تحرير الفتاوىصفحات 323-362

كتابُ الصَّلاة

صفحات 323-362

وأقره في "الروضة"، لكنه اختار في "شرح المهذب" خلافه 1. تنبيه: قولهم: (الجماعة سنة) 2 يفهم صحة الصلاة بالمتابعة دونها، والأصح: أنَّه إن تابع بدونها، أو مع الشك فيها، وطال انتظاره.. بطلت، ذكره في "الكفاية"، لكنهم قد ذكروا اشتراط نية المتابعة بعد هذا.
676 - قول "التنبيه" [ص 37]: (وفعلها فيما كثر فيه الجمع من المساجد أفضل) فيه أمور: أحدها: يستثنى من تفضيل كثرة الجماعة مسألتان: إحداهما: ذكرها عقب ذلك بقوله: (وإن كان في جواره مسجد ليس فيه جماعة.. كان فعلها في مسجد الجوار أفضل) 3 لكن عبارته تفهم أن الانفراد في مسجد الجوار أفضل، وليس كذلك بلا خلاف كما في "شرح المهذب" 4، وقال القاضي حسين والبغوي: الأَوْلى: أن يصلي فيه منفردًا لم يدرك مسجد الجماعة ليصلي معهم فيحوز الفضيلتين 5، وقد ذكرها "المنهاج" و"الحاوي" على الصواب، فاستثنياها من تفضيل ما كثر جمعه 6، فيحمل كلام "التنبيه" على أن معناه: وبصلاته فيه تحصل جماعة قليلة، ويمكن عود الضمير في قوله: (فعلها) على الجماعة.
الثانية: أن يكون إمام المسجد الكثير الجماعة مبتدعا، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 118]: (إلَّا لبدعة إمامه).
قال المحاملي وغيره: وكذا لو كان حنفيًا، ونقل في "الكفاية" الاتفاق عليه، وصرح به في "الحاوي" 7، وهو مثال، فالتعليل بأنه لا يعتقد وجوب بعض الأركان يقتضي إلحاق المالكي وغيره من المخالفين به، وقد صرح في "شرح المهذب" بذلك، وبأن الفاسق كالمبتدع 8. الأمر الثاني: يستثنى من تفضيل جماعة المسجد على جماعة البيت: المرأة، فجماعة البيت لها أفضل، وقد صرح به "المنهاج" بقوله [ص 118]: (وفي المسجد لغير المرأة أفضل) و"الحاوي" بقوله [ص 175]: (وفي المسجد له) أي: للرجل أفضل، ومقتضى عبارة "المنهاج": أن المسجد للصبي أفضل، وكذا هو مقتضى عبارة "الحاوي" إن فسرنا الرجل هنا بأنه خلاف المرأة،

فإن فسرناه بأنه البالغ.. اقتضى كلامه أن الأفضل للصبي: البيت، ولم أر ذلك مصرحًا به؛ ولعله فيمن يخشى الفتنة به لجماله.
الأمر الثالث: قد يفهم من تقييده أفضلية كثرة الجمع بكونه في المساجد: أنَّه لو كانت جماعة المسجد أقل من جماعة بيته.. فالمسجد أولى، وبه صرح الماوردي 1، وهو مقتضى إطلاق الرافعي 2، وقال القاضي أَبو الطيب: بيته أولى، ولا يفهم من عبارة "المنهاج" و"الحاوي" في ذلك شيء؛ لأنهما ذكرا أفضلية المسجد وأفضلية كثرة الجمع وسكتا عن تعارضهما، ويستثنى من هذا الخلاف: ما لو كانت الجماعة القليلة في أحد المساجد الثلاثة، بل الانفراد فيها أفضل من الجماعة في غيرها كما صرح به المتولي، ونظير تعارض كثرة الجماعة والمسجد: إذا كان لو صلى منفردًا.. خشع، ولو صلى في جماعة.. لم يخشع، فأفتى الغزالي بأن الانفراد أفضل 3، فتستثنى هذه الصورة من كلامهم إن صح ذلك، أما لو كان إذا صلى في بيته صلى جماعة وإذا صلى في المسجد صلى وحده.. ففي بيته أولى.
677 - قول "التنبيه" [ص 38]: (فإن كان للمسجد إمام راتب.. كره لغيره إقامة الجماعة فيه) فيه أمران: أحدهما: أن هذا في غير المسجد المطروق.
ثانيهما: ويستثنى من غير المطروق: ما إذا لم يحضر الإمام وخيف من انتظاره فوات أول الوقت ولم يخش فتنة، فإن خيف فتنة.. صلوا فرادى، ويستحب لهم الإعادة معه إن حضر بعد ذلك، كذا في زيادة "الروضة" 4، قال في "المهمات": وخالف في "شرح المهذب"، فحكى عن الشَّافعي والأصحاب في خوف الفتنة أنَّه إذا طال الانتظار وخافوا فوت الوقت كله.. صلوا جماعة 5. قلت: لا مُخَالَفَةُ بينهما؛ لأن كلام "الروضة" فيما إذا خيف فوت أول الوقت، وكلام "شرح المهذب" فيما إذا خيف فوت الوقت كله، وهذا واضح، والله أعلم.
678 - قول "المنهاج" في فضيلة تكبيرة الإحرام [ص 118]: (وإنَّما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه) وهو مثل قول "الحاوي" [ص 176]: (وفضل التحرم بشهوده والاتباع) وفي "شرح المهذب": لو أخر لوسوسة.. حصلت الفضيلة 6.

واستشكل: بأن الوسوسة ليست عذرًا في التخلف عن الإمام بتمام ركنين فعليين، كما في "شرح المهذب"، فيحتاج إلى الفرق؛ ولعل المذكور هنا محمول على ما إذا لم يطل الزمن في الوسوسة، بدليل قوله في "شرح المهذب": (من غير وسوسة ظاهرة)، ويكون طول الزمن هو المراد بالظهور، فهو قيد فيه، والتخلف بتمام ركنين فعليين طويل، فاستويا 1. 679 - قول "المنهاج" [ص 118]: (وقيل: بإدراك بعض القيام، وقيل: بأول ركوع) محلهما: فيمن لم يحضر إحرام الإمام، أما من حضر وأخر.. فلا، حكاه في زيادة "الروضة" عن "البسيط" 2. 680 - قول "الحاوي" [ص 176]: (وتحصل -أي: فضيلة الجماعة - بإدراك جزءٍ) قد يفهم أنَّه لو أدرك جزءًا من التسليم.. حصلت؛ لأنه من الصلاة، وليس كذلك، فتعبير "التنبيه" و"المنهاج" بإدراك ما قبل التسليم أحسن 3، وهو متناول لما إذا سلم الإمام قبل قعوده، وهو كذلك، لكن تعبير "المنهاج" عن ذلك بالصحيح يقتضي ضعف مقابله، وهو موافق لكون الرافعي والنووي لم ينقلاه إلَّا عن الغزالي 4، وفي "الروضة": إنه شاذ ضعيف 5، وليس كذلك، فهو محكي عن الفوراني والمحاملي 6، وحكاه القاضي حسين عن عامة أصحابنا، والجيلي عن المراوزة، والكلام في غير الجمعة كما هو في بابها، وصرح به "الحاوي" هنا فقال [ص 176]: (والجمعة بركعة).
681 - قول "التنبيه" [ص 38]: (ويستحب للإمام أن يخفف الأذكار) قد يخرج القراءة، وبه صرح في "الكفاية" فقال: إن التخفيف فيها غير مستحب، وحكاه عن القاضي حسين، لكن في "المهذب": استحباب تخفيف القراءة أيضًا، ونقله في "شرح المهذب" عن الشَّافعي والأصحاب 7، وهو ظاهر.
682 - قول "المنهاج" [ص 118]: (وليخفف الإمام مع فعل الأبعاض والهيئات) لكن لا يفهم من عبارتهما كراهة التطويل، وقد نص عليها في "الأم" 8، وقول "المنهاج" [ص 118]: (إلَّا أن

يرضى بتطويله محصورون) مراده: إلَّا أن يكون المأمومون كلهم راضين محصورين، وعبارته لا تعطي ذلك، بل تعطي أنَّه متى رضي محصورون وإن كانوا بعض المأمومين.. ندب التطويل، وعبارة "المحرر": (إلَّا أن يرضى الجميع بالتطويل، وهم محصورون) 1، وكذلك قول "التنبيه" [ص 38]: (إلَّا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل)، وكلاهما وافٍ بالغرض وإن كانت الأولى أصرح، وفي "فتاوى ابن الصلاح": لو آثروا التطويل إلَّا واحدًا أو اثنين: فإن قل حضوره.. خفف، وإن كثر.. طول؛ لئلا يفوت حقهم لواحد 2، قال النووي: وهو حسن متعين 3، وخالفهما السبكي.
واعلم: أنهما استثنيا حالة رضى المأمومين من استحباب التخفيف، فمفهومه: أنهم إذا رضوا.. لا يستحب التخفيف، ولا يلزم من ذلك استحباب التطويل، بل يصدق باستواء الطرفين، ويوافق ذلك تعبير "الروضة" بأنه لا بأس بالتطويل 4، لكن ذكر السبكي والإسنوي وغيرهما أنَّه مستحب، وهذا هو الحق، وغايته: أن عدم رضى المأمومين المحصورين مانع من التطويل، فإذا رضوا.. زال ذلك المانع وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وهو الاستحباب، وإنَّما سكتا عن التصريح بحكم هذا المستثنى؛ لوضوحه وتقريره قبل ذلك، ومن الغريب أن الدارمي حكى في "الاستذكار" وجهين في استحباب التطويل عند رضى المحصورين، وفي المنفرد أيضًا.
683 - قول "المنهاج" [ص 118]: (ويكره التطويل ليلحق آخرون) استشكله السبكي: بأن المختار: تطويل الركعة الأولى؛ لحديث أبي قَتَادة في "الصحيحين": (أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يفعله) 5، وعلل بإدراك القاصدين لها، وجاء التعليل مصرحًا به في رواية صحيحة: (كي يُدْرِكَ الناس) 6، وفي رواية ضعيفة: (يقوم حتَّى لا يُسْمَعَ وَقْعُ قَدَمٍ) 7 فإذن انتظارهم قائمًا ليأتوا أفواجًا أفواجًا غير مكروه، إلَّا إذا آذى الحاضرين.. فيكره، ثم جزمهم بالكراهة هنا ليس منافيا للخلاف في المسألة عقبها؛ فإن تلك فيمن دخل المسجد وعرف به الإمام، وهذه بخلافها.
684 - قول "التنبيه" [ص 38]: (وإذا أحس الإمام بداخل وهو راكع.. استحب له أن ينتظره في أصح القولين، ويكره في القول الآخر) فيه أمور:

أحدها: اقتصاره على الركوع يخرج التشهد الأخير، والمذهب: التسوية، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 1. ثانيها: هذه الطريقة هي المصححة في "شرح المهذب" 2، والذي حكاه الرافعي عن معظم الأصحاب: أنَّه ليس الخلاف في الاستحباب، وإنَّما هو في الكراهة، فأحد القولين: يكره، والثاني: لا يكره 3، وقال في "المهمات": والمعروف ما قاله الرافعي، ومشى على هذه الطريقة في "المحرر"، فرجح عدم الكراهة 4، وكذا "الحاوي" فجزم بعدم الكراهة 5، لكن استدرك في "المنهاج" فقال [ص 118]: (المذهب: استحباب انتظاره) فجنح إلى طريقة "التنبيه"، واختار السبكي: أن الانتظار مكروه، وحكاه في "المهمات" عن أبي إسحاق المروزي والشيخ أبي حامد والبندنيجي والمحاملي والماوردي والإمام والغزالي وصاحب "الفروع"، قال: وحكاه في "البيان" عن الأكثرين، وحكاه الرافعي عن تصحيح الإمام وآخرين، ولم يحك تصحيح عدم الكراهة إلَّا عن الروياني 6. ثالثها: أهمل لذلك شرطين ذكرهما "المنهاج" و"الحاوي"، وهما: عدم المبالغة، والتفريقِ بين الداخلين 7، وفهم من تعبيرهم بالدخول شرط ثالث، وهو: أن يكون دخل المسجد أو مكان الصلاة، فلو لم يشرع في الدخول بعد.. لم ينتظره قطعًا، وفي "الكفاية": لو قيل: محله: إذا لم يدخل، فإن دخل فلا ينتظر قطعا.. لاتَّجَه؛ لتمكنه حينئذ من الإحرام، وقال المحب الطَّبري: علة ما قالوه التطويل، قال: لكنه منتقض بالخارج القريب؛ لصغر المسجد، والبعيد 8، لسعته، والوجه: مراعاة هذا التفصيل.
انتهى.
رابعها: لو أحس المنفرد بداخل وهو في الركوع أو التشهد الأخير.. فالمتجه: أنَّه في ذلك كالإمام، بل أولى؛ لاحتياجه إلى تحصيل الجماعة، ولم أر من تعرض لذلك، وتعبير "التنبيه" بـ (الإمام) يخرجه، وفي "المنهاج" [ص 118]: (ولو أحس في الركوع) فإن أعدنا الضمير على

الإمام لتقدم ذكره.. فهو كـ "التنبيه" في ذلك، وإن أعدناه على المصلي للعلم به.. تناول المنفرد، وقول "الحاوي" [ص 176]: (ولا يكره انتظار الداخل) يتناول المنفرد جزمًا، وخطر لي أنا إن أثبتنا ذلك للمنفرد.. لم يشترط فيه عدم التطويل؛ إذ ليس وراءه من يتضرر بتطويله، وفيه احتمال، ويستثنى من إطلاقهم الركوع: الركوع الثاني من الخسوف، فلا انتظار فيه؛ إذ لا يحصل بإدراكه الركعة على الأصح.
685 - قول "التنبيه" [ص 38]: (ومن صلى منفردًا ثم أدرك جماعة يصلون.. استحب له أن يصليها معهم) يقتضي أن المصلي في جماعة ليس كذلك، وهو وجه، الأصح: خلافه، وقد صرح به "المنهاج" 1، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" 2، لكن قيل: إن قوله: (منفردًا) ليس في نسخة المصنِّف، فلا إيراد، ثم في كلامهم أمور: أحدها: أنَّه لو أدرك منفردًا يصلي.. استحب له الصلاة معه ولو كان صلى أولًا في جماعة؛ ليحصل له فضيلة الجماعة، كما جزم به في زيادة "الروضة" 3، وحكى في "الكفاية" الاتفاق عليه، وقد يقال: لا ترد هذه الصورة على عبارة "الحاوي" لأن قوله [ص 175]: (كإعادة الفرض بالجماعة) يتناول هذه الصورة؛ فإنه لم يعدها إلَّا بجماعة، فإنها انعقدت به وبإمامه، بخلاف قول "التنبيه" [ص 38]: (ثم أدرك جماعة)، وقول "المنهاج" [ص 119]: (إعادتها مع جماعة).
ثانيها: يستثنى من كلامهم: صلاة الجنازة؛ فإنه لا يستحب إعادتها على الصحيح كما سيأتي في بابه، وكذلك صلاة الجمعة لا يجوز إعادتها؛ لأن الجمعة لا تقام بعد أخرى، قال في "المهمات": فإن فرض الجواز لعسر الاجتماع.. فالقياس: أنَّها كغيرها.
ثالثها: قال في "المهمات" أيضًا: (تصويرهم يشعر بأن الإعادة إنما تستحب إذا حضر في الثانية من لم يحضر في الأولى، وهو ظاهر، وإلا.. لزم استغراق ذلك الوقت، وقد يقال بالمشروعية إذا اختلفت الأئمة) انتهى.
رابعها: ظاهر إطلاق "التنبيه" و"المنهاج" يتناول ما يستحب فيه الجماعة من النوافل، وهو القياس كما في "المهمات"، قال: وتعليل الرافعي بحصول فضيلة الجماعة يدل عليه، لكنه فرض المسألة أولًا فيمن انفرد بصلاة من الصلوات الخمس، وكذا في "الروضة"، وكذا قيد "الحاوي" بالفرض، فقال [ص 175]: (كإعادة الفرض) 4.

خامسها: هذا إذا كان الوقت باقيًا، فأما بعد فواته.. فلا يستحب قطعًا، قاله صاحب "المعين" اليمني، قال بعضهم: ويلزم عليه أنَّه لا يستحب إعادة المغرب تفريعًا على الجديد، وهو ضيق وقتها، وهذا مردود؛ لاتساع وقتها لإيقاعها مرتين ولو قلنا بالتضييق لاعتبار قدر الطهارة وستر العورة والأذان والإقامة وفعل خمس ركعات أو سبع وتناول لقم أو الشبع كما هو مقرر في موضعه.
ويرد على تعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالإعادة: أنَّه مخالف لتعريفها بالعبادة الواقعة في الوقت إذا كانت مسبوقة بأداء مختل، وهو ما فقد فيه ركن أو شرط، وهو المذكور في الأصول؛ ولذلك لم يعبر بها "التنبيه"، والمراد عند من عبر بها: معناها اللغوي دون الاصطلاحي.
686 - قول "المنهاج" [ص 119]: (والأصح: أنَّه ينوي بالئانية الفرض) ظاهره يقثضي جريان الوجهين، على الجديد: أن الفرض الأولى، وعلى مقابله، وكذا في "المحرر" 1، لكن في "الروضة": إن قلنا بغير الجديد.. نوى الفرض، وإن قلنا بالجديد.. فالأصح الذي قاله الأكثرون: ينوي بها الفرض أيضًا، والثاني اختاره الإمام: ينوي الظهر أو العصر، ولا يتعرض للفرض، زاد النووي: أن الراجح: اختيار الإمام 2. وقال السبكي: يحتمل أن يريد الأكثرون: أنَّه ينوي إعادة الصلاة المفروضة حتَّى لا يكون نفلًا مبتدأ، لا أن إعادتها فرض.
687 - قول "المنهاج" و"الحاوي" في (أعذار الجماعة): (كمطر) 3 شرطه: حصول المشقة بالخروج معه، صرح به الرافعي في الكلام على المرض 4، ولذلك قال في "التنبيه" هنا [ص 38]: (ومن يتأذى بالمطر) وفي (الجمعة) [ص 41]: (من تبتل ثيابه بالمطر) وهو معنى تقييد الماوردي بالمطر الشديد 5، فعلى هذا لا يعذر بالخفيف، ولا بالشديد إذا كان يمشي في كن.
688 - قول "التنبيه" [ص 38]: (والريح الباردة في الليلة المظلمة) ليست الظلمة شرطًا، بل الليل كاف؛ ولذلك أطلقه "المنهاج" و"الحاوي" 6، قال الرافعي: (وليس وصف بعضهم الليلة بالمظلمة للاشتراط) انتهى 7.

قال المحب الطَّبري: والمختار: أن شدة الظلمة وحدها عذر، وقيد "التنبيه" الريح بكونها باردة، وتبعه في "شرح المهذب" 1، وقيدها "المنهاج" بكونها عاصفة 2، و"الحاوي" بكونها شديدة 3، والعاصفة هي الشديدة، وقال في "المهمات": والظاهر: أن الريح الشديدة وحدها عذر بالليل، والتعبير بالباردة لكونه الغالب، وقال المحب الطَّبري: المختار: أن كلًا من الظلمة والبرد والريح الشديدة عذر بالليل، ويدل له: أن شدة البرد عذر ليلًا ونهاراً، وتعبيرهم بالليل يخرج صلاة الصبح، والمتجه في "المهمات": إلحاقها بالليل في ذلك، ويختص "الحاوي" بأنه عد شدة الريح بالليل عذرًا في الجماعة والجمعة، ومن المعلوم عدم تأتي ذلك في الجمعة؛ إذ لا تكون ليلًا.
689 - قول "التنبيه" [ص 38]: (والوحل) لا يتخيل أنَّه مطلق، بل هو معطوف على المطر المقيد بالتأذي به، والخفيف لا يحصل التأذي به، وكذلك قيد في "المنهاج" فقال [ص 119]: (وكذا وَحَلٌ شديدٌ)، وكذا هو في "الحاوي" مجرور عطفًا على الريح في قوله [ص 176]: (وشدة الريح).
نعم؛ أطلقه في "التحقيق" و"شرح المهذب" 4. 690 - قول "التنبيه" [ص 38] و"الحاوي" [ص 176]: (والمرض) قيده "المنهاج" بكونه شديدًا 5، والمراد: المرض الذي يشق الخروج معه كمشقة المطر، ولا يشترط كونه مجوزًا للقعود في الصلاة، وهذا القدر خفيف من وجه وشديد من وجه.
691 - قول "المنهاج" في الأعذار الخاصة [ص 119]: (وحرٍّ وبرب شديدينِ) مخالف لكلام "الروضة" وأصلها في عدهما من الأعذار العامة، وهو أظهر، ثم إن الذي في الرافعي و"الروضة": تقييد شدة الحر بكونها في الظهر 6. 692 - قوله: (وجوعٍ وعطشٍ ظاهرين) 7 هو معنى تقييد "الحاوي" بشدتهما 8، ولا يشترط مع ذلك حفور الطَّعام والشراب، خلافًا لما وقع في "الشرح" و"الروضة" من تقييده بالحضور

والتوقان 1، وهو عجيب، فالحضور والتوقان عذر وإن لم ينضم إليهما جوع ولا عطش، وقد صرح بذلك "التنبيه" هنا فقال [ص 38]: (ومن حضره الطَّعام ونفسه تتوق إليه) وذكره "المنهاج" في كراهة الدخول في الصلاة معه فقال [ص 109]: (أو بحضرة طعام يتوق إليه) ومتى كرهت الصلاة معه.. كان التأخير له عذرًا، فإنهم رخصوا بما لم ينته إلى الكراهة، فما انتهى إليها أولى، بل في "الكفاية" تبعًا لابن يونس: أن توقان النفس إلى الشيء عذر وإن لم يحضر.
693 - قول "التنبيه" [ص 38]: (أو يدافع الأخبثين) المراد: مدافعة أحدهما، ولا يشترط اجتماعهما، وفي معناه: مدافعة الريح، وقول "الحاوي" [ص 176]: (والحقن) إنما هو حقيقة في مدافعة البول، فقول "المنهاج" [ص 119]: (ومدافعة حدثٍ) أعم منهما وأحسن، وقيد "الحاوي" الحقن بسعة الوقت، أي: فإن ضاق الوقت.. صلى مع الحقن، ولا معنى لهذا التقييد هنا، إنما ينبغي ذكره في كراهة الصلاة معه، والكلام هنا في عذر الجماعة.
694 - قول "المنهاج" [ص 119] و"الحاوي" [ص 176]: (وخوف ظالم) زاد "المنهاج" [ص 119]: (على نفس أو مال) لا يتناول ما إذا كان خبزه في التنور، أو قِدْرُه على النار، وليس هناك متعهد، وإن كان في "الروضة" تبعًا لأصله أن ذلك يدخل في الخوف على المال 2، لكن التقييد بظالم يخرجه.
نعم؛ يتناوله قول "التنبيه" [ص 38]: (أو يخاف ضررًا في نفسه أو ماله) فهو من هذه الجهة أحسن، لكن لا يتناول خوف الضرر في نفس غيره ومال غيره مما يجب الذب عنه، فعبارتهما من جهة هذا أحسن.
695 - قول "المنهاج" [ص 119]: (وملازمة غريم معسرٍ) هو بغير تنوين مضاف إلى معسر؛ أي: ملازمة غريمه له وهو معسر، وفهم هذا من عبارته قلق، فقول "الحاوي" [ص 176]: (والغريم للمعسر) أوضح، ومحل هذا: إذا عسر عليه إثبات إعساره، وإلَّا.. لم يعذر كما في "البسيط".
696 - قول "الحاوي" [ص 176]: (ورجاء عفو العقوبة) أحسن من قول "المنهاج" [ص 119]: (وعقوبةٍ يُرْجَى تركها إن تَغَيَّبَ أيامًا) لأنه لا يلزم من ترك المطالبة العفو، واستشكله الإمام؛ لأن موجب القصاص من الكبائر فكيف يخفف عليه بجواز التغييب عن المستحق؟ ثم أجاب عنه: بأن المستحق مندوب للعفو، والتغييب طريق إليه 3.

وخرج برجاء العفو ما لا يقبل العفو؛ كحد السرقة والزنا، وقيده في "شرح المهذب" ببلوغ الإمام 1، فأفهم جواز تغييبه عن الشهود حتَّى لا يرفعوا أمره للإمام.
697 - قول "المنهاج" [ص 119] و"الحاوي" [ص 176]: (والعُرْي) أي: بألَّا يجد ثوبا يليق به سواء وجد ساتر العورة أم لا، فيؤخذ منه أن من اعتاد الخروج مع ساتر العورة فقط.. لم تسقط عنه الجماعة عند فقد الزائد عليه، وأن ما لا يليق به؛ كالقباء في حق الفقيه.. كالمعدوم، وبه صرح بعضهم.
698 - قول "المنهاج" [ص 119]: (ولكل ذي ريح كريهٍ) قيده في "المحرر" و"الحاوي" بكونه نيئًا 2؛ ليخرج المطبوخ، وحذفه "المنهاج" اعتمادًا على أن الطبخ يزيل رائحته، وذكره أحسن، فلا بد فيه من رائحة كريهة، لكنها اغتفرت؛ لقلتها، وشرط في "الروضة" تبعًا لأصله: ألَّا يمكنه إزالة الرائحة بغسل ومعالجة 3، قال في "المهمات": ومقتضاه: أن الإزالة إذا أمكنت بمشقة شديدة.. يؤمر بها ولا يعذر في التخلف، والقياس الموافق للقواعد خلافه، قال: ويؤخذ منه سقوطها بالبخر والصنان المستحكم بطريق الأولى، قال: وفي الجذام والبرص نظر، والظاهر عدم السقوط.
699 - قول "المنهاج" [ص 119]: (وحضور قريب محتضر أو مريض بلا متعهد أو يأنس به) فيه أمور: أحدها: الاحتضار هو مراد "الحاوي" بالإشراف و"التنبيه" بخوف الموت 4، ولا فرق في ذلك بين أن يكون له متعهد أم لا، ويلحق بالاحتضار مجرد الاستئناس به، وهو وارد على "التنبيه" و"الحاوي" فلم يذكراه، وقد ذكره "المنهاج"، لكن في عبارته إشكال؛ لأن قوله: (مريض) إن عطف على (محتضر) على أنَّه صفة لقريب.. خرج تمريض الأجنبي، وهو عذر، وهو مقتضى إطلاق "التنبيه" و"الحاوي"، وإن عطف على (قريب) أي: وحضور مريض ليشمل الأجنبي كما هو الصواب.. شمله في مسألة الأنس أيضًا، وهي لا تشمله، بل هي خاصة بالقريب، وعبارة "المحرر" واضحة في المراد؛ حيث قال: (وإنما يكون التمريض عذرًا إذا لم يكن للمريض متعهد، فإن كان له متعهد: فإن كان قريبًا مشرفًا على الوفاة أو كان يستأنس به.. فهو معذور، وإلا.. فلا) 5 وظهر بذلك أن قوله: (أو يأنس به) معطوف على (محتضر) على أنَّه صفة

لقريب، وفصل بينهما بقوله: (أو مريض بلا متعهد) فلو قدم وأخر فقال: (وحضور قريب محتضر أو يأنس به أو مريض بلا متعهد).. لاتضح واستقام.
ثانيها: اقتصر في "التنبيه" أيضًا على القريب (1)، وفي معناه: الزوجة والمملوك، وقد ذكرهما "الحاوي" (2)، والصهر والصديق كما في "الروضة" تبعًا لأصله (3). ثالثها: قوله: (بلا متعهد) لا يرد عليه ما إذا كان له متعهد مشغول في ذلك الوقت بشراء حوائجه؛ لأنه الآن خال عن متعهد، وقد دخلت هذه الصورة وهي غيبة المتعهد في قول "التنبيه" [ص 38]: (ومن له مريض يخاف ضياعه) وقول "الحاوي" [ص 176]: (والتمريض).

تَنْبِيْهَان [على بقية الأعذار المرخصة في ترك الجماعة، ومعنى كلونها مرخصة]

أحدهما: بقي من الأعذار: أن يكون ناشد ضالة يرجو الظفر إن ترك الجماعة، أو وجد من غصب ماله وأراد استرداده منه، وغلبة النوم، ذكرهما في "الروضة" تبعًا لأصله 4، والمراد: غلبة النوم إن انتظر الجماعة كما في "شرح المهذب" 5، والثلج إن بل الثوب، والزلزلة كما في "الحاوي" للماوردي، ذكرهما في "الروضة" من زيادته 6، وكونه مهتمًا، ذكره في "الذخائر"، والسمن المفرط، ذكره ابن حبان في "صحيحه" لحديث أَنس: أن رجلًا من الأنصار كان ضخمًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيت منزلي فَصَلَّيْتَ فيه فَأَقْتَدِي بك، فصنع الرجل له طعاما ودعاه إلى بيته، فَبَسَطَ له طَرَفَ حصيرٍ لهم فصلى عليه ركعتين) رواه البخاري 7، وذكروا في (القَسْم) أنَّه لا يخرج ليلًا من عند الزوجة لصلاة الجماعة وسائر أفعال البر؛ لأنها مندوبات وحقها واجب.
ثانيهما: المراد بكون هذه الأعذار مرخصة في الجماعة: إسقاط الإثم على قول الفرض، والكراهة على قول السنة، قال في "شرح المهذب": ولا يحصل له فضيلة الجماعة بلا شك 8،123

وفي "الكفاية": حصول فضلية الجماعة وإن صلى منفردًا إذا كان قصده الجماعة لولا العذر، وحكاه عن الروياني في "تلخيصه"، قال في "المهمات": (ونقله في "البحر" عن القفال وارتضاه، وجزم به الماوردي في "الحاوي" والغزالي في "الخلاصة"، وهو الحق) انتهى 1. ويحرم الحضور في بعض هذه الصور، صرح ابن المنذر بتحريم الحضور على من أكل ما له ريح كريه 2.

بابُ صفة الأئمّة

700 - قول "التنبيه" [ص 39]: (ولا تجوز الصلاة خلف كافر ولا مجنون ولا محدث ولا نجس) فيه أمران: أحدهما: أن ذكر الجنون مع الحدث لا حاجة إليه؛ لدخوله فيه، فكل مجنون محدث، وقيل: إنه ليس في نسخة المصنِّف.
ثانيهما: أنَّه يرد عليه صحة الصلاة خلف المتيمم الذي لا تجب عليه الإعادة مع أنَّه محدث، وخلف من عليه نجاسة معفو عنها كأثر الاستجمار ونحوه، ذكره في "الكفاية".
فقول "المنهاج" [ص 119]: (لا يصح اقتداؤه بمن يعلم بطلان صلاته) أخصر مع السلامة من الاعتراض بهذا، ولم يذكر "الحاوي" مسألة العلم ببطلان صلاته؛ لفهمها من مسألة اعتقاد بطلان صلاته من طريق الأولى.
701 - قول "المنهاج" [ص 119، 120]: (ولو اقتدى شافعي بحنفي مس فرجه أو افتصد.. فالأصح: الصحة في الفصد دون المس؛ اعتبارا بنية المقتدي) فيه أمور: أحدهما: ذكر المس مثال، والمدار على ترك شرط أو ركن في اعتقاد المقتدي، فقول "الحاوي" [ص 177]: (كحنفي علمه ترك واجبًا) أحسن، وأيضًا: فقد يمس ويتوضأ.
ثانيها: صحح شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني رأي القفال، وهو عكس المصحح هنا، وقال: إنه المذهب المعتمد، ورجحه السبكي مذهبا، واختار لنفسه دليلًا أنَّه لا يصح في مسألة الفصد والمس، أما المس: فظاهر، وأما الفصد: فلأن الإمام يعتقد بطلان صلاة نفسه، فنيته مترددة، فالمأموم يعتقد بطلانها من هذه الجهة لا من جهة الفصد، قال: ولم يقل أحد من الأصحاب فيما أعلم بصحة القدوة مطلقًا سواء ترك واجبًا في اعتقاد الإمام أم المأموم، حتى أنَّه إذا مس ولم يفتصد أو افتصد ولم يمس.. تصح صلاته وإن كان مقتضى إطلاق "الروضة" وغيرها وبعض كلام الرافعي يوهمه، لكن كلامهم في تفصيل مأخذ الخلاف ينفيه، أما لو جمع بينهما.. فيستحيل القول بالصحة؛ لأن صلاته حينئذ تكون باطلة في اعتقاد الإمام والمأموم معًا بعلتين مختلفتين.
انتهى 1. ثالثها: قوله: (اعتبارًا بنية المقتدي) من زيادة "المنهاج" على "المحرر".
702 - قول "المنهاج" [ص 120]: (ولا تصح قدوة بمقتد) وكذا لو شك في أنَّه مأموم أم لا، وقد ذكره "الحاوي" 2.

753 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (ولا بمن تلزمه إعادةٌ كمقيم تيمم) 1 يشمل: ما إذا اقتدى به مثله، وهو الأصح في "الروضة" 2، وقال شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني: مسألة المقيم المتيمم إذا اقتدى به مثله لم يصرح بها أحد من الأصحاب، والأصح فيها: الجواز، بل الأصح في فاقد الطهورين بمثله: الجواز، والرافعي لم يصحح فيها المنع، وإنَّما قال: إنه أوفق لإطلاق أكثرين؛ حيث منعوا الاقتداء به ولم يفصلوا.
انتهى 3. 754 - قول "التنبيه" [ص 39]: (ولا تجوز صلاة قارئ خلف أمي ولا أخرس ولا أرت ولا ألثغ في أحد القولين) 4 فيه أمور: أحدها: أن الأصح: البطلان، وهو مفهوم من حكاية "المنهاج" له عن الجديد، وعليه مشى "الحاوي" 5. ثانيها: اقتضى كلامه أن هؤلاء غير داخلين في الأمي لعطفهم عليه، وصرح "المنهاج" بدخولهم فيه، فقال في الأمي [ص 120]: (وهو من يُخِلّ بحرف أو تشديدة من "الفاتحة")، ومن المعلوم أن الأخرس كذلك، ثم قال [ص 120]: (ومنه: أرت وألثغ)، وعلى ذلك يحمل قول "الحاوي" [ص 177]: (كالأرت والألثغ) فهو تمثيل لا تنظير.
ثالثها: محل الخلاف: فيمن عصاه لسانه أو طاوعه ولم يمض زمن يمكن التعلم فيه، فإن مضى وقَصَّر بترك التعلم.. فلا يصح الاقتداء به قطعًا، قاله الرافعي والنووي 6، وقد ذكر "المنهاج" نظيره في اللاحن 7، وهذا وارد على "المنهاج" أيضًا، لكن في "الكفاية" عن ابن يونس طريقة طاردة للخلاف، وهي أيضًا في "التهذيب" 8. قال في "المهمات": (إلَّا أن هذا الخلاف خاص بقسمين من أقسام الأمي، وهما الأرت

والألثغ، أما من لم يحفظ بالكلية.. فلا، فَتَفَطَّن له؛ فإن كلام ابن الرفعة هنا فيه خلل) انتهى.
ويرد على قول "المنهاج" [ص 120]: (ولا قارئ بأمي في الجديد) أن مقتضاه: أن مقابله: الصحة مطلقًا، وصرح به في "المهذب" 1، وجرى عليه ابن يونس، وهو مخرج، والمشهور المنصوص في القديم: منعه في الجهرية خاصة، فإن قلت: يرد ذلك على "التنبيه" أيضًا.. قلت: لا يرد عليه؛ لأنه إنما قال: إن عدم الجواز أحد القولين؛ ففهم أن مقابله: الجواز مطلقًا، وهو قول ثابت بلا شك؛ فإن القول المخرَّج يطلق عليه قول، وأما "المنهاج": فإنه لما قال: إن البطلان هو الجديد.. اقتضى أن الصحة مطلقًا هو القديم، وليس كذلك عند الجمهور، وأيضًا: فإنه مختصر لـ "المحرر"، والذي في "المحرر": هو الصحة في السرية خاصة، لا مطلقًا 2. وقولهم بصحة اقتداء الأمي بمثله يتناول الجمعة فيما لو أم فيها أمي بأربعين أميين، قال في "البحر": وهو الأشبه بإطلاق الأصحاب، وحكى معه وجهًا بالمنع، وعلله: بأنها فرض على الأعيان ولا يفعل مرتين، فاعتبر أن يكون إمامها كاملًا، وهو فرع غريب 3. 705 - قول "المنهاج" [ص 120] و"الحاوي" [ص 184]: (وتكره إمامة التّمْتَام والفَأفَاء) 4 وكذا الوأواء، وهو الذي يكرر الواو، قاله في "البيان" 5، قال في "المهمات": وكذا في تكرار سائر الحروف.
706 - قوله: (وتكره باللاحن، فإن غَيَّرَ معنى؛ كـ "أنعمتُ" بضمٍّ أو كسرٍ.. أبطل صلاة من أمكنه التعلم، فإن عجز لسانه، أو لم يمض زمن إمكان تعلمه: فإن كان في "الفاتحة".. فكأُمَّيٍّ، وإلَّا.. فتصح صلاته والقدوة به) 6 فيه أمور: أحدها: أن تفصيله فيمن عجز لسانه، أو لم يمض زمن إمكان تعلمه بين (الفاتحة) وغيرها.. يقتضي أن بطلان الصلاة فيمن أمكنه التعلم لا فرق فيه بين (الفاتحة) وغيرها، وليس كذلك؛ فغير الفاتحة لا تبطل الصلاة باللحن فيه؛ كقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بجر اللام، إلَّا إن كان عالمًا به وتعمده، فمع الجهل والنسيان لا يضر كما قاله الإمام وغيره 7، وذكر مثل ذلك في

"الروضة" تبعًا لأصله، وزاد حكمين آخرين، وهما: وجوب التعلم والقضاء عند ضيق الوقت عنه 1، وهذا باطل في غير (الفاتحة)، ذكره في "المهمات".
ثانيها: مضي زمن إمكان التعلم معتبر من إسلام المصلي إن طرأ عليه الإسلام، ذكره البغوي وغيره 2، فإن كان مسلمًا أصليًا.. فالمتجه كما في "المهمات": اعتباره من سن التمييز؛ لكون الأركان والشروط لا فرق فيها بين البالغ والصبي، قال: وحينئذ.. فلا تصح صلاة المميز إذا أمكنه التعلم ولا يصح الاقتداء به.
ثالثها: قوله: (وإلَّا.. فتصح) قال إمام الحرمين: ولو قيل: ليس لهذا اللاحن قراءة غير (الفاتحة) مما يلحن فيه.. لم يكن بعيدًا؛ لأنه يتكلم بما ليس بقرآن بلا ضرورة 3، واختاره السبكي، وقال: ومقتضاه: البطلان في القادر والعاجز.
707 - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولا تصح قدوة رجل ولا خنثى بامرأةٍ ولا خنثى) 4 لو عبرا بـ (الذكر) ليكون صريحًا في تناول الصبي وبـ (المشكل) ليخرج الخنثى الواضح.. لكان أولى، وقد فعل ذلك "الحاوي" في الثاني فعبر بالمشكل، لكنه عبر بالرجل 5، وأرادوا: خلاف المرأة، فتناول الصبي.
708 - قول "المنهاج" [ص 120]: (وتصح للمتوضئ بالمتيمم) أي: الذي لا تلزمه الإعادة؛ لقوله قبل ذلك [ص 120]: (ولا بمن تلزمه إعادة كمقيمٍ تيمم).
709 - قوله: (والمضطجع) 6 أي: ولو كان مومئًا كما صرح به المتولي.
710 - قوله: (والكامل بالصبي والعبد) 7 أي: مع كون الكامل - وهو البالغ الحر - أولى، وقد صرح بذلك "التنبيه" فقال [ص 39]: (والبالغ أولى من الصبي، والحر أولى من العبد) لكن لو ترجح العبد بالفقه.. فالأصح في "شرح المهذب": أنهما سواء 8. 711 - قول "التنبيه" [ص 39]: (والحاضر أولى من المسافر) محله: إذا لم يكن سلطانًا ولا إمامًا، فإن كان.. فهو أولى.

712 - قوله: (والبصير عندي أولى من الأعمى، وقيل: هو والأعمى سواء) 1 الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" وعزاه للنص 2، وقال النووي في "مختصر التذنيب": الأقوى: أن الأعمى أولى، قال الماوردي: ولو اجتمع حر ضرير وعبد بصير.. فالأول أولى 3. 713 - قوله: (ويكره أن يؤم الرجل قومًا وأكثرهم له كارهون) 4 المراد: أن يكرهوه لأمر مذموم في الشرع، وإلَّا.. فالعتب عليهم، ولعل هذه الكراهة للتحريم، فقد نص عليه الشَّافعي فقال: ولا يحل لرجل أن يؤم قومًا وهم يكرهونه 5، وعده صاحب "العدة" في الصغائر، وأقره في "الروضة" تبعًا لأصله في (الشهادات) 6. 714 - قوله: (ولا طاهرة خلف المستحاضة) 7 الأصح: خلافه، إلَّا أن تكون متحيرة وقلنا بوجوب القضاء عليها، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 120]: (وطاهرة بالمستحاضة غير المتحيرة) ومنه يؤخذ أن المتحيرة تقضي ما صلّته أولًا وإن لم يصرح به "المنهاج" في موضعه؛ إذ لا معنى لمنع الاقتداء بها إلَّا ذلك، أما إذا قلنا: إنها لا تقضي.. فالظاهر: جواز اقتداء الطاهرة بها وإن لم يصرحوا به، وفهم من عبارتهما صحة اقتداء المستحاضة بمثلها، لكن الأصح: منع اقتداء المتحيرة بمتحيرة، ذكره في "الروضة" في (الحيض) 8، وقال شيخنا الإمام شهاب الدين بنُ النقيب: عبارة "المنهاج" تفهم جواز اقتداء كل منهما بمثلها، وهو قياس ما تقدم في الأمي بمثله 9. قلت: ليس اقتداء المتحيرة بمثلها كاقتداء الأمي بمثله؛ لوجوب القضاء على المتحيرة دون الأمي، وقد عرفت أن النقل منع اقتداء المتحيرة بمثلها، فما ذكره شيخنا ممنوع نقلًا وبحثًا، والله أعلم.
715 - قول "التنبيه" [ص 39]: (ولا تجوز صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر، وفي جوازها خلف صبي أو متنفل قولان) الأصح في الكل: الصحة، والصورة: أن يتم العدد بغيره، لكن جزمه بالمنع من الجمعة خلف الظهر مع حكاية الخلاف في المتنفل خلاف المنقول في الرافعي

وغيره 1؛ فإن فيه طريقين: التسوية، والقطع بصحة الجمعة خلف الظهر، ولا فرق بين أن يصلي الظهر تامة أو مقصورة، والظهر مثال، فالصبح وغيرها كذلك.
716 - قوله: (فإن صلى أحد هؤلاء خلف أحد هؤلاء ولم يعلم ثم علم.. أعاد، إلَّا من صلى خلف المحدث؛ فإنه لا إعادة عليه في غير الجمعة وتجب في الجمعة) 2 فيه أمور: أحدها: لفظ (المحدث) يشمل الجنب، فذكره كما في "التنبيه" و"الحاوي" أولى من ذكر "المنهاج" (الجنب) 3 لعمومه، لكن إذا لم تجب الإعادة في الصلاة خلف الجنب.. فخلف المحدث أولى، فذكره أولى من جهة أخرى، وجمع بينهما في "المحرر" 4. ثانيها: يستثنى من كلام "التنبيه" و"المنهاج": ما إذا عرف حدثه ثم صلى خلفه ناسيًا.. فإنه تجب الإعادة، وقد ذكره "الحاوي" 5. ثالثها: محل إيجاب الإعادة في الجمعة: إذا كان أحد الأربعين، فإن تم العدد بغيره.. لم تجب الإعادة في الأصح، وعليه قول "الحاوي" [ص 178]: (ولو جمعة) أي: إن تم العدد بغيره، فإن كان أحد الأربعين.. وجبت الإعادة، فإطلاق كل منهما مدخول، وإطلاق "المنهاج" عدم الإعادة فيما إذا كان جنبًا محمول في الجمعة على ما إذا تم العدد بغيره، فإطلاقه مقيد كتصريح "الحاوي".
رابعها: يستثنى مع المحدث: ما إذا تبين أن عليه نجاسة غير معفو عنها، وفي "تصحيح" النووي وشيخنا الإسنوي: التعبير عن ذلك بالصواب 6، قال النشائي: وفيه نظر؛ فإنه لو كان الإمام عالما بالحدث.. ففي الإعادة قول في "شرح المهذب"، وقد سووا بينهما.
انتهى 7. قلت: إنما أراد: أن استثناء ذي النجاسة في الجملة متفق عليه وإن اختلف في بعض تفاصيله، والقول إنما هو في حالة العلم خاصة، وقيد "المنهاج" و"الحاوي" و"التصحيح"النجاسة بكونها خفية 8، فاقتضى أن الظاهرة تجب معها الإعادة، وكذا في "الكفاية" عن القاضي حسين، لكن في "الروضة": قطع صاحب "التتمة" و" التهذيب" وغيرهما بأن النجاسة كالحدث، ولم

يفرقوا بين الخفية وغيرها، ومشى على ذلك في "التحقيق" 1، واعتمده شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" فقال: (والأصح: عدم وجوبها أيضًا إذا كانت ظاهرة، عكس ما أفهمه كلام "التصحيح" و"المنهال" 2. خامسها: استثنى "الحاوي" أيضًا: ما إذا تبين كونه كافرًا يخفي كفره، وعبر عنه بالزنديق 3، فهو عنده مرادف للمنافق، والمشهور: أن الزنديق من لا يعتقد شيئًا، ومشى في "المحرر" على استثناء مُخفي الكفر 4، فاستدرك عليه في "المنهاج" وقال [ص 120]: (الأصح المنصوص وقول الجمهور: أن مُخْفِي الكفر هنا كمعلنه)، لكنه في "الروضة" قال: (إن الأقوى دليلًا استثناؤه) 5 فلذلك قال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": (إنه المختار) 6، وصححه في "أصل الروضة" مع كون الرافعي إنما حكى تصحيحه عن البغوي وجماعة 7، لكنه صححه في "الشرح الصغير".
سادسها: استثنى "الحاوي" أيضًا: ما إذا تبين قيامه إلى ركعة زائدة ساهيًا وتابعه المأموم فيها جاهلًا.. فلا قضاء عليه وتحسب له الركعة، فقال: (أو قائمًا بزيادة) 8 ولا بد من تقييده بالسهو.
سابعها: قال النشائي في "نكته": (كلام الشيخ يشمل المجنون، وشرطه: أن يكون مطبقًا، فلو اختلف حاله جنونًا وإفاقة وإسلامًا وردةً.. فلا، ذكره في "الروضة") 9. قلت: مقتضى هذا الكلام: أنَّه لو اختلف حاله وتبين أنَّه صلى خلفه حالة الجنون.. لم تجب الإعادة، وليس كذلك، وعدم الإعادة إنما هو إذا لم يدر هل اقتدى به حالة الجنون أو الإفاقة؟ وكذا هو في "الروضة" 10. ثامنها: يستثنى أيضًا: المستحاضة تفريعًا على مرَّةً الاقتداء بها؛ ففي "الكفاية" عن الماوردي: أنَّها كالحدث 11؛ لأن الاستحاضة مما يخفى، وهذا وارد على "المنهاج" أيضًا؛

لمنعه الاقتداء بالمتحيرة، ثم لم يستثنها هنا، ولا يقال: دخلت في الحدث؛ لأن الاقتداء بها لم يبطل لأجل الحدث، بدليل صحة الاقتداء بالمستحاضة غير المتحيرة، وإنَّما هو لوجوب القضاء عليها.
تاسعها: وتناول كلام "التنبيه" المخالفة في الأفعال الظاهرة؛ بأن اقتدى به في القيام الثاني من الركعة الثانية ولم يدر أنَّه في صلاة كسوف وأتم المأموم ثم علم بالحال، لكن قال في "الكفاية": الذي يظهر لي: صحة القدوة؛ فإن علة المنع المخالفة، ولا مُخَالَفَةُ، ويؤيده أن من منع قدوة المغرب بالظهر.. جوزه بعد ركعة منه.
انتهى.
والمسألة منقولة ذكرها الروياني في "البحر" في فروع متفرقة بعد (باب إمامة المرأة) وفرضها فيمن افتتح صلاة الصبح مثلًا خلف من يصلي على جنازة ولم يعلم، ثم علم ونوى مفارقته في الحال قبل التكبيرة الثانية.. قال: هل تصح صلاته؟ وجهان، أحدهما: نعم؛ كالصلاة خلف الجنب، والثاني: لا؛ كالصلاة خلف الكافر؛ لأن العلامة ظاهرة في الغالب، وجعل الثاني أوضح 1، وهو مقتضى كلام "التنبيه".
عاشرها: وتناول أيضًا: ما لو بأن إمام الجمعة متنفلًا، أو يصليها ظهرًا مقصورة بناءً على المنع، قال في "الكفاية": ويشبه إلحاقه بالمحدث.
717 - قول "المنهاج" [ص 121]: (ولو اقتدى بخنثى فبان رجلًا.. لم يسقط القضاء في الأظهر) وكذا لو اقتدى خنثى بامرأة، أو خنثى بخنثى فبان المقتدي امرأة والإمام رجلًا، أو بانا رجلين، أو امرأتين، وقول "الحاوي" [ص 177، 178]: (وبالمرأة وبالمشكل الرجل والمشكل وإن بأن أن لا خلل) يشمل هذه المسائل، وفي "البحر" فيما إذا اقتدى خنثى بامرأة معتقدًا أنَّها رجلٌ ثم بان أن الخنثى أنثى.. عن والده احتمالان: أحدهما: الصحة؛ لاعتقاده جواز الاقتداء وقد بأن في المآل جوازه.
والثاني: عدم الصحة؛ لتفريطه حيث لم يعلم كونها امرأة، قال: وهذا أصح، قال: وعلى هذا لو حكم الحاكم في الحدود بشهادة الخنثى وهو يعتقده رجلًا ثم بأن كذلك.. فالحكم صحيح على الأول دون الثاني.
انتهى 2. 718 - قولهما: (والعَدْلُ أولن من الفاسق) 3 قد يفهم أنَّه لا تكره إمامته، وليس كذلك، فهي مكر وهة قطعًا، وقد ذكره "الحاوي" 4.

719 - قول "الحاوي" [ص 182]: (وكره إمامة المبتدع) أي: إن لم يكفر ببدعته، لكن صحح النووي: عدم التكفير بالبدعة، إلَّا أنَّه في "شرح المهذب" جزم بتكفير المجسمة ومنكري العلم بالجزئيات، وجعل من عداهم مبتدعة 1، واختار شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني القول بتكفير القائل بخلق القرآن، وعزاه للنص، ولم يؤوله، وبسط ذلك في "تصحيح المنهاج" في "الشهادات".
720 - قول "المنهاج" [ص 121]: (الأصح: أن الأفقه أولى من الأقرأ والأورع) فيه أمور: أحدها: أن الرافعي نقل في (صلاة الجنازة) ما يقتضي أنَّه نص الشَّافعي هنا 2، فكان ينبغي التعبير عنه بالنص.
ثانيها: مقابل الأصح مختلف؛ ففي الأقرأ قيل: يساويه، وقيل: يقدم عليه، وفي الأورع قيل: يقدم عليهما.
ثالثها: لم يبين مرتبة الأورع؛ فإنه ذكر تقديم الأفقه عليه، ولم يبين حكمه مع الأقرأ، ثم ذكر تقديم الأفقه والأقرأ على الأسن النسيب، ولم يتعرض مع ذلك للأورع، وقد نقل في "الروضة" تبعا لأصله عن الجمهور: تقديم الأقرأ عليه، وصححه 3، وجعله في "التنبيه" مؤخرًا عن السن والنسب والهجرة، وأقره عليه في "التصحيح" 4، وهو ظاهر ما في "الشامل" وغيره، وصرح به الروياني في "الحلية"، لكن عبارة "التحقيق" تقتضي تقديمه على الهجرة وما بعدها، فقال: (فإن استوى الفقه والقراءة والورع.. قدمت الهجرة... إلى آخره) 5، وعلى ذلك مشى "الحاوي" فقال [ص 181]: (ثم الأقرأ ثم الأورع ثم الأسن) وعبارة "المنهاج" تفهم ذلك؛ فإنه إنما تكلم على السن والنسب بعد نصب الخلاف في الفقه والورع، ثم قال بعد الأسن [ص 121]: (والنسيب.
فإن استويا.. فنظافة الثوب... إلى آخره) فلو كان الأورع مؤخرًا عن الأسن والنسيب.. لزم تأخيره عن نظافة الثوب وما بعده، ولا قائل به، فتعين تقديمه عليهما، وهو الراجح، وقال السبكي: إذا اجتمع شخص يحفظ القرآن كله من غير فقه؛ أين الدليل على تقديمه على الأسن الأورع الذي يحفظ بعض القرآن ويساويه في الفقه، أو في الخلو منه؟ قلت: الدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" 6.

رابعها: لم يذكر "المنهاج" وكذا "الحاوي" قدم الهجرة أصلًا، وذكره في "التنبيه" مؤخرًا عن السن والنسب ومقدمًا على الورع، وأقره في "التصحيح" (1)، لكن صحح في "التحقيق" واختار في "شرح المهذب": تقديم الهجرة على السن والنسب (2)، فيكون المقدم الأفقه ثم الأقرأ ثم الأورع ثم الأقدم هجرة ثم الأسن ثم النسيب.
خامسها: يستثنى من تقديم الأفقه: ما إذا اجتمع عبد فقيه وحر غير فقيه.. فالأصح في "شرح المهذب": أنهما سواء (3) ويستثنى أيضًا: الصبي؛ فإن البالغ أولى منه وإن كان الصبي أفقه، وهذان الفرعان يردان على "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا.
721 - قول "التنبيه" [ص 39]: (فإن استويا في ذلك.. قدم أشرفهما -أي: نسبًا - وأسنهما) يفهم التسوية بين الوصفين، والمنقول قولان، الجديد: تقديم الأسن، وفي القديم: قولان، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 121]: (والجديد: تقديم الأسن على النسيب) ومشى عليه "الحاوي" (4). 722 - قول "التنبيه" بعد ذكر الصفات الستة [ص 39]: (فإن استويا في ذلك.. أقرع بينهما) قبل الإقراع صفات مرجحة باتفاق ذكرها "المنهاج" بقوله [ص 121]: (فإن استويا.. فنظافة الثوب والبدن، وحسن الصوت، وطيب الصنعة ونحوها) ولم يذكر بينها ترتيبًا، وفي "الحاوي" [ص 181]: (ثم نظيف الثوب، ثم حسن الصوت، ثم الصورة) وكذا رتب هذه الثلاثة في "الشرح الصغير"، وحكاه في "الكبير" عن "التتمة" (5)، وفي "شرح المهذب": (المختار: تقديم أحسنهم ذكرًا، ثم صوتًا، ثم هيئة) (6)، وفي "التحقيق": (حسن الذكر، ثم نظافة الثوب والبدن، وطيب الصنعة والصوت، ثم حسن الوجه) (7)، واقتصر "الحاوي" على نظافة الثوب، ولم يذكر البدن كما في "المنهاج"، ولو عبرب (الملبوس).. لكان أعم من الثوب، ولم يذكر الإقراع أصلًا (8).

تَنْبِيْهٌ [أما هو المراد بالأفقه والأقرأ ونحوها في باب الصلاة]

المراد: الأفقه في باب الصلاة، لا مطلق الفقه، والمراد بالأقرأ: الأكثر قراءة، أو الأحفظ12345678

كما اقتضاه كلام الشَّافعي، حكاه الرافعي، أو الأصح قراءة كما حكاه ابن الرفعة عن بعضهم، واختاره السبكي، والمراد بالورع: العفة وحسن السيرة كما ذكروه هنا، والمتجه: أنَّه اجتناب الشبهات كما في كتب التصوف و"التحقيق" و"شرح المهذب" 1، وورد في حديث مرفوع رواه الطبراني في "معجمه الكبير" عن واثلة بنُ الأسقع: أنَّه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: مَن الوَرِعِ؟ قال: "الذي يَقِفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ" 2. ولم يقدموا بالزهد، والمتجه: التقديم به، وهو أعلى من الورع؛ إذ هو في الحلال، والورع في الشبهة كما تقدم، والمعتبر: السن الماضي في الإسلام، حتَّى يقدم شاب نشأ في الإسلام على شيخ أسلم عن قرب، ولا نظر إلى الشيخوخة، لكن في "المهمات" تبعا للمحب الطَّبري: المتجه: أنهما إذا أسلما معًا واستويا في الصفات.. أنَّه يقدم بالشيخوخة، والمراد بالنسب: المقدم به في الكفاءة، والمراد بقدم الهجرة: أن تسبق هجرته من بلد الكفر لبلد الإسلام، فلم تنقطع الهجرة بهذا المعنى، أو تسبق هجرة أحد أجداده للنبي صلى الله عليه وسلم.
723 - قول "التنبيه" [ص 39]: (وصاحب البيت أحق من غيره) قال في "الكفاية": المراد به: مستحق منافعه بملك، أو إجارة، أو إعارة، وحينئذ.. يستثنى العبد الساكن؛ فسيده أحق، إلَّا أن يكون العبد مكاتبًا ويستثنى: المعير، فالأصح: أنَّه أولى من المستعير، وقد ذكرهما "المنهاج" و"الحاوي" 3، واختار السبكي تبعا للبغوي تقديم المستعير 4. 724 - قول "الحاوي" [ص 182]: (متخلفًا قليلًا) أي: على جهة الندب، كما صرح به "المنهاج" بقوله [ص 121]: (ويُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قليلًا) قال: (ولا تضر مساواته) لكن في "شرح المهذب": إنها مكروهة 5. 725 - قول "المنهاج" [ص 121]: (والاعتبار بالعَقِبِ)، قال في "المهمات": (بثلاثة شروط: أحدها: أن يصلي قائمًا، فإن صلى قاعدًا.. فالاعتبار بمحل القعود، وهو الألية، حتَّى لو مد رجليه وقدمهما على الإمام.. لم يضر، أو مضطجعًا.. فالاعتبار بالجنب، ذكره البغوي في "فتاويه"، وهو ظاهر.

ثانيها: أن تكون رجله موضوعة على الأرض، فلو قدمها على رجل الإمام وهي مرتفعة عن الأرض.. لم يضر إذا كانت الأخرى - وهي التي يعتمد عليها - غير متقدمة كما أوضحوه في "الاعتكاف" و"الأيمان"، فلو لم يعتمد على شيء من رجليه بل جعل تحت إبطيه خشبتين، أو تعلق بحبل.. فالظاهر: أن الاعتبار في الأولى بالجَنْب وفي الثانية بالمنكب؛ لأنه في الاعتماد لهذا الشخص كالجنب للمضطجع.
ثالثها: أن يعتمد على رجله، فإن لم يعتمد عليها.. لم يضر تقدمه بها، بدليل ما قالوه في "الأيمان"، قال: ويأتي الاعتماد أيضًا فيما إذا وضع رجليه معًا على الأرض وتأخر العقب وتقدمت رؤوس الأصابع، فإن اعتمد على العقب.. صح، أو على رؤوس الأصابع.. فلا) انتهى كلامه.
726 - قول "التنبيه" [ص 39]: (السنة أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام) لو عبر بـ (الذكر) كما فعل "المنهاج" و"الحاوي" 1.. لكان صريحًا في تناول الصبي، فليحمل الرجل في كلامه على خلاف المرأة؛ ليتناول الصبي، لكن يبعده قوله بعد ذلك: (وإن حضر رجلان، أو رجل وصبي.. اصطفا خلفه) 2 فإنه يدل على أنَّه أطلق الرجل في مقابلة الصبي.
727 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولو حضر آخر.. أحرم عن يساره) 3 بحث السبكي في أن الآخر هل يحرم عن يساره أو خلفه؟.
728 - قولهما: (ثم يتقدم الإمام، أو يتأخر المأمومان) 4 أي: إذا أمكن (كلٌّ) منهما، فإن لم يمكن إلَّا أحدهما؛ لضيق إحدى الجهتين.. تعين، زاد "المنهاج" [ص 122]: (وهو أفضل) أي: تأخرهما، وكذا في "الحاوي"، وزاد أيضًا [ص 182]: (أن ذلك إنما يكون في القيام) أي: فلو كان الإمام في التشهد، أو السجود وأحرم معه.. فلا تقدم ولا تأخر حتَّى يقوموا، كذا في "الروضة" تبعا لأصله 5، وقوله: (حتَّى يقوموا) يقتضي أن مراده: التشهد الأول، قال السبكي: وينبغي إلحاق التشهد الأخير بالقيام، وقال في "المهمات": صرح القاضي أَبو الطيب أنَّه لا فرق بين التشهدين، وعلله بأنه عمل طويل، وجزم به في "الكفاية" أيضًا حكمًا وتعليلًا.
729 - قول "المنهاج" [ص 122]: (ويقف خلفه الرجال ثم الصبيان ثم النساء) أهمل ذكر

الخناثى بين الصبيان والنساء، وصرح به كذلك "التنبيه" و"الحاوي" 1، وقال الدارمي في "الاستذكار": إنما يتقدم الرجال على الصبيان إذا كانوا أفضل، أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل.. قدموا، وعندي: أن هذا وجه لا قيد في المسألة، فالراجح: ما أطلقه الجمهور.
730 - قوله: (وتقف إمَامَتُهُنَّ وَسْطَهُنَّ) 2 كذا إمام العراة، وقد صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 3، ومحله: إذا كانوا ناظرين، فإن كانوا عميانًا، أو في ظلمة.. تقدم إمامهم عليهم، كما في زوائد "الروضة" في ستر العورة 4. 731 - قول "التنبيه" [ص 39]: (ومن حضر ولم يجد في الصف فرجة.. جذب واحدًا ثم اصطف معه) فيه أمران: أحدهما: اقتصر على ذكر الفرجة، وكذا في "الحاوي" 5، وفي "المنهاج" [ص 122]: (إن وجد سعة)، وفي "الروضة" تبعًا لأصله: إن وجد فرجة، أوسعة، وكتب بخطه على الحاشية: الفرجة: خلاء ظاهر، والسعة: ألاَّ يكون خلاء، ويكون بحيث لو دخل بينهما.. لوسعه.
انتهى 6. وظهر به أن الاقتصار على السعة أولى من الاقتصار على الفرجة؛ لأنه يفهم من السعة الفرجة، ولا عكس.
ثانيهما: جذب واحدٍ إنما يكون بعد إحرامه؛ كما في "المنهاج" و"الحاوي" 7، وصرح في "الكفاية" بأنه لا يجوز قبله.
732 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج" -: (وإذا جمعهما مسجد.. صح الاقتداء وإن بعدت المسافة وحالت الأبنية) 8 فيه أمور: أحدها: يشترط أن تكون أَبوابها نافذة إليه سواء أكان الباب بينهما مفتوحًا أو مغلقًا، وإلَّا.. فلا تعد مسجدًا واحدًا، كذا في "الروضة" تبعًا لأصله 9، وقال شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني: هذا لم يقله أحد من الأصحاب، وإطلاق النص في "الأم" و"المختصر " يخالفه، وكذلك كلام

الأصحاب 1، وقد حكى المصنِّف في الزَحْبَة عن الأكثرين أنَّها معدودة من المسجد، ولم يذكروا فرقًا بين أن يكون بينها وبين المسجد طريق أم لا.
ثانيها: حكم المساجد المتلاصقة المتنافذة حكم المسجد الواحد كما صوبه في "الروضة" 2، وقولهم: (جَمَعَهُمَا مسجد) قد يخالفه.
ثالثها: قد يفهم أن الرحبة المنفصلة عن المسجد كآخر، ولا سيما زيادة تأكيد "التنبيه" بقوله في آخر المسألة: (بعد أن يكونا في المسجد)، وبه قال ابن كج، وقال في "الشرح الصغير": إنه حسن، لكن الأكثرون على خلافه، وقال في "شرح المهذب": إنه المذهب 3. 733 - قول "التنبيه" فيما إذا صلى به خارج المسجد وانقطعت الصفوف ولم يكن دونه حائل [ص 40]: (جازت صلاته إذا لم يزد ما بينه وبين آخر صف على ثلاث مئة ذراع) فيه أمران: أحدهما: ذكر في "الكفاية" أن مقتضاه: أنَّها تحديد، والأصح: أنَّها تقريب، وقد صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 4، والتفاوت بين الوجهين قريب؛ فإن قائل التحديد هو أَبو إسحاق، وقد حكى عنه الدارمي في "الاستذكار" أنَّه لا يضر زيادة ذراعين ونحوهما، وفي "الشافي": لا يضر على التقريب أيضًا زيادة ذراعين، وفي "التهذيب" و"البحر": لا يضر على التقريب زيادة ثلاثة أذرع 5، وعليه يدل قول "شرح المهذب": أذرع يسيرة 6، لكن قال الدارمي: يرجع فيه إلى العرف.
ثانيهما: ظاهر إطلاقه: أنَّه لا فرق في ذلك بين أن يكونا في فضاء أو بناءين، وهو طريق العراقيين، وصححه النووي 7، ورجح الرافعي فيما إذا كانا بناءين: أنَّه إن كان بناء المأموم يمينًا أو شمالًا.. وجب اتصال صف من أحد البنائين بالآخر، ولا تضر فرجة لا تسع واقفًا في الأصح، وإن كان خلف بناء الإمام.. فالصحيح: صحة القدوة، بشرط ألا يكون بين الصفين أكثر من ثلاثة أذرع 8، وعليه مشى "الحاوي" 9، وبَيَّن "المنهاج" التصحيحين 10، لكن قوله في الطريقة

الثانية [ص 123]: (أو حال بابٌ نافذ) معترض، فإن النافذ ليس بحائل، وصوابه: (أو كان باب نافذ).
734 - قول "التنبيه" [ص 40]: (وإن منع الاستطراق دون المشاهدة؛ بأن يكون بينهما شباك.. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) وكذا قول "المنهاج" [ص 123]: (وإن حال ما يمنع مرورًا لا رؤية.. فوجهان) الأصح: عدم الجواز، صححه في "شرح المهذب" و"التصحيح" وأدرج تصحيحه في "الروضة" في كلام الرافعي 1، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 179]: (بلا تخلل مشبّك أو باب مردود).
لكن اعترض عليه: بأنه ذكر ذلك في الصحراء ولا شباك فيها ولا باب.
وأجيب عنه: بأن مراده بالمنبسط: المتسع وإن كان مسقفًا أو محوطًا عليه كالبيوت الواسعة؛ فإن حكمها كما ذكرناه كما صرح به الرافعي 2، أو أنَّه ذكر الباب والشباك ليذكر مغايرة حكم الشارع والنهر لهما مع كون الشارع والنهر يكونان في الصحراء، وقد ذكر "المنهاج" التصحيح في نظير المسألة، وهو: ما إذا وقف في موات وإمامه في المسجد، مع زيادة مسألة الباب المردود فقال عطفًا على البطلان: (وكذا الباب المردود والشباك في الأصح) 3 وكأنه لذلك أهمل التصحيح في تلك الحالة؛ لفهمه مما سيأتي، ولم يقع له ذكر خلاف بلا ترجيح سوى هذا، وقوله في (النفقات): (والوارثان يستويان أم يُوَزَّعُ بحسبه؛ فيه وجهان) 4 ولا ثالث لهما فيه، إلَّا ما كان مفرعًا على ضعيف، كالأقوال المفرعة على استعمال البينتين المتعارضتين هل يقرع أم يوقف أم يقسم؟ أقوال لا ترجيح فيها.
قال في "الكفاية": وأفهم قول "التنبيه" بأن نفي الخلاف في النهر المُحْوِج إلى سباحة، وفيه وجهان، أصحهما: لا يضر، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 122]: (ولا يضر الشارع المطروق والنهر المُحْوِجُ إلى سباحةٍ على الصحيح) وعبارة "الحاوي" [ص 179]: (لا شارع، أو نهر كبير) فلم يقيد الشارع بكونه مطروقًا، وكان مراد "المنهاج" بكونه مطروقًا: كثرة طروقه، وإلَّا.. فكل شارع مطروق، فما لا يكثر طروقه.. لا يضر قطعًا كما دل عليه كلام الإمام 5. 735 - قول "المنهاج" - واللفظ له - و"الحاوي": (ولو وقف في العلو وإمامه في السفل أو

عَكْسِهِ.. شُرِطَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ بَدَنِهِ بَعْضَ بَدَنِهِ) 1 أي: مع تقدير اعتدال قامة الأسفل حتَّى لو كان قصيرًا، لكنه لو كان معتدلًا لحصلت المحاذاة.. صح الاقتداء، وهنا تنبيهان: أحدهما: أن عبارة "الروضة" تبعا لأصلها: (في مكان عال من سطح، أو طرف صُفة مرتفعة) 2، وما كنت أفهم إلَّا أن هذا مثال حتَّى رأيت شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني قال: إن هذا التقييد يدل على أن حكم الجبل مع السهل مغاير لذلك، وبه صرح الشيخ أَبو محمد في تصنيف له صغير سماه "احتياط الصلاة بالتمام من مواقف المأموم والإمام"، فقال: إذا وقف الإمام على السهل والمأموم على الجبل.. نظر: إن كان الجبل بحيث يمكن صعوده.. صح اقتداؤه به إذا كان مكان الارتقاء في الجهة التي فيها الإمام، وإن كان بخلاف ذلك.. كان الحكم بخلافه، ثم حكى عن الشَّافعي أنَّه قال: من صلى على أبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد.. فصلاته باطلة، قال: ولا بد لهذه المسألة من تأويل مستقيم؛ لأنه لا يتعذر، فمن مشايخنا من قال: إنما منع الاقتداء؛ لبعد المسافة وزيادتها على ثلاث مئة ذراع، ومنهم من قال: للمساكن المبنية هناك؛ فإنها حائلة بين الإمام والمأموم.
انتهى.
وعندي أن الصورة التي تكلم عليها الشيخ أَبو محمد ليست مما نحن فيه؛ لأن صورته في الفضاء وكلامنا في البناء، فلا تلاقي بين الكلامين، وظهر به أن قول "الروضة": (من سطح... إلى آخره) مثال، ولو صح قيدًا كما أشار إليه شيخنا.. لورد ذلك على إطلاق "المنهاج" و"الحاوي"، لكنه عندي مثال ولا إيراد، والله أعلم.
ثانيهما: أن كلام "المنهاج" يفهم أن اشتراط المحاذاة تأتي على الطريقين معًا؛ فإنه ذكره مجزومًا به بعد استيفاء ذكر الطريقين، وعندي أن هذا إنما هو على طريقة اشتراط الاتصال في البناء بخلاف الفضاء، و"الروضة" تبعًا لأصله وإن ذكره بعد استيفاء الطريقين، لكن عبارته: (أما إذا وقف الإمام في صحن الدار والمأموم في مكان عال من سطح، أو طرف صُفة مرتفعة، أو بالعكس.. فبماذا يحصل الاتصال؟ وجهان) 3 وساق الكلام على ذلك، وهو صريح في أن هذا مفرع على طريقة من يشترط الاتصال، فأما من لا يشترطه.. فإنه لا يعتبر ذلك، فلو ذكر "المنهاج" هذا الفرع في أثناء ذكر الطريقة الأولى.. لاستراح من هذا الإيهام، ولو أنَّه قال بدل قوله: (شُرِطَ محاذاة بعض بدنه): (حصل الاتصال بمحاذاة بعض بدنه).. لطابق عبارة "الروضة" وسلم من هذا الإيهام أيضًا، والله أعلم.

736 - قول "التنبيه" [ص 39]: (والمستحب: ألا يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأمومين، إلَّا أن يريد تعليمهم أفعال الصلاة) لا يلزم منه أن يكون ارتفاعه مكروهًا، وصرح "المنهاج" بالكراهة، فقال [ص 123]: (يكره ارتفاع المأموم على الإمام، وَعَكْسُهُ إلَّا لحاجه.. فيستحب)، وعبارة "التنبيه" موافقة لنص الشَّافعي، وأهمل "التنبيه" ارتفاع المأموم، وكأنه مفهوم من طريق الأولى.
737 - قولهما -والعبارة لـ"التنبيه"، والمسألة عنده في أول (صفة الصلاة) -: (إذا أراد الصلاة.. قام إليها بعد فراغ المؤذن من الإقامة) 1 فيه أمور: أحدها: قال في "الكفاية": هذا في حق القادر، أما العاجز: فيقعد، ونحو ذلك، ولعل المراد بالقيام: التوجه إليها؛ ليشمل العاجز عن القيام وعن القعود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
ثانيها: استثنى الماوردي والروياني: البطيء النهضة، فقالا: إنه يقوم عند: (قد قامت الصلاة) 2. وقال الشيخ مجد الدين السنكلومي: ينبغي على هذا أن يقوم البطيء النهضة في الحالة التي يعلم أنَّه ينتصب عند الافتتاح سواء (قد قامت الصلاة) وغيرها.
وقال شيخنا الإمام شهاب الدين بنُ النقيب: (الجالس بعيدًا بحيث يحتاج إلى مشي حتَّى يصل إلى الصف.. ينبغي أن يلحق بالبطيء النهضة) 3. وقال الحليمي في "منهاجه": (إن أقام الإمام بنفسه.. قاموا عند قوله: "قد قامت الصلاة"، وإن أقام غيره.. لم يقوموا حتَّى يروه قد خرج)، وصحح في "الكافي": القيام عند قوله: (قد قامت الصلاة) مطلقًا.
ثالثها: لو حذفا لفظ (المؤذن)، فقالا: (بعد الفراغ من الإقامة).. لكان أولى، وكأنهما جريا على الغالب في أن الذي يقيم هو المؤذن.
رابعها: يستثنى: المنفرد، ومقيم الصلاة للجماعة؛ فإنه يقوم قبل أن يقيم ليقيم قائمًا؛ فإنه من سننها، نبه عليه المحب الطَّبري، وهو واضح.
خامسها: قد يفهم كلامهما: أن الداخل والمؤذن في الإقامة يجلس ليقوم إليها، وبه قال الشيخ أَبو حامد، لكن الأصح في "شرح المهذب": خلافه 4، فيحمل القيام المأمور به بعد فراغ

الإقامة على الابتداء دون الدوام، والله أعلم.
738 - قول "التنبيه" [ص 38]: (وإن حضر وقد أقيمت الصلاة.. لم يشتغل عنها بنافلة) المراد بالإقامة: الشروع فيها، وقد أوضحه "المنهاج" بقوله [ص 123]: (ولا يبتدئ نفلاً بعد شروعه فيها) أي: بعد شروع المؤذن في الإقامة، وفي معنى الشروع: قربها.
739 - قولهما: (وإن أقيمت وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة.. أتمها) 1 ظاهره: أنه متى أمكن إدراكه تكبيرة قبل سلامه -بناء على الصحيح في حصول الجماعة-.. أتم النافلة، وبه صرح الشيخ أبو حامد وآخرون، وعندي: فيه توقف، والله أعلم.
740 - قول "المنهاج" [ص 124]: (شرط القدوة: أن ينوي المأموم مع التكبير الاقتداء أو الجماعة) فيه أمور: أحدها: اعترض بأن نية القدوة لا يشترط مقارنتها للتكبير، فسيأتي أن من أحرم منفرداً ثم نوى القدوة في خلال صلاته.. جاز في الأظهر؛ ولهذا عبر في "الروضة" بقوله: (وينبغي أن يقرن هذه النية بالتكبير) 2. وأجيب: بأنه ذكر ذلك لأمرين، أحدهما: توطئة لما بعده؛ فإنه إذا لم يقرنها بالتكبير.. انعقدت فرادى، فإن تابعه في أفعاله.. بطلت صلاته، والثاني: للخروج من الخلاف الآتي فيما إذا اقتدى في أثناء الصلاة، وحاصله: أنه لا يتابعه إلا إذا نوى الاقتداء به، إما مع التكبير قطعاً، أو بعده في الأصح.
ثانيها: في معنى نية الاقتداء: نية الائتمام، ولم يذكرها الحاوي أيضاً.
ثالثها: ذكر "الحاوي" نية الجماعة أيضاً، واستشكل الرافعي في "الشرح الصغير" الا كتفاء بها؛ إذ ليس فيها ربط فعله بفعل غيره؛ لأنها مشتركة بين الإمام والمأموم، فلو نوى كل من الرجلين الجماعة من غير تعيين إمام ولا مأموم.. لم تصح صلاتهما.
قال السبكي: (وكان مرادهم بنية الجماعة هنا: الحاضرة التي هي مع الإمام، فيرجع ذلك إلى نية الاقتداء، وذكر في "الإقليد" شيئاً منه) انتهى.
741 - قوله: (فلو ترك هذه النية وتابع في الأفعال.. بطلت صلاته على الصحيح) 3 فيه أمور: أحدها: عبر في "الروضة" بالأصح 4، وبينهما في اصطلاحه فرق.

ثانيها: أطلق "الحاوي" المتابعة ولم يقيدها بالأفعال كما فعل المصنف، ولا فرق بين العبارتين في المعنى 1. ثالثها: وكذا لو تابع مع الشك في نية القدوة، وقد ذكره "الحاوي" 2، وفهم منه أنه إن تذكر قبل أن يحدث فعلاً على متابعة الإمام.. لم تبطل صلاته.
قال الرافعي: (وهو مقيس بما إذا شك في أصل النية) 3. قال في "المهمات": (ويؤخذ من ذلك البطلان أيضاً إذا لم يحدث ركناً، ولكن طال زمن الشك؛ فإن الرافعي صرح به هناك).
قال الرافعي أيضاً: (وقياس ما ذكره في "الوجيز" في تلك المسألة: أن يفرق بين أن يمضي مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة وبين أن يمضي غيره) 4. قال في "المهمات": (أشار بالركن الذي يزاد إلى القولي؛ فإن تكراره لا يضر على المشهور، وإذا أتى به في حال الشك.. لم يضر إذا لم يطل؛ كما قد قالوا به هناك).
قلت: أي: على وجه مرجوح؛ فإن الأصح المنصوص الذي قطع به العراقيون هناك: التسوية بين الركن القولي والفعلي، والله أعلم.
742 - قول "الحاوي" [ص 179]: (أو تابع فيما سها) أي: فإنه يقضي أيضاً، ولا يخفى تقييده بكونه عالماً بسهو إمامه، وكون عمده مبطلاً؛ كترك ركن أو زيادته، لا ترك بعض.
743 - قول "المنهاج"- واللفظ له- و"الحاوي": (ولا يجب تعيين الإمام، فإن عينه وأخطأ.. بطلت صلاته) 5 محله: إذا اقتصر على التعيين، فإن ضم إليه الإشارة فقال: نويت الاقتداء بزيد هذا فكان عمراً.. فالأصح كما ذكره النووي: صحة الاقتداء 6، وقال السبكي في صورة الخطأ بدون إشارة: (ينبغي بطلان الاقتداء وصحة الصلاة على الانفراد إن لم تحصل متابعة، وإن حصلت متابعة.. خرجت صحتها على الخلاف في متابعة من ليس بإمام) انتهى.
وكذا ذُكر هذا البحث في "المهمات"، وقد يقال: فرض المسألة حصول المتابعة، فإن ذلك شأن من ينوي الاقتداء، والأصح في متابعة من ليس بإمام: البطلان، وغايته: أن يكون هذا الحكم مفرعاً على الأصح.

وقال السبكي في صورة الإشارة: الوجهان فيها من تخريج الإمام على الوجهين فيما إذا قال: بعتك هذا الفرس مشيراً إلى حمار، والعقود يلحظ فيها الإشارة والعبارة، بخلاف النية؛ فإن المعتبر فيها القلب فقط، فإذا نوى الاقتداء بالحاضر معتقداً أنه زيد وهو عمرو.. فنيته صحيحة حصل معها ظن خطأ لا يؤثر، قال: ولو صح التخريج.. لكان ينبغي أن يكون الأصح: البطلان؛ لأنه الأصح في البيع.
انتهى 1. ونية الاقتداء بالحاضر مع اعتقاد أنه زيد وهو عمرو، ذكرها الروياني في "البحر"، وقال فيها: صح اقتداؤه قطعاً 2، وذكر في "المهمات" أن هذا التخريج إنما ذكره الإمام على سبيل الاحتمال مع جزمه أولاً بالصحة، قال: فالمنقول هو البطلان، والظاهر عند الإمام: الصحة.
744 - قول "المنهاج" [ص 124]: (ولا يشترط للإمام نية الإمامة) محله: في غير الجمعة، أما الجمعة: فيلزمه فيها أن ينوي الإمامة في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" 3. 745 - قول "المنهاج" في صلاة الظهر خلف الصبح والمغرب [ص 124]: (وهو كالمسبوق، ولا تضر متابعة الإمام في القنوت، والجلوس الآخر في المغرب، وله فراقه إذا اشتغل بهما) لم يذكر أيهما أفضل، وقد ذكر السبكي أن المتابعة أفضل، وهو قياس تفضيل الانتظار فيما إذا صلى الصبح خلف الظهر، وعبارة "الروضة" تقتضيه؛ حيث قال: ويتابع الإمام في القنوت ولو أراد مفارقته عند اشتغاله به.. جاز 4. 746 - قوله: (ويجوز الصبح خلف الظهر في الأظهر) 5 عبارة "الروضة": فالمذهب: جوازه، وقيل: قولان، فرجح طريقة القطع 6. 747 - قول "الحاوي" [ص 180]: (وفي الصبح بالظهر.. فارق عند الثالثة، أو انتظر) لم يبين الأفضل منهما، وفي "المنهاج" [ص 124]: (انتظاره أفضل) وذكر الصبح خلف الظهر مثال، فالمغرب خلف الظهر كذلك، وضابطه: أن تكون صلاة الإمام أطول، لكن في المغرب بالظهر إذا قام الإمام إلى الرابعة.. لا ينتظره كما صححه النووي 7؛ لأنه يحدث تشهداً وجلوساً لم يفعله الإمام، بخلاف الصورة المتقدمة.

748 - قول "المنهاج" [ص 124]: (فإن اختلف فعلهما؛ كمكتوبةٍ وكسوفٍ أو جنازةٍ.. لم يصح على الصحيح) كذا في "الروضة" 1، وصحح في "شرح المهذب": طريقة القطع به 2؛ فلذلك عبر في "التحقيق" بالمذهب 3، وعبارة "التنبيه" [ص 39]: (ولا تجوز الصلاة خلف من يصلي صلاة تخالفها في الأفعال الظاهرة) فقيد الفعل الذي تقع فيه المخالفة بكونه ظاهراً، وقال في "المهمات": ينبغي الصحة إلى أن ينتهي إلى فعل مخالف، فإن فارقه.. استمرت الصحة، وإلا.. بطلت؛ كالمصلي في ثوب ترى منه عورته إذا ركع؛ فإن الأصح فيه: الصحة، وله نظائر.
749 - قول "المنهاج" [ص 124، 125]: (تجب متابعة الإمام في أفعال الصلاة؛ بأن يتأخر ابتداء فعله عن ابتدائه، ويتقدم على فراغه منه، فإن قارنه.. لم يضر إلا في تكبيرة الإحرام) فيه أمور: أحدها: اعترض عليه: بأن قوله: (فإن قارنه.. لم يضر) يناقض قوله أولاً: (تجب المتابعة) بالتفسير الذي ذكره، فإن قيل: معنى قوله: (لم يضر): لم تبطل، مع أنه ترك واجباً.. قلنا: في "الروضة" وأصلها: الجزم بكراهة المقارنة 4، فدل على أن فاعلها لم يترك واجباً.
وجوابه: أن قوله: (بأن يتأخر... إلى آخره) إنما أراد به: بيان المتابعة الكاملة، فإن قلت: قد ذكر هذا عقب قوله: (تجب متابعة الإمام) وذلك يقتضي أنه أراد: تفسير المتابعة الواجبة.. قلت: هذا كقولنا: تجب الصلاة بأن يفعل كذا وكذا، فيطلق أولاً وجوبها، ثم يفسر كمالها.
ثانيها: قد عرفت أن مراده بعدم الضرر: عدم الإثم، لكن مع الكراهة وفوات فضيلة الجماعة، وقد يفهم من قول "التنبيه" [ص 38]: (ويكره أن يسبق الإمام بركن): نفي كراهة المقارنة، لكن حملت الكراهة في كلامه على التحريم كما سيأتي، واستشكل السبكي كون فضيلة الجماعة لا تحصل مع المقارنة، وقال: تصريحهم بعدم فسادها يقتضي أنها صلاة جماعة، وإلا.. لزم الفساد بمتابعة من ليس بإمام، ومع الحكم بالجماعة كيف يقال: إن فضيلتها لا تحصل؟ وتابعه في "المهمات" على ذلك، فقال: مقتضى ذلك ما نقله الرافعي من فوات الجماعة بالمعية أن يصير كالمنفرد، ويلزم أن يكون مبطلاً للجمعة؛ لأن الجماعة شرط فيها، وربما تطرق هذا البحث

إلى امتناع المتابعة؛ لأنه ليس بإمام، فإن التزموا أنها جماعة.. لزمهم حصول الفضيلة للأدلة.
انتهى 1.. قلت: لم ينقل الرافعي فوات الجماعة، وإنما نقل فوات فضيلتها، فهي جماعة صحيحة، ولكن لا يحصل فيها ثواب الجماعة، فإن قلت: فما فائدة صحتها مع انتفاء الثواب فيها؟ قلت: سقوط الإثم على القول بوجوبها إما على العين أو الكفاية، والكراهة على القول بأنها سنة مؤكدة؛ لقيام الشعار ظاهراً، والله أعلم.
ثالثها: قوله: (إلا في تكبيرة الإحرام) أي: فلا تنعقد الصلاة إذا قارنه ولو في جزء منها، ولا يخفى أن هذا فيمن أنشأ صلاته على القدوة، فسيأتي أن من أحرم منفرداً ثم اقتدى.. صح في الأصح وإن تقدم تكبيره على تكبير الإمام.
رابعها: قد يفهم توقف البطلان على تحقق المقارنة، وليس كذلك، بل لو شك هل قارنه في تكبيرة الإحرام أم لا؟ بطلت صلاته أيضاً، وقد صرح به "الحاوي" 2، لكن استثنى في "المهمات": ما إذا زال الشك عن قرب؛ كما ذكروه في الشك في أصل النية وفي نية الاقتداء.
750 - قول "المنهاج" [ص 125]: (والصحيح: يُتِمُّها ويسعى خلفه ما لم يُسْبَقْ بأكثر من ثلاثة أركانٍ مقصودةٍ وهي الطويلة) كذا في "الروضة" تبعاً لأصله في مواضع أن الركن القصير ليس مقصوداً، وحكى هنا عن الأكثرين أنه مقصود أيضاً 3، وصححه في "الشرح الصغير"، ويوافق "المنهاج" في ذلك قول "الحاوي" [ص 180]: (وبأربعة طويلة) لكنه أحسن منه من جهة أن قول "المنهاج": (أكثر من ثلاثة) يتناول ثلاثة أركان وبعض ركن، وعبارة "الحاوي" لا تصدق حقيقة إلا على أربعة أركان تامة.
751 - قول "التنبيه" [ص 38]: (ومن أدركه قائماً فقرأ معه بعض الفاتحة ثم ركع الإمام.. فقد قيل: يقرأ ثم يركع، وقيل: يركع ولا يقرأ) الأصح: وجه ثالث، وهو أنه إن لم يشتغل بافتتاح وتعوذ.. ترك قراءته وركع وهو مدرك للركعة، وإلا.. لزمه قراءة بقدره، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 4. 752 - قول "التنبيه" [ص 38]: (ويكره أن يسبق الإمام بركن) هي عبارة الشافعي، وفي "الشامل": ذكر في "الأم" والقديم أن المستحب للمأموم أن يتابع إمامه، ولا يتقدم في ركوعه ولا سجوده 5.

قال في "شرح المهذب": ونقل غيره عن النص تحريمه، وبه جزم النووي في "التحقيق" و"شرحي مسلم والمهذب" مع تقريره في "التصحيح" على الكراهة 1. ولا يقال: أراد بها: كراهة التحريم؛ لقوله عقبه: (ولا يجوز أن يسبقه بركنين) 2 وقد يفهم التحريم من قول "المنهاج" أول الفصل [ص 124، 125]: (تجب متابعة الإمام في أفعال الصلاة؛ بأن يتأخر ابتداء فعله عن ابتدائه) لكن قدمت أن المراد: بيان كمال المتابعة، ولما فصل ذلك.. ذكر أن السبق بركنين مبطل، ولم يتعرض للسبق بركن إلا ما اقتضاه مفهومه من عدم البطلان به، وعلى ذلك عبارة "الحاوي" 3، وعبر شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" عن تحريم السبق بركن بـ (الصواب) 4، وفيه نظر، ولا يخفى أن المراد: الركن الفعلي.
753 - قول "التنبيه" [ص 38]: (فإن سبقه بركن.. عاد إلى متابعته) قد يفهم وجوب العود، وعليه مشى في "الكفاية"، لكن الأكثرون على الاستحباب، وصححه في "شرح المهذب" 5، قال في "الكفاية": وشمل السلام، ومتى تعمده.. فلا عود.
754 - قول "التنبيه" [ص 38]: (فإن سبقه بركنين؛ بأن ركع قبله، فلما أراد أن يركع.. رفع، فلما أراد أن يرفع.. سجد) كذا مثّله العراقيون، وقياس ما ذكره الأصحاب في التخلف بركنين: تمثيله بأن يفرغ من الاعتدال والإمام في القيام، فيجوز تقدير مثل ما ذكروه في التخلف، ويجوز تخصيصه بالتقدم؛ إذ المخالفة فيه أفحش، ذكره الرافعي 6، وأطلق "المنهاج" و"الحاوي" إبطال السبق بركنين فعليين 7، ولا بد من تقييده بكونه عامداً عالماً بالتحريم، فلا تبطل مع السهو والجهل، لكن لا يعتد بتلك الركعة، وقد ذكره "التنبيه" 8. 755 - قول "المنهاج" [ص 126]: (إذا خرج الإمام من صلاته.. انقطعت القدوة) هذا هو المعروف، لكن في "الاستذكار" للدارمي: إذا سلم الإمام فبقي المأموم يطيل التشهد.. كره ولم تبطل ما لم يطل.
انتهى.
وهو صريح في البطلان إذا أطال، وظاهر في عدم انقطاع القدوة، ذكرته استغراباً،

لا لاستدراكه، ولعله محمول على المسبوق إذا لم يكن موضع جلوسه، واغتفر المكث اليسير مع الكراهة، والله أعلم.
756 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (فإن لم يخرج وقطعها المأموم.. جاز، وفي قول: لا يجوز الا بعذر يُرَخِّصُ في ترك الجماعة) 1 فيه أمران: أحدهما: عللوا الراجح: بأن الجماعة سنة، والسنن لا تلزم بالشروع، ومقتضى هذا التعليل: أن من يرى أنها فرض كفاية كالنووي.. لا يُجَوِّز القطع؛ للزوم الفرائض بالشروع ولو كانت فرض كفاية 2. ثانيهما: استثنى في "الكفاية": الجمعة، فلا يجوز فيها قطع الجماعة ولو في الركعة الثانية، والذي في "الروضة": أنه في الثانية على هذا الخلاف، وأنه إن جاز هنا.. أتم الجمعة، وقال في "شرح المهذب": بلا خلاف.
انتهى 3. واعلم: أن قطعها بلا عذر مكروه.
757 - قول "المنهاج" [ص 126]: (ومن العذر: تطويل الإمام) أي: والمأموم لا يصبر على التطويل؛ لضعف أو شغل.
758 - قول "التنبيه" [ص 38]: (ومن أحرم منفرداً ثم نوى متابعة الإمام.. جاز في أحد القولين) هو الأظهر كما ذكره "المنهاج"، ومشى عليه "الحاوي" 4، لكن مع الكراهة، وخرج بالإحرام منفرداً: ما إذا افتتحها في جماعة فنقلها لأخرى.. فيجوز قطعاً، كما في "التحقيق"، وحكاه في "شرح المهذب" عن جماعة كثيرة 5. 759 - قول "المنهاج" في المسألة فيما إذا فرغ المأموم أولاً [ص 126]: (فإن شاء.. فارقه، وإن شاء.. انتظره ليسلم معه) لم يذكروا هنا الأفضل منهما، وقياس ما تقدم: تفضيل الانتظار.
760 - قول "التنبيه" [ص 38]: (ومن أدركه راكعاً.. فقد أدرك الركعة) أهمل لذلك شرطين: أحدهما: أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، زاده "المنهاج" تبعاً لصاحب "البيان" 6. قال الرافعي: وبه أشعر كلام كثير من النقلة، وهو الوجه، وإن كان الأكثرون لم يتعرضوا

له 1، وقال في "الكفاية": ظاهر كلام الأئمة: أنه لا يشترط.
انتهى.
ولم يذكره "الحاوي" أيضاً.
ثانيهما: أن يكون ذلك الركوع محسوباً للإمام، لا ركوع خامسة، ولا ركوع إمام تبين حدثه، وقد ذكره "الحاوي"، وذكره "المنهاج" في (الجمعة) 2، وفي "الروضة" تبعاً لأصله في (صلاة المسافر): رجحوا الإدراك 3، وهو مخالف للمصحح هنا، والمعتبر في صلاة الخسوف: إدراك الركوع الأول دون الثاني، وقد ذكره "الحاوي" هنا و"المنهاج" في بابه 4. واعلم: أن السبكي اختار تبعاً لابن خزيمة والصِّبغي وابن أبي هريرة: أنه لا تدرك الركعة بإدراك الركوع، وإن كان في "الروضة" أنه شاذ منكر 5، ووالدي -أبقاه الله- يميل إليه، ويعمل به، ويحكى عن البخاري رحمه الله أنه قال: إن القائلين بإدراك الركعة بالركوع هم الذين لا يشترطون القراءة خلف الإمام، فمن اشترطها.. لم ير الإدراك، وفي "الكفاية" عن بعض شارحي "المهذب": إن قصر في التكبير حتى ركع الإمام.. لا يكون مدركاً.
قال في "التوشيح": ورأيته في "الكامل" للمعافى الموصلي منسوباً لابن خزيمة، والمشهور عند ابن خزيمة: إطلاق عدم الإدراك.
قلت: وهذا التفصيل عندي حسن، والله أعلم.
761 - قول "المنهاج" [ص 126]: (ولو شك في إدراك حَدِّ الإجزاء.. لم تحسب ركعته في الأظهر) يقتضى أنهما قولان، ورجح في "الروضة" أنهما وجهان، وصوبه في "شرح المهذب" 6. 762 - قوله: (ويكبر للإحرام ثم للركوع، فإن نواهما بتكبيرةٍ.. لم تنعقد) 7 قال في "التتمة": إطلاق عدم الانعقاد ليس بصحيح، بل إن تم التكبير في قيامه.. انعقدت صلاته وقد ترك تكبيرة الركوع، ذكره في الكلام على نية الوضوء والتبرد، وقال شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني لما حكاه عنه: هو خلاف المعروف من كلام غيره.
763 - قوله: (وإن لم ينو بها شيئاً.. لم تنعقد على الصحيح) 8، قال في "المهمات":

هذا في غاية الإشكال؛ فإنه إذا أتى بالنية المعتبرة مقارنة للتكبير.. لم يفته إلا كون التكبير للتحرم، وقصد الأركان لا يشترط اتفاقاً، وعبارة "الحاوي" في هذه الحالة والتي قبلها كـ "المنهاج" حيث قال [ص 181]: (ولو بتكبير إن قصد التحرم فقط).
764 - قوله: (وأن من أدركه في سجدة.. لم يُكَبِّر للانتقال إليها) 1 كذا في تشهد، وضابطه: أن يدركه فيما لا يحسب له، وهو مأخوذ من قول "الحاوي" [ص 183]: (ويكبر المسبوق للمحسوب) فهو أعم.

بابُ صلاة المسُافر

765 - قولهما 1 -والعبارة لـ"المنهاج"-: (لا فائتة حضر) 2 أي: لا تقصر إذا قضاها في السفر، وكذا إذا شك هل فاتته في الحضر أو السفر؟ وقد ذكره "الحاوي" 3، ولا يرد عليهما؛ لاشتراطهما السفر الطويل، والشرط لا بد من تحققه، وكذا لا يرد عليهم أن مقتضى عبارتهم قصر فائتة السفر إذا قضاها في الحضر؛ لاشتراطهم السفر الطويل؛ فإنه دال على أنه لا يقصر في الحضر مطلقاً ولو فاتته في السفر.
766 - قول "التنبيه" [ص 41]: (وإن فاتته في السفر فقضاها في السفر أو الحضر.. ففيه قولان، أصحهما: أنه يتم) الأظهر: قصرها إذا قضاها في السفر، وقد ذكره "المنهاج" 4، ولو تخلل بينهما إقامة، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 184]: (لا فائت الحضر والمشكوك فيه).
767 - قول "التنبيه" [ص 40]: (إذا فارق بنيان البلد) فيه أمور: أحدها: أطلق ذلك، ومحله: إذا لم يكن للبلد سور، فإن كان لها سور.. فالحكم كذلك أيضاً كما رجحه في "المحرر" 5، وصحح النووي: الاكتفاء بمفارقة السور 6، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 184]: (إذا عبر السور والعمران) أي: إن لم يكون سور، وإلا.. فلا فائدة في ذكر السور أولاً.
وكذا صححه في "العجاب"، لكن وافق النووي الرافعي في الصوم على اعتبار العمران فيما إذا نوى المقيم ليلاً ثم سافر وفارق العمران قبل الفجر.. فإنه يفطر، وإلا.. فلا 7. وأطلق "المنهاج" و"الحاوي" السور 8، وهو محمول على سور مختص بالبلد، لا السور الذي يجمع قرى متفرقة، فلا يشترط مجاوزته، وكذا لو قدر ذلك في بلدتين متقاربتين.
ثانيها: مقتضى تعبيره بالبنيان و"الحاوي" بالعمران: أنه لا يشترط مجاوزة البساتين، وبه

صرح "المنهاج" 1، ويستثنى من ذلك: ما إذا كان فيها قصور تسكن في بعض فصول السنة.. فيشترط مجاوزتها كما في "الشرح" و"الروضة" 2. وقال في "شرح المهذب": (الظاهر: عدم اشتراطه، ولم يذكره الجمهور) انتهى 3. وقال في "المهمات": إن به الفتوى، والمَزَارِع أولى؛ لعدم اشتراط مجاوزتها من البساتين؛ ولذلك أهملها "المنهاج" وإن ذكرها "المحرر" 4. ثالثها: قد يفهم من تعبيره بالبنيان اشتراط مجاوزة الخراب، وكذا صححه في "شرح المهذب" 5، لكن تعبير "الحاوي" بالعمران يخرجه، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص 128]: (لا الخراب) ومحل ذلك: إذا كانت بقايا الحيطان قائمة ولم يتخذوا الخراب مزارع ولا هجروه بالتحويط على العامر، وإلا.. لم تجب قطعاً.
رابعها: قد يفهم من تعبيره بالبلد مخالفة حكم القرية لها، وبه قال الغزالي 6، فاعتبر في القرية مجاوزة بساتينها ومزارعها المحوطة، وشرط الإمام ذلك في البساتين المحوطة فقط 7، والمعروف أن حكمهما سواء؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 128]: (والقرية كبلدةٍ) وهو مفهوم من إطلاق "الحاوي" العمران.
768 - قول "التنبيه" [ص 40]: (أو خيام قومه إن كان من أهل الخيام) يشترط أيضاً: مفارقة مرافقها؛ كمطرح الرماد، وملعب الصبيان، والنادي؛ ولذلك عبر "المنهاج" و"الحاوي" بالحِلَّة 8؛ لاعتقادهما دخول هذه الأمور في مسمى الحلة، وفيه عندي نظر.
ولا بد مع ذلك أيضاً من قطع عرض الوادي إن سافر في عرضه، والهبوط إن كان في ربوة، والصعود إن كان في وهدة، ولم يذكره "المنهاج" أيضاً، وذكره "الحاوي" 9، وهو مقيد بما إذا لم يفرط اتساعها، فإن أفرط.. اكتفى بمجاوزة الحلة عُرفاً.
769 - قول "المنهاج" [ص 128]: (وإذا رجع.. انتهى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ ما شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابتداءً)

جارٍ التحميل