تحرير الفتاوىصفحات 605-644

كتابُ الحَجّ

صفحات 605-644

ينوه، وقلنا: تجب النية، وكان الحامل قد نوى.. وقع للحامل، وقد ذكره السبكي، وقال: إنه لاشك فيه.
رابعها: ينبغي أن يلتحق بالحلال والطائف عن نفسه ما إذا لم يكن دخل وقت طوافه؛ كمحرم بحج لم يطف عن نفسه حمل محرمًا بعمرة قبل انتصاف الليل ليلة النحر، فينبغي أن يكون الطواف هنا للمحمول؛ لأن هذا المحرم كالحلال بلا شك، ذكره في "المهمات".
خامسها: في بعض نسخ "المنهاج" بعد قوله [ص 199]: (ولو حمل الحلال محرمًا وطاف به.. حسب للمحمول بشرطه)، وليس في "المحرر"، والمراد به: اجتماع شروط الطواف في حق المحمول؛ من طهارة، وستر عورة، ودخول وقت، فإن فقد شرط من ذلك.. وقع للحامل؛ كما لو طاف بمحرم بحج قبل نصف ليلة النحر.. فذلك المحرم المحمول كالحلال عكس الصورة المتقدمة، وهنا تنبيهات: أحدها: ظاهر إطلاقهم: أنه لا فرق بين أن يكون المحمول كبيرًا أو صغيرًا، ولا بين أن يكون الحامل له وليّه الذي أحرم به أم لا، وبه صرح الرافعي والنووي 1، قال في "المهمات": لكن المنقول فيما إذا طاف الصغير راكبًا.. أنه لا يجزئه إلا إذا كان الولي سائقًا أو قائدًا، كذا قاله صاحب "البحر" وغيره 2، وهو هنا أولى، قال: فتقييد الغزالي بالولي؛ للاحتراز عن غيره؛ فإن فيه هذا التفصيل 3. ثانيها: صور "التنبيه" و"المنهاج" المسألة بما إذا كان المحمول واحدًا جريًا على الغالب، فلو كان المحمول اثنين فأكثر.. لم يختلف الحكم؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 243]: (ولو طاف حلٌّ، أو مَنْ طاف بمُحْرِمَيْن)، وعُلم حكم الواحد من طريق الأولى، وكذا لو كان الحامل اثنين فأكثر حَمَلا واحدًا، قُلْته تخريجًا، ويتفرّع عليه: ما لو حمل أكثرُ مِنْ واحد أكثرَ من واحد، وتتكثر المسائل.
ثالثها: لو لم يحمله، ولكن جعله في شيء موضوع على الأرض وجذبه.. فهل يلتحق بالمحمول؛ لم أر فيه نقلًا، وفيه نظر، وقد يتناوله قول "الحاوي" [ص 243]: (بمحرمين) فإن طوافه به أعم من حمله، فيتناول هذه الصورة، والله أعلم رابعها: لم يذكروا الحمل إلا في الطواف، وقال شيخنا الإمام البلقيني: قضية كلام صاحب "الكافي" تعطي أنه لا فرق في أحكام المحمول بين الطواف والسعي، وفيه نظر.
قلت: بل هو واضح، والله أعلم.

فصلٌ [في السعي]

1483 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (يستلم الحجر بعد الطواف وصلاته) 1 لم يذكر " المحرر " الصلاة، بل اقتضى كلامه أن الاستلام بعد الطواف خاصة، والمنقول الأول؛ فلذلك ذكره " المنهاج "، لكن من غير تنبيه على أنه من زيادته، وكأن ذلك؛ لأنه مراد " المحرر "، وإنما أهمله؛ لوضوحه، والمنقول ذكر الاستلام خاصة، وكذا في " صحيح مسلم " من حديث جابر 2، ومقتضاه: أنه لا يستحب في هذه الحالة تقبيله ولا السجود عليه، قال في "المهمات": فإن كان كذلك.. فلعل سببه المبادرة إلى السعي.
1484 - قول " التنبيه" في السعي [ص 76]: (يفعل ذلك سبعًا) قد يفهم أن الذهاب من الصفا والعود إليها من المروة تحسب مرة واحدة، والصحيح خلافه، ولذلك أفصح عنه "المنهاج" بقوله [ص 199]: (ذهابُهُ من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إليه أخرى) و " الحاوي " بقوله [ص 243]: (الذَّهاب مرةٌ، والعود أخرى).
1485 - قول " المنهاج" [ص 199]- والعبارة له - و "الحاوي" [ص 243، 244]: (وأن يسعى بعد طواف ركن، أو قدوم) أخرج طواف الوداع؛ فإنه لا يتصور وقوع السعي بعده؛ لأنه إذا بقي السعي.. لم يكن طواف وداع، كما قاله الرافعي والنووي 3. ورده في "المهمات": بتصوره فيما إذا أراد المحرم بالحج الخروج من مكة قبل الوقوف.. فيطوف للوداع، ثم يخرج لحاجته، فإذا عاد.. سعى، كما ذكره البندنيجي وصاحب "البيان"، وقالا: إنه مذهب الشافعي، وحكاه في "شرح المهذب" عنهما، وسلم التصوير، لكن نازع في الصحة، وقال: لم أر لغيرهما ما يوافقه، وظاهر كلام الأصحاب: عدم جوازه إلا بعد القدوم أو الإفاضة 4. ورده في "المهمات"، وقال: ذكرهم للقدوم والإفاضة؛ لأنه الغالب، قال: ثم إنه إن كان طاف للإفاضة قبل ذلك.. صح السعي؛ لتقدم طواف الإفاضة عليه، وتراخيه عنه لا يقدح، وإن لم يطف.. وقع هذا الطواف عنه، كما صرح به الرافعي وغيره، قال: ولا يستقيم منع طواف الوداع مع بقاء شيء من المناسك؛ لأن السعي والحلق لا آخر لوقتهما، ويجوز للحاج الخروج من

مكة قبل فعلهما، فإن صححنا طواف الوداع.. بطل ما قاله، وإن لم نصححه.. لزم الخروج بلا وداع، أو وجوب السعي والحلق قبل الخروج.
انتهى.
وخرج بتعبيرهما: طواف النفل أيضًا، وبه صرح النووي في "شرح المهذب" 1، لكن صرح المحب الطبري بصحة السعي فيما إذا أحرم مكي بحج، ثم تنفل بطواف، وسعي بعده، ويوافقه قول ابن الرفعة: اتفقوا على أن من شرطه: أن يقع بعد طواف ولو نفلًا، إلا طواف الوداع، وتقديم "المنهاج" الركن في الذكر على القدوم قد يفهم أن إيقاع السعي بعده أرجح، وعليه يدل عبارة "الحاوي" فإنه بعد ذكره السعي بعد طواف الركن، قال: (وجاز بعد طواف القدوم) 2، وقد يقال: إن عبارة "المنهاج" تدل على استوائهما؛ لكونه خيّر بينهما، والتقديم في الذكر لا يدل على الرجحان؛ فإنه لا بد من ذكر أحدهما قبل الآخر، ولعل هذا أرجح، ولم يتعرض "التنبيه" لاشتراط ذلك للسعي، ولا بد منه.
1486 - قول "المنهاج" [ص 199، 200]: (بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة) أحسن من تعبير "المحرر" و "الروضة" وأصلها بـ (تخلل ركن) 3 لتناوله الحلق على المشهور في أنه ركن، مع أن المتجه: أنه لا يضر تخلله بين الطواف والسعي.
1487 - قول "المنهاج" [ص 200]- والعبارة له - و "الحاوي" [ص 243، 244]: (ومن سعى بعد قدوم.. لم يُعِدْهُ) أي: لا يستحب إعادته، كما في "الروضة" وأصلها وفي موضع من "شرح المهذب" 4، وفي موضع آخر منه: أنه يكره إعادته 5، وقد تفهم عبارتهما التحريم، ولا قائل به.
1488 - قول "المنهاج" [ص 200]: (ويستحب أن يَرْقَى على الصفا والمروة قدر قامةٍ) محله: في الرجل، أما المرأة: فلا ترقى، كما صرح به "التنبيه" 6، قال في "المهمات": ولا شك أن الخنثى كذلك، قال: ولو فصّل فيهما بين أن يكونا في خلوة أو بحضرة محارم، وبين ألَّا يكونا؛ كما قيل به في الجهر في الصلاة.. لم يبعد.
انتهى.
وعبارة "الحاوي" في ذلك مثل "المنهاج"، إلا أنه قيّد الرُّقي في الصفا بقامةٍ، وأطلقه في المروة 7، ولعل ذلك لفهمه مما تقدم في الصفا، ولم يقيد ذلك في "التنبيه" بقامةٍ، بل قال في

الصفا: (حتى يَرى البيتَ)، وقال في المروة: (حتى يصعد المروة، ويفعل مثل ما فعل على الصفا) (1)، ومن المعلوم أنه لا يرى البيت من المروة، وَرُقيّ قامة على الصفا مع رؤية البيت متلازمان غالبًا؛ ولذلك قال في "الروضة" وأصلها: ويرقى على الصفا بقدر قامة رجل، حتى يتراءى له البيت، وقال في المروة: يرقى عليها بقدر قامة رجل، ولم يقل: حتى يتراءى له البيت (2)، ولعل قول "التنبيه": (ويفعل مثل ما فعل على الصفا) لم يندرج فيه الرقي حتى يرى البيت، والله أعلم.
1489 - قول "التنبيه" [ص 76]: (ثم يدعوا بما أحب، ثم يدعوا ثانيًا وثالثًا) فيه أمران: أحدهما: قال صاحب "المذاكرة": المعروف في كثير من الكتب المشهورة أنه لا يدعوا بما أحب إلا بعد أن يدعوا ثانيًا وثالثًا.
ثانيهما: أنه لم يذكر تكرير الذكر، وقد ذكره "المنهاج" من زيادته، فقال [ص 200]: (ويعيد الذكر والدعاء ثانيًا وثالثًا)، وجزم الرافعي في "الشرح" بأنه لا يعيد الدعاء ثالثًا (3). 1490 - قول "المنهاج" [ص 200]: (وأن يمشي أول المسعى وآخره ويَعْدُوَ في الوسط، وموضع النوعين معروفٌ) لم يُفصح عن موضع العدو، وقد أوضحه "التنبيه" بقوله [ص 76]: (ويمشي حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد نحوُ ستة أذرع، فيسعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذَين بفناء المسجد وحذاء دار العباس، ثم يمشي حتى يصعد المروة)، وعبارة "الحاوي" بمعناه (4)، ومحل ذلك: في الرجل، أما المرأة: فتمشي ولا تسعى، كما صرح به "التنبيه" (5)، والخنثى كالمرأة، قاله أبو الفتوح.

فصلٌ [في الوقوف بعرفة]

1491 - قول "التنبيه" [ص 76]: (فإذا كان في اليوم السابع من ذي الحجة.. خطب الإمام بعد الظهر بمكة، وأمر الناس بالغدو إلى منى من الغد) فيه أمور: أحدها: المراد: الإمام الأعظم، أو نائبه في ذلك؛ ولهذا عبر "المنهاج" بـ (الإمام أو منصوبه) 6، وعلى هذا تحمل عبارة "الحاوي" أيضًا 7.12345

ثانيها: المراد: صلاة الظهر، كما عبر به "المنهاج" 1، وذلك وارد على "الحاوي" أيضًا.
ثالثها: ذكر الظهر في عبارة الثلاثة جريٌ على الغالب، فلو كان يوم جمعة.. خطب بعد صلاة الجمعة، ولا تكفي عنها خطبة الجمعة.
رابعها: قد يتوهم من إطلاقه أنه يخطب خطبتين، وليس كذلك، بل يأتي بخطبةٍ فردةٍ، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 2. خامسها: تعبيرهم بالغدو يقتضي أن يكون خروجهم إلى منى بكرة النهار قبل الزوال، وهو المرجح في "الروضة" وأصلها هنا، فقال: المشهور: استحباب الخروج بعد الصبح بحيث يصلون الظهر بمنى 3، وقال في الباب قبله في المتمتع الواجد للهدي: يستحب أن يحرم بالحج يوم التروية، وهو الثامن، ويتوجه بعد الزوال إلى منى 4. سادسها: يستثنى من خروجهم بعد الصبح: ما إذا كان يوم جمعة؛ فإنهم يخرجون قبل الفجر على المشهور، قال شيخنا ابن النقيب: كذا أطلقوه، وهو محمول على من تلزمه الجمعة كالمكي، والمقيم بها إقامة مؤثرة، أما حاج لم يقم بها الإقامة المؤثرة.. فله الخروج بعد الفجر 5. قلت: وكذا إذا أمكنه إقامة الجمعة بمنى.
سابعها: اقتصر "التنبيه" على أمرهم بالغدو إلى منى، وزاد "المنهاج" و"الحاوي": تعليمهم ما أمامهم من المناسك 6، وهو محمول على ما أمامهم من المناسك إلى الخطبة الثانية، كما في "الروضة" وأصلها في الكلام على الخطبة الثانية المشروعة بنمرة أنه يخبرهم في كل خطبة عما بين أيديهم من المناسك إلى الخطبة الأخرى 7. قال في "المهمات": وهو خلاف مذهب الشافعي؛ فإنه نص على استحباب تعليم الجميع في هذه الخطبة، فقال في "الإملاء": يخطب يوم السابع بمكة بعدما يصلي الظهر، فيأمر الناس بالمضي إلى منى، والإحرام، والصلاة بمنى، والمسير إلى عرفة، وحضور الصلاة بعرفة، وغير ذلك من حجه.
انتهى.

1492 - قول "المنهاج" [ص 200]: (فإذا طلعت الشمس.. قصدوا عرفات) و"الحاوي" [ص 246]: (وسار إلى عرفات بعد الطلوع) يعتبر مع الطلوع إشراق الشمس على ثبير، وبه عبر "التنبيه"، وهو جبل كبير بمزدلفة على يمين الذاهب إلى عرفات، وتعبيرهما بعرفات أولى من قول "التنبيه" [ص 76]: (سار إلى الموقف) لأنه قال بعد ذلك: (ثم يروح إلى الموقف) 1، وفي قوله: (واغتسل للوقوف، وأقام بنمرة) 2 ما يوهم تقديم الاغتسال على الإقامة بنمرة، وليس كذلك؛ فإن الغسل إنما يكون عند التوجه إلى الموقف، والواو لا تقتضي ترتيبًا، وعبارة "الحاوي" توهم استمرار سيرهم إلى عرفات، وليس كذلك، بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى تزول الشمس، كما صرح به "التنبيه" و"المنهاج" 3، لكن ليس في عبارته تصريح بأن الخطبتين والصلاتين بنمرة، وصرح "التنبيه" بذلك، فعبارته أحسن.
1493 - قول "التنبيه" [ص 76] و"الحاوي" [ص 246]: (أنه يفرغ من الخطبة الثانية مع فراغ الأذان) صححه النووي والرافعي في "الشرح الصغير"، وحكى النووي في "الروضة": أن الرافعي صحح أن يفرغ منها مع فراغ الإقامة، ثم استدركه عليه 4، وهو وهمٌ؛ فلم يصحح الرافعي في "الشرح الكبير" شيئًا.
1494 - قولهم: (ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعًا) 5 قد يوهم أن هذا الجمع للنسك؛ لكونه لم يخصُّه بالمسافر، وكذا صححه النووي في "مناسكه" 6، لكن الأصح في "الروضة" وأصلها وغيرهما: أنه للسفر، فلا يجوز للحاضر، ولا للمكي في الأصح؛ لقصر سفره 7. 1495 - قول "المنهاج" [ص 200]: (ويقفوا بعَرَفَةَ إلى الغروب) بالنصب عطفًا على (يخطب) من قوله [ص 200]: (يستحب للإمام أو منصوبه أن يخطب) اعترض عليه بأمرين: أحدهما: أنه قد يفهم أن الوقوف مستحب، وهو ركن، وجوابه: أنه مقيد بالاستمرار إلى الغروب، وذلك مستحب على الصحيح، وقيل: واجب.
الثاني: أن معناه يؤول إلى أنه يستحب للإمام أو منصوبه أن يقفوا، فكان الأولى: أن يُفْرد، فيقول: (ويقف)، وكذا ما بعده من قوله: (ويذكروا الله... إلى آخره) 8.

1496 - قول "التنبيه" [ص 76]: (والأفضل: أن يقف عند الصخرات بقرب الإمام) محله: في الرجل، أما المرأة: فيندب لها الجلوس في حاشية الموقف، كما ذكره النووي في "شرح المهذب" و"المناسك" عن الماوردي، وأقره 1، قال في "المهمات": وقياسه: استحباب ذلك للخنثى أيضًا، ويكون على ترتيب الصلاة، قال: ثم يتعدى النظر إلى الصبيان عند اجتماعهم مع البالغين، ثم قال: إنه يتجه أنه لا يستحب لها قصد الوقوف مع الرجال عند الصخرات، وأما أمرها بمفارقة أهلها وخيامها الساترة لها، والوقوف في حاشية الموقف المؤدي غالبا إلى ضياع بعضهم من بعض.. فيبعد جدًا، وليس نظير الصلاة.
انتهى.
1497 - قوله: (وأن يكون راكبًا في أحد القولين) 2 فيه أمور: أحدها: أن هذا هو الأصح.
ثانيها: محل ذلك: في الرجل، أما المرأة: فيستحب لها أن تكون قاعدة؛ لأنه أستر لها، قاله الماوردي 3، وجزم به النووي في "تصحيحه" فقال: (وأن الوقوف راكبًا أفضل، إلا المرأة.. فقعودها أفضل) 4، واعترضه النشائي في "نكته": بأنه استثناء في غير موضعه، ومحله إذا قلنا: الترجل أفضل.. فتكون المرأة قاعدة لا واقفة، وإلا.. فالراكب قاعد غالبًا 5. قال في "المهمات": ولا شك في قعودها إذا لم تكن في هودج ونحوه، فإن كانت كما هو الغالب.. ففيه نظر، والمتجه: الوقوف، قال: والخنثى كالمرأة.
ثالثها: محل الخلاف أيضًا: فيمن من لا يحتاج إلى ظهوره ليُستفتى ويقتدى به، فإن كان.. فالأفضل في حقه: الركوب قطعًا، وكذا إذا شق عليه الوقوف ماشيًا، أو ضعف به عن الدعاء، قاله في "شرح المهذب" 6. 1498 - قول "المنهاج" [ص 200، 201]: (ويكثروا التهليل) أي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إلى (قدير)، قاله في "التنبيه" 7. 1499 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وأخروا المغرب ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمعًا) 8 فيه أمران:

أحدهما: أنه يوهم أن الجمع للنسك؛ لعدم تخصيصه بالمسافر، كما تقدم في جمع الظهر والعصر، والمشهور: أنه للسفر، كما تقدم في نظيره، فيحمل كلامهم على من سفره بعيد في الأصح.
ثانيهما: أنهم أطلقوا ذلك تبعًا للأكثرين، وقال الدارمي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والطبري والعمراني: إن ذلك إذا لم يخش فوت وقت الاختيار للعشاء، فإن خشي ذلك.. جمع بالناس في الطريق، ونص عليه الشافعي 1. قال في "شرح المهذب": ولعل إطلاق الأكثرين محمول على ما لم يخش فوت وقت الاختيار؛ ليتفق قولهم مع نص الشافعي وهذه الطائفة الكثيرة الكبيرة 2. واستنبط في "المهمات" من قول الشافعي في "الإملاء": (وأكره للرجل إذا دفع من عرفة أن يعرج حتى يأتي المزدلفة، فإن فعل.. لم يصل المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة، إلا أن يدركه نصف الليل... إلى آخره) أن استحباب التأخير إنما هو لمن قصد الدخول إليها، فإن لم يقصد.. فلا يستحب له هذا الجمع بناء على أن قول الشافعي: (فإن فعل) أي: أتى المزدلفة، قال: وهي مسألة حسنة ومتجهة في المعنى؛ لأنه إن كان غريبًا.. فهو في المنزل في وقت الأولى، والسنة فيه تقديم الثانية إليها، فلا يرحل حتى يصلي، وتأخيره عليه الصلاة والسلام لمعنى مناسب، وهو اشتغاله بقصد النسك، وإن كان مقيمًا.. فهو إنما يجمع على قولٍ للنسك وهو قصدُ مزدلفة، وذلك مفقود، ونازعه والدي رحمه الله في ذلك، وقال: الظاهر: أن مراد الشافعى بقوله: (فإن فعل) أي: عرّج للنزول قبل المزدلفة، فلا تؤخذ منه هذه المسألة.
1500 - قول "المنهاج" [ص 201]: (وواجب الوقوف: حضوره بجزءٍ من أرض عرفات، وإن كان مارًا في طلب آبقٍ ونحوه) أشار بقوله: (وإن كان مارًا) إلى أنه لا يشترط المكث، وليس ذلك في "المحرر"، قال الإمام: ولم يخرجوا ذلك على الخلاف في صرف الطواف إلى جهة أخرى، ولا يمتنع طرده، والظاهر: عدمه 3. 1501 - قولهم: (إنه لا يصح وقوف المغمى عليه) 4 كذا في "المحرر" و"الشرحين" 5، ووهم النووي، فصحح في "أصل الروضة": الصحة، وصرح في "شرح المهذب" بأن الرافعي

صححه، ثم استدرك عليه فصحح المنع من زوائده 1. ويؤخذ المنع في المجنون من طريق الأولى، وصرح به في "المحرر" 2، قيل: والمراد بعدم الإجزاء: أنه لا يقع فرضًا؛ فإن المتولي قال: إذا وقف مجنونًا.. يقع حجه نفلًا، حكاه عنه الرافعي والنووي، وأقرّاه 3، فالمغمى عليه أولى بذلك، وقد اعتمد ذلك شيخنا الاسنوي في "تصحيحه" 4، لكنه قال في "المهمات": إنه خلاف مذهب الشافعي؛ فإنه قال في "الإملاء": فاته الحج، وكان كمن لم يدخلها في أنه لا حج له، وفي "الأم" نحوه؛ ولذلك أطلق "التنبيه" أنه إذا وقف مغمى عليه.. فاته الحج 5. قال الأصحاب: وتشترط الإفاقة أيضًا عند الإحرام والطواف والسعي 6، ولم يتعرضوا للحلق، وقياس كونه نسكًا: اشتراطها فيه.
1502 - قول "المنهاج" [ص 201]: (والصحيح: بقاؤه إلى الفجر) كان ينبغي التعبير بـ (المذهب) كما في "المحرر" 7، وكذا في "الروضة": صح على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: في صحته قولان 8. 1503 - قول "التنبيه" [ص 77]: (ومن أدرك الوقوف بالنهار.. وقف حتى تغرب الشمس، فإن دفع قبل الغروب.. لزمه دم في أحد القولين) الأصح: أنه لا يلزمه دم، ولكن يستحب؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 201]: (أراق دمًا استحبابًا)، وعد "الحاوي" الوقوف إلى الغروب من السنن 9. لكن صحح النووي في "مناسكه": الوجوب 10، ومحلهما: إذا لم يَعُدْ، فإن عاد فكان بها عند الغروب.. فلا دم، وكذا إن عاد ليلًا في الأصح، ذكره "المنهاج" 11، وصحح في "شرح المهذب": القطع به 12، فينبغي على طريقته التعبير بالمذهب.

1504 - قول "التنبيه" وهو في (باب الفوات والإحصار) [ص 80]: (وإن أخطا الناس في العدد فوقفوا في غير يوم عرفة.. أجزأهم) يتناول ما لو وقفوا الحادي عشر، ولا يجزئهم قطعًا، والثامن، ولا يجزئهم أيضًا، فإن علموا قبل فوت الوقوف.. وجب الوقوف في الوقت، وإن علموا بعده.. وجب القضاء في الأصح، ذكره "المنهاج" 1. فلذلك فرض "المنهاج" المسألة في وقوف اليوم العاشر، و"الحاوي" فيما بين زوال الشمس يوم النحر والفجر 2، فدخل في عبارته ليلة الحادي عشر، ولم تتناولها عبارة "المنهاج"، وذكرها السبكي بحثًا، فقال: الذي يظهر أنها كالعاشر؛ فإنها من تتمته، وقد عرفت أنها منقولة، وصحح القاضي الحسين: عدم الإجزاء فيما إذا وقفوا فيها.
وبين عبارة "المنهاج" و"الحاوي" تفاوت آخر، وهو أن "المنهاج" عبر بقوله [ص 201]: (ولو وقفوا اليوم العاشر غلطًا) و"الحاوي" بقوله [ص 242]: (ولكثيرين كالطين)، فاقتضت عبارة "المنهاج" فيما لو تبين لهم الحال قبل الزوال، فوقفوا عالمين الصحة بناء على أن قوله: (غلطًا) مفعولًا له؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك لأجل الغلط، وإن كانوا حالة الوقوف عالمين بالحال، واقتضت عبارة "الحاوي" في هذه الصورة: البطلان وعدم الاحتساب؛ لأنهم لم يقفوا غالطين، بل عالمين، والأول هو الذي عليه عامة الأصحاب، كما حكاه الرافعي، وصححه في "شرح المهذب" 3، والثاني هو الذي قال البغوي: إنه المذهب 4، وأطلق القاضي حسين في ذلك وجهين من غير ترجيح، وإذا أعربنا قول "المنهاج": (غلطًا) مصدرًا في موضع الحال.. استوت عبارته مع عبارة "الحاوي" في ذلك.
واعلم: أن الرافعي صوّر المسألة بما إذا غم هلال ذي الحجة، فأكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين، ثم قامت البينة - إما بعد وقوفهم، أو في أثنائه -[أن الهلال كان قد أهل] 5 ليلة الثلاثين، وفي إطلاق الغلط والخطأ في العدد على هذا التصوير نظر، وإنما هو جهل، والتعبير بالغلط يتناول ما إذا وقع ذلك بسبب الحساب، وكذا يتناوله تعبير "التنبيه" بالخطأ في العدد مع أنه لا يجزئ كما صرح الرافعي في الكلام على الغلط بالتقديم، وحينئذٍ.. فما اقتضاه كلامهم ليس الحكم فيه كذلك، وما الحكم فيه ذلك.. لا يقضيه كلامهم، والله أعلم.

فصلٌ [في المبيت بمزدلفة وأعمال ليلة النحر]

1505 - قول "المنهاج" [ص 201]: (ومن دفع منها - أي: من مزدلفة -: بعد نصف الليل أو قبله وعاد قبل الفجر.. فلا شيء عليه، ومن لم يكن بها في النصف الثاني.. أراق دمًا) يقتضي أن الواجب من المبيت ساعة من النصف الثاني؛ سواء كان بها في شيء من النصف الأول أم لا، وهو الذي صححه النووي 1، ويوافقه قول "التنبيه" [ص 77]: (فإن دفع قبل نصف الليل.. لزمه دم في أحد القولين)، وصحح الرافعي: أن الواجب: مبيت معظم الليل؛ كما في مبيت ليالي منى، ثم استشكله من جهة أنهم لا يَصِلونَ إليها حتى يمضي نحو ربع الليل مع أن الدفع منها بعد نصف الليل جائز 2، وأطلق "التنبيه" قولين في وجوب الدم، وقال في "المنهاج" [ص 201]: (وفي وجوبه القولان) أي: المتقدمان فيمن نفر من عرفة قبل الغروب ولم يعد إليها، فيكون الأصح: الاستحباب كما في تلك المسألة، وعليه مشى "الحاوي" 3، لكن استدرك النووي في "الروضة" على الرافعي فقال: (الأظهر: وجوبه) 4، ولم يستدرك ذلك في "المنهاج"، وقال السبكي: الوجوب هو المنصوص في "الأم"، فهو الصحيح من جهة المذهب 5، وذكر في "المهمات" أن هذا الموضع من المواضع التي يسأل عنها في "المنهاج" لأنه ذكر المسألة في أول فصل، بحيث لم يتقدم فيه ذكر للقولين.
ومحل القولين: عند عدم العذر، أما المعذور بما سيأتي في مبيت منى.. فلا دم عليه، ومن هنا استنبط شيخنا الإمام البلقيني أنه لو بات من شرط مبيته في مدرسة مثلًا خارجها؛ لخوف على نفس أو زوجة أو مال ونحوها.. أنه لا يسقط من جامكيته شيء، كما لا يجبر هنا ترك المبيت للمعذورين بالدم، وقال: هو من القياس الحسن، ولم أسبق إليه.
انتهى.
وكذلك لا دم على من جاء عرفة ليلًا فاشتغل بالوقوف عنه، ولو أفاض من عرفة إلى مكة، فطاف للإفاضة بعد نصف الليل، ففاته المبيت لذلك.. فعن القفال وصاحب "التقريب": أنه لا دم عليه؛ لاشتغاله بالوقوف، وفيه احتمال للإمام؛ لعدم الضرورة إلى ذلك 6، وذهب ابن بنت الشافعي وابن خزيمة إلى أن مبيت مزدلفة ركن في الحج، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، وقواه

السبكي، وأطلق "التنبيه" و"الحاوي" استحباب المبيت بمزدلفة إلى طلوع الفجر (1)، ومحله: في غير النساء والضعفة أما هم: فيسن تقديمهم بعد نصف الليل إلى منى، ذكره "المنهاج" (2)، وهو المنقول، وقال السبكي: الأحاديث تدل على أن ذلك رخصة، وليس نسكًا، وتعبيرهم بأنه سنة لعلهم أرادوا؛ لأن السنة للإمام: تقديمهم، وأما هم: فلا يندب لهم.
قلت: ويدل لذلك تعبيرهم بقولهم: (يسن تقديم النساء)، ولم يقولوا: (تقدمهن)، لكن عبر شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بعبارة تقتضي استحباب ذلك لهن، فقال: (والصواب في غير الأقوياء كالنساء والضعفة: استحباب دفعهم من مزدلفة بعد نصف الليل، ولا يقيمون بها كغيرهم إلى طلوع الفجر) (3). 1506 - قول "التنبيه" [ص 77]: (ثم يصلي الصبح في أول الوقت) و"المنهاج" [ص 102]: (مُغَلِّسين) هو مستحب كل يوم، لكن في هذا اليوم هناك أشد استحبابًا.
1507 - قولهما: (ويأخذ منها حصى الجمار) (4) يقتضي أخذ جميعها، وهو سبعون حصاة لجميع الرمي، وهو وجه، والأصح: أنه يأخذ سبع حصيات ليوم النحر فقط.
1508 - قول "التنبيه" [ص 77]: (ومن حيث أخذ.. جاز) إن أراد: الجواز المستوي الطرفين.. ورد عليه أنه يكره من المسجد والحُشِّ (5) والمرمى، وزاد في "شرح المهذب": ومن الحل (6)، ولم يذكره الرافعي وصاحب "الكفاية"، ونص عليه الشافعي (7)، قال السبكي: وينبغي تحريم أخذه من المسجد إن كان جزءًا منه، أو للمسجد به نفع.
قلت: وصرح بذلك النووي في (باب الغسل) من "شرح المهذب" فقال: ولا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحصاة وحجر وتراب وغيره (8).

تنبيهٌ [متى يلتقط حصى الجمار؟ ]

قال الجمهور: يتزود الحصى ليلًا قبل أن يصلي الصبح، وقال البغوي: يؤخر أخذها عن12345678

الصلاة 1، قال في "المهمات": وهو الصواب نقلًا ودليلًا؛ فقد رأيته منصوصًا عليه في "الأم" و"الإملاء" 2، وروى النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للفضل غداة يوم النحر: "التقط لي حصىً... " 3 الحديث.
انتهى.
ويوافقه قول "المنهاج" [ص 201]: (ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي) إن جعلناه معطوفًا على قوله قبله: (ثم يدفعون إلى منىً) 4.. فإن ذلك بعد صلاة الصبح، لكن الظاهر: أنه معطوف على قوله في أول الفصل: (ويببتون) 5 لأنه يلزم من عطفه على قوله: (يدفعون) 6 قَصرُ الاستحباب على غير الضعفة والنساء، وهو يعمهم.
1509 - قولهم: (ويقف بالمشعر الحرام) 7 أي: الأفضل ذلك، ولو وقف في غيره من المزدلفة تأدَّى أصل السنة على الأصح، وكذا لو مَرّ ولم يقف.. كفاه؛ كما في "الكفاية" عن القاضي حسين، وأقره، وصرح "التنبيه" بأن قزح هو المشعر الحرام 8، وقال الرافعي: هو جبل بالمشعر 9، وقال النووي تبعًا لابن الصلاح: هو جبل صغير في آخر المزدلفة، قالا: وقد استبدل الناس به الوقوف على بناء محدث هناك يظنونه المشعر الحرام، وليس كما يظنون، لكنه يحصل بالوقوف عنده أصل السنة كما تقدم 10. وقال المحب الطبري: هو بأوسط المزدلفة، وقد بني عليه بناء، ثم حكى كلام ابن الصلاح، ثم قال: والظاهر: أن البناء إنما هو على الجبل، والمشاهدة تشهد له، قال: ولم أر ما ذكره - يعني: ابن الصلاح - لغيره.
1510 - قولهم: (ويقطع التلبية مع أول حصاة) 11 محله: إذا جعله أول أسباب التحلل، كما هو الأفضل، أما إذا قدم الطواف أو الحلق عليه.. قطع التلبية من حينئذ، وأما المعتمر: فيقطع التلبية عند ابتداء الطواف.

1511 - قول "التنبيه" [ص 77]: (ويرفع يده حتى يُرى بياض إبطيه) محله: في الرجل، أما المرأة: فلا ترفع، صرح به الماوردي 1، وذكره النووي في "تصحيحه" بلفظ: (الأصح) 2، ومقتضاه: أن فيه وجهًا: أنها ترفع، قال النشائي وغيره: (ولم أره) 3، ويظهر أن الخنثى في ذلك كالمرأة.
1512 - قوله: (فإذا رمى.. ذبح هديًا إن كان معه) 4 الهدي المتطوع به لا يدخل وقت ذبحه بالفراغ من الرمي إلا إذا رمى في الوقت المسنون؛ لأن الأصح: اختصاصه بوقت الأضحية، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك 5. 1513 - قول "المنهاج" [ص 202]: (والحلق أفضل) هذا في الحج، وكذا العمرة، كما هو ظاهر إطلاق الشافعي والأصحاب، وأطلق النووي في "شرح مسلم": أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج؛ لأنه أكمل العبادتين، وفصّل الشافعي في "الإملاء" فقال: إن قدم قبل وقت الحج بزمن لو حلق حَمَّمَ رأسه حتى يأتي يوم النحر وثم شعر يُحْلَق.. أحببت له الحلق، وإن قدم يوم التروية أو عرفة في وقت لو حلق لم يحمّم رأسه.. اخترت له أن يقصّر؛ ليحلق يوم النحر، واعتمد في "المهمات" هذا النص، وقال: إنها مسألة نفيسة 6. 1514 - قولهم: (وتقصّر المرأة) 7 زاد "التنبيه" [ص 77]: (ولا تحلق)، وفي "شرح المهذب" وجهان، أصحهما: أنه مكروه لها، والثاني: حرام 8، وقيد في "المهمات" الكراهة بثلاث شروط: أحدها: أن تكون المرأة كبيرة، وقال: المتجه في صغيرة لم تنته إلى سن يترك فيه شعرها: أنها كالرجل في استحباب الحلق.
الثاني: أن تكون حرة؛ فالأمة إن منعها السيد من الحلق.. حرم، وكذا إن لم يمنع ولم يأذن على المتجه.
الثالث: أن تكون خليّة عن الأزواج؛ فالمتزوجة إن منعها الزوج الحلق.. احتمل الجزم

بامتناعه؛ لأن فيه تشويهًا، واحتمل تخريجه على الخلاف في إجبارها على ما يتوقف عليه كمال الاستمتاع، والأصح: الإجبار، قال: وفي التحريم عليها عند منع الوالد نظر، والأوجه: إثباته.
انتهى.
وفي "شرح المهذب" عن العجلي: أن الخنثى كالمرأة 1. 1515 - قول "التنبيه" [ص 77]: (وهل الحِلاق نسك أم لا؟ قولان) الأظهر كما في "الروضة": أنه نسك 2، وفي "المنهاج": أنه المشهور 3، وبينهما في اصطلاحه تناف، وقد حكى "التنبيه" هذا الخلاف أيضًا في (باب فرض الحج والعمرة وسننهما) وجعل بدل كونه نسكًا: أنه من الواجبات 4، والأظهر: أنه ركن، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك، وعليه مشى "الحاوي" 5. 1516 - قولهم: (وأقله: ثلاث شعرات) 6 ظاهره: أنه لا فرق بين أن يأخذها دفعة أو متفرقًا، وهو المذهب في "شرح المهذب"، وجزم به في "المناسك" 7، لكن كلام "الروضة" وأصلها قبل موانع الحج يقتضي تصحيح أنه لا يكفي أخذها متفرقًا؛ فإنه خرجه على تكميل الدم بذلك، والأصح: عدم التكميل، بل يجب ثلاثة أمداد.
1517 - قول "المنهاج" [ص 202]: (حلقًا أو نتفًا أو تقصيرًا أو إحراقًا أو قصًّا) محله: إذا لم يَنذِرِ الحلقَ، فإن نذره وقلنا بوجوبه وهو الأصح.. تعين استيعابه بالحلق، وقد ذكره "الحاوي" 8. 1518 - قولهما: (ومن لا شعر برأسه.. يستحب إمرار الموسى عليه) 9 يقتضي كما في "المهمات" أنه إذا كان على بعض رأسه شعر.. لا يستحب إمرار الموسى على الباقي، قال: والقياس: خلافه.
1519 - قول "التنبيه" [ص 77، 78]: (ثم يخطب الإمام بالناس بمنى بعد الظهر، قال: ثم يفيض إلى مكة، ويغتسل ويطوف طواف الزيارة) فيه أمران:

أحدهما: أنه صريح في أنه لا يستحب أن يذهب لمكة لطواف الزيارة إلا بعد الظهر، وليس كذلك، بل يستحب أن يذهب لها ضحوة ثم يعود إلى منى قبل صلاة الظهر بحيث يصليها بمنى؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 202]: (فإذا حلق أو قصر.. دخل مكة وطاف طواف الركن) فظاهره: فعل ذلك بعد الحلق من غير تأخير إلى بعد الظهر.
ثانيهما: استحباب الغسل لطواف الركن قول قديم جزم به النووي في "مناسكه الكبرى" 1، والجديد: خلافه.
1520 - قولهم: (ويدخل وقتها بنصف ليلة النحر) 2 أي: بشرط تقديم الوقوف عليها، فلو فعل شيئًا منها قبله.. لم يعتد به.
1521 - قول "المنهاج" [ص 202]: (ويبقى وقت الرمي إلى آخر يوم النحر) كذا صححه في "الروضة" وأصلها 3، وقيل: يمتد تلك الليلة إلى الفجر، وصححه النووي في "مناسكه" عند الكلام على رمي التشريق 4. 1522 - قول "المنهاج" [ص 202]: (ولا يختص الذبح بزمن) يُبيّن أن إطلاق دخول وقتها بنصف ليلة النحر محله: في غير الذبح، ثم استدرك فقال: (الصحيح: اختصاصه بوقت الأضحية، وسيأتي في آخر باب "محرمات الإحرام" على الصواب) 5. واعْتُرض عليه: بأن الهدي يطلق على دم الجبران والمحظور، وهذا لا يختص بزمان؛ كالدين، وهو المراد هنا، وفي قوله أولًا: (ثم يذبح من معه هدي) 6، وعلى ما يساق تقربًا إلى الله تعالى، وهذا هو المختص بوقت الأضحية على الصحيح، وهو المذكور في آخر محرمات الإحرام، فلم يتوارد الكلامان على محل واحد حتى يُعَد ذلك تناقضًا، وقد أوضح الرافعي ذلك في (باب الهدي) من "شرحه الكبير"، فذكر أن الهدي يقع على الكل، وأن الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو ما يسوقه المحرم، فظن النووي أن المراد بالهدي هنا: ما يساق فقط، عكس مراد الرافعي على ما بينه في "الشرح"، فاستدركه عليه، وكيف يجيء الاستدراك مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد 7؟ وقد اعترض بهذا شيخنا الإسنوي في "المهمات" و"شرح

المنهاج"، لكنه في "الجواهر" وافق النووي، وعدّه تناقضًا، ووافقه شيخنا ابن النقيب، وقال: ما استدركه النووي متوجه من وجهين: أحدهما: أن المساق هو الظاهر عند إطلاق لفظ الهدي.
والثاني: أنه اللائق بما يفعل يوم النحر؛ فإن دم المحظور قد لا يجوز تأخيره إلى يوم النحر؛ لكون سببه محرمًا، وقد لا يكون وُجِد بعدُ؛ فإنه قد يفعل سببه بعد ذلك، وذلك يقوي أن قوله أولًا: (ثم يذبح من معه هدي) أنه المساق تقربًا، وحينئذ.. فيرجع قوله: (ولا يختص الذبح بزمن) إلى ذبح الهدي المُساق؛ فيتوجه الاستدراك على ظاهر لفظ "المحرر" هنا مأخوذًا من إتيانه به على الصواب في محرمات الإحرام، وأما كون الرافعي في "الشرح" ذكر أن الهدي يطلق على الكل.. فلا يدفع الإيراد عن "المحرر" مع ظهور غير المراد منه.
انتهى 1. 1523 - قوله: (والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها) 2 أي: ويبقى محرمًا حتى يأتي بها، صرح به في "شرح المهذب"، لكن يكره تأخير الطواف عن يوم النحر، وكراهته عن أيام التشريق أشد، وإذا أخره عن أيام التشريق.. لا يوصف بأنه قضاء، خلافًا للمتولي 3. قال ابن الرفعة: الذي يظهر لي امتناع تأخيره لمن لم يتحلل التحلل الأول، بل يمتنع تأخير التحلل الأول إلى العام القابل؛ لأنه يصير محرمًا بالحج في غير أشهره، وأيده بأن من فاته الحج.. يلزمه التحلل على الفور، لكن المحصر لا يجب عليه التحلل.
قال شيخنا ابن النقيب: ولم يظهر لي تعليل ابن الرفعة وغيره منع التأخير بكونه محرمًا بالحج في غير الأشهر، ووقت الحج يخرج بفجر يوم النحر، ولا يجب التحلل قبله قطعأ، بل الأفضل: تأخيره عنه 4. قلت: ويظهر أن الممنوع منه ابتداء الإحرام بالحج في غير أشهره، لا دوامه وإن كان المنقول خلافه.
1524 - قول "التنبيه" [ص 78]: (وفيما يحل بالتحلل الأول والثاني قولان، أصحهما: أنه يحل بالأول ما سوى النساء، ويحل بالثاني النساء) إن أراد بالنساء: وَطْأَهُنَّ خاصّة.. خرج به عقد النكاح، والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، فيحلان بالتحلل الأول، وهو المصحح في "الشرح الصغير" فيهما، وفي "المحرر" في العقد، وعليه مشى "الحاوي" 5، وإن أراد: كل ما حرم

مما يتعلق بهن.. دخل فيه العقد والمباشرة، فيحرمان إلى التحلل الثاني، وهو المحكي في "الشرح الكبير" عن الأكثر، وعليه مشى في "الروضة" (1)، واستدركه في "المنهاج" فقال [ص 203]: (وحل به اللبس والحلق والقلم، وكذا الصيد وعقد النكاح في الأظهر.
قلت: الأظهر: لا يحل عقد النكاح).
ويرد على عبارة "المنهاج": الطيب؛ فإنه مما يحل بالتحلل الأول على المذهب، ولم يذكره، بل يندب قبل التحلل الثاني، وكذا يرد على تعبير "التنبيه" عن القول الثاني: بأنه يحل بالأول لبس المخيط والحلق وتقليم الأظفار، ويحل بالثاني الباقي، ويرد عليه أيضًا: الصيد؛ فإنه يحل بالأول على الأظهر كما تقدم، ولا يرد شيء من ذلك على "الحاوي" لأنه ذكر حل المحظورات بالأول، ولم يستثن منها سوى الجماع، ولم يذكر الحلق في "المحرر"، وذكر ستر الرأس، فأسقطه "المنهاج" ولعله لدخوله في اللبس، ووجه المرأة كرأس الرجل، وتساهل في كونه لم يبين أن الحلق من زيادته؛ لعدم الخلاف فيه، والله أعلم.

فصلٌ [المبيت بمنى ليالي التشريق]

1525 - قول "المنهاج" [ص 203]: (إذا عاد إلى منى.. بات بها ليلتي التشريق) أي: وجوبًا، كما يدل عليه عبارة "الحاوي" 2، وصححه النووي بعد أن نقل عن الرافعي استحبابه 3، والذي قاله الرافعي: أنهم اتفقوا على تشبيه القولين بالقولين في النفر من عرفة قبل الغروب، وقد تقدم ترجيح الاستحباب، فيشبه أن يكون هنا مثله، وبه صرح ابن كج وغيره، وكلام الأكثرين يميل إلى ترجيح الإيجاب.
انتهى.
فأسقط النووي ذلك، وأطلق حكاية تصحيح الاستحباب، وفيه نظر، والمعتبر فيه معظم الليل، كما رجحه الرافعي، وأقره النووي، ولم ينازعه إلا في مبيت مزدلفة كما تقدم.
1526 - قول "التنبيه" [ص 78]: (فإن ترك المبيت في الليالي الثلاث.. لزمه دم في أحد القولين) هو الأظهر عند النووي، وحكى عن الرافعي تصحيح الاستحباب 4، وقد عرفت ما فيه، والتصوير في الليالي الثلاث مختص بمن لم ينفر في اليوم الثاني.1

1527 - قوله: (وفي ليلة.. الأقوال الثلاثة التي في الحصاة) 1 أي: وهي ثلث دم أو مد أو درهم، والأصح: مد.
1528 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النفر قبل غروب الشمس.. جاز وسقط مبيت الليلة الثالثة وَرَمْيُ يومها) 2 شرطه: أن يكون قد بات الليلتين قبله، وإلا.. لم يجز النفر إن كان قد ترك مبيتهما بغير عذر، كذا نقله الروياني عن الأصحاب، وحكاه عنه النووي في "شرح المهذب" وأقره 3، وأطلق الماوردي أنه لا يجوز النفر إلا لمن بات الليلتين، ولم يفصّل بين المعذور وغيره 4. 1529 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فإن لم ينفر حتى غربت.. وجب مبيتها وَرَمْيُ الغد) 5 أي: إن لم يشرع في شيء من أسباب الرحيل، أما لو ارتحل فغربت الشمس قبل انفصاله من منى.. لم يلزمه المبيت، وفيه وجه ضعيف، وكذا إن غربت بعد أخذه في شغل الارتحال أو نفر قبل الغروب، فعاد لشغل قبله أو بعده في الأصح، فلو تبرع في هذه الحالة وبات.. لم يلزمه الرمي في الغد كما حكي عن نص الشافعي 6. 1530 - قول "التنبيه" [ص 78]: (ويجوز لأهل سقاية العباس ورعاء الإبل أن يدعوا المبيت ليالي منى، ويرموا يومًا، ويدعوا يومًا، ثم برموا ما فاتهم) فيه أمور: أحدها: أن ذلك لا يختص بسقاية العباس؛ فلو أحدثت سقاية للحاج.. فللقيِّم بشأنها ترك المبيت، كما صححه النووي 7، وحكاه الرافعي عن البغوى، وحكى عن ابن كج وغيره: أنه ليس له ذلك 8، قال في "المهمات": وهو الصحيح؛ فقد نقله المارودي والرويانى عن نص الشافعي، والمشهور كما أشعر به لفظ الرافعي 9. ثانيها: أن المراد: إبل الحجيج، كما دل عليه تعليل الرافعى بأن شغلهم ينفع الحجيج عامةً 10,

وقال النشائي: خصوه بالإبل، فإن كان لمصلحة الحاج.. فواضح، وإلا.. فالغالب الإبل؛ فلا مفهوم له 1. قلت: ولو كان لمصلحة الحاج.. لا ينبغي اختصاصه بالإبل؛ فقد يكونون رعاة الغنم التي يسوقها الحاج للأكل منها.
ثالثها: لا يتعين البداءة برمي يوم، بل لو بدأوا بتركه.. جاز.
رابعها: لا يختص ذلك بمبيت منى؛ فمبيت مزدلفة كذلك كما أشعر به صدر كلام الرافعى والنووي 2، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية"، وحكاه المحب الطبري عن صاحب "الفروع".
1531 - قوله: (ومن ترك المبيت لعبد أبق، أو أمر يخاف فوته.. كان كالرعاء وأهل السقاية على المنصوص) 3 فيه أمور: أحدها: أن مقابله منصوص أيضًا كما حكاه الماوردي 4، فالمسألة ذات قولين لا وجهين، كما في "الروضة" وأصلها 5. ثانيها: قال في "الكفاية": أفهم اختصاص الخلاف بذلك، وأطبقوا على جريانه في مريض منعه مرضه البيتوتة بمنى، قال الماوردي: والحائض.
ثالثها: قال في "المهمات": إن كلام الأصحاب يوهم أن الخلاف في جواز ترك المبيت، والصواب: أنه في وجوب الدم مع القطع بجواز الترك، فكيف يجب عليه أن يبيت ويترك المريض ضائعًا، أو المال تالفًا، أو يمكث لمن يقتله 6، ونحو ذلك؟ رابعها: أن الثعالبي قال في "سر اللغة": إنه لا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذَهَابُهُ من غير خوفٍ، ولا كدٍّ في العمل، وإلا.. فهو هاربٌ 7. 1532 - قول "المنهاج" [ص 203]: (ويدخل رمي التشريق بزوال الشمس، ويخرج بغروبها، وقيل: يبقى إلى الفجر) أي: كل يوم يدخل وقت رميه بالزوال، ويخرج بالغروب، ومحل الوجه بالبقاء إلى الفجر: في غير اليوم الثالث، أما الثالث: فيخرج وقت رميه بغروب شمسه قطعًا، وينافي المذكور هنا ما صححه في "الروضة" وأصلها: من بقاء وقت الرمي في جميع الأيام إلى

انقضاء أيام التشريق 1، وهو ظاهر "المنهاج" وصريح "الحاوي" كما سيأتي 2، وحمل ابن الرفعة الأول على الاختيار، والثاني على الجواز.
1533 - قول "التنبيه" في جمرة العقبة [ص 77]: (فيرمى إليها سبع حصيات واحدة واحدة، لا يجزئه غيره) ثم قال في بقية الجمرات: (كل جمرة سبع حصيات كما وصفنا) 3، وعبارة "المنهاج" مثله 4، وفيهما أمور: أحدها: أنه يشترط كون الرمي باليد؛ ليخرج الرمي بالقوس والدفع بالرجل، وسكتا عنه، وكذا "الحاوي" لأنه المتبادر إلى الفهم والمعتاد، فاستغنى بذلك عن التصريح به.
ثانيها: يقوم مقام الحصى كل ما يسمى حجرًا، كما صرحا به بعد ذلك، حتى حجر الحديد والياقوت والعقيق والفَيرُوزَج 5 والزمرد والبلور والزبرجد على الأصح، لا الذهب ونحوه من المنطبعات، ولا اللؤلؤ، وما ليس من طبقات الأرض، وعبارة "الحاوي" [ص 247]: (بحجر وياقوت لا إثْمد)، ولو قال: (ياقوت) بغير عطف.. لكان أحسن؛ لأن الياقوت داخل في اسم الحجر.
ثالثها: أفهم كلامهما: أنه لو وقع الشك في أن الحصاة وقعت في المرمى أم لا؟ أنه يجزئه؛ لجعلهما الواجب الرمي إلى الجمرة، وهو قول قديم، والجديد: المنع، وكذا يرد على "الحاوي".
رابعها: وأفهم أيضًا: أنه لو رمى بحصاة ثم أخذها ورمى بها... وهكذا سبعًا.. أنه لا يجزئه، وهو وجه رجحه الإمام، وقواه ابن الصلاح 6، لكن الأصح: الإجزاء، حكاه الرافعي عن تصحيح البغوي، وصححه في "الشرح الصغير" 7، وهو المصحح في "أصل الروضة"، ونقله في "شرح المهذب" عن اتفاق الأصحاب 8. خامسها: لا يشترط رميها واحدة واحدة، فلو رمى جملة السبعة سبع مرات.. أجزأه مع انتفاء صفة الوحدة، ولا يرد ذلك على "المحرر" لقوله: (ويشترط رمي الحصيات السبع في سبع

دفعات) 1، وكذا عبارة "الروضة": يشترط أن يرمي الحصيات في سبع دفعات 2، ولا يرد هذا والذي قبله على "الحاوي" لقوله [ص 247]: (سبع رميات).
نعم؛ يرد عليهم: ما إذا رمى حصاتين دفعة واحدة؛ أحدهما باليمنى، والأخرى باليسرى.. فإنه لا يحسب له إلا واحدة بالاتفاق، كما قال النووي في "شرح المهذب" 3. سادسها: يرد على قول "التنبيه" [ص 77]: (يرمي إليها)، و"الحاوي" [ص 247]: (إلى جمرة العقبة): أنه لو وقف في طرف منها ورمى إلى طرف آخر.. أجزأه، كما جزم به الرافعي والنووي 4، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 203]: (ولا كون الرامي خارجًا عن الجمرة).
سابعها: أورد في "الكفاية" على قول "التنبيه" [ص 78]: (كما وصفنا) أنه يقتضي استحباب أن يكون في رمي أيام التشريق راكبًا كما في رمي يوم النحر، والأصح المنصوص: أنه يستحب أن يرمي في اليومين الأولين ماشيًا وفي الثالث راكبًا؛ لأنه يسير بعده، قال النشائي: وفيه نظر؛ فإن اللفظ ظاهر في صفة الرمي وهي واحدة واحدة دون صفة الرامي، وإلا.. لورد كيفية الوقوف من كونه يوم النحر مستدبر القبلة على ما قال الرافعي، أو مجانبًا لها بيساره على ما رجحه النووي، وأيام التشريق مستقبلها، وإن لم يَصِفْه 5. وقال شيخنا الإمام البلقيني: نص "الأم" يقتضي أنه إنما يسن الركوب عند رمي جمرة العقبة خاصة 6. 1534 - قول "المنهاج" [ص 203]: (وترتيب الجمرات) و"الحاوي" [ص 247]: (بالترتيب) عبارة مبهمة لا يفهم المراد منها إلا العارف بالمناسك، وقد أوضح ذلك "التنبيه" فقال [ص 78]: (فيرمي الجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، ويقف قدر "سورة البقرة"، ويدعو الله تعالى، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف ويدعو كما ذكرنا، ثم يرمي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، ولا يقف عندها).
1535 - قول "التنبيه" [ص 78]: (والأولى: أن يكون بحصى الخَذْفِ) قد يفهم: أنه يرمي به على هيئة الخذف، فيضع الحجر على بطن الإبهام ويرميه برأس السبابة، وكذا قال الرافعي 7،

لكن صحح النووي أنه يرمي لا على هيئة الخَذْفِ 1، ولذلك قال "المنهاج" [ص 203]: (بقدر حصى الخَذْفِ)، فيحمل كلام "التنبيه" على أنه بقدره لا على هيئته، وهو دون الأنملة طولًا وعرضُا، وذلك قدر الباقلا.
1536 - قولهما: (ومن عجز عن الرمي.. استناب) 2 ليس المراد: العجز الذي ينتهي إلى اليأس كما في استنابة الحج، وإنما المراد: العجز في الحال إذا لم يرج زواله قبل خروج وقت الرمي؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 247]: (ويُنِيبُ عاجز لا يقدر في وقته) سواء أكان العجز بمرض أو حبس أو غيرهما، وسواء حبس بحق أم بغيره بالاتفاق كما في "شرح المهذب" 3، لكن شرط ابن الرفعة: أن يحبس بغير حق، وذكر أن البندنيجي حكاه عن "الأم"، ويشترط أيضًا: أن يكون النائب قد رمي عن نفسه في الأصح، وإلا.. وقع له.
1537 - قول "التنبيه" [ص 78]: (ويُكبّر هو)، قال في "الكفاية": هذا إذا كان حاضرًا، فإن عجز عن الحضور معه.. كَبَّر الرامي، حكاه القاضي أبو الطيب وغيره.
1538 - قول "الحاوي" [ص 247]: (ولا ينعزل بإغمائه) قد يستشكل؛ لأنه وكيل، والوكيل ينعزل بإغماء الموكل في الأصح.
وجوابه: أن هذا توكيل لعذر، فسومح ببقائه مع حدوث الإغماء.
1539 - قول "المنهاج" [ص 203]: (وإذا تَرَكَ رَمْيَ يومِ.. تداركه باقي الأيام على الأظهر ولا دم) فيه أمور: أحدها: قال شيخنا ابن النقيب: أي: من أيام التشريق؛ فإن كلامه فيه، قال: وكذلك لو ترك رَمْيَ يوم النحر.. فإنه يتداركه كغيره في الأصح، وقيل: لا يتداركه قطعًا، وعلى هذه الطريقة يصح ما قدمناه من أن وقت رمي يوم النحر ينقضي بيومه، وقيل: يمتد إلى الفجر، وإن قلنا بالطريقة الأولى - وهي الأصح - وقلنا: بالأداء - كما سيأتي تصحيحه -.. امتد وقته إلى آخر أيام التشريق، فيخالف ما تقدم، وقد يقال: يجوز تداركه قضاءً أو أداء مع القول بتحريم التأخير، فلا مخالفه.
انتهى 4. ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 247]: (والمتروك يتدارك) فإنه شامل للجميع، ولم يسبق منه ما يخالفه، والله أعلم.

ثانيها: لو ترك رمي يومين.. كان كذلك، كما في "الروضة" وأصلها 1، وقد دخل في عبارة "الحاوي" المتقدمة، وهو مشكل مع قولهم: أرباب الأعذار يجوز لهم تأخير رمي يوم واحد، وليس لهم تأخير يومين، فكيف يمتنع مع العذر تأخير رمي يومين مع جوازه بلا عذر؟ ثالثها: الأصح: أن هذا المتدارك أداء، ذكره "الحاوي" 2، وحينئذ.. فيشكل مع ما تقدم من خروج رمي التشريق بالغروب، وقد تقدم هذا الاستشكال وجوابه من كلام ابن الرفعة.
1540 - قول "التنبيه" [ص 78]: (فإن ترك الرمي حتى مضت أيام التشريق.. لزمه دم) قد يفهم أنه لا يلزم الدم بدون ذلك، وفي "المنهاج" [ص 203]: (والمذهب: تكميل الدم في ثلاث حصيات) ولهذا قال "الحاوي" [ص 247]: (وفي كل وثلاثٍ.. دمٌ).
1541 - قول "التنبيه" [ص 78]: (فإن ترك حصاة.. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: يلزمه ثلث دم، والثاني: مد، والثالث: درهم (الأظهر: مد، وعليه مشى "الحاوي" 3، وصورة المسألة: أن تكون الحصاة من الجمرة الأخيرة يوم النفر، وإلا؛ فإذا فرعنا على إيجاب الترتيب بين الأداء والقضاء - وهو الأصح -.. فما بعد المتروك مُطَّرَح حتى يكمل.
1542 - قول "التنبيه" [ص 78]: (وإن أراد الخروج بعد قضاء النسك.. طاف للوداع)، و"المنهاج" [ص 203]: (إذا أراد الخروج من مكة.. طاف للوداع) فيه أمران: أحدهما: أن ظاهر كلامهما: أنه لا فرق بين أن يريد الخروج إلى مسافة القصر أو دونها، وهو الذي صححه في "شرح المهذب" 4، لكن في "الروضة" وأصلها: تقييده بالخروج إلى مسافة القصر 5، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 248]: (على قاصد سفر القصر)، والصحيح عند السبكي: التعميم فيمن سافر إلى منزله، أما من سافر إلى دون مسافة القصر على قصد الرجوع ولم يكن منزله.. فلا وداع عليه.
ثانيهما: ظاهر كلامهما: اختصاصه بمن أتى بنسك، بل صرح به "التنبيه" في قوله [ص 78]: (بعد قضاء النسك)، لكن الأصح: مشروعيته وإن لم يكن بعد نسك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 248]: (ويجب طواف الوداع على قاصد سفر القصر من مكة)، فلم يذكره من جملة أفعال النسك، ويستثنى من كلام من لا يفرق بين سفر القصر وما دونه: المعتمر يخرج للتنعيم لا وداع

عليه عند الشافعي كما قال ابن المنذر 1، ونقله في "البيان" عن الشيخ أبي نصر 2، وأما الخارج يوم التروية: فيستحب له الوداع، ولم يثبت فيه حديث، ذكر ذلك شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
ويختص "التنبيه" بأن عبارته صريحة في أن طواف الوداع ليس من النسك، وهو الذي صححه الرافعي والنووي 3، ولهذا لا يؤمر به المكي، لكن صحح السبكي: أنه من المناسك، وقال: تظافرت عليه نصوص الشافعي والأصحاب، قال: ولم أر من صرح بأنه ليس من المناسك إلا صاحب "التتمة"، وتبعه على ذلك في "المهمات"، وبسطه، وهو موافق لعد "التنبيه" له في (باب فروض الحج والعمرة وسننهما) من واجبات الحج على أحد القولين، ويختص "المنهاج" و"الحاوي" بأنه لا يختص ذلك بالخروج من مكة، فلو أراد الرحيل من منى إلى بلده.. لم يجز حتى يطوف.
1543 - قول "المنهاج" [ص 203]: (ولا يمكث بعده) و"التنبيه" [ص 79]: (ولم يقم بعده، فإن أقام.. لم يعتد بطوافه عن الوداع) يستثنى منه: مكثه بسبب الرحيل؛ كشراء زاد وشد رحل ونحوهما.. فالأصح فيه: أنه لا يعيده؛ كما لو حضرت صلاة فصلاها.. فإنه لا يعيد، كما جزم به في "الروضة" 4 ولهذا قال "الحاوي" [ص 248]: (فإن وقف لا لشغل السفر.. بطل).
1544 - قول "التنبيه" [ص 79]: (ومن ترك طواف الوداع.. لزمه دم في أحد القولين) هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 5، وفي "الكفاية": إن هذا هو الخلاف المذكور في أنه من واجبات الحج، وخالفه النشائي، وقال: الخلاف في الرافعي وغيره في أنه واجب من حيث هو، لا بخصوص النسك 6. ويستثنى من ذلك: المتحيرة إذا تركت الوداع.. فلا دم، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: فيه احتمال في "البحر" 7. 1545 - قول "المنهاج" [ص 204]: (وفي قول: سُنَّةٌ لا تجبر) أي: لا تجبر بالدم وجوبًا، بل تجبر ندبًا؛ فإنه يجبر به قطعًا، وفي وجوبه الخلاف المتقدم.

واعلم: أن جبره بالدم وجوبًا أو ندبًا ظاهر على القول بأنه من المناسك، أمّا إذا قيل بالمصحح: أنه ليس منها.. فليس واضحًا، فينبغي ألَّا يجبر، ويؤيده أن طواف القدوم لا يجبر به على المذهب، قال السبكي: ولا أظن أحدًا يقول به إذا لم يقع عقب نسك، فإن قيل به.. فهو في غاية الإشكال.
1546 - قوله: (فإن أوجبناه، فخرج بلا وداعٍ فعاد قبل مسافة القصر.. سقط الدم) 1 واضح - على ما تقدم عن "الروضة" وأصلها - من أن الخروج إلى دون مسافة القصر لا يقتضي وداعًا 2، وأما على ما في "شرح المهذب" أنه يقتضيه 3.. فينبغي ألَّا يسقط، ثم محل السقوط: إذا طاف بعد عوده، وقد صرح به في "المحرر" 4، فلو عاد فمات قبل أن يطوف.. لم يسقط.
1547 - وقوله: (أو بعدها.. فلا على الصحيح) 5 عبر في "الروضة" بالأصح 6، وذلك يقتضي قوة مقابله، لكن في "شرح المهذب" أن الجمهور قطعوا بالسقوط 7، وذلك يقتضي ضعف مقابله، كما في "المنهاج"، ولم يتعرض "الحاوي" لسقوط الدم، وإنما ذكر وجوب العود، فقال [ص 248]: (والعود قبل مسافته له).
1548 - وقوله: (لا إن طهرت الحائض) 8 أي: لا يجب عليها العود إذا طهرت.
يستثنى منه: ما إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة، وقيل: في الحرم.. فيجب عليها العود.
1549 - قولهم: (وللحائض النفر بلا وداعٍ) 9 كذلك النفساء.
1550 - قول "التنبيه" [ص 79]: (ويكون آخر عهده بالبيت إذا خرج.. النظر إليه إلى أن يغيب عنه) يقتضي أنه لا يوليه ظهره، بل يمشي القهقرى، والأصح: خلافه، والمختار: أنه لا يلتفت أيضًا.
1551 - قول "المنهاج" [ص 204]: (ويسن شرب ماء زمزم) قد يوهم أن ذلك بعد فراغه من طواف الوداع؛ لذكره عقبه، وليس كذلك؛ ولهذا أطلق "التنبيه" استحبابه لكل حاج، ولم

يذكره بعد طواف الوداع، وزاد: (شربه لما أحب، والتضلع منه) (1) ومع ذلك فَذِكْرُ الحج مثال، فلا اختصاص لهذه السنة وما ذكر بعدها بالحاج، وقد أطلق في "المهذب" و"شرحه" الاستحباب، وهو الصواب (2)، وفهم في "الكفاية" التقييد فقال: أي: أو اعتمر، وتعجب منه النشائي في ذلك (3)، وقال المتولي: إنه يستحب شرب ماء زمزم عقب طواف الإفاضة كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، قال الماوردي: ويغسل وجهه وصدره، ويصب على رأسه (4). 1552 - قول "المنهاج" [ص 204]: (وزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الحج) لا يختص استحبابها بذلك، بل هي مستحبة مطلقًا بعد الحج أو العمرة أو قبلهما أو لا مع نسك ألبتة، وإنما ذكرت عقب الحج جريًا على الغالب.
1553 - قول "التنبيه" [ص 79]: (ويستحب لمن حج أن يدخل البيت) محله: ما إذا لم يُؤذ أو يتأذى بزحمة كما في "الروضة" (5). 1554 - قوله: (ويصلي فيه) (6)، قال في "الكفاية": أي: النفل، والقياس: أن صلاة الفرض خارجها أفضل؛ فإن مالكًا لا يرى الصحة (7)، وذكر النووي أنه إن رُجي في الفرض كثرة جماعة.. فخارجها أفضل، وإن لم يُرج.. فداخلها أفضل، ذكره في "الروضة" في استقبال القبلة (8).

فصلٌ [أركان الحج والعمرة]

1555 - قول "التنبيه" [ص 80]: (أركان الحج أربعة) لم يذكر الحلق، وحكى بعد هذا قولين في أنه واجب أو استباحة محظور، والأظهر: أنه نسك، وهو ركن؛ ولذلك عدها "المنهاج" و"الحاوي" خمسة، وذكرا منها: الحلق 9، وأحسن "الحاوي" بالتخيير بينه وبين التقصير 10.12345678

قال الرافعي: ولم يعدوا الترتيب ركنًا، وهو معتبر بتقديم الإحرام على الكل، والوقوف على طواف الركن والحلق، وطواف صحيح على السعي، فجاز عده ركنًا كما في الصلاة، ولا يقدح عدم الترتيب بين الحلق والطواف، كما لا يقدح عدم الترتيب بين القراءة والقيام 1. 1556 - قول "التنبيه" [ص 80]: (وأفعال العمرة كلها أركان إلا الحلق) هو قول، والأظهر: أن الحلق ركن فيها أيضًا، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 2. 1557 - قول "التنبيه" [ص 70]: (فالإفراد: أن يحج، ثم يخرج إلى أدنى الحل، ويحرم بالعمرة) الاقتصار على أدنى الحل هو أقل ما يكون، ولكن الأفضل: أن يخرج إلى الجعرانة؛ فإنها أفضل جهات الحل للإحرام منها بالعمرة، ثم التنعيم، ثم الحديبية على ما تقدم، فصارت عبارة "التنبيه" تتناول الأقل دون الأكمل، وكأنه بناه على اختياره أن أفضل جهات الحل: التنعيم، كما تقدم ذلك عنه، والتنعيم أدنى الحل، وقول "المنهاج" [ص 204]: (بأن يحج، ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي ويأتي بعملها) متناول للأقل والأكمل، فهو أحسن.
ومقتضى عبارتهما: أن الإفراد لا يصدق بدون ذلك، ومقتضى عبارة "الحاوي": صدقه بدون ذلك؛ حيث قال [ص 244]: (والإفراد أفضل منهما إن اعتمر في سَنَة الحج)، فتقييد الأفضلية باعتماره في سَنَة الحج يدل على صدق اسم الإفراد بدونه، ويوافقه عبارة "الروضة" وأصلها: (فأما الإفراد فمن صوره: أن يحرم بالحج وحده ويفرغ منه، ثم يحرم بالعمرة، وسيأتي باقي صوره في شروط التمتع) 3، لكنهما لما ذكرا شروط التمتع - وهي ثمانية وفاقًا وخلافًا -.. قالا: إن هذه الشروط معتبرة لوجوب الدم، وهل تعتبر في تسميته تمتعًا؟ وجهان، أشهرهما: لا تعتبر؛ ولهذا قال الأصحاب: يصح التمتع والقران من المكي، خلافًا لأبي حنيفة.
انتهى 4. فدل على أن بقية صور الإفراد إنما هي على وجه مرجوح، وأما على الأشهر.. فالإفراد منحصر فيما تقدم، لكنهما قالا في حج الأجير إذا استأجره للتمتع فأفرد: نظر: إن قدم العمرة وعاد للحج إلى الميقات.. فقد زاد خيرًا.
انتهى 5. فاستعملا لفظ الإفراد في هذه الصورة، وهو مخالف لما قالا: إنه الأشهر، وقال في "الكفاية": هذا غير شامل لحقيقة الإفراد؛ فإنه لو اعتمر قبل أشهر الحج، ثم حج من

الميقات، أو لم يحرم إلا بالحج في عامه.. كان إفرادًا بلا خلاف، ذكره القاضي حسين والإمام 1، وذكر مثله السبكي، وقال في الصورة الأولى: هي أولى باسم الإفراد من صورة "المنهاج" لوقوع العمرة قبل أشهر الحج إجماعًا، وتلك وقعت في أشهره عند جماعة، وقال شيخنا ابن النقيب في عبارة "المنهاج": هو تفسير للإفراد الذي هو أفضل 2. 1558 - قول "المنهاج" [ص 204]: (الثاني: القران؛ بأن يحرم بهما من الميقات، ويعمل عمل الحج فيحصلان) فيه أمران: أحدهما: كون الإحرام بهما من الميقات هو أكمل، لكنه ليس شرطًا؛ لصدق اسم القران، فلو أحرم بهما من دون الميقات.. كان قرانًا صحيحًا بلا خلاف، وعليه دم الإساءة.
ثانيهما: اقتصاره على أعمال الحج ليس شرطًا في صورة القران، والمراد: أن للقارن الاقتصار عليها، ولا يحتاج إلى عمل النسكين، وقد سلم "التنبيه" من الأول، فاعتبر الجمع بينهما في الإحرام، ولم يقيد ذلك بكونه من الميقات 3، وسلم "الحاوي" من الأمرين، فاقتصر على قوله [ص 244]: (بأن يحرم بهما).
1559 - قول "المنهاج" [ص 204]: (ولو أحرم بعمرةٍ في أشهر الحج، ثم بحج قبل الطواف.. كان قارنًا) يقتضي أنه لو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحج في أشهره.. أنه لا يصح، ولا يكون قرانًا، وهو ما حكاه الرافعي عن اختيار الشيخ أبي على، وأنه حكاه عن عامة الأصحاب، ولكن حكى عن اختيار القفال وقطع ابن الصباغ وغيره: الصحة 4، وصححه النووي في زيادة "الروضة" و"شرح المهذب" 5، وكذلك لم يقيد "التنبيه" و"الحاوي": العمرة بكونها في أشهر الحج 6، وعلى هذا.. فكان الأحسن: لو قدم في "المنهاج" وأخر فقال: (ولو أحرم بعمرة، ثم بحج قبل الطواف في أشهر الحج.. كان قارنًا)، ولو عبر الثلاثة في هذه الصورة بابتداء الطواف.. لكان أولى؛ فإنه قد يتوهم أن المراد: تمامه، مع أنه لو شرع فيه ولو بخطوة.. امتنع حينئذ إدخال الحج، بل لو استلم الحجر الأسود بنية الطواف.. ففي صحة الإحرام بالحج بعده وجهان، قال في "شرح المهذب": وينبغي أن يكون أصحهما: الصحة؛ لأنه مقدمة للطواف 7.

1560 - قول "التنبيه" [ص 70]: (فإن أهَلّ بالحج، ثم أدخل عليه العمرة.. ففيه قولان، أحدهما: يصح ويصير قارنًا، والثاني: لا يصح)، الأظهر: الثاني، وأشار "المنهاج" إلى ترجيحه بقوله [ص 204]: (إنه الجديد) فإن الأصل ترجيح الجديد إلا ما اسْتُثْنِيَ، ومشى عليه "الحاوي" 1. 1561 - قول "التنبيه" [ص 70]: (والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحج من عامه) و"الحاوي" [ص 244]: (بأن يحرم بالعمرة أشهر الحج من على مسافة القصر من الحرم، ثم بالحج سَنَتَها بلا عودٍ إلى ميقاتٍ) يرد عليه: أن كون العمرة في أشهر الحج، وكون الحج من عامِهِ، وبقية القيود إنما هي شروط لوجوب الدم مع صدق اسم التمتع بدونها على الأشهر، كما تقدم بما فيه، قال السبكي: وقد أطلقوا الوجهين، وينبغي أنه إن وقعت العمرة في أشهر الحج في سَنتِهِ.. فهو تمتع وإن فاتت بقية الشروط، وإلا.. فهو إفراد؛ لأنه أفرد الحج في أشهره عن العمرة.
انتهى.
وقد سلم "المنهاج" من ذلك بقوله [ص 204]: (بأن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها، ثم ينشئ حجًا من مكة) لكن يرد عليه أمران: أحدهما: أن التقييد بميقات بلده تبع فيه "المحرر"، وهو في "الروضة" وأصلها هنا 2، لكن حكى الرافعي عند الكلام على وجوب دم التمتع عن النص: أن من جاوزه مريدًا للنسك وأحرم دونه بالعمرة.. أن دم التمتع لا يجب، وإنما يلزمه دم الإساءة، فأخذ بإطلاقه قوم، وحمله الأكثرون على ما إذا بقي بينه وبين مكة أو الحرم دون مسافة القصر، فإن بقي أكثر.. وجب الدمان.
انتهى 3. فعلى ما حكاه عن الأكثرين.. ليس كون الإحرام من ميقات بلده شرطًا، وذكر في "المهمات" أن هذا النص قديم، وحكاه عن صاحبي "التقريب" و"التهذيب" 4. الثاني: تقييد الحج بكونه من مكة ليس شرطًا لصدق اسم التمتع، بل لوجوب الدم خاصة؛ فإن الأشهر: أنه لو عاد إلى الميقات وأحرم منه بالحج.. أنه يسمى متمتعًا، ولكن لا دم عليه.
1562 - قولهما: (وأفضلهما: الإفراد) 5 قيده المتكلمون عليهما: بأن يحرم بالحج من عامه، وإلا.. فالتمتع والقران أفضل منه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 244]: (إن اعتمر في سَنَة

الحج) ولا يحتاج إلى هذا التقييد؛ لأنهما فسرا الإفراد بذلك كما تقدم، فإن كان الإفراد لا يصدق عندهما بدونه.. فلا كلام، وإن صدق بدونه وكان تفسيرًا للإفراد الذي هو أفضل كما تقدم عن بعضهم.. فلا إيراد أيضًا، ثم إنهما قيدا مطلق الإفراد أو الإفراد الذي هو أفضل بأن يعتمر بعد الحج، وكذا ذكره الماوردي والنووي في "شرح المهذب" 1، واعتبر "الحاوي" الاعتمار في سنة الحج 2، وظاهره: أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون العمرة بعده أو قبله وقبل أشهر الحج، وكذا أطلق في "الروضة" وأصلها 3، وصرح به المحب الطبري فقال: لا فرق بين أن يعتمر بعد حجه من أدنى الحل أو قبله من الميقات ثم يحج من الميقات أيضًا؛ في أن كلًا منهما إفراد، قال: بل الثاني أفضل من الأول، وقد تقدم ذلك عن ابن الرفعة والسبكي، بل ذهب القاضي حسين والمتولي إلى تفضيل الإفراد ولو أتى بالعمرة في سنة أخرى، وضعفه النووي في "شرح المهذب" 4، ومال القاضي حسين بعد نقله ذلك عن المذهب إلى خلافه؛ لأن للتأخير آفات، لكن اختاره السبكي، ونازع في قول الرافعي والنووي: أن تأخير العمرة عن سَنَة الحج مكروه 5، فقال: الإفراد وصف مقصود للحج في نفسه حتى لا يخلطه بعمرة ولا يقدمها عليه في أشهره، فإذا أتى به كذلك.. كان كاملًا، وكذلك العمرة أيضًا كمالها: أن تنفرد عن الحج في غير أشهره، ونحن إذا فَضّلنا الإفراد عليهما نُريد: تفضيل حج وقع مختلطًا بعمرة أو متأخرًا عنها في أشهره، لا تفضيل عبادة على عبادتين، ولا عمل قليل على كثير، فهو حينئذ أفضل مطلقًا سواء اعتمر في سَنَتِهِ أم في غيرها، وكيف يُشترط في تفضيله أن يعتمر بعدها ولم يُنقل ذلك عن فعله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد ممن كان معه في حجة الوداع إلا عائشة، وكانت قارنة؟ وكذلك إذا نظرنا إلى العمرة من حيث هي.. فإفرادها أفضل.
وإن نظرنا إليهما جميعًا، وأن عبادتين أفضل من عبادة، فوقعت كل عبادة على الوجه المقصود منها وهو هنا الإفراد.. فلا شك أنه أفضل، وكأن الأصحاب نظروا إلى ترجيح عبادتين على عبادة، وإلى تعجيل العمرة على تأخيرها، ولم ينظروا إلى صفة الكمال في كل منهما، وكمالهما: إفرادهما كما سبق، وأن يُنشئ لكل منهما سفرًا من بلده، كما فُسِّر به قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فهو أفضل من إتيانه بالعمرة تبعًا، ولا شك أن من عاد بعد الحج إلى بلده واعتمر منه أفضل ممن اعتمر عقبه من التنعيم ونحوه، وذلك لا يمكن في سَنَتِهِ إذا بعدت بلده كالكوفة مثلًا،

ويمكن إذا قَرُبت كالمدينة مثلًا، قال: فهذا أفضل فيما ظهر لي، ثم يليه جمعهما في سفرة إفرادًا أو تمتعًا أو قرانًا، ثم الاقتصار على الحج.
انتهى.
وأورد في "المهمات" على تفضيلهم الإفراد: أنه إذا قرن واعتمر بعده أيضًا.. ينبغي أن يكون أفضل من الإفراد؛ لاشتماله على المقصود مع زيادة عمرة أخرى، قال: وهو نظير ما قالوه في (التيمم): أنه إذا رجي الماء، فصلى أولًا بالتيمم على قصد إعادتها بالوضوء.. فإنه أفضل لا محالة، قال: وكذلك إذا اعتمر المتمتع بعد الحج أيضًا، خصوصًا إذا كان مكيًا أو عاد لإحرام الحج إلى الميقات؛ فإن فوات هذه الشروط لا يخرجه عن كونه متمتعًا، وإنما سقط الدم.
قلت: إنما ذكر الأصحاب هذا التفضيل عند تأدِيَةِ نسكين فقط، وفي هاتين الصورتين قد أَدّى ثلاثة نسك، فليست هي الصورة المتكلم عليها، والله أعلم.
1563 - قولهما: (وعلى المتمتع دم) 1 المراد به: شاة تجزئ في الأضحية، وكذلك جميع الدماء التي في الحج، إلا جزاء الصيد، وقد ذكر ذلك "الحاوي" 2، ويقوم مقام الشاة سُبع بدنة وسُبع بقرة.
1564 - قول "التنبيه" [ص 70]: (وحاضروا المسجد الحرام أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة) الضمير في قوله: (منه) يعود إلى الحرم، فالمسافة معتبرة منه، كما رجحه الرافعي في "شرحيه"، فقال في "الكبير": إنه الدائر في عبارات العراقيين 3، وفي "الصغير": إنه أشبه الوجهين، وصححه النووي في كتبه، وعليه مشى "الحاوي" 4، لكن في "المحرر" اعتبارها من مكة، فقال: وإنما يجب على المتمتع إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، وهو مَنْ سَكَنُه من مكة فوق مسافة القصر.
انتهى 5. وفي هذه العبارة خلل؛ لأن مقتضاها: أن من هو على مسافة القصر من مكة.. من حاضري المسجد الحرام، وليس كذلك، فالصواب: حذف لفظة: (فوق) ولذلك غيّره "المنهاج" فقال [ص 205]: (وحاضروه: مَنْ دون مرحلتين من مكة)، ثم استدرك عليه فقال: (قلت: الأصح: مِن الحَرَمِ)، لكن في "المهمات": أن الفتوى على ما في "المحرر"، فقد نقله صاحب "التقريب" عن النص فقال: حاضر المسجد الحرام عند الشافعي: مَنْ بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة، نص عليه في "الإملاء"، وأيّده الشافعي بأن اعتبار ذلك من الحرم يؤدي إلى

إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب؛ لاختلاف المواقيت.
انتهى.
وفي عبارة "المحرر" شيء آخر، وهو أن تعبيره بالسكن يقتضي اعتبار الاستيطان في سقوط الدم بخلاف عبارة غيره، ويدل على عدم اعتبار الاستيطان ما تقدم قريبا عن الرافعي أنه حكى عن الأكثرين فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك ثم أحرم بعمرة، وهو على دون مسافة القصر من مكة أو الحرم: أنه لا يجب عليه دم التمتع، لكنه قبل ذلك بنحو ثلاثة أوراق نازع الغزالي في قوله: إن الآفاقي 1 لو جاوز الميقات غير مريد نسكًا، فلما دخل مكة اعتمر، ثم حج.. لم يكن متمتعًا؛ إذ صار من الحاضرين، وقال: إن كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نص "الإملاء" والقديم ظاهر في اعتبار الاستيطان 2. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن الكلام الذي حكيته أولًا هو المعتمد عليه، قال: ويلزم منه أن من دخل مكة في غير أشهر الحج، ثم اعتمر في أشهر الحج.. لا يلزمه دم، وهو كذلك؛ إما قطعًا، أو على خلاف ضعيف.
انتهى.
وفي "شرح السبكي" بعد تطويل الكلام في هذه المسألة ما حاصله: أن فيها قولين، القديم: أن الحاضر كل من حصل هناك سواء استوطن أم لا وهو الذي قاله الغزالي 3، فلا دم إذا أحرم من مكة أو قريبًا منها بالعمرة سواء أجاوز الميقات مريدًا للنسك أم غير مريد، وأظهرهما: أنه المستوطن، وعلى هذا يلحق به من في معناه، وهو مَنْ بمكة أو قريبًا منها إذا لم يجاوز الميقات مريدًا للنسك، فإن جاوزه مريدًا.. ففيه نظر، والأقرب: أنه لا يلحق به، ثم قال: فإن قلت: فإذا ألحقت به من في هذه المسافة.. فلا فائدة للخلاف حينئذ، والخلاف في التسمية فقط.. قلت: بل من فوائده: أنه إذا خرج المستوطن والآفاق الذي وصل مكة ولم يستوطنها إلى الميقات وتمتعا منه.. وجب الدم على الآفاق دون المستوطن.
انتهى.
1565 - قولهما: (وألا يعود لأحرام الحج إلى الميقات) 4 ظاهره: إرادة الميقات الذي أحرم منه بالعمرة، ولا يختص به، فلو عاد إلى مثل مسافته وأحرم منها.. فلا دم، وكذا لو عاد إلى ميقات أقرب منه، أو أحرم من مكة، ثم عاد إليه محرمًا على الأصح فيهما، وقيده في "المهذب"

و"التهذيب" و"البحر" بأن يكون قبل الوقوف 1، ولا يرد شيء من ذلك على "الحاوي" لقوله [ص 244]: (بلا عودٍ إلى ميقات)، وذكر البغوي والفوراني: أنه لو ذهب إلى مسافة القصر وأحرم.. فلا دم 2. 1566 - قول "المنهاج" [ص 205]: (ووقت وجوب الدم: إحرامه بالحج) يفهم أنه لا يجوز تقديمه عليه، وليس كذلك، فالأصح: جواز ذبحه إذا فرغ من العمرة، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص 70]: (فإن ذبح المتمتع بعد الفراغ من العمرة، والقارن بعد الإحرام بالحج.. جاز على ظاهر المذهب) و"الحاوي" فقال [ص 257]: (وقدّم إن اعتمر) وقد توهم عبارته إرادة الإحرام بالعمرة، وهو وجه، فعبارة "التنبيه" أوضح، لكن قوله: (على ظاهر المذهب) يعود للمتمتع فقط؛ فإن القارن في صورة إدخال الحج على العمرة إذا ذبح هديه بعد الإحرام بالحج.. جاز بلا خلاف؛ لأنه خوطب به.
1567 - قول "التنبيه" [ص 70]: (فإن لم يجد الهدي) تبع فيه لفظ القرآن 3، وعبر "المنهاج" بقوله [ص 205]: (فإن عجز عنه في موضعه) وهو أحسن؛ لتناوله العجز الحسي؛ بألَّا يجده أصلًا، أو لا يجد ثمنه، والشرعي؛ بأن يجده ومعه ثمنه، لكنه محتاج إليه، أو يجده غاليًا؛ أي: لا يبيعه صاحبه إلا بأكثر من ثمن مثله.. فلا يجب عليه شراؤه بذلك الثمن، وينتقل للصيام كما في نظائره، وأيضًا: فإنه بيّنَ أن المراد: العجز عنه في موضعه، وهو الحرم، ولا التفات إلى وجوده في غيره.
ولو أحرم بحج ولا هدي، ثم وجده قبل الشروع في الصوم.. نص في "الأم" على وجوبه 4، وبنوه على أن الاعتبار بوقت الوجوب أو الأداء أو الأغلظ، وإن وجده بعد الشروع فيه.. نُدب، ولا يجب، ولو أحرم واجدًا له، ثم أعسر.. فهو على الخلاف المتقدم.
1568 - قول "المنهاج" [ص 205]: (ثلاثة في الحج) لا بد من تقييده بأن ذلك قبل يوم النحر، فلو أخر التحلل عن أيام التشريق، ثم صامها.. أثم، وصارت قضاء على الصحيح وإن صدق أنها في الحج؛ لندوره، فلا يراد بقوله تعالى: ﴿في الحج﴾ ولهذا قال "الحاوي" [ص 257]: (بين الإحرام والنحر).
1569 - قولهم: (وسبعةً إذا رجع إلى أهله) 5 أي: إن أراد: الرجوع إليهم، فإن أراد:

الإقامة بمكة.. صامها بمكة، قاله الروياني في "البحر" 1، وقياسه: أنه لو أقام ببلد آخر.. صامها فيه.
1570 - قول "المنهاج" [ص 205]: (ولو فاته الثلاثة في الحج.. فالأظهر: أنه يلزمه أن يُفَرِّقَ في قضائها بينها وبين السبعة) فيه أمران: أحدهما: تعبيره بالأظهر يقتضي أن الخلاف قولان، وكذا في "المحرر"، ورجحه في "أصل الروضة" 2، ورجح الرافعي في "الشرح الصغير": أنه وجهان.
ثانيهما: أنه يقتضي الاكتفاء بمطلق التفريق ولو بيوم واحد، وهو قول نص عليه في "الإملاء"، لكن الأظهر: أنه يجب أن يفرق بقدر ما كان يفرق به في الأداء، وذلك أربعة أيام، ومدة سيره إلى بلده؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 257]: (وفرق القضاء بقدرِهِ) أي: بقدر التفريق في الأداء.
1571 - قول "التنبيه" [ص 70]: (ولا يجب ذلك على القارن إلا أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام، ولا على المتمتع إلا أن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات، ولا يكون من حاضري 3 المسجد الحرام) يقتضي أن الشرط المذكور في المتمتع أولًا ليس شرطًا في القارن، وليس كذلك، فالأصح: أن القارن إذا عاد قبل الوقوف إلى الميقات.. لا دم عليه، فكان ينبغي التسوية بينهما في اعتبار الشرطين، ويرد ذلك على "الحاوي" أيضًا؛ فإنه اعتبر عدم العود إلى الميقات في حقيقة التمتع كما تقدم، ولم يعتبر ذلك في القران، فغاير بين حكمهما، وقال في "المحرر" بعد استيفاء الكلام على المتمتع: (وعلى القارن دم كدم المتمتع) 4، فاستدرك عليه "المنهاج" وقال [ص 205]: (بشرط ألا يكون من حاضري المسجد الحرام) وهو غني عن هذا الاستدراك، فقوله: (كدم المتمتع) يغني عنه، وإذ قد استدرك هذا.. فكان ينبغي استدراك الشرط الآخر، وهو: عدم العود إلى الميقات.

بابُ محرَّمات الإحرام

1572 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويحرم عليه ستر الرأس بالمخيط وغيره) فيه أمور: أحدها: أن ذلك في الرجل، وقد ذكر حكم المرأة في آخر الباب 1. ثانيها: قد تفهم عبارته أن المُحَرَّم ستر جميع الرأس، وليس كذلك، فستر بعضه كذلك، وضبطه الإمام والغزالي بستر قدر يُقْصَدُ ستره لغرضٍ؛ كشد عصابة ولصوق شجة 2، وأبطله الرافعي باتفاقهم على أنه لو شد خيطًا على رأسه.. لا فدية عليه، مع أنه يقصد لمنع الشعر من الانتشار، فالوجه: الضبط بتسميته ساترًا 3. ثالثها: قد تتناول عبارته: ستره باليد، ولا منع منه في يد نفسه قطعًا، ولا في يد غيره على المذهب، وبالانغماس في ماء، ولا منع منه، وبالاستظلال بِمَحْمِلٍ أو هودج، ولا منع منه إن لم يصب رأسه، وكذا إن أصابه خلافًا للمتولي في الحالة الثانية، قال الرافعي والنووي: ولم أره لغيره، وهو ضعيف 4، وقال شيخنا الإمام البلقيني: نصه في "الأم" يدل له، قال: وَيستَظِل المُحْرِمُ على المحمل والراحلة والأرض بما شاء ما لم يَمسَّ رأسَهُ 5. قلت: ليس فيه الاستظلال بالمحمل، وإنما فيه الاستظلال، وهو في المحمل أو على الراحلة بلا محمل أو على الأرض، والله أعلم.
وقال في "المهمات": جزم به جماعات منهم الروياني في "البحر" والخوارزمي في "الكافي" فقالا: له أن يستظل بما لا يباشر رأسه من الخيمة والمحمل 6. قلت: قد تكون (مِنْ) بَيانِيّة، والخيمة والمحمل لا يباشران غالبًا، قال: واستدلال القاضي حسين يقتضيه، وصرح به أبو الخير سلامة بن جماعة في كتابه "الوسائل"، وفرق بينه وبين حمل الزنبيل؛ حيث نقل فيه خلافًا بأن المحمل يُقْصَد به الستر، بخلاف الزنبيل.
انتهى 7. وقد تتناول عبارة "التنبيه" وضع الزنبيل والحِمْل على الرأس، ولا منع منه على المذهب، وفي "المهمات" عن الفوراني أن محله: إذا لم يقصد به الستر، فإن قصده.. حرم، قال والدي

رحمه الله: وحكاه في "البحر" عن "الحاوي"، واستحسنه 1، ويتناول تطيين الرأس وطليه بحناء أو مرهم أو غيرهما، وإنما توجب الفدية إذا كان ثخينًا ساترًا، فإن كان رقيقًا لا يستر.. فلا فدية.
رابعها: أن كلامه هنا يتناول حالة العذر، لكنه ذكرها بعد ذلك في قوله: (وإن احتاج إلى اللبس لحرٍ أو بردٍ.. جاز، وعليه الكفارة) 2 وقد سلم من ذلك جميعه "المنهاج" بقوله [ص 206]: (سَتْرُ بعض رأس الرجل بما يُعَدُّ ساترًا إلا لحاجةٍ) وهو أشمل من قول "المحرر" (إلا لحاجة مداواة) 3 لتناوله الحر والبرد، إلا أن يقال: التغطية لهما من المداواة، وفيه بعد، واقتصار "التنبيه" على الحر والبرد لا يتناول المداواة، وعبر "الحاوي" بقوله [ص 249]: (ستر الرأس بما يُعَدّ ساترًا كطين، لا خيطٍ وحِمْلٍ وماءٍ)، وقد عرفت مما تقدم ما يرد عليه.
1573 - قول "التنبيه" [ص 72]: (حرم عليه لبس المخيط في جميع بدنه) هو في الرجل، وقد ذكر حكم المرأة بعد ذلك 4، ولا يختص التحريم بالمخيط، بل كل مُحيط ولو بنسيج أو عقد أو إلزاق بعضه ببعض أو غيرها كذلك؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 249]: (والبدن بمحيطٍ بخياطةٍ ونسجٍ وعقد لِبْدٍ كخريطة اللحية ولف إزارٍ على ساقٍ وعَقْدهِ) 5، وعبارة "المنهاج" [ص 206]: (وَلُبْسُ المخيط أو المنسوج أو المعقود في سائر بدنه) فلم يأت بما يشمل جميع أنواع المحيط، واستعمل لفظة: (سائر)، فإن أراد: الباقي.. فلم يتقدم حكم شيء منه حتى يكون هذا حكم باقيه؛ فإن الرأس قسيم البدن لا بعضه، فهذا الحكم ثابت لجميع البدن، وإن أراد: الجميع.. فهذا المعنى لا يعرف لـ (سائر)، وإن ذكره الجوهري وتبعه الغزالي 6، فقد أنكره ابن الصلاح وغيره 7، والمراد: جميع أجزائه على البدل؛ فإنه لا يشترط في التحريم أن يعم المخيط جميع البدن، فلو اتخذ لساعده شيئًا مخيطًا أو للحيته خريطةً لخضاب ونحوه.. حرم في الأصح؛ كالقفازين، ويعرف ذلك من تمثيل "الحاوي".
1574 - قول "المنهاج" [ص 206]: (إلا إذا لم يجد غيره) أي: لفقده من ملكه، وتعذر شراؤه بثمن مثله، وإجارته بأجرة مثله، واستعارته، ومقتضاه: المنع لحاجة الحر والبرد

والمداواة، والمنقول في كلام الرافعي والنووي وغيرهما: الجواز، لكن مع الفدية 1، فلو عبر بـ (الحاجة) كما في المسألة قبلها.. لكان أولى، وكذلك فعل "الحاوي" فقال بعد ذكر المسألتين [ص 250]: (ولحاجة بدم) و"التنبيه" 2، فاللبس يتناولهما؛ ولعل "المنهاج" إنما خص هذه الحالة بالذكر؛ لأنه لا فدية فيها، ودخل في كلامه: لُبس الخف لفقد النعل، والسراويل لفقد الإزار، لكنه يجب في الأول قطعه أسفل من الكعب اتباعًا للحديث 3، وقد صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 4، ولا يجب في السراويل قطعه فيما جاوز العورة، كما صرحوا به، وهو مقتضى إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" 5، لكن لو تأتى له الاتزار بالسراويل.. امتنع لبسه على هيئته، ولزم الاتزار به، صرح به النووي في "شرح المهذب" تبعًا لجماعة 6. 1575 - قولهم: (إنه يحرم على المرأة ستر وجهها) 7 يستثنى منه: ما لا يتأتى ستر جميع الرأس إلا به، احتياطًا للستر، وفي "شرح المهذب": أن الأمة كالحرة على المذهب، وقيل: كالرجل 8. قلت: وينبغي أن يستثنى من ذلك: أن الأمة لا تستر شيئًا من الوجه للاحتياط لستر الرأس؛ لأن رأسها ليس بعورة، ولو ستر الخنثى المشكل وجهه ورأسه.. لزمته الفدية، أو أحدهما.. فلا؛ فإنا لا نوجب بالشك.
1576 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويحرم عليه الطيب في بدنه وثيابه) قد يفهم منه اختصاص ذلك بالرجل كالمذكور قبله من المخيط وستر الرأس، وكذلك توهمه عبارة "الحاوي" لذكره بعد قوله [ص 249]: (وعلى الرجل ستر الرأس)، وليس كذلك؛ فتحريم الطيب عام للرجال والنساء، وكذا بقية المحرمات إلا اللبس؛ فهو الذي يفترق فيه الرجل والمرأة، فيحرم عليه: ستر الرأس والمخيط في البدن، وعليها: ستر الوجه، ويشتركان في تحريم القفاز، وقول "الحاوي" [ص 250]: (والتطيب) ليس معطوفًا على قوله [ص 249]: (ستر الرأس) بل على قوله أول الفصل [ص

249]: (لبس القفازين)، ولو عبر "التنبيه" بـ (أو) كقول "المنهاج" [ص 206]: (استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه).. لكان أحسن، ومراد "التنبيه": أن كلًا منهما محل للتحريم، لا أنه يتوقف التحريم على اجتماعهما في التطيب، زاد "الحاوي" [ص 250]: (قصدًا بما يُقصد به رائحته).
واحترز بالأول: عما لو ألقته الريح عليه، أو أكره عليه، أو جهل تحريمه، أو نسي كونه محرمًا.. فلا فدية، وكذا لو جهل كون الممسوس طيبًا على الأصح، بخلاف ما لو علم تحريمه، وجهل الفدية فيه.. فيجب، وينبغي في ناسي الإحرام تقييده بما إذا لم يكثر ذلك منه، كما في الكلام أو الأكل ناسيًا في الصلاة.
وبالثاني: عما لا تقصد رائحته وإن كانت له رائحة طيبة، إما لكونه يطلب للأكل أو للتداوي غالبًا كالقرنفل وسائر الأبازير 1 والتفاح والسفرجل والأترج ونحوها، أو لكونه ينبت بنفسه كالشيح والقيصوم 2، وفي معناها: نور الأشجار والعصفر والحناء.. فلا فدية في شيء من ذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 250]: (لا الفواكه والدواء وزهر البادية).
1577 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويحرم عليه شم الأدهان المطيبة) عبر في "المهذب" وغيره بالاستعمال 3، وهو أولى، واستعمالها إنما هو باستهلاكها دون شمها، وقد صرح الرافعي والنووي بأن شم ماء الورد لا يحرم 4، وحكى ابن يونس في "النبيه" فيه وجهين، وصحح: التحريم، واستهلاك الأدهان المطيبة داخل في قول "المنهاج" [ص 206]: (استعمال الطيب) و"الحاوي" [ص 250]: (والتطيب)، وقد ذكره في الأمثلة فقال: (ودهن البنفسج) 5. 1578 - قول "التنبيه" [ص 72]: (وأكل ما فيه طيب ظاهر) يُحمَل على ظهور الأوصاف الثلاثة أو الرائحة وحدها، وكذا الطعم وحده على الأظهر، بخلاف اللون وحده؛ فإنه لا يضر على الأظهر؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 250]: (كأكل طعامٍ فيه رائحته)، ويرد عليه: الطعم، وأكل ما فيه طيب داخل في عبارة "المنهاج" لأنه تطييب للبدن من داخل.
1579 - قول "التنبيه" [ص 72]: (وشم الرياحين كالورد والياسمين والورسِ والزعفران) بخلاف ما دل عليه كلامه في (الأيمان): أن الورد والياسمين ليسا من الرياحين 6، ولعلهما منه

لغة لا عرفًا، ثم إن محل تحريم شمها: أن تكون بيده، أو بما هو ملصق بيده، فلو شمها من بُعد؛ كدكان الفكاه والبستان.. لم يمتنع، فإن وضعها بين يديه على هيئة معتادة وشمها.. فإطلاق "التنبيه" وغيره يقتضي المنع، لكن قال شيخنا ابن النقيب: الذي يظهر: عدم التحريم، وقد يقال: إن عبارة "المنهاج" لا تتناول الرياحين من وجهين: أحدهما: أنها مشمومة لا طيب.
والثاني: لقوله: (في بدنه أو ثوبه) 1 فإنها إنما يحرم فيها الشم كما في "التنبيه"، ويقوي الإيراد على "المنهاج" إذا أخذنا بإطلاق "التنبيه" أنه يحرم شمها عند وضعها بين يديه؛ فإنه في هذه الصورة ليس مستعملًا لها في بدن ولا ثوب، وأيضًا: فلو ألصقها ببدنه بلا شم.. لم يحرم مع استعمالها في البدن 2. 1580 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويجوز له شم النَّيْلَوْفَر والبنفسج) 3 وجهه: أن المقصود منهما: التداوي، ولا يتخذ من يابسهما طيب، لكن المذهب في "أصل الروضة": التحريم كبقية المشموم 4. 1581 - قوله: (وفي الريحان الفارسي قولان) 5 أظهرهما: التحريم، وعليه مشى "الحاوي" 6. 1582 - قول "الحاوي" [ص 250]: (والنوم في فراش مُطَيَّبٍ) محله: ما إذا أفضى ببدنه أو ملبوسه إليه، فإن فرش فوقه ثوبًا ونام عليه.. فلا فدية، لكنه إن كان الثوب رقيقًا.. كره.
1583 - قوله عطفًا على المنفي: (والْبَانِ وَدُهْنِهِ) 7 تبع فيه كون الإمام والغزالي نقلاه عن النص 8، لكن حكى الرافعي عن إطلاق الجمهور: أن كلًا منهما طيب، ثم قال: ويشبه ألَّا يكون خلافًا حققًا، بل هما محمولان على توسط - حكاه صاحبا "المهذب" و"التهذيب" - وهو أن

جارٍ التحميل