كتابُ الشُفْعة
2667 - قول "المنهاج" [ص 296]: (لا تثبت الشفعة في منقول) أحسن من قول "التنبيه" [ص 116]: (لا تجب).
2668 - قول "الحاوي" [ص 359]: (في عقار ثابت) احترز بالثبوت عن غرفة مبنية على سقف لهما أو لغيرهما .. فلا شفعة فيها كما صرح به بقوله: (لا علوٍّ فقط) 1، وذكره "المنهاج" أيضاً 2، واعترض الرافعي على قيد الثبوت، وقال: لا حاجة إليه؛ لأنه يخرج بقوله: عقار 3.
وأجيب عنه، ومرادهم: نفي الشفعة في المنقول ابتداء، فيخرج عن ذلك الدار إذا انهدمت بعد ثبوت الشفعة فيها؛ فإن نقضها يؤخذ بالشفعة مع كونه قد صار منقولاً، وقد ذكره "الحاوي" بعد ذلك بقوله [ص 361]: (بما صار منقولاً).
2669 - قول "التنبيه" [ص 116]: (فإما البناء والغراس: فإنه إن بيع مع الأرض .. ففيه الشفعة) يشمل ما لو بيع مع الأرض الحاملة له دون المتخللة بينه، والأصح: أنه لا شفعة فيه؛ فإن الأرض هنا تابعة للمنقول، وقد يفهم ذلك من قول "المنهاج" [ص 296]: (بل في أرض وما فيها من بناء وشجر تبعاً)، وقول "الحاوي" [ص 359]: (في عقار بتابعه) فإن المنقول في هذه الصورة ليس تابعاً للعقار، بل العقار تابع له كما تقدم.
2675 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وإن كان على النخل طلع غير مؤبر .. فقد قيل: يؤخذ مع النخل بالشفعة، وقبل: لا يؤخذ) الأصح: الأول كما في "المنهاج" 4، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 359]: (بتابعه) ونقل الرافعي تصحيحه عن البغوي فقط، فعلى هذا إن لم يأخذه حتى تأَبر .. أخذه في الأصح 5.
2671 - قول "التنبيه" [ص 118]: (فإن كان في الشقص نخل فأثمر في ملك المشتري ولم بؤبر .. أخذ الثمرة مع الأصل في أحد القولين) هو الأصح، وذكر في "المطلب": أن الثاني هو الأشبه، وهذه المسألة غير المتقدمة؛ فتلك إذا كانت الثمرة موجودة حال الشراء غير مؤبرة، وهذا إذا تجددت بين الشراء والأخذ.
الحديث: 2667 - الجزء: 2 - الصفحة: 213
واعلم: أن سواد العراق وقف على الأصح كما سيأتي في موضوعه، فلا بيع فيه ولا شفعة، وأما الشام .. فقال الجرجاني: يجوز بيع أراضي الخراج بها قطعاً؛ لأنها لم توقف، بل صولح أهلها بالخراج، وأما مصر .. فقال السبكي: لم أر لأصحابنا فيها نصاً، لكن في وصية الشافعي: إن كان لي بها أرض .. فاقتضى ذلك أنها تملك، وللعلماء خلاف، هل فتحت صلحاً أو عنوة وَوُقِفَت كالعراق؟ فعلى الثاني: لا شفعة، بل قيل: كل فتوح عمر كذلك، قال السبكي: ويطّرد فيما يُبْنَى من طينها.
2672 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وما لا ينقسم؛ كالحمام والرحى الصغير والطريق الضيق .. فلا شفعة فيه، وقيل: فيه قولان) فيه أمور:
أحدها: لم يبين هو و"الحاوي" ضابط ما لا ينقسم، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 296]: (وكل ما لو قسم بطلت منفعته المقصودة)، وهو معنى الأصح في "أصل الروضة": أنه ما ينتفع به بعد القسمة من الوجه الذي كان ينتفع به قبلها 6.
ثانيها: تعبير "المحرر" بـ (الطاحون) 7 أحسن من تعبير "التنبيه" و"المنهاج" بـ (الرحى) 8.
ثالثها: عبارته تقتضي أن في المسألة طريقين، المرجحة: القطع بنفي الشفعة، والأخرى: إجراء قولين، ويوافقه تعبير "الروضة" بالمذهب 9، لكن عبر "المنهاج" بالأصح 10، وهو يقتضي أن الخلاف وجهان.
واعترض على تعبير "الروضة": بأنه ليس في أصلها إلا طريقة الخلاف، وأنه وجهان 11، وذكر النشائي في "نكته": أن في المسألة ثلاث طرق: القطع بنفي الشفعة، والقطع بإثباتها، وإجراء القولين 12، وقول الرافعي: على الأصح محمول على أصح الطرق 13، وليس له اصطلاح في أن الأصح من وجهين إنما هذا للنووي.
وقال شيخنا ابن النقيب: كونهما وجهين أوضح؛ فإنهما مبنيان على وجهين، فالأصح: مبني
الحديث: 2672 - الجزء: 2 - الصفحة: 214
على أصح الوجهين في علة مشروعية الشفعة، وهو مؤنة القسمة، وإفراد ما يصير إليه بالمرافق، ومقابله: على أنها سوء المشاركة مؤبداً 14.
قلت: لا امتناع في بناء قولين على وجهين؛ فقد تكون مسألة الوجهين لا نص للشافعي فيها، وإنما فهمت باستقراء قولين للشافعي في مسائل يتجه تخريجها على تلك القاعدة، فهي أصل لمسائل القولين باعتبار تفرعها عنها وإن كانت غير منصوصة، لكن صارت في معنى المنصوصة باستنباطها من كلام الشافعي، والله أعلم.
2673 - قول "المنهاج" [ص 296]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 359]: (ولا شفعة إلا لشريك) أي: ولو ذمياً ومكاتباً وغير عاقل؛ كمسجد له شقص لم يوقف بعد، فباع شريكه .. يأخذ له الناظر بالشفعة، ومثله بيت المال، ومن هذا الشرط يؤخذ أن الموقوف عليه لا يأخذ بالشفعة إذ ليس شريكاً؛ فإن الوقف ملك لله تعالى، ولنا وجه أنه يأخذ تفريعاً على الضعيف أن الملك للموقوف عليه، وقد صرح بالمسألة "التنبيه" فقال [ص 117]: (وما مُلِكَ بشركة الوقف .. لا يستحق فيه الشفعة).
وقد اعترض بعضهم: بأن عبارته تشعر بأن من ملك شقصاً بالوقف عليه .. لا يؤخذ منه بالشفعة، يوضحه عطفه إياه على قوله: (فأما ما ملك بوصية .. فلا شفعة فيه) 15 وهذا ليس مراده؛ لدخوله تحت قوله: (ولا شفعة إلا فيما ملك بمعاوضة) 16، فيلزم التكرار، فلو قال: (ولا يأخذ شريك بوقف) .. كان أولى.
انتهى.
وهو مردود؛ فلا فرق بين هذه العبارة وبين قول الشيخ: (وما ملك بشركة الوقف)، وإنما كانت عبارته تشعر بما ذكره هذا المعترض لو قال: (وما ملك بالوقف)، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن مفهوم قول "الروضة": (وإن كان نصف الدار وقفاً ونصفها طلقاً، فباع المالك نصيبه .. فلا شفعة لمستحق الوقف) 17 أنه لو كان هناك شريك مالك غير البائع وجهة الوقف .. استحق الأخذ بالشفعة، ولا يلزم من سقوطها في جهة سقوطها في الكل، ثم ذكر أنه أفتى في هذه الصورة بمنع الشفعة حيث امتنعت القسمة بسبب الوقف، وصار العلة في الموقوفة: عدم الملك، وفي الأخرى: عدم قبول القسمة.
2674 - قول "المنهاج" [ص 296]: (والصحيح: ثبوتها في الممر إن كان للمشتري طريق آخر
الحديث: 2673 - الجزء: 2 - الصفحة: 215
إلى الدار، أو أمكن فتح باب إلى شارعٍ، وإلا .. فلا) محل الخلاف كما قال ابن الرفعة: إذا لم يتسع الممر، فإن اتسع بحيث يمكن أن يترك لمشتري الدار منه شيء يمر فيه .. ثبتت الشفعة في الباقي بلا خلاف، وفي المقدار الذي لا يتأتى المرور بدونه الخلاف.
واعلم: أن صورة مسألة "المنهاج": أن يبيع داراً لها ممر؛ بدليل قوله قبله [ص 296]: (ولو باع دارأ وله شريك في ممرها .. فلا شفعة له فيها) فلو باع نصيبه من الممر خاصة .. ففي "الروضة" وأصلها: أن للشريك الشفعة إن كان منقسماً 18، واستشكل بأمرين:
أحدهما: أن في "أصل الروضة" في (إحياء الموات) عن العبادي من غير مخالفة: أن بيع الحريم وحده لا يصح 19، والممر من الحريم كما هو مصرح به هناك.
ثانيهما: أن بيع نصيبه من الممر يتضمن إبقاء الدار بلا ممر، فهو كما لو باع داراً واستثنى لنفسه منها بيتاً، والأصح في زوائد "الروضة": بطلانه 20، فلعل الصورة: أن الدار متصلة بملكه أو بشارع، وهذه الصورة قد تدخل في قول "الحاوي" [ص 359]، : (كالممر إن وجد آخراً وأمكن الشارع فتحه للشربك) فإنه لم يذكر ما يدل على أن الصورة في بيع الدار التي لها ممر مشترك مع أن حكم الصورتين مختلف كما عرفت.
2675 - قول "التنبيه" [ص 117]: (ولا شفعة إلا فيما ملك بمعاوضة) زاد "المنهاج" [ص 296]: (ملكاً لازمًا متأخراً عن ملك الشفيع) واحترز باللزوم عما لو ملك المشتري ببيع شرط فيه الخيار .. ففيه تفصيل سيأتي في كلامه، وهو الأخذ إن شرط للمشتري وحده، والمنع إن شرط للبائع أو لهما، والأخذ في بعض صور الجواز يقدح في اشتراط اللزوم، وكذا يقدح فيه مسألة الرد بالعيب، وسيأتي.
قال شيخنا ابن النقيب: اللهم إلا أن يراد لازما من جهة البائع، وفيه تعسف.
انتهى 21.
وفي قول "التنبيه" بعد ذلك [ص 117]: (أخذه بقيمته وقت لزوم العقد) ما يقتضي اعتبار اللزوم، ويرد عليه ما تقدم، ولم يتعرض له "الحاوي"، واحترز بكون ملك المشتري متأخراً عن ملك الشفيع عما إذا ملكا معاً .. فلا شفعة لأحدهما على الآخر كما صرح به بعد، وذكره "الحاوي" بقوله [ص 360]: (ممن طرأ ملكه على ملكه) ولم يتعرض له "التنبيه".
2676 - قول "المنهاج" في أمثلته [ص 296]: (وصلح دم) أي: العوض الذي صولح عليه عن
الحديث: 2675 - الجزء: 2 - الصفحة: 216
دم العمد، أما الخطأ .. ففيه الإبل، فلا يصح الصلح عنها في الأصح.
2677 - قوله: (ونجوم) 22 أي: العوض الذي صولح عليه عن نجوم الكتابة، كذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها هنا 23، وهو مخالف لما صححوه في (الكتابة): أنه لا يصح الاعتياض عن نجومها، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 360]: (لا عوض نجم مكاتب)، لكن صحح السبكي: الصحة، وعضده بنص الشافعي صريحاً، وبكلام ابن الصباغ والمحاملي والماوردي، وتعجب من تصحيح الرافعي المنع، وكذا قال في "المهمات": إن الصواب: الصحة.
2678 - قول "المنهاج" [ص 296]، : (وأجرةٍ ورأس مال سلمٍ) معطوفان على مبيع، فلو ذكرهما عقب المهر، فقال: (كمبيع، ومهر، وأجرة، ورأس مال سلم، وعوض خلع وصلح دم ونجوم) .. لكان أولى؛ لئلا يتوهم عطفهما على خلع، فيكون المراد: عوض أجرة، وعوض رأس مال سلم، وليس كذلك، ورأس مال السلم لا يصح الاعتياض عنه.
2679 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وما ملك بوصية أو هبة لا شفعة فيه) محله: في الهبة التي لا ثواب فيها، فلو شرط فيها ثواب، أو لم يشرط، وقلنا: تقتضيه .. ثبتت الشفعة في الأصح، ولو قبل القبض في الأصح، كذا أورده بعضهم، ثم قال: ولا ترد؛ لأنها حينئذ بيع على الأصح، وقد ذكر الخلاف فيهما في بابها.
قلت: وفي كونها في هذه الصورة بيعاً اضطراب تصحيح، وقد صرح بهذا القيد فيما وقفت عليه من نسخ "التنبيه" فقال [ص 117]: (أو هبة لا يستحق فيها ثواب) وقد استشكل ما إذا لم يشرط، وقلنا: تقتضيه: بأن العوض غير معين، فكيف تثبت الشفعة مع جهالة العوض؟ ويأتي هذا فيما إذا شرط ولم يكن معلوماً.
2680 - قول "المنهاج" [ص 296]: (ولو شرط في البيع الخيار لهما أو للبائع .. لم يؤخذ بالشفعة حتى ينقطع الخيار، وإن شُرط للمشتري وحده .. فالأظهر: أنه يؤخذ إن قلنا: الملك للمشتري، وإلا .. فلا) فيه أمور:
أحدها: لو قال: (ولو ثبت) .. كان أولى؛ ليشمل خيار المجلس؛ فإنه كخيار الشرط في هذا الحكم، ويتصور انفراد أحدهما به بإسقاط صاحبه خيار نفسه، وقد دخل ذلك في قول "الحاوي" [ص 363]: (ومنع ردَّهُ بالخيار) لكن عبارته متناولة لما إذا كان الخيار لهما، والمنع إنما هو فيما إذا كان للمشتري وحده.
الحديث: 2677 - الجزء: 2 - الصفحة: 217
ثانيها: قوله: (لهما) 24 لم يذكره في "المحرر"، وحذفه أولى؛ فإن المانع ثبوته للبائع.
ثالثها: تعبيره بالأظهر يقتضي أن الخلاف في الشق الثاني - وهو إذا قلنا: الملك للبائع، أو موقوف - قولان أيضاً، وليس كذلك، وإنما هو وجهان؛ ولهذا قال في "الروضة": إن قلنا: الملك له .. أخذه الشفيع في الحال على الأظهر عند الجمهور، وإن قلنا: للبائع، أو موقوف .. لم يأخذ في الحال على الأصح 25، وتقدم أن صورة شرط الخيار للمشتري ترد على اعتبار "التنبيه" وقت اللزوم 26.
2681 - قول "المنهاج" [ص 297]: (ولو وجد المشتري بالشقص عيباً وأراد رده بالعيب وأراد الشفبع أخذه ويرضى بالعيب .. فالأظهر: إجابة الشفيع) جزم بأنهما قولان، وفي "المحرر": (فأرجح القولين، أو الوجهين) 27، وفي "الروضة" قولان، وقيل: وجهان 28.
2682 - قول "التنبيه" [ص 118]: (وإن رد عليه بالعيب .. فقد قيل: له أن يفسخ ويأخذ، وقيل: ليس له) الأصح: الأول، وهذه غير مسألة "المنهاج" تلك فيما إذا لم يُرد بعد، وفي هذه قد رُدَّ، قال في "أصل الروضة": ويفسخ الرد، أو نقول: تبينا أن الرد كان باطلاً.
انتهى 29.
وهذا التردد وجهان، صرح بهما القاضي والإمام والغزالي، وفائدتها كما في "المطلب": الفوائد من الرد إلى الأخذ، وهذه الصورة قد ترد على عبارة "المنهاج"، ويقال: قوله: (وأراد رده بالعيب) 30 يقتضي أنه لو حصل الرد .. لم يكن للشفيع إبطاله، ويجري الخلاف المذكور أولاً فيما إذا وجد البائع بالثمن المعين عيباً وأراد رده، وقد يُدعى دخول هذه الصورة والتي قبلها في قول "الحاوي" [ص 363]: (ومنع رده بالعيب) والظاهر: أنها مثل عبارة "المنهاج" فإن الضمير عائد على الشقص 31، ومنع الرد يقتضي أنه لم يقع إلى الآن.
واعلم: أن الجيلي والنووي صوّرا مسألة "التنبيه" بما إذا ردّ المشتري الشقص بعيب، وصورها ابن الخل وابن يونس بما إذا رد البائع الثمن المعين بعيب، وقال ابن الرفعة: إنه أولى"
الحديث: 2681 - الجزء: 2 - الصفحة: 218
فإن المذكور في "المهذب" وغيره من كتب العراقيين في الصورة الأولى الجزم بنقض الرد والأخذ.
2683 - قول "المنهاج" [ص 297]: (ولو كان للمشتري شِركٌ في الأرض .. فالأصح: أن الشريك لا يأخذ كل المبيع، بل حصته) أحسن من قول "التنبيه" [ص 118]: (وإن كان المشتري شريكاً .. فالشفعة بينه وبين الشريك الآخر) ومن قول "الحاوي" [ص 360]: (وللشركاء ولو فيهم المشتري) ومن قول "الروضة": إنهما يشتركان في الأخذ 32؛ لأن المشتري لا يأخذ، وكيف يأخذ من نفسه، وإنما يدفع الثالث عن أخذ حصته؟ ، وقول "المنهاج" [ص 297]: (في الأرض) حشو.
2684 - قول "المنهاج" [ص 297]: (ولا يشترط في التملك بالشفعة حكم حاكم، ولا إحضار الثمن، ولا حضور المشتري) كذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 33، واستشكله في "المطلب" لما سيذكره بعده من أنه لا بد مع لفظ التملك من أحدها، قال: وأقرب ما يمكن أن يحمل عليه أن مجموع الثلاثة لا يشترط.
قال في "المهمات": وهذا الحمل الذي قاله لا يستقيم مع تكرار لا النافية، بل الممكن في الحمل أن كل واحد بخصوصه لا يشترط.
2685 - قول "الحاوي" [ص 361]: (تملكت أو أخذت بالشفعة) يقتضي حصر الصيغة في هذين اللفظين، وليس كذلك، وعبارة "المنهاج" [ص 297]: (ويشترط لفظ من الشفيع؛ كـ "تملكت" أو "أخذت بالشفعة") زاد في "أصل الروضة" لفظة ثالثة، وهي: اخترت الأخذ بالشفعة، ثم قال: وما أشبهه، وإلا .. فهو من المعاطاة، ولو قال: (أنا مطالب بالشفعة) .. لم يحصل به التملك على الأصح 34.
2686 - قول "المنهاج" [ص 297]: (ويشترط مع ذلك: إما تسليم العوض إلى المشتري، فإذا تسلمه أو ألزمه القاضي التسلُّم .. ملك الشفيع الشقص) عبارة "أصل الروضة": (فيملك به إن تسلمه، وإلا .. فيُخلى بينه وبينه، أو يرفع الأمر إلى القاضي حتى يلزمه التسلم) ومقتضاها: أن التخلية بينه وبينه كافية، وإن لم يتسلم، ولا ألزمه القاضي التسلم، ثم زاد في "الروضة": (أو يقبض عنه القاضي) 35، فهذان أمران لم يذكرهما في "المنهاج": التخلية بينه وبينه، وقبض القاضي عنه، واقتصر "الحاوي" على قوله [ص 361]: (أو تسليم ما بذل)، ولعله مع اختصاره
الحديث: 2683 - الجزء: 2 - الصفحة: 219
أعم؛ فإن مقتضاه: الاكتفاء بالتسليم سواء انضم إليه تسلم من المشتري، أو مجرد تخلية بينه وبينه، أو قبض القاضي، أو إلزامه التسلم.
2687 - قول "المنهاج" [ص 297]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 361]: (وإما رضا المشتري بكون العوض في ذمته) قال شيخنا الإمام البلقيني: بقاء الثمن في ذمة الشفيع فيه نظر؛ فلم يجر عقد اختياري يقتضي كون الثمن في ذمته، ومجرد تسليم الشقص لا يقتضي ذلك، ولا الرضا، والحديث يأباه؛ فإنه عليه الصلاة والسلام قال: "فإن باعه .. فهو أحق به بالثمن" 36، والمراد: بدفع مثل الثمن، فلم يجعله أحق إلا بالدفع، ولا دفع.
انتهى.
وعلى المنقول يستثنى منه ما لو باع داراً على بابها صفائح ذهب بفضة، أو عكسه فلا يكفي الرضا، بل يشترط التقابض.
2688 - قولهما: (وإما قضاء القاضي له بالشفعة) 37 المراد: القضاء بثبوت حق الشفعة لا بالملك 38.
2689 - قول "الحاوي" [ص 361]: (لا بالإشهاد) أي: لا يملك بإشهاد عدلين على الشفعة، تبع فيه "الوجيز" فإنه صححه 39، وفيه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 40.
2690 - قول "التنبيه" [ص 117]: (فإن طلب وأعوزه الثمن .. بطلت الشفعة) الأصح عند الجمهور: أنه يمهل ثلاثة أيام، فإن انقضت ولم يُحضره .. فسخ الحاكم تملكه.
واستشكل هذا فيما إذا ملك بالرضا في الذمة، وقال في "المطلب": القياس: أن يكون كالبائع حتى يجبر على التسليم أولاً على الصحيح، وقد صرح به الإمام هنا؛ لأن المشتري في هذه الحالة في رتبة البائع، والشفيع في رتبة المشتري.
2691 - قول "المنهاج" [ص 297]: (ولا يتملك شقصاً لم يره الشفيع على المذهب) عبارة "المحرر": (أظهر الطريقين: أن تملك الشفيع الشقص الذي لم يره على الخلاف في شراء الغائب، والثاني: المنع بكل حال) 41، فهي أحسن؛ بيَّن أن الأصح: طريقة الخلاف، وسلم من إيقاع الظاهر موقع المضمر، ولو قال "المنهاج": (ولا بتملك الشفيع شقصاً لم يره) .. لكان أحسن، وقد يفهم من اقتصارهم على ذكر رؤية الشفيع الآخذ عدم اعتبار رؤية المأخوذ منه،
الحديث: 2687 - الجزء: 2 - الصفحة: 220
ويتصور في الشراء بالوكالة وفي الأخذ من الوارث، ولم أر فيه نقلاً، وهو متجه؛ لأنه قهري لا اختيار له فيه، والله أعلم.
فصْلٌ [فيما يؤخذ به الشقص]
2692 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (إن اشترى بمثليٍّ .. أخذه الشفيع بمثله، أو بمتقومٍ .. فبقيمته) 42 فيه أمران:
أحدهما: أنه يدخل في كلامهم ما لو قدر المثلي بغير معياره الشرعي؛ كقنطار حنطة، والأصح كما ذكره الرافعي في (باب القرض): أنه يأخذ بمثله وزناً 43، وحكى في "الكفاية" عن الجمهور: أنه يكال، ويأخذ بقدره كيلاً، وفي وجه غريب حكاه الهروِي في "أدب القضاء": أنه يتعذر الأخذ بالشفعة.
ثانيهما: دخل في عبارتهم ما لو ملك الشفيع الثمن نفسه قبل الاطلاع ثم اطلع واقتضت أنه يأخذ أيضاً بمثله أو قيمته، وقال في "المطلب": يظهر تعين الأخذ بنفس الثمن لا سيما المتقوم؛ لأن العدول عنه كان لتعذره، ويحتمل خلافه.
2693 - قول "التنبيه" [ص 117]: (بقيمته وقت لزوم العقد) أي: بانقطاع الخيار، صححه جماعة، ورجحه ابن الرفعة إن قلنا: لا ينتقل الملك إلا به، لكن الأصح: اعتبار قيمته وقت البيع، ونقل عن النص، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 44، ولو عبراب (وقت العقد) .. لكان أحسن من تعبيرهما بـ (يوم العقد).
2694 - قول "التنبيه" في الثمن المؤجل [ص 117]: (والثاني: أنه يأخذه بثمن مؤجل) شرط هذا القول: كون الشفيع مليّا ثقة، أو إقامة كفيل لذلك على أحد وجهين، رجحه في "الكفاية" تبعاً للإمام، وهو ما في "التتمة".
2695 - قول "الحاوي" [ص 364]: (بادر بالطلب لا إن أجل الثمن) تبع فيه الرافعي؛ فإنه رجح في "شرحيه" في المؤجل: أنه لا بجب إعلام المشتري بالطلب قبل الأجل، فقال: إنه أشبه بكلام الأصحاب، وانعكس ذلك على النووي، فصحح في "أصل الروضة" الوجوب 45.
الحديث: 2692 - الجزء: 2 - الصفحة: 221
2696 - قول "المنهاج" [ص 297]: (ولو بيع شقص وغيره) أحسن من قول "الحاوي" [ص 362]: (منقول) لعمومه؛ فقد يكون المبيع مع الشقص أرضاً أخرى كاملة.
2697 - قوله: (أخذه بحصته من القيمة) 46 صوابه: من الثمن باعتبار القيمة؛ فإنه لو كان الثمن الذي بيع به الشقص وغيره ثلاث مئة، وكانت قيمة الشقص مئة والآخر خمسين .. أخذه بثلثي الثمن، وهو مئتان في مثالنا، ولو أخذه بثلثي القيمة .. لأخذه بمئة، وليس الأمر كذلك، وعبارة "الحاوي" [ص 362]: (وحصته إن باع مع منقول)، فلم يبين حصته من أي شيء، لكن يقال في جوابه: لما تقرر أن الأخذ بمثل الثمن أو قيمته .. فالمراد: الحصة من ذلك، فسكوته عنه؛ لوضوحه.
2698 - قول "المنهاج" [ص 298]: (ولو اشترى بجزافٍ وتلف .. امتنع الأخذ) أعم من تصوير "المحرر" بالموزون 47، و"الروضة" وأصلها بالموزون والمكيل 48، لتناوله أيضاً المذروع وغيره، ثم فيه أمران:
أحدهما: في معنى تلفه: ما لو كان باقياً غائباً .. فإن البائع لا يلزمه إحضاره ولا الإخبار بقدره.
ثانيهما: لفظ الجزاف لا يتناول بعض المتقومات؛ كفص مجهول القيمة ضاع، فتعبير "الحاوي" بالجهالة أحسن 49؛ لأنه يتناول هذه الصورة والتي قبلها، وعبارته بعد أن ذكر أن القول قول المشتري في الجهل بقدر الثمن: (وتسقط) 50 أي: الشفعة عند الجهل.
2699 - قول "المنهاج" [ص 298]: (وإن ادعى علمه ولم يعين قدراً .. لم تُسمع دعواه في الأصح) تبع فيه "المحرر" 51، وكذا في "أصل الروضة"، والرافعي حكى تصحيحه عن البغوي فقط، وأقره 52، وعليه مشى "الحاوي" 53، وحكاه في "النهاية" عن النص 54، ومحل الخلاف: أن يطالبه ببيان القدر، فإن لم يفعل ذلك .. لم تسمع دعواه جزماً.
الحديث: 2696 - الجزء: 2 - الصفحة: 222
2700 - قول "المنهاج" [ص 298]: (وإذا ظهر الثمن مستحقاً، فإن كان معيناً .. بطل البيع والشفعة) في معنى ذلك: خروج الدنانير نحاساً، أما لو خرج رديئاً .. فللبائع الخيار بين الرضا والاستبدال، فإن رضي .. لم يلزم المشتري الرضا بمثله، بل يأخذ من الشفيع ما اقتضاه العقد، ذكره البغوي 55، قال النووي: وفيه احتمال ظاهر 56.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما قاله البغوي جار على قوله فيما إذا خرج العبد الذي أخذه البائع ثمناً معيباً ورضي به البائع: أن على الشفيع قيمته سليماً؛ لأنه الذي اقتضاه العقد، وقال الإمام: إنه غلط، وإنما عليه قيمته معيباً، حكاهما في "الروضة" 57، قال شيخنا: فالتغليظ في المثلي أولى، قال: والصواب: أن في كلا المسألتين وجهين، والأصح عندي فيهما: اعتبار ما ظهر.
2701 - قول "التنبيه" فيما إذا أخذ الشقص بعوض مستحق [ص 117]: (فقد قيل: تبطل شفعته، وقيل: لا تبطل) الأصح: الثاني، ومحلهما: مع العلم بالاستحقاق، فإن جهله .. لم تبطل قطعاً، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 298]: (وإن دفع الشفيع مستحقاً .. لم تبطل شفعته إن جهل، وكذا إن علم في الأصح) ثم ظاهر عبارة "المنهاج" أنه لا فرق بين أن يكون معيناً أو في الذمة، وعبارة "التنبيه" تقتضي أن الخلاف في المعين، وهو الذي صححه النووي من زوائده تبعاً لأبي حامد وآخرين 58، فإن كان في الذمة .. لم يبطل قطعاً، فأطلق "المنهاج" محل الخلاف على طريقته، وقد ظهر أن للخلاف شرطين أهمل كل منهما واحداً.
2702 - قول "الحاوي" [ص 362]: (وإن خرج مستحقاً .. أبدل) يقتضي أن الشفيع ملك الشقص، فلا يفتقر إلى تملك جديد والثمن دين عليه، وهو وجه صححه الغزالي 59، قال الرافعي: وهو خلاف المفهوم من كلام الجمهور 60، وتظهر فائدة الخلاف في الفوائد، وعبارة "التنبيه" و"المنهاج" ساكتة عن هذا، والله أعلم.
2703 - قول "المنهاج" [ص 298]: (وللشفيع نقض ما لا شفعة فيه؛ كالوقف) أحسن من قول "الحاوي" [ص 363]: (ونقض تصرفه) فإنه عمم في جميع التصرفات، ثم أخرج منها البيع خاصة بقوله بعده: (وإذا باع .. أخذ بما شاء) 61، ولا شك أن كل معاوضة في معنى البيع كما تقدم،
الحديث: 2700 - الجزء: 2 - الصفحة: 223
فالضابط في تعين النقض ما ذكره "المنهاج"، وهو: كل تصرف لا شفعة فيه، ومع ذلك فتعبير "التنبيه" بقوله [ص 118]: (وإن وهب أو وقف .. فله أن يفسخ) أحسن منهما؛ فإن النقض رفع الشيء من أصله كما سبق في (أسباب الحدث) فلذلك اعترض شيخنا الإسنوي على التعبير بالنقض، وقال: الأولى التعبير بالإبطال.
قلت: وأحسن منه تعبير "التنبيه" بالفسخ، لكن يتميز "المنهاج" عليه بذكره ضابط المسألة.
واعلم: بأن المراد بالنقض أو الفسخ: إبطاله بالأخذ، لا أنه يحتاج إلى لفظ قبله، نبه عليه في "المطلب" بحثاً.
2704 - قول "التنبيه" فيما لو أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع، وقال: أخذت الثمن [ص 118]: (لم يأخذ الشفيع على ظاهر المذهب) الأصح: أنه يأخذ، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 298]: (وإن اعترف: فهل يترك في يد الشفيع أم يأخذه القاضي ويحفظه؟ .. فيه خلاف سبق في الإقرار نظيره) وعبارته في (الإقرار) [ص 280]: (وإذا كذب المقرُّ له المقرَّ .. تُرك المال في يده في الأصح) وقد ذكره "الحاوي" هنا بقوله [ص 364]: (وإن قبض الثمن .. قُرِّر في يده)، وسبق وجه ثالث: أن المقر له يجبر على أخذه، وعبارة "الروضة" في حكايته هنا: (أو الإبراء منه) 62، وهو يدل على أن ذلك الخلاف يجري في الدين أيضاً؛ فإن الإبراء لا يكون في العين.
وقال في "المهمات": تكرر من الرافعي تخريج الدين على الأوجه في العين، وهو يقتضي أن الراجح: تسلط الشفيع على التملك والتصرف مع كون الثمن في ذمته، وهو لا يوافق القواعد السابقة؛ فقد سبق أن الممتنع لا بد من رفعه إلى القاضي ليلزمه القبض أو يخلي بينه وبين الثمن ليحصل الملك للشفيع، فإن فرض في هذه المسألة حصول الملك بسبب آخر؛ كالقضاء .. استقام، ويتطرق ما ذكرناه إلى الإبراء أيضاً؛ فإنه إنما يكون بعد ثبوت الدين، وثبوته إنما يكون وقت الملك، لا جرم أن ابن الرفعة في كتابيه ذكر أن الخلاف محله في العين، ثم قال: وأجراه شارح "التنبيه" - وهو ابن يونس - في الدين أيضاً، ولم أره لغيره، هذا كلامه، وهو غريب.
انتهى.
وقال شيخنا ابن النقيب: هناك المشتري معترف بالشراء، وهنا بخلافه 63.
2755 - قول "التنبيه" [ص 118]: (وإن ادعى المشتري الشراء والشقص في يده والبائع غائب .. فقد قيل: يأخذ، وقيل: لا يأخذ) الأصح: الأول، ويكتب القاضي في السجل أنه أخذ
الحديث: 2704 - الجزء: 2 - الصفحة: 224
بالتصادق؛ ليكون الغائب على حجته، وصحح النووي في "نكت التنبيه" الثاني، وهو خلاف ما في "الروضة" 64.
2706 - قوله: (وإن كان للشقص شفيعان .. أخذا على قدر النصيبين في أحد القولين، وعلى عدد الرؤس في الآخر) 65 صحح الرافعي والنووي الأول 66، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 67، وقال في "المهمات": هو خلاف مذهب الشافعي؛ فإنه لما حكى القولين في "الأم" 68 .. قال: والقول الثاني: أنهما في الشفعة سواء، وبهذا القول أقول، قال البندنيجي: والأصحاب كثيرأ ما يخالفون الشافعي لا عن قصد، ولكن لقلة اطلاعهم على نصوصه، وقال في "المطلب": وما قاله الأصحاب هنا عجيب، وكيف لا يعجب منه مع قوة ما احتج به الشافعي وعدم وضوح ما استدلوا به؟ ! انتهى.
واختار السبكي هذا القول الثاني أيضاً، وقال شيخنا الإمام البلقيني: وهو الذي صححه في نظيره من السراية، بل قال المزني: إن الشافعي لم يختلف قوله في العتق؛ يعني أن القيمة تكون على عدد الرؤس، قال: وممن صحح القول الثاني أبو الفرج الزاز في "تعليقه"، وقال: إنه الجديد الصحيح، وعكس الماوردي فقال: إن الجديد الصحيح: الأول، وصحح الثانى أيضاً الغزالي في "شفاء العليل".
انتهى.
2707 - قول "التنبيه" [ص 118]: (وإن مات الشفيع .. انتقل حقه إلى الورثة) الأصح: القطع بأنه على قدر الإرث، وقيل: بالسوية قطعاً، وقيل: على القولين، ودخل في عبارته الحمل، وظاهرها أن وليه يأخذ له بالشفعة قبل انفصاله، والذي صدر به كلامه في "الكفاية" المنع، ولم يحك الجواز إلا عن حكاية الرافعي وجهاً.
نعم؛ لو أخذ وليه وظهر حياً .. ففي صحة الأخذ وجهان في "الكفاية".
2708 - قول "المنهاج" [ص 298]: (ولو باع أحد شريكين نصف حصته لرجل ثم باقيها لآخر .. فالشفعة في النصف الأول للشريك القديم، والأصح: أنه إن عفا عن النصف الأول .. شاركه المشتري الأول في النصف الثاني، وإلا .. فلا) ذكر شيخنا ابن النقيب أن صورة المسألة: أن يكون بيع باقيها لآخر قبل أخذ الشريك ما بيع أولاً 69، وعبر "الحاوي" عن المسألة بقوله [ص 360]:
الحديث: 2706 - الجزء: 2 - الصفحة: 225
(وإن تقرر بعد) وقال البارزي في تقريره: وإن تقرر الملك بعد ثبوت الشفعة .. ثبتت أيضاً بقدر الملكين، فلو باع أحد الشريكين نصف حصته لواحد وشرط له الخيار ثم باقيها لآخر قبل أن يعفو الشريك القديم عن الأول .. فالمشتري الأول يساهم الشريك القديم في أخذ الشفعة إذا عفا عنه وانقضى الخيار.
2709 - قول "المنهاج" [ص 298، 299]: (والأصح: أنه لو عفا أحد شفيعين .. سقط حقه، ويُخَيَّر الآخر بين أخذ الجميع وتركه) قال شيخنا ابن النقيب: ظاهر قوله: (ويخير) الجزم به، وإلا .. لقال: وإن الآخر يتخير، لكن قيل: إنه يسقط حقه أيضاً تغليباً للسقوط كالقصاص.
انتهى 70.
وهو ممنوع؛ فقوله: (ويخير) من تتمة ما تقدم، فهو داخل فيما عبر عنه بالأصح، كما قال هو في قول "المنهاج" بعده [ص 299]: (وليس له الاقتصار على حصته) أنه من تتمته.
2710 - قول "التنبيه" فيما لو غاب أحدهما [ص 118]: (أخذ الآخر جميع المبيع أو ترك) قد يفهم أنه يلزمه المبادرة لذلك، وليس كذلك، بل له تأخير الأخذ إلى قدوم الغائب على الأصح، وقد صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 71، ونسبه الماوردي للمزني، ثم قال: والأظهر: البطلان.
2711 - قول "التنبيه" [ص 118]: (وإن ورث رجلان داراً عن أبيهما ثم مات أحدهما وترك ابنين ثم باع أحد هذين الابنين نصيبه .. كانت الشفعة بين الأخ والعم في أصح القولين) مثال، وضابط المسألة: أن يكون بين أحد الشركاء والبائع اختصاص، وكذا عبر به صاحب "التنبيه" في مختصره؛ ليتناول نحو ما إذا اشترى اثنان داراً وباع أحدهما نصيبه، أو وهبه من اثنين ثم باع أحدهما .. ففيه مثل هذا الخلاف، وعلى القول بانها للأخ لو عفا .. ففي ثبوتها للعم وجهان، قال في "الروضة": ينبغي أن يكون الأصح: الثبوت 72.
2712 - قوله: (وإن هلك بعض الشقص بفرق .. أخذ الباقي بحصته من الثمن) 73 جزم به الرافعي والنووي هنا 74، لكنهما رجحا في حكم المبيع قبل القبض أن غرق الأرض المشتراة ليس كالتلف، بل يثبت الخيار فقط، وهو مشكل.
الحديث: 2709 - الجزء: 2 - الصفحة: 226
2713 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (والأظهر: أن الشفعة على الفور) (1) أي: طلبها وإن تأخر التملك، وقد صرح بذلك "الحاوي" فقال [ص 364]: (بادر بالطلب)، وهذا إذا علم بالبيع، فإن لم يعلم .. فحقه باق وإن طالت المدة.
ويستثنى من اشتراط الفور مسائل:
إحداهما: إذا اشترى بمؤجل .. فالشفيع مخير بين التعجيل والأخذ في الحال والصبر إلى المحل على الأظهر.
الثانية: إذا أخبر بالبيع على غير ما وقع من زيادة في الثمن ونحوها، فترك ثم تبين خلافه .. فحقه باق، وقد ذكرهما الثلاثة، لكن "الحاوي" أحسنهم لهما ذكراً؛ فإنه ذكرهما هنا استثناء من الفورية، وذكر للإخبار كذباً صوراً، لكن قوله: (أو كذب في جنسه) (2) يزاد عليه: (أو نوعه).
الثالثة: إذا كان أحد الشفيعين غائباً .. فللحاضر انتظاره وتأخير الأخذ إلى حضوره، وقد ذكرها "المنهاج" و"الحاوي"، واستثناها هنا من الفور (3).
الرابعة: له التأخير أيضاً لانتظار إدراك الزرع وحصاده على الأصح، وهذه ترد على "الحاوي" أيضاً.
الخامسة: قال شيخنا الإمام البلقيني: إنما تكون الشفعة على الفور إذا لم يكن الشقص الذي يأخذ بسببه مغصوباً، نص عليه في "البويطي" فقال: وإن كان في يدي رجل شقص من دار، فغصب على نصيبه، ثم باع الآخر نصيبه، ثم رجع إليه .. فله الشفعة ساعة رجع إليه.
تنبيهٌ [المراد بفورية الشفعة]
المراد بكونها على الفور: أنه يبادر على العادة، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 78، والمراد: أن ذلك يكون عقب علمه بالشراء إن لم يثبت للشفيع خيار المجلس، وهو الذي صححه الرافعي في "المحرر" في (البيع) 79، ووافقه النووي في سائر كتبه، وحكاه عن الأكثرين 80،757677
الحديث: 2713 - الجزء: 2 - الصفحة: 227
فإن قلنا: بثبوت الخيار له - وهو الذي صححه الرافعي في "الشرح" في (الشفعة) 81 - .. فقال شيخنا ابن النقيب هنا: تكون المبادرة عقب انقضاء المجلس.
انتهى 82.
وفيه نظر؛ فإن في "أصل الروضة" في (البيع) أنه قيل: إن معنى ثبوت الخيار له: أنه بالخيار بين الأخذ والترك ما دام في المجلس، وأن إمام الحرمين قال: هذا غلط، بل الصحيح: أنه على الفور، ثم له الخيار في نقض الملك ورده 83، وصرح في "شرح المهذب" بتصحيح مقالة الإمام 84، وهو مقتضى كلام الرافعي هنا.
2714 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وإلى ثلاثة أيام في قول، وعلى التأبيد في قول إلى أن يصرح بالإسقاط أو يعرض) فيه أمور:
أحدها: اعترض على تعبيره عن قول الثلاثة: بأن مقتضاه: بقاء الشفعة فيها ولو صرح بإسقاطها أو عرض، وليس كذلك، فلا بد من تقييده.
وجوابه: أن قوله: (إلى أن يصرح بالإسقاط أو يعرض) يتعلق بالقولين معاً، ولا يختص بالأخير كما فهمه هذا المعترض، وهذا مقتضى مذهب الشافعي رحمه الله في الأصول.
ثانيها: قد يفهم أنه ليس له على قول التأبيد رفع الأمر إلى حاكم ليأخذ أو يترك، وهو وجه اختاره السبكي، والأصح: خلافه.
ثالثها: وقع في أكثر النسخ: (وإلى أن يصرح بالإسقاط) بزيادة (واو) في أول الكلام، ومقتضاه: أن هذا قول غير الأقوال الثلاثة، فيكون القولان اللذان قبله: بقاء الشفعة له ولو صرح با لإسقاط أو عرض، وليس كذلك، فزيادة هذه الواو غلط.
2715 - قول "التنبيه" في مثال التعريض بالإسقاط [ص 117]: (بأن يقول: "بكم الثمن") طريقة العراقيين، والأصح عند الرافعي والنووي وغيرهما: أنه لا تبطل الشفعة بذلك وإن قلنا: إنها على الفور 85، وعليه مشى "الحاوي" 86.
2716 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وإن بلغه الخبر وهو مريض أو محبوس ولم يقدر على التوكيل .. فهو على شفعته) فيه أمور:
الحديث: 2714 - الجزء: 2 - الصفحة: 228
أحدها: المراد: المرض المانع من المطالبة، بخلاف الصداع اليسير ونحوه، ويرد ذلك أيضاً على إطلاق "المنهاج" المرض 87.
ثانيها: والمراد: الحبس ظلماً أو بدين وهو معسر وعاجز عن البينة بإعساره.
ثالثها: ظاهره أنه لا يشترط الإشهاد عند القدرة عليه، والأصح: خلافه، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 299]: (فليُوكل إن قَدَرَ، وإلا .. فليُشهد على الطلب، فإن ترك المقدور عليه منهما .. بطل حقه في الأظهر)، وفيه أمور:
أحدها: أن تعبيره في مسألة الخلاف يقتضي أن صورتها: ألَّا يقدر إلا على أحدهما، فإن قدر عليهما .. فمقتضى عبارته أولاً: أن واجبه التوكيل، فالعدول عنه للإشهاد تقصير، وعبارة "أصل الروضة": فينبغي للمريض أن يوكل إن قدر، فإن لم يفعل .. بطلت شفعته على الأصح؛ لتقصيره، والثاني: لا، والثالث: إن لم يلحقه في التوكيل منَّة ولا مؤنة ثقيلة .. بطلت، وإلا .. فلا، فإن لم يُمكنه .. فليُشهد على الطلب، فإن لم يشهد .. بطلت على الأظهر أو الأصح.
انتهى 88.
وعبارة "المنهاج" لا تشبهها، فإذا أردنا ردها إليها .. قلنا: قوله: (فإن ترك المقدور عليه منهما) 89 أي: كل واحد في محله ومرتبته؛ التوكيل عند القدرة عليه سواء أقدر على الإشهاد أم لا، والإشهاد عند العجز عن التوكيل؛ بدليل أنه في صدر كلامه جعل محل الإشهاد عند العجز عن التوكيل، فصار صدر كلامه يوضح الإيهام الذي في آخره.
ثانيها: تعبيره في ترك التوكيل عند القدرة عليه بالأظهر مخالف لتعبير "الروضة" بـ (الأصح) 90، والذي في "الشرحين" أن الخلاف فيها أوجه 91.
ثالثها: تعبيره فى ترك الإشهاد بالأظهر جزم بأن الخلاف قولان، وقد تردد فيه في "الروضة" وأصلها 92، وعبارة "الحاوي" [ص 364، 365]: (بنفسه أو نائبه، ثم أشهد، فإن ترك المقدور - لا توكيلاً فيه مؤنة، أو ثِقَلُ مئة - .. بطل) وفيه أمران:
أحدهما: أن مقتضاه: التخيير بين المبادرة بنفسه وبوكيله مع القدرة، وأن التوكيل لا يختص
الجزء: 2 - الصفحة: 229
بحالة المرض ونحوها، وهو فقه جيد واضح، لكن لم أرهم ذكروا التوكيل إلا عند العجز بالمرض ونحوه، ولعل ذلك؛ لأن التوكيل حينئذ يتعين طريقاً لا لأنه يمتنع مع القدرة على الطلب بنفسه.
ثانيهما: ما ذكره في التوكيل الذي فيه مؤنة أو ثقل منَّة: إن تركه .. لا تبطل الشفعة، تبع فيه "الوجيز" 93، والأصح عند الرافعي والنووي: خلافه كما قد عرفت 94.
2717 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وان بلغه وهو غائب فسار في طلبه ولم يشهد .. ففيه قولان) صحح النووي في "تصحيح التنبيه": سقوط شفعته 95، وصحح في "الروضة" وأصلها: عدم السقوط 96، لكن المصحح في نظيره من الرد بالعيب السقوط.
2718 - قول "المنهاج" [ص 299]: (فلو كان في صلاةٍ أو حمامٍ أو طعامٍ .. فله الإتمام) قد يفهم أنه لو حضر وقت الصلاة أو الطعام ولم يشرع فيه .. لم يكن له ذلك، وليس كذلك، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 364]: (وإن أتم النفل والأكل أو اشتغل بهما وقتهما).
2719 - قول "التنبيه" [ص 117]: (فإن أخر وقال: "أخرت لأني لم أصدق المخبر" فإن كان المخبر صبياً أو امرأة أو عبداً .. لم تبطل شفعته) الأصح: أنها تبطل بإخبار العبد أو المرأة إذا كان ثقة، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 299]: (وكذا ثقة في الأصح) و"الحاوي" بقوله [ص 364]: (مقبول روايته).
2720 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وإن كان حراً عدلاً .. فقد قيل: هو على شفعته، وقيل: تبطل) الأصح: الثاني كما تقدم، وكل هذا في أخبار الآحاد، فلو بلغ المخبرون حد التواتر .. لم يعذر ولو كانوا فساقاً، كذا في "أصل الروضة" 97، ولو قال: (كفاراً) .. لكان أولى؛ فإن الحكم كذلك، كما صرح به في "التتمة" وغيرها، وعبارته توهم أن حكم الكافر بخلاف الفاسق.
قال في "المطلب": وكل هذا في الظاهر، أما في الباطن .. فالاعتبار بما يقع في نفسه من صدق وضده، ولو من كافر وفاسق وغيرهما، قاله الماوردي 98.
2721 - قول "الحاوي" فيما يعذر فيه [ص 364]: (ودعا بالبركة) صورته كما في "المنهاج" و"الروضة" وأصليهما أن يقول: (بارك الله في صفقتك) 99 ومقتضاه: أنه لو زاد عليه:
الحديث: 2717 - الجزء: 2 - الصفحة: 230
(لك) .. بطلت، قال شيخنا ابن النقيب: وهو واضح تحصل به مصلحة تعليله بأن له غرضاً في أخذ صفقة مباركة، ويندفع به محذور تعليل مقابله بأنه مشعر بتقرير الشقص بيده.
انتهى 100.
لكن في "المهمات": أن الإمام والغزالي صورا محل الخلاف بزيادة: (لك)، قال: فذهل عنه الرافعي، ولم يتفطن له في "الروضة" 101.
قلت: والذي وقفت عليه في نسخة صحيحة من الرافعي بزيادة: (لك)، ويبعد عليه إسقاطها؛ لأنها في "الوجيز" الذي هو شارح له 102، والله أعلم.
2722 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وإن باع حصته قبل أن يعلم بالشفعة ثم علم .. فقد قيل: تسقط، وقيل: لا تسقط) الأصح: الأول، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 299]: (لو باع حصته جاهلاً بالشفعة .. فالأصح: بطلانها) و"الحاوي" بقوله [ص 365]: (أو باع ملكه، أو وهب، أو بعضه - ولو كان جاهلاً - .. بطل) فزاد مسألة الهبة، وبيع البعض، أو هبته، وقد قال الرافعي في بيع البعض عالماً: الأظهر عند الإمام وغيره: البطلان 103، وأطلق تصحيحه في "الشرح الصغير" و"الروضة" 104، وقال الرافعي في بيع البعض جاهلاً: الوجه: أنه على الخلاف، وقوته تقتضي استواء الترجيح 105، وعليه مشى "الحاوي" 106، لكن صحح النووي في بيع البعض جاهلاً: عدم البطلان 107.
ويستثنى من محل الخلاف أيضاً: ما إذا باع بشرط الخيار وفسخ البيع ثم علم .. فله الشفعة، قاله في "المرشد".
2723 - قول "التنبيه" [ص 117]: (وإن توكل في بيعه .. سقطت، وقيل: لا تسقط) الأصح: عدم السقوط.
2724 - قوله: (وإن قال: "صالحني عن الشفعة على مال" .. فقد قيل: تبطل، وقيل: لا تبطل) 108 الأصح: الثاني، ومحل الخلاف: إذا كان جاهلاً بفساد الصلح، فإن كان عالماً
الحديث: 2722 - الجزء: 2 - الصفحة: 231
بذلك .. بطل حقه قطعًا، كما ذكروه في المصالحة عن الرد بالعيب، وأحالوا عليه هنا، وكلام شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" يقتضي وجود الخلاف في الحالين؛ فإنه قال فيما عبر فيه بالأصح: وأنه إذا قال: صالحني عن الشفعة على مال .. لم تسقط شفعته، وبطلانها إذا صالح عنها على مال عالماً بفساد المصالحة 109.
2725 - قول "التنبيه" [ص 118]: (وإن تصرف المشتري في الشقص بالغراس والبناء .. فالشفيع مخير بين أن يأخذ ذلك بقيمته وبين أن يقلع ويضمن أرش ما نقص) فيه أمور:
أحدها: اقتصر العراقيون هنا على ذكر هاتين الخصلتين كما في "الكفاية"، وزاد الرافعي والنووي هنا في التخيير خصلة ثالثة، وهي: التبقية بأجرة، وقالا: كما في العارية بلا فرق 110.
قلت: وقد تقدم في العارية ما في ذلك من الاضطراب.
ثانيها: محل تخيير الشفيع: ما إذا لم يختر المشتري قلع البناء والغراس، فإن اختار .. فله ذلك، ولا يكلف تسوية الأرض، فإن حدث في الأرض نقص .. فيأخذه الشفيع على صفته أو يترك.
ثالثها: المسألة مشكلة؛ لأن المشتري إن فعل ذلك قبل القسمة .. فللشفيع قلعه مجاناً؛ لتعديه بانفراده بالتصرف في المشترك، وإن كان بعد القسمة .. فاستشكله المزني بأن القسمة تتضمن الرضا من الشفيع، وإذا رضي بتملك المشتري .. بطلت شفعته.
واستشكله غيره: بأن القسمة تقطع الشركة، فيصيران جارين، ولا شفعة للجار.
وأجيب: بالتزام أنه بعد القسمة، والجواب عن إشكال المزني: أن القسمة تصح مع بقاء الشفعة في صور كثيرة:
منها: أن يخبر الشفيع بالشراء بثمن كثير، فيعفو ويقاسم، ثم يتبين خلافه.
ومنها: أن تقع القسمة مع وكيله فيها من غير علمه.
وعن الإشكال الثاني: أن الجوار إنما لا يكفي في الابتداء.
رابعها: خرج بذكر الغراس والبناء ما لو تصرف فيها بالزرع .. فإنه يبقى إلى أوان الحصاد بلا أجرة، وقد ذكر "الحاوي" المسألة وتصويرها، فقال [ص 365]: (أو قاسم وكيله، ويُبَقَّى زرعه بلا أجرٍ، وبناؤه كالعارية).
2726 - قول "التنبيه" [ص 118]: (وقيل: له أن يرد بخيار المجلس) صححه الرافعي في
الحديث: 2725 - الجزء: 2 - الصفحة: 232
"الشرح" 111، لكنه صحح في "المحرر": أنه لا يرد بخيار المجلس، وصححه النووي في جميع كتبه 112، لكن نقل الإمام قطب الدين السنباطي عن النووي: أنه صحح في "تصحيح التنبيه" الأول، ثم اعترضه ورد عليه شيخنا الإسنوي: بأن هذا ليس موجوداً في "تصحيح النووي"، وهو كذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 233