل الخلاف: أن يتوقع القدرة على ذلك المؤجل عند المحل، وإلا.. فتحل الأمة قطعاً، ومراد "التنبيه" و"الحاوي" بالعنت: الزنا 1، كما صرح به "المنهاج" 2، والمراد بخوفه كما قال الإمام: أن يتوقعه لا على سبيل الندور، فإن غلبت الشهوة وضَعُف التقوى.. فخائف، وإن ضعفت وله دين أو مروءة أو حياء يمنعه.. فلا، وإن غلبت وقوي التقوى.. فكذا في أصح احتماليه 3، وقطع به في "الوجيز" 4، والثاني: إن ضره الصبر أو أمرضه.. حلت الأمة، وجزم به في "الوسيط" مذهباً، قال: هالا.. فالصبر أحسن ولا يبعد أن يترخص 5، ويخرج بخوف الزنا المجبوب؛ فإنه لا يتصور منه، فلا ينكح الأمة عند الإمام والمتولي 6، وصحح الروياني الجواز له وللخصي إن خافا الإثم، وفي "فتاوى القاضي حسين": أنه ليس للعنين نكاح الأمة، لكن في "القواعد" للشيخ عز الدين بن عبد السلام: أن الممسوح له نكاح الأمة بناء على الأصح أنه لا يلحقه الولد 7، وفي "أصل الروضة": من استجمع شروط نكاح الأمة ليس له نكاح أمة 8 صغيرة لا توطأ على الأصح؛ لأنه لا يأمن بها العنت 9، وطرد الجيلي ذلك في الرتقاء والقرناء، وهو واضح.
3611 - قول "المنهاج" [ص 385]: (فلو أمكنه تَسَرَّ.. فلا خوف في الأصح) عبر في "الروضة" بالمذهب 10، ولو قال كما في "المحرر": (لم ينكح الأمة) 11.. لكان أحسن؛ فإنه لا يحسن جعل الوجهين في الخوف؛ فإن التسري المقدور عليه يمنع منه قطعاً؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 463]: (أو أمن العنت ولو بسرية).
3612 - قول "المنهاج" [ص 385]: (ويحل لحر وعبد كتابيين أمة كتابية على الصحيح) وهو

مفهوم "التنبيه" و"الحاوي" 1 يفهم أنه يشترط في جواز نكاح الحر الكتابي الأمة خوف العنت وفقد طول الحرة؛ لأنهم جعلوا الكتابي في ذلك كالمسلم إلا في نكاح الأمة الكتابية، وهذا هو الذي فهمه السبكي، وقال: لم يصرح الرافعي والنووي وغيرهما باعتبار هذين الشرطين في الحر الكتابي، وهما خوف العنت وفقد طول الحرة.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ظاهر القرآن يدل على أن الشروط إنما تعتبر في حق المؤمن؛ بدليل قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ... ﴾ إلى آخره، قال: والذي أعتقده أن الشروط إنما تعتبر في حق المؤمنين الأحرار.
3613 - قول "التنبيه" [ص 161]: (وإن جمع بين حرة وأمة.. ففيه قولان، أحدهما: أنه يبطل النكاح فيهما، والثاني: أنه يصح في الحرة ويبطل في الأمة) الأصح: الثاني كما في "المنهاج"، وعليه مشى "الحاوي" 2، وهو تكرير؛ لدخول المسألة في عبارته في البيع، وصورة المسألة في الحر، أما العبد: فله الجمع بينهما قطعاً، وصورة "المنهاج" فيمن لا تحل له الأمة، ومقتضاه: الحل قطعاً في الحر الذي تحل له الأمة؛ كمن وجد حرة تسمح بمؤجل أو بدون مهر المثل أو بلا مهر، أو وجد طول حرة كتابية وقلنا: إن ذلك لا يمنع الأمة، وليس كذلك، فتبطل الأمة والحرة، قيل: على القولين، وهو الأظهر عند الإمام والرافعي في "الشرح الصغير" 3، وقال جماعة: يبطل قطعا بجمعه من له أفراد كل منهما، فبطلتا كالأختين، وجزم الجرجاني في "المعاياة" بصحتهما كما اقتضاه مفهوم "المنهاج"!.
وقال ابن الصلاح: إنه لا يعرف لغيره، وقال ابن الرفعة: ولم أره في غيره.
قال السبكي: وهو في "الشافي" له أيضاً.
قال شيخنا ابن النقيب: وحكاه في "البحر" عن القاضي الطبري 4، وحكى في "الذخائر" طريقة رابعة، وهي: القطع بصحة نكاح الحرة وبطلان نكاح الأمة، والمراد: جمعهما في عقد، فلو فصّل؛ بأن قال: زوجتك بنتي بألف، وزوجتك أمتي بمائة، فقبل نكاح البنت فقط، أو قبل البنت ثم الأمة.. صح نكاح البنت قطعاً، ولو قدمت الأمة في تفصيلهما إيجاباً وقبولاً.. صحتا حيث جازت الأمة كقبول الحرة بعد صحة نكاح الأمة، ولو فصل الإيجاب فجمع القبول أو عكسه.. فكتفصيلهما، وقيل: كجمعهما.

فَصْلٌ [نكاح الكتابية والمشركة]

3614 - قول "المنهاج" [ص 385]: (يحرم نكاح من لا كتاب لها كوثنية) ظاهر إطلاقه تحريمها على الكتابي أيضاً، وكذا يقتضيه إطلاق "الحاوي" و"الروضة" وأصلها 1، وقيد "التنبيه" ذلك بالمسلم فقال [ص 160]: (ويحرم على المسلم نكاح المجوسية والوثنية) ومقتضاه: حلها للكتابي، وفي ذلك وجهان في "الكفاية".
وهل تحرم الوثنية على الوثني؟ قال السبكي: ينبغي إن قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع.. حرمت، وإلا.. فلا حل ولا حرمة، فعلى التحريم يأثم بوطئها.
3615 - قول "المنهاج" [ص 385]: (ومجوسية) يقتضي أن المجوس لا كتاب لهم، وفيه قولان، رجح في "الروضة" وأصلها 2 أنه كان لهم كتاب فرفع، قال السبكي: وهو المختار، وقد رأيته، ورأيته في كتاب "اختلاف الحديث" صريحاً.
انتهى 3. وحكى ابن الرفعة أن المنصوص في "الأم" و"المختصر": أنه لا كتاب لهم 4، فيحمل لفظ "المنهاج" على أنه لا كتاب لهم الآن، ومقابله على أنه كان لهم فرفع كما هو صريح لفظه، ولم يتعرض "التنبيه": و"المحرر" و"الحاوي" لذلك، بل اقتصروا على أنه لا يحل نكاحها، وظاهر مفهوم "التنبيه": حل الكتابية مطلقاً 5، وفصل "المنهاج" فقال [ص 386]: (فإن لم تكن الكتابية إسرائلية.. فالأظهر: حلها إن عُلم دخول قومها في ذلك الدين قبل نسخه وتحريفه) وفيه أمران: أحدهما: أن مقتضاه: حل الإسرائلية ولو علم دخول قومها بعد النسخ والتحريف، وليس كذلك، فمتى لم يدخل قومها إلا بعد النسخ.. لم تحل؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 464]: (أو إسرائلية قبل النسخ) وعبارة "الروضة": وأما الدخول بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم.. فلا تفارق فيه الإسرائلية غيرها 6. ثانيهما: أن مقتضاه: أنه متى علم دخول قومها في ذلك الدين قبل نسخه لكن بعد تحريفه..

لا تحل مطلقاً، وليس كذلك، بل محله: ما إذا دخلوا في المحرف، فإن تمسكوا بالحق منه وتجنبوا المحرف.. حل نكاحها؛ وهذا وارد أيضاً على قول "الحاوي" [ص 464]: (عُلم آمن أول آبائها قبل التحريف) ومقتضى عبارتهما: التحريم إذا شك هل دخلوا قبل التحريف أو بعده، وهو كذلك، وكذا تحرم ذبائحهم لكن يقرون بالجزية، وقال "السبكي": ينبغي الحل فيمن علم أصل دخولهم وجهل وقته، وإلا.. فما من كتابي اليوم لا يعلم أنه إسرائلي إلا ويحتمل فيه ذلك، فيؤدي إلى ألاَّ تحل ذبائح أحد منهم اليوم ولا مناكحته، بل ولا في زمن الصحابة؛ كبني قريظة والنضير وقينقاع، قال: وطلب مني بالشام منعهم من الذبح فأبيت، ومنعهم قبلي محتسب بفتوى بعضهم، ولا بأس بالمنع إن رآه مصلحة، وأما الفتوى به.. فجهل 1. انتهى.
3616 - قول "المنهاج" [ص 386]: (ويجبر على غسل حيض ونفاس) يفهم اختصاص ذلك بالكتابية، لا سيما وقد قال بعده: (وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها) مع أن ذلك لا يختص بها، فالمسلمة كذلك؛ ولذلك قال "التنبيه" في مطلق الزوجة [ص 159، 160]: (وله أن يجبرها على ما يقف عليه الاستمتاع، كالغسل من الحيض وترك السكر) بل لا يختص ذلك بالزوجة؛ فإن الأمة كذلك.
نعم؛ تختص الكتابية بنيابة الزوج عنها في النية بخلاف المسلمة العاقلة.
قال القاضي أبو الطيب: ولا أعلم من فرق بين الشافعي والحنفي، فللحنفي إجبارها وإن جاز عنده وطء الحائض قبل الغسل؛ لأنه قد يحتاط للوطء.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وفيه نظر.
قلت: وجهه: أن هذا يتوقف عليه كمال الاستمتاع لا أصله على عقيدته، فهو محل الخلاف، والله أعلم.
3617 - قول "التنبيه" [ص 160]: (وأما ما يكمل به الاستمتاع؛ كالغسل من الجنابة واجتناب النجاسة وإزالة الوسخ والاستحداد.. ففيه قولان) فيه أمور: أحدها: الأظهر: إجبارها عليه؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 386]: (وكذا جنابة وترك أكل خنزير في الأظهر) لكن أفهم كلامه اختصاص ذلك بالكتابية كما تقدم، وكذا فرض الرافعي الخلاف في غسل الجنابة في الكتابية، وقال: أما المسلمة: فهي مجبرة على الغسل من الجنابة، كذا أطلقه البغوي 2. قال النووي: ليس هو على إطلاقه، بل هو فيما إذا طال بحيث حضر وقت صلاة، فأما إذا لم

تحضر صلاة.. ففي إجبارها القولان، وهما مشهوران، حتى في "التنبيه"، والأظهر من القولين: الإجبار.
انتهى 1. وقد عرفت أن "التنبيه" لم يخص المسألة بالمسلمة، بل أطلق القولين، فتناول المسلمة والذمية، لكن عرفنا بذلك أن محل القولين في المسلمة: إذا لم تحضر صلاة، فإن حضرت.. وجب قطعاً، وليس ذلك لحقه، بل لحق الله تعالى.
ثانيها: أطلق الخلاف في اجتناب النجاسة، وقد قال "المنهاج" [ص 386]: (وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها) فلم يجعل ذلك موضع خلاف، وصرح في "الروضة" وأصلها بنفي الخلاف في ذلك، وعبارة "الروضة": ومتى تنجس فمها أو عضو آخر.. فله إجبارها على غسله بلا خلاف، ليمكنه الاستمتاع به؛ وله منعها من لبس جلد الميتة قبل دباغه ولبس ما له رائحة كريهة.
انتهى 2. لكن اعترض ذلك في "المهمات" وقال: فيه قولان حكاهما في "التنبيه".
انتهى.
وقد يقال: هما مسألتان، فالخلاف الذي في "التنبيه" في إجبارها على اجتنابه، والجزم الذي في "الروضة" في إجبارها على غسله بعد مخامرته، وهذا مقتضى اللفظ، وفقهه واضح.
ثالثها: محل الخلاف في الأوساخ: إذا لم تفحش، فإذا فحشت بحيث أدت إلى النفرة.. أجبرت على إزالتها قطعاً، وعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بالصواب 3، وأجاب عنه في "التوشيح": بأن ذلك يقف عليه الاستمتاع، فقد دخل في عبارة "التنبيه" أولاً، وكلامه هنا فيما يتوقف عليه كمال الاستمتاع.
3618 - قول "التنبيه" [ص 160]: (وهل تحرم المولودة بين الكتابي والمجوسية؟ فيه قولان) الأظهر: التحريم، كما ذكره "المنهاج" وعليه مشى "الحاوي" 4، وسوى في "المحرر" بين هذه الصورة وعكسها في إجراء الخلاف 5، والمعروف في عكسها الجزم بالتحريم كما هو في "التنبيه" و"المنهاج" 6. 3619 - قول "المنهاج" [ص 160]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 464]: (وإن خالفت السامرة اليهود، والصابئون النصارى في أصل دينهم.. حَرُمْنَ، وإلا.. فلا) ليس فيه بيان ما إذا شككنا

أيخالفونهم في الأصول أم الفروع؟ والمجزوم به في "الروضة" وأصلها أنهم لا يناكحون 1. وقال شيخنا الإمام البلقيني: ظاهر كلام الشافعي في "المختصر" الحل؛ حيث قال: والصابئون والسامرة من اليهود والنصارى إلا أن يعلم أنهم يخالفونهم في أصل ما يحلون من الكتاب ويحرمون.. فيحرموا كالمجوس 2. 3620 - قول "التنبيه" [ص 165]: (وإن انتقل المشرك من دين إلى دين يقر أهله عليه.. ففيه قولان، أحدهما: يقر عليه، والثاني: لا يقر) فيه أمران: أحدهما: أنه لا بد في تصوير المسألة من أن يكون الدين المنتقل عنه يقر أهله عليه، وتعبيره بالمشرك قد ينافي ذلك، لكن يساعده قوله في التفريع عليه: (والثاني: الإسلام أو الدين الذي كان عليه) 3 فدل على أن كلامه في الانتقال عن دين يقر أهله عليه، وقد صرح بهذه الصورة "المنهاج" فقال [ص 386]: (ولو تهود وثني أو تنصر.. لم يُقَرَّ، ويتعين الإسلام كمسلم ارتد).
ثانيهما: الأظهر: أنه لا يقر، كذا في "المحرر" و"المنهاج" و"الحاوي" 4، لكن صحح في "الشرح الصغير" مقابله، وهو أنه يقر بالجزية، ونقل تصحيحه في "الكبير" عن القاضي أبى حامد والبغوي ونص "المختصر" ولم ينقل فيه تصحيح الآخر عن أحد، وبناهما المتولي وغيره على أن الكفر ملة أو ملل، ورده الرافعي 5. قال ابن الرفعة: والشافعي في (كتاب الجزية) من "الأم" منع الانتقال مع تصريحه بأن الكفر ملة واحدة، وهو يضعف البناء 6. 3621 - قول "التنبيه" [ص 165]: (وما الذي يقبل منه؟ فيه قولان، أحدهما: الإسلام، والثانى: الإسلام أو الدين الذي كان عليه) الأظهر: الأول، كذا في "الشرح الصغير" وحكاه في "الكبير" عن الإمام 7، وعليه مشى "المحرر" و"المنهاج" و"الحاوي" 8، وعبارة "الروضة" في أصل المسألة: هل يقر بالجزية أم لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي انتقل منه؟ فيه أقوال:

أظهرها: الأول، ثم الثاني، ثم قال: قلت: الأصح: لا يقبل منه إلا الإسلام.
انتهى 1. فقوله: (أظهرها: الأول) هو ما صححه في "الشرح الصغير"، ونقل تصحيحه في "الكبير" عن القاضي أبي حامد والبغوي كما تقدم 2، وقوله: (ثم الثاني) هو ما صححه في "الصغير" تفريعاً على عدم التقرير، وحكاه في "الكبير" عن الإمام 3، ففي إطلاقه هذا التصحيح عن "الشرح الكبير"، نظر فإن أبى الإسلام على الأول، أو الإسلام وما كان عليه على الثاني.. فالأشبه في "الروضة" وأصلها - وصرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" -: أنه يلحق بالمأمن 4، وعليه مشى "الحاوي" في (الجزية) فقال بعد ذكر الاغتيال: (لا إن توثن) 5، وقيل: يقتل في الحال، وصححه في "الوجيز" 6 و"الذخائر"، وجزم به الماوردي في (السرقة)، وعليه مشى "الحاوي" هنا فقال بعد ذكر المنتقلة من التهود إلى التنصر وعكسه: (والصابئة السامرة إن خالفت الأصول، وتهدر) 7، وقوله بعده: (ولا تقرر) 8 غير محتاج إليه، وقواه السبكي، واستشكل الأول: بأنا إن قلنا: يقر.. فَلِمَ نخرجه من بلادنا؟ وإن قلنا: لا يقر.. فَلِمَ يبقى؟ فتبليغه المأمن مع عدم تقريره على ما انتقل إليه وعنه لا أدري كيف هو؟ ! فإنه إذا طلب عقد الذمة إن أجبناه.. لزم التقرير، وإلا.. فهو مقتول لا محالة.
انتهى.
قلت: وهذا الثاني هو الموافق للمصحح فيمن فعل ما ينتقض به عهده: أنه لا يبلغ المأمن، بل يقتل في الحال.
3622 - قول "المنهاج" [ص 386]: (ولا تحل مرتدة لأحد) كذا المرتد، وقد صرح به "التنبيه" [ص 160]، فقال: (لا يصح نكاح المحرم والمرتد والخنثى المشكل).
3623 - قوله: (وهو الذي له فرج الرجل وفرج المرأة، ويبول منهما دفعة واحدة، ويميل إلى الرجال والنساء ميلاً واحداً) 9 فيه أمور: أحدها: أنه لا ينحصر في ذلك؛ فالذي له مجرد ثقبة مشكل أيضاً.

ثانيها: لو بال منهما دفعة واحدة، لكن انقطع من أحدهما قبل الآخر.. فالأصح: أن الاعتبار بالمتاخر انقطاعاً، فلو كان أحدهما أسبق خروجاً والآخر أبطأ انقطاعاً.. فالحكم للأسبق خروجاً على الأصح.
ثالثها: كلامه يقتضي الحصر في البول منهما دفعة واحدة، وليس كذلك، فلو بال من هذا مرة ومن الآخر أخرى.. فهو مشكل إن استويا، فإن بال من أحدهما أكثر.. فالعبرة به، وكذا لو كان سبق أحدهما تارة والآخر أخرى.. اعتبر الأكثر، فإن استويا.. فمشكل.

باب نكاح المشرك

3624 - المراد بالمشرك هنا: كل كافر كتابياً كان أو غيره، وسمعت من شيخنا الإمام البلقيني: أن المشرك والكتابي كما يقول أصحابنا في الفقير والمسكين: إن جمع بينهما في اللفظ.. اختلف مدلولهما، وإن اقتصر على أحدهما.. تناول الآخر.
3625 - قول التنبيه [ص 164]: (إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين، أو أسلمت المرأة والزوج يهودي أو نصراني) أخرج به ما لو أسلم الرجل والمرأة يهودية أو نصرانية والحكم في هذه استمرار النكاح، وقد صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 1، لكن شرطه فيما إذا كان حراً: أن تكون حرة، فلو كانت أمة.. اشترط كونها ممن يحل له نكاحها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإسلام استقلالاً أو بالتبعية، لكن لو أسلمت المرأة مع أبي الطفل أو عقبه.. بطل النكاح كما قال البغوي 2، لتقدمها في الأولى؛ لأن إسلام الابن عقب الأب.
واستشكله الرافعي: بأن ترتب الولد على الأب لا يقتضي تقدماً زمانياً 3. قال السبكي: وهو مبني على ما صححوه من كون العلة الشرعية مع المعلول، والمختار عندي: تقدمها، فيتجه قول البغوي، وكذا قال شيخنا الإمام البلقيني: ما قاله البغوي في ذلك هو الفقه؛ فإن الحكم للتابع متأخر عن الحكم للمتبوع، فلا يحكم للولد بالإسلام حتى يصير الأب مسلماً، وأما في الثانية: فلأن إسلامها متأخر؛ فإنه قوليٌّ، فيتأخر عن إسلام الابن الذي هو حكمي.
3626 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فيقر على نكاح في عدة هي منقضية عند الإسلام) 4 أما إذا كانت العدة باقية.. فلا تقرير؛ لبقاء المفسد، وخص العبادي في "الرقم" ذلك بعدة النكاح، وقال في عدة الشبهة بالتقرير وإن بقيت؛ لأن الإسلام لا يمنع الدوام مع عدة الشبهة.
قال الرافعي: ولم يتعرض الجمهور لهذا الفرق 5، قال بعضهم: ويوافقه إطلاق "المنهاج" بعد ذلك قوله [المنهاج 387]: (وكذا لو قارن الإسلام عدة شبهة على المذهب) فإنه يتناول الشبهة المقارنة للعقد والطارئة بعده.
قلت: لم يرد إلا الطارئة بعده، ولولا ذلك.. لم يصح التعبير فيه بالمذهب، وقد قرر قبل ذلك

في المفسد المقارن للعقد أنه لا بد أن يكون زائلاً عند الإسلام، وعبارة "الحاوي" صريحة في إرادة الشبهة الطارئة؛ حيث قال [ص 465]: (وقرر لا إن قارن المفسد لا الطارئ إسلام أحدٍ) فاستثنى المفسد الطارئ من بين المفسدات.
وصور الرافعي المسألة بما إذا وطئت بشبهة بين الإسلامين، واستشكل القفال عروض هذه الشبهة؛ فإن أحدهما إذا أسلم.. جرت في عدة النكاح، وهي متقدمة على عدة الشبهة، فإسلام الآخر يكون في عدة النكاح لا في عدة الشبهة.
نعم؛ لو حبلت بالشبهة.. تقدمت عدة الشبهة وأمكن اقترانها بإسلام الآخر، وحينئذ.. يندفع النكاح اعتباراً بالابتداء.
وأجيب عن الإشكال: بأن التصوير لا يختص بترتيب إسلامها، بل لو وطئت بالشبهة ثم أسلما معاً في عدتها.. كان من صُوَرِها، وأيضاً: لو أسلم أحدهما.. لم يتيقن جريانها في عدة النكاح إلا بالإصرار إلى انقضائها، أما لو أسلم المتخلف في العدة.. فإنه يتبين أن الماضي ليس عدة النكاح، بل عدة الشبهة 1. وإنما قلنا: أسلما معاً؛ لأنهما لو أسلما مرتباً في عدة الشبهة.. كانت عدة النكاح مقدمة على الصحيح، فيعود الإشكال، فإذا أسلما معاً.. دام النكاح، ولم يبق إلا تأثير عدة الشبهة على رأي.
ويرد على إطلاق "الحاوي" 2 أنه لا يضر مقارنة المفسد الطارئ ما لا يجوز تقرير النكاح معه؛ كالرضاع ونحوه، ويكفي في الإفساد مقارنة العدة لإسلام أحدهما ولو لم يقع إسلام الآخر إلا بعد انقضائها، أما المفسد الطارئ؛ كاليسار وأمن العنت في الأمة.. فإنه يجب اقترانه بإسلامهما على المذهب، وكذا لو قارن اليسار أو أمن العنت نكاح المشرك.. لم يمنع من التقرير، إلا إن استمر حتى قارن إسلامهما، كما صرح به الإمام، وحكاه عن الأصحاب 3، وعليه مشى "الحاوي" حيث قال بعد ما تقدم [ص 465، 466]: (واليسار أو أمن العنت في الأمة وإن طرأ إسلامهما) فسوى في اليسار وأمن العنت بين القديم والطارئ.
ويرد عليهم: أنه لو كان المفسد زائلاً عند الإسلام لكن اعتقدوا مع ذلك فساده.. فلا يقرون عليه.
3627 - قول "المنهاج" [ص 387]: (ولو أسلم ثم أحرم ثم أسلمت وهو مُحْرِمٌ.. أُقِرَّ على

المذهب) لا يفهم منه ترجيح طريقة القطع بالتقرير، فإن الاصح فيه: طريقة القولين، والطريقة الأخرى: القطع بعدم التقرير، وتعبيره بقوله: (ثم أحرم) أحسن من تعبير "الروضة" وأصلها بالواو 1، للتنصيص على أن إحرامه بعد الإسلام، لكن سهل الأمر في ذلك أن إحرام الكافر لا يصح.
وخرج بهذا التصوير ما لو أسلما معاً ثم أحرم.. فإنه يقر جزماً، فلو قارن إحرامه إسلامها.. فهل يقر جزماً أو من خلاف؟ قال السبكي: لم أر فيه نقلاً، والأقرب: الثاني.
3628 - قول "التنبيه" [ص 165]: (وإن أسلم الزوجان وبينهما نكاح متعة.. لم يقرّا عليه) محله: ما إذا لم يعتقدوا تأبيده، وإلا.. فيقر قطعاً، وهو داخل في قول "المنهاج" [ص 387] و"الحاوي" [ص 465]: (ومؤقت إن اعتقدوه مؤبداً).
3629 - قول "التنبيه" [ص 165]: (وإن قهر حربي حربية على الوطء أو طاوعته؛ فإن اعتقدا ذلك نكاحاً.. أقرا عليه، وإلا.. فلا) خرج به ما إذا كانا ذميين.. فلا يفيد قهر بعضهم لبعض شيئاً؛ لأنا مأمورون بكفهم عن ذلك، وقد ذكر ذلك "الحاوي" إلا أنه ذكره في صحة أنكحة الكفار، ولو ذكره في تقريرهم على أنكحتهم.. لكان أحسن، وعبارته: (ونكاح الكفر صحيح ولو غصباً لا في الذميين) 2، فلو قهر ذمي حربية.. كان كقهر الحربي حربية، ولو قهر الحربي ذمية.. فهو كقهر الذمي ذمية؛ لأن على الإمام دفع أهل الحرب عن أهل الذمة، وقد ذكر هاتين الصورتين الأخيرتين شيخنا الإمام البلقيني.
والأولى منهما واردة على عبارة "التنبيه" لأن مفهومه فيها عدم التقرير، والثانية واردة على عبارة "الحاوي" لأنه لم يستثن من التقرير على الغصب إلا الذميين، وقد عرفت أنه يستثنى غصب الحربي الذمية.. فإنه لا يقر عليه أيضاً.
3630 - قول "المنهاج" [ص 387] و"الحاوي" [ص 465]: (ونكاح الكفار صحيح)، عبارة "الروضة" وأصلها: (محكوم له بالصحة) 3. قال السبكي: ونِعِمَّا هي، ثم اختار أنها إن وقعت على وفق الشرع.. فصحيحة قطعاً، مع علمه بتصريح بعض الأصحاب بالخلاف فيه، وإلا.. فمحكوم لها بالصحة، ولا نقول: إنها صحيحة؛ لأن الصحة حكم شرعي، ثم حكى الرافعي عن مقتضى كلام المتولي وغيره تخصيص

الخلاف في ذلك بما يُفْسِدُ مثلَه الإسلامُ، وصوبه النووي، وفهم الرافعي من كلام الإمام طرده في الجميع 1. قال النووي: لم يصرح أحد بطرده ولا الإمام، ولكنه ألزم القائل بالفساد بأنه يلزمه طرده فيما يوافق الشرع أيضاً، ولهم الانفصال عنه بأن الظاهر إخلالهم بالشروط، فإن تصور علمنا بوجودها.. حكمنا بالصحة قطعاً 2. قال شيخنا الإمام البلقيني: وصواب العبارة: (وإن حصل علمنا باجتماعها) فالتصور لا يلزم منه الحصول.
انتهى.
وسيأتي من كلام الماوردي والروياني التصريح بوجود الخلاف مع وجود شروط الصحة، وقال الأصحاب تفريعاً على قول الفساد: لا نفرق بينهم لو ترافعوا إلينا، ونقرهم بعد الإسلام رخصة وخشية من التنفير.
قال السبكي: هذا إذا ترافعوا في شيء من لوازم النكاح، أما إذا ترافعوا إلينا في صحته وفساده ورضوا بحكمنا.. حكمنا بمقتضى شرعنا، وفرقنا بينهم إن اقتضاه الشرع كالمجوس فى المحارم، ونأمر من تحته أكثر من أربع باختيار أربع، أو أختان باختيار أحدهما، قال: وإن لم يسلموا ولا ترافعوا ولكن تجاهروا به.. ففي فسخه وجهان، وإن لم يتجاهروا.. لم يتعرض لهم، قال: وما أظن أحداً يقول بالفساد مطلقاً وإن جمعت الشرائط، كما أن صحتهما مطلقاً وإن فقدت الشرائط بعيد، لكن هذا محتمل إن لم نكلفهم بالفروع، بخلاف عكسه؛ لاحتمال فيه.
انتهى.
وفي المسألة طريقة أخرى برفع الأقوال وجعل المسألة على أحوال؛ إن وجدت الشرائط وانتفت الموانع.. فصحيحة، وعكسه فاسد، وإن فقدا.. لم نقل بالصحة، ولكن نقرهم عليها، صححها الروياني، وحكاها الماوردي عن الجمهور 3، وغلط من جعلها أقوالاً.
3631 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وأما الفاسد كخمر؛ فإن قبضته قبل الإسلام.. فلا شيء لها، وإلاَّ.. فمهر مثل) 4 يستثنى من ذلك: ما لو أصدقها حراً مسلماً استرقوه ثم أسلما قبل قبضه أو بعده.. فإنه لا يقر بيدها، ولها مهر المثل.
قال الرافعي: وقياس ما سبق أن يخرج من يدها، ولا ترجع بشيء كما تراق الخمر المقبوضة 5، وأورده شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بلفظ: الصواب، ثم ذكر استشكال

الرافعي 1، وقال في "التنقيح": والذي قاله إشكال قوي، فليطلب الفرق.
قلت: الفرق أنا نقر الخمر في أيديهم ولا نقرهم على استرقاق الحر؛ فلهذا وجب فيه المهر دون ذاك، وأشار في "المهمات" لهذا الفرق، وقد نص الشافعي في (سير الواقدي) من "الأم" على ما ذكره الأصحاب في مسألتي الخمر والحر، وأَلْحَقَ بالحُرِّ في ذلك عبد المسلم ومكاتبه وأم ولده 2، وقد يخرج الحر بقول "الحاوي" [ص 465]: (في نحو خمر) لأن الحر ليس نحو الخمر في ذلك كما بيناه، والمسألة في "التنبيه" في (الصداق) وعبارته [ص 167]: (وإن كانا ذميين وعقدا على مهر فاسد) ولا معنى لتقييد ذلك بالذميين؛ فالحربيان كذلك.
3632 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وإن قبضت بعضه.. فلها قسط ما بقي من مهر المثل) 3 لم يبينا كيفية التقسيط، هل هو باعتبار القيمة أو غيرها؟ وذكر "الحاوي" أنه باعتبار القيمة فقال [ص 465]: (ومهر المثل قسط ما لم يقبض قيمة) وهو خلاف المنقول عند اتحاد الجنس، وعبارة "أصل الروضة": وطريق التقسيط: أن ينظر، فإن سميا جنساً واحداً وليس فيه تعدد؛ كزق خمر قبضت نصفه ثم أسلما.. وجب نصف مهر المثل، وإن تعدد المسمى؛ كزقي خمر قبضت أحدهما؛ فإن تساويا في القدر.. فكذلك، وإلا.. فهل يعتبر الكيل أو الوزن أو العدد؟ أوجه، أصحها: الأول، فإن أصدقها خنزيرين.. فهل يعتبر عددهما أو قيمتهما بتقدير ماليتهما؟ وجهان، أصحهما: الثاني، وإن سميا جنسين فأكثر؛ كزقي خمر وكلبين، وثلاث خنازير، وقبضت أحد الأجناس.. فهل ينظر إلى الأجناس وكل جنس ثلث، أم إلى الأعداد فكل فرد سبع، أم إلى القيمة بتقدير المالية؟ أوجه، أصحها: الثالث، وحيث اعتبرنا تقويمها.. فهل طريقه أن يقدر الخمر خلاً والكلب شاة والخنزير بقرة أم الكلب فهداً؛ لاشتراكهما في الاصطياد، والخنزير حيواناً يقاربه في الصورة والفائدة، أم تعتبر قيمتها عند من يجعل لها قيمة؛ كتقدير الحر عبداً في الحكومة؟ فيه أوجه، أصحها: الثالث.
انتهى 4. 3633 - قول "التنبيه" - وهو في عقد الذمة - و"المنهاج" - والعبارة له -: (ولو ترافع إلينا ذمي ومسلم.. وجب الحكم) 5 كذا معاهد ومسلم.
3634 - قول "التنبيه" [ص 239]: (وإن تحاكم بعضهم مع بعض.. ففيه قولان، أحدهما:

يجب الحكم بينهم، والثاني: لا يجب) الأظهر كما في "المنهاج": وجوب الحكم، وعليه مشى "الحاوي" (1). ويجري القولان في ترافع الذمي والمعاهد، وقيل: يجب قطعاً، ومحل القولين: ما إذا اتحدت مِلَّتُهُمَا، فإن اختلفت.. فالأصح: القطع بالوجوب؛ لأنهما قد لا يجتمعان على حاكم، فيدوم النزاع، وقد يفهم من مقابل الأصح - وهو: عدم الوجوب - تركهما على النزاع، وليس كذلك، بل إما أن يحكم أو يردهما إلى حاكمهم.
3635 - قول "التنبيه" في عقد الذمة فيما لو تبايعوا بيوعاً فاسدة [ص 239]: (وإن ترافعوا إلى حاكم لهم، فألزمهم التقابض، ثم ترافعوا إلى حاكم المسلمين.. أمضى ذلك الحكم في أحد القولين) هو الأصح.

فصلٌ [فيمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة]

3636 - قول "التنبيه" [ص 164]: (وإن أسلم الحر وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه.. اختار منهن أربعاً) المراد بإسلامهن معه: المقارنة إن كان قبل الدخول، وفى العدة إن كان بعد الدخول، واشتراط الإسلام محله: إذا كن غير كتابيات، فإن كن كتابيات يحل نكاحهن.. فلا يضر بقاؤهن على الكفر.
وقد أوضح ذلك "المنهاج" فقال [ص 388]: (أسلم وتحته أكثر من أربع وأسلمن معه أو في العدة أو كن كتابيات.. لزمه اختيار أربع، ومندفع من زاد) ودخل في إسلامهن في العدة ما إذا سبق إسلامه، وهو المتبادر إلى الفهم، وما إذا سبق إسلامهن ثم أسلم هو في العدة، ولا يخفى أن مراد "المنهاج": الحر؛ فالعبد لا يختار غير اثنتين، وقد صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 2. 3637 - قول "التنبيه" فيما إذا أسلم وتحته أم وبنت، وأسلمتا معه [ص 164]: (وإن لم يدخل بواحدة منهما.. ففيه قولان، أحدهما: يثبت نكاح البنت ويبطل نكاح الأم، والثاني - وهو الأصح -: أنه يختار أيتهما شاء وينفسخ نكاح الأخرى) تبع في ترجيح التخيير بينهما الشيخ أبا حامد ومن تابعه، لكن المرجح في "المحرر" و"المنهاج": تعين البنت، وعليه مشى "الحاوي" 3،1

جارٍ التحميل