أيضاً، وقد اندرجت جميع الصور في قوله أولاً: (ولو شرط وصفاً يُقْصَد) 1، وعبارة "الحاوي" [ص 268]: (ووصف مقصودٍ كالحامل)، وهي حسنة؛ لعمومها قاعدة ومثالاً.
1759 - قول "المنهاج" [ص 216]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 268]: (ولو قال: "بعتكها وحملها".. بطل في الأصح) كذا في "الروضة" بالواو، وقال: لو قال: (بعتك الجبة بحشوها) بالباء.. فقيل: على الخلاف، وقيل: يصح قطعاً، وصحح القطع بالصحة في "شرح المهذب" لأن الحشو داخل في مسمى الجبة، فذكره تأكيد 2.
وقال السبكي: استقرَّ رأي على الفرق بين الواو والباء، فمع الواو يبطل مثل: وحملها وحشوها وأساسها، ومع الباء يصح مثل: بحملها وحشوها وأساسها، واللغة تقتضيه، وكلام الشافعي والأصحاب لا يخالفه إلا في الأساس؛ فلعل قائله لم يحرر العبارة.
وقال شيخنا الإمام جمال الدين: الصحة في مع والباء أظهر منها في الواو؛ لأنهما للحال؛ أي: كائنة بحملها، أو مع حملها، فهو وصف محض، بخلاف الواو؛ فإنها ظاهرة في التغاير.
1760 - قولهم: (لا يصح بيع الحامل بِحُرٍّ) 3 استشكل مع تصحيح جواز بيع الدار المستأجرة؛ لأنه يدل على أن المستثنى شرعاً ليس كالمستثنى شرطاً، بل هو كالمعدوم.
1761 - قول "المنهاج" [ص 216]: (ولو باع حاملاً مطلقاً.. دخل الحمل في البيع) محله: إذا كان مملوكاً لمالك الأم، وإلا.. بطل البيع، ومحله أيضاً: إذا بيعت باختيار المالك، فلو بيعت في حق المرتهن بغير اختياره.. ففي دخوله قولان.
1762 - قول "التنبيه" [ص 89، 90]: (ولو باع شاة إلا يدها.. بطل)، قال في "الكفاية": هذا إذا كانت حية، فإن كانت مُذَكَّاةَ والقطع معلوماً؛ كالأكارع.. جاز.
بابُ بيع الحاضر للبادي وتلقّي الرّكبان, والبيع على البيع والنّجش وغيرها
1763 - قول "المنهاج" [ص 216]: (ومن المنهِيِّ عنه ما لا يبطل) قال السبكي: ضُبط بضم الياء، فتكون الطاء مفتوحة، والضمير في (رجوعه) للنهي المفهوم من المنهي، وأما كسرها: فإنما يصح أن لو قال: من المناهي، فيكون أحسن؛ ليندرج فيه ما لا يوصف ببطلان ولا بعدمه؛ كتلقي الركبان ونحوه، ولو قرئ بضمها مع فتح الياء.. لصح، والضمير بحاله.
انتهى.
1764 - قوله: (كبيع حاضرٍ لبادٍ؛ بأن يَقْدَمَ غريبٌ بمتاعٍ تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلديٌّ: "اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى") 1 فيه أمران:
أحدهما: قوله: (غريب) مثال جرى فيه على الغالب؛ ولهذا عبر "التنبيه" بقوله [ص 96]: (رجل).
ثانيهما: قوله: (تعم الحاجة إليه) اقتصر في "التنبيه" على قوله [ص 96]: (يحتاج إليها)، وعموم الحاجة قدر زائد على مطلق الحاجة، وحكى في "المطلب" في ذلك وجهين، وقال: إن ظاهر النص أنه لا فرق بين أن تعم الحاجة أم لا.
وقال السبكي: لم يتعرض لعمومها إلا القاضي حسين والبغوي والرافعي، ويحتاج إلى دليل، والذي ذكره غيرهم: احتياج الناس إليه 2.
وعبر "الحاوي" بقوله [ص 268، 269]: (والتربص بسلعة البادي لرفع الثمن) فلم يعتبر الحاجة إلى تلك السلعة، ولا شك في اعتباره، فلو كان عدم الاحتياج إليها لقلتها وكبر البلد، أو لوجودها ورخصها، أو لعدم الاحتياج إليها في الحال.. ففي التحريم وجهان، أوفقهما للحديث: التحريم، وعبارة "الحاوي" تتناول تربص البادي نفسه؛ فإنه لم يقيد التربص بكونه من الحاضر، ولا شك في جواز الأول، بل لو قصد البادي التربص به، فسأله الحاضر تفويضه إليه.. جاز، إلا على احتمال لابن خيران، ولو ابتدأه البدوي بذلك.. فلا تحريم، ولو استرشده.. فهل يرشده إلى الادخار؟ فيه خلاف.
1765 - قول "التنبيه" [ص 96]: (وَيَحْرُم تَلَقي الركبان؛ وهو أن يتلقى القافلة ويخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم) فيه أمور:
أحدها: مقتضى كلامه وكلام "المنهاج" 3: أنه لوخرج لشغل آخر من اصطياد وغيره،
فاشترى منهم.. لم يحرم، والأصح: خلافه.
ثانيها: تعبيره بالقافلة وتعبير "المنهاج": بـ (طائفة) 1 مثال؛ فالواحد كذلك؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 269]: (وشراء متاع غريبٍ) فلم يعتبر التلقي ولا الجمع.
ثالثها: إخبارهم بكساد ما معهم ليس شرطاً؛ ولذلك لم يذكره "المنهاج" و"الحاوي".
رابعها: ظاهر تعبيره بالتلقي أنه لا بد من الخروج عن البلد، وعليه يدل قول "المنهاج" [ص 217]: (قبل قدومهم) ولذا قال الأصحاب: إنما يثبت الخيار إذا كان التلقي خارج البلد، فلو تلقاهم في البلد قبل دخولهم السوق.. فلا خيار.
قال السبكي: ولم يتعرضوا للتحريم ولا لعدمه، لكن جماعة من أهل الفقه والحديث - منهم ابن المنذر - قالوا: (لا يجوز التلقي خارج السوق، ولا بأس به في أول السوق) انتهى 2.
واقتصر "الحاوي" على قوله [ص 269]: (وشراء متاع غريبٍ لم يعرف السعر) ومقتضاه: ثبوت التحريم والخيار ولو كان بعد دخول السوق؛ متى كان صاحب المتاع غريباً لم يعرف السعر، قال السبكي: فإن كان ظاهره مراداً.. فيحتاج إلى سلف له فيه.
خامسها: لم يصرح "التنبيه" بالمقصود - وهو الشراء - مع ذلك؛ لفهمه من السياق، والمراد: ليغبنهم فيما اشتراه منهم.
1766 - قوله: (فإن قدموا، وبان لهم الغبن.. كان لهم الخيار) 3 مقتضاه: أنه لا يثبت الخيار إذا تبين لهم الغبن من غير قدومهم، والظاهر: خلافه؛ ولذلك اقتصر "المنهاج" و"الحاوي" على معرفة الغبن 4، وعبارتهم شاملة لما إذا لم يعرفوا الغبن حتى رخص السعر، وصار كما أخبرهم به، وفيه وجهان حكاهما الماوردي منشؤهما اعتبار الابتداء والانتهاء 5.
1767 - قوله: (وإن لم يغبنهم.. فقد قيل: يثبت لهم الخيار، وقيل: لا يثبت) 6 الثاني هو الأصح، وهو مفهوم "المنهاج" و"الحاوي" 7.
1768 - قول "التنبيه" [ص 96]: (ويحرم أن يدخل على سوم أخيه، ويحرم أن يبيع على بيع أخيه) تبرك بلفظ الحديث في التعبير بالأخ، لكن المشهور: أن الذمي كالمسلم في السوم، وفي
معناه: البيع والشراء؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 217]: (غيره) ويوافقه قول "التنبيه" في تفسير البيع: (وهو أن يقول لمن اشترى) 1 وفي تفسير السوم: (وهو أن يجيء إلى رجل أنعم لغيره في سلعة) 2، فجمع بين التبرّك بلفظ الخبر، والتنبيه على أن حكم غير المسلم كحكمه، فعد ذلك من محاسنه.
1769 - قوله: (وهو أن يجيء إلى رجل أنعم لغيره في سلعة بثمن، فيزيده ليبيع منه) 3 في معناه: أن يقول للمستام: أبيعك مثله بأقل أو أجود منه بمثل الثمن، ولا يخفى أن ذكر الرجل مثال.
1770 - قوله في تفسير البيع على البيع: (وهو أن يقول لمن اشتري شيئاً بشرط الخيار: افسخ البيع؛ فإني أبيعك مثله بأقل من هذا الثمن) 4 فيه أمور:
أحدها: لو قال: (في الخيار).. لكان أحسن؛ ليتناول خيار المجلس؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 217]: (قبل لزومه) لكن لو اطلع بعد اللزوم على عيب، ولم يكن التأخير مضراً؛ بأن كان في ليل.. فقال شيخنا الإمام جمال الدين: المتجه: التحريم وإن كان بعد اللزوم.
انتهى.
والظاهر: أن "المنهاج" إنما أراد: حالة جوازه سواء كانت مسبوقة بلزوم أم لا، ولم يتعرض "الحاوي" لذكر ذلك، وكأنه لوضوح أنه إنما يحصل به الضرر في حالة جواز العقد دون لزومه.
ثانيها: في معنى ما ذكره قوله: (أبيعك أجود منه بمثل الثمن)، أو يقول للبائع: (افسخ لأشتريه منك بأزيد)، وعبارة "المنهاج" كـ"التنبيه" إلا أنه لم يقل: (بأقل من هذا الثمن).
ثالثها: عبر "المنهاج" و"التنبيه" بصيغة الأمر، قال السبكي: وليس الأمر شرطاً، والذي قاله الأكثرون: أن يعرض عليه سلعة مثلها بأرخص أو أجود منها بمثل الثمن، بل نص في "اختلاف الحديث" على أنه نُهي أن يبيعه في المجلس سلعة مثلها؛ خشية أن يرد الأولى 5، وقال الماوردي: يحرم أن يطلب السلعة من المشتري بزيادة بحضور البائع 6.
رابعها: أطلق الثلاثة المسألة، وشرط ابن كج: ألاَّ يكون المشتري مغبوناً غبناً مفرطاً، فإن كان.. جاز تعريفه وبيعه نصحاً له، قال النووي: وهو منفرد به؛ فالمختار: خلافه؛ لإطلاق الحديث 7.
خامسها: قد ظهر بتفسيرهم البيع على البيع والشراء على الشراء: أن ذلك ليس بيعا ولا شراءً، وإنما هو تسبب إليهما، فيحرم لذلك، أو لكونه إفساداً للعقد الأول، قال شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: وهل شرط التحريم تحقيق ما وعد به من البيع والشراء؟ يظهر اشتراطه على التعليل الأول دون الثاني (1).
سادسها: قال السبكي: يشترط أن يكون قاصداً أن يبيعه عند أمره بالفسخ، فلو أمره، وليس مقصوده أن يبيعه شيئاً.. فهو كالناجش.
سابعها: يستثنى من كلامهم: ما إذا أذن له البائع الأول؛ فإنه يرتفع التحريم في الأصح.
1771 - قول "المنهاج" [ص 217]: (والنجش؛ بأن يزيد في الثمن لا لرغبةٍ بل ليخدع غيره) انتفاء الرغبة وخداع غيره متلازمان، فالجمع بينهما تأكيد؛ ولذلك اقتصر "الحاوي" على الأول، و"التنبيه" على الثاني (2)، وقيد في "الكفاية" الزيادة في الثمن بقوله: أي: عما تساويه العين، ومقتضاه: أنه لو زاد عند نقص القيمة ولا رغبة له.. جاز، وكلام غيره يخالفه.
1772 - قول "المنهاج" [ص 217]: (والأصح: أنه لا خيار) محلهما: عند مواطأة البائع للناجش، وإلا.. فلا خيار قطعاً.
تَنْبيِهٌ [الجهل بتحريم النجش لا يسقط الإثم]
قال الرافعي: أطلق الشافعي - أي: في "المختصر" - القول بتحريم النجش، وشرط في البيع على بيع غيره: أن يعلم النهي عنه، وفرقوا؛ بأن النجش خديعة، وتحريمها معلوم من الألفاظ العامة وإن لم يعلم هذا الحديث، بخلاف غيره لا يعرف تحريمه إلا من هذا الخبر، قال الرافعي: والبيع على بيع غيره إضرار أيضاً، وتحريم الإضرار معلوم، قال: والوجه تخصيص التعصية بمن عرف التحريم بعموم أو خصوص 3. وما بحثه الرافعي قد نص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث"، فقال: (من نجش.. فهو عاص بالنجش إن كان عالماً بنهي النبي صلى الله عليه وسلم) 4، وصرح باشتراط ذلك القاضي أبو الطيب في "تعليقه".12
قال السبكي: والنزاع إنما هو في العلم بالنهي الخاص، أما العلم بالتحريم.. فلا بد من اشتراطه في الإثم عند الله قطعاً، وأما في الحكم الظاهر للقضاة: فما اشتهر تحريمه.. لا يحتاج فيه إلى الاعتراف بالعلم، بخلاف الخفي.
انتهى.
1773 - قول "المنهاج" [ص 217]: (وبيع الرُّطَب والعنب لعاصر الخمر) فيه أمور: أحدها: قال السبكي: لا أستحضر فيه نهياً خاصاً، لكن روى الترمذي: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها... الحديث) 1 وجه الاحتجاج: أن العاصر كالبائع في أن كلاً منهما معين على معصية مظنونة.
قلت: ورد في حديث ضعيف رواه ابن حبان في "الضعفاء" عن بريدة مرفوعاً: "من حبس العنب زمن القطاف حتى يبيعه ممن يعلم أنه يتخذه خمراً.. فقد أقدم على النار على بصيرة"، قال الذهبي: إنه موضوع 2.
ثانيها: كونه منهياً عنه محتمل للتحريم والكراهة؛ لصدقه بكل منهما، لكن ظاهره التحريم، ولا سيما وقد عطفه على أمور كلها محرمة، واقتصر "التنبيه" على الكراهة فقال [ص 90]: (وإن باع العصير ممن يتخذ الخمر.. كره)، ويمكن حمل كلام "التنبيه" على ما إذا توهم ذلك، وكلام "المنهاج" على ما إذا تحققه، وقد صحح في "الروضة" في صورة التحقق: التحريم 3، لكن في "التتمة" و"البحر" حكاية الكراهة عن الأكثرين، وحكي عن النص 4، قال في "المطلب": والمراد بالتحقق هنا: غلبة الظن.
ثالثها: جزم الأصحاب بصحة البيع ولو قلنا بالتحريم، قال السبكي: والماخذ يقتضي أن تسليمه إليهم حرام، وذلك يقتضي فساد البيع.
رابعها: الرطب والعنب مثالان، فبيع الحنطة والشعير لمن يتخذهما مزراً أو الخبز ونحوه مثل ذلك.
خامسها: لليتيم عصير أو سيف وأراد الولي بيعه، وهناك اثنان بذل أحدهما أكثر من صاحبه، لكن يقصد جعله خمراً أو آلة للقتل المحرم.. فهل يبيع منه، أو من باذل الأقل؟ فيه احتمالان للروباني 5.
1774 - قول "التنبيه" [ص 90]: (أو السلاح ممن يعصي الله به) أي: كره، قد يخالفه قول "المنهاج" [ص 211]: (ولا يصح شراء الحربي سلاحاً) لكن بين الصورتين عموم وخصوص من وجه؛ فإن العاصي به قد يكون حربياً وقد يكون غيره، والحربي قد يعصى به وقد لا، وفي "أصل الروضة": وبيع السلاح للبغاة وقطاع الطريق مكروه، ولكنه يصح 1، وفي "شرح المهذب": إن تحقق فعل الحرام.. فوجهان، أصحهما: التحريم 2، وهو موافق لما تقدم في بيع العنب للعاصر.
1775 - قول "التنبيه" [ص 90]: (أو باع ماله ممن أكثر ماله حرام.. كره) أي: إذا لم يتحقق أن الثمن حرام، والكراهة ثابتة ولو كان الأقل الحرام، وعبارة "أصل الروضة": وتكره مبايعة من اشتملت يده على حلال وحرام سواء كان الحلال أكثر أو بالعكس، فلو بايعه.. صح.
انتهى 3.
ولعله إنما قيد بكون الحرام أكثر؛ ليصرح بمخالفة شيخه أبي حامد؛ فإنه ذهب في هذه الصورة إلى التحريم، وكذا قاله الغزالي في "الإحياء" كما حكاه في "شرح المهذب"، وضعفه، وقال: هذا شاذ مردود، وليس من مذهبنا، وإنما حكاه أصحابنا عن الأبهري المالكي.
انتهى 4.
1776 - قوله: (وإن فرق بين الجارية وولدها قبل سبع سنين.. بطل البيع) 5 إنما ذكر السبع؛ لأنها مظنة التمييز، والضابط: التمييز؛ ولذلك عبر به "المنهاج" و"الحاوي" 6، وعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بالصواب 7، فاقتضى أن مقابله خطأ، لكن عبارة الرافعي والنووي في "شرح المهذب": إلى سن التمييز، وهو سبع أو ثمان تقريباً 8، ومقتضاه: الضبط بالسن كما في "التنبيه".
قال النشائي: والعبارتان - أعني: السن والتمييز - متقاربتان؛ لغلبة تلازمهما.
انتهى 9.
قلت: أما التمييز: فلا بد من اعتباره ولو تأخر عن السبع أو الثمان، والكلام إنما هو في الاكتفاء به إذا تقدم على السبع، وحاصل ذلك أن من عَبّر بالتمييز.. اعتبره خاصة، ومن عبر بالسبع.. اعتبر الأمرين معاً، والله أعلم.
وزاد "المنهاج" التصريح بتحريم التفريق، فقال [ص 217]: (ويحرم التفريق بين الأم والولد حتى يُمَيِّز، وفي قولٍ: حتى يبلغ، وإذا فُرِّق ببيعٍ أو هبةٍ.. بطلا في الأظهر)، لكن في عبارته أشياء:
أحدها: أن مقتضاها: تحريم التفريق مطلقاً، واختصاص البطلان بما إذا كان ببيع أو هبة، والمنقول: أنه لا يحرم التفريق بالعتق، وكذا بالوصية على المذهب، وقد ذكرهما "الحاوي" 1، وفي الرد بالعيب خلاف، الأصح: منعه، وصحح ابن الرفعة: جوازه، وجوز صاحب "التنبيه" في كتابه المسمى "بالنكت والعيون" في الخلاف: جوازه بالفسخ، حكاه عنه في "الروضة" تبعاً لأصله، وأقره 2، واستبعده السبكي.
وفي "المطلب": المشهور: منع التفريق بالتقايل 3، وعن "فتاوى الغزالي": أن التفرقة بالسفر كالتفرقة بالبيع 4، واقتصر "التنبيه" على حكم التفرقة بالبيع، وضم "المنهاج" و"الحاوي" إليه الهبة، وزاد "الحاوي" القسمة، واعترض عليه: بأن منع التفريق بالقسمة مفرع على أنها بيع، فعلى القول بأنها إقرار.. يجوز قولاً واحداً، ذكره ابن داوود، فهي حينئذ داخلة في البيع، فلا حاجة لعطفها عليه، والعذر له: أنها في الصورة، واللفظ غير البيع، وإن كانت بيعاً حكماً.
الشيء الثاني: في كلام "المنهاج" إتيانه بضمير التثنية في قوله: (بطلا) مع العطف بـ (أو)، والصواب: الإفراد؛ لأن (أو) لأحد الشيئين، وقد وقع له هذا في مواضع.
الثالث: تعبيره بالأظهر يقتضي أن الخلاف قولان، وهو الصواب، لكن في "المحرر" وجهان 5.
الرابع: محل القولين: بعد سقيه اللبأ 6، قاله أبو الفرج الزاز، زاد الماوردي: ووجود مرضعة 7، وفي عبارتهما معاً أمران:
أحدهما: الاقتصار على الأم، والأصح: أن كلًّا من الجدة - أم الأمِّ - والأبِ كالأم عند عدمها، لا مع وجودها، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 266]: (أو بتفريق الأم ثم أمها، أو
الأب والولد)، فلو اجتمع الأب وأم الأم مع فقد الأم.. فعبارة "الحاوي" التي حكيناها تقتضي التسوية بينهما حتى يباع مع أيهما كان، وكذا في "البسيط"، فإن لم يكن أبوان.. ففي الجد والجدة أوجه، ثالثها: يجوز التفريق في الجد دون الجدة، ويظهر تصحيح المنع، وهو الذي أورده المتولي والجرجاني، وأما الجد للأم: فقال المتولي: إنه كأب الأب، وقال الماوردي: كسائر المحارم 1، فيكون المشهور: الجواز، ورُجِّح الأول، وقوى السبكي تحريم التفريق بينه وبين سائر المحارم؛ للأحاديث الواردة فيه، قال: والظاهر: اختصاص ذلك بمن كان ذا رحم محرم، وأما بنو العم: فلا يمتنع التفريق بينهم وفاقاً.
ثانيهما: المجنون البالغ كالصغير حتى يفيق، وقد دخل في قول "الحاوي" [ص 266]: (إلى التمييز)، ويشكل على دخوله في قول "المنهاج" [ص 217]: (حتى يميز) تعقيبه ذلك بقوله: (وفي قول: حتى يبلغ) 2، فدل على أن المراد: التمييز المتقدم على البلوغ.
ويرد على عبارتهم جميعاً: أن بيع بعض أحدهما فقط، أو بيع أحدهما مع بعض الآخر كالكل، وسكوتهم عن هذه الصورة لندورها، وخرج بتعبير"التنبيه" بـ (الجارية)، وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بـ (التمييز) غير الآدمي؛ فيجوز فيه التفريق بعد استغنائه عن اللبن، لكن مع الكراهة، وفيه وجه بالتحريم، قال النووي: ويجوز بذبح أحدهما بلا خلاف 3، ووافقه السبكى في ذبح الولد، وقال: أما ذبحها مع بقائه: فيظهر أنه كغير الذبح.
1777 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وفيما بعد ذلك إلى البلوغ قولان) الأصح: عدم البطلان، وهو مفهوم "المنهاج" و"الحاوي" 4، واستثنى صاحب "الاستقصاء" من التفريق: ما إذا أسلم الأب المملوك وطلقت الأم وبينهما صغير، والمالك كافر.. فإنه يؤمر بإزالة الملك في الوالد والولد، ويجوز التفريق، قال الشيخ نجم الدين البالسي: وينبغي لو مات الأب.. أن يباع الابن؛ للضرورة.
1778 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن جمع في البيع بين حر وعبد، أو بين عبده وعبد غيره) وقول "المنهاج" [ص 217]: (باع خلاً وخمراً، أو عبده وحراً، أو عبد غيره، أو مشتركاً بغير إذن الآخر) أمثلة، والضابط لها قول "الحاوي" [ص 269]: (ولو جمع عقدٌ حلاً وحُرُماً) ثم صورة العبد والحر أو الخل والخمر كما نقل عن الشيخ أبي حامد أن يقول: (بعتك هذين العبدين أو
الخلين)، فلو قال: (هذا العبد والحر، أو هذه الخمر والخل).. فيبطل جزماً، واختار السبكي أنه لا فرق، قال: ولا شك أن هذين كهذين العبدين، وفي معنى عبد غيره: مكاتبه، أو مستولدته، أو وقف، وطرد "المنهاج" القولين في المشترك اختيار منه للعلة المصححة في البطلان؛ وهي: الجمع بين الحلال والحرام، أما إذا عللنا بجهالة الثمن.. فيصح هنا جزماً.
1779 - قول "التنبيه" [ص 89]: (ففيه قولان، أحدهما: يبطل العقد فيهما، والثاني: يصح في الذي يملك) الثاني هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 1، لكن ذكر الربيع في "الأم" قبل (كتاب اللقطة الصغير) أن البطلان هو آخر قولي الشافعي، وقال في موضع آخر: إن الشافعي رجع عن تفريق الصفقة، وقال: تبطل كلها 2، ولهذا قال ابن المنذر في "الإشراف": إنه مذهب الشافعي 3، وصححه الشيخ أبو محمد في "السلسلة"، وقد تقرر أنه إذا كان للمجتهد في المسألة قولان وعلم المتأخر منهما.. كان الأول مرجوعا عنه، والثاني هو مذهبه.
واستثنى في "المهمات" من تصحيح الصحة في المملوك مسائل:
الأولى: إذا أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على مَحِل الدين.. فصحح الرافعي في (الرهن): بطلان الكل 4، وخرجه الماوردي والمتولي على تفريق الصفقة 5، وينبغي أن يتخرج مثل ذلك فيما لو وكل في إجارة داره مدة، فزاد الوكيل عليها في عقد واحد، أو شرط الواقف ألاَّ يؤجر الوقف أكثر من سنة مثلاً فأجره الناظر أكثر من تلك المدة المشروطة.
الثانية: إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين، فزاد عليه.. بطل في الكل، كما صححه الرافعي 6، وقيل: بتخريجه على هذا الخلاف.
الثالثة: إذا فاضل في الربويات حيث منعناه؛ كصاع بصاعين.. بطل في الجميع، قال في "المهمات": والقياس: تخريجه على هذه القاعدة إذا قلنا: يُجيز بكل الثمن حتى يبطل العقد في صاع، وفي الباقي القولان.
الرابعة: إذا زاد في العرايا على القدر الجائز - وهو خمسة أوسق أو دونها -.. بطل في الكل، ولم يخرجوه على هذه القاعدة.
ويستثنى من إجراء الخلاف: ما إذا أوصى من لا وارث له بأكثر من الثلث.. فإنه يصح في الثلث قطعاً.
1780 - قول "التنبيه" [ص 89] و"الحاوي" [ص 269]: (وللمشتري الخيار) أي: إن جهل، كما صرح به "المنهاج" 1، ولا خيار له مع العلم بالحال، وهذا الخيار على الفور؛ لأنه خيار نقص، قاله في "المطلب".
1781 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن شاء.. أمضاه فيما يصح بقسطه من الثمن في أحد القولين، وبجميع الثمن في القول الآخر) الأول هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 2، ويتعين فيما لو باع ربوياً بجنسه، فخرج بعض أحدهما مستحقاً، وصححنا العقد في الباقي، فأجاز المشتري.. فالواجب حصته بلا خلاف؛ لأن الفضل بينهما حرام، كذا في "الروضة" تبعاً لأصله 3، لكن في "الكافي" للخوارزمي تخريجه على الخلاف، وهو غريب عجيب!.
1782 - قول "المنهاج" [ص 218]: (فَبِحِصَّتِهِ من المسمى باعتبار قيمتهما) ظاهر في أنا نعتبر قيمة الخمر والخنزير عند من يرى لهما قيمة، وهو احتمال للإمام، صححه الغزالي 4، وقال السبكي: إنه الصحيح والصواب، وصحح النووي: تقدير الخمر خلاً، والخنزير شاة 5.
1783 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن جمع بينهما فيما لا عوض فيه؛ كالرهن والهبة.. فقد قيل: يصح فيما يحل قولاً واحداً، وقيل: على قولين) صحح في "شرح المهذب": الطريقة الأولى 6.
1784 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن جمع بين حلالين) أعم من قول "المنهاج" [ص 218]: (ولو باع عبديه)، وقولهما: (فتلف أحدهما) 7 أخرجا به إباق أحدهما قبل القبض.. فلا يبطل في الباقي قطعا، وسكت "التنبيه" عن ذكر الخيار في هذه الصورة، وقال في "المنهاج" [ص 218]: (بل يتخير)، فإن أجاز.. فبالحصة قطعاً، وتبع في دعوى القطع "المحرر" ففيه بلا خلاف 8، لكنه في "الشرح الكبير" حكى في أثناء المسألة عن أبي إسحاق المروزي طرد القولين
فيه 1، وقال في "شرح المهذب": وهذا الطريق مشهور في كتب الخراسانيين، وذكره جماعة من العراقيين منهم القاضي أبو حامد والقاضي أبو الطيب والدارمي والماوردي وابن الصباغ وآخرون 2.
1785 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن كان لرجلين عبدان لكل واحد منهما عبد، فباعاهما بثمن واحد، ولم يعلم كل واحد منهما ما له من الثمن.. بطل البيع في أحد القولين) هو الأصح في "التصحيح" و"شرح المهذب" 3، وحكاه الرافعي في (الصداق) عن النص 4، وعليه مشى "الحاوي" في قوله [ص 263]: (لا عبيد جمعٍ بثمنٍ) ولم يصحح في "الروضة" شيئاً، لكنه قال: إن عللنا بالجمع بين حلال وحرام.. صح، وإن عللنا بالجهالة.. فلا.
انتهى 5.
ومقتضاه: تصحيح الصحة؛ لأن الأصح: التعليل بالجمع بين حلال وحرام، وتقييد "التنبيه" في قوله: (ولم يعلم كل واحد منهما ما له من الثمن) ليس في "الروضة"، وهو يقتضي أنه إذا علم.. صح، وليست هذه المسألة في "المنهاج"، لكن ذكر في (الصداق) نظيرها في قوله: (ولو نكح نسوةً بمهر.. فالأظهر: فساد المهر) 6 وهنا أمران:
أحدهما: يستثنى: ما لو اختلط حمام برج بغيره، ولم يتميز.. فيجوز لأحدهما بيع نصيبه لصاحبه في الأصح؛ للضرورة، ذكره الرافعي في الصيد 7، وكذا البيع لثالث على كلام فيه للرافعي، قال: وهكذا إذا انصبت حنطته على حنطة غيره، أو مائعه على مائعه، لكن لو باع نصيبه لثالث.. لم يجز 8.
ثانيهما: بحث في "المهمات" أنه ينبغي الجزم هنا بالبطلان؛ لأن المسألة في عقد واحد، وهنا عقدان؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع قطعاً، وبتعدد المشتري على الصحيح.
1786 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم) نحو قول "الحاوي" [ص 269]: (ولو جمع عقدٌ عقدين مختلفين)، إلا أن "الحاوي" صرح بأن الجمع بينهما في عقد واحد، وهو مفهوم من لفظ الجمع، فلم يحتج "التنبيه" للتصريح به، وأطلق "الحاوي"
الاختلاف، وصرح "التنبيه" بأن المراد: الاختلاف في الحكم، قال في "المهمات": ثم إن التقييد بكون العقدين مختلفي الحكم.. هل هو تكرار أم احتراز عن شيء؟ فليتأمل.
قلت: قد ذكر السبكي أنه ليس المراد: مطلق الأحكام، بل أسباب الفسخ والانفساخ؛ فإن الإجارة شرطها: التأقيت، وهو مبطل للبيع، والسلم يجب قبض رأس المال فيه في المجلس، بخلاف الإجارة والبيعِ، والتقابضُ المجلس يجب في الصرف دون غيره، وذلك يدل على أن اختلاف الأحكام قدر زائد على مطلق العقدين، وحذف "المنهاج" لفظة: (عقدين)، واقتصر على مختلفي الحكم 1، لئلا يرد عليه البيع والصرف، وكذا صاع شعير وثوب بصاع حنطة، وما إذا باع عبدين وشرط الخيار في أحدهما دون الآخر، أو شرطه في أحدهما يوما وفي الآخر يومين.. فإن ذلك كله عقد واحد، ومع ذلك ففيه القولان؛ لاختلاف الحكم، لكن يرد عليه بيع ثوب، وشقص من دار؛ فإنه يصح جزماً مع اختلاف الحكم، ولا يرد ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" وغيرهما؛ لاتحاد العقد، ثم يرد عليهم جميعاً شيئان:
أحدهما: أن شرط القولين: ألاَّ يكون أحد العقدين لازماً والآخر جائزاً؛ كبيع وجعالة، فمتى كان كذلك.. لم يصح جزماً، ذكره الرافعي في (المسابقة) 2.
ثانيهما: أنه لو خلط ألفين بألف لغيره، وقال: شاركتك على إحداهما وقارضتك على الأخرى، فقبل.. صح، ولا يُخرّج على القولين، كما ذكره الرافعي في (القراض) عن المتولي؛ وعلله: بأنهما راجعان إلى الإذن في التصرف 3، وذلك شاهد لما قدمناه عن السبكى: أنه ليس المراد: اختلاف مطلق الأحكام، بل الأحكام التي هي أسباب الفسخ والانفساخ، وليس ذلك موجوداً في الشركة والقراض.
1787 - قول "التنبيه" [ص 89]: (كالبيع والإجارة، والبيع والنكاح، والبيع والكتابة، والبيع والصرف.. ففيه قولان، أحدهما: يبطل العقد فيهما، والثاني: يصح، ويقسط الثمن عليهما على قدر قيمتهما) فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى كلامه جريان الخلاف في صحة النكاح، والذي في كلام الرافعي والنووي الجزم بصحة النكاح وَرَدُّ الخلاف إلى الصداق 4، وعلى ذلك مشى "المنهاج" فقال [ص 218]: (صح النكاح، وفي البيع والصداق القولان) انتهى.
وهو بناء على المشهور أن النكاح لا يفسد بفساد الصداق، أما إذا فرعنا على مقابله الضعيف.. جرى الخلاف في النكاح أيضاً.
ثانيهما: قال في "التصحيح": الأصح: الصحة إلا في البيع المضموم إلى الكتابة 1، وعبارة "الروضة": (البيع باطل، وفي الكتابة القولان) 2، وهو يفهم أن مراده: القولان في الجمع بين مختلفي الحكم، لكن في الرافعي في (باب الكتابة): فيه طريقان، أحدهما: قولا مختلفي الحكم، وأظهرهما: بطلان البيع، وفي الكتابة قولان؛ لأنه جمع بين ما يجوز وما لا يجوز.
انتهى 3.
وهو صريح في أن مراده: قولا الجمع بين حلال وحرام، لا قولا مختلفي الحكم، وعبارة "الحاوي" [ص 269]: (ولو جمع عقدٌ عقدين مختلفين، أو حلاً وحُرُماً؛ ككتابة وبيع) فيحتمل أن يكون مثالاً للأول فيوافق الطريقة الأولى، وأن يكون مثالاً للثاني فيوافق الطريقة الثانية، وبتقدير أن يكون مثالاً للأول.. فمقتضاه: الصحة فيهما، وهو خلاف المنقول في البيع كما تقدم، وهنا تنبيهان:
أحدهما: صورة الجمع بين بيع ونكاح: أن يتحد المستحق؛ بأن يقول: زوجتك بنتي، وبعتك عبدها بكذا إذا كانت محجورته أو وكلته في البيع، أو زوجتك أمتي وبعتك عبدي بكذا إذا كان ممن تحل له الأمة، فلو قال: زوجتك بنتي وبعتك عبدي.. فهو كما لو باع عبدين أحدهما له والآخر هو وكيل فيه.. فالأصح عند النووي: البطلان فيهما 4، فلا يحسن التصوير به إلا على القول الضعيف.
ثانيهما: قال صاحب "المعين": محل الخلاف في البيع والإجارة: إذا كانا في عينين بعوض واحد، فإن كانا في عين واحدة.. بطل قطعاً، وإن كانا في عينين بعوضين.. صح قطعاً وإن كان القبول واحداً.
انتهى، وهو واضح.
1788 - قول "المنهاج" [ص 218]: (وتتعدد الصفقة بتعدد البائع، وكذا بتعدد المشتري في الأظهر) هذا في غير الشفعة والعرايا؛ ففيهما تتعدد بتعدد المشتري قطعاً، وكذا بتعدد البائع في الأظهر عكس ما تقرر هنا، فإذا اشتريا شقصين من واحد.. فللشفيع أخذ أحدهما، ولو اشترى واحد شقصين من اثنين.. فكذا في الأصح.
1789 - قوله: (ولو وكلاه أو وكلهما.. فالأصح: اعتبار الوكيل) 1 فيه أمران:
أحدهما: كذا حكاه الرافعي عن الأكثرين 2، لكنه صحح في "المحرر": أن الاعتبار بالموكل 3، فعدل عنه "المنهاج" إلى الوكيل، وهو كذلك في بعض نسخ "المحرر".
ثانيهما: الاعتبار في الشفعة بتعدد الموكل دون الوكيل، وكذلك في الرهن، فلو وكل اثنان واحداً في رهن عبدهما عند زيد بما له عليهما من الدين، ثم قضى أحد الموكلين دينه.. فالمذهب: القطع بانفكاك نصيبه، ولا نظر لاتحاد الوكيل، والله أعلم.
بابُ الخيار
1790 - قول "التنبيه" [ص 87]: (وإذا انعقد البيع.. ثبت لهما الخيار) مثل قول "المنهاج" [ص 219]: (يثبت خيار المجلس في أنواع البيع)، وعبارة "الحاوي" [ص 270]: (الخيار في المعاوضة المحضة) ومراده بالمعاوضة المحضة: التي تفسد بفساد العوض، ويستثنى مسائل:
إحداها: إذا اشترى من يعتق عليه، وفرعنا على أن الملك في زمن الخيار للمشتري.. فلا خيار له، وقد ذكره "المنهاج" 1، ولم يحتج "الحاوي" لذكره؛ لأنه على رأي مرجوح؛ فإن الأصح: أنه موقوف.
الثانية: الحوالة؛ فالأصح: أنه لا خيار فيها وإن جعلت بيعاً.
الثالثة: بيع العبد من نفسه، كما صححه في "الشرح الصغير" و"شرح المهذب" 2، وقد استثناهما "الحاوي" 3.
الرابعة: القسمة لا خيار فيها على الأصح وإن قلنا: إنها بيع.
1791 - قول "المنهاج" في أمثلة ما يثبت فيه الخيار [ص 219]: (وصلح المعاوضة) قد يتناول الصلح على المنفعة، ولا خيار فيه على الأصح؛ لأنه إجارة، وقد ذكر بعد ذلك أنه لا خيار فيها، ويرد عليه أيضاً: الصلح عن دم العمد، ولا خيار فيه، قاله القاضي حسين.
1792 - قوله: (ولا خيار في الهبة ذات الثواب في الأصح) 4 فيه أمران:
أحدهما: أنه مخالف لما ذكروه في (باب الهبة) من ثبوت الخيار فيها تفريعاً على الأصح: أنها بيع، وقد وقع الموضعان كذلك في كتب الرافعي والنووي 5، فعد تناقضاً، وحمل السبكي كلامهما هنا على ما إذا فرعنا على أنها هبة، كما هو وجه ضعيف في اقتضاء مطلقها الثواب، أو قيدت بثواب مجهول، وكذا بمعلوم إن قلنا بالضعيف: إنها هبة، وحمل كلامهما في الهبة على ما إذا قلنا: لا يقتضي مطلقها ثواباً، فشرط ثواباً معلوماً، وقلنا بالصحة، وهو الأصح، قال: فهو بيع حقيقة، فيثبت فيه الخيار وسائر الأحكام، وكذا قال شيخنا الإمام سراج الدين رحمه الله: إنه يحتمل حمله على ذلك، قال: وإذا حمل على ذلك.. لم يضطرب كلامه.
ثانيهما: قال المتولي وغيره: ومحل الخلاف: بعد القبض، أما قبله: فلا خيار قطعاً، قال
شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: وهو واضح حيث جعلت هبة، أما على القول بالبيع.. ففيه نظر 1.
1793 - قول "المنهاج" [ص 219] و"الحاوي" [ص 270]: (إنه لا خيار في الشفعة) أي: للشفيع.
تبعا فيه "المحرر" هنا 2، لكنه صحح في "الشرح الكبير" في (كتاب الشفعة): الثبوت 3، فاستدركه في "الروضة" فصحح منعه، وحكاه عن الأكثرين 4، ولم يصححا هنا في "الروضة" وأصلها شيئاً.
ومعنى الخيار في الشفعة: أنه إذا أخذ وملك.. له الرد ما دام في المجلس، هذا هو الأصح، وقيل: معناه: إذا قلنا: هي على الفور.. فهو مخير بين الأخذ والترك ما دام في المجلس، وأما إذا أخذ ولم يحكم بالملك؛ بأن لم يوجد بعد قوله: تملكت بالشفعة، واحد 5 من توفير الثمن، أو الرضى بذمته، أو الحكم بها.. فالظاهر: أن له الرد جزماً، نبه عليه شيخنا الإمام جمال الدين الإسنوي رحمه الله.
وقولي أولاً: إن المراد: نفي الخيار للشفيع، حملت عليه كلام "المنهاج" لكونه قال: (في الأصح)، وعدم ثبوت الخيار للمشتري لا خلاف فيه، وأما عبارة "الحاوي": فهي متناولة لهما؛ لكونه لا يحكي الخلاف.
1794 - قول "المنهاج" [ص 219]: (ولا خيار في الإجارة في الأصح) كذا في أكثر كتبه تبعاً للرافعي 6، لكنه صحح في "تصحيح التنبيه": ثبوته في الإجارة إذا كانت مقدرة بمدة 7، وذكر "التنبيه" المسألة في الإجارة، فقال [ص 123]: (وما عقد على مدة.. لا يجوز فيه شرط الخيار، وفي خيار المجلس وجهان، وما عقد على عمل معين.. يثبت فيه الخياران، وقيل: لا يثبتان، وقيل: يثبت فيه خيار المجلس دون الشرط) وقد عرفت أن الأصح: عدم ثبوته مطلقاً.
1795 - قولهم: (إلى التخاير) 8 فسره "المنهاج": بأن يختارا لزومه 9، وهو معنى قول
"التنبيه" [ص 87]: (وهو أن يقولا: اخترنا إمضاء البيع)، وقد يخرج ما لو قالا: اخترنا إبطال الخيار أو إفساده، لكن الأصح في "شرح المهذب": أنه كاختيار إمضاء البيع (1)، وقد تفهم عبارة "التنبيه" أنه لو ألزم أحدهما العقد.. لا يلزم لأحد، والأصح: أنه يسقط حقه فقط، ويبقى خيار الآخر، وقد ذكره "المنهاج"، ووقع في أكثر نسخ "التنبيه" بعد قوله: (إمضاء البيع): (أو فسخه)، وليست صحيحة؛ فإن فسخ أحدهما كافٍ بلا خلاف، فلا يحتاج لاجتماعهما عليه.
1796 - قول "التنبيه" [ص 87]: (ما لم يتفرقا) أي: ببدنهما كما صرح به "المنهاج" (2)، طوعاً كما صرح به "الحاوي" (3)، فلو حُمِلَ أحدهما مكرهاً.. لم يبطل خياره في الأصح، والأصح: بطلان خيار الماكث إن لم يُمنع من الخروج، وإن أُكرها حتى تفرقا بأنفسهما.. فقولا الحنث، ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر مع التمكن.. بطل خياره، وإلا.. فخيار الهارب فقط، قاله البغوي، واقتصر الرافعي على حكايته عنه (4)، وأطلق جماعة بطلان خيارهما بلا تفصيل، وصححه النووي (5)، والأصح: لزوم العقد في متولي الطرفين، وهو الأب أو الجد مع طفله بمجرد مفارقته مجلس العقد، وقد تخرج هذه الصورة بقول "التنبيه" [ص 87]: (يتفرقا)، وبقول "المنهاج" [ص 219]: (ببدنهما)، وقد لا تخرج باقتصار "الحاوي" على التفرق، والحق: أن هذا اللفظ خرج مخرج الغالب في أن العقد إنما يقع بين اثنين، فلا مفهوم له، وأيضاً: فهذه صورة نادرة، فلا ترد.
1797 - قوله: (ولو مات في المجلس أو جُن.. فالأصح: انتقاله إلى الوارث والولي) (6) عدم انتقاله إلى الولي ضعيف جداً، كما أشار إليه في "شرح المهذب" (7)، وهو مخرج، فالتعبير عن مقابله بـ (الأصح) فيه نظر.
فَصلٌ [في خيار الشرط]
1798 - قول "المنهاج" [ص 219]: (لهما ولأحدهما شرط الخيار) يوهم جواز انفراد أحدهما1234567
بالشرط، وليس كذلك، بل لا بد من اجتماعهما عليه، ولم يُرد "المنهاج": بيان الشارط، وإنما أراد: بيان المشروط له، لكن عبارته لا توفي بمقصوده، فلو قال: (يجوز شرطهما الخيار لهما ولأحدهما).. لأفاد مقصوده، ويمكن رد عبارته إلى الصواب؛ بألاَّ يجعل قوله: (لهما ولأحدهما) خبراً عن قوله: (شرط الخيار)، وإنما هو متعلق بالخيار، والخبر قوله: (في أنواع البيع) أي: شرط الخيار الكائن لهما ولأحدهما ثابت في أنواع البيع، ومع ذلك فيرد عليه أمور:
أحدها: أنه ليس فيه بيان الشارط.
ثانيها: أنه يوهم أنه لا يجوز شرطه لأجنبي، وليس كذلك، فيجوز في الأظهر، قال والد الروياني: إلا أن يكون كافراً والمبيع عبد مسلمٌ لمسلمٍ، أو مُحْرِماً والمبيع صيد، وخالفه ولده 1.
ثالثها: أنه قد يوهم جواز اشتراط وكيل البائع الخيار للمشتري، وجواز اشتراط وكيل المشتري الخيار للبائع، وليس كذلك، وكذا لا يجوز للوكيل شرطه لأجنبي في الأصح إلا بإذن موكله، ويجوز أن يشرطه لموكله على الأصح في "أصل الروضة" هنا، ولنفسه على الأصح في "الروضة" من زوائده في بابه 2، وقد ذكره "الحاوي" 3، وعبارة "التنبيه" [ص 87]: (وإن تبايعا بشرط الخيار)، فلم يبين الشارط ولا المشروط له، وكذا قول "الحاوي" [ص 271]: (وبشرطه) أي: الخيار، وقد يقال: لا يحتاج إلى ذكر الشارط؛ لما تقرر من أنه لا بد من اجتماعهما على الشرط، ولا يكفي انفراد أحدهما به، وسكوتهما عن ذكر المشروط له يقتضي جوازه لهما ولأحدهما ولأجنبي، فلا يرد عليهما حينئذ إلا كونه لا يجوز لوكيل أحدهما شرطه للآخر، والله أعلم.
1799 - قول "التنبيه" [ص 87]: (إلا في الصرف وبيع الطعام بالطعام) يستثنى: السلم أيضاً، وقد ذكره في بابه 4، وذكره "المنهاج" و"الحاوي" هنا 5، والضابط: اشتراط القبض في المجلس؛ إما من الجانبين كالربوي، أو من أحدهما كالسلم.
ويستثنى أيضاً: ما إذا اشترى من يعتق عليه.. فإنه لا يجوز شرطه للمشتري وحده، وقد ذكره "الحاوي" 6، وتبعه شيخنا الإمام البلقيني في "التدريب"، وقال في العتق من "تصحيح المنهاج": ليست المسألة مذكورة في غير "الحاوي"، والذي ترجح عندنا الآن: أنه يصح
الشرط، ويعتق، وينقطع خيار المشتري ويملك المشترى مع آخر العقد أو عقبه، ثم يعتق، قال: ولو شرطا ذلك في خيار المجلس.. صح؛ إذ لا عتق الآن؛ لكون الخيار لهما، فإذا انفرد المشتري بخيار الشرط.. عتق وانقطع الخيار.
انتهى.
ويستثنى أيضاً: الحوالة، لا يجوز شرط الخيار فيها وإن قلنا: إنها بيع، واستثنى الجوري في "شرح المختصر": المصراة، فقال: لا يجوز اشتراط خيار الثلاث فيها للبائع؛ لأنه يمنع الحلب، وتركه يضر بالبهيمة، حكاه عنه في "المطلب" في (باب التصرية).
1800 - قول "التنبيه" [ص 87]: (إلى ثلاثة أيام فما دونها) يشترط: كونها معلومة، وقد ذكره "المنهاج" 1.
متصلة بالعقد، وقد ذكره مع الذي قبله "الحاوي" عند ذكر الشروط 2.
وأن يكون المبيع لا يفسد في المدة، كما صححه في "الروضة" 3، وهما واردان على "المنهاج"، ولم يتعرض "الحاوي" لذكر المدة المشروطة أصلاً، وهو عجيب!
وفي "المهمات": يدخل في الأيام المشروطة ما اشتملت عليه من الليالي؛ للضرورة، كما في "شرح المهذب" 4، ومقتضي العلة: أنه لو عقد وقت طلوع الفجر.. لا يثبت الخيار في الليلة الثالثة، بخلاف نظيره من مسح الخف، وكلام الرافعي في أول مواقيت الحج يوهم خلافه؛ فإنه قال: وقال عليه الصلاة والسلام: "واشْتَرِط الخيار ثلاثاً"، والمراد: الأيام والليالي.
انتهى 5.
والذي في "شرح المهذب": عن المتولي وغيره فيما لو باع نصف النهار بشرط الخيار يوماً.. ثبت إلى نصف اليوم الثاني، ويدخل الليل في حكم الخيار للضرورة 6، فكأنَّ شيخنا في "المهمات" أخذه من هذا.
1801 - قول "التنبيه" [ص 87]: (وينتقل المبيع إلى المشتري بنفس العقد في أحد الأقوال، وبانقضاء الخيار في الثاني، وموقوف في الثالث) قال في "المنهاج" [ص 220]: (الأظهر: أنه إن كان الخيار للبائع.. فملك المبيع له، وإن كان للمشتري.. فله، وإن كان لهما.. فموقوف)،
وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 271]: (والملك لمن خُيّر، ويوقف فيما لهما)، قال شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: بقي ما لو شرطاه لأجنبي، لم أر من تعرض فيه لمالك المبيع، والذي يظهر - تفريعاً على المرجح - أنه موقوف؛ لأنا إن أثبتنا الخيار للشارط مع الأجنبي.. فهو لهما، فالملك موقوف، وإلا - وهو الأصح -.. فلا مزية، أو يقال: هو للمشتري؛ لأنه لازم من جهتهما، فأشبه ما بعد الخيار 1.
قلت: الظاهر: أن الملك لمن كان ذلك الأجنبي من جهته، وابتدأ باشتراط الخيار له؛ لوثوقه بنظره، فساعده الآخر عليه، فإن كان من جهتهما، وذكراه لوثوقهما به.. فهو كما لو كان الخيار لهما، فيكون الملك موقوفاً، وقول شيخنا: (إن أثبتنا الخيار للشارط مع الأجنبي.. فهو لهما، فالملك موقوف) عجيب!؛ لأن الوقف إنما يجيء إذا كان الخيار لهما؛ أي: المتبايعين، وهنا ليس للمتبايعين، وقوله: (وإن لم نثبته للشارط.. فلا مزية) ممنوع، بل المزية للشارط موجودة؛ لأنه إنما فعل لغرضه ومصلحته؛ ولهذا كان الأصح: أنه إذا مات ذلك الأجنبي في زمن الخيار.. ثبت الخيار من ذلك الوقت للشارط، والله أعلم.
1802 - قول "المنهاج" [ص 220] و"الحاوي" [ص 271، 272]: (إن وطئ البائع.. فسخ) اسْتثُني منه: إيلاج البائع في فرج الخنثى، فلا حكم له في الفسخ والإجازة، حكاه في (باب الأحداث) من "شرح المهذب" عن البغوي 2.
1803 - قول "المنهاج" [ص 220]: (والأصح: أن هذه التصرفات من المشتري إجازة) أي: الوطء والإعتاق والبيع والإجارة والتزويج، ومحل الوجهين في الوطء والإعتاق: إذا لم يأذن فيهما البائع، فإن أذن.. كان إجازة منهما جزماً، ومحلهما في العتق أيضاً: إذا قلنا: بعدم نفوذه منه، فإن قلنا: ينفذ.. فهو إجازة قطعاً.
وأما البيع والإجارة والتزويج: فإن لم يأذن فيه البائع.. لم ينفذ، لكنه إجازة من المشتري في الأصح، وإن أذن فيه.. فالأصح: صحته، وهو إجازة قطعاً عند ابن الصباغ، قال الرافعي: وقياس ما سبق إنا إذا لم ننفذها.. أن يجيء الوجهان 3، ومنع شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني رحمه الله هذا القياس، قال؛ لأن التراضي هنا من الجانبين حاصل، فلزم العقد قطعاً، وما سبق في تصرف واحد وإسقاط خياره.
انتهى.
ولم يصرح "المنهاج" بحل الوطء للمشتري حيث كان الخيار له وحده، وذكره "الحاوي"
بقوله [ص 271]: (وحل الوطء لمن خُيّر) وكذا في الروضة وأصلها (1)، واستشكل؛ لأن حل الوطء يتوقف على حصول الاستبراء، والأصح في (باب الاستبراء): أنه لا يعتد به في زمن الخيار؛ لضعف الملك، وصحح الإمام والغزالي: الاكتفاء به (2)، وذكر في "الوجيز" الحل هنا على قاعدته المخالفة للمرجح هناك، فتبعه الرافعي على ذلك من غير بحث عنه (3)، وأجاب عنه في "المطلب": بأنه زال التحريم المستند لعدم الملك، وبقي التحريم المستند لعدم الاستبراء.
فصَلٌ [خيار العيب]
1804 - قول المنهاج [ص 220]: (للمشتري الخيار بظهور عيبٍ قديمٍ) أراد بقدمه: كونه كان موجوداً عند العقد أو حدث قبل القبض، كما عبر به في "التنبيه" 4، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك في قوله [ص 220]: (سواء قارن العقد أم حدث قبل القبض) والاقتصار على ما قبل القبض كما فعل "الحاوي" مغن عن ذكر وجوده عند العقد، ويستثنى من الرد فيما إذا حدث العيب قبل القبض: ما إذا كان تعيبه بفعل المشتري، وقد صرح به "الحاوي" 5.
ويرد عليهم جميعاً: المفلس إذا كانت الغبطة في الإمساك، وكذا الولي، وكذا في القراض إذا تنازع المالك والعامل، وصورة الوكيل إذا رضيه الموكل، فليس للوكيل الرد، وقد يتناول قول "التنبيه" [ص 94]: (وإذا علم بالمبيع عيباً كان موجوداً عند العقد أو حدث قبل القبض) ما إذا لم يعلم به إلا بعد زواله، والأصح: سقوط الرد في هذه الصورة، وقد يرد ذلك على قول "المنهاج" [ص 220]: (بظهور عيب قديم)، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 273]: (ولا إن زال قبل فسخه).
1805 - قول "المنهاج" [ص 220]: (كخصاء رقيقٍ) تبع فيه "المحرر" و"الشرح" 6، وهو يفهم أنه ليس عيباً في البهائم، وصرح الجرجاني بأنه عيب فيها؛ ولذلك لم يقيده في "الروضة" بالرقيق، بل أطلقه 7، وهو ظاهر قول "الحاوي" [ص 273]: (أو خصياً) أي: المبيع، وإن123
كان شراحه حملوه على كون العبد خصياً، فليس في عبارته ما يدل على هذا التقييد.
1806 - قولهما: (والزنا والسرقة) 1 قد يفهم أن المراد: قيام هذا الوصف به لإصراره عليه، وليس كذلك، بل هو عيب ولو تاب وحسنت حاله، كما حكاه الرافعي والنووي عن الأصحاب 2، لكن في "الإشراف" للهروي: لو وجدت هذه الأشياء في يد البائع، وارتفعت مدة مديدة بحيث يغلب على الظن زوالها، ثم وجدت في يد المشتري.. قال الثقفي وأبو على الزجاجي: لا يجوز الرد؛ لاحتمال أن تلك المعاني ارتفعت ثم حدثت في يد المشتري، فصار كالمرض الحادث في يد المشتري.
انتهى.
وقد يفهم أن المراد: اعتياده لذلك، وهو قول الغزالي وغيره 3، والمشهور: الاكتفاء بمرة واحدة كما تقدم.
1807 - قول "المنهاج" [ص 220]: (وبوله بالفراش) له شرطان: الاعتياد في الأصح، والكبر؛ وضبط بسبع سنين، أو بمن يحترز مثله عنه.
1808 - قولهما: (والبخر) 4 أي: الناشئ من المعدة، كذا قيده الرافعي والنووي 5، بخلاف الناشئ من قلح الأسنان، وذكر القاضي مجلي: أن ذلك لا يسمى بخراً.
1809 - قول "المنهاج" [ص 220]: (والصنان) أي: المستحكم دون ما يكون لعارض.
1810 - قول "التنبيه" [ص 95]: (أما إذا اشترى جارية، فوجدها ثيباً أو مسنة أو كافرة.. لم يجز ردها) محله في الثيب: إذا كان سنها يحتمل الثيوبة، لا صغيرة تَنْدُر ثيابتها، وفي الكافرة: أن يحل وطؤها، لا مجوسية ووثنية ونحوهما، فله حينئذ الرد، وكذا لو وجدها كتابية، أو وجد العبد كافراً أيّ كفر كان إن كان في بلاد الإسلام بحيث تقل الرغبة فيه، فإن كان قريباً من بلاد الكفر بحيث لا تقل الرغبة فيه.. فلا رد.
وقوله: (لم يجز ردها) أي: قهراً، وفي نفي الجواز مطلقا تَجَوُّزٌ، وكلام "الحاوي" - فيما لوشرط تهوّد جارية، أو تنصّرها، فخرجت مجوسية - يقتضي أن التمجس ليس عيباً؛ لكونه إنما ذكر الرد به بخلف الشرط.
1811 - قول "الحاوي" [ص 273]: (أو مُحْرِمَة) أي: بإذن السيد، فإن كان بغير إذنه.. فلا
رد؛ لأن له تحليلها، كما استدركه النووي في "الروضة" 1، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب - بمقتضى نص الشافعي -: ثبوت الخيار ولو كان يمكنه تحليلها.
انتهى.
1812 - قوله: (أو خنثى) 2 أي: مشكلاً أو واضحاً، لكن في (الأحداث) من "شرح المهذب": لو اشترى خنثى وبان رجلاً، فَوُجِدَ يبول بفرجيه.. فهو عيب؛ لأن ذلك لاسترخاء المثانة، ولو كان يبول بفرج الرجل فقط.. فليس بعيب.
انتهى 3.
1813 - قول "المنهاج" [ص 220]: (وكل ما ينقص العين أو القيمة نقصاً يفوت به غرضٌ صحيحٌ إذا غلب في جنس المبيع عدمه) بعد ذكره ما تقدم من العيوب.. من ذكر العام بعد الخاص، والتقييد بفوات غرض صحيح يتعلق بنقص العين خاصة، والاحتراز به عن قطع جزء يسير من الفخذ واندمل بلا شين، والختان بعد الاندمال؛ فإنه فضيلة لا عيب، فلو ذكره عقبه.. لكان أولى؛ إما بأن يقدم ذكر القيمة، كما فعل في "الحاوي"؛ حيث قال [ص 273]: (بعيب منقص القيمة أو العين مُفَوّت غرضٍ غالبِ العدم في أمثاله)، أو يُجعل هذا التقييد عقب نقص العين قبل ذكر القيمة، وهو أحسن، ولم يعتبر في "التنبيه" شيئاً من ذلك، بل ضبطه بالعرف فقال [ص 95]: (والعيب: ما يعده الناس عيباً).
1814 - قول "المنهاج" [ص 220]: (ولو حدث بعده.. فلا خيار) يتناول حدوثه في زمن الخيار، وهو مقتضى مفهوم "التنبيه" و"الحاوي" 4، وقال ابن الرفعة: القياس: بناؤه على ما لو تلف حينئذ.. هل ينفسخ؟ والأرجح كما قال الرافعي عند الكلام على أقوال الملك: إن قلنا: الملك للبائع.. انفسخ، وإلا.. فلا، فإن قلنا: ينفسخ.. فحدوثه كوجوده قبل القبض 5.
1815 - قول "المنهاج" [ص 220]: (إلا أن يستند إلى سببٍ متقدمٍ؛ كقطعه بجنايةٍ سابقةٍ - أي: على القبض - فيثبت الرد في الأصح) أي: إن جهل المشتري السبب، فأما إذا علمه.. فلا رد ولا أرش في الأصح، وقد صرح به "الحاوي" بقوله [ص 274]: (إن جهل).
1816 - قول "المنهاج" [ص 220]: (بخلاف موته بمرضٍ سابقٍ في الأصح) محل الخلاف: أن يكون المشتري جاهلاً به، ثم ليس المراد: نفي الرد؛ لتعذره بالموت، بل المراد: أنه مات
من ضمان المشتري، فلا ينفسخ العقد؛ ولذلك عبر به "الحاوي" 1، وفي تعبير "المنهاج" بـ (الأصح) نظر؛ لأن المرجح: القطع به، فينبغي التعبير بـ (المذهب)، والخلاف عند البغوي في المرض المخوف، أما غيره.. فلا ينسب الموت إليه، والجراحة السارية كالمرض، وكذا الحامل إذا ماتت من الطلق.
1817 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (ولو باع وشرط البراءة من العيوب) 2 أي: كلها، أما لو عين شيئاً منها وشرط البراءة منه: فإن كان مما لا يشاهد؛ كالإباق والسرقة.. برئ منه، وإن كان مما يشاهد؛ كالبرص: فإن أراه إياه.. برئ منه، وإلا.. ففيه الخلاف في الإطلاق؛ لاختلاف الغرض بقدره وموضعه.
1818 - قول "التنبيه" [ص 95]: (ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: يبرأ، والثاني: لا يبرأ، وعلى هذا يبطل البيع، وقيل: لا يبطل) الأصح - تفريعاً على عدم البراءة -: عدم البطلان، وعبارة "التنبيه" تقتضي ترجيح البطلان، وكذا تقتضيه عبارة "الحاوي" حيث قال في الشروط التي لا تبطل العقد: (وبراءة عيب، لا يعلم البائع في الحيوان) 3 فإنها تقتضي البطلان حيث فقد شرط صحة الشرط.
1819 - قول "التنبيه" [ص 95]: (والثالث: أنه يبرأ من كل عيب باطن في الحيوان لم يعلم به البائع، ولا يبرأ مما سواه) هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"، لكنهما لم يشترطا كونه باطناً 4، وعبارة "المنهاج" [ص 221]: (فالأظهر: أنه يبرأ عن عيبٍ بالحيوان لم يعلمه دون غيره) وفي بعض نسخه: (عن عيب باطن بالحيوان)، فلا إيراد عليه إذاً، وقال شيخنا ابن النقيب: قد رأيت لفظة: (باطن) مخرجة على حاشية أصل المصنف، لكن لا أدري هل هي بخطه أم لا؟ وليست في "المحرر" 5.
1820 - قول المنهاج [ص 221]: (ولو هلك المبيع) أعم من قول التنبيه [ص 94]: (مات)، وقوله: (أو أعتقه) 6 في معناه: الوقف - وقد ذكره "التنبيه" 7 - والاستيلاد، فكلها إتلاف
حكمي، والضابط: اليأس من الرد، كما ذكره "الحاوي" 1، ويستثنى من الرجوع بالأرش فيما إذا أعتقه مسائل:
إحداها: لو كان العتق مشروطاً في بيع فأعتقه، ثم وجد به عيباً.. فلا أرش له، كما قال ابن القطان، وخالفه ابن كج فقال: عندي له الأرش، وصححه السبكي.
ثانيها: لو اشترى من يعتق عليه، ثم وجد به عيباً.. حكى فيه ابن القطان وجهين، وقال ابن كج: له الأرش، وصححه السبكي، وقد يقال: لا ترد هذه على عبارتهم وإن لم يجعل له الأرش؛ لأن الموجود فيها العتق لا الإعتاق، قال في "المهمات": وهذا الكلام مقتضاه حصول العتق جزماً، وأن التردد في وجوب الأرش، ويخالفه ما ذكره الرافعي في (الوكالة) فيما إذا اشترى الوكيل من يعتق على موكله وكان معيباً: أن للوكيل رده؛ لأنه لا يعتق على الموكل قبل الرضا بالعيب، ذكره في "التهذيب" 2.
قال في "المهمات": وليس بين المذكور هنا وفي الوكالة فرق إلا مباشرته، ولا أثر لها قطعاً مع صحة البيع في الموضعين والجهل بالعيب.
ثالثها: لو كان العبد كافراً.. فقال شيخنا الإسنوي: لا يرجع بالأرش؛ لأنه لم ييأس من الرد؛ فإنه قد يلتحق بدار الحرب، فيسترق، فيعود إلى ملكه.
قلت: وفيه نظر؛ فإنما ينظر إلى ما يقع غالباً، وهذا أمر نادر، ويفرض مثله في الوقف؛ بأن يستبدل به عند من يراه، فيصير ملكاً له، ولا نظر إلى مثل ذلك، والله أعلم.
ويستثنى من الرجوع بالأرش في جميع الصور: ما إذا كان العيب الذي علم به الخصاء.. فلا أرش؛ إذ لا ينقص به القيمة، بل تزيد، وقد يقال: لا حاجة لاستثنائها؛ لأن الرجوع بالأرش يستدعي نقصاً، وهو مفقود هنا، ومنع شيخنا الإمام البلقيني قولهم: إنه لا أرش في هذه الصورة، وقال: الذي أعتقده أحد أمرين: إما أن الخصاء 3 ليس بعيب، كما أفتى به القاضي الحسين في مسألة الحمار والفرس؛ لأن الناس لا يعدونه عيباً، وهو الذي اعتبره صاحب "التنبيه" وغيره، قال: وبتقدير أنه عيب.. فالتحقيق لزوم الأرش؛ أي: قبل اندمال الجرح، واستشهد له بمسألة الحر إذا جنى عليه جان جناية لا توجب أرشاً، وقومناه بعد الاندمال، فلم ينقص القيمة.. فإن الأصح: أنه يقوم في حال سيلان الدم، ويجب الأرش.
1821 - قول "المنهاج" [ص 221]: (وهو جزء من ثمنه نِسْبَتُهُ إليه نسبة ما نَقَصَ العيبُ من
القيمةِ لو كان سليماً) زاد في "المحرر" بعد قوله: (القيمة): (إلى تمامها) 1، وكذا في "الروضة" تبعاً لـ"الشرح" 2، ولابد منه؛ لأن النسبة لابد لها من منسوب ومنسوب إليه، وهي مذكورة هنا مرتين، فالأولى كاملة، والثانية ذُكر فيها المنسوب فقط، وهو القدر الذي نَقَّصَه العيب من القيمة، فيقال: نأخذ نسبة هذا القدر من ماذا؟ فيقال: من تمام القيمة، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 276]: (بنسبة نقصان أقل قيمتي العقد والقبض إليه).
1822 - قول "المنهاج" [ص 221]: (والأصح: اعتبار أقل قِيَمِهِ من يوم العقد إلى القبض) يقتضي اعتبار النقص الحاصل بينهما، وبه صرح في "الدقائق" 3، لكن الذي في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة": أقل القيمتين من يوم البيع ويوم القبض، وعليه مشى "الحاوي" 4، ويوافق الأول تعبير "الروضة" وأصلها فيما إذا تلف الثمن.. أنه يأخذ مثل الثمن، أو قيمته أقل ما كانت من العقد إلى القبض، ولا فرق بينهما، وفي تعبيره بـ (الأصح) مناقشة؛ لأن المرجح: القطع به، فينبغي التعبير بالمذهب.
1823 - قول "المنهاج" [ص 221]: (ولو علم العيب بعد زوال ملكه إلى غيره.. فلا أرش في الأصح) ينبغي التعبير بـ (الأظهر) أو (المشهور) لأن المرجح منصوص، ومقابله تخريج ابن سريج، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أنه منصوص في "البويطي".
1824 - قوله: (فإن عاد الملك.. فله الرد، وقيل: إن عاد بغير الرد بعيب.. فلا) 5 طريقة الإمام والغزالي 6، ولم يجر الأكثرون الخلاف فيما إذا كان زواله عن ملكه بغير عوض.
ويستثنى من كلامهم: ما إذا أجاز المشتري الثاني العقد ورضي بالعيب.. فإنه يستقر سقوط الأرش والر د، حكاه في "الكفاية " عن الماوردي 7.
1825 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (والرد على الفور) 8 فيه أمران:
أحدهما: محله: في بيع الأعيان، أما الواجب في الذمة ببيع أو سلم إذا قبضه فوجد به عيباً.. فقال الإمام: إن قلنا: لا يملكه إلا بالرضا.. فليس الرد فيه على الفور، وإن ملكناه بالقبض..
فيحتمل أنه على الفور، والأوجه: المنع؛ لأنه ليس معقوداً عليه، وإنما يجب الفور فيما يؤدي رده إلى رفع العقد، حكاه عنه الرافعي في (الكتابة)، وأقره عليه 1.
ثانيهما: يستثنى: قريب العهد بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدة إذا ادعى الجهل بأن له الرد، وكذا لو ادعى أنه لا يعرف كونه على الفور، كما ذكره الرافعي 2، وقال النووي في الصورة الثانية: إنما يقبل ممن يخفى على مثله 3، وقال السبكي: ينبغي أن يقبل ممن يخفى عليه، ومن مجهول الحال.
1826 - قول "المنهاج" [ص 221]: (فلو علمه وهو يصلي أو يأكل.. فله تأخيره حتى يَفْرُغَ) أهمل من "المحرر" ما لو كان يقضي حاجته 4، وفي معنى الاشتغال بهذه الأمور: حضور وقتها، وكذا لو كان في الحمام، كما في "المنهاج" في (الشفعة) 5، وكل ما قيل في أحد البابين يجيء في الآخر؛ لاستوائهما في المعنى.
1827 - قوله: (أو ليلاً.. فحتى يصبح) 6 كذا أطلقه الرافعي والنووي 7، وأفهم كلام المتولي تقييده بمن لم يتمكن من الحاكم ولا الشهود ولا البائع، وصرح به ابن الرفعة، وقال: إذا تمكن من المسير بغير كلفة.. فكالنهار، ولا يكلف سرعة السير.
قلت: أخرج كلامه مخرج الغالب في الانقطاع عن التصرفات ليلاً، فلو كان هو والبائع مجتمعين في مكان واحد.. انتفى ذلك، وكذا لو كان العلم به في أوائل الليل بحيث لم تنقطع تصرفات الناس في حوائجهم غالباً، والله أعلم.
1828 - قوله: (فإن كان البائع بالبلد.. رده عليه بنفسه أو وكيله أو على وكيله) 8 فيه أمور:
أحدها: اعترض عليه: بأن فيه نقصاً عما في "المحرر" فإن لفظه: (رد بنفسه أو وكيله عليه أو على وكيله) 9 أي: لكل منهما الرد على كل منهما، فقدم في "المنهاج" لفظة: (عليه)، ففاته النص على التخيير عند الرد على الوكيل.
ثانيها: محل الرد بوكيله: إذا لم يحصل بالتوكيل تأخير.
ثالثها: بقي عليه: أن له الرد على وارث البائع أيضاً بعد موته، وعلى الموكل إن قلنا: يطالب بالعهدة، كما هو المذهب، والرد على البائع فيما إذا كان وكيلاً مبني على مطالبته بالعهدة، كما نبه عليه السبكي، وهو واضح.
1829 - قوله: (ولو تركه ورفع الأمر إلى الحاكم.. فهو آكد) 1 اقتصر في "الحاوي" على التخيير بين الرد على المالك والرفع إلى الحاكم، ولم يذكر أنه آكد 2، وصحح الإمام: أن العدول إلى الحاكم مع حضور الخصم تقصير 3، وقال الغزالي: يُبدأ بالبائع، فإن عجز.. أشهد، فإن عجز.. فالحاكم 4، وقال ابن الرفعة: إذا علم بحضرة أحدهم.. فالتأخير لغيره تقصير، ولم يذكر "التنبيه" الرفع إلى الحاكم، واقتضى كلامه تعيين الرد على المالك.
واعلم: أنه ليس المراد بالرفع إلى الحاكم: الدعوى؛ لأن غريمه غائب عن المجلس، وهو في البلد، وإنما يفسخ بحضرته، ثم يستعديه على غريمه، فإذا قلنا: إن القاضي لا يقضي بعلمه.. فأيّ فائدة لفسخه بحضرته مع غيبة غريمه؟ ! فلعل ما ذكروه مفرع على القضاء بالعلم، قاله السبكي رحمه الله.
1830 - قول "المنهاج" [ص 221]: (وإن كان غائباً.. رَفَعَ إلى الحاكم) أي: يتعين ذلك، والمراد: غيبته وغيبة وكيله، وطريقه في الرفع: أن يدعي الشراء ويبين العيب، ويثبت ذلك ببينة، ويفسخ به، ويحلف؛ لأنه قضاء على غائب، ويأخذ القاضي المبيع منه، ويضعه تحت يد عدل، ويعطيه الثمن من مال الغائب، فإن لم يجد سوى المبيع.. باعه فيه، كذا في "الروضة" وأصلها عن القاضي حسين 5.
قال في "المهمات": وهو يوهم أو يقتضي أن المشتري إذا فسخ بالعيب.. ليس له حبس المبيع لاسترداد الثمن، وليس كذلك، بل له حبسه إلى قبضه، كما نقله الرافعي في حكم المبيع قبل القبض "التتمة"، وأقره 6، وبَنَى عليه امتناع تصرف البائع فيه.
واعلم: أن إطلاقهم الغيبة يتناول المسافة القريبة، وذكرهم التحليف يقتضي أن المراد: المسافة التي يحكم فيها على الغائب، ومال ابن الرفعة إلى الأول.
1831 - قول "المنهاج" [ص 221]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 275]: (والأصح: أنه يلزمه
الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم) فيه أمور:
أحدها: المراد: إشهاد اثنين، كما ذكره الغزالي 1، قال ابن الرفعة: وهو احتياط؛ لأن الواحد مع اليمين كاف، ومال في نظيره من الشفعة إلى عدم الاكتفاء به، وحكاه عن "البحر"، ثم قال: ولا يبعد الاكتفاء به على رأي 2.
ثانيها: ما صرح به في "المنهاج" من أن الإشهاد على الفسخ لم يتعرض له "الحاوي"، وهو مقتضى كلام الغزالي، لكن الذي يقتضيه كلام الرافعي في (الشفعة): أنه يشهد على طلب الفسخ 3.
ثالثها: ينبغي إذا أشهد على الفسخ أن يكتفى بذلك، ولا يحتاج بعده إلى إتيان حاكم، ولا بائع إلا للمطالبة، لكن قوله: (حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم) ينافيه، كذا بحثه شيخنا ابن النقيب 4.
وجوابه: أن الاكتفاء بالإشهاد إنما هو عند تعذر البائع والحاكم؛ ولا تعذر هنا، فلا يكفي العدول إلى البدل مع القدرة على الأصل.
رابعها: ذكر الرافعي والنووي في نظيره من (الشفعة): أنه لا يجب الإشهاد 5، والبابان مستويان في المعنى، وهو مقتضى عبارة "التنبيه" هنا؛ حيث لم يذكر الإشهاد.
1832 - قول "المنهاج" [ص 221]: (فإن عجز عن الإشهاد.. لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح) هو مفهوم من كون "الحاوي" لم يذكره، وهو في "الروضة" وأصلها محكي عن تصحيح الإمام والبغوي 6، وصححه في "الشرح الصغير"، لكن قال في "المهمات": الراجح: أنه لا بد منه؛ فقد حكاه صاحب "التتمة" عن عامة الأصحاب، قال: وهو صريح في حكايته عن الأكثرين.
قلت: ليس الترجيح بالكثرة، بل بالدليل، ولا دليل على وجوب التلفظ بالفسخ في هذه الصورة، وليس هو أمراً يتعبد به، وإنما هو معاملة يعتبر فيها خطاب الغير، والله أعلم.
1833 - قوله: (فلو استخدم العبد) 7 أي: في ذهابه لرده أو في المدة المغتفرة، وقد يخرج
بذلك ما إذا خدمه العبد من غير طلب منه، لكنه سكت، والظاهر: أنه لا يبطل حقه بذلك من الرد، كما لا يحنث إذا حلف لا يستخدمه، وقد يُدَّعَى دخول هذه الصورة في قول "الحاوي" [ص 275]: (وترك الانتفاع) لحصول الانتفاع بخدمته من غير طلب، وقد يقال: الانتفاع: طلب النفع، فهي حينئذ كعبارة "المنهاج"، وقد يتناول لفظ الاستخدام ما إذا طلب منه الخدمة، فلم يخدمه، وفيه بعد.
وقد يرد على "الحاوي": ما إذا علم بعيب الثوب في الطريق وهو لابسه، فلم ينزعه؛ فإنه انتفاع، لكنه يعذر به، كما حكاه الرافعي عن الماوردي، وأقره؛ معللاً بأن نزع الثوب في الطريق غير معتاد 1.
قال في "المهمات": ويتعين تصويره في ذوي الهيئات؛ فإن غالب المحترفة لا يمتنعون من ذلك.
1834 - قول "المنهاج" [ص 221]: (أو ترك على الدابة سرجها) أي: إن لم يضرها وضعه، وفي معناه: الإكاف 2، وقد ذكره "الحاوي" 3.
لا العذار 4، فلا ينزعه، وقد ذكره "الحاوي" 5.
1835 - قول "الحاوي" [ص 275]: (لا الركوب إن عَسُرَ القَوْدُ) أي: والسَّوْقُ، فمتى أمكن سَوقُها.. لا يعذر في ركوبها، وقد ذكره "المنهاج" 6، وكان عذر "الحاوي" في كونه لم يذكره: أنه إذا عسر القَوْدُ.. فالسَّوْقُ أعسر غالباً، إلا في حق إبل العرب ونحوها، وذكر الماوردي والروياني أنه لا يضر الانتفاع اليسير؛ كاسقني ونحوه 7، ورجح السبكي: أنه لا يضر الانتفاع ما لم يدل على الرضا كلبس الثوب والوطء، قال: ومحل الكلام في هذا: إذا لم نوجب التلفظ بالفسخ.
1836 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ولو حدث عنده عيبٌ.. سقط الرد قهرا) مثل قول "التنبيه" [ص 94]: (وإن وجد العيب وقد نقص المبيع عند المشتري) وفيه أمران:
أحدهما: محل هذا: إذا لم يستند ذلك إلى سبب متقدم عند البائع؛ كقطع العبد بجناية سابقة.. فلا يمنع الرد، وهو مأخوذ من قول "المنهاج" فيما تقدم [ص 220]: (أن للمشترى الرد بالعيب الحادث بعد القبض إذا استند إلى سببٍ متقدم)، وذكره "الحاوي" أيضاً 1، فإذا كان له الرد به.. فلأن لا يمنع الرد بغيره من طريق الأولى.
ثانيهما: إنما يسقط الرد إذا استمر ذلك العيب الحادث، فلو زال قبل علمه بالعيب القديم.. فله الرد فى الأصح، فلو لم يزل الحادث إلا بعد أخذ أرش القديم.. لم يكن له الفسخ ورد الأرش على الأصح، وكذا لو زال بعد قضاء القاضي بالأرش وقبل أخذه على الأصح في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن البغوي، وأقره 2، خلافاً لقول "الحاوي" [ص 276، 277]: (وقبله بعد القضاء بالأرش.. جاز).
1837 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ثم إن رَضِيَ به البائع.. رده المشتري أو قَنِعَ به) أي: بلا أرش، وقد أوضحه "التنبيه" بقوله [ص 94]: (فإن قال البائع: أنا آخذه منك معيباً.. سقط حقه من الأرش) والمراد: أخذه معيباً بدون الأرش، أما لو طلب البائع رده مع أخذ أرش الحادث، وطلب المشتري الإمساك مع أخذ أرش القديم أو بالعكس.. فالأصح: إجابة من طلب الإمساك مع أخذ أرش القديم بائعاً كان أو مشترياً، وقد ذكره "المنهاج" 3.
ويستثنى من ذلك: ما لو كان ربوياً بيع بجنسه كالحلي، ثم اطلع على عيب قديم بعد حدوث آخر.. فالأصح: أنه يتعين الفسخ مع إعطاء المشتري للبائع أرش العيب الحادث، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 277]: (والرد بأرش الحادث في ربوي بيع بجنسه).
1838 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ويجب أن يُعْلِمَ المشتري البائع على الفور بالحادث) يستثنى منه: ما إذا كان الحادث قريب الزوال؛ كالرمد والحمى.. ففي اعتبار الفور في الإعلام قولان، لا تصحيح فيهما في كلام الرافعي والنووي، ولم يتعرض في "التنبيه" للمبادرة بالإعلام، ولابد من التنبيه عليهما في قوله: (وله أن يطالب بالأرش) 4.
1839 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ولو حدث عيبٌ لا يُعْرَفُ القديم إلا به ككسر بيضٍ ورانجٍ، وتقوير بطيخٍ مُدَوِّدٍ.. رَدَّ ولا أرش عليه في الأظهر) 5 فيه أمور:
أحدها: المراد: بيض النعام؛ فإنه يبقى له بعد كسره قيمة، بخلاف بيض الدجاج ونحوه؛ فإنه لا قيمة لمذره بعد الكسر، فلا يتأتى فيه الأرش، وهذا وارد على قول "الحاوي" أيضاً [ص 275]: (وإن نقص بما توقف عليه الوقوف) أي: على العيب؛ فإنه يتناول بيضة الدجاجة المذرة، ولا رد في هذه الصورة، بل يتبين بطلان البيع على الصحيح؛ لوروده على غير متقوم، وقد ذكر ذلك "التنبيه" بقوله [ص 94]: (وإن لم يكن لما بقي قيمة.. رجع بالثمن كله).
ثانيها: المراد: البطيخ المُدَوّد بعضه، أما المدود جميعه.. فهو كبيضة الدجاجة المذرة، فيرجع بجميع الثمن؛ لفساد البيع، وأطلق "التنبيه" ذكر البطيخ، والمراد: المُدَوّد، أما الحامض: فالغرز فيه كاف؛ لحصول المعرفة بذلك.
ثالثها: قوله: (في الأظهر) يحتمل عوده إلى الأرش ففط مع القطع بالرد، وهو ظاهر عبارة "المحرر" 1، قال السبكي: ولكنها طريقة لم أعلم من قال بها وإن خرجت من الأقوال الثلاثة.
انتهى.
ويحتمل عوده إليهما؛ أي: رد على الأظهر، ولا أرش إذا رد على الأظهر؛ فإن فيه أقوالاً حكاها في "التنبيه" من غير ترجيح، المرجحُ الرد مع الأرش، وعدم الرد، قال في "التصحيح": والأصح: أن له رده، ولا أرش عليه 2.
1840 - قول "التنبيه" [ص 94]: (وإن اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيباً.. رده، وأمسك الآخر في أحد القولين) الأصح: خلافه، بل إما أن يمسكهما أو يردهما، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 222]: (ردهما لا المعيب وحده في الأظهر) ومحل المنع: إذا لم يتراضيا عليه، فيجوز حينئذ في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 274]: (فيرد حصّة عقدٍ، وبالرضا بعضاً).
واعلم: أن الرافعي والنووي حكيا وجهين في رد بعض المبيع قهراً إذا لم ينقص بالتبعيض كالحبوب، ولم يرجحا منهما شيئاً 3، وقال شيخنا الامام البلقيني: الأصح: الجواز، ونص عليه الشافعي في "البويطي"، قال شيخنا: وعلى هذا يرد على "الحاوي" إطلاق: (وبالرضا بعضاً) أي: على مفهومه، فيقال: ويرد البعض بدون الرضا فيما إذا لم ينقص بالتبعيض كالحبوب ونحوها، ومحل الخلاف المتقدم: فيما لا يتصل منفعة أحدهما بالآخر، أما نحو: زوجي خف، ومصراعي باب.. فلا يجوز الإفراد قطعاً، وشذ بعضهم فحكى القولين، فلو باع بعض المبيع للبائع، ثم اطلع على عيب.. فهل له رد ما بقي على ملكه؟ حكى فيه البغوي في "فتاويه" قبل سجود السهو وجهين:
أحدهما: لا يجوز؛ لتفريق الملك في المعنى.
الثاني: يجوز؛ إذ لا تفريق في الصورة، وجعل ذلك نظير من صلى قاعداً لعذر فنسي التشهد الأول، وقرأ (الفاتحة).. هل له أن يعود إلى التشهد؟ فيه وجهان، الأصح: لا، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
1841 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ولو اشترياه.. فلأحدهما الرد في الأظهر) بعد قوله: (ولو اشترى عبدَ رجلين معيباً.. فله رد نصيب أحدهما) يقتضي أن صورة المسألة: أنهما اشتريا عبد رجلين، وحينئذ.. تكون الصفقة في حكم أربعة عقود، وكان كل واحد اشترى الربع من هذا والربع من ذاك، ولكل منهما أن يرد بالعيب على أحد البائعين دون الآخر، وهذه مسألة صحيحة، لكن مسألة "المحرر" فيما لو اشترى اثنان من واحد 1، فقول "المنهاج": (ولو اشترياه) أي: المبيع من رجل واحد، ولا يعود الضمير على المتقدم ذكره، وهو: (عبد رجلين)، وعبارة "التنبيه" في ذلك واضحة؛ حيث قال [ص 94]: (ولو اشترى اثنان عيناً، ووجدا بها عيباً.. جاز لأحدهما أن يرد نصيبه دون الآخر).
1842 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ولو اختلفا في قِدَمِ عيب.. صُدِّق البائع بيمينه) فيه أمور:
أحدها: المراد: ما إذا احتمل صدق كل منهما، أما إذا قطعنا بما ادعاه أحدهما.. فهو المصدق، وهذا يرد أيضاً على قول "الحاوي" [ص 277]: (والقول للبائع في حدوثه)، وعن ذلك احترز "التنبيه" بقوله [ص 95]: (يمكن حدوثه) فخرج بذلك ما إذا قُطع بالقدم أو الحدوث.
ثانيها: تناولت عبارته ما إذا ادعى البائع حدوثه حتى لا يُرَدّ عليه، وادعى المشتري قدمه ليرد، وهي مراده، وعكسه، وصورته في البيع: بشرط البراءة من العيوب، فيدعي المشتري حدوثه قبل القبض ليرد به؛ فإنه لا يبرأ منه، ويدعي البائع قدمه، والحكم فيها كالأولى على الظاهر، وقيل: المصدق المشتري، وخرجت هذه الصورة بقول "التنبيه" [ص 95]: (فقال البائع: حدث عندك، وقال المشتري: بل كان عندك)، وبقول "الحاوي" [ص 277]: (والقول للبائع في حدوثه)، فلم يتعرضا لهذه الصورة؛ لندورها.
ثالثها: تناولت عبارة "المنهاج" أيضاً ما إذا اختلفا في حدوث عيب يمنع الرد، فادعى البائع حدوثه، وادعى المشتري أن العيبين قديمان، لكن ذكر ابن القطان في مطارحاته: أن المصدق هنا المشتري، وجعلها قاعدةً، فحيث كان العيب.. يثبت الرد، فالمصدق البائع، وحيث كان يبطله.. فالمصدق المشتري، فهذه واردة على عبارة "المنهاج" وعلى عبارة "الحاوي" أيضاً؛
لأن البائع يدعي الحدوث، ومع ذلك فالمصدق المشتري، وعلى عبارة "التنبيه" أيضًا، فليس في لفظه ما يخرجها.
رابعها: إذا صدقنا البائع في حدوث العيب، فحلف، ثم جرى الفسخ بعده بتحالف، فطالب المشتري بأرشه، وزعم أنه أثبت حدوثه بيمينه.. فلا نجيبه إليه؛ لأن يمينه وإن صلحت للدفع عنه فلا تصلح لشغل ذمة المشتري، بل للمشتري أن يحلف الآن أنه ليس بحادث، ذكره في "الوسيط" تبعا للقاضي والإمام 1، فقولهم: بتصديق البائع؛ أي: في دفع الرد عليه لا في تغريم المشتري الأرش إذا حدث عوده إليه.
1843 - قول "التنبيه" [ص 95]: (وإن باعه عصيرًا وسلمه إليه، فوجد في يد المشتري خمرًا، فقال البائع: عندك صار خمرًا، وقال المشتري: بل كان عندك خمرًا.. ففيه قولان، أحدهما: القول قول البائع، والثاني: القول قول المشتري) الأصح: الأول، وصورة المسألة: أنه مضى زمن يمكن انقلابه فيه، وفي تعبيره أولًا بالعصير تجوّز، فإذا فرض المقبوض عصيرًا.. لم يحسن الاختلاف.
وجوابه: أنه عصير حقيقة إن صدق البائع، ومجازًا باعتبار ما كان إن صدق المشتري، وأحسن منه جواب آخر سيأتي ذكره.
فإن قلت: لم لا اسْتُغني في "التنبيه" بالمسألة قبلها، وهي الاختلاف في قدم عيب عن هذه المسألة، كما فعل "المنهاج" و"الحاوي"؟
قلت: الاختلاف هناك فيما يقتضي الرد مع صحة عقد، والاختلاف هنا في مبطل؛ فإن الخمر لا يصح بيعه.
فإن قلت: فهذا هو الخلاف في دعوى أحد المتبايعين صحة العقد والآخر فساده.
قلت: الظاهر: أنه غيره، وأن الكلام هناك في مقارنة المفسد للعقد، وهنا في مقارنته للقبض، وبهذا يظهر أنه لا تَجَوّز في قوله: (وإن باعه عصيرًا) فالمبيع عصير بلا شك، والنزاع في أنه صار خمرًا قبل القبض أو بعده.
1844 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (والزيادة المنفصلة كالولد لا تمنع الرد) 2 يستثنى منه: ولد الأمة؛ فالأصح: منع التفريق بينهما في الصغر بالرد بالعيب، كما ذكره الرافعي والنووي في (التفليس) 3، وصحح ابن الرفعة: جوازه.
1845 - قول "المنهاج" [ص 223]: (ولو باعها حاملًا فانفصل.. رده معها في الأظهر) وهو معلوم من تمثيل "الحاوي" للزيادة المتصلة بـ (الحمل عند العقد) 1، وقد يفهم ذلك من قول "التنبيه" [ص 94]: (وإن لم يعلم بالعيب حتى حَدَثَتْ له منها فوائد في ملكه.. أمسكها ورد الأصل) لأن الحمل الموجود عند العقد لم يحدث في ملكه، ومحل ذلك: إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت.. امتنع الرد، ذكره الرافعي والنووي 2.
وقال ابن الرفعة: إذا قلنا: العيب الذي تقدم سببه من ضمان البائع كما هو الأصح.. فينبغي أن يرد، ومحل ما بحثه ابن الرفعة: إذا كان جاهلًا بحملها، كما نبه عليه السبكي.
846 ا - قول "المنهاج" [ص 223]: (ولا يمنع الرد وطء الثيب) أي: إذا كان من المشتري، أما وطء غيره إذا كانت زانية به.. فهو عيب حادث يمنع الرد، ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 275]: (وَوَطِئَ الثيب) لكونه أتى به فعلًا، فاسند الوطء للمشتري، وكذا لا يرد على مفهوم قول "التنبيه" [ص 94]: (بأن كانت جارية بكرًا فوطئها) لما ذكرناه.
1847 - قول "المنهاج" [ص 223]: (وافتضاض البكر بعد القبض نقصٌ حَدَثَ) فيه أمران:
أحدهما: أن زوال البكارة بأيّ طريق كان ولو بوثبة كذلك.
الثاني: أن المفهوم من كونه نقصًا حدث: منع الرد، ويستثنى منه: ما إذا كان ذلك بزواج سابق، ويرد الأول على "التنبيه"، بل الإيراد عليه أبلغ؛ لقوله: (بأن كانت جارية بكرًا فوطئها) 3، فلم يذكر إلا وطأه هو خاصةً، فخرج به وطء غيره لها.
ويختص بإيراد آخر، وهو أنه قد يطأ ولا تزول البكارة؛ لكونها غوراء، والمدار في سقوط الرد على زوال البكارة كما تقدم، ولا يرد عليه الثاني؛ لكونه إنما تكلم على وطئه هو، ولا يمكن أن يكون ذلك بزواج سابق، وصرح "الحاوي" بالمسألة بقوله [ص 274]: (وافتراع بنكاح) 4.
1848 - قول "التنبيه" [ص 94]: (ومن علم بالسلعة عيبًا.. لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها) كذلك غير البائع إذا علم بالعيب.. وجب عليه بيانه.
1849 - قوله: (وإن تراضيا على أخذ الأرش.. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) 5 الثاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" 6، وقد تفهم عبارة "التنبيه" بقاء الخيار تفريعًا عليه، وهو
كذلك إن جهل فساد المصالحة في الأصح، وإلا.. فلا، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 276]: (وبطل به الرد إن علم فساده).
فصلٌ [في التصرية]
1850 - قول "المنهاج" [ص 223]: (التصرية حرام) 1 ظاهره: أنه لا فرق بين أن يريد البيع أم لا، وبه صرح المتولي؛ لما فيه من إيذاء الحيوان، وتعليل الرافعي بالتدليس يقتضي اختصاصه بما إذا أراد البيع 2. 1851 - قوله: (تثبت الخيار) 3 يقتضي نفيه إذا ترك حلبها ناسيًا أو تحفلت بنفسها، وكذا تقتضيه عبارة "التنبيه" 4، وصرح به "الحاوي" فقال عطفًا على المنفي [ص 273]: (وتحفله)، وسبقه إليه الغزالي 5، لكن صحح البغوي: ثبوت الخيار أيضًا 6، وسبقه إليه شيخه القاضي حسين، وليس في "الروضة" وأصلها تصريح بترجيح 7. 1852 - قول "المنهاج" [ص 223]: (على الفور، وقيل: يمتد ثلاثة أيامٍ) يقتضي أنه وجه، وهو قول كما في "الروضة" وأصلها 8، نص عليه الشافعي في اختلاف العراقيين كما قاله القاضي أبو الطيب و"الإملاء" كما حكاه الروياني 9. وقال ابن المنذر: إنه مذهب الشافعي 10. واختاره السبكي وقال: هو خيار شرعٍ، لا عيبٍ، وشيخنا الإسنوي وقال: إن البغوي صحح الفور، فتبعه الرافعي والنووي، وهو خلاف مذهب الشافعي 11، وشيخنا الإمام البلقيني وقال: ظاهر السنة الصحيحة يشهد له، وهل ابتداؤها من العقد أو التفرق؟ فيه الوجهان في خيار الشرط،
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب: اعتبارها من وقت ظهور التصرية، ولم يتعرض "التنبيه" و"الحاوي" للتصريح بكونه على الفور إلا أن يجعل قول "التنبيه" بعد ذكر خيار العيب [ص 94]: (فإن أخر الرد من غير عذر.. سقط حقه من الرد)، و"الحاوي" [ص 274]: (حال العلم) يعود لخيار التصرية أيضًا.
وفي المسألة وجه ثالث: أنه إن علم به قبل الثلاث.. امتد ثلاثًا، وإن علم به بعدها.. كان على الفور، حكاه في "المهمات" عن الجوري والفوراني وغيرهما.
1853 - قول "المنهاج" [ص 223]: (فإن رَدَّ بعد تلف اللبن.. رد معها صاع تمر) تبع فيه "المحرر" 1، ولا يتقيد ذلك بتلف اللبن، بل له رد الصاع مع بقائه؛ ولذلك لم يقيد "التنبيه" بالتلف فقال [ص 94]: (ويرد معها صاعًا من تمر بدل اللبن) وقيد "الحاوي" بتلف اللبن أو بعدم تراضيهما على رده 2، وهي عبارة حسنة؛ فإنهما لو تراضيا على رده.. جاز ذلك من غير صاع تمر، وكذا لو تراضيا على غيره من قوت أو غيره، وقد يرد ذلك على اقتصار "التنبيه" على ذكر صاع تمر، وليس للبائع إجباره على رد اللبن؛ لحدوثه على ملكه، ولا للمشتري رده على البائع قهرًا في الأصح؛ لذهاب طراوته، وحينئذ.. فلابد من صاع تمر، فلو قال "المنهاج": (بعد الحلب) كما في "الروضة" 3.. لاستقام؛ فإنه إذا رد قبله.. لا شيء عليه.
وذكر بعضهم: أن كلامهم يفهم أن الواجب صاع مطلقًا وإن تعددت المصراة، قال السبكي: ولم أقف لأصحابنا على نقل فيما إذا تعددت، لكن نقل ابن قدامة الحنبلي عن الشافعي تعدد الصاع بتعدد المصراة.
انتهى 4.
وفي إفهام كلامهم ذلك نظر، بل الذى يقتضيه كلامهم أن الواجب في كل مصراة: صاع، كما هو المحكي عن الشافعي 5، والله أعلم.
وإطلاقهم صاعَ تمرٍ قد يفهم تخيير المُخْرَج في ذلك، مع أنه يتعين أن يكون من وسط تمر البلد.
1854 - قول "المنهاج" [ص 223]: (وقيل: يكفي صاع قوتٍ) يفهم التخيير بين الأقوات، وهو وجه، والأصح - تفريعًا على هذا الوجه -: أنه يتعين غالب قوت البلد، وفي "الكفاية":
إطلاق أن الرافعي صححه، وقد عرفت أنه إنما صححه تفريعًا على الضعيف 1.
1855 - قول "التنبيه" [ص 94]: (إذا اشترى ناقة أو بقرة أو شاة مصراة) يفهم اختصاص ذلك بالنعم، والصحيح خلافه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 272]: (وتصرية الحيوان)، وفي "المنهاج" عطفًا على الأصح [ص 223]: (وأن خيارها لا يختص بالنعم)، وفى تعبيره بالأصح نظر؛ ففي "الروضة": أن مقابله شاذ 2، فينبغي التعبير عنه بالصحيح.
1856 - قول "التنبيه" [ص 94]: (وإن اشترى جارية مصراة.. فقد قيل: لا يَرُدُّ، وقيل: يَرُدُّ إلا أنه لا يرد بدل اللبن) الأصح: الثاني، وهو مفهوم من إطلاق "الحاوي" الرد في الحيوان، وتقييد صاع التمر بالمأكول 3، وصرح "المنهاج" بذلك، لكنه بعد ذكر الرد في الجارية والأتان، وأنه لا يَرُدُّ معهما شيئًا، قال: (وفي الجارية وجه) 4 أي: أنه يَرُدُّ معها صاع تمر، وهو يفهم أنه لا يجري في الأتان، وطرده الإصطخري فيها؛ لأنه عنده طاهر مشروب، وفي التعبير فيهما بالأصح نظر؛ فقد عبر في "الروضة" عن الخلاف في الأتان بالصحيح مع تعبيره في الجارية بالأصح 5، وجزم "التنبيه" برد الأتان، وحكى الخلاف في رد الجارية 6، ولو عكس.. لكان أولى؛ لأن الراجح: نجاسة لبن الأتان، وطهارة لبنها، وقد يفهم من عبارته: أنا إذا قلنا: لا يَرُدّ الجارية.. لا غرم، والأصح - تفريعًا عليه -: وجوب الأرش، حكاه الرافعي عن البغوي 7، وصححه في "الكفاية".
1857 - قول "المنهاج" [ص 223]: (وَحَبْسُ ماء القناة أو الرحى يُرسل عند البيع) لم يذكر "الحاوي" الرحى؛ ولعله لدخوله في القناة، ولا قوله: (يُرسل عند البيع)، وهو أشمل؛ لدخول إرساله عند الإجارة في ذلك، قال السبكي: ومحل ذلك: إذا دلس البائع أو من واطأه، وإلا.. فعلى الخلاف فيما لو تحفلت الشاة بنفسها.
قلت: وذلك مفهوم من التعبير بالحبس.
1858 - قول "المنهاج" [ص 223]: (وتجعيدُه) زيادة على "المحرر"، قاله شيخنا الإسنوي، قال شيخنا ابن النقيب: وقد رأيتها في نسخة منه، والمراد بالتجعيد هنا: ما فيه التواءٌ
وانقباض، فإنه يدل على قوة البدن لا مفلفل السودان 1.
1859 - قول "الحاوي" في أمثلة فقد وصف مقصود مشروط [ص 272]: (وتهود الجارية أو تنصرها، فبانت مجوسية) ذكر المجوسية مثال؛ فسائر الجواري الممتنع وطؤهن في معناها، ويرد عليه أيضًا: أنه يقتضي أن التمجس ليس عيبًا يرد به مطلقًا، وليس كذلك كما تقدم.
1860 - قوله: (أو ثيابتها) 2 أي: فبانت بكرًا.. فله الخيار، هذا وجه، والأصح عند الرافعي والنووي: أنه لا خيار له؛ لأنها أفضل 3، وعليه مشى "التنبيه" فقال [ص 94]: (لم يرد، وقيل: يرد).
قوله: (والإقالة فسخٌ لا تُجَدِّدُ الشفعة) 4 سائر أحكام البيع كالشفعة، فهي مثال.