ثانيها: قد يفهم أنه يقضي في هذه الصورة بعلمه، وليس كذلك كما صرح به الشاشي في " الحلية "، قال في " المهمات ": وفي كلام الرافعي إشارة إليه؛ فإنه أطلق منعه عن القضاء 1، وكأن معناه: قوة التهمة.
قلت: وكذا أطلق في " المحرر " منع القضاء 2، ففات " المنهاج " منه هذه الإشارة، وصرح به أيضًا الماوردي، لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن الماوردي إنما بناه على منع القضاء بالعلم، وإن الشاشي أخذه منه 3، ووهم في إطلاقه المنع من غير تفريعه على ذلك القول.
وقال في " التوشيح ": قد يتوقف في منع قضائه بعلمه هنا؛ فإنه إذا تحقق كذبهم في المشهود به.. كان أولى بدفع قولهم من تحقق جرحهم، ولو تحقق جرحهم.. لرد شهادتهم وكان فيه الحكم بعلمه المعارض لشهادتهم فليحكم هنا بطريق أولى.
ثالثها: قال في " المهمات ": في هذا التعبير تجوز، فإن من يقضي بشهادة شاهدين لا يعلم كذبهما ولا صدقهما قاض بخلاف علمه مع أن قضاءه نافذ بالاتفاق؛ فالصواب: بما يعلم خلافه، وبه عبر الماوردي وغيره 4.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن الذي يقضي به القاضي هو الذي شهد به الشاهدان لا صدقهما، فلم يقض حينئذ على خلاف علمه ولا بما يعلم خلافه؛ فالعبارتان مستويتان على ما قررناه.
رابعها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن أراد العلم القطعي الذي لا يحتمل النقيض.. لم يطابق تمثيل " المحرر " له بما إذا علم أن المدعي أبرأه مما يدعيه، أو أن مدعي النكاح طلق ثلاثًا 5، وإن أراد الظن.. فقد قامت عنده البينة بخلاف ظنه؛ فإذا قلنا: يقضي بعلمه.. فقد تعارض عنده ظنان؛ فكان ينبغي أن يخرج على الأقوال في تعارض البينتين، ولم نر من قال به، وإن قلنا: لا يقضي بعلمه.. فينبغي أن يقضي بما قامت به البينة؛ لأنه لم يعارضه ما يقضي به، وسيأتي من نقل الماوردي ما يشهد له.
قلت: قد يريد العلم القطعي، ومثالا " المحرر " لا ينافيان ذلك، وقد يريد الظن، ولا تعارض؛ لأن علمه بالإبراء مثلًا ناقل، فلو قامت به بينة.. لكانت مقدمة؛ [فلذلك علمه] 6
به مقدم بناءً على القضاء بالعلم؛ لما فيه من زيادة العلم، هاذا قلنا: لا يقضي بعلمه.. فعلمه وإن لم يصلح لإثبات الحكم يصلح لدفعه؛ لأن دفع الشيء أسهل من الحكم به، والله أعلم.
خامسها: قال شيخنا أيضًا: يستثنى منه: ما لو علم القاضي الإبراء فذكره للمقر؛ فقال: أعرف صدور الإبراء منه، ومع ذلك فدينه باق عليّ، فإن القاضي يقضي على المقر بما أقر به، وإن كان على خلاف ما علمه القاضي؛ لأن الخصم قد أقر بما يدفع علم القاضي، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفقهه واضح.
قلتُ: ليس هذا قضاء على خلاف العلم؛ لأن إقرار الخصم المتأخر عن الإبراء قد رفع حكم الإبراء، فصار العمل به، لا بالبينة ولا بالإقرار المتقدم.
سادسها: قال شيخنا أيضًا: لو علم القاضي زنا المقذوف بالمشاهدة، ولم يقم القاذف بينة على زناه، وطلب المقذوف من القاضي أن يحده.. فالذي أجبت به: أن الحاكم يجيبه لذلك؛ لأن القاذف إذا لم يأت بالشهداء كاذب في علم الله تعالى؛ لقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وإذا كان كاذبًا.. أقام عليه حد القذف، وإنما لا يقضي على خلاف علمه في الموضع الذي يقضي فيه بعلمه، وحدود الله تعالى لا يقضي فيها بعلمه، فيقضي فيها على خلاف علمه.
سابعها: قد يندرج في قوله: (بخلاف علمه) حكمه بخلاف عقيدته، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا يمكن أن يدعي فيه اتفاق العلماء؛ لأن الحكم إنما يبرم من حاكم بما يعتقده.
5969 - قول " التنبيه " [ص 255]: (فإن علم الحاكم وجوب الحق.. فهل له أن يحكم بعلمه؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يحكم، والثاني: لا يحكم، والثالث: يحكم في غير حدود الله، ولا يحكم في حدوده)، الأظهر: الثالث كما في " المنهاج "، وعليه مشى " الحاوي " 1، وفي كلامهم أمور:
أحدها: أن محل ذلك في غير الجرح والتعديل، فلو شهد عنده من يعرف عدالته أو جرحه.. اعتمد علمه، ولا يتخرج فيه هذه الأقوال، وقد ذكره " المنهاج " في الفصل الذي يليه، فقال: (وإذا شهد شهود فعرف عدالة أو فسقًا.. عمل به) 2 و" الحاوي " فقال [ص 667]: (كالتعديل)، وقد حكى غير واحد الاتفاق عليه، لكن فيه وجه ضعيف محكى فى " الروضة " وأصلها 3، فظاهر كلامهم العمل بذلك، ولو كان في حدود الله تعالى.
ثانيها: ومما يقضي فيه بعلمه قطعًا التواتر، كما ذكره ابن عبد السلام في " القواعد " 1، والمسألة فيها وجهان في " النهاية " 2، واختار شيخنا في " تصحيح المنهاج " التفصيل بين التواتر الظاهر لكل أحد؛ كوجود بغداد.. فيقضي به قطعًا، وبين التواتر المختص.. فيتخرج على خلاف القضاء بالعلم، بل ينقص عنه؛ لأن المشاهدة أقوى من الخبر وإن تواتر 3.
ثالثها: ومنه ما في " أصل الروضة " في قسم الصدقات عن الأصحاب: أن الإمام لو علم استحقاق من طلب الزكاة.. جاز الدفع له، قال: ولم يخرجوه على القضاء بالعلم 4.
رابعها: وفي " أصل الروضة " أيضًا في (القسامة) عن الإمام: أن القاضي لو عاين اللوث.. فله اعتماده، ولا يخرج على خلاف القضاء بالعلم؛ لأنه يقضي بالأيمان، وأقره على ذلك 5، وتعقبه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": بأن نقل اليمين من جانب المدعى عليه إلى جانب المدعي مستنده علم القاضي؛ ففيه خلاف القضاء بالعلم.
خامسها: وفي المستثنى أيضًا: ما لو أقر بالمدعى في مجلس القضاء.. ففي " أصل الروضة " هنا: أنه قضاء بإقراره لا بعلم القاضي 6، لكنه قال قبل ذلك: إن على القاضي إجابة من طلب منه الإشهاد بإقرار خصمه له في مجلس حكمه؛ لئلا ينكر بعد، فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا: لا يقضي بعلمه، ويوافقه قول الشافعي رضي الله عنه في تصوير محل الخلاف: (فأقر في مجلس القاضي أو غير مجلسه) 7، ذكره في " المهمات ".
وحمل شيخنا في " تصحيح المنهاج " المذكور هنا على المستمر على إقراره، وفي غيره على الجاحد بعد ذلك، قال: ومن توهم المخالفة بينهما.. فقد أخطأ.
سادسها: استثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هلال رمضان، فلو رآه القاضي وحده.. حكم بالصيام تفريعًا على ثبوته بشهادة وأحد وهو الأظهر، ولا يتخرج فيه مع ذلك قولان، والقيافة للقاضي للحكم بعلمه فيها إذا كان قائفًا تفريعًا على الاكتفاء بواحد وهو الأصح، ولا يتخرج فيه مع ذلك خلاف، ذكرهما تخريجًا مع أن المنقول في الثانية في " أصل الروضة " تخريجه على خلاف
القضاء بالعلم، لكن نازع فيه شيخنا، وقال: الصواب خلافه؛ لأن العدد ليس شرطًا في القيافة حتى ينظر إلى التقيد بالعدد.
سابعها: في " أصل الروضة " عن الأصحاب: أنهم مثلوا القضاء بالعلم بما إذا ادعى عليه مالًا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدعى عليه أقر بذلك، ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد ثبوت اليقين بثبوت المحكوم به وقت القضاء؛ فدل على أنهم أرادوا بالعلم: الظن المؤكد، لا اليقين 1، ويوافق ذلك قوله في القيافة: لو كان القاضي قائفًا.. فهل يقضي بعلمه؟ فيه الخلاف في القضاء بالعلم 2، وترجيحه في القسمة تخريج قضائه في التقويم بمعرفته على خلاف القضاء بالعلم، ويخالفه قول الإمام: إذا جوزنا القضاء بالعلم.. فذلك فيما يستيقنه، لا ما يظنه، وإن غلب الظن 3، وتبعه الغزالى، فقال: لا خلاف أنه لا يقضي بظنه الذي لا يستند إلى بينة 4، وعكسه الماوردي فقال: إذا رأى الحاكم رجلًا يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة.. جاز أن يحكم له بالملك، وفي جواز الشهادة في هذه الحالة قولان، والفرق أن الحاكم له أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا.
ثامنها: أهملوا شرط القضاء بالعلم، وهو التصريح بالمستند، فيقول: علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي؛ فإن اقتصر على أحدهما.. لم ينفذ الحكم، قاله الماوردي والروياني 5، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وله وجه من النظر، ويحتمل عدم الاحتياج إليه.
تاسعها: أن عبارة " التنبيه " صريحة في جريان الخلاف في حدود الله تعالى، وهو مقتضى قول " المنهاج " [ص 561]: (والأظهر: أنه يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى)، وعبارة " المحرر ": لا تعطي ذلك؛ فإنه قال: (أصح القولين: أن القاضي يقضي بعلمه إلا في حدود الله) 6، ويوافقه ترجيح " الروضة " القطع بأنه لا يقضي في حدود الله بعلمه، وقيل: قولان 7، وفي " المهمات ": أن الذي في " الروضة " سهو، وأن المرجح في " الشرحين " طريقة القولين 8.
عاشرها: يستثنى مع حدود الله: التعزيرات المتعلقة بحقه تعالى، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، ثم قال: ولكن من ظهر له منه في مجلس الحكم ما يقضي تعزيرًا.. عزره، وهذا من القضاء بالعلم، وليس كما لو أقر؛ لأن الإقرار مستند الحكم وقاطع للعذر.
حادي عشر: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يستثنى من قوله: (إلا في حدود الله) ما إذا صدر منه ذلك في مجلس الحكم على رؤوس الأشهاد؛ كالردة وشرب الخمر والزنا، قال: ولم يتعرضوا له، قال: وكذا إذا اعترف في مجلس الحكم بما يوجب الحدود، ولم يرجع عن إقراره.. فإنه يقضي فيه بعلمه، ولو اعترف سرًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: " فإن اعترفت.. فارجمها " 1، ولم يقيده بأن يكون بحضور الناس.
ثاني عشر: قال شيخنا أيضًا: ويستثنى منه أيضًا: ما إذا علم القاضي من مكلف أنه أسلم ثم أظهر الردة.. فقد أفتيت فيه: بأن القاضي يقضي بعلمه بالإسلام، ويرتب عليه أحكامه.
5970 - قول " المنهاج " [ص 561]: (وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مورثه إذا وثق بخطه وأمانته) قد يفهم أنه لو وجد بخط نفسه: لي على فلان كذا.. لم يجز أن يحلف حتى يتذكر، وكذا في " أصل الروضة " عن " الشامل " من غير مخالفة 2، لكن يخالفه ما سيأتي في " المنهاج " في الدعاوى: (أنه يجوز البت - أي: في اليمين - بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه) 3، وكذا هو في " الروضة " وأصلها 4، وقال في " المهمات ": اشتراط الثقة والأمانة لا يظهر في مسائل ذكرها الرافعي؛ فينبغي استحضارها: الأولى: لو بيع الشقص بصبرة فضة، وادعى الشفيع أنها كذا، ونكل المشتري.. جاز للشفيع الحلف اعتمادًا على نكوله.
الثانية: للمشتري الحلف على عدم التسليم عند المنازعة اعتمادًا على قول البائع.
الثالثة: إذا أنكر المودع التلف وتأكد ظنه بنكول المودع.. جاز أن يحلف اليمين المردودة في الأصح، وكذا نازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في اشتراط وثوقه بخطه وأمانته وقال: الشرط أن يحصل عنده ظن مؤكد كما ذكره في الدعاوى، قال: فإن ظن الحاصل من نكول الخصم أو شهادة الشاهد الواحد كاف في ذلك من غير احتياج إلى الخط، قال: وقد يحلف الإنسان في البيع والحوالة ونحوهما على الملك واستحقاق الدين، بناء على ما قاله البائع والمحيل؛ فالعبرة حينئذ بالظن المؤكد.
5971 - قوله: (والصحيح: جواز رواية الحديث بخطٍّ محفوظٍ عنده) 1 يقتضي المنع إذا لم يكن محفوظًا عنده، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وليس كذلك، بل المعتمد عند العلماء قديمًا وحديثًا لعمل بما يوجد في السماع والإجازة تفريعًا على جوازها مكتوبًا في الطباق التي تغلب على الظن صحتها، وإن لم يتذكر السماع ولا الإجازة ولم تكن الطبقة محفوظة عنده.
انتهى.
ولهذا قال " الحاوي " [ص 668]: (ويروي بخطه المحفوظ) ولم يقيده بكونه عنده.
5972 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ومن لم يتعين عليه - أي: القضاء -.. جاز أن يأخذ ما يحتاج إليه) قال في " الكفاية ": محله: ما إذا لم يوجد متبرع بالقضاء، فإن وجد وهو صالح.. فلا يجوز أن يعطى من بيت المال، صرح به الماوردي وصاحب " البيان " 2، وأشار إليه البندنيجي وابن الصباغ.
5973 - قوله: (ويجوز أن يحضر الولائم) 3 محله في وليمة من لا حكومة له إذا لم يعملها له بخصوصه، أما وليمة من له حكومة أو عملت له بخصوصه.. فكالهدية.
5974 - قوله: (ويشهد مقدم الغائب، ويسوي بين الناس في ذلك، فإن كثرت عليه وقطعته عن الحكم.. امتنع في الكل) 4 الذي جزم به الرافعي والنووي في شهود مقدم الغائب أنه كعيادة المرضى يأتي منه ما لا يقطعه عن الحكم 5، قال في " التوشيح ": والذي يظهر ما فعله الشيخ؛ فإن كلًا من الولائم وشهود مقدم الغائب من حقوق الداعي والقادم، وأما الجنائز والعيادة.. فمن حقوق فاعلها، وقد ذكر الماوردي هذا الفرق.
انتهى 6.
وفي " أصل الروضة ": أنه لو كان يخص بعض الناس قبل الولاية بإجابة وليمته.. فنقل ابن كج عن نص الشافعي: أنه لا بأس بالاستمرار 7.
5975 - قوله: (ولا يحتجب إلا لعذر) 8 يقتضي صرف جميع أوقاته للقضاء إلا في حالة العذر، وكذا قال القاضي حسين، قاله في " الكفاية "، قال: وذكر الماوردي أنه يجعل زمان نظره معينًا من الأيام؛ ليتأهب الناس له، فإن كثرت المحاكمات.. لزمه النظر كل يوم، ويكون وقت
نظره في اليوم معروفًا، وإن قلت.. جعل يوم نظره معروفًا من الأسبوع، فإن تجدد في غير يوم النظر ما لا يمكن تأخيره فيه.. نظر (1)، وفي " التهذيب ": لا يجوز أن يؤخر النظر إذا وقعت لإنسان خصومة إلا لعذر.
انتهى (2).
وفي " أدب القضاء " لشريح الروياني: إن كان يقضي برزق من بيت المال.. لزمه أن يقضي في كل نهاره، إلا في وقت قضاء الحاجة والطهارة والصلاة المفروضة والنافلة المؤكدة وتناول الطعام على الوجه الذي للأجير أن يشتغل عن العمل، وقيل: يلزم ذلك على حسب العادة والعرف بين القضاة، وإذا كان متبرعًا بالقضاء.. فقد قيل: يجلس أي وقت أراد، والصحيح: أنه يعقد على عادة الحكام، ثم هل تعتبر عادة سائر حكام البلاد أو عادة حاكم تلك البلد؟ وجهان.
فصلٌ [في التسوية بين الخصمين وما يتبعها]
5976 - قول " المنهاج " [ص 561] و" الحاوي " [ص 661]: (ليسوِّ بين الخصمين) و" التنبيه " [ص 253]: (ويسوي بين الخصمين) يحتمل الوجوب والاستحباب، والأول هو الصحيح الذي قطع به الأكثرون، كما في " أصل الروضة "، قال: واقتصر ابن الصباغ على الاستحباب 3.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الإيجاب هو ظاهر نص " الأم "، لكن نسبته لقطع الأكثرين ليس بمسلّم؛ فإنه قل من يصرح بالإيجاب، وقال بالاستحباب أيضًا القاضي أبو الطيب، وفي قصة زيد بن ثابت لما تحاكم إليه عمر وأبي بن كعب ما يشهد للاستحباب؛ فإنه وسع لعمر صدر فراشه، وقال: هاهنا يا أمير المؤمنين؛ ولم يفعل ذلك مع أبيّ، فقال له عمر: لقد جُرت 4، يعني: خالفت المستحب؛ ولذلك لم يصرح بإثمه، ولا أمره بالاستغفار، ويمكن أن يقال: إن أبيًّا يعلم من زيد أنه لا يحمله ذلك على أنه يقضي بغير الحق، وكان إكرام أمير المؤمنين مطلوبًا، فلم يؤثر ذلك عند أبي، فلو علم الخصم من القاضي ما علمه أبيّ من زيد.. فلا يمتنع على القاضي تعاطي إكرام أحد الخصمين على الوجه اللائق به، ولكن التسوية مطلقًا تطلب سد الباب ما يفضي إلى انكسار قلب الآخر.
انتهى.
5977 - قولهما: (في الدخول عليه) 5 وهو داخل في إطلاق " الحاوي " التسوية في12
الإكرام 1، قال شيخنا أيضًا: محله فيما إذا جاءا معًا، ولم يكن للمدعي إلا خصم واحد، ولم يكن من أهل بيت القاضي، ودخل في حاجته، فإن حضر بطلب إحضار خصمه.. أدخله وإن كان وحده؛ لأنه ليس مقام دعوى، وإن كان للمدعي خصوم فدخل مع أحدهم وتأخر الباقون.. لم يمتنع ذلك، وفي " الأم ": (وإذا قدم الذي جاء أولًا وخصمه، وكان له خصوم فأرادوا أن يتقدموا معه.. لم ينبغ له أن يستمع إلا منه ومن خصم واحد، فإذا فرغا.. أقامه ودعا الذي جاء بعده، إلا أن لا يكون عنده كبير أحد) 2، قال: وفي هذا النص الإشارة إلى ما قررناه، وإن كان من أهل بيت القاضي ممن يدخل عليه لمصلحته، فعرضت له به حاجة، فطلبه لها.. لم يحرم، لكن الأولى للقاضي إذا ظهر له أنه مع خصم له أن يمتنع عن طلبه ذلك الوقت حتى تنفصل الخصومة، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
5978 - قول " المنهاج " [ص 561]: (وقيام لهما) وهو داخل في إطلاق " الحاوي " الإكرام 3، أي: إما أن يقوم لهما أو يتركه لهما، وقال ابن أبي الدم: عندي أنه يكره؛ فإنه قد يكون أحدهما شريفًا والآخر وضيعًا، فإذا قام.. علما أنه إنما قام للشريف، فترك القيام لهما أقرب إلى العدل وأنفى للتهمة، وعلى هذا جرى سنن الحكام الماضين، فإن دخل ذو هيئة فقام له ظنًا أنه لم يأت في خصومة.. فإما أن يقوم لخصمه كقيامه له، وإما أن يعتذر بأنه لم يشعر بمجيئه مخاصمًا، حكاه عنه في " المطلب "، وقال: وهو يؤخذ من منعه من ضيافة الخصمين.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إذا كان أحدهما ممن يعتاد القيام له دون الآخر.. فينبغي ترك القيام؛ لأنه إذا قام عند دخولهما.. ظهر للحاضرين وللخصم أن القيام إنما هو للكبير، فلا تحصل التسوية، قال: وهذا أخص بما قاله ابن أبي الدم، ولا بد منه 4.
5979 - قول " المنهاج " [ص 561]: (وجواب سلام) هذا إذا سلّما معًا، فإن سلّم أحدهما دون الآخر.. فمقتضاه: أنه لا يجيبه، وكذا في " أصل الروضة " عن الأصحاب أنهم قالوا: يصبر حتى يسلّم الآخر، قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا إذا طال الفصل، وقالوا: لا بأس بأن يقول للآخر: سلّم، فإذا سلّم.. أجابهما، وكأنهم احتملوا هذا الفصل للتسوية، وقيل: يجوز ترك الجواب مطلقًا واستبعده الإمام 5.
وفي " المهمات ": أن ما حكاه عن الأصحاب لم يقل به سوى القاضي والبغوي، وقال
الإمام: إنه إفراط وسرف 1، واستبعده الغزالي، وقال: إنه إفراط، قال في " المهمات ": ثم إن المذكور هنا يخالف قولهم في السير إن ابتداء السلام سنة كفاية، فإذا حضر جماعة وسلم أحدهم.. كفى ذلك عن سلام الباقين، وكذا قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما حكاه عن الأصحاب وجه ضعيف، والأصح: أنه يرد السلام، ويوجهه إليهما؛ لأن ابتداء السلام سنة كفاية، فإذا سلم أحدهما.. فقد قام بالسنة عن الآخر؛ فجواب الحاكم رد على المسلّم حقيقة وعلى الآخر حكمًا، وفي " المطلب ": قد يظهر بردّ سلام أحدهما ميل من حيث أن المسلّم إنما يتجرأ على ابتداء السلام مع هيبة الحاكم، وعدم مشروعية الابتداء به؛ لاشتغال القاضي لدالة بينه وبين القاضي، فردّه عليه يؤكد ذلك، ولو فرضنا أن الابتداء مشروع.. لم يبعد من الجاهل توهم ذلك.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو مردود؛ فإن الجرأة بذلك ليس مما يظهر الدالة، بل يظهر إقدام المسلّم على السلام، وإذا وجه القاضي السلام عليهما.. خرج ما ذكر من التوهم.
5980 - قولهما: (ومجلس) 2 وهو داخل في إطلاق " الحاوي " الإكرام 3، أي: يسوي بينهما في المجلس، فيجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره إن كانا شريفين، أو بين يديه، وهو الأولى على الإطلاق، ونازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في أن الأول تسوية؛ لأن الجالس على اليمين له مزية، وفي " سنن أبي داوود " ساكتا عليه من حديث ابن الزبير: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحَكَمِ) 4.
5981 - قول " التنبيه " [ص 253]: (وإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا.. قدم المسلم على الكافر في الدخول، ورفعه عليه في المجلس) اقتصر " المنهاج " و" الحاوي " رفعه عليه في المجلس، ولم يذكرا تقديمه عليه في الدخول 5، وكذا في " أصل الروضة "، ثم قال: ويشبه أن يجري الوجهان في سائر وجوه الإكرام 6.
قال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": فكلام الشيخ لا يوافق بحث الرافعي؛ إذ مقتضاه العموم، ولا نقله؛ لأنه لم يستثن تقديمه عليه في الدخول.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": في " الإبانة " للفوراني نقل الوجهين في الجميع؛ إذ
قال: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في المجلس والنظر والسلام وغير ذلك، فلو كان كافرًا.. فهل يسوي بينهما؛ فيه وجهان، قال: وهذا ظاهر أو صريح في أن الخلاف في الجميع.
انتهى.
وسبقه إلى نقل ذلك عن الفوراني ابن الرفعة، وكذا في " المهمات "، وقد عرفت أنه لم يصرح في عبارته بالدخول.
قال في " التوشيح ": وقد يقال: لا ينبغي جريانهما في الدخول، بخلاف سائر وجوه الإكرام؛ فإن في تقديم أحد الخصمين في الدخول ريبة ليست في غيره، فإن الخصم يتهم السابق إلى الدخول بالاختلاء بالحاكم في شأنه.
قلت: لا يلزم من دخوله قبله الاختلاء بالحاكم، فإذا أذن لهما جميعًا.. تقدم المسلم في الدخول إكرامًا مع دخول الآخر وراءه على أثره من غير مضي زمن يأتي فيه خلوه، وأما تقدمه عليه بزمن يحتمل الخلوة.. فذاك في الحقيقة إذن لأحد الخصمين وحجب للآخر، وهذا لم يقل به أحد.
وعبارة الماوردي: أحدهما: يسوي بينهما فيه؛ أي: في المجلس كما يسوي بينهما في المدخل والكلام 1، وذلك يقتضي أن المدخل والكلام محل اتفاق، وكذا في " الاستقصاء " وغيره.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأصح: تقديم المسلم في جميع وجوه الإكرام، قال: ولا خلاف أن القاضي لو جابَرَ 2 المسلم بالسلام دون الكافر، والكافر قاطع بأن القاضي يعظم المسلم ويذل الكافر.. فلا يحصل له في خصومته كسر قلب، ومن اقتصر على ذكر الرفع في المجلس.. فلاعتقاده أن الأثر إنما جاء فيه؛ أو لأن الرفع في المجلس مستمر حال المحاكمة، بخلاف الدخول وغيره مما لا يكون حال المحاكمة.
انتهى.
قال في " المهمات ": ولو كان أحدهما مرتدًا والآخر ذميًا.. فيتجه تخريجه على التكافؤ في القصاص، والصحيح: أن المرتد يقتل بالذمي دون عكسه، وتعجب شيخنا في " تصحيح المنهاج " من هذا التخريج؛ فإن التكافؤ في القصاص ليس مما نحن فيه بسبيل، ولو اعتبرناه لرفع الحر على العبد والوالد على الولد 3.
5982 - قول " التنبيه " [ص 253]: (ولا يعلّمه كيف يدعي) أقره عليه النووي في
" تصحيحه "، وفي " أصل الروضة " عن الإصطخري: إذا ادعى دعوى غير محررة.. بين له الدعوى الصحيحة، وعن غيره المنع، قال: وتعريف الشاهد كيفية أداء الشهادة على هذين الوجهين، قال في " العدة ": والأصح: الجواز 1.
5983 - قوله: (إذا جلس بين يدي القاضي خصمان.. فله أن يقول لهما: تكلما، وله أن يسكت حتى يبتدئا) 2 في قوله: (تكلما) تجوّز، والمراد: ليتكلم المدعي منكما، كما عبر به " المنهاج " و" الحاوي " 3، قال في " أصل الروضة ": وله أن يقول للمدعي إذا عرفه: تكلم 4.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لكن في " الشامل ": أنه لا يقول لأحدهما بعينه تكلم؛ لأنه كسر للآخر، قال شيخنا: وهذا يعم ما إذا علم القاضي المدعي فقال له: تكلم، أو قال لواحد: تكلم ولم يعلم أنه المدعي، وهذه لا يوقف في المنع منها، وأما مع العلم.. فله وجه من الرجحان، ويوافقه إطلاق الشافعي وغيره: ليتكلم المدعي منكما، أو ما خطبكما وهنا أمران:
أحدهما: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل هذا: ما إذا لم يكن كل منهما مدعيًا ومدعى عليه في قضية واحدة أو قضيتين، فإن كان.. فيقول تكلما؛ ولهذا عبر به في " الأم " و" المختصر " 5، وحمله بعضهم على أنه يقول ليتكلم المدعي منكما، قال شيخنا: وعندى كلام الشافعي محمول على الأعم؛ فإنه قد يكون كل منهما مدعيًا ومدعى عليه في قضية واحدة؛ كما لو اختلف المتعاقدان، فإن كانا كذلك في قضيتين ولا سابق منهما.. فيقول: ليتكلم واحد منكما برضا الآخر بتقديمه، فإن لم يتفقا.. أقرع بينهما، فمن خرجت قرعته.. قال له: تكلم، قال شيخنا: ولم نر من تعرض لذلك.
ثانيهما: محل ذلك: ما إذا لم يكن سكوتهما لتعب ونحوه، قال الماوردي: إن كان السكوت للمَاهب في الكلام.. أمسك عنهما حتى يتحرر للمتكلم ما يذكر، وكذا إن كان سكوتهما لهيبة حضرتهما عن الكلام.. توقف حتى تسكن نفوسهما فيتكلما.
انتهى 6.
قال في " أصل الروضة ": ولو خاطبهما بذلك الأمين الواقف على رأسه.. كان أولى 7.
5984 - قولهما - والعبارة " للمنهاج " -: (فإذا ادعى.. طالب خصمه بالجواب) 1 زاد " التنبيه " [ص 254]: (وقيل: لا يقول حتى يطالبه المدعى، وليس بشيء) وكذا في " أصل الروضة " في التسوية بين الخصمين: أنه ضعيف 2، لكن في باب الدعاوى من " الشرح الصغير ": أنه أشبه، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 665، 666]: (ولزم التسليم، أو مُرهُ بالخروج عن حقي أو سله جواب دعواي.. طالب بالجواب) فعلى هذا: طلب الجواب من شروط صحة الدعوى، وهذا الخلاف في الجواز كما صرح به الماوردي وصاحب " المهذب " وغيرهما؛ وعلل المنع بأنه حق المدعي، فلا يستوفى إلا بإذنه؛ والجواز بقرينة الدعوى 3.
وقال الرافعي بعد نقل الخلاف فيه: وسواء شرطنا هذا الاقتراح أو لم نشترطه، لكنه اقترح، فيمكن أن يقال: يغني ذلك عن قوله: ويلزمه التسليم إليَّ، قال: والذي شرط ذلك إنما شرطه جوابأ على أنه لا يشترط الاقتراح المذكور 4.
وأشار " الحاوي " لذلك بلفظة (أو)، لكن مقتضاه: جواز الاستغناء بالمعطوف عليه عن المعطوف، وهو خلاف القول باشتراط الطلب في صحة الدعوى.
5985 - قول " المنهاج " [ص 562]: (فإن أقر.. فذاك) عبارة مجملة، وكأنه أراد بها: ثبوت الحق المدعى به كما صرح به " الحاوي " فقال [ص 667]: (فإن أقر.. ثبت) وهو الأصح في " أصل الروضة "، ومقابله: أنه لا يثبت بمجرد الإقرار، ولا بد من قضاء القاضي كالثبوت بالبينة 5.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا عندي مقيد بأن يكون الإقرار على صورة متفق عليها، فإن كان على صورة مختلف فيها.. فلا بد من القضاء بالإقرار من أجل الخلاف، وعبارة " التنبيه " [ص 254]: (وإن أقر.. لم يحكم حتى يطالبه المدعي) وهي عبارة حسنة.
وفسر بها شيخنا ابن النقيب قول " المنهاج ": (فذاك) فقال؛ فللمدعي أن يطلب من القاضي الحكم عليه؛ فحينئذ.. يحكم فيقول: أخرج من حقه، أو كلفتك الخروج منه، أو ألزمتك، وما أشبه ذلك 6.
والذي حمله على ذلك؛ كون هذا الكلام بعينه موضوعًا في " أصل الروضة " موضع قوله:
(فذاك)، واستشكل الرافعي الخلاف المتقدم في الثبوت؛ لأنه إن كان الكلام في ثبوت الحق المدعى في نفسه.. فمعلوم أنه لا يتوقف على الإقرار؛ فكيف على الحكم بعد الإقرار؟ وإن كان المراد المطالبة والإلزام.. فلا خلاف أن للمدعي الطلب بعد الإقرار، وللقاضي الإلزام 1.
وأجاب عنه شيخنا في " تصحيح المنهاج " باْن الكلام في ثبوت الحق المدعى به ظاهرًا عند القاضي الذي وقعت عنده الدعوى والإقرار من غير أن يقول قضيت عليه، ولا ثبت عندي الحق عليه.
واعترض في " المهمات " على قوله: (لا خلاف أن للمدعي الطلب بعد الإقرار) بأن الماوردي قال: له ملازمته بعد الحكم لا قبله 2.
5986 - قولهما: (وإن أنكر.. فله أن يقول: " ألك بينة؟ " وله أن يسكت) 3 فيه أمور:
أحدها: أن محل قوله: (ألك بينة؟ " في غير ما يثبت بالشاهد واليمين، فإن ثبت بشاهد ويمين.. فيقول: (ألك بينة أو شاهد مع يمينك) فإن علم جهله به.. وجب أن يقول له، وإلا.. ندب، ومحله أيضًا فيما إذا لم يكن في جانب المدعي للوث.. فيقول له: أتحلف خمسين يمينًا، وكذا الزوج المدعي على زوجته الزنا يقول له: أتلاعنها، ذكر ذلك كله شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض له.
قلت: وقد تناوله قول " الحاوي " [ص 668]: (وإلا.. سكت أو سأل الحجة)، وتناول أيضًا كل أمين تقبل دعواه، فيقول له: أتحلف؛ لأن المذكورين حجتهم ما ذكرناه من غير توقف على البينة؛ فهي عبارة حسنة شاملة.
ثانيها: استثني أيضًا منه: القاذف، فيندب للقاضي أن يبين له الحال من أول الأمر تغليظًا عليه، فيقول: ألك أربعة من الشهداء يشهدون بالمعاينة؛ لعله أن يرجع عما ادعاه.
ثالثها: محل السكوت: ما إذا كان المدعي يعلم ذلك الحكم، فإن جهله.. وجب إعلامه به، قال في " المطلب ": أفهم كلام " المهذب " قول ذلك للجاهل على وجه الوجوب 4.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هو الذي يقتضيه القواعد.
قال في " المهمات ": ومقتضى كلام " النهاية ": أن الأصح: أنه يقول للمدعي: ألك بينة مطلقًا سواء كان عالمًا أو جاهلًا 1، وكلام الماوردي يقتضي أنه مخير بين أن يقول: قد أنكرك فلك بينة، أو فما عندك، والأول أولى مع الجهل، والثاني أولى مع العلم 2.
رابعها: ظاهره التخيير بينهما، وليس كذلك، بل إن علم علمه بذلك.. فالسكوت أولى، وإن شك.. فالقول أولى، وإن علم جهله به.. وجب إعلامه كما سبق.
5987 - قول " المنهاج " [ص 562]: (فإن قال: " لي بينة وأريد تحليفه ".. فله ذلك) وهو المراد بقول " التنبيه " [ص 254]: (وإن حضرت البينة لم يطالب بإقامتها) أي: وله طلب يمين الخصم، ثم قال بعد ذلك: (فإن قال المدعي: " لي بينة غائبة ".. فهو بالخيار، فإن شاء أحلف المدعى عليه، وإن شاء صبر حتى تحضر البينة) 3 وقد عرفت أن هذا التخيير لا يختص بما إذا كانت البينة غائبة.
واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما إذا ادعى لغيره بطريق الولاية أو النظر أو الوكالة، أو لنفسه ولكن كان محجورًا عليه بسفه أو فلس، أو مأذونًا له في التجارة، أو مكاتبًا.. فليس له ذلك في شيء من هذه الصور؛ لئلا يحلف ثم يرفعه لحاكم يرى منع البينة بعد الحلف، فيضيع الحق، إلا أن يكون غير وكيل بيت المال، ويأذن له موكله في ذلك، أو يأذن السيد للمأذون له في ذلك، وكذا الغرماء إن ركبه دين، أو يأذن السيد للمكاتب، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
قلت: قد يقال: المطالبة متعلقة بالمدعي، فلا يرفع غريمه إلا لمن يسمع البينة بعد الحلف بتقدير أن لا يفصل أمره عند القاضي الأول، إلا أن يقال: قد يضطر عند تيسير البينة إلى قاضي بهذه الصفة؛ لعدم وجود غيره، والله أعلم.
ولا يرد شيء من ذلك على قول " الحاوي " [ص 690]: (وتقام البينة عنده).
5988 - قول " المنهاج " [ص 562]: (أو " لا بينة لي "، ثم أحضرها.. قبلت في الأصح) مقتضاه: جريان الوجهين في اقتصاره على قوله: (لا بينة لي) كما لو زاد عليه: (لا حاضرة ولا غائبة)، وهو الذي رجحه في " الشرح الصغير "، لكن جزم البغوي بأنه كما لو قال: (لا بينة لي حاضرة) 4 حتى يجزم فيها بالقبول كما هو مجزوم به في " الروضة " و" الشرحين " في التقييد
بالحضور 1، فلو قال " المنهاج ": (لا حاضرة ولا غائبة) كما فعل " الحاوي ".. لطابق " الروضة "وأصلها في جعلها محل الوجهين، وفهمت منه بقية الصور من طريق الأولى.
ثم اعلم: أن شرط الوجه الآخر: أن لا يذكر لكلامه تأويلًا من جهل أو نسيان، فإن ذكر.. قبل قطعا، وشرط شيخنا في " تصحيح المنهاج " لجريان الخلاف أيضًا: أن يكون قائل ذلك مقبول الإقرار، فلو كان محجورًا.. قبلت البينة بعد ذلك بلا خلاف، وكذا لو قال ذلك وليٌّ أو وكيل؛ لأن إقرارهما لا يبطل حق غيرهما.
5989 - قول " التنبيه " [ص 254]: (وإن قال المدعى عليه بعد النكول: " أنا أحلف ".. لم يسمع) الأصح: تمكينه من الحلف إذا لم يحكم القاضي به، أو يقل للمدعي: احلف؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 690]: (وقضى بالنكول، أو قال للمدعي: احلف.. فالمدعي) فلم ينقل اليمين للمدعي إلا عند وجود أحد الأمرين، ولو رضي المدعي بتحليفه بعد الحكم بالنكول.. فالأصح: أن له أن يعود ويحلف.
5990 - قول " التنبيه " [ص 254]: (وإن قال المدعي بعد النكول: أنا أحلف.. لم يسمع، إلا أن يعود في مجلس آخر ويدعي وينكل المدعى عليه) قال الرافعي: هو ما أورده العراقيون والروياني والهروي، والمنع أحسن وأقوى 2، وفي " الشرح الصغير ": إنه الأظهر، وفي " أصل الروضة ": إنه الأصح 3، وعليه يدل قول " الحاوي " [ص 691]: (ونكول المدعي كحلف الخصم).
5991 - قولهم - والعبارة " للمنهاج " -: (وإذا ازدحم خصوم.. قُدِّم الأسبق) 4 فيه أمور:
أحدها: قال في " أصل الروضة ": الاعتبار بسبق المدعي دون المدعى عليه، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ليس كذلك، بل لا بد أن يسبق المدعي وخصمه، فلو سبق المدعي وتأخر خصمه ثم جاء مدع آخر مع خصمه ثم حضر خصم الآخر.. فإنه يقدم المدعي الذي حضر خصمه قبل حضور خصم الآخر.
ثانيها: تقديم الأسبق واجب كما هو مقتضى نص " الأم " و" المختصر "، ولفظه: (لا يقدم رجلًا جاء قبله غيره) 5، وصرح الماوردي بعدم جوازه 6، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ":
وهو مقيد بما إذا تعين على القاضي فصل الخصومات، فإن لم يتعين عليه.. فله أن يقدم من شاء كما صرحوا به في المدرس في العلم الذي لا يجب تعليمه، وفي " أصل الروضة " عن الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وغيرهما: أن القاضي إذا لم يكن له رزق من بيت المال فقال للخصمين لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقًا، فجعلا له رزقًا.. جاز، قال: وهذا نحو ما نقل الهروي: أن القاضي إذا لم يكن له رزق من بيت المال، وهو محتاج، ولم يتعين عليه القضاء.. أن له أن يأخذ من الخصم أجرة عمله 1، قال شيخنا: وقضية هذا: أن له تقديم من جعل له الرزق وإن كان مسبوقًا.
ثالثها: استثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج " من تقديم السابق: ما إذا كان كافرًا.. فلا يقدم على المسلمين، قال: وهذا لا توقف فيه، ولم أر من تعرض له.
5992 - قولهم - والعبارة " للمنهاج " -: (فإن جُهِل أو جاؤوا معًا.. أُقرع) 2 محله: ما إذا لم يعسر، فإن كثروا وعسر الإقراع.. كتب أسماءهم في رقاع، ووضعت بين يديه؛ ليأخذ واحدة واحدة، فيسمع دعوى من خرج اسمه 3.
5993 - قول " التنبيه " [ص 253]: (فإن كان فيهم مسافرون.. قدمهم، إلا أن يكثروا.. فلا يقدمهم) قيده " المنهاج " و " الحاوي " بأن يكونوا مستوفزين 4، وفسره في " أصل الروضة " بقوله: قد شدوا الرحال ليخرجوا، ولو أخروا.. لتخلفوا عن رفقتهم 5، واستثنى " المنهاج " أيضًا: ما إذا كثروا 6، ولم يبينا حد الكثرة، ومثله بعضهم: بأن يكونوا مثل المقيمين أو أكثر كالحجيج بمكة، وأهمله " الحاوي ".
5994 - قول " الحاوي " [ص 661]: (ثم المرأة) أحسن من قول " المنهاج " [ص 562]: (ونسوة) لإفادته أنه إذا اجتمع مسافر وامرأة.. قدمت المرأة، ولم يتعرض " التنبيه " لتقديم المرأة، وعبارة " أصل الروضة ": لو كان في الحاضرين نسوة ورأى المَاضي تقديمهن لينصرفن.. قدمهن على الصحيح، بشرط أن لا يكثرن، وتقديم المسافر والمرأة رخصة غير واجب على الصحيح، ومنهم من يشعر كلامه بالوجوب، واختار النووي أنه مستحب لا يقتصر به على
الإباحة، قال في " أصل الروضة ": وينبغي أن لا يفرق بين أن يكون المسافر والمرأة مدعيًا أو مدعى عليه 1.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو ممنوع، بل هو مختص بالمدعي؛ لأن الدعوى له، وظاهر كلامهم أنه لا تقديم بغير ذلك، لكن ذكر الماوردي: أن القاضي يقدم المريض المسبوق الذي يستضر بالصبر إن كان مطلوبًا، ولا يقدمه إن كان طالبًا؛ لأن المطلوب مجبور والطالب مخير 2.
5995 - قول " التنبيه " [ص 253]: (ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة) كذلك من خرجت له القرعة؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 562]: (ولا يقدم سابق ولا قارع إلا بدعوى) وخرج به المقدم بالسفر، فقال الرافعي: يحتمل أن لا يقدم إلا بدعوى، ويحتمل أن يقدم بجميع دعاويه، ويحتمل أن يقال: إذا عرف أن له دعاوى.. فهو كالمقيم؛ لأن البعض لا يفيده والكل يضر غيره 3.
وقال النووي: الأرجح: إن كانت قليلة أو خفيفة بحيث لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا.. قدم بجميعها، وإلا.. فيقدم بواحدة؛ لأنها مأذون فيها، وقد يقنع بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر 4.
قال في " المطلب ": وقياس ما ذكره: أن يقدم بما لا يضر كما له أن يستوفيه، وعبارة " الحاوي " [ص 661]: (وقدم المسافر المستوفز، ثم المرأة، ثم السابق، ثم بالقرعة بخصومةٍ) وظاهره عود التقييد إلى جميع الصور، ولا يصح حمله على الأخيرة فقط؛ لأن السابق كذلك بلا شك.
5996 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ولا يتخذ شهودًا مرتين لا يقبل غيرهم) ظاهره الكراهة؛ لعدّه في الآداب وعطفه على قوله: (ولا يتخذ حاجبًا) 5، وهو وجه في " الكفاية "، لكن جزم في " المنهاج " بالتحريم 6، وهو المذكور في " الروضة " وأصلها 7.
5997 - قول " المنهاج " [ص 562]: (وإذا شهد شهودٌ فعرف عدالةً أو فسقًا.. عمل به) و" الحاوي " [ص 675]: (واستزكى إن شك) و" التنبيه " [ص 255]: (وإن جهل عدالتهم.. سأل)
محل الاكتفاء في التعديل بعلمه: في غير أصله وفرعه، وفيهما وجهان في " أصل الروضة " بلا ترجيح.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأرجح عندنا تفريعًا على أنه لا يقبل تزكيته لأصله ولا فرعه كما هو الصحيح في زيادة " الروضة " 1: أنه لا يجوز أن يحكم بشهادة أصله ولا فرعه إذا علم عدالته ولم يقم عنده بينة بها.
5998 - قول " التنبيه " [ص 254]: (فإن شهدوا وكانوا فساقًا.. قال للمدعي: " زدني في الشهود ") قال في " الكفاية ": ظاهره أنه يصغي لسماع شهادتهم وإن علم فسقهم قبل الأداء، وقد توجه: بأنه لو منعهم.. لكان هتكًا، لكن الذي صححه الرافعي والنووي: أنه لا يصغي إليهم 2.
5999 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (أن يكتب ما يتميز به الشاهد والمشهود له وعليه) 3 فيه أمران:
أحدهما: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الواجب طلب بيان عدالة الشاهد؛ ليرتب الحكم على شهادته بالطريق المعتبرة عنده، وسواء طلب البيان بهذا الطريق أم بغيره، وفي " النهاية ": لا يستريب فقيه في أن كتابة ذلك ليس أمرأ مستحقًا، فلو اتفق الهجوم على السؤال لفظًا.. لما امتنع، غير أن الأحسن ما قدمناه، وإن لم يكن في زمن الماضين.. لخبث الزمان 4.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: كتابة المشهود له وعليه [ليس من الواجب في الاستزكاء] 5 وإن ذكره الشافعي رضي الله عنه والأصحاب، وفي " المطلب ": أن اعتباره لينجز الحكم، ولا يقف على استكشاف عداوة ولا قرابة ولا شركة تمنع من قبول الشهادة، وإلا.. فذاك ليس من أمر الاستزكاء في شيء، حتى لو أغفله وثبتت العدالة.. بقي على القاضي النظر فيما وراء التعديل 6.
6000 - قول " الحاوي " [ص 676]: (وقدر المال) أحسن من قول " التنبيه " [ص 255] و" المنهاج " [ص 562]: (وقدر الدين) لشموله الأعيان، ومع ذلك فلو قال: (وما شهدوا به).. لكان أعم؛ ليتناول النكاح والقتل وغيرهما، وقول " المنهاج " [ص 562]: (على الصحيح) يقتضي أن الخلاف وجهان، مع أن الأول منصوص " الأم " و" المختصر "، ويقتضي ضعف مقابله مع أنه قوي، وفي " النهاية ": الذي ذهب إليه معظم الأئمة أنه احتياط وليس باشتراط؛ فإن العدل
في اليسير عدل في الكثير 1، وقال الغزالي: إنه الأشهر 2، وصححه صاحبا " المرشد " و" روضة الحكام ".
6001 - قول " المنهاج " [ص 562]: (ويبعث به مزكيًا) كذا بخط النووي، وصوابه: (إلى مزك) كما في " المحرر " 3، والمبعوث إنما هم أصحاب المسائل؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص 255]: (ويدفعها إلى أصحاب المسائل) وقد قال " المنهاج " عقبه [ص 562]: (ثم يشافهه المزكي بما عنده) فإن أراد المبعوث أولًا.. لم يطابق كلام " المحرر " ولا كلام الأصحاب، وإن أراد غيره.. لزم عليه لتسميته الأول مزكيًا اتحاد المبعوث والمبعوث له، وعبارة " أصل الروضة ": ويكتب إلى كل مزك كتابًا، ويدفعه إلى صاحب مسألة، ثم قال: وهل الحكم بقول المزكين أم بقول أصحاب المسائل؟ وجهان، صحح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وغيرهما الثاني، قال ابن الصباغ: وهذا وإن كان شهادة على شهادة فتقبل للحاجة؛ أي: مع كون شهود الأصل في البلد؛ لأن المزكي لا يلزمه الحضور فعلى هذا لا بد من اثنين من أصحاب المسائل، وعلى الأول يكفي واحد 4، وحاول الرافعي نفي الخلاف فقال: إن ولي صاحب المسألة الجرح والتعديل.. فالحكم مستند إليه وحده، وإن أمره بالبحث، فبحث وشهد بما عرف.. استند إليه أيضًا، لكن يشترط هنا العدد، وإن أمره بمراجعة مزكين وإعلامه بما قالاه.. استند إليهما لا إليه، فليحضرا وليشهدا، ولا يشهد على شهادتهما؛ لأن الفرع لا يقبل مع حضور الأصل.
انتهى بمعناه 5.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومقتضى كلامه في التنكير والتعريف: أنه يكتفي في البعث والتزكية بواحد، وهو خلاف نص " الأم " و" المختصر " وما عليه الأصحاب، وعبارة الشافعي رضي الله عنه: (ولا يقبل تعديله إلا من اثنين، ولا المسألة عنه إلا من اثنين) 6 ولهذا عبر " التنبيه " بأصحاب المسائل كما تقدم: ثم قال: (واقلهم اثنان) 7.
6502 - قول " التنبيه " [ص 255]: (فإن عادوا بالتعديل.. أمر من عدلهم في السر أن يعدَّلهم في العلانية) هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب؛ فيه خلاف في " الكفاية "، وصحح كلًا منهما طائفة، وصحح الماوردي والروياني: الاستحباب إن كان مشهورًا بين الناس بما يتميز به في الاسم
والنسب، والإيجاب في غيره، وقوله: (كما عدلهم سرًا) 1، قال في " الكفاية ": ظاهره إعادة التزكية، وهو ظاهر كلام الشافعي، وصرح القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وغيرهم بأن المراد به: جمع المزكي والمعدلين، ويقول للمزكي: هؤلاء هم الذين سئلت عنهم وزكيتهم، فيقول: نعم، أو نحوه، قال القاضي الحسين: ويشترط في التزكية سؤال القاضي عنها، فلو عدل من غير سؤال.. لم يصغ القاضي لقوله؛ لأن التعديل حسبة لا يسمع.
وفي " أصل الروضة " قبيل القضاء على الغائب: تقبل شهادة الحسبة على العدالة والفسق؛ لأن البحث عن حال الشهود ومنع الحكم بشهادة الفاسق حق لله تعالى 2.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الذي اشتهر عند الأصحاب ترجيح ما ذهب إليه الإصطخري وغيره من أن الحكم إنما هو مستند إلى شهادة أصحاب المسائل عند الحاكم بالتزكية، وقال أبو إسحاق: إنما يحكم الحاكم بتزكية المزكين الذين يسألهم أصحاب المسائل.
6003 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (شرطه خبرة باطن من يعدله) 3 قال في " الكفاية ": أي في وقت الأداء أو قريبًا منه، كما قال الشافعي رضي الله عنه، قال: وهذا في المعدلين، أما أصحاب المسائل إذا اكتفينا بتعديلهم كما هو الصحيح.. فلا يشترط أن يكونوا من أهل الخبرة الباطنة، قال الماوردي: ولا يسألهم الحاكم من أين علمتم الجرح والتعديل 4، وكلام ابن الصباغ قريب منه، وكذا قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن الذي اشتهر عند الأصحاب ترجيح إسناد الحكم إلى شهادة أصحاب المسائل عند الحاكم بالتزكية مع أن أصحاب المسائل لا يخبرون باطن من يعدلونه، وقال: إن الذي في " المنهاج " إنما يجيء على وجه أبي إسحاق أن التزكية من المزكين الذين يسألهم أصحاب المسائل.
قلت: بتقدير ترجيح الأول.. فقد صار أصحاب المسائل يخبرونهم الخبرة الباطنة ببحثهم وتنقيبهم عنه وإن لم يطل الزمان في ذلك، وقد قال الرافعي: إن ظاهر لفظ الشافعي اعتبار التقادم في المعرفة الباطنة، ثم قال: ويشبه أن شدة الفحص كالتقادم، فليس ذكر التقادم للاشتراط، بل لكون الغالب أن الباطن لا يعرف إلا به 5.
6004 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وأنه يكفي: " هو عدل "، وقيل: يزيد: " عليَّ
ولي ") 1 نص في " الأم " و" المختصر " على الثاني، ولفظه: (ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول: عدلٌ عليّ ولي) 2، وقال في " الشامل ": قال أكثر أصحابنا بظاهر لفظه، وفي " أصل الروضة ": أن الأولين تأولوه، وجعلوه تأكيدًا لا شرطًا 3.
ورجح شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن المعنى في هذه الزيادة تعميم تعديله وانتفاء تخصيص عدالته بشيء دون شيء، قال: وعلى هذا: فلو قال: عدل لا تختص عدالته بشيء دون شيء.. كان ذلك كافيًا؛ لتصريحه بالمقصود من: (عليّ ولي)، قال: وقد يكون بينه وبين المعدّل عداوة تمنع من قبول شهادته عليه.. فلا ينبغي أن يلزم المعدّل أن يقول: (على) لوجود العداوة المانعة من قبول قوله عليه، ولو قال المعدل ذلك على قصد التعميم.. لم يكن ذلك مقتضيًا لانتفاء العداوة بينه وبينه.
وقال شيخنا ابن النقيب: ينبغي إن لاحظنا ما بين الشاهد والمزكي.. اتجه اشتراط: (لي) فقط، أو ما بينه وبين المشهود له من قرابة.. اتجه اشتراط: (له) فقط، ويشير إليه أو يسميه، وإن لوحظ الاحتياط.. اشترط: (لي وللمشهود له وعلى المشهود عليه).
انتهى 4.
6005 - قول " التنبيه " [ص 255]: (ولا يقبل الجرح إلا مفسرًا) و" المنهاج " [ص 562]: (ويجب ذكر سبب الجرح) يقتضي أنه لا يجعل بذكر الزنا قاذفًا، وهو كذلك للحاجة كالشاهد، لكن لو لم يوافقه غيره.. فقال الرافعي: ليكن كما لو شهد ثلاثة بالزنا في كونهم قذفة قولان 5، قال النووي.
والمختار بل الصواب: أنه غير قاذف هنا وإن انفرد؛ لأنه مسؤول، فهو في حقه فرض كفاية أو عين، بخلاف شهود الزنا؛ فإنهم مندوبون إلى الستر، فهم مقصرون 6.
وفي " المهمات ": أن ما ذكره النووي هو المعروف في المذهب، وكيف يجتمع وجوب ذكر الزنا ووجوب الحد عليه؟ وفرق الماوردي بين أصحاب المسائل، فلم يجعلهم قذفة، والجيران إذا لم يكمل بهم النصاب، فجعلهم قذفة؛ لأن أصحاب المسائل ندبوا للإخبار بما سمعوه ولم تندب الجيران إليه 7.
واستحسنه شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: إنه المعتمد، لكنه ذكر أن محل إيجاب ذكر
سبب الجرح في غير أصحاب المسائل، فلا يجب على أصحاب المسائل، فيقال عليه إذا ندبوا لذلك ولم يخشوا حد القذف، فهم أولى من غيرهم بوجوب بيان السبب، وهل يشترط ذكر رؤية السبب أو سماعه؛ بأن يقول: رأيته يزني أو سمعته يقذف؛ وجهان، أشهرهما: نعم، وأقيسهما: لا.
واعلم: أن الجرح الذي ليس مفسرًا وإن لم يقبل يفيد التوقف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح، ذكره ابن الصلاح والنووي في الرواية، ولا فرق بين الرواية والشهادة في ذلك فيما يظهر.
6006 - قول " المنهاج " [ص 562]: (وتُعتمد فيه المعاينة أو الاستفاضة) حمله شيخنا في " تصحيح المنهاج " على غير أصحاب المسائل، فأما هم.. فإنما يعتمدون المزكين.
6007 - قول " التنبيه " [ص 255]: (فإن عدله اثنان وجرحه اثنان.. قدم الجرح) قال في " المنهاج " [ص 562]: (فإن قال المعدل: " عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح ".. قدم) وفي " الكفاية " استثناء صورة أخرى، وهي: ما لو جرحه اثنان ببلد ثم انتقل لأخرى فعدله اثنان، ثم قال: كذا أطلقوه، وينبغي أن يخص بما إذا تخللت مدة الاستبراء.
6008 - قول " الحاوي " [ص 675]: (لا إن أقر الخصم بعدالته) أي: فإنه لا يجب الاستزكاء، تبع فيه " الوجيز " 1، لكن قال في " المنهاج " [ص 562]: (والأصح: أنه لا يكفي في التعديل قول المدعى عليه: " هو عدلٌ وقد غَلِط ") وهو يقتضي أن مقابله الاكتفاء بذلك في التعديل، ولم يقم به أحد، وإنما مقابله الاكتفاء به في الحكم على المدعى عليه بذلك.
ثم محل الخلاف: ما إذا كان المدعى عليه أهلًا للإقرار بالحق المدعى به، فإن كان سفيهًا أو عبدًا أو وكيلًا.. لم يكن لكلامه أثر بلا خلاف.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وقوله: (وغلط) لا يحتاج إليه، بل اعترافه بعدالته يقتضي جريان الوجهين وإن لم نقل: غلط.
قلت: ذكر ذلك إنما هو تصوير للمسألة؛ بأن يكون مع اعترافه بعدالة الشاهدين باقيًا على الإنكار، والله أعلم.
6009 - قول " الحاوي " [ص 676]: (فإن ارتاب.. فليستفصل) فيه أمران:
أحدهما: أن ظاهره ونجوب ذلك، وكذا قال الإمام والغزالي 2، لكن عامة الأصحاب على أنه
مستحب 1، وقد صرح به " التنبيه " فقال [ص 254]: (فإن كانوا عدولًا وارتاب بهم.. استحب أن يفرقهم).
ثانيهما: ظاهر كلامهما تقديم التزكية على الاستفصال، وكذا قال الغزالي 2، والمشهور عكسه، وهو الذي حكاه الرافعي عن أصحابنا العراقيين وغيرهم، وقال: إنه الوجه، وظاهر كلام الأصحاب رد شهادتهم إذا اختلف كلامهم، وبه صرح الماوردي، وعليه يدل قول الرافعي: في تعليل تقديم التفريق على الاستزكاء: فإنه إن اطلع على عورة.. استغنى عن الاستزكاء والبحث.
انتهى 3.
وقد يقال: يمكن حمل الاختلاف في الكيفية على الغلط في ذلك، فيقضي القاضي بالقدر المشترك الذي وقعت به الشهادة، ولا يضر الاختلاف؛ ويؤيده أن القاضي يقضي مع الريبة، والله أعلم.
6010 - قول " التنبيه " [ص 255]: (وإن عاد أحدهما بالتعديل والآخر بالجرح.. أنفذ آخرين) قال في " الكفاية ": وفي " المهذب " تبعًا للماوردي الاكتفاء بواحد 4، واستحسنه ابن يونس، والذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ الأول.
6011 - قوله: (فإن جهل إسلامهم.. رجع فيه إلى قولهم) 5 كذا في " أصل الروضة " هنا 6، لكن فيها في الردة: أن الكافر إذا قال: أسلمت.. لا يحكم بإسلامه حتى يتلفظ بالشهادتين؛ لأنه قد يسمى دينه الذي عليه إسلامًا 7.
قال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": ولا أثر لكونه غير محقق الكفر؛ لأن المطالبة لاحتمال أن يكون كافرًا، وبتقدير هذا الاحتمال لا يفيد قوله: إني مسلم.
بابُ القضاء على الغائب
6512 - قول " المنهاج " [ص 563]: (هو جائز إن كان عليه بينة) يوهم جواز الدعوى على الغائب وإن لم يكن عليه بينة، وليس كذلك، فكان ينبغي أن يعتبر ذلك في صحة الدعوى؛ ولهذا قال " المحرر ": (وينبغي أن يكون للمدير على الغائب بينة) 1 و" التنبيه " [ص 255، 256]: (وإن ادعى على غائب وله بينة.. سمعها الحاكم) و" الحاوي " [ص 677]: (وعلى غائب - أي: حكم - كسماع الدعوى والبينة) فصرح بالأمور الثلاثة، على أن شيخنا في " تصحيح المنهاج " قد نازع في اشتراط ذلك في صحة الدعوى، وقال: الدعوى صحيحة بدونه، ولكن لا يحكم القاضي إلا أن يستند قضاؤه إلى الحجة المعتبرة من شاهدين أو شاهد ويمين أو علم القاضي، ولو ادعى ولا بينة له في علمه ثم اطلع عليها، أو ولا في الباطن ثم حدثت بشهادة على الغائب.. فقد صدرت صحيحة، فإذا قامت البينة عند القاضي.. حكم بها، ولو سافر القاضي بعد الدعوى إلى بلد الخصم التي هي في علمه والمدعي معه، فأخبره بالدعوى، فأقر أو أنكر.. فصل القاضي بينهما بتلك الدعوى المتقدمة، قال: وقد يتصور في الإرسال والنكول ورد اليمين ما يقتضي أن القاضي يقضي بحلف المدعي يمين الرد مع غيبة المدعى عليه، ولم أر من ذكره، وفيه نظر 2.
قلت: هذا كله بعيد، والقاضي إنما يشتغل بالمهمات الناجزة، وليس منها سماع الدعوى على غائب بلا بينة؛ لاحتمال حدوث شيء مما ذُكِرَ، والدعوى ليست مما يفوت، فإذا وجدت الحجة.. أوجد الدعوى، لكن قد يرد على اقتصار " التنبيه " و" المنهاج " على البينة: الشاهد واليمين، وقد ذكره " الحاوي " 3، وقد يقال: هو داخل في مسمى البينة.
نعم؛ يرد عليهم جميعًا: علم القاضي إن سوغنا الحكم به؛ فكان ينبغي التعبير بالحجة.
6013 - قول " المنهاج " [ص 563]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 677]: (فإن قال: هو مقر.. لم تسمع بينته) محله فيما إذا كان مراده إقامة البينة ليكتب القاضي به إلى حاكم بلد الغائب، فأما إذا كان للغائب مال حاضر وأراد إقامة البينة على دينه ليوفيه القاضي.. فإن القاضي يسمع بينته ويوفيه، سواء قال: هو مقر أو جاحد، حكاه في " أصل الروضة " عن " فتاوى القفال " 4.
وزاد عليه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورة أخرى، وهي: ما إذا كانت بينته شاهدة
بالإقرار.. فإنه يقول عند إرادة مطابقة دعواه ببينته: أقر لي فلان بكذا ولي بينة بذلك، ثم قال: فإن قيل: لم يقل: هو مقر الآن بخلاف صورة القفال.. قلنا: قوله: (أقر) يقتضي دوام الإقرار؛ لأن الأصل بقاء الإقرار، لكنه ضمني؛ فيغتفر في الضمني ما لا يغتفر في الاستقلالي.
ثم استثنى شيخنا أيضًا: من لا يقبل إقراره لسفه ونحوه.. فلا يمنع قوله: هو مقر من سماع بينة المدعي، وكذا المفلس يقر بدين معاملة بعد الحجر.. فإنه لا يقبل في حق الغرماء، فلا يضر قول المدعى عليه في غيبته أنه مقر؛ لأن إقراره لا يؤثر فيما يقصد له الدعوى، وهو المضاربة، وكذا لو قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو، فادعاها عمرو في غيبته ليقيم بينة.. لا يضره قوله: وهو مقر؛ لأن إقراره غير مؤثر في القصد الذي وقعت به الدعوى، قال: ويتصور نحو ذلك في الرهن والجناية، ولم أر من تعرض لذلك.
ثم قال شيخنا المذكور: لو قال: هو مقر ولست آمن أن يجحد.. سمع بينته وحكم بها على الأرجح، بل ولو لم يقل: ولست آمن أن يجحد على الأشبه؛ لاحتمال الجحود، ولو قال: هو مقر ولكنه ممتنع.. سمع بينته أيضًا، وحكم بها، وهو قريب من منزع القفال في الصورة السابقة.
6014 - قول " المنهاج " [ص 563]: (وإن أطلق.. فالأصح: أنها تسمع) تبع فيه " المحرر " 1، وكذا رجحه في " الشرح الصغير "، ولم يحكه في " الكبير " إلا عن ميل الإمام، وصححه في " أصل الروضة " 2، وذكر ابن الرفعة أن ميل الأكثرين إلى مقابله.
واستثنى الغزالي من الخلاف: ما لو اشترى شيئًا فخرج مستحقًا والبائع غائب.. فتسمع بينته وإدق لم يدع الجحود بلا خلاف؛ لأن تقدم البيع منه كالجحود 3، وقال الإمام: إنه لا مراء فيه 4.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ويحتمل أن يطرقه خلاف؛ لأنه قد يكون مبطلًا، فيعترف بالحق، ولا يكون تقدم البيع منه لجحوده، ولكن هذا بعيد.
6015 - قوله: (وأنه لا يلزم القاضي نصب مسخر يُنكر عن الغائب) 5 تبع في ترجيحه " المحرر " 6، وكذا صححه في " الشرح الصغير "، لكنه في " الروضة " وأصلها لم يحك تصحيحه إلا عن البغوي؛ وعلل بأن الغائب قد يكون مقرًا فيكون إنكار المسخر كذبًا، قال
الرافعي: ومقتضى هذا التوجيه: أنه لا يجوز نصب المسخر، قال: ولكن الذي أورده أبو الحسن العبادي وغيره أنه مخير بين النصب وعدمه 1.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": من ذكر الخلاف في اعتبار دعوى الجحود لا يشترط نصب مسخر ينكر عن الغائب، وإنما يحكي الخلاف في اشتراطه من تحريم باعتبار دعوى جحوده؛ فالجمع بينهما في الخلاف غير موجود في كتب الأصحاب.
6016 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وحكم بها، وحلّف المدعي) قد يوهم تأخر الحلف عن الحكم، وليس كذلك، والواو لا تدل على ترتيب، وقد أفصح " المنهاج " بالمقصود فقال [ص 563]: (ويجب أن يحلفه بعد البينة) أي: بعد إقامتها وتعديلها كما صرح به في " أصل الروضة " 2، لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يمكن أن يتخرج جوازه بعد سماعها وقبل تعديلها على الخلاف في جواز الحبس بشهادة الشاهدين قبل تعديلهما، والأصح: الحبس، فينبغي أن يكون الأصح هنا: الجواز، ونظيره سماع بينة الداخل بعد إقامة الخارج البينة وقبل تزكيتها، وعبارة " الحاوي " [ص 677]: (إن حلف) فدل جعله شرطًا على تقدمه، وهي أحسن من تعبير " المنهاج " لكونه ذكر ذلك بعد البينة وشاهد ويمين، وقد لا تتناول عبارة " المنهاج " الشاهد واليمين كما تقدم.
6017 - قول " المنهاج " [ص 563]: (أن الحق ثابت في ذمته) و" التنبيه " [ص 256]: (أنه لم يبرأ إليه منه ولا من شيء منه) هو أقل ما يكفي في اليمين، والأكمل ما ذكره في " أصل الروضة ": أنه ما أبرأه من الدين الذي يدعيه ولا من شيء منه، ولا اعتاض، ولا استوفى، ولا أحال عليه هو ولا واحد من جهته، بل هو ثابت في ذمة المدعى عليه يلزمه أداؤه، ثم قال: ويجوز أن يقتصر، فيحلفه على ثبوت المال في ذمته ووجوب تسليمه 3.
ولذلك خير " الحاوي " بينهما فقال [ص 677]: (أنه في ذمته أو بنفي نحو الإبراء) وظاهره الاكتفاء بنفي نحو الإبراء مع أنه لا بد عند إرادة البسط من التصريح بنفي كل مسقط.
ويرد عليهم جميعًا: أنهم لم يذكروا وجوب التسليم، وقد ذكره في " الروضة " 4، ولا بد منه؛ فإنه قد يكون ثابتًا في ذمته ولا يجب تسليمه لتأجيل ونحوه، وفي " المهمات " أنه مشكل من وجهين:
أحدهما: أن المدعى عليه لو كان حاضرًا فطلب بعد البينة تحليف المدعي على الاستحقاق.. لم يجب إليه؛ لأن فيه قدحًا في البينة، فكيف يحلفه عليه في غيبته وقد حلف على ثبوته في ذمته.
ثانيهما: أن المدعى عليه لو ادعى مسقطًا فأراد المدعي الحلف على استحقاق ما ادعاه.. لم يمكن منه، بل يحلف على ذلك المسقط؛ فكيف اكتفي به في حق الغائب؛ ولذلك أسقطه الماوردي فقال: وأقل ما يجزيه: أن يحلف أن حقه لثابت 1.
قال في " المهمات ": وهو واضح؛ فتعين العمل به وأورد شيخنا في " تصحيح المنهاج " أمرين آخرين:
أحدهما: أن المدعى به قد يكون عينًا.. فلا يحلف فيها كذلك، وإنما يحلف في كل دعوى على ما يليق بها.
ثانيهما: أن المدعى عليه لو كان حاضرًا وقال: الشهود فسقة أو كذبة وهو يعلم ذلك.. ففي تحليف المدعي على نفي العلم وجهان، طردًا في كل صورة ادعى ما لو أقر به الخصم لنفعه، لكن لم يكن المدعي عين الحق، ورجح في " الروضة " وأصلها: أن له التحليف 2، ويؤيده نص الشافعي في " البويطي " على أنه لو قال: أنه يعلم أن الشهود شهدوا بغير حق.. حلف على أنه لا يعلم ذلك.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ويلتحق بذلك ما إذا قال: هو يعلم أن بيني وبين شهوده عداوة مانعة من قبول شهادتهم عليّ، أو أن فيهم رقًا، أو أن بينه وبينهم من النسب ما يمنع قبول شهادتهم، أو أنهم يجرون لأنفسهم بشهادتهم نفعًا، أو يدفعون بها عنهم ضررًا.. قال شيخنا: فعلى القاضي في القضاء على الغائب أن يحلفه على هذه الأمور كلها؛ لأنه لو طلب حلفه على ذلك.. أجيب إليه؟ فيحتاط الحاكم له في غيبته، ولم أر من تعرض لشيء من ذلك، إلا أن القاضي الحسين قال في اليمين: يقول: وأن شهوده شهدوا بالحق، قال شيخنا: وهو متعقب بأن المنصوص في " البويطي ": أنه في دعوى الحاضر ذلك يحلف على نفي العلم، فكذلك في الغائب.
واعلم: أن محل ترجيح وجوب التحليف: إذا لم يكن للغائب وكيل حاضر؛ ففي " أصل الروضة ": لو كان للمتمرد وكيل نصبه بنفسه.. فهل يتوقف التحليف على طلبه؛ فيه جوابان لأبي العباس الروياني؛ لأن الاحتياط والحالة هذه من وظيفة الوكيل، وكذا لو كان للغائب 3
وكيل 1، ولم يرجحا شيئًا، لكنهما ذكرًا قبل ذلك في توجيه أحد الوجهين فيما لو تعلق المدعي برجل وقال: أنت وكيل فلان الغائب ولي عليه كذا، وأدعي عليك، وأقيم البينة في وجهك.. أن للمدعي إقامة البينة على ذلك؛ ليستغني عن ضم اليمين إلى البينة؛ وليكون القضاء مجمعًا عليه 2، وهذا يقتضي ترجيح أحد الجوابين، وهو عدم التحليف، وقال في " المطلب ": إنه المشهور، وجزم شيخنا في " تصحيح المنهاج " بعدم التحليف في حضور الوكيل المطلق، قال: فإن لم يكن وكيلًا في طلب الحلف، بل في رد جواب الدعوى خاصة.. جاء الخلاف في الإيجاب والاستحباب.
وقال في " التوشيح ": لم أفهم هذا الخلاف؛ فإن الغائب إذا كان له وكيل.. فالحكم عليه ليس بحكم على الغائب، ولا يمين فيه جزمًا.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يجوز للقاضي أن يسمع الدعوى على الغائب وإن كان وكيله حاضرًا؛ لأن الغيبة المسموعة للحكم على الغائب موجودة، ولا يمنع من ذلك كون الوكيل حاضرًا؛ لأن القضاء إنما يقع على الغائب، ونظير ذلك: أن الولي إذا غاب الغيبة التي يجوز للقاضي أن يزوج المرأة بسببها.. فإنه يجوز أن يزوجها وإن كان وكيل الغائب حاضرًا، وفي نص الشافعي رضي الله عنه في " الإملاء " ما يشهد له، فقال: زوج السلطان أو وكيل الغائب، ذكره ابن بشري في " المختصر المنبه ".
6018 - قول " المنهاج " بعد ذكر الخلاف في وجوب هذه اليمين واستحبابها [ص 563]: (ويجريان في دعوى على صبي أو مجنون) رجح شيخنا في " تصحيح المنهاج ": القطع بالوجوب في الدعوى عليهما؛ لإمكان الغائب الاستدراك بخلافهما، وتبع في ذلك نقل الإمام له عن الأئمة 3، وحكى في " البسيط " اتفاق الأصحاب عليه.
6019 - قول " التنبيه " [ص 255] و" الحاوي " [ص 677]: (وميت) أي: ليس له وارث خاص، فإن كان.. فالتحليف موقوف على طلبه.
6020 - قول " الحاوي " [ص 677]: (ومتوارٍ ومتعزِّزٍ) حكى الرافعي في حلف المدعي عليهما وجهين، ثم قال: وقطع صاحب " العدة " بأنه لا يحلف؛ لأن الخصم قادر على الحضور 4، وحكاه في " الكفاية " عن الماوردي 5.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأصح عندنا: أن القاضي يحلف المدعي على المتمرد؛ لأن هذا احتياط للقضاء، فلا يمنع منه تمرد المدعى عليه، وألحق القاضي الحسين بالغائب والمستتر ما إذا أحضر الخصم خصمه إلى مجلس الحكم ثم هرب قبل أن يسمع الحاكم البينة عليه، أو بعد ما سمعها وقبل أن يحكم.. فإنه يحكم عليه، وادعى أن هذا لا خلاف فيه (1).
تَنْبِيْهٌ [لو أقام قيم الطفل بينة على قيم طفل آخر]
قال في " أصل الروضة ": بني على هذا الخلاف ما لو أقام قَيِّمُ الطفل بينة على قيّم طفل؛ فإن أوجبنا التحليف.. انتظرنا حتى يبلغ المدعى له، فيحلف، وإن قلنا بالاستحباب.. قضى بها 2، ومقتضاه: تصحيح الانتظار؛ لأن الصحيح: وجوب التحليف.
قال في " المهمات ": وقد يشكل عليه قوله بعد ذلك: لو ادعى ولي الصبي دينًا للصبي فقال المدعى عليه: إنه أتلف عليّ من جنس ما تدعيه قدر دينه.. لم ينفعه، بل عليه الأداء، فإذا بلغ الصبي.. حلفه 3، لكنه فرض تلك فيما إذا كان الصبي هو الذي ادعى له خاصة، وهذه فيما إذا كانا صبيين.
وقد يجاب: بأن اليمين في المسألة الثانية توجهت في دعوى أخرى.
انتهى.
وقال السبكي فيما حكاه في " التوشيح ": من طالع كلام الرافعي هذا.. اعتقد أن المذهب: أنه ينتظر ويؤخر الحكم، وقد يترتب على ذلك ضياع الحق؛ فإن تركة الذي عليه الدين قد تضيع أو يأكلها ورثته، فتعريضها لذلك وتأخير الحكم مع قيام البينة مشكل، ولا سيما، ونحن نعلم أن الصبي لا علم عنده من ذلك، واليمين الواجبة عليه بعد بلوغه إنما هي على عدم العلم بالبراءة، وهو أمر حاصل، فكيف يؤخر الحق لمثل ذلك، قال: وهذه المسألة لم يذكرها إلا القاضي الحسين تخريجًا منه، وتبعه من بعده عليها، والوجه عندي خلاف ما قال، وأنه يحكم الآن بما قامت [به البينة] 4، ويؤخذ الدين للصبي الذي ثبت له، وإن أمكن القاضي أخذ كفيل به حتى إذا بلغ يحلف؛ فهو احتياط، وإن لم يمكن ذلك.. فلا يكلف، قال: وينبغي للقاضي أن ينظر نظرًا خاصًا، فإن ظهرت أمارة البراءة.. توقف، وإن ظهر خلافها.. اعتمد الحجة الظاهرة، وإن1
استوى الأمران.. اعتمد الحجة بعد قوة الاجتهاد، وقد صرح الأصحاب بأن الوارث في مثل ذلك إنما يحلف على نفي العلم، فكيف يحسن قياس هذا على غريم الغائب الذي يحلف على البت؟ وينبغي للقاضي إذا حكم.. لا يهمل أن يكتب مكتوبًا بيد المحكوم عليه أن له تحليف المحكوم له إذا بلغ، ثم قال: ولو أن الصبي الذي حكمنا له وألزمناه اليمين بعد بلوغه نكل عنها بعد البلوغ... فالوجه أن يقال: يحلف الدافع على ما ادعاه من البراءة، ويرجع على الصبي بما قبض له.
انتهى 1.
6021 - قول " التنبيه " [ص 256]: (فإذا قدم الغائب أو بلغ الصبي.. فهو على حجته) قال في " الكفاية ": ظاهره أنه على حجته وإن لم يشترط الحاكم ذلك في الحكم، وقال الماوردي: إن القاضي يشترط في حكمه على الغائب أنه جعله على حجته إن كانت له حجة؛ لئلا يقتضي إطلاق حكمه عليه إبطال حجته 2.
6022 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ولو ادعى وكيل - أي: عن غائب - على الغائب.. فلا تحليف) أي: لا يتوقف الحكم بالبينة على يمين الوكيل، بل يعطى المال المدعى به.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه ممنوع وإن إيجاب التحليف هو المعتمد، ثم استشهد بما تقدم قريبًا فيما لو أقام قيم طفل بينة على قيم طفل، وقال: يؤخر مستحق الطفل إلى بلوغه، وتكون المدة طويلة، وتؤدي إلى ضياع حقه، ولا يؤخر حق الغائب الذي يمكن حضوره بعد يوم أو يومين إلى أن يحضر، هذا من العجائب؛ والمعتمد عندنا: أنه لا يقضي هنا على الغائب حتى يحضر المدعى له ويحلف اليمين الواجبة، ثم قال: أطلق قوله: (فلا تحليف)، لكن لو قال الحاضر الذي يدعي عليه الوكيل: أنت تعلم أن موكلك أبرأني فاحلف أنك لا تعلم ذلك.. ففي " أصل الروضة " عن الشيخ أبي حامد: أن له تحليفه على نفي العلم بالإبراء، ومن الأصحاب من خالفه 3، قال الرافعي: ولك أن تقول: مقتضى ما ذكره الشيخ أبو حامد: أن يحلف القاضي وكيل المدعي على الغائب على نفي العلم بالإبراء، وسائر الأسباب المسقطة نيابة عن المدعى عليه فيما يتصور منه لو حضر كما ناب عنه في تحليفه من يدعي لنفسه 4، قال شيخنا: نحن لا نثبت ذلك، ونقطع بأن الوكيل لا يحلفه القاضي التحليف المذكور من جهته؛ لأن المدعى عليه إذا كان حاضرًا.. يستفيد بذلك إسقاط مطالبة الوكيل، وأما يمين الاستظهار.. فمصبّها أن المال ثابت في ذمة الغائب، وهذا لا يتأتى من الوكيل؛ فلم يبق إلا إسقاط يمين الاستظهار على ما ذكره الإمام
ومن تبعه، أو امتناع القضاء على الغائب على ما قررناه، وهو المعتمد؛ لقيام الدليل عليه.
6023 - قوله: (ولو حضر المدعى عليه وقال لوكيل المدعي: " أبرأني موكلك ".. أُمر بالتسليم) 1 فيه أمران:
أحدهما: هذه مسألة مبتدأة ليست من تمام التي قبلها ولا هي في الحقيقة من فروع هذا الباب، وصورتها: أن يكون المدعى عليه حاضرًا وموكل المدعي غائبًا، وهل المراد: الغيبة المعتبرة في القضاء عليه وهي الزائدة على مسافة العدوى، أو مطلق الغيبة عن البلد؛ رجح شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الثاني، وقال: لم أر من تعرض للتصريح به.
ثانيهما: يرد على إطلاق الأمر بالتسليم: ما لو طلب الحاضر من الوكيل الحلف على نفي العلم بأن موكله أبرأه.. فإنه يجاب إليه كما تقدم عن الشيخ أبي حامد، وهو الأصح، وفي معناه: دعواه علمه بأن موكله استوفى أو أنه عزله عن الوكالة، والتحليف فيها هو قياس نظائره في دعواه ما ليس حقًا له، لكن ينفعه في ذلك، والله أعلم.
6024 - قول " المنهاج " [ص 563]: (وإذا ثبت مال على غائب وله مال.. قضاه الحاكم منه) و" الحاوي " [ص 678]: (ووفى من ماله إن حضر) قيده شيخنا في " تصحيح المنهاج " بقيدين:
أحدهما: أن محله: ما إذا لم يجبر الحاضر على دفع مقابله للغائب، فإن أجبر؛ كالزوجة تدعي بصداقها الحال قبل الدخول على الغائب.. فلا يوفيها القاضي من ماله الحاضر؛ لأن الزوج والزوجة يجبران، وقضية إجبارهما امتناع قضاء الصداق من مال الغائب، ومثله لو كان البائع حاضرًا وادعى بالثمن على المشتري الغائب.. فلا تسمع هذه الدعوى؛ لأنه لا يلزم الغائب تسليمه؛ لأن البائع يجبر على التسليم أولًا، وحيث قلنا: يجبران.. فالحكم كما في الزوجين.
ثانيهما: ومحله أيضًا: ما إذا لم يتعلق بالمال الحاضر حق، فإن تعلق به؛ كمالٍ وجد للغائب وهناك بائع له.. لم يقبضه الثمن، وطلب من الحاكم الحجر على المشتري الغائب حيث استحق البائع ذلك؛ فإن القاضي لا يوفي مدعي الدين من المال الحاضر، ويجيب طالب الحجر إلى مدعاه، ولو كان للغائب من تلزمه نفقته من زوجة أو قريب.. قدمت نفقتهما ذلك اليوم على صاحب الدين؛ لأنه إذا قدم ذلك في المحجور عليه بالفلس.. فغير المحجور عليه أولى، فإن كان مرهونًا أو عبدًا جانيًا وهناك فضلة.. فهل للقاضي بطلب صاحب الدين أن يلزم المرتهن والمجني عليه بأخذ مستحقهما بطريقه ليوفي ما بقي من ذلك لمدعي الدين على الغائب، أم ليس له ذلك؟ قال: هذا موضع نظر، والأرجح: إجابة صاحب الدين لذلك، ولم أر من تعرض لشيء من ذلك 2.
6025 - قول " المنهاج " [ص 563]: (وإلا؛ فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب.. أجابه) يقتضي أنه لا يجيبه إذا كان للغائب مال حاضر، وليس كذلك، وجوابه: أن هذا خرج مخرج الغالب في أن صاحب الدين لا يطلب إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب إلا حيث لا يكون له مال حاضر، فلو لم يتعرض للمال الحاضر وطلب الإنهاء مع وجوده.. فله ذلك.
وقد يفهم من تعبير ومن تغيير " التنبيه " بقوله [ص 256]: (إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم) أنه لا بد أن يكون المكتوب إليه معينًا، وليس كذلك، فيجوز أن يكتب إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين، ولو كان لمعين فشهد الشاهدان عند غيره قبل شهادتهما وأمضاه، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 679]: (ويشهد عند كلٍّ وإن لم يعمِّم) ويدل عليه.
قول " التنبيه " بعد ذلك [ص 256]: (أنه لو مات المكتوب إليه أو عزل أو ولي غيره.. حمل الكتاب إليه، وعمل به).
6026 - قول " المنهاج " [ص 563]: (فينهي سماع بينة ليحكم بها ثم يستوفي) فيه نقص؛ فقد لا يكون هناك بينة كاملة، بل شاهد ويمين، وفي هذه الصورة لا بد من ثبوت عدالة الشاهد؛ لأنه لا يحلف المدعي إلا بعد تعديله، وقد يكتب بعلم نفسه كما ذكره السرخسي.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه الأصح المعتمد خلافًا لما في " العدة "، وقد تناول ذلك كله قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن ثبت عنده).
6527 - قوله: (ثم يقول لهما: " اشهدا عليّ أني كتبت إلى فلان بن فلان بما سمعتما) 1 يفهم أنه لو قال بعد القراءة: (هذا كتابي إلى فلان) ولم يسترعهما.. لم يكف 2، وكذا يفهمه قول " المنهاج " [ص 563]: (والإنهاء: أن يشهد عدلين بذلك) و" الحاوي " [ص 678]: (وأشهد رجلين بتفصيله) وقد حكى ذلك في " الكفاية " وجهًا بناء على منع الشهادة على المقر من غير استرعاء، والذي حكاه الرافعي عن " الشامل " أنه يكفي 3، وحكاه في " الكفاية " عن القاضي أبي الطيب.
6028 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ويستحب كتاب به يذكر فيه ما يتميز به المحكوم عليه) كان ينبغي أن يقول: (والمحكوم له) كما فعل " الحاوي " 4، ولو عبرا بالغائب وصاحب الحق.. لكان أولى؛ ليتناول الثبوت المجرد عن الحكم.
6029 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ويشهدان عليه إن أنكر) كلام غير مستقيم؛ لأن
الشاهدين لا يشهدان على الخصم المنكر، وإنما يشهدان بما جرى عند القاضي من الثبوت أو الحكم، فإن قيل: فقد يكون القاضي شخصه لهما.
قلت: فتخرج المسألة عن هذا الباب؛ لأنه ليس حينئذ حكما على غائب، ولم يرد " المنهاج " هذه الصورة؛ فإنه قال عقبه: (فإن قال: " لست المسمى في الكتاب ".. صدق بيمينه) 1.
6035 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وعلى المدعي بينة بأن هذا المكتوب اسمه ونسبه، فإن أقامها فقال: " لست المحكوم عليه ".. لزمه الحكم إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم والصفات) 2 فيه أمران:
أحدهما: محل عدم اللزوم إذا كان له مشارك في الاسم والصفات: ما إذا كان ذلك المشارك حيًا أو ميتًا بعد صدور ما جرى في الكتاب أو قبله وعاصره الحي على الأصح في هذه، فأما إذا لم يعاصره.. فلا إشكال كما جزم به في " أصل الروضة " 3.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أنه لا اعتبار بعدم المعاصرة؛ لأن الدين قد يكون له على ذلك الميت وإن لم يعاصره من جهة معاملة مع مورثه أو غير ذلك مما يمكن، وإنما المدار على أنه إن ظهر في أمر المدعى به ونحوه مما لا يمكن صدوره مع الميت.. فلا إشكال، وإلا.. وقع الإشكال.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: إلزامه الحكم مع إنكاره أنه المحكوم عليه بمجرد قيام البينة بأن هذا المكتوب اسمه ونسبه من معضلات الفقه، وجزم به الأصحاب، ونص عليه الشافعي رضي الله عنه لكنه قال قبل ذلك: (وإن أنكر.. لم يؤخذ به حتى تقوم بينة أنه هو المكتوب عليه بهذا الكتاب) 4، وهو يخالف ما تقدم، قال شيخنا: وعندي أن النصين منزلان على حالين، فمحل كلامه الأول: إذا كان هناك نوع من الالتباس، والثاني: عند عدم الالتباس.
6031 - قول " المنهاج " [ص 563]: (وإلا.. بعث إلى الكاتب ليطلب من الشهود زيادة صفة تميزه ويكتبها ثانيًا) يقتضي الاقتصار على كتابة الصفة المميزة من غير حكم.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو ممنوع، بل لا بد عندنا من حكم مستأنف على الموصوف بالصفة الزائدة المميزة له، ولا يحتاج إلى تحديد دعوى، ولا حلف، وإنما
يحتاج إلى حكم على ما قررناه، ولم أر من تعرض لذلك.
6032 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن مات القاضي الكاتب أو عزل.. حمل الكتاب إليه، وعمل بما فيه) و" الحاوي " [ص 679]: (أو مات) محله: ما إذا لم يكن المكتوب إليه نائبًا عن الكاتب، فإن كان نائبًا عنه وفرعنا على انعزاله بعزله.. لم يعمل به، وهو الأصح، إلا أن يأذن له الإمام في الاستخلاف ويقول له: استخلف عني، ولا يخفى أن الجنون والعمى والخرس كالموت.
6033 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن فسق الكاتب؛ فإن كان فيما ثبت عنده ولم يحكم به.. بطل كتابه) محله كما قال في " الكفاية ": ما إذا كان فسقه قبل عمل المكتوب إليه بما في الكتاب، فإن كان بعده.. لم ينقض، صرح به الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم 1.
6034 - قوله: (فإن حكم عليه فقال: " اكتب إلى الكاتب أنك حكمت عليّ حتى لا يدعى ذلك مرة أخرى ".. فقد قيل: يلزمه، وقيل: لا يلزمه) 2 الأصح: الثاني.
6035 - قوله: (إلا إذا ادعى عليه ذلك مرة أخرى) 3 قال في " الكفاية ": هذه الزيادة لم أرها لغير الشيخ، والفقه يقتضيها.
6036 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ولو حضر قاضي بلد الغائب ببلد الحاكم فشافهه بحكمه.. ففي إمضائه إذا عاد إلى ولايته خلاف القضاء بالعلم) أي: إن قلنا به.. جاز هذا، وعليه مشى " الحاوي " 4، وإن قلنا: لا يجوز.. امتنع.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا هو الموجود في التصانيف، وفي " الروضة " تبعا "للشرح " إثبات وجهين في جواز ذلك هنا تفريعًا على منع القضاء بالعلم 5، وتبعًا فيه " الوسيط " 6، وهو غير ممكن، وفي " المطلب ": أنه لا يكاد يوجد في كلام غير " الوسيط "، ثم قرره بأن علة منع القضاء بالعلم التهمة، وإذا كان القاضي منفذًا لحكم غيره.. انتفت التهمة؛ إذ يمكنه أن يقول عند السؤال عن السبب: حكم به قاض من قضاة المسلمين، ولا يشترط تعيينه، ولا إظهار الإشهاد عليه به، كما أنه يحكم بالبينة اتفاقًا، ولا يلزمه أن يذكر السبب، ثم قال: وأيضًا: فالمحكوم به هنا بالعلم الاستيفاء، والاستيفاء لا يعتبر فيه ما يعتبر في الحكم؛ ألا ترى أنه
يجوز أن يفوض إلى الوالي في محل الولاية وإن لم يصلح للقضاء، قال شيخنا: وما ذكره صاحب " المطلب " من التقرير مردود؛ لأن اتصال ذلك الحكم به إذا كان من جهة علمه.. فلا يمكن أن يقال بجواز القضاء به مع منع القضاء بالعلم، قال: والجواب الثاني مردود؛ فإن الوالي المستوفي الذي لا يصلح للقضاء يجوز للقاضي على ما قضى به، فالصادر منه مجرد استيفاء بمقتضى شوكته، وليس قضاء، بخلاف القاضي الذي يحكم بما صدر من القاضي.
وفي " المهمات ": هذا الخلاف لا وجه له، ولا نعلم أيضًا من حكاه، بل الذي وقفنا عليه في كتبهم الجزم بالمنع، وعبارة " الوسيط ": وإن لم نجوز القضاء بالعلم.. فقد أطلق بعض الأصحاب جوازه، وقال الإمام: لا يجوز 1، ومراده بذلك: أن بعض الأصحاب أطلق جوازه من غير تقييد بجواز القضاء بالعلم، والإمام نزل هذا المطلق على ما إذا جوزنا القضاء بالعلم؛ ويؤيده أن أصول " الوسيط " وهي " تعليقة القاضي حسين " و" النهاية " و" البسيط " ذكروه كذلك، ولم يحك أحد منهم خلافا.
انتهى.
على أن شيخنا في " تصحيح المنهاج " أنكر هذا التخريج من أصله، وقال: إنه ليس بمعتمد وإن جزموا به؛ فإن القاضي في غير محل ولايته كالمعزول، وإذا سمع المعزول أو من لم يل الحكم من حاكم: أني حكمت بكذا.. فهو شاهد على الحاكم، وذاك لا يحصل به العلم المجوز للقضاء، وإنما يسوغ له أن يشهد على حكم الحاكم، وفي " الروضة " تبعًا " للشرح " قبيل القضاء على الغائب: أنه لو سأل القاضي عن الشهود في غير محل ولايته، فعدلوا، ثم عاد إلى محل ولايته.. قال ابن القاص: له الحكم بشهادتهم إن جوزنا القضاء بالعلم، وخالفه أبو عاصم وآخرون، وقالوا: القياس منعه كما لو سمع البينة خارج ولايته 2.
6037 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ولو ناداه في طرفي ولايتهما.. أمضاه) أي: يتخرج على القضاء بالعلم.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا عندنا ممنوع، بل هذا أولى بتخريجه على القضاء بالعلم؛ لأنه لم تكمل فيه ولاية كل منهما في الموضعين؛ فالمتكلم ليس حاكمًا في موضع ولاية السامع وسامعه ليس حاكمًا في محل ولاية المتكلم؛ فالحاصل للحاكم السامع مجرد علم، قال: ولنا أن نمنع التخريج في هذه أيضًا؛ لأن المستند لم يسمعه ممن هو في محل ولايته، فأشبه ما لو شهد الشهود وهم في غير ولايته وهو في طرف ولايته سامع لما شهدوا به.
6038 - قول " الحاوي " [ص 679]: (ولسماع شهادةٍ ذَكَرَ الشهود والتعديل) يقتضي أنه
لا يكفي الاقتصار على ذكر عدالتهم من غير تسميتهم، وبه قال الإمام والغزالي 1، قال الرافعي: والقياس: التجويز؛ كما أنه إذا حكم.. استغنى عن تسمية الشهود، قال: وهذا هو المفهوم من إيراد صاحب " التهذيب " وغيره 2، وفي " المحرر ": إنه الأشبه 3، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 564]: (ويسميها إن لم يعدلها، وإلا.. فالأصح: جواز ترك التسمية).
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأصح: منع ترك التسمية؛ فقد نقله الإمام عن إجماع الأصحاب، وهو مقتضى نص " الأم " حيث قال: (كتاب القاضي كتابان: أحدهما: كتاب يئبت، فهذا يستأنف المكتوب إليه به الحكم) 4 ومقتضى استئناف الحكم: النظر في أمر الشهود؛ ليجري الحال فيهم على عقيدته.
وفي " المهمات " عن " البحر ": أن التجويز ضعيف، قال في " أصل الروضة ": وهل يأخذ المكتوب إليه بتعديل الكاتب أم له البحث وإعادة التعديل؟ لفظ الغزالي يقتضي الثاني، والقياس: الأول، قال النووي: هذا الذي جعله القياس هو الصواب 5.
وظاهر كلامه أن ذلك يتعلق بالمسألتين معًا، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضى نص " الأم " في أن المكتوب إليه يستأنف الحكم، وما نقله الإمام عن إجماع الأصحاب يقتضي أنه ليس على المكتوب إليه بالتثبيت الأخذ بتعديل القاضي الكاتب، وهو المعتمد؛ لأنه قد يكون للمكتوب إليه رأي في الشهود يخالف رأي الكاتب، والكاتب لم يحكم؛ فلا ينسد على المكتوب إليه النظر في تخريجهم وتمكين الخصم من ذلك.
6039 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن ثبت عنده ولم يحكم، فسأله المدعي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم بما ثبت عنده ليحكم عليه.. نظر: فإن كان بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. لم يكتب) الأصح: أنه يكتب إذا كانت فوق مسافة العدوى وإن لم يبلغ مسافة القصر، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 679]: (وقُبل فوق العدوى) و" المنهاج " فقال [ص 564]: (وبسماع البينة لا يقبل على الصحيح إلا في مسافة قبول شهادة على شهادة) وقد رجح في قبول الشهادة على الشهادة اعتبار مسافة العدوى.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل الخلاف: ما إذا سمع البينة وأثبت ما قامت به، فأما لو سمع البينة ولم يثبت ما قامت به.. فلا يقبل إلا في مسافة تقبل فيها شهادة على شهادة بلا
خلاف، وفي " المطلب " ما يخالف هذا فقال: الخلاف في أن ذلك نقل أو حكم بقيام البينة جاز فيما لو كتب بالسماع دون التعديل، ولا يكاد يعقل عندنا إسناد حكم إلى من لم تثبت عدالته؛ فدل على أن المراد بكونه حكمًا: الحكم بأن البينة تلفظت بالشهادة التلفظ المعتبر بعد تقدم شروط ذلك من الدعوى المحررة، والإنكار، وطلب الشهادة ونحو ذلك، وهذا يقتضي إثبات الخلاف في اعتبار المسافة حينئذ؛ كما لو سمع البينة وأثبت، لكن قال شيخنا: هذا الذي في " المطلب " خطأ لم يقل به أحد من الأصحاب، قال شيخنا: وقول " المنهاج ": (على الصحيح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل ما قال إنه الصحيح بالقيد الذي قدمناه نص عليه في " الأم " فقال في آخر ترجمة كتاب القاضي إلى القاضي: (وإذا كان بلد به قاضيان كبغداد، فكتب أحدهما إلى الآخر بما قامت عنده من البينة.. لم ينبغ له أن يقبلها حتى تعاد عليه، إنما يقبل في البلد الثانية التي لا يكلف أهلها إتيانه) (1).
فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]
6040 - قول " المنهاج " [ص 564]: (ادعى عينًا غائبة عن البلد يؤمن اشتباهها كعقارٍ وعبدٍ وفرسٍ معروفاتٍ.. سمع بينته وحكم بها) قال شيخنا ابن النقيب: في " المحرر " و" الروضة ": (معروفين)، وهو أحسن تغليبًا للعاقل 2.
وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن الذي في " المحرر " و" الروضة ": (معروفين) بالتثنية، قال: فلم يعتبر المعرفة إلا في العبد والفرس، وهو الذي يوجد للأصحاب، وعبارة " المنهاج تقتضي اعتبار كون العقار معروفًا، وليس كذلك.
قلت: ويوافق ذلك قول " الحاوي " [ص 679]: (وفي غائب يُعْرَفَ أو يُعَرَّف بالحد) فلم يطلق المعرفة إلا في غير العقار، وقيدها فيه بالحد، وقد يقال: أراد ثانيًا: العقار الذي لا يعرف إلا بالحد، ودخل في عبارته أولًا: العقار الغائب الذي يعرف بدون حد.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": استثناء المعروف من ذلك ذكره ابن سريج من تخريجه، وجعله الماوردي وجهًا، وفي " تعليق البندنيجي " و " الشامل " ومن وافقهما من العراقيين القطع به، وكلام الشافعي مطلق، وتقييد ابن سريج له قوة، والأخذ بإطلاق الشافعي أحوط.
6041 - قول " المنهاج " [ص 564]: (ويعتمد في العقار حدوده) أي: الأربعة، وهو مراد1
" الحاوي " بالحد 1، فأتى باسم الجنس المعرف؛ ليتناول كل حد، ولا يجوز الاقتصار على ثلاثة، كذا جزم به في " الشرح الصغير " و" الروضة " هنا 2، وحكاه في " الكبير " عن ابن القاص 3، ونقل في آخر الأقضية عن " فتاوى القفال " وغيره: الاكتفاء بالثلاثة إن عرفت بها، ويعتمد في العقار أيضًا ذكر البقعة والسكة، قاله في " أصل الروضة " 4.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لا بد أن يستقصي فيه الصفات المحصلة للعلم به عند عدم مشاهدته؛ فيذكر في الدار البلد والمحلة والسكة، وهل هي أولها أو وسطها أو آخرها، يمنة أو يسرة أو في الصدر، ويذكر في الجدار من الدار إذا كان هو المستحق فقط سمته وطوله وعرضه، وأنه على يمين الداخل أو يساره، وحدود الدار التي فيها بعد ذكر البلد والمحلة ونحو ذلك، وإن كان المدعى به أشجارًا في بستان.. ذكر حدود البستان، وعدة الأشجار، ومحلها من البستان، وما تتميز به عن غيرها، والدار على التمييز.
انتهى.
6042 - قول " التنبيه " [ص 261]: (وإن كان عينًا يمكن تعيينها كالدار والعين الحاضرة عنها) قال في " الكفاية ": قد يتوهم أن المراد بتعيين الدار: أن يحضر الحاكم عند الدعوى، وليس كذلك، بل المراد: أن يبالغ في وصفها.
6043 - قوله: (وإن لم يمكن تعيينها.. ذكر صفاتها) 5 أي: المعتبرة في السلم، كذا في " أصل الروضة " هنا 6، وفي " الكفاية " عن الماوردي والإمام: أنه يجب في المتقوم استقصاء الأوصاف 7.
6044 - قوله: (وإن ذكر القيمة.. فهو آكد) 8 و" المنهاج " [ص 564]: (ويبالغ المدعي في الوصف ويذكر القيمة) اضطرب فيه كلام الرافعي والنووي، فصححا في الدعاوى: أنه لا يشترط ذكر القيمة، بل يكفي ذكر صفات السلم، وظاهر كلامهما وتمثيلهما استواء المثلي والمتقوم؛ فإنهما مثلا بالحبوب والحيوان 9، وقالا هنا في العين الغائبة عن البلد: أنه بعد ذكر الجنس والنوع
هل يجب ذكر صفات السلم أو القيمة ويكفي عن ذكر الصفات؛ قولان، وصححوا أن الركن في المثلي الصفات، والقيمة ندب، وفي المتقوم بالعكس 1.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا التفصيل لا نرتضيه، والمعتمد عندنا أنه لا حاجة إلى ذكر القيمة كما هو المصحح في الدعاوى، قال: وهذا الكلام في غير النقد، فأما النقد.. فإنه يعتبر فيه ذكر الجنس والنوع والقدر، وكونه صحاحًا أو مكسرًا.
6045 - قول " الحاوي " [ص 679]: (ويسمع البينة في متميزٍ بعلامةٍ) تبع فيه الإمام والغزالي؛ حيث فصلا فيما يسمع فيه البينة بين ما يتميز وغيره كالكرباس 2، والأصح: السماع مطلقًا؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 564]: (أو لا يؤمن.. فالأظهر: سماع البينة، وأنه لا يحكم بها) وفيه أمران:
أحدهما: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": القول بسماع البينة والتثبيت دون الحكم ضعيف، لم أجد ترجيحه لأحد، والمذهب المعتمد: أنه لا يحكم ولا تسمع البينة.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: يتقيد عندي محل الخلاف بقيدين:
أحدهما: أن محله: ما إذا لم يعلم القاضي العين التي شهد بها الشهود، فإن علم؛ بأن كانت العين الغائبة مما هو تحت نظره من ضالة أو من مال محجوره.. فيحكم بالبينة، ولا يتخرج على جواز القضاء بالعلم؛ لأن البينة قائمة دافعة للتهمة.
القيد الثاني: أن تشهد بملك العين من غير شهادة على إقرار المستولي عليها، فإن شهدت على إقراره بذلك.. حكم جزمًا، فإن أنكر عند المكتوب إليه اشتمال يده على عين بتلك الصفة.. لم يسمع منه، بل لا بد من تسليم العين أو غرم بدلها.
6046 - قول " المنهاج " [ص 564]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 679]: (بل يكتب إلى قاضي بلد المال بما شهدت به، فيأخذه ويبعثه إلى الكاتب ليشهدوا على عينه، والأظهر: أنه يسلمه إلى المدعي بكفيل ببدنه) فيه أمور:
أحدها: فرع هذا الكلام في " المحرر " على قولنا: إنه لا يحكم 3، والذي في " الروضة ": أنه يكتب بما جرى عنده من مجرد قيام البينة أو مع الحكم إن جوزناه 4.
ثانيها: محل بعثه: ما إذا لم يبد الخصم دافعًا، فإن أبداه؛ بأن أظهر هناك عينًا أخرى بالاسم
والصفات المذكورة بيده أو بيد غيره.. صار القضاء مبهمًا، ولا مطالبة في الحال كما سبق في المحكوم عليه.
ثالثها: لا يخفى أن هذا تفريع على أنه لا يحكم، أما إذا حكم وجوزناه.. حلف المدعي أن هذا المال هو الذي شهد به شهوده عند القاضي فلان، وسلم إليه، قاله ابن القاص.
رابعها: محل هذا: في غير الجارية، أما الجارية.. فقيل: كالعبد، وقيل: لا يبعث أصلًا، وقيل: يسلم إلى أمين في الرفقة لا إلى المدعي، قال الرافعي: وهذا حسن 1، وقال النووي: هذا الثالث هو الصحيح أو الصواب 2.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الذي ذكره ابن أبي ليلى: أنها تسلم للمدعي، ويضم إليه أمين ثقة محتاط به، وهذا هو الأرجح على هذا القول الضعيف.
خامسها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن هذا ليس مذهب الشافعي، وإنما هو مذهب ابن أبي ليلى وقد حكاه الشافعي عن بعض الحكام، ورده، وقال: هذا استحسان، وحكم بأن القياس: أن لا يحكم حتى يشهد الشهود على العين، فكيف يتخرج في مذهبه وقد أبطله، وأعجب من ذلك أن يجعل مذهبه المعتمد في الفتوى.
6047 - قول " المنهاج " [ص 564]: (فإن شهدوا بعينه.. كتب ببراءة الكفيل، وإلا.. فعلى المدعي مؤنة الرد) كذا يجب عليه مؤنة الإحضار أيضًا، وقد صرح بذلك في " أصل الروضة " 3، وتناوله قول " الحاوي " [ص 680]: (وإن أحضره.. غرم مؤنته إن لم يثبت)، وقد ذكره " المنهاج " في آخر الفصل في العين الغائبة في البلد 4، ثم قال العراقيون والبغوي وغيرهم: يلزمه مع مؤنه النقل أجرة المثل للمدة التي نقل فيها إلى بلد الكاتب، ولم يتعرضوا لذلك في مدة تعطيل المنفعة إذا أحضره المدعى عليه وهو في البلد؛ فاقتضى سكوتهم المسامحة، وبها صرح الغزالي، والفرق زيادة الضرر هناك، كذا في " أصل الروضة " 5، وهو يوهم أن الغزالي فصل بين إحضاره من البلد وغيره، وليس كذلك، بل أطلق أن الأجرة لا تجب، فقال الرافعي: ينبغي أن يحمل على الغائب عن المجلس دون البلد؛ حتى يوافق كلام الأصحاب 6.
6048 - قول " الحاوي " [ص 679، 680]: (وطولب بإحضار ما ثم إن سَهُلَ) أحسن من قول