تحرير الفتاوىكتابُ الصَّيُد والذّبائح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ الصَّيُد والذّبائح

كذا في "التنبيه" و"المنهاج" تقديم الصيد في الترجمة على الذبائح، لكنهما قدَّما في ذكر الأحكام الذبائح على الصيد 1. 5473 - قول "المنهاج" [ص 532]: (ذكاة الحيوان المأكول بذبحه في حَلْقٍ أو لَبَّةٍ إن قُدر عليه، وإلا .. فبعَقْرٍ مُزهِقٍ) فيه أمران: أحدهما: أورد على حصره الجنين الذي يوجد في بطن أمه ميتاً؛ فإنه لم يذبح ولا عقر، وهو حلال، ولا يحصل الجواب بذكره له في الأطعمة؛ لأن الإيراد على حصره هنا، وقد يقال: الكلام في الذكاة استقلالاً، والحل في الجنين بطريقة التبعية، فلو خرج رأسه وفيه حياة مستقرة .. فقال القاضي والبغوي: لا يحل إلا بذبحه؛ لأنه مقدور عليه، وقال القفال: يحل؛ لأن خروج بعض الولد كعدم خروجه في العدة وغيرها 2، وصححه النووي 3، فلو خرج رأسه ميتاً، فذبحت الأم قبل انفصاله .. حل كما قاله البغوي حكاه ابن الرفعة، ثم قال: وقد يمنع حله.
ثانيهما: أن كلامه هنا يقتضي تسمية الكل ذبحاً، وقوله بعد ذلك: (ويسن نحر إبل وذبح بقر وغنم) 4 يقتضي أن المسنون في الإبل لا يسمى ذبحاً، وفسر الذبح: بأنه قطع الحلق، وهو أعلى العنق، والنحر: بأنه قطع اللبة، وهي أسفل العنق.
5474 - قول "المنهاج" [ص 532]: (وشرط ذابح وصائد حل مناكحته) أحسن وأخصر من قول "التنبيه" [ص 82]: (ولا تحل ذكاة المجوسي والمرتد ونصارى العرب وعبدة الأوثان) وأحسن منهما قول "الحاوي" [ص 624]: (من نناكحه وأمةٍ كتابيةٍ) لإشارته لاستثناء الأمة الكتابية من تحريم ذبيحة من لا تحل مناكحته؛ فإنها لا يحل نكاحها وذبيحتها حلال، وإن كان "المنهاج" ذكر المسألة عقبه، لكن ذكرها في الضابط أولى، على أنه قد أورد على عبارتهما أمور: أحدها: أمهات المؤمنين رضي الله عنهن لا تحل مناكحتهن وتحل ذبيحتهن، أورده في "المهمات"، وقال: ينبغي أن يقول في الضابط: من لا تحل مناكحته لنقصه، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كن يحل نكاحهن للمسلمين قبل أن ينكحهن، وبعد أن نكحهن، فالتحريم

الحديث: 5473 - الجزء: 3 - الصفحة: 375

على غيره لا عليه، فهو رأس المسلمين صلى الله عليه وسلم، فلا يورد ذلك إلا قليل البصيرة.
ثانيها: كان ينبغي تقييد حل المناكحة بالمسلمين؛ فإن تناكح أهل الكتاب جائز.
ثالثها: يرد عليه أيضاً ذبح المحرم أو صيده أو الحلال في حرم مكة للصيد؛ فإنه ميتة على الجديد.
5475 - قول "المنهاج" [ص 532]: (ويحل ذبح صبي مميز، وكذا غير مميز، ومجنون وسكران في الأظهر) فيه أمور: أحدها: أن محله في غير المميز إذا أطاق الذبح، فإن لم يُطق .. لم يحل، نص عليه في "الأم" و"المختصر" 5، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقد يقال: لا حكم للمعجوز عنه، وإنما يحكم على ما يدخل تحت القدرة.
ثانيها: تبع في الترجيح "المحرر" 6، وصححه في "الروضة" من زوائده 7، ولم يصحح في "الشرحين" شيئاً، بل قوة كلامه في "الشرح الصغير": ترجيح المنع؛ فإنه قال: فيه قولان، أظهرهما عند الإمام وجماعة: المنع، وزاد في "الكبير": وقطع الشيخ أبو حامد وصاحب "المهذب" بالحل 8، وكذا صحح شيخنا في "تصحيح المنهاج" طريقة القطع بالحل.
ثالثها: قال البغوي: إن كان للمجنون أدنى تمييز أو للسكران قصد .. حل قطعاً 9. رابعها: قد يفهم أنه لا كراهة في ذكاة المجنون والسكران، ولا سيما وقد قال بعده: (وتكره ذكاة أعمى) 10 وليس كذلك، بل تكره ذكاتهما، وبه صرح في "التنبيه" 11، ونص عليه الشافعي، فلو قال "المنهاج": (وتكره كالأعمى) .. لكان أخصر وأحسن.
5476 - قول "التنبيه" [ص 82]: (ثم أرسله من هو من أهل الذكاة) يقتضي حل اصطياد الأعمى؛ لأنه من أهل الذكاة كما تقدم، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 624]: (وإرسال بصير) وقال "المنهاج" [ص 532]: (ويحرم صيده برمي وكلب في الأصح) وفيه أمور: أحدها: تعبيره (بالأصح) يقتضي أنه وجه، وليس كذلك، بل هو مقتضى نص "الأم" حيث

الحديث: 5475 - الجزء: 3 - الصفحة: 376

قال: (وإذا أصابت الرمية الصيد والرامي لا يراه فذبحته أو بلغت ما شاءت .. لم يأكله، وجد به أثراً من غيرها أو لم يجده) 12. ثانيها: أطلق موضع الخلاف، وفي "أصل الروضة": الأشبه أنه مخصوص بما إذا أخبره بصير بالصيد، فأرسل الكلب أو السهم، وكذا صورها في "التهذيب"، وأطلق الوجهين جماعة.
انتهى 13. وقال الإمام: عندي أن الوجهين مخصوصان بما إذا أدرك حسن الصيد، وبنى إرساله عليه 14. قال في "المهمات": وتعبيره وتعبير الرافعي قاصران عن المعنى، والصواب: التعبير بعبارة تعمهما.
ثالثها: مقتضى كلام الثلاثة: حل صيد المجنون والصبي والسكران، ويخالفه أن في "الروضة" وأصلها: أن الوجهين في الأعمى يجريان في اصطياد الصبي والمجنون 15، ومقتضاه: استواء الترجيح، لكن صحيح في "شرح المهذب": حل اصطيادهما 16، وقال الشافعي رضي الله عنه عنه في "الأم": ولا بأس بصيد الصبي، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" 17. 5477 - قول "التنبيه" [ص 82]: (ولا يحل من الحيوان المأكول شيء من غير ذكاة إلا السمك والجراد) قال في "شرح المهذب": لا يرد على الحصر الصيدُ الذي قتله جارحة أو سهم، وكذا الحيوان الذي يتردى في بئر أو يندُّ؛ فإنه يقتل حيث أمكن؛ فإن ذلك ذكاة لهما، قال: وكذا الجنين في بطن أمه؛ فإن ذكاة أمه ذكاة له كما ورد به الحديث 18. وأورد ابن الرفعة على الحصر: ما لو خرج رأس ميتاً فذبحت الأم قبل انفصاله .. فإنه يحل كما قاله البغوي، ثم قال: وقد يمنع حله، وعبارة "المنهاج" [ص 532]: (وتحل ميتة السمك والجراد ولو صادهما مجوسي) فلم يأت بحصر صريح.
وأورد عليهما: أن مقتضى كلامهما: أن غير السمك من حيوان البحر لا تحل ميتته، وليس كذلك في الأصح، ويدل على انقسام حيوان البحر إلى السمك وغيره قول "المنهاج" في أول (الأطعمة) [ص 539]: (حيوان البحر السمك منه حلال كيف مات، وكذا غيره في الأصح)، لكن

الحديث: 5477 - الجزء: 3 - الصفحة: 377

الأصح في "أصل الروضة" و"شرح المهذب": أن اسم السمك يقع على جميع حيوان البحر 19. وأجيب عن عبارة "المنهاج": بأن المراد: ما ليس على صورة السمك المشهورة؛ بدليل قول الرافعي في "الشرح" والنووي في "شرح المهذب": وما ليس على صورة السمك المشهورة 20. واستُثني من حل ميتة السمك مسألتان: أحدهما: إذا وجدت سمكة في جوف أخرى ميتة .. حلت، إلا أن تنقطع وتتغير في الأصح؛ لأنها كالروث والقيء.
ثانيهما: في زيادة "الروضة" في تحريم الصيد على المحرم عن الروياني عن الأصحاب: أنه إذا قتل الجراد .. يحرم؛ ففي تحريمه على غيره قولان في ذبح المحرم الصيد 21، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المعتمد أنه لا يحرم على غيره، وفي زيادة "الروضة": أنه لو ذبح مجوسي سمكة .. حلت، وهو الموافق لقول "المنهاج" هنا [ص 532]: (ولو صادهما مجوسي).
5478 - قول "المنهاج" [ص 532]: (وكذا المتولد من طعام؛ كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح) ليس في "المحرر"، وقال في "الدقائق": إن "المحرر" أشار إلى هذا بقوله: (ما تحل ميتته كالسمك والجراد) فأشار إلى ميتة حلال سواهما 22. وهذا يدل على أن "المنهاج" أراد بقوله: (وكذا الدود) يعني: ميتة الدود، ولم يتعين إرادة "المحرر" الدود؛ لأن الصيد الميت بالضغطة والجنين استثناهما الرافعي في الميتات؛ فالظاهر أنه أرادهما.
ومقتضى كلام "المنهاج" و"الدقائق" تحريم أكله حياً مع الطعام، وليس كذلك، بل يحل، ولا يجيء فيه الخلاف في ابتلاع السمكة حية، ولولا كلامه في "الدقائق" .. لحمل على الأعم من كونه حياً وميتاً، والأليق ذكر هذا في الأطعمة، وقيد شيخنا في "تصحيح المنهاج" حل أكله معه بألاَّ ينقله أو يسحبه من موضع من الطعام إلى آخر، فإن فعل .. فكالمنفرد، فيحرم في الأصح.
5479 - قوله: (ولا يُقطع بعض سمكة، فإن فعل أو بلع سمكة حية .. حل في الأصح) 23 فيه أمور:

الحديث: 5478 - الجزء: 3 - الصفحة: 378

أحدها: قال شيخنا ابن النقيب: قوله: (ولا يقطع بعض سمكة) أي: يحرم هذا الفعل 24. قلت: يوافق ذلك قول "النهاية": لا شك أن ذلك غير سائغ؛ فإنه في معنى التعذيب 25، لكن عبارة الرافعي: لا ينبغي، وعبارة "الروضة": يكره 26. ثانيها: قوله: (فإن فعل) أي: مع حياة الباقي، فإن لم يبق في الباقي حياة .. فلا خلاف في الحل، وكلام الرافعي يدل عليه.
ثالثها: تعبيره بالأصح يقتضي أنه وجه، وقد حكاه الشيخ أبو حامد في صورة المتطوع عن نص "الأم".
رابعها: الخلاف ضعيف جداً، كان ينبغي التعبير عنه بالصحيح إن لم يطلع على النص.
خامسها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": مقتضاه: أن لنا وجهاً في ابتلاع السمكة حية: أنها لا تحل، وليس كذلك، بل هي حلال قطعاً، وإنما الخلاف في أن هذا الفعل هل يحرم؟ وكلام الرافعي يشهد له، ولكن ذكر الإمام والغزالي خلافه 27، وهو غير معروف.
5480 - قول "أصل المنهاج": (ولو تردى بعير ونحوه في بئر ولم يمكن قطع حلقومه .. فَكَنَادٍّ) 28 يقتضي أنه كالناد في إرسال السهم والجارحة، وكذا يقتضيه إطلاق "الحاوي" قوله [ص 624]: (وإرسال بصير جارحة) بعد قوله: (كإبل شرد أو تردى) وبه قال البصريون، لكن صحح الروياني: أنه لا يحل بإرسال الجارحة عليه، وقال الرافعي بعد حكايته عنه: ولك أن تتوقف فيه 29، واقتصر على نقله عنه في "الشرح الصغير" من غير ذكر هذا التوقف، ومن غير ذكر ترجيح البصريين، واستدركه في "المنهاج" فقال من زيادته [ص 533]: (الأصح: لا يحل بإرسال الكلب، وصححه الروياني والشاشي).
ونازعه في "المهمات" في النقل عن الشاشي، وقال: إنما نقل الشاشي تصحيحه عن الماوردي.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن ما صححه النووي مخالف لظواهر نصوص الشافعي ولمقتضى إطلاق كثير من الأصحاب ... ثم بسط ذلك، ثم قال: فالمذهب المعتمد: هو الحل.
5481 - قول "المنهاج" [ص 533]: (ومتى تيسر لحوقه بعدوٍ أو استغاثة بمن يستقبله .. فمقدور

الحديث: 5480 - الجزء: 3 - الصفحة: 379

عليه) يفهم أنه متى تعسر ذلك .. كان غير مقدور، وليس كذلك، بل لا بد من تحقق العجز عنه في الحال؛ ولذلك عبر "الحاوي" [ص 624] بـ (المعجوز عنه).
5482 - قول "المنهاج" [ص 533]: (ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق، وقبل: يشترط مذففٌ) فيه أمران: أحدهما: لا يختص هذا الخلاف بالناد والمتردي، بل يجري في الوحشي بطريق الإصابة كما صرح به الإمام والغزالي 30. ثانيهما: هذا الخلاف إنما هو في الرمي، فأما في إرسال الكلب .. فلا يشترط التذفيف قطعاً.
5483 - قوله: (وإن مات بتقصيره؛ بألا يكون معه سكين أو غُصبت أو نشبت في الغِمد .. حرم) 31 رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": الحل فيما إذا غصبت بعد الرمي، أو كان الغمد معتاداً غير ضيق فنشبت لعارض.
5484 - قوله: (ولو رماه فَقَدَّه نصفين .. حلاَّ) 32 أي: قطعتين، ولا يشترط تساويهما، بل الشرط ألاَّ يبقى في واحدة منهما حياة مستقرة.
5485 - قوله: (فيما لو أبان منه عضواً بغير مذفف، ولم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح .. حل الجميع، وقيل: يحرم العضو) 33 تبع فيه "المحرر" 34، وصحح في "الروضة" و"الشرحين": تحريم العضو 35، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 625]: (وللمبان بمذفف) وهو الحق؛ أنَّه أبين من حي؛ كقطع ألية شاة ثم ذبحها.
5486 - قول "المنهاج" [ص 533]: (وذكاة كل حيوان قدر عليه: بقطع كل الحلقوم - وهو مخرج النفس - والمريء؛ وهو مجرى الطعام) و"الحاوي" [ص 624]: (تمام الحلقوم والمريء) تبعا في هذا التعبير الغزالي؛ فإنه عبر بتمام 36، ونبه الرافعي على أنه لا يحتاج إليه؛ فإنه إذا ترك بعضهما .. لم يكن قاطعاً لهما 37، ولهذا لم يذكر "التنبيه" هذه اللفظة، وعبر بالحلقوم والمريء 38.

الحديث: 5482 - الجزء: 3 - الصفحة: 380

ويرد عليهما: أنه يشترط مع ذلك أن يصادف القطع كون المذبوح ذا حياة مستقرة، قال الإمام: في ابتداء الذبح خاصة 39، وفي أثناء كلام النووي ترجيحه 40، ولهذا قال "الحاوي" [ص 624]: (المزهق حياة مستقرة) وقوة كلام الغزالي وغيره تقتضي اشتراط استقرار الحياة بعد القطع، وحكاه في "الكفاية" عن الماوردي والغزالي، وأنه مقتضى نصه في "المختصر" 41. 5487 - قول "الحاوي" [ص 624]: (وظناً، بشدة حركة، وانفجار دم، وآخر) أي: ولو كان وجود الحياة المستقرة بطريق الظن، وذلك بشدة حركة وانفجار دم وعلامات أخر، تبع فيه الإمام 42، وقال النووي: الأصح: الاكتفاء بشدة الحركة، وهو مقتضى كلام الرافعي 43. ويستثنى من اعتبار استقرار الحياة: ما لو انتهى الحيوان بالمرض إلى حركة المذبوح .. فإن ذبحه كاف.
5488 - قول "التنبيه" [ص 82]: (والمستحب أن يقطع الأوداج كلها) قال في "التحرير": أنكر عليه؛ لأنهما ودجان فقط 44، ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 533]: (ويستحب قطع الودجين، وهما: عرقان في صفحتي العنق).
وأجيمب عن "التنبيه": بأن إطلاق لفظ الجمع على الاثنين مستعمل إما حقيقة أو مجازاً، وفي الرافعي: أنه يقال للحلقوم والمريء معهما: الأوداج، لكن لا يقال في قطع الحلقوم والمريء: إنه مستحب 45. 489 ء - قول "المنهاج" [ص 533]: (ولو ذبحه من قفاه .. عصى، فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة .. حل، وإلا .. فلا) كان ينبغي أن يقول: (فوصل إلى الحلقوم) لما قدمناه من أن العبرة بوجود الحياة المستقرة في ابتداء الذبح خاصة.
5490 - قول "التنبيه" [ص 82]: (والمستحب أن ينحر الإبل ويذبح البقر والغنم)، قال في "المنهاج" [ص 533]: (ويجوز عكسه) وظاهره بلا كراهة، وهو المشهور كما في "أصل الروضة" 46.

الحديث: 5487 - الجزء: 3 - الصفحة: 381

قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو ممنوع؛ فقد نص في "الأم" على الكراهة 47، ولم أقف على النص على مقابله، وفي "الكافي" للروياني: المنصوص: أنه يكره، وقال بعض أصحابنا: لا يكره، وكأنه أشار به للشيخ أبي حامد، وجزم الماوردي بأنه أساء 48. 5491 - قولهما: (وأن يكون البعير قائماً معقول ركبةٍ) 49 أي: اليسرى كما صرح به في شرح "المهذب" 50. 5492 - قولهما: (والبقرة والشاة مضجعة لجنبها الأيسر) 51 كذلك الخيل والصيود، قاله في "شرح المهذب" 52. 5493 - قول "التنبيه" [ص 82]: (ولا يذبح بسكين كال، فإن ذبح بها .. حل) هو مفهوم من استحباب "المنهاج" و"الحاوي" تحديد الشفرة 53، ومحل الحل: ألاَّ يكون كلالها غير قاطع إلا بشدة اعتماد وقوة الذابح، فإن كان كذلك .. لم يحل، ويشترط أيضاً: ألاَّ ينتهي الحيوان قبل استكمال قطع حلقومه ومريئه إلى حركة مذبوح.
5494 - قول "الحاوي" [ص 626]: (ونُدب سرعة القطع) تبع الرافعي في استحبابه 54، لكن مقتضى إيراده في موضع آخر وجوبه.
5495 - قولهما: (ويوجه إلى القبلة ذبيحته) 55 الأصح: أنه يوجه المذبح دون الوجه؛ ليمكنه هو أيضاً الاستقبال؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 626]: (وتوجيه المذبح).
5496 - قولهما: (وأن يقول: "باسم الله") 56 لا يختص ذلك بحالة الذبح، بل يسمى أيضاً عند الرمي إلى الصيد أو إرسال الكلب إليه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 626]: (لدى فعله) أي: من الذبح أو الرمي أو الإرسال؛ لأنه ابتداء الفعل، ويتأدى الاستحباب أيضاً بالتسمية عند عض الجارحة أو إصابة السهم، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 626]: (أو العض أو الإصابة)،

الحديث: 5491 - الجزء: 3 - الصفحة: 382

وقوله: (وندب تسمية الله تعالى وحده) (1) أي: لا يقول: باسم الله، واسم محمد، كما صرح به "المنهاج" (2) فإن ذلك لا يجوز، وقال الرافعي: إن أراد: أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد .. فينبغي ألاَّ يحرم، وقول من قال: لا يجوز يحمل على كراهة اللفظة، قال: وتنازع جماعة من فقهاء قزوين فيه، هل تحل ذبيحته أم لا؟ وهل يكفر أم لا؟ والصواب ما بيناه (3). ولم يرد "الحاوي" الاحتراز بذلك عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنها مستحبة كما صرح به "التنبيه" و"المنهاج"، ومقتضى كلامهما: أنها من سنن الذبح.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والذي قاله الشافعي في "الأم": (والتسمية على الذبيحة باسم الله، فإذا زاد بعد ذلك شيئاً من ذكر الله عز وجل .. فالزيادة خير، ولا أكره مع تسميته على الذبيحة أن يقول: صلى الله على رسول الله، بل أحبه له، وأحب له أن يكثر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في كل الحالات) (4)، وبسط ذلك، قال شيخنا: وقصد الشافعي بذلك المبالغة في مخالفة مالك في قوله: لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مع التسمية على الذبيحة، لا أنه أثبت أن ذلك سنة من سنن الذبح، ولا توقف أن الإكثار من الصلاة والسلام عليه مطلوب، وإنما الكلام في السنن في محل خاص، ولم يذكر الشافعي ذلك في الوضوء والتيمم والغسل ونحوها.

فصَلٌ [في بعض شروط الآلة والذبح والصيد]

5497 - قول "المنهاج" [ص 534]: (يحل ذبح مقدور عليه) كذا في "المحرر" 61، ولو عبر كما في "الروضة" بقوله: (لا يحل مقدور عليه إلا بالذبح في الحلق أو اللبة) 62 .. لكان أصوب وأحسن.
5498 - قول "التنبيه" [ص 82]: (ويجوز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا السن والظفر) مقتضاه: جواز الذبح بسائر العظام، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 534]: (إلا ظفراً وسناً وسائر العظام) و"الحاوي" [ص 624]: (بجارح لا عظم)، وقال في "شرح المهذب": ينكر على "التنبيه" قوله: (إلا السن والظفر) لاقتضائه جواز الذبح بالعظام المحددة سوى السن،57585960

الحديث: 5497 - الجزء: 3 - الصفحة: 383

وهذا لا يجوز بلا خلاف؛ فكان حقه أن يقول: إلا العظم والظفر أو إلا الظفر والسن وسائر العظام 63، لكنه قال في "تصحيحه": الأصح: أن الذبح بالعظم لا يجزئ 64، وذلك بدل على وجود الخلاف فيه، وظاهر نص "الأم" و"المختصر" الإجزاء في بقية العظام؛ فإنه لم يستثن فيهما سوى الظفر والسن 65، وحكاه الماوردي عن الشافعي رضي الله عنه صريحاً أنه قال فيمن ذبح بالعظم: كرهته، ولا يبين لي أن يحرم؛ لأنه لا يقع عليه اسم سن ولا ظفر، قال الماوردي: وفيه عندي نظر 66. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": بل هذا النص هو المذهب المعتمد، وهو مقتضى نص "الأم" و"المختصر"، وعليه العمل في الطريقين.
انتهى.
وفي الرافعي: لو ركب عظم على سهم وجعل نصلاً له فقتل به صيداً .. لم يحل، وعن "الحاوي": أن الشافعي قال: كرهته لي، ولا يبين لي أن يحرم 67، ولم يذكر في "الروضة" المحكي عن "الحاوي"، وقال: لم يحل على المشهور 68، وقد عرفت أن الذي في "الحاوي" عن الشافعي: حل الذبح بالعظم مطلقاً، سواء جعل نصل سهم وقتل به صيداً أم لا.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": قول "الروضة": (على المشهور) يقتضي إثبات قولين، ومن أثبت قولين في ذلك.
قال في "الكفاية": ويستثنى من السن والظفر: ما قتله الكلب بظفره ونابه.
قلت: لا يصح الاستثناء؛ لأن الكلام في الذبح، وقتل الكلب بظفره ونابه ليس من الذبح؛ ولهذا قال النشائي: وفي إيراده على لفظ الذبح بُعْدٌ مع أنه يأتي في الكتاب 69. 5499 - قول "المنهاج" [ص 534]: (فيما لو جرحه نصل وأثر فيه عُرْضُ السهم في مروره ومات بهما .. حَرُمَ) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ممنوع؛ فإنه إذا جرحه النصل ثم مر السهم فأثر فيه عرضه .. كان ذلك من ضرورة الرمي، فأشبه ما لو خرق بالنصل ونفذ السهم من ذلك الخرق؛ فإن مثل هذا لا يؤثر قطعاً، والذي في "الروضة" وأصلها: أن يصيب الصيد طرف من النصل، فيجرحه، ويؤثر فيه عُرْضُ السهم في مروره 70، وهذا يمكن القول بتحريمه، والمعتمد

الحديث: 5499 - الجزء: 3 - الصفحة: 384

عندنا في ذلك: أن كلاً من التصويرين لا تحريم فيه إذا كان الجرح لو انفرد .. كان مؤثراً، وأيضاً فقد يكون عرض السهم رقيقاً بحيث يكون محدداً، ولا توقف في حِله، وما ذكره الرافعي والنووي لم أقف عليه في كلام غيرهما، ونص "الأم" يقتضي خلافه.
5500 - قوله: (أو أصابه سهم فوقع بأرض أو جبل ثم سقط منه) 71 لو عبر بدل أرض بسطح كما في "المحرر" 72 .. لكان أولى؛ لأن المتبادر إلى الفهم منه: وقع بأرض ولم ينتقل عنها، وأن قوله: (ثم سقط منه) يعود للجبل؛ لإفراده الضمير، وقد قال عقبه: (أنه لو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض ومات .. حل) 73 فإن حمل كلامه أولاً على أنه وقع بأرض عالية ثم سقط منها .. فليس في عبارته ما يدل عليه، ثم هنا أمران: أحدهما: أن عبارة "المحرر": (فتدهور منه) 74، ويفهم من ذلك التكرر، بخلاف لفظ السقوط، وقد جعل أبو الفرج الزاز موضع التحريم ما إذا كثر ترديه، وحكى فيما إذا لم يسقط إلا مرة واحدة وجهين، وقال: الظاهر أنه لا يحرم.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو مقتضى كلام غيره؛ لأنهم يصورن هذا بالتدهور، وكذا في "الروضة" تبعاً لـ" الشرح" 75، ولكن ظاهر نص "الأم" يخالفه؛ فإنه قال: (لو وقع على جبل فتردى من موضعه الذي وقع عليه قليلاً أو كثيراً .. كان متردياً لا يؤكل) 76، فمقتضى هذا: أن عبارة "المنهاج" جيدة.
انتهى.
ولهذا أطلق "التنبيه" التردي 77. ثانيهما: محل ذلك: ما إذا لم يَنْتَه الصيد بإصابة السهم إلى حركة المذبوح، فإن كان كذلك .. لم يكن لما يعرض بعده أثر.
5501 - قول "المنهاج" [ص 534]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 625]: (ولو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض ومات .. حل) فيه أمران: أحدهما: محل ذلك: إذا جرحه السهم في الهواء جرحاً مؤثراً، فلو لم يجرحه، بل كسر جناحه، أو جرحه جرحاً لا يؤثر فعطل جناحه فوقع ومات .. لم يحل.

الحديث: 5500 - الجزء: 3 - الصفحة: 385

ثانيهما: قد يخرج بقوله: (فسقط بأرض) ما لو سقط بماء، ويوافقه قول "التنبيه" [ص 83]: (وإن رمى صيداً فأصابه السهم ووقع في ماء فمات .. لم يحل) ومحله: في غير طير الماء؛ ففي "أصل الروضة" فيما إذا رمى طير الماء: إن كان على وجه الماء فأصابه ومات .. حل، والماء له كالأرض، وإن كان خارج الماء ووقع فيه بعد إصابة السهم .. ففي حله وجهان، ذكرهما في "الحاوي"، وقطع في "التهذيب" بالتحريم، وفي "شرح مختصر الجويني" بالحل، فلو كان الطائر في هواء البحر .. قال في "التهذيب": إن كان الرامي في البر .. لم يحل، وإن كان في سفينة .. حل.
انتهى 78. وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيما إذا كان الطير في هواء الماء عن أبي الفرج الزاز عن عامة الأصحاب: أنه لا يحرم، قال شيخنا: وهو الصحيح سواء كان الرامي في البر أم البحر، وحمل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عدي بن حاتم - وهو في "صحيح مسلم" -: "وإن وجدته قد وقع في الماء .. فلا تأكله" 79 على غير طير الماء، أو على طيره الذي لا يكون في هوائه.
5502 - قول "المنهاج" [ص 534]: (ويحل الاصطياد بجوارح السباع والطير) المراد به: أن ما أخذته بشرطه الآتي يحل أكله، وتعبير "التنبيه" و"الحاوي" يدل على ذلك، فأما الاصطياد بمعنى إثبات الملك .. فلا يختص بذلك، بل يحصل بأي طريق تيسر.
5503 - قول "المنهاج" [ص 534]: (ككلب وفهد وباز وشاهين) كذلك النمر، قال في "شرح المهذب": وقوله في "الوسيط": (فريسة الفهد والنمر حرام) غلط مردود، وليس وجهاً في المذهب، بل هما كالكلب، نص عليه الشافعي وكل الأصحاب، وقول الإمام: إن النمر يَبعُد تعلمه؛ لعدم انقياده، فإن تصور نادراً .. فكالكلب، لا يخالف ما قدمناه 80. 5504 - قوله "التنبيه" [ص 82]: (وإن علم جارحة بحيث إذا أغراه على الصيد .. طلبه، وإذا أشلاه .. استشلى، وإذا أخذ الصيد .. أمسكه على صاحبه وخلى بينه وبينه) إلى أن قال: (حل) فيه أمور: أحدها: فُسّر الإشلاء في كلامه: بأن يدعو الصيد للعود؛ ويدل لذلك ذكره له في مقابله الإغراء، لكن الشافعي في "الأم" و"المختصر" استعمله بمعنى الإغراء فقال: (أن يُدعى فيجيب، ويُشلى فيطير) 81.

الحديث: 5502 - الجزء: 3 - الصفحة: 386

وكلام أهل اللغة يوافق الأول، قال في "الصحاح": قال ثعلب: وقول الناس: أشليت الكلب على الصيد، خطأ، وقال أبو زيد: أشليت الكلب: دعوته، وقال ابن السكيت: لا يقال: أشليته؛ أي: بمعنى أغريته، إنما الإشلاء: الدعاء، ثم قال: وقول زياد الأعجم: أتينا أبا عمرو فأشلى كلابه ... علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل يُروى: فأغرى كلا به.
انتهى 82. وفي "المحكم": أشليت الشاة والكلب: دعوتهما باسمَيْهما؛ وكذلك استشليتهما، وأشلى دابته إذا أراها المخلاة لتأتيه، وأشليت الناقة إذا دعوتها لتحلبها.
انتهى 83. وعبر "المنهاج" و"الحاوي" عن ذلك بالانزجار 84، وهو واضح.
ثانيها: مقتضاه: اعتبار الاستشلاء، وهو الانزجار في جارحة السباع والطير، وهو مقتضى كلام "الحاوي" أيضاً 85، لكن قال الإمام: لا مطمع في انزجار جوارح الطير بعد الطيران 86، وعليه مشى "المنهاج" تبعاً لـ"المحرر" 87، لكن مقتضى تعبيره: أنه لا يشترط في جارحة الطير شيء من هذه الشروط؛ حيث قال: (بأن تنزجر جارحة السباع بزجر صاحبه وتسترسل بإرساله، وتمسك الصيد ولا تأكل منه) 88 لكن لا شك في اعتبار الاسترسال بإرساله في جارحة الطير أيضاً، والأظهر أيضاً: اشتراط ترك الأكل منها، وقد ذكره "المنهاج" عقبه؛ فدل على أن ما اقتضاه تعبيره غير مقصود، وإنما قصد تخصيص الانزجار بجارحة السباع، لكن عبارته لا تؤديه؛ فكان حقه تقديم المشترك بينهما، ثم ذكر المقيد بجارحة السباع بعده على أن نص الشافعي رضي الله عنه في "الأم" مصرح بخلاف مقالة الإمام؛ فإنه قال بعد ذكر جارحة السباع والطير: (أن يُجمع أن يُدعى فيجيب، ويُستشلى فيطير، ويأخذ فيَحْبِس)، وفي "مختصر المزني" نحوه 89. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولم يخالف أحد من الأصحاب هذا النص، واعتبر في "البسيط" الانزجار في الطير أيضاً، ثم ذكر مقالة الإمام بلفظ: قيل.

الجزء: 3 - الصفحة: 387

ثالثها: المراد بإمساك الصيد: ألاَّ تخليه يذهب، وقد ذكره "المنهاج" أيضًا 90 وأهمله "الحاوي"، ولا بد منه.
رابعها: الظاهر أنه أراد بتخليته بينه وبين عدم الأكل منه، وقد صرح باعتباره "المنهاج" و"الحاوي"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وإنما يمنع إذا كان عقب القتل أو قبله مع حصول القتل، فاما إذا كان أكل بعد أن أمسكه وقتله، أو أكل ولم يقتله .. فإن هذا لا يضر في التعليم كما لا يؤثر في تحريم ما أكل منه لو جرى ذلك بعد التعليم، ولم يتعرضوا لذلك هنا، ومقتضى تعبير "المنهاج" الجزم في جارحة السباع باعتبار عدم الأكل منه، وحكاية القولين في جارحة الطير، وحكى في "أصل الروضة" الخلاف فيهما، إلا أنه عبر في السباع بالمشهور، وفي الطير بالأظهر 91، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا نعرف الخلاف في ذلك في شيء من كلام الشافعي.
خامسها: لم يذكر للتعليم حداً، وفي "المنهاج" [ص 534]: (يشترط تكرر هذه الأمور بحيث يظن تأدب الجارحة) قالوا: والرجوع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة بطباع الجوارح، ومقتضى كلام البغوي والغزالي: اعتبار ذلك ثلاث مرات 92، وقد يشير إليه قول "الحاوي" [ص 624]: (مراراً).
5505 - قول "التنبيه" [ص 82]: (وإن أكل الجارحة من الصيد .. ففيه قولان) الأظهر: أنه يحرم؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 534]: (ولو ظهر كونه معلماً ثم أكل من لحم صيد .. لم يحل ذلك الصيد في الأظهر) و"الحاوي" [ص 626]: (لا ما أكل منه).
قال الإمام: وددت لو فُصّل بين أن يأكل بنفس الأخذ أو ينكف زماناً ثم يأكل، لكن لم يتعرضوا له 93. قال النووي: فصل الجرجاني وغيره فقالوا: إن أكل عقب القتل .. فالقولان، وإلا .. حل قطعاً 94، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن الشيخ أبي حامد والدارمي والماوردي، قال: وهو مقتضى كلام ابن الصباغ، وصرح به في "البيان" 95، قال: ويلحق بهذا ما إذا أمسكه وأكل منه ولم يقتله .. فإنه لا يحرم قولاً واحداً.
انتهى.

الحديث: 5505 - الجزء: 3 - الصفحة: 388

وفهم من كلامهما: أنه لا ينعطف التحريم على ما اصطاده قبله، وهو كذلك، وقد يفهم من عبارة "المنهاج" أن الذي يأكل منه بعد هذا الصيد حرام قطعاً، وليس كذلك، إلا أن يصير الأكل له عادة .. فيحرم ما أكل منه الآن جزماً، وفي تحريم ما أكل منه من قبل وجهان، قال في "الروضة" وأصلها: قد يرجح منهما التحريم 96، وجعله في "الشرح الصغير" أقوى؛ ولهذا قال في "الحاوي" [ص 626]: (وما قبله إن اعتاد) وقد يخرج بتعبير "المنهاج" باللحم: الحشوة، وهي طريقة؛ لأنها غير مقصودة، والأصح: أنه على القولين؛ فلذلك أطلق "التنبيه" و"الحاوي" الأكل منه.
5506 - قول "المنهاج" [ص 534]: (ويشترط تعليم جديد) أورد عليه شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه إن كان مفرعاً على القولين .. خالف المنقول؛ فإنه إنما يحتاج إلى الاستئناف عقب هذه المرة إذا فرعنا على التحريم، وإن كان مفرعاً على الأظهر .. اقتضى أن على مقابله لا يشترط تعليم جديد مطلقاً، وليس كذلك، بل متى فرعنا على مقابل الأظهر وتكرر الأكل بحيث يصير عادة له، أو اكتفينا بالتكرر مرتين أو ثلاثاً .. احتاج إلى استئناف التعليم على هذا القول أيضاً.
5507 - قول "التنبيه" [ص 82، 83]: (وإن كان الجارحة كلباً .. غسل موضع الظفر والناب) يجب تتريبه أيضاً وقد ذكره "المنهاج" 97، ومرادهما: الغسل سبعاً، وقد صرح "الحاوي" بذلك في الطهارة 98، وتعبير "المنهاج" يفهم أنه لا خلاف في نجاسته، وليس كذلك؛ فالخلاف فيه في "الروضة" وأصلها، ومقتضى تعبيره بالأصح أن الخلاف في العفو 99 وجهان، وكذا حكاه الرافعي عن أكثرهم، قال: وقال الصيدلاني: قولان منصوصان 100، ورجحه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إن في "الأم" كلاماً يشهد له 101. 5508 - قول "التنبيه" [ص 82]: (وإن قتل الجارحة الصيد بثقلها .. ففيه قولان) الأظهر: الحل، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 102، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": جزم الشافعي رضي الله عنه في "مختصر البويطي" بالتحريم، فهو مذهبه، واختاره المزني، والعمل به أولى من العمل بمقابله، قال: ومحل الخلاف: ما إذا لم تجرح الصيد، فإن جرحت ثم تحاملت

الحديث: 5506 - الجزء: 3 - الصفحة: 389

عليه وقتلته .. حل بلا خلاف، وكلام "الروضة" وأصلها يدل لذلك 103، ونص عليه في "الأم" و"المختصر" 104. 5509 - قول "المنهاج" [ص 535]: (فيما لو استرسل كلب بنفسه فأغراه صاحبه فزاد عدوه .. لم يحل في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" 105، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: ومحله: ما إذا لم ينعرج، فإن انعرج .. حل، نص عليه في "الأم", ولم أر من تعرض له من الأصحاب.
قلت: في "أصل الروضة": أنه لو زجره صاحبه لما استرسل، فانزجر ووقف، ثم أغراه فاسترسل وقتل الصيد .. حل بلا خلاف، فانعراجه هو معنى انزجاره ووقوفه، قال في "أصل الروضة": فإن كان الإغراء وزيادة العدو بعد ما زجره فلم ينزجر .. فعلى الوجهين، وأولى بالتحريم، وبه قطع العراقيون 106. 5510 - قوله: (ولو أرسل سهماً لاختبار قُوَّته أو إلى غرضٍ فاعترض صيد فقتله .. حرم في الأصح) 107 يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل هو قولان، والأصح: منصوص "الأم" و"المختصر"، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: وقوله: (فاعترض صيد) إنه قيد لمحل الوجهين وإنه لو كان هناك صيد .. حل، وليس كذلك، وإنما المعتبر أن ينوي أنه يصطاد كما نص عليه في "الأم" و"المختصر" 108، وفي "أصل الروضة" من صور الخلاف: ما إذا كان يرى الصيد ولكن رمى إلى الهدف أو ذئب ولا يقصد الصيد 109. 5511 - قول "التنبيه" [ص 83]: (وإن أرسل كلباً - أي: على شيء يحسبه حجراً فكان صيداً - .. فقد قيل: يحل، وقيل: لا يحل) الأصح: الحل، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 625]: (وظن ثوباً وبشراً وخنزيراً).
5512 - قول "التنبيه" [ص 83]: (وإن أرسل كلباً أو سهماً على صيد فقتل غيره .. حل) و"المنهاج" [ص 535]: (وإن قصد واحدة فأصاب غيرها .. حلت في الأصح) و"الحاوي" [ص 625]: (أو نوعه) قال في "المهمات": هو خلاف ما نص عليه الشافعي في "البويطي" فقال:

الحديث: 5509 - الجزء: 3 - الصفحة: 390

وإن نوى صيداً بعينه في جماعة صيد فقتل غيره .. فلا يأكل، وقد قيل: يأكل.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي صححه منصوص "الأم" و"المختصر" 110، ومقابله نص عليه في "البويطي" فالخلاف قولان.
5513 - قول "التنبيه" [ص 83]: (وإن أصاب صيداً فجرحه جرحاً لم يقتله ثم كاب عنه فوجده ميتاً .. حل في أحد القولين، ولا يحل في الآخر) الأظهر كما في "المنهاج": التحريم 111، وعليه مشى "الحاوي" 112، وذكر الرافعي أن أصحابنا العراقيين وغيرهم إلى ترجيحه أميل 113، لكن في "الروضة" من زيادته: أن الحل أصح دليلاً، وثبتت فيه أحاديث صحيحة، ولم يثبت في التحريم شيء، وقد علق الشافعي الحل على صحة الحديث 114، وعبر عنه في "التصحيح" بالمختار 115، وفي "شرح المهذب" بالصحيح أو الصواب 116، وفي "شرح مسلم" بأنه أقوى وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة 117. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن المذهب المعتمد هو التحريم كما هو الأصح عند جمهور الأصحاب من العراقيين، وقول النووي: إنه لم يثبت في التحريم شيء، ممنوع؛ ففي "سنن البيهقي" بطريق حسنة في حديث عدي بن حاتم: "إذا رأيت سهمك فيه ولم تر فيه أثراً غيره وتعلم أنه قتله" 118 فهذا تقييد لبقية الروايات المطلقة، وهو دال على التحريم في محل النزاع، وصحح في "الروضة" من زيادته في المحرم يجرح الصيد ثم يغيب عنه ثم يجده ميتاً، ولم يدر أمات بجراحته أو بحادث: أنه يغرم أرش الجرح 119، وقياس ما صححه هنا من الحل: أنه يلزمه الجزاء كاملاً إحالة على السبب الظاهر، فإن قيل: الغرم لا يثبت إلا بيقين .. قلنا: وكذلك الحل.
انتهى.
ويوافق التحريم في المدرك ما إذا مشط المحرم رأسه فانتتف منه شعر وشك هل انتتف بالمشط أم كان منتتفاً؛ فإن الأصح: أنه لا فدية، ولم يحيلوه على السبب، كما أن المحرم هنا لم يحمل

الحديث: 5513 - الجزء: 3 - الصفحة: 391

الموت على السبب الظاهر، وهو جرح السهم، ويوافق الحل تصديق الولي في قد الملفوف والتنجيس في وجود الماء متغيراً بعد بول ظبية فيه؛ للإحالة على السبب الظاهر فيهما.
واعلم: أن محل الخلاف ما إذا لم يكن قد أنهاه بالجرح إلى حركة مذبوح، فإن كان كذلك .. حل قطعاً، وعليه يدل قول "التنبيه" [ص 83]: (فجرحه جرحاً لم يقتله) ومحل الخلاف أيضاً ما إذا لم يجد فيه غير جرحه، فإن وجده في ماء أو بجراحة أخرى .. حرم قطعاً.

فصَلٌ [فيما يملك به الصيد]

5514 - قول "التنبيه" [ص 83]: (وإن أخذ صيداً أو أزال امتناعه .. ملكه) اقتصر "الحاوي" على الثاني؛ لفهم الأول منه بطريق الأولى، فقال: (والصيد يملك بإبطال منعتِهِ) 120، وفصله "المنهاج" بقوله [ص 535]: (يملك الصيد بضبطه بيده، وبجرح مذففٍ، وبإزمانٍ وكسر جناحٍ، وبوقوعه في شبكة نصبها، وبإلجائه إلى مضيق لا يفلت منه) وبقي عليه من الصور: أن يرسل كلباً على صيد فيثبته فيملكه، جزم به في "الروضة" 121، وهنا أمور: أحدها: أن محل هذا إذا لم يكن عليه أثر ملك؛ كوشم وقص جناح وقرط ونحوها، فإن كان كذلك .. لم يملكه.
ثانيها: لا يخفى أن محل هذا في غير صيد الحرمين، وفي غير المحرم.
ثالثها: ومحله أيضاً في غير المرتد؛ فصيد المرتد موقوف بناء على الأصح أن ملكه موقوف، فإن عاد إلى الإسلام .. تبين أنه ملكه من حين الأخذ، وإلا .. فهو باق على الإباحة، قاله المتولي، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المعتمد: أنه لأهل الفيء وإن فرعنا على زوال ملكه، وهو الذي قال الرافعي: إنه أشبه الأقوال 122، فقال المتولي: هو على الإباحة، وقال الإمام: ظاهر القياس: أنه لأهل الفيء.
رابعها: تعبير "المنهاج" بالبناء للمفعول أحسن من تعبير "التنبيه" و"الحاوي" لأنه يدخل فيه المالك في صيد العبد غير المكاتب، والموكل في صيد الوكيل بناء على صحة التوكيل في الاصطياد، وهو الأصح، بخلاف تعبيرهما؛ فإن مقتضاه: ملك العبد والوكيل، ولو كان الآخذ غير مميز .. أمره غيره بالأخذ، ففيمن له الملك؟ وجهان في "تعليق القاضي حسين"، والمذكور

الحديث: 5514 - الجزء: 3 - الصفحة: 392

في "التهذيب" و"البحر": أنه للآخذ، ذكره في "الكفاية".
خامسها: أطلق "المنهاج" كسر الجناح، ومحله: فيما إذا عجز عن الطيران والعدو جميعاً، ويكفي للملك إبطال شدة العدو وصيرورته بحيث يسهل لحاقه.
سادسها: وأطلق أيضاً وقوعه في شبكة نصبها، ولا بد أن يكون نصبها للصيد، وكذا هو في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 123، وألاَّ يقدر على الخلاص منها، فلو تخلص بقطعه الشبكة .. عاد للإباحة، فيملكه من اصطاده، وإلا .. لم يزل ملكه عنه، ذكره الماوردي 124، وقال في "الوسيط": لو أفلت من الشبكة .. لا يزول ملكه عنه على الصحيح 125. 5515 - قول "المنهاج" [ص 535]: (ولو وقع صيد في ملكه وصار مقدوراً عليه بتوحل وغيره .. لم يملكه في الأصح) فيه أمران: أحدهما: لا يتقيد ذلك بأن تكون الأرض ملكه، بل لو كانت مستأجرة أو مستعارة أو مغصوبة وهي تحت يد الغاصب .. كان الحكم كذلك، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقد يتوقف في الغاصب إلا أن يكون له في الأرض المغصوبة مزرعة وتوحل فيها، وقد عبر في "أصل الروضة" بقوله: (لو توحل صيد بمزرعته) 126 وهو يقتضي ما ذكرناه، فلو غصب أرضاً ولم يزرع بها شيئاً فجاءت الأمطار فصيرتها ذات توحل .. فكيف يجري وجه بأن الصيد المتوحل للغاصب؟ ! ثانيهما: قال الإمام: محل الخلاف: ما إذا لم [يكن] 127 سقي الأرض بما يقصد به توحل الصيود، وإلا .. فهو كنصب الشبكة، وكلام الروياني يقتضيه، كذا في "أصل الروضة" هنا 128، لكنه حكى في (إحياء الموات) عن الإمام عكسه 129، كذا في "المهمات".
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا تناقض بينهما؛ فالمذكور في الإحياء قصد التملك، والمذكور هنا أن يكون التوحل مما يقصد به في العادة الاصطياد، ويوافق الأول قول "الحاوي" [ص 626]: (كأن عشش في بنائه بقصده).
5516 - قوله: (ودونه - أي: دون القصد - وإلى واسع كالتحجر) 130 يقتضي أولوية صاحب

الحديث: 5515 - الجزء: 3 - الصفحة: 393

الدار، وأن غيره لو أخذه .. ملكه كما في "البحر"، وهو مقتضى كلام "أصل الروضة" هنا 131، وصححه من زيادته في أوائل (إحياء الموات) 132، لكنه صحح خلافه في أواخر (الوليمة) 133، وفي "الوسائل" لأبي الخير بن جماعة: أنه لو استأجر سفينة فدخل فيها سمك .. فهل هو للمستأجر؛ ليده وملكه منفعتها، أو للمالك؛ لأن هذه ليست من المنافع التي تقع الإجارة عليها؟ وجهان.
5517 - قول "التنبيه" [ص 83]: (ومن ملك صيداً ثم أرسله .. لم يزل ملكه عنه في أصح الوجهين) و"المنهاج" [ص 535]: (وكذا بإرسال المالك له في الأصح) زاد في "الروضة" أنه المنصوص 134، وهو وهم؛ فإن المنصوص: زواله إن قصد إخراجه عن ملكه، ذكر الروياني في "التجربة" أن الشافعي نص عليه في "المبسوط" ولذلك حكاه الرافعي 135، فكيف يفتى بخلاف النص؟ ! وهذا وارد على قول "الحاوي" أيضاً [ص 627]: (وإن أفلت) وذكر النشائي أن لفظ "التنبيه": (في أصح القولين) ثم قال: المشهور وجهان كما في "المهذب".
انتهى 136. وذكر بعضهم أنهما قولان مخرجان للأصحاب، ثم محل الخلاف في مالك مطلق التصرف، فأما الصبي أو المجنون أو المحجور عليه بسفه أو فلس أو المكاتب الذي لم يأذن له سيده .. فإنه لا يزول ملكه قطعاً، فلو قال مطلق التصرف عند إرساله: أبحته لمن يأخذه .. فلمن أخذه أكله بلا ضمان، لكن لا ينفذ تصرفه فيه.
5518 - قول "الحاوي" [ص 627]: (كان أعرض عن كسرَةٍ) أي: فإنه لا يزول ملكه عنها، تبع فيه الرافعي 137، وقال النووي: الأرجح: أنه - أي: الآخذ - يملك الكسرة والسنابل ونحوها، ويصح تصرفه فيها بالبيع وغيره، وهذا ظاهر أحوال السلف 138. 5519 - قوله: (لا جلد ميتة) 139 أي: لو أعرض عن جلد ميتة فأخذه غيره ودبغه .. مَلَكَه، كذا صححه في "الروضة" وغيرها 140، والرافعي إنما قال: إنها أولى بثبوت الملك للآخذ من

الحديث: 5517 - الجزء: 3 - الصفحة: 394

مسألة الكسرة ونحوها؛ لأنه لم يكن ملكاً للأول، وإنما كان له نوع اختصاص، والاختصاص المجرد يضعف بالإعراض 141. 5520 - قول "المنهاج" [ص 535]: (ولو تحول حمامه إلى برج غيره .. لزمه رده) أي: لزم ذلك الغير رده، لا بد من تقييد؛ بأن يأخذه ذلك الغير، كما هو في عبارة الشافعي رضي الله عنه في "المختصر" 142 فإنه إذا لم يأخذه .. لم يدخل تحت يده وبتقدير دخوله تحت يده .. فهو كتطيير الريح ثوباً إلى داره، فهو أمانة شرعية لا يلزم ردها بحيث يباشر ذلك ويتحمل مؤنته، وإنما عليه إعلام المالك بذلك، وتمكينه من أخذه كالوديعة الاختيارية.
5520/ 1 - قوله: (فإن اختلط وعسر التمييز .. لم يصح بيع أحدهما وهبته شيئاً منه لثالث) 143 فيه أمران: أحدهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه كلام فيه نقص؛ لأن الصورة: تحول حمامه إلى برج غيره، فلا يصح بيع صاحب البرج الذي وقع فيه الاختلاط، وتمام التصوير: فإن انتقل من حمام كل واحد منهما إلى برج صاحبه واختلط وعسر التمييز.
قلت: لا نقص في تصوير "المنهاج" فقد حصل الاختلاط في هذا البرج، فلا يختص الحكم بصاحب البرج لوجود حمام للآخر فيه، ولا يحتاج في تمام التصوير إلى حصول اختلاط في برجين، والله أعلم.
ثانيهما: قال شيخنا أيضاً: محله: ما إذا باع أو وهب شيئاً معيناً بالشخص، ثم لم يظهر أنه ملكه؛ ولهذا وَجّهُوا إبطال ذلك بأنه لا يتحقق الملك فيما باعه، فأما إذا باع شيئاً معيناً بالجزء؛ كنصف ما يملكه، أو باع جميع ما يملكه والثمن فيهما معلوم .. صح؛ لأنه يتحقق الملك فيما باعه، وحل المشتري هنا محل البائع، كما لو باعا من ثالث مع جهل الأعداد .. فإنه يصح كما سيأتي إذا كان الثمن معلوماً، ويحتمل الجهل في المبيع للضرورة.
قلت: الفرق بينهما أن جملة المبيع للمشتري معلومة، وما يلزمه لكل منهما من الثمن معلوم، وإن لم يعلم قدر ما اشتراه من كل منهما، فاغتفر الجهل بذلك للضرورة، مع أنه لا يترتب على الجهل به مفسدة، فلا يلزم من اغتفار الجهل به اغتفار الجهل بجملة ما اشتراه المشتري، والله أعلم.
أما لو باع أو وهب شيئاً معيناً بالشخص الثالث ثم ظهر أنه ملكه .. فإنه يصح، وهو أولى بالصحة مما لو باع مال أبيه على ظن حياته فبان موته.

الحديث: 5520 - الجزء: 3 - الصفحة: 395

5521 - قول "المنهاج" [ص 535]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 628]: (ويجوز لصاحبه في الأصح) نازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إنه ليس بصحيح.
5522 - قول "المنهاج" [ص 535]: (فإن باعاهما والعدد معلوم والقيمة سواء .. صح، وإلا .. فلا) فيه أمور: أحدها: ما ذكره من البطلان عند الجهل بعدد ما لكل منهما جزم به الرافعي والنووي في كتبهما 144، وحكاه ابن الرفعة عن الإمام فقط، فقال: والوجه عندي: عدم الصحة، قال: فالطريق أن يقول كل منهما: بعتك الحمام الذي لي في هذا البرج بكذا، فيكون الثمن معلوماً، ويحتمل جهل المبيع للضرورة، كذا في "النهاية": (الحمام الذي لي) 145، وليس في "الروضة" و"الشرحين" لفظة: (لي) 146، ولا بد منها؛ ولهذا التصوير قال "الحاوي" [ص 628]: (أو باع بعلم القيمة) فهذا يتناول ما إذا علم كل منهما عدد ما له، وما إذا لم يعلم لكنه باعه بثمن معين، وهذه واردة على "المنهاج"، وهي مشكلة؛ لأن مقتضى كلامهم: أنه إذا ابتدأ بذلك أحدهما .. كانت صحته موقوفة على الآخر، وهو خلاف القواعد.
ثانيها: مقتضى كلامه: أنه إذا عُلم العدد ولم تستو القيم .. لم يصح، وقد أكَّدَه بقوله: (وإلا .. فلا) فإنه صريح في البطلان عند فقد أحد الأمرين، وهو مقتضى كلام "الروضة" أولاً؛ فإنه اعتبر الوصفين، لكنه لم يتكلم بعد ذلك إلا على جهل العدد، وقال شيخنا ابن النقيب: إن ما اقتضته عبارة "المنهاج" في ذلك ظاهر 147، لكن قال في "المهمات": إن اشتراط تساوي القيمة لا معنى له مع اشتراط توزيع الثمن على أعدادها.
قلت: ولا يرد ذلك على "المنهاج" لأنه لم يذكر توزيع الثمن على أعدادها.
ثالثها: قوله: (باعاهما) أي: حماميهما، قال في "أصل الروضة": أو باعا بعضه 148، والرافعي ذكره في آخر المسألة استداركا على "الوجيز" 149، قال في "المهمات": التفسير الذي ذكره لا يأتي في البعض سواء كان معيناً بالجزئية كالنصف لزيادة الجهل؛ فإنه كان مجهولاً بين اثنين فيصير بين ثلاثة، أو بإفراد شيء منه كعشرة مثلاً؛ لأن كل واحد لا يدري ما له من ملك العشرة فيكون الجهل باقيا أيضاً.

الحديث: 5521 - الجزء: 3 - الصفحة: 396

قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وجوابه: أن المراد: بعض معين بالجزئية، ولا جهل حينئذ، وكونه كان مجهولاً بين اثنين فصار ثلاثة، لا يقتضي إبطال العقد، وقد سبق أنه يجوز أن يبيع أحدهما من ثالث نصف ملكه فيه، فكذلك يجوز أن يبيع كل واحد منهما من ثالث نصف ملكه، ولا تضر كثرة الشركاء، وليس ذلك مقتضياً للإبطال.
5523 - قول "الحاوي" [ص 628]: (أو التقارّ) أي: بأن يقر كل منهما لصاحبه بعدد فيتصالحان على ذلك؛ ليمكن توزيع الثمن، وهذا معنى قول "الوسيط": إنهما لو تصالحا على شيء .. صح البيع، واحتمل الجهل بقدر المبيع 150. 5524 - قول "المنهاج" فيما لو جرح الصيدَ اثنان متعاقبان [ص 535، 536]: (وإن أزمن - أي: الأول - .. فله، ثم إن ذَفَّفَ الثاني بقطع حلقوم ومريء .. فهو حلال، وعليه للأول ما نقص بالذبح) أي: وهو ما بين قيمته زمناً ومذبوحاً، قال الإمام: وإنما يظهر التفاوت إذا كان فيه حياة مستقرة، فإن كان متألماً بحيث لو لم يذبح لهلك .. فما عندي أنه ينقص منه بالذبح شيء 151. وتعقبه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأن الكلام في إزمان الأول، وفرض الإمام في تذفيفه، فلا يجيء بعده تذفيف.
قلت: وجوابه: أنه لا يلزم من كون جراحة الأول مزمنة فقط ألاَّ ينتهي بها الإزمان إلى ألاَّ يصير فيه حياة مستقرة، فلا يلزم من وجود هذه الحالة أن يكون جراحة الأول مذففة، ثم تعقبه شيخنا أيضاً: بأن الجلد ينقص بالقطع، فيجب على الثاني نقصه، وإن وصل إلى حالة التذفيف، وعلى هذا: فلا يتعين في ضمان النقص أنه ما بين قيمته زمناً ومذبوحاً.
5525 - قوله: (وإن ذفف لا بقطعهما، أو لم يذفف ومات بالجرحين .. فحرام، ويضمنه الثاني للأول) 152 أي: يضمن جميع قيمته، وهذا صحيح فيما إذا ذفف الثاني، فأما إذا لم يذفف .. فلا يضمن الجميع في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 627]: (وإن لم يذفف ومات بهما فكعبد يعاد من عشرة إلى تسعة فجرح .. ضَمِنَ عشرةً من تسعةَ عشرَ جزءاً من عشرة، والآخر تسعة منها) وصورة المسألة المبني عليها: أن يجني جان على عبد قيمته عشرة دنانير فعادت بالجناية إلى تسعة، ثم جرحه جانٍ آخر جناية أرشها دينار أيضاً ومات بالجرحين .. يجمع بين قيمتي يوم الجنايتين، فيكون تسعة عشر، ويقسم على هذا العدد ما فوتته الجنايتان، وهو عشرة دنانير، فعلى الأول عشرة أجزاء من تسعة عشرة جزءاً من عشرة دنانير، وعلى الثاني تسعة أجزاء من تسعة

الحديث: 5523 - الجزء: 3 - الصفحة: 397

عشر جزءاً من عشرة، وهذا أحد أوجه ستة محكية في "أصل الروضة" تصريح بلا ترجيح، لكنه حكى إطباق العراقيين على ترجيحه 153، فإذا ظهر هذا .. ففي مسألة الصيد أيضاً يجمع بين القيمتين، لكن الجارح الأول فيها مالك .. فلا ضمان عليه؛ لسقوط حصته، بل على الثاني، ثم محل ذلك: ما إذا تمكن من ذبحه فلم يذبحه، فلو لم يتمكن الأول من ذبحه .. لزم الثاني تمام قيمته زمناً.
ومقتضى كلامهم: أنه لو ساوى سالماً عشرة وزمناً تسعة .. وجوب تسعة، وقال صاحب "التقريب": إذا ساوى سليماً عشرة وزمناً تسعة ومذبوحاً ثمانية .. ينبغي أن يجب ثمانية ونصف، وصححه الرافعي 154، قال الإمام: وفيه نظر 155، وإن تمكن من ذبحه .. لزم الثاني أرش جرحه إن نقص.
5526 - قول "الحاوي" [ص 627، 628]: (فإن أزمنا .. فللثاني، وإن جرح الأول ثانياً .. ضمن الربع) محله: ما إذا لم تكن هذه الجراحة الثانية مذففة، وتمكن الثاني من ذبحه، فإن كانت مذففة؛ فإن أصاب المذبح .. حل، وعليه للثاني ما نقص من قيمته بالذبح، وإلا .. حرم، وعليه قيمته مجروحاً بجراحته الأولى وجراحة الثاني، وكذا إن لم يذفف ولم يتمكن الثاني من ذبحه.
5527 - قول "المنهاج" [ص 536]: (وإن جرحا معاً وذففا أو أزمنا .. فلهما) كذلك إذا أزمن أحدهما وذفف الآخر، وقد تناوله قول "الحاوي" [ص 628]: (كأن تساويا) فإن المراد: تساوي الجرحين في سبب الملك، والإزمان مملك كما أن التذفيف بمذفف مملك، وكذلك لو احتمل أن يكون الإزمان بهما أو بأحدهما، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 628]: (وإن احتمل ملكاً واستحلا) أي: يستحب أن يستحل كل واحد الآخر تورعاً.
5528 - قول "المنهاج" [ص 536]: (وإن ذفف واحدٌ وأزمن آخر وجُهل السابق .. حرم على المذهب) محله: ما إذا كان في غير المذبح، فإن كان في المذبح .. فهو حلال جزماً، وقد يتناوله قول "الحاوي" أولاً [ص 627]: (لا في المذبح) لكن كلامه إنما هو عند معرفة السابق؛ بدليل قوله بعده: (وضمن الثاني قيمته) 156.

الحديث: 5526 - الجزء: 3 - الصفحة: 398

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل