كتابُ العارية
2548 - قول "التنبيه" [ص 112]: (من جاز تصرفه في ماله .. جازت إعارته) أخرج بقوله: (في ماله) العبد المأذون؛ فإنه متصرف في مال سيده، فلا تصح إعارته، لكن تناولت عبارته: المكاتب؛ فإنه متصرف في مال نفسه، ومع ذلك فلا تجوز إعارته؛ ولهذا اعتبر "المنهاج" و"الحاوي" في المعير كونه أهلًا للتبرع 1، فخرج المكاتب.
2549 - قول "المنهاج" [ص 287]: (وملكه المنفعة) جعله من شرط المعير، وجعله "الحاوي" من شرط المستعار، فقال [ص 347]: (عينًا لمنفعةٍ مملوكةٍ)، وذلك مفهوم من منع "التنبيه" إعارة المستعار، وأورد في "المهمات" على اشتراط ملك المنفعة أمرين:
أحدهما: أن له إعارة الأضحية والهدي المنذورين مع خروجهما عن ملكه؛ ولهذا منعوا الإجارة.
ثاثيهما: إعارة الإِمام مال بيت المال من أرض وغيرها، قال: فإنه لا شك في جوازه وإن لم يحضرني الآن ناقله.
وصرح الرافعي بجواز التمليك 2، فالإعارة أولى، وتناولت عبارة "المنهاج" و"الحاوي" الموصى له بالمنفعة، وفي "الحاوي" التصريح به في نفيه الضمان عن المستعير من الموصى له بالمنفعة 3، وقد أطلق الرافعي هنا أن له أن يعير 4، وقال في (كتاب الوصية): استغرقت الوصية مدة بقاء العين، أو قُدرت بمدة معينة كشهر .. كان تمليكًا، وإن قال: وصيت لك بمنافعه حياتك، أو تسكن، أو يخدمك .. فإباحة، لا تمليك، وفي جواز إعاره هذا وجهان، لم يرجح منهما شيئًا 5.
وأما الموقوف عليه: فله أن يعير إن كان الوقف مطلقًا، فإن قال: ليسكنها معلم الصبيان في القرية .. فلا، قاله القفال وغيره، وأفتى به شيخنا الإِمام البلقيني، وفهم من عبارتهما منع إعارة الأب ولده الصغير لمن يخدمه، وبه صرح صاحب "العدة"، وقال في "الروضة": ينبغي أن
الحديث: 2548 - الجزء: 2 - الصفحة: 161
يحمل على خدمة ما يقابل بأجرة، فما كان محقرًا لا يقابل بأجرة، الظاهر الذي يقتضيه أفعال السلف: أنه لا منع منه إذا لم يضر بالصبي.
انتهى 6.
وقال الروياني في "البحر": يجوز أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه 7.
2550 - قولهم: (إن المستعير لا يجوز له أن يعير) 8 محله: عند عدم الإذن، فإن أذن له .. جاز، قال الماوردي: فإن لم يسم له من يعيره .. فالأول باق على عاريته، وهو المعير للثاني، والضمان باق عليه، وله الرجوع.
انتهى 9.
وعلى القول بالجواز: يكره أن يعيره، قاله أبو الحسن محمَّد عبد الملك الكرجي من أصحابنا.
2551 - قول "المنهاج" [ص 287]: (وله أن يستنيب من يستوفي المنفعة له) أعم من قول "الروضة": له أن يستوفي المنفعة لنفسه بوكيله 10، لتناول عبارته إركاب زوجته وخادمه، وقد صرح بهما في "المطلب"، وقد لا تتناولهما عبارة "الروضة"، وفيه نظر.
2552 - قول "الحاوي" [ص 347]: (من أهل التبرع عليه) بيان لشرط المستعير، وسبقه إليه الغزالي 11، قال الرافعي: وكأنه أراد التبرع بعقد، وإلا .. فالصبي والبهيمة لهما أهلية التبرع والإحسان إليهما, ولكن لا يوهب منهما ولا يعار 12، قال في "المهمات": ومقتضاه: صحة استعارة السفيه؛ فإن الصحيح: صحة قبوله الهبة، وكيف تصح استعارته مع كونها سببًا مضمنًا؛ فلذلك جزم صاحب "الذخائر" بعدم صحتها، وذكر الماوردي في (الحجر) نحوه 13، وذكر في "الكفاية" أن قول "التنبيه" [ص 112]: (من جاز تصرفه في ماله .. جازت إعارته) يؤخذ منه وصف المستعير، واستشكله النشائي 14.
2553 - قولهما - والعبارة لـ"التنبيه" -: (ويجوز إعارة كل ما ينتفع به مع بقاء عينه) 15 فيه أمور:
الحديث: 2550 - الجزء: 2 - الصفحة: 162
أحدها: أن المراد: المنفعة المباحة؛ لتخرج آلة الملاهي ونحوها؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 347]: (لمنفعةٍ مباحة).
ثانيها: يستثنى من ذلك: إعارة النقدين، فالأصح: عدم جوازه، وقد أشار إليه "الحاوي" بقوله [ص 347]: (قويةٍ)، ثم صرح باستثنائها، فقال: (لا النقد)، وفهم الرافعي من كلامهم: أن الخلاف إذا أطلق 16، أي: إن جوزنا الإطلاق في الإعارة، فإن صرح بالاستعارة للتزيين .. فينبغي أن يصح، وبه أجاب في "التتمة"، وكلام الرافعي في (باب الإجارة) يدل على طرده فيه 17، وأجراهما الإِمام في الحنطة ونحوها 18، والغزالي في الشجر للربط بها، والتجفيف عليها 19، وفي "التتمة" في إعارة النقدين للتصرف: إن كان في بلد يستعملون هذه اللفظة في معنى القرض .. كان قرضًا، ويباح له التصرف، وعليه البدل، وإلا .. فلا يستفيد التصرف، وهل يكون أمانة أو مضمونًا؟ وجهان، فلو تصرف فيها .. فلا ضمان إن قلنا: أمانة، وإن قلنا: مضمون .. فكما لو استعار ثوبًا فأبلاه بالاستعمال، حكاه شيخنا الإِمام البلقيني واستغربه.
وأجاب بعضهم عن "التنبيه" و"المنهاج": بأن عبارتهما تُدخِل النقد إذا صرح بإعارته للتزيين .. فيصح، ويخرجه إذا لم يصرح؛ لأن عينه لا يقال: إنها باقية مع الانتفاع به إلا في التزين.
ثالثها: قد يفهم من ذكر الانتفاع أن المستفاد بالعارية المنفعة خاصة، فيخرج ما لو استعار لاستفادة عين، كما إذا قال: (أَبَحْتُ لك در هذه الشاة ونسلها، أو أعرتكها)، والأصح عند النووي وغيره: أنه إباحة صحيحة، والشاة عارية صحيحة، بخلاف قوله: (ملكتك درها) فإنها هبة فاسدة، والشاة مضمونة بعارية فاسدة 20، ورجح في "المهمات": القطع بالصحة في مسألة الإباحة، وأن الخلاف فيما إذا أتى بلفظ العارية، وهذا ينكت به على كلام "الحاوي" أيضًا 21، قال الرافعي: وعلى هذا قد تكون العارية لاستفادة عين بخلاف الإجارة 22.
2554 - قول "التنبيه" [ص 112]: (وتكره إعارة الجارية الشابة من غير ذي رحم محرم) فيه أمور:
الحديث: 2554 - الجزء: 2 - الصفحة: 163
أحدها: ظاهر إطلاقه الكراهة: أنها للتنزيه؛ ولذلك قال عقبه: (ويحرم إعارة العبد المسلم من الكافر) 23، وهو الذي رجحه في "الكفاية"، ومقتضى كلام "المطلب": أن عليه الجمهور، لكن الأصح: التحريم، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 24، فلو فعل .. صح، قاله الغزالي 25، وقال الرافعي: يشبه أن يقال: يفسد 26.
ثانيها: تقييده ذلك بالشابة يقتضي جوازه في العجوز، وقد حكى الرافعي وجهين في الصغيرة التي لا تشتهى والقبيحة 27، وصحح في "الروضة" جوازه 28، ورجح في "الشرح الصغير" المنع، وهو مقتضى إطلاق "المنهاج" و"الحاوي" 29، وقال في "المهمات": الصواب: التفرقة، فيجوز في الصغيرة بخلاف الكبيرة، قال في "المطلب": والحق: المنع في العجوز والشوهاء.
ثالثها: كان ينبغي الاقتصار على المحرم من غير وصفه بكونه رحمًا، كما فعل "المنهاج" و"الحاوي" 30 فإن المحرم برضاع أو مصاهرة حكمه كذلك، وإن لم يكن رحمًا؛ أي: قرابة.
رابعها: اقتصر "الحاوي" أيضًا على المحرم، وفي معناه: إعارتها للمرأة، وقد ذكره "المنهاج" 31، وللزوج، وقد ذكره النووي في "تصحيحه" 32، قال النشائي: ولم أره في غيره، وهو متعين 33.
قلت: وذكره ابن الرفعة في "المطلب"، قال: وتكون مضمونة عليه ولو في الليل إلى أن يسلمها لمالكها؛ لأن يد الضمان تثبت فلا تزول إلا بذلك، وزاد في "المهمات": إعارتها لمالكها، ويتصور في المستأجر والموصى له بالمنفعة، وما إذا لم يجد المريض من يخدمه إلا امرأة فاستعارها لذلك .. صح؛ فإنها تخدمه للضرورة، وإعارة العبد للمرأة يقاس بعكسه وإن لم يصرحوا به، والصحيح: المنع في الخنثى معارًا أو مستعيرًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 164
2555 - قول "التنبيه" [ص 112]: (وتحرم إعارة العبد المسلم من الكافر) الأصح: الكراهة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 34، وحمل في "المطلب" التحريم على الإعارة للخدمة، والكراهة على غيرها، قال: والتحريم يتعلق بالمعير المسلم، وكذا بالكافر إن كلفناه بالفروع.
2556 - قول "التنبيه" [ص 112]: (ويكره أن يستعير أحد أبويه للخدمة) الأجداد والجدات كذلك، كما صرح به البندنيجي؛ ولعل ذلك داخل في قول "الحاوي" [ص 348]: (وتكره من الولد للخدمة)، قال في "المهمات": وصورة المسألة: أن يقصد بها الاستخدام، فإن أوقع الإعارة على الخدمة وقصد توفيره .. فهي مستحبة، كما قاله أبو الطيب وغيره، وهو واضح.
2557 - قول "الحاوي" [ص 348]: (كَرَهْنِ الحسناء من فاسق) أي: يكره، لكن يستثنى منه: ما إذا شرط أن تكون عند عدل أو امرأة.
2558 - قول "المنهاج" [ص 287]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 348]: (والأصح: اشتراط لفظ؛ كـ"أعرتك" أو "أعرني"، ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر) فيه أمران:
أحدهما: أنه يستثنى من اشتراط اللفظ: ما إذا اشترى شيئًا وسلمه له في ظرف .. فالظرف معار في الأصح، وما إذا أكل المهدي إليه الهدية في ظرفها .. فيجوز، وهو معار، قاله أبو عاصم العبادي والبغوي، وقال النووي: محله: ما إذا كانت الهدية لا لمقابل، فإن كانت عوضًا .. فالمحكي عن أبي عاصم: أن الظرف أمانة 35، قال في "المهمات": ويؤخذ من كلام الرافعي أن الضمان يتوقف على الاستعمال، فأما قبله: فإنه أمانة، وإن كانت بغير مقابل، وصرح به الرافعي في (الهبة) 36.
ثانيهما: أن الغزالي عين كون اللفظ من المعير، والفعل من المستعير 37، قال في "المهمات": وفي "الروضة" في الباب الثاني ما يوافقه 38، وهو قياس الوديعة يشترط فيها اللفظ من جهة المودع، والفعل من الآخر، وتتجه التسوية بين البابين.
قلت: الذي في "الروضة" هناك عن البغوي: لو قال صاحب المتاع لصاحب الدابة: احمل متاعي على دابتك، فأجابه .. فصاحب المتاع مستعير، ولو قال صاحب الدابة: أعطني متاعك لأضعه على الدابة .. فهو مستوح متاعه، ولا تدخل الدابة في ضمان صاحب المتاع 39، وهذا
الحديث: 2555 - الجزء: 2 - الصفحة: 165
عكس مقالة الغزالي؛ فإنه اعتبر في العارية اللفظ من المستعير دون المعير.
نعم؛ هو مخالف للمذكور هنا من اعتبار اللفظ من أحدهما مطلقًا.
قال شيخنا الإِمام البلقيني: ولعل سبب المخالفة أنه لم يوجد من جهة صاحب المتاع إذن بوضعه على دابة السائل؛ فإن السائل طلب منه إعطاء المتاع للوضع.
قلت: مناولته له بعد استئذانه إذن في المعنى، والله أعلم.
2559 - قول "المنهاج" [ص 287]: (ولو قال: "أعرتك لتعلفه" أو "لتعيرني فرسك" .. فهو إجارةٌ فاسدةٌ توجب أجرة المثل) اقتصر "الحاوي" على الصورة الثانية، ولم يقل: توجب أجرة المثل 40، وفي كلام "المنهاج" أمور:
أحدها: أنه يقتضي أن نفقة العارية ليست على المستعير، وإلا .. لم يكن شرطه مفسدًا، وهو الذي في "البيان" عن الصيمري 41، لكن في "تعليق القاضي حسين" خلافه، فلا يكون حينئذ اشتراطه عليه مفسدًا؛ لأن العقد يقتضيه.
وأجاب السبكي: بأن مراد الأول: علف لا يلزم المستعير، وهو الزائد على المعتاد، أو في وقت ليس المستعار فيه عنده؛ كالليل مثلًا.
ثانيها: وجوب أجرة المثل محله: بعد القبض لا بمجرد العقد.
ثالثها: صورة المسألة: أن يكون العلف مجهولًا، فلو قال: (أعرتكها شهرًا لتعلفها فيه كل يوم بدرهم) .. فهل هو إجارة صحيحة نظرًا إلى المعنى، أو عارية فاسدة نظرًا إلى اللفظ؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها 42، ومقتضى تصحيحه مع الجهالة أنها إجارة فاسدة: تصحيح أنها إجارة صحيحة في هذه الصورة، والله أعلم.
2560 - قولهم: (ومؤنة الرد على المستعير) 43 يستثنى منه: ما إذا استعار من المستأجر أو من الموصى له بالمنفعة، ورد على المالك .. فمؤنة الرد على المالك، بخلاف ما إذا رد على المستأجر، كما في "االروضة" وأصلها 44.
2561 - قول "التنبيه" [ص 113]: (فإن تلفت العارية .. وجبت عليه قيمتها يوم التلف) فيه أمور:
أحدها: أن محله: ما إذا تلفت بغير الاستعمال، فإن تلفت بالاستعمال المأذون فيه .. فلا
الحديث: 2559 - الجزء: 2 - الصفحة: 166
ضمان، ذكره "الحاوي" 45 و"المنهاج" وعبارته: (والأصح: أنه لا يضمن ما يمَّحق أو ينسحق باستعمال، والثالث: يضمن المُمَّحق) 46 وفيه شيئان:
أحدهما: أنه لم يصرح في "المحرر" بالوجه الثالث، فهو من زيادة "المنهاج" من غير تمييز.
ثانيهما: عبر في "الروضة" في الانسحاق بالصحيح 47، وهو يقتضي ضعف مقابله، ويستثنى من قولنا: (إن التلف بالاستعمال غير مضمون): الهدي والأضحية المنذوران يجوز إعارتهما، قال في "الروضة" وأصلها في (الأضحية): وإن نقصا بذلك .. ضمن، فإن أراد المستعير .. فهو صريح فيما قلناه من استثنائه مما تلف بالاستعمال، وإن أراد المعير .. لزم منه ضمان المستعير أيضًا، لانبناء يده على يد ضامنه، وعلى الثاني: فيمتحن بمعير إعارة جائزة، وهو ضامن 48.
الأمر الثاني: يستثنى من ذلك: ما إذا استعار من المستأجر .. فلا ضمان عليه في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 49، أو من الموصى له بالمنفعة، وقد ذكره "الحاوي" 50، أو من الموقوف عليه، كما ذكره المتأخرون.
قال شيخنا الإِمام البلقيني: والضابط لذلك: أن تكون المنفعة مستحقةً لشخصٍ استحقاقًا لازمًا, وليست الرقبة له، فإذا أعار .. لا يضمن المستعير منه، وعلى هذا: فلو أصدق زوجته منفعة، أو صالح على منفعة، أو جعل رأس السلم منفعة، ففي هذه المسائل وأنظارها إذا أعار مستحق المنفعة شخصًا، فتلفت تحت يده .. لا ضمان عليه في الأصح، قال: وليس استعارة كتب الوقف من قبيل الاستعارة من الموقوف عليه؛ لأن المستعير من جملة الموقوف عليهم، قال: ويتردد بينهما إعارة الإِمام الآلات التي اشتراها من سهم سبيل الله؛ فإنه إذا دفعها لشخص عارية .. لا يضمن؛ إما لأنه من جملة المستحقين، وهو الظاهر، أو لشبهه بمن انبنت يده على يد من ليس بضامن.
انتهى.
واستثنى شيخنا المذكور من الضمان أيضًا: جلد الأضحية، فإعارته جائزة، قال: ولو تلف في يد المستعير .. لم يضمن؛ لانبناء يده على يد من ليس بمالك مع أنه يستحق أن ينتفع استحقاقًا لازمًا، ولا يضمن لو تلف تحت يده، فلا يضمن لو تلف تحت يد المستعير منه، قال: وفيه نظر.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 167
ويستثنى من الضمان أيضًا: ما إذا كان المستعير محجورًا عليه بسفه .. فلا ضمان عليه، كما قاله الهروي في "أدب القضاء"، قال شيخنا الإِمام البلقيني: وفي كلام الأصحاب في (باب الوديعة) ما يقتضي ذلك.
انتهى.
واعلم أن قولنا: (إن المستعير من المستأجر لا ضمان عليه) محله: في الإجارة الصحيحة, فإذا استأجر شيئًا إجارة فاسدة، فأعاره، فتلف .. ضمنه المستأجر، كما ذكره البغوي في "فتاويه" وعلله: بأنه فعل ما ليس له، قال: والقرار على المستعير.
الأمر الثالث: ظاهر إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" و"المنهاج" في آخر الباب في أثناء مسألة و"الروضة" وأصلها: ضمان العارية بالقيمة سواء أكانت مثلية؛ كالخشب والحجر، أو متقومة، وهو الأصح في "الحاوي" و"البحر" و"التهذيب" وغيرها؛ فإنهم بنوا المثلي على الخلاف في المتقوم، فإن اعتبرنا أقصى القيم .. أوجبنا المثل، أو قيمة يوم التلف - وهو الأصح - .. فالقيمة 51، وخالف ابن أبي عصرون، فضمن المثل بالمثل على القياس.
2562 - قول "التنبيه" [ص 113]: (وإن تلف ولدها .. ضمن، وقيل: لا يضمن) فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح: عدم الضمان، كذا في "الروضة" وأصلها أن ضمانه مبني على تضمين العارية بأقصى القيم، وعدم ضمانه مبني على تضمينها بقيمة يوم التلف أو القبض 52، فيقال: كيف صحح "التنبيه" الضمان مع تصحيحه اعتبار قيمة يوم التلف؟
وأورد النشائي على تصحيح النووي: أنه كان ينبغي له التعبير فيه بالصواب على طريقته؛ فإن من اعتبر يوم التلف نافٍ لضمان الولد 53.
قلت: لم يجزم "التنبيه" باعتبار يوم التلف، بل رجحه، ثم حكى وجهًا باعتبار أقصى القيم، فصار الترجيح في إحدى الصورتين مخالفًا للترجيح في الأخرى، كما قدمته، والله أعلم.
ثم ظاهر كلام "التصحيح" و"الروضة" وأصلها: ترجيح عدم الضمان مطلقًا 54، وليس كذلك، بل حكمه على هذا الوجه كما لو طيرت الريح ثوبًا إلى داره وغير ذلك من الأمانات الشرعية، كما ذكره القاضي حسين والإمام وغيرهما 55، ولم يذكر ابن الرفعة في كتابيه غيره،
الحديث: 2562 - الجزء: 2 - الصفحة: 168
فيضمنه على الأظهر إذا تمكن من رده إلى مالكه، فلم يرده، فظهر أن مرادهم: نفي ضمان مخصوص، وهو ضمان العواري.
ثانيهما: ظاهر كلامه أنه لا فرق بين الولد الموجود عند العارية والحادث بعدها، وكذا رجح في "الكفاية"، وحكى عن الجيلي تخصيص الخلاف بالحادث، وأنه جزم فيما إذا كان موجودًا، وسلم الأم، فتبعها الجحش .. بأنه لا ضمان، وهذا المحكي عن الجيلي هو الذي في الرافعي؛ فإنه فرض الخلاف في الحادث 56، وزاد في "الروضة" التصريح بحكم الموجود، وحكى عن "فتاوى القاضي حسين": أنه أمانة 57.
2563 - قول "التنبيه" [ص 112]: (وإن قال: "ازرع الحنطة" .. زرع الحنطة وما ضرره ضرر الحنطة) محله كما في "المنهاج" و"الحاوي": ما إذا لم ينهه 58، فإن نهاه عن زرع غيرها .. لم يكن له زرع غيرها، وتجويز المثل يقتضي تجويز الأدنى من باب الأولى، وهو أحسن من اقتصار "المحرر" على: (ما دونها) 59، وصرح "الحاوي" بهما, ولم يخصه بالحنطة؛ فإنها مثال، فقال: (وينتفع المأذون ومثله ودونه ضررًا من نوعه ما لم يُنه) 60.
2564 - قول "المنهاج" [ص 288]: (ولو أطلق الزراعة .. صح في الأصح ويزرع ما شاء) وهو مفهوم من عبارة "التنبيه" و"الحاوي" 61.
قال الرافعي: ولو قيل: يصح ولا يزرع إلا أقل الأنواع ضررًا .. لكان مذهبًا 62.
قال شيخنا الإِمام البلقيني: وهو ممنوع؛ فإن المطلقات إنما تنزل على الأقل إذا كان بحيث لو صرح به .. لصح، وهذا لو صرح به .. لم يصح؛ لأنه لا يوقف على حد أقل الأنواع ضررًا، فيؤدي إلى النزاع، والعقود تصان عن ذلك.
واعلم: أن صورة المسألة: أن يقول: لتزرعها، أو للزراعة، أو نحو ذلك، فلو قال: (لتزرع ما شئت) .. فهو عام لا مطلق، فيصح ويزرع ما شاء، كما جزم به القاضي والإمام وغيرهما 63.
الحديث: 2563 - الجزء: 2 - الصفحة: 169
2565 - قولهم: (وإن استعار للغراس) (1) قال النووي في "التحرير": لو عبر بالغرس .. لكان أحسن وأخصر (2).
2566 - قول "المنهاج" عطفًا على ما عبر فيه بالصحيح [ص 288]: (وأنه لا تصح إعارة الأرض مُطْلَقَةً، بل يُشترط تعيين نوع المنفعة) يقتضي ضعف الخلاف، وليس كذلك؛ فإن الرافعي في "شرحيه" لم يرجح شيئًا (3)، وعبارة "الروضة": أصحهما عند الإِمام والغزالي ... ثم نقل من زيادته تصحيحه عن "المحرر" (4)، وصححه في "أصل الروضة" في باب الإجارة (5)، ومشى عليه "الحاوي" بقوله [ص 347]: (معلومة الجنس؛ كالزراعة) وصحح آخرون الصحة، واختاره السبكي، وعلى هذا: فله أن ينتفع كيف شاء، وقال الروياني: ينتفع بما هو العادة فيه، قال الرافعي: وهو أحسن، ثم قال: الوجه: القطع بأن إطلاق الإعارة لا يسلط على دفن الموتى؛ لما فيه من ضرر اللزوم.
انتهى (6).
واعلم: أن ذكر الأرض مثال، فيجري الوجهان في كل ما ينتفع به بجهتين فصاعدًا؛ كالدابة تصلح للركوب وللحمل، أما ما لا ينتفع به إلا بجهة واحدة؛ كالبساط المتعين للفرش .. فلا يحتاج إلى بيان، وقد يفهم من عبارة "المنهاج" عدم الصحة فيما لو قال: (انتفع ما شئت)، وفي "الروضة" وأصلها وجهان في ذلك بلا ترجيح (7)، لكنهما صححا في نظيرها من الإجارة الصحة (8)، فالعارية أولى؛ ولذلك مشى "الحاوي" على الصحة (9).
فصل [جواز العارية وما للمعير وما عليه بعد الرد]
2567 - قول "المنهاج" [ص 288]: (لكل منهما رد العارية متى شاء إلا إذا أعار لدفنٍ .. فلا يرجع حتى يندرس أثر المدفون) فيه أمور:646566676869707172
الحديث: 2565 - الجزء: 2 - الصفحة: 170
أحدها: أورد عليه: أنه لا بد أن يقول: (ودفن)، وعبارة "المحرر" تشعر به؛ حيث عبر بالنبش 73.
قلت: وكذا يشعر به قول "المنهاج": (حتى يندرس أثر المدفون)، وعبارة "الحاوي" في ذلك مثل عبارة "المنهاج" 74، ومثلهما قول "التنبيه" [ص 113]: (حتى يُبلى الميت) فإن وضع، ولم يوار .. فالمرجح في "الشرح الصغير": عدم الرجوع، والذي في "الروضة": له الرجوع ما لم يوضع فيه الميت 75، قال المتولي: وكذا بعد الوضع ما لم يواره التراب، وإذا رجع قبل الدفن .. لا يلزم المستعير الطمُّ، ويغرم المعير لولي الميت مؤنة الحفر؛ لأنه الذي ورطه فيه، قاله المتولي، ووهم الرافعي، فنقل عن المتولي: أن مؤنة الحفر على ولي الميت 76، وتبعه في "المطلب"، واستدركه النووي 77.
ثانيهما: منع القاضي حسين الرجوع بعد الاندراس أيضًا، وهذان الأمران ينكت بهما على عبارة "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا.
ثالثها: يرد على حصره مسائل:
أحدها: إذا إعاره جدارًا لوضع الجذوع، فوضعها .. فليس له الرجوع على وجه، جزم به "التنبيه"، واستثنى هذه الصورة مع التي قبلها، فقال بعد ذكرهما: (وفيما سواه يرجع إذا شاء) 78، لكن الأصح: جواز الرجوع، وفائدته: التخيير بين التبقية بأجرة، والقلع مع ضمان أرش النقص، وصرح به "الحاوي" هنا 79، وذكره "المنهاج" في (الصلح)، لكن في الجدار المشترك، فقال: (فلو رضي بلا عوض .. فهو إعارة له الرجوع قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصح) 80، ونظير ذلك: الإعارة للرهن لا يُرجع فيها على وجه.
الثانية: إذا كفنه أجنبي، وقلنا: إنه باق على ملك الأجنبي، كما صححه النووي 81 .. فهو عارية لازمة، قاله الغزالي 82، وفي الرافعي في (السرقة): أنه كالعارية 83.
الجزء: 2 - الصفحة: 171
الثالثة: الدار المستعارة لسكنى المعتدة لازمة من جهة المستعير فقط، كما ذكروه في العدد.
الرابعة: قال: (أعيروا داري بعد موتي لزيد شهرًا) .. لم يكن للمالك - وهو الوارث - الرجوع، ذكره الرافعي في (التدبير) 84.
الخامسة: لو أراد الصلاة المفروضة، فأعاره ثوبًا ليستر به عورته أو ليفرشه في مكان نجس, ففعل، وأحرم، وكان الرجوع مؤديًا إلى بطلان الصلاة .. قال في "المهمات": يتجه منعه منه، ويحتمل الجواز، وتكون فائدته: طلب الأجرة.
السادسة: لو أعاره سفينة، فطرح فيها مالًا .. لم يكن له الرجوع، قاله في "البحر" 85، وهذه الصور الخمسة واردة على "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا 86.
2568 - قول "المنهاج" [ص 288] فيما إذا أعار للبناء أو الغراس ثم رجع: (إن كان شرط القلع مجانًا .. لزم) تقييد القلع بكونه مجانًا هو كذلك في كتب الرافعي والنووي 87، والصواب - كما قال في "المهمات" -: حذفه، كما في "المهذب" وغيره 88، وكذا لم يذكره "التنبيه" و"الحاوي" فإن مقتضاه: أنه لا يؤمر بالقلع مجانًا إلا عند التنصيص عليه، ولم يعتبر الشافعي ذلك، وعبارته في "المختصر" و"الأم": ولكن لو قال - أي: المعير -: (فإذا انقضى الوقت .. كان عليك أن تنقض بناءك) .. كان ذلك عليه؛ لأنه لم يغره، إنما غر نفسه.
انتهى 89.
وحذفه الرافعي في نظيره من الإجارة 90، وذكر السبكي أن حذفه هو المعتمد.
2569 - قول "التنبيه" [ص 112]: (فإن لم يشترط، فاختار المستعير القلع، فقلع .. لم يكلف تسوية الأرض، وقيل: يكلف ذلك) رجح الأول الرافعي في "المحرر" 91، فاستدرك عليه النووي في "المنهاج" وقال [ص 288]: (الأصح: يلزمه)، وكذا صححه في "الروضة" تبعًا "للشرحين" 92، ومشى عليه "الحاوي" 93، وكان ينبغي التعبير عنه في "المنهاج" بالصحيح؛
الحديث: 2568 - الجزء: 2 - الصفحة: 172
فإنه في "الروضة" حكاه عن الجمهور، وقال: ولا يغتر بتصحيح "المحرر" فإنه ضعيف 94.
وأيده في "المهمات": بأن الإِمام ادعى في الإجارة اتفاق الأصحاب عليه، قال: والظاهر: أنه في "المحرر" انعكس عليه المراد، قال في "المهمات": ويتجه أن محل إيجاب التسوية في الحفر الحاصلة من القلع دون الحاصلة بالبناء أو الغرس في مدة العارية؛ لحدوثها بالاستعمال، وإذا لم يوجبوا ضمانًا عند انمحاق الثوب أو انسحاقه لهذه العلة .. فالحَفْرُ أولى.
انتهى.
وسبقه إليه السبكي.
2570 - قول "التنبيه" [ص 112]: (وإن لم يختر القلع .. فالمعير بالخيار بين أن يبقي ذلك، وبين أن يقلع ويضمن له أرش ما نقص بالقلع) فيه أمور:
أحدها: ظاهره التبقية بغير أجرة؛ فإنه لم يتعرض لها، وهو رأي العراقيين، وقال السبكي: إنه الذي ينبغي أن يكون مراده، ولكن حمله ابن يونس شارحه على التبقية بأجرة، وهو الذي في "المنهاج" و"الحاوي" 95.
ثانيها: قال الشيخ برهان الدين بن الفركاح: هذا التخيير محله: إذا كان في القلع تنقيص، وإلا .. فليس له إلا القلع، فإن صح ذلك .. فهو وارد على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا.
ثالثها: التخيير بين هاتين الخصلتين هو المرجح في "المنهاج" هنا، وهو نظير ما تقدم في "المنهاج" تصحيحه في (الصلح) في الرجوع عن إعارة الجدار لوضع الجذوع، وتوافقت "الروضة" و"المنهاج" عليه هناك 96، ثم قال في "المنهاج" هنا [ص 288]: (قيل: أو يتملكه بقيمته) وهذا الوجه الذي ضعفه من التخيير بين ثلاث خصال هو الذي في "الحاوي" 97، وهو اختيار الإِمام والغزالي 98، وهو الذي في "الروضة" وأصلها في (الهبة)، وجوز بعضهم أن يكون ذلك هو مراد "التنبيه" هنا؛ فإن التبقية مطلقة في كلامه، صادقة بأن يبقيها ملكًا له، وهو التملك، أو للمستأجر بأجرة يدفعها له، قال: وبهذا يتعين إطلاق التبقية في كلامه، وعدم تقييدها بأجرة وعدمها؛ لئلا تخرج خصلة التملك.
انتهى.
وصحح في "أصل الروضة" هنا: التخيير بين القلع مع ضمان أرش النقص والتملك بالقيمة 99، وعبارة الرافعي فيه: هذا رأي أكثر العراقيين وغيرهم، ويشبه أن يكون أظهر في
الحديث: 2570 - الجزء: 2 - الصفحة: 173
المذهب 100، وهو المذكور في "المنهاج" في (التفليس) فيما إذا غرس المفلس الأرض أو بنى 101، وفي "التنبيه" في (الشفعة) فيما إذا غرس المشتري أو بنى 102، وفهم النشائي من ذلك: أن التبقية بأجرة جائزة قطعًا، والخلاف في الخصلتين الأخريين 103، وفي "المطلب": أن النص في "الأم" و"المختصر" على التملك بالقيمة فقط، واقتضى كلامه الحصر فيها، قال: وكذا نص في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" في الإجارة إذا انقضت المدة.
انتهى 104.
ثم ظاهر كلامهم: أنه يتملك بالقيمة قهرًا بغير بيع؛ كتملك الشفيع، قال السبكي: وقد أشار الرافعي إلى ذلك، وفي كلام غيره ما يقتضي أنه بالبيع بمعنى: أن المستعير إن باعه، وإلا .. فكما لو امتنع عن الخصال، وهذا هو الأقرب، قال ابنه في "التوشيح": ويمكن أن يقال: يكره المستعير على الإيجار أو البيع أو يفعل هو ذلك نيابة قهرية عنه، ولكن يقدح في ذلك قول البغوي: لا بد في التملك والتبقية بأجرة من رضا المستعير؛ لأن الأول بيع، والثاني إجارة.
رابعها: محل ذلك: في الأرض الخالصة للمعير، أما لو كان شيء منها للمستعير .. لم يكن للمعير إلا التبقية بأجرة، حكاه في "الروضة" وأصلها عن المتولي من غير مخالفة 105، وهو وارد على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا، لكن في "فتاوى ابن الصلاح": أن للشريك أن يتملك بالقيمة من البناء بقدر حصته من الأرض، ويصير البناء مشتركًا بينهما كاشتراكهما في الأرض 106، ويوافقه في "التتمة" في الشفعة: تخيير الشريك بين الخصال الثلاثة، حكاه في "المهمات".
ويستثنى من ذلك أيضًا: ما لو وقف المستعير البناء أو الغراس .. فليس للمالك التملك بالقيمة ولا القلع مع الأرش، بل يتعين عليه التبقية بأجرة، ذكره ابن الرفعة والسبكي.
خامسها: لم يبين "المنهاج" و"الحاوي" قدر الأجرة، ولا يصح إنهاء ما يطلبه المعير، ولا أن يفرض الحاكم أجرة المثل حالة؛ إذ لا ضابط للمدة، ولا مقسطة؛ لأنه لا يفرضه، قال شيخنا الإسنوي: وأقرب ما يمكن: سلوك ما ذكروه في (الصلح) من بيع حق البناء دائما بعوض حال بلفظ البيع أو الإجارة وإن جهلت المدة، لكنه يلزم منه أن يبني ويغرس غيره عند تلفه أو قلعه، أو يؤجره لغيره، وهو بعيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 174
وقال في "التوشيح": يتفرع على اعتبار رضا المستعير: أن المعير إذا اختار التبقية بأجرة .. اشترط تعيين المدة كسائر الإجارات، وإذا عين مدة وعين المستعير أقل منها أو أكثر .. فهو الذي ينبغي أن يجاب، وإذا انقضت .. فهل يتعين بعد انقضائها الإجارة لرضاه بها أولًا، أو له الانتقال إلى خصلة أخرى مما كنا نمكنه منها ابتداء؟ فيه نظر واحتمال، والأقرب: التعيين، قال: وعلى عدم اعتبار رضاه أنه لا يتعين مدة، كما لا يشترط لفظ، وإنما يكون حكمها حكم الإجارة، وتكون دائمة، فإذا قال: أُبقيها بأجرة المثل .. وجب الإبقاء بذلك، قال: وكثيرًا ما يقع في المحاكمات أرض يستأجرها إنسان مدة معينة للبناء، وتنقضي المدة، ويختار المؤجر الإبقاء بأجرة بعينها، ويرضى بها المستأجر، ثم يطلب زيادة .. فلا أمكنه وإن رغب راغب بزيادة، أو ارتفعت الأجرة؛ لورود العقد على معلوم، فلا يتطرق إليه الفسخ بالزيادة وإن كانت الأرض وقفًا والمؤجر ناظرًا إذا كانت وقعت بأجرة المثل وقت الإيجار؛ لأنه نظير زيادة تحدث في العين.
سادسها: أرش النقص هو التفاوت بين قيمتة قائمًا ومقلوعًا، وينظر في قيمته قائمًا إلى أنه مستحق القلع بالأرش؛ فإن قيمته حينئذ أنقص، نبه عليه صاحب "البيان" 107، وأشار السبكي إلى أن ذلك إذا قلنا: إن إفراد الواجب المخير واجبة ليكون القلع مستحقًا قبل اختياره، وإلا .. فلا يتعين أحدها إلا باختياره، وقبله هو مستحق الإبقاء بغير أجرة.
سابعها: قال السبكي: إذا اختار القلع وبذل الأرش .. لا ينبغي أن يكتفي الحاكم بذمته، بل لا يمكنه من القلع إلا بدفع الأرش، وللمستعير منعه من القلع حتى يقبضه، أو يكون على يد من يأمن عليه، وإن لم يصرح الأصحاب بذلك.
ثامنها: ظاهر كلامهم: أنه لو أراد فعل بعض هذه الخصال في البعض وبعضها في البعض الآخر .. لم يمكن منه، وذكره في "التوشيح" بحثًا، وهو واضح.
2571 - قول "الحاوي" [ص 349]: (فإن أبى .. كُلِّف التفريغَ) أي: إن أبى المستعير الخصال الثلاث .. كلف تفريغ الأرض، كذا ذكره الرافعي 108، وأسقطه في "الروضة"، والذي في "المنهاج" [ص 288, 289]: (فإن لم يختر .. لم يقلع مجانًا إن بذل المستعير الأجرة، وكذا إن لم يبذلها في الأصح)، ومعناه: إن لم يختر المعير إحدى الخصلتين المخير بينهما فيه، وهما التبقية بأجرة والقلع بالأرش، وكذا هو في "الروضة" وأصلها فيما إذا امتنع من القلع بالأرش والتملك بالقيمة بناء على ترجيحهما هناك، فقال في "الروضة" وأصلها: وبه قطع المخيرون بين
الحديث: 2571 - الجزء: 2 - الصفحة: 175
الخصال الثلاث إذا امتنع منها جميعًا.
انتهى 109.
وكان ينبغي لـ"الحاوي" ذكر هذا التفريع على ما اختاره من التخيير بين الخصال الثلاث.
واعلم: أنه على الأصح في "المنهاج": يؤول الأمر إلى التخيير بين القلع بالأرش والتبقية بلا أجرة، وهو ظاهر "التنبيه" كما تقدم 110.
2572 - قول "المنهاج" [ص 289]: (الأصح: أنه يُعرض عنهما حتى يختارا شيئا) كذا في نسخة المصنف تبعًا لـ" المحرر" بالتثنية 111، وكذا في أكثر نسخ "الشرحين" 112، والصواب: حذف الألف، كما في "الروضة" 113 لأن الاختيار إلى المعير خاصة كما تقدم.
2573 - قولهما: (ولا يمنع من دخولها للسقي والإصلاح) 114 أعم من قول "المحرر" والروضة" وأصلها: (ومرمة الجدار) 115، وعبارة "الحاوي" [ص 349]: (المرمَّةُ) ولعله أعم من مرمة الجدار، فهو مثل التعبير بالإصلاح.
2574 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولكلٍّ بيعُ ملكِهِ) 116 قد يتناول ما إذا باعاهما لثالث بثمن واحد، وهو صحيح على الأصح؛ للحاجة، بخلاف ما إذا كان لاثنين عبدان لكل منهما عبد، فباعاهما بثمن واحد، ولم يعلم ما يقابل كلًا منهما عند العقد .. فإنه باطل على الأصح في "تصحيح التنبيه" و"شرح المهذب" كما تقدم في موضعه 117، ونقله الرافعي في (الصداق) عن النص 118.
2575 - قول "المنهاج" [ص 289]: (وفي قولٍ: له القلع فيها - أي: في العارية المؤقتة - مجانًا إذا رجع) محل هذا القول: بعد المدة، وهو بعدها لا يحتاج إلى رجوع؛ فكان ينبغي التعبير بالانتهاء دون الرجوع، وعبر في "الروضة" وأصلها بالرجوع بعد المدة 119، وفيه تجوّز.
الحديث: 2572 - الجزء: 2 - الصفحة: 176
2576 - قول "المنهاج" [ص 289]- والعبارة له - و"الحاوى" [ص 349]: (وإذا أعار لزراعةٍ ورجع قبل إدراك الزرع .. فالصحيح: أن عليه الإبقاء إلى الحصاد) فيه أمران:
أحدهما: أن محله: فيما لا يعتاد قلعه حينئذ، وإلا .. كلّف قلعه، وكان هذا مراد "التنبيه" بقوله [ص 112]: (ثم رجع والزرع قائم، فإن كان مما يحصد قصيلًا .. حصد)، قال النووي في "التحرير": وقوله: (قصيلًا) أي: مقصولًا، وهو المقطوع 120.
قال ابن الرفعة: وإذا كان كذلك .. لم يستقم نظمه.
ثانيهما: قال في "المطلب": محل ذلك: ما إذا نقص بالقلع، فإن لم ينقص .. أجبر عليه.
انتهى.
وهذا إن صح .. وارد على "التنبيه" أيضًا.
2577 - قول "التنبيه" [ص 112]: (وإن قال: "ازرع الحنطة" .. لم يقلع إلى الحصاد) هذا مندرج في قوله فيما تقدم: (وإن كان مما لا يحصد) أي: قصيلًا، وإنما ذكره؛ لينبه على أن ما لا يحصد قصيلًا إذا أذن فيه بخصوصه ثم رجع .. لا أجرة له، كما حكاه القاضى حسين وجهًا؛ لرضاه بشغل أرضه إلى تلك الغاية، وجزم في الأولى بالأجرة؛ لأنه لا يتحقق زرع ما يبقى إلى هذه الغاية، ذكره في "الكفاية".
قال النشائي: وحينئذ .. فيُستَدرك على "التصحيح" في سكوته عنه؛ لإطلاق الرافعي و"الروضة" تصحيح الأجرة، كما هو ظاهر "الكفاية" 121.
قلت: إنما يستدرك "التصحيح" المخالفة الصريحة، ولا يستدرك على ما يفهم بالقرينة، والله أعلم.
وعبر في "المنهاج" في وجوب الأجرة بالصحيح 122، وعبر في "الروضة" بالأصح 123.
ويرد على "التنبيه": أن محل الإبقاء إلى الحصاد: ما إذا لم يقصر، فإن قصر؛ بأن عين له مدة فأخر الزرع فلم يدرك .. قلع مجانًا، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 349]: (لا إن عيّن مدة فأخر) و"المنهاج" بقوله [ص 289]: (فلو عين مدة ولم يُدرك فيها؛ لتقصيره بتأخير الزراعة .. قلع مجانًا).
قال شيخنا ابن النقيب: وقوله: (لتقصيره) علة للقلع مجانًا، فإن لم يكن كذلك .. لم يقلع
الحديث: 2576 - الجزء: 2 - الصفحة: 177
مجانًا، بل هو كالعارية مطلقًا سواء كان عدم الإدراك لحر أو برد أو مطر أو لقلة المدة المعينة أو لأكل الجراد رأسه، فنبت ثانيًا 124.
2578 - قول "المنهاج" [ص 289]: (ولو حمل السيل بذرًا إلى أرضه فنبت .. فهو لصاحب البذر) لم يصرح به "التنبيه" و"الحاوي"، ولا هو في "الروضة" و"الشرحين"، ولكنه مفهوم من ذكر الخلاف في الإجبار على قلعه مجانًا.
وفي معنى السيل: الهواء، والمراد بالبذر: المبذور، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وتسميته بذلك باعتبار أنه سيصير مبذورًا، ففيه تجوز من وجهين، وتناول إطلاقه ما لا قيمة له؛ كحبة أو نواة، وحكى الرافعي فيه وجهين بلا ترجيح 125، وصحح النووي: أنه لصاحب البذر - كإطلاق "المنهاج" - قال: فإن كان صاحبها أعرض عنها وألقاها .. فينبغي القطع بأنها لصاحب الأرض 126، وهذه الأمور ينكت بها على عبارة "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا.
2579 - قول "التنبيه" [ص 113]: (فقد قيل: يجبر على قلعه، وقيل: لا يجبر) الأصح: الأول كما في "المنهاج" و"الحاوي"، وزاد فيه: التصريح بكونه مجانًا 127، أي: لا يعطيه مالك الأرض أرش النقص، قال الماوردي في (الغصب): وأصح من هذين الوجهين: أن ينظر في الزرع بعد قلعه؛ فإن كانت قيمته مثل قيمة الحنطة .. قلع، وإن نقصت .. لم يقلع، ويندفع الضرر عن المالك بالأجرة 128، وسكتوا عن الأجرة للمدة التي قبل القلع، وجزم في "المطلب" بعدمها وإن كثر؛ لعدم الفعل منه، وفيه وجه حكاه الجويني.
2580 - قول "التنبيه" [ص 113]: (وإن دفع إليه دابة فركبها ثم اختلفا، فقال صاحب الدابة: "أكريتكها، فعليك الأجرة"، وقال الراكب: "بل أعرتني" .. فالقول قول الراكب في أصح القولين) فيه أمور:
أحدها: أن الذي رجحه الرافعي والنووي: تصديق صاحب الدابة 129، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 130.
ثانيها: أن صورة المسألة: أن يختلفا بعد مضي مدة لها أجرة، فإن لم تمض مدة لها أجرة .. فلا معنى للمنازعة، فيرد المال إلى مالكه.
الحديث: 2578 - الجزء: 2 - الصفحة: 178
ثالثها: وصورتها أيضًا: أن تكون الدابة باقية، فإن كانت تالفة؛ فإن تلفت عقب الأخذ .. فهو مقر بالقيمة لمنكرها، أو بعد مدة لها أجرة؛ فإن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأخذ .. سقطت القيمة، وفي الأجرة الخلاف، وإلا - وهو الراجح - فإن لم تزد الأجرة على القيمة .. أخذها بلا يمين، وإن زادت .. أخذ قدرها، وفي المصدق في الباقي الخلاف، وهذان الأمران يردان على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا.
رابعها: ظاهر إطلاقهم: تصديق المالك على الراجح في "المنهاج" و"الحاوي" 131، والمرجوح في "التنبيه" يوهم استحقاقه المسمى إذا حلف على نفي الإعارة وإثبات الإجارة إتمامًا لتصديقه، والأصح: أجرة المثل.
وقد أورد بعضهم على قول "المنهاج" [ص 289]: (فالمصدق المالك على المذهب) أن ظاهره: أنه طريقة قاطعة، وهو مخالف لما في "الروضة" إذ ليس فيها طريقة قاطعة بذلك، بل طريقان، إحداهما: القطع بأن المصدق الراكب، والثانية: قولان.
انتهى 132.
ولا يفهم من قول "المنهاج": (المذهب كذا) القطع به، بل يقتضي أن المرجح: ما ذكره؛ إما مع القطع أو بدونه، وعبارته في خطبته: (وحيث أقول: "المذهب" .. فمن الطريقين أو الطرق) انتهى 133.
وذلك لا يدل على ترجيح طريقة القطع، والله أعلم.
2581 - قول "التنبيه" [ص 113]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 350]: (وإن قال صاحب الدابة: "أعرتكها" وقال الراكب: "بل أجرتني" .. فالقول قول صاحب الدابة) صورة المسألة: أن تكون الدابة قد تلفت في يد الراكب، أو هي باقية ولم تمض المدة التي ادعى الراكب وقوع عقد الإجارة عليها، أما لو كانت باقية وقد انقضت المدة .. فلا يظهر للاختلاف فائدة.
2582 - قول "التنبيه" [ص 113]: (وإن قال صاحب الدابة: "غصبتني" وقال الراكب: "بل أعرتني" .. فالقول قول الراكب) الأصح: إجراء القولين المتقدمين فيما لو قال المالك: (أجرت) والراكب: (أعرت)، وأصحهما: تصديق المالك؛ ولهذا قال "المنهاج" لما ذكر الصورة المتقدمة [ص 289]: (وكذا لو قال: "أعرتني" وقال: "بل غصبت مني")، وكذا سوّى "الحاوي" بين الصورتين 134، وأقر النووي في "تصحيحه التنبيه" على الجزم بهذا مع استدراكه
الحديث: 2581 - الجزء: 2 - الصفحة: 179
عليه في الصورة المتقدمة 135، ولم يذكر في "المهذب" أن أحدًا صار إليه 136 وإن نقله المزني، ولصورة المسألة شرطان:
أحدهما: أن يكون ذلك بعد مضي مدة لها أجرة، وإلا .. فلا معنى للاختلاف.
ثانيهما: أن تكون العين باقية، فإن كانت تالفة .. فقد ذكره "المنهاج" في قوله [ص 289]: (فإن تلفت العين .. فقد اتفقا على الضمان) لكن الأصح: أن العارية تضمن بقيمة يوم التلف، فإن كان ما يدعيه المالك أكثر .. حلف للزيادة، ومراده: تلفها في هذه الصورة الأخيرة، وهي اختلافهما في الإعارة والإجارة؛ بدليل قوله: (فقد اتفقا على الضمان) ولم يتعرض "الحاوي" لهذين الشرطين.
وأما إذا تلفت فيما قبلها .. فتقدم حكمه، وتعبير "المنهاج" بالأصح 137 يقتضي أن الخلاف أوجه، كما في "الروضة" 138، والذي في "المحرر": (أصح القولين) 139، وفي "شرح الرافعي": ثلاثة أوجه 140، وسماها الزجاجي أقوالًا، وكلامه يقتضي تضمين العارية بالقيمة مطلقًا، وقد تقدم ما فيه، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 180