4542 - كذا عبر به "التنبيه" و"الروضة" 1، وهو أحسن من تعبير "المنهاج" و"المحرر" بالجراح 2؛ لأن الجناية قد تكون بغير جراح؛ كالمثقل والتجويع ونحوهما، لكن الجراح أغلب طرقها؛ فلذلك عبر به "المنهاج".
4543 - قول "التنبيه" [ص 213]: (الجناية ثلاث: خطأ، وعمد، وعمد خطأ) أحسن من قول "المنهاج" [ص 468]: (الفعل المزهق) لتناوله غير المزهق، وقد ذكره "المنهاج" بقوله بعد ذلك [ص 475]: (يشترط لقصاص الطرف ما شُرط للنفس).
4544 - قول "التنبيه" [ص 214]: (والعمد: أن يقصد الجناية بما يقتل غالباً) يرد عليه: أنه لا بد من قصد الشخص المجني عليه بعينه، فلو قصد شخصاً فأصاب غيره.. فهو خطأ، وكذا لو قصد إصابة أحد رجلين كما في "الروضة" وأصلها في أوائل (الجنايات) وفي الكلام على المنجنيق 3، واعتمده في "المهمات".
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأرجح المعتمد، وصحح في "الروضة" من زيادته قبيل (الديات): وجوب القصاص 4، وانعكس ذلك على النشائي 5، ومشى "المنهاج" على الأول فقال [ص 468]: (وهو - أي: العمد -: قصد الفعل والشخص بما يقتل غالباً؛ جارحٌ أو مُثَقَّل) و"الحاوي" فقال [ص 555]: (وفي العمد بأن قصد الفعل والشخص، المحض، بأن يهلك غالباً) ثم قال: (وبجارح كثيراً) ومع ذلك فأورد عليهما شيخنا الإمام البلقيني: أنه لا بد مع قصد الشخص من أن يعرف أنه إنسان، ثم حكى عن "الصحاح" أن الشخص: سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد 6، قال: فلو رمى شخصًا اعتقده نخلة فكان إنسانًا.. لم يكن عمداً على الصحيح، وبه قطع الشيخ أبو محمد.
وقال السبكي: إن أريد بما يقتل غالباً: الآلة.. ورد غرز الإبرة في مقتل أو في غيره مع الورم والألم إلى الموت؛ فإنه عمد والآلة لا تقتل غالبًا، وإن أريد: الفعل.. ورد إذا قطع أنملة إنسان
فسرت الجراحة إلى النفس، أو غرز إبرة في غير مقتل وأعقبت ورمًا.. فالقصاص واجب والفعل لا يقتل غالبًا، ثم قال: اعتبار الآلة مطلقًا لا معنى له وإن صرح به القفال الشاشي في "محاسن الشريعة" 1 والجويني في "مختصر المختصر" والفوراني والمتولي، ألا ترى أنه لو ضربه بعصا صغيرة في مقتل أو في غيره، في شيخ كبير أو ضعيف، أو حر شديد أو برد شديد، أو والى به الضرب ضى مات بحيث كان ذلك الفعل بتلك الآلة في ذلك الشخص يقتل غالباً.. فإنه يجب القود، وأيضا فقد يضربه بمثقل كبير ضربة خفيفة لا يقتل مثلها غالبا لكنه يحتمل ويتفق الموت منها، قال: فلا ينبغي أن يغتر بكلام من ذكرنا؛ فإن مرادهم: أن القصاص لا يختص بالآلة المحددة خلافًا لأبي حنيفة، فاسترسلوا في كلام لم يقصدوا مفهومه، قال: وأما مسألة قطع الأنملة فصعبة، قال الإمام: وإيجاب القصاص فيها لا توقيف فيه، وإنما تلقاه العلماء من تصرفهم في العمد 2.
قال السبكي: وليس استشكال الضابط بأولى من استشكال الحكم فيها إذا لم يرد توقيف، إلا أن يكون فيه إجماع، قال: ومع تسليم الحكم لا يمكن الجواب عنها، إلا بأن يقال: المراد بما يقتل غالبا في المحدد: الآلة، وفي المثقل: الفعل، وقد يستفاد ذلك من كلام صاحب "التنبيه" إذ وافق على الحد المذكور، ثم قال: فإن جرحه بما له مَوْر من حديد أو غيره فمات منه.. وجب القود، ولم يفصّل، ثم ذكر المثقل وفصل فيه، وكذلك صاحب "التهذيب" قال: وهذا إن كان مدركه أن المحدد يقتل في الغالب؛ فذلك شيء لا تنقاد النفس لقبوله 3.
قال ابن الصباغ: ألا ترى أن الناس يحتجمون ويفتصدون، أفترى ذلك يقتل في الغالب وهم يقدمون عليه؛ ! وإن كان مدركه مزيد احتياط في المحدد.. فسيأتي الكلام عليه.
وخص "الحاوي" اعتبار الهلاك غالباً بالمثقل، واكتفى في الجارح بالهلاك كثيراً، وتبع فيه الغزالي 4.
وقال السبكي: هو الذي يدل عليه نصه في "الأم"، ويوافقه كلام كثير من الأصحاب تصريحا وتعريضا.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه كلام لا يقوم عليه دليل ولا شاهد من نصوص صاحب المذهب، مع كون شيخنا يوافقه على اختصاص اعتبار الهلاك غالبا بالمثقل، لكنه يكتفي في
الجارح بأن يكون له وقع وتأثير بحيث يظهر القتل به، وقال: إنه صريح نص الشافعي في "الأم".
وظاهر نص "المختصر" ومقتضى كلام الأصحاب، وقال: إن قول "المنهاج" [ص 468]: (بجارح أو مثقل) زيادة على "الروضة" وأصلها، وإن اعتبار القتل غالبًا في الجارح لا يعرف في كلام الشافعي ولا أحد من أصحابه، ومع ذلك: فيخرج عن هذا التقييد التجويع ونحوه، فكان حذفه أولى.
ثم أورد على نفسه: أن في "أصل الروضة" في شريك السبع أن الخلاف فيما إذا كان جرح السبع يقتل غالباً 1.
ثم أجاب عنه: بانه إنما اعتبر فيه أن يقتل غالبًا؛ لأنه ليس بجارح عادة.
وأورد شيخنا الإمام البلقيني أيضاً على تفسير العمد بما تقدم: أن العمد يتعلق به القصاص والدية المغلظة وإيجاب القصاص على شريك المتعمد فيتقيد كلامهم بأمرين:
أحدهما: أن من قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبًا بجهة حكم ثم ظهر الخلل في مستند الحكم بلا تقصير؛ كما لو ظهر الشاهدان عبدين أو فاسقين.. فأظهر القولين: أن حكمه حكم الخطأ حتى تجب الدية مخففة على العاقلة، قال: والقياس المعتمد: أن شريكه كشريك المخطئ، ولم أر من تعرض له.
ثانيهما: لو رمى إلى حربي فأسلم ثم أصابه السهم فمات.. فالأصح في "الروضة": أن الواجب دية خطأ 2، لكن المعتمد: أنها حالّة في مال الرامي، ولو اقتص الوكيل جاهلاً بعزله أو بعفو الموكل.. فالدية مغلظة على المشهور حالّة على الوكيل على الأصح فيهما، وشريكه شريك متعمد على المعتمد وإن لم يذكروه.
4545 - قول "التنبيه" [ص 213، 214]: (فالخطأ: أن يرمي إلى هدف فيصيب إنساناً) مثال، ولا ينحصر الخطأ فيه، وعبارة "المنهاج" [ص 468]: (فإن فُقِدَ قَصْدُ أحدهما؛ بأن وقع عليه فمات، أو رمى شجرة فأصابه.. فخطأ) ويرد عليه: ما لو رمى إلى شخص ظنه شجرة فبان إنسانًا.. فهو خطأ على الصحيح كما تقدم.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وكذلك يرد عليه ما ثبت فيه حكم الخطأ مما تقدم مع أنه قصد الفعل والشخص بالقتل، وكذلك خطأ التعزير والأدب والطب وغيرها مما هو مقرر في (ضمان الولاة)، ولا بد فيه أيضًا من كون الفعل فيه له مدخل في الإهلاك، والوقوع عليه ليس مثالاً لفقد قصد أحدهما، بل لفقدهما، وقصد الشخص دون الفعل متعذر.
4546 - قول "التنبيه" [ص 214]: (وعمد الخطأ: أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالبًا) لم يذكر الشخص كما فعل في العمد، وعبارة "المنهاج" [ص 468]: (قَصَدهما بما لا يقتل غالباً) ولابد مع ذلك من أن يكون له مدخل في الإهلاك، وألأَ يكون مأذوناً فيه شرعًا كالتعزير ونحوه.
وأيضاً فلو قال الشاهدان الراجعان: لم نعلم أنه يقتل بقولنا، وكانا ممن يخفى عليهما ذلك.. فحكمه حكم شبه العمد مع وجود قصد الشخص والفعل بما يقتل غالبًا.
4547 - قول "المنهاج" [ص 468]: (ومنه: الضرب بسوطٍ أو عصا) محله في العصا الصغيرة بشروط، أما الكبيرة التي تقتل غالباً.. فيجب بها القصاص، وقد فصل ذلك "التنبيه" فقال [ص 214]: (وإن ضربه بمثقل كبير أو بمثقل صغير في مقتل أو في رجل ضعيف، أو في حر شديد أو برد شديد، أو والى به الضرب فمات.. وجب عليه القود) ودخل في الضعيف ما لو لم يعلم بضعفه وهو الأصح، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك 1.
وخرج بالموالاة ما لو فرَّقها حتى مات، وفيه وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح 2، وقال المسعودي: لو ضربه ضربة وقصد ألَّا يزيده عليها، فشتمه المضروب، فضربه ثانية، ثم شتمه فضربه ثالثة حتى قتله.. فلا قصاص؛ لعدم المولاة، قال الرافعي: وينبغي ألَّا ينظر إلى صورة الموالاة، ولا تقدر مدة التفريق، بل يعتبر أثر الضربة السابقة والآلام الحاصلة بها، فإن بقيت ثم ضربه أخرى.. فهو كما لو والى 3.
قال شيخنا الإمام البلقيني: هذا ممنوع؛ فإنه في كل ضربة لم يقصد الفعل والشخص بما يقتل غالبا، بخلاف ما لو قصد ولاء الضرب ووالى الضربات.. فإنا نوجب عليه القصاص نظراً إلى قصد الشخص والفعل بمجموع فعل يقتل غالباً، والضربة السابقة لا قصاص بها، فكيف يجب القصاص بالتي بعدها، وهي لو كانت قاتلة.. لكان كالجارح جراحتين إحداهما عمد والأخرى خطأ؟ !
4548 - قول "التنبيه" [ص 214]: (وإن غرز إبرة في غير مقتل؛ فإن بقي منها ضَمِناً - أي: متألمًا - حتى مات.. وجب القود) يقتضي أنه لا يشترط مع ذلك حصول ورم، وكذا صححه النووي في "شرح الوسيط"، وكذا قال شيخنا الإمام البلقيني: الصحيح: أنه يجب إذا كان مثله يقتل غالبًا، واشترطه في "الروضة" وأصلها 4، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 468]: (وكذا بغيره إن تورم وتألم حتى مات) واعتمده شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" 5، واقتصر "الحاوي"
على الورم فقال [ص 555]: (وغرز إبرة بورمٍ) ولم يذكر الألم؛ للزومه للورم.
4549 - قول "التنبيه" [ص 214]: (وإن مات في الحال.. فقد قيل: يجب، وقيل: لا يجب) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 468]: (فشبه عمد، وقيل: عمد، وقيل: لا شيء) وهو مفهوم تعبير "الحاوي" المتقدم.
قال في "المنهاج" [ص 468]: (ولو غرز فيما لا يؤلم كجلدة عقب.. فلا شيء بحال) ولمحل الخلاف أيضاً شرطان:
أحدهما: في "الرقم" للعبادي أن الغرز في بدن الصغير والشيخ الهمّ ونضو الخلق.. يوجب القصاص بكل حال، وجعل التفصيل والخلاف في غيرهم.
ثانيهما: في "الكفاية" عن جماعة: أن محل الخلاف: فيما إذا لم يبالغ في إدخالها، فإن بالغ فيه.. وجب القود جزماً 1.
4550 - قول "المنهاج" [ص 468]: (ولو حبسه ومنعه الطعام والشراب والطلب حتى مات؛ فإن مضت مدة يموت مثله فيها غالباً جوعاً أو عطشاً.. فعمدٌ) كذا لو منعه أحدهما فمات بسبب منعه، أما إذا منعه الماء دون الطعام فامتنع من الأكل خوفاً من العطش فمات جوعاً.. فلا قصاص قطعاً ولا دية في الأصح 2، ولو حبسه ولم يمنعه شيئًا فترك الأكل خوفاً أو حزنا والطعام والماء عنده، فمات جوعا أو عطشا، أو مات حتف أنفه أو بحية أو بهدم؛ فإن كان عبداً.. ضمنه باليد، وإن كان حراً.. لم يضمنه، ولو حبسه وعرّاه فمات بالبرد.. فكما لو منعه الأكل، قاله القاضي حسين.
4551 - قوله: (وإلا؛ فإن لم يكن به جوعٌ وعطشٌ سابقٌ.. فشبه عمدٍ، وإن كان به بعض جوعٍ وعطشٍ وعلم الحابس الحال.. فعمدٌ، وإلا.. فلا في الأظهر) 3 المراد: أنه حبسه مدة إذا أضيفت إلى مدة جوعه أو عطشه السابق.. بلغت المدة القاتلة، فإن كان مجموع المدتين لا يبلغ ذلك.. فهو كما لو لم يكن به شيء سابق، ذكره شيخنا ابن النقيب، وقال: قلته تفقهًا، ولا بد منه، وهو مرادهم بلا شك 4.
قلت: هو معلوم مما ذكره في القسم الذي قبله، وعلى هذا أيضًا يحمل قول "الحاوي" [ص 555]: (وتجويع جائع بعلمه) ولم يذكر التعطيش، وهو مثله، وقد يفهم من تعبير "المنهاج"
بالعمد وعدمه: أنه إذا آل الأمر إلى الدية.. وجبت دية العمد كاملة إن قلنا: عمد، ودية شبه العمد كاملة إن قلنا بمقابله، ولكن الأظهر في "أصل الروضة" تفريعًا على عدم القصاص: أنه يجب نصف العمد أو شبه العمد؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 555]: (وإن جهل النصف).
4552 - قول "التنبيه" [ص 214]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 682]: (وإن شهد على رجل فقتل بشهادته ثم رجع وقال: تعمدت ذلك.. وجب عليه القود) شرطه أن يقول: تعمد صاحبي أيضاً، فلو اقتصر على قوله: (تعمدت).. فلا.
4553 - قول "المنهاج" [ص 469]: (فلو شهدا بقصاص فقتل ثم رجعا وقالا: تعمدنا.. لزمهما القصاص) فيه أمران:
أحدهما: اعتبر في "أصل الروضة" مع التعمد أن يقولا: وعلمنا أنه يقتل بقولنا 1، فإن لم يقولا ذلك.. ففي (باب الرجوع عن الشهادة): إن كانوا ممن لا يخفى عليهم ذلك.. وجب القصاص، وإن جاز خفاؤه عليهم لقرب إسلامهم.. فالذي قاله الأصحاب: أنه شبه عمد، ومال الإمام إلى وجوب القصاص، وحكاه الروياني وجهًا شاذاً مأخوذاً من ضرب المريض ضربا يقتل المريض دون الصحيح ولم يعلم مرضه 2، وأشار إليه "الحاوي" بقوله [ص 682]: (أو ما 3 علمت يقتل بقولي) وقد عرفت أن محله: مع جواز خفائه عليه، فلو قالوا: لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا؛ لظهور أمور فينا يقتضى ردها ولكن الحاكم قصر.. فقال شيخنا الإمام البلقيني: هو شبه عمد كالذي قبله، ولم أر من تعرض له.
ثانيهما: أنه يرد على مفهومه ما لو قال كل منهما: تعمدت ولا أعلم حال صاحبي، أو اقتصر على (تعمدت).. فإنه يلزمهما القصاص كما في "أصل الروضة" في رجوع الشهود عن البغوي وغيره 4.
4554 - قول "المنهاج" [ص 469]؛ (إلا أن يعترف الولي بعلمه بكذبهما) فيه أمور:
أحدها: أن المراد: اعترافه بعلمه بذلك حين القتل، وهو مفهوم من تعبير "المحرر" بلفظة (كان) 5، أما لو اعترف بعلمه به بعد القتل.. لم يسقط القصاص عنهما.
ثانيها: يرد على حصره ما لو اعترف القاضي بعلمه بكذبهما حين الحكم أو القتل دون الولي.. فالقصاص على القاضي دون الشهود ولو اعترفوا.
ثالثها: المراد بالولي هنا: ولي المقتول، أما لو قال ولي القاتل: أنا أعلم كذبهما في رجوعهما وأن مورثي قتل.. فلا قصاص عليهما، وهذا واضح.
واعلم: أن المقتضي لوجوب القصاص عليهما هو رجوعهما مع اعترافهما بالتعمد، لا كذبهما، حتى لو تيقنا كذبهما؛ بأن شاهدنا المشهود بقتله حيأ.. فلا قصاص عليهما؛ لاحتمال عدم تعمدهما.
4555 - قول "التنبيه" [ص 214]: (وإن أكره رجلاً على أكل سم فمات منه.. وجب عليه القود) يتناول إيجاره وإكراهه حتى أكله بنفسه، وفي الثانية قولان حكاهما الداركي وغيره وحكى الرافعي عن "العدة": أن أصحهما: الوجوب، ثم قال: والوجه أن يكون كإكراهه على قتل نفسه 1، ومقتضاه: تصحيح عدم الوجوب، وأرسل في "الروضة" تصحيح الوجوب، وهو مخالف لما ذكر بعده أنه الوجه 2، وهو الذي صرح في "الكفاية" بنقله عن تعليق القاضي حسين و"التتمة" و"النهاية" 3، كذا اقتصر في "المهمات" على هذا النقل، لكن الرافعي قد ذكر هذا البحث بعد ذلك نقلًا فقال بعد حكاية القولين في إكراهه على قتل نفسه: ويجري القولان فيما لو في "الروضة" على ذلك 4.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس الوجه أن يكون كإكراهه على قتل نفسه؛ لأن شرب السم قد يُرجى منه الشفاء، بخلاف قتل النفس؛ فكان الأظهر هنا: وجوب القصاص بخلاف إكراهه على قتل نفسه، وجزم الشيخ أبو حامد وغيره بالوجوب في صورة السم، وهو مقتضى نص "الأم" 5، قال: وينبغي أن محل القولين: إذا علم الشارب أنه سم قاتل، فإن لم يعلم.. وجب القصاص على المكره قطعًا.
انتهى.
وقد عرفت أن ما بحثه منقول، والله أعلم.
4556 - قوله: (وإن قال: لم أعلم أنه سم قاتل.. ففيه قولان) 6 الأصح: الوجوب.
4557 - فوله: (وإن خلط السم بطعام فاطعمه رجلاً، أو خلطه بطعام لرجل فأكله فمات.. ففيه قولان) 7 فيه أمور:
أحدها: أن الأصح: عدم الوجوب، كذا صححه في "الروضة" و"المحرر" و"المنهاج" و"تصحيح التنبيه" 1، والذي في "شرح الرافعي" نقل ترجيح الوجوب عن الروياني وغيره، قال: ومال الإمام وغيره إلى ترجيح المنع؛ وهو قياس ما سبق في مسائل التغرير والمباشرة 2.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن الوجوب مذهب الشافعي؛ فإنه رجحه فقال: إنه أشبههما 3.
ثانيها: أن محل الخلاف: في البالغ العاقل، فلو فعل ذلك بصبي أو مجنون.. وجب القصاص قطعًا، ذكره في "المنهاج" 4، ومثلهما الأعجمي الذي يعتقد وجوب الطاعة فيما أمر به، قال الرافعي: ولم يفرقوا في الصبي بين المميز وغيره، ولا نظروا إلى أن عمده عمد أو خطأ، قال: وللنظر فيه مجال 5.
قال شيخنا الإمام البلقيني: والذي نص عليه في "الأم" وصرح به الشيخ أبو حامد عن النص والماوردي والمحاملي في "التجريد" وابن الصباغ والسرخسي والمتولي وغيرهم أن إيجاب القصاص إنما هو في غير المميز، فأما المميز.. فكالبالغ 6، وفي "أصل الروضة" عن البغوي فيما لو أمر مجنوناً له تمييز بقتل شخص.. أنه لا شيء على الآمر سوى الإثم 7، فإن صح ما قاله البغوي.. اقتضى أن المجنون الذي له تمييز هنا كالعاقل.
ثالثها: قيد "المنهاج" المسألة الثانية بما إذا كان الغالب أكله منه 8، وكذا في "الروضة" وأصلها 9، وأسقطه في "المحرر".
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يذكر الشافعي هذا القيد، وليس بمعتبر؛ لأن من رمى إلى شخص فقتله.. لا يعتبر أن تكون الإصابة غالبة، بل العبرة في المرمي به أن يكون سلاحاً ينهر الدم ويشق اللحم أو غيره يقتل غالبا من غير غلبة الإصابة، كذلك هنا.
رابعها: شرطه: ألَّا يعلم الضيف حال الطعام، فإن علم أنه مسموم.. فلا شيء على الذي ضيفه، ذكره في "المنهاج" 10.
خامسها: تسويته بين الصورتين في حكاية القولين كذلك هو في "المنهاج" 1، وفي الثانية طريقة قاطعة بنفي القصاص، ومال إليها شيخنا الإمام البلقيني؛ لأن الشافعي حكى القولين في الأولى، وقال: أشبههما: إيجاب القود، وجزم في الثانية بعدم القود، ثم قال: وفيها قول آخر: أنها كالمسألة الأولى، قال: وهو ظاهر في ترجيح الطريقة القاطعة بالمنع 2.
سادسها: أنهما أطلقا السم، ويعتبر كونه يقتل غالباً كما نص عليه الشافعي والأصحاب، وفيه وجه أو قول في "الروضة" 3 لأن للسم نكاية في الباطن كالجراحة.
4558 - قول "المنهاج" [ص 469]: (ولو ألقاه في ماء لا يُعَدُّ مغرقاً كمنبسطٍ فمكث فيه مضطجعاً حتى هلك.. فَهَدَرٌ) قيده في "الروضة" فقال: بأن كان راكداً في موضع منبسط 4.
قال في "المهمات": ولا حاجة إليه، والصواب: حذفه كما في "المحرر".
قلت: عبارة الرافعي: بأن كان واقفاً 5، وهو صفة للملقى، ففهم في "الروضة" أنه صفة للماء.. فعبر بالركود، وهو فهم عجيب!
4559 - قوله: (وإن أمكنته - أي: السباحة - فتركها.. فلا دية في الأظهر) 6 تبع "المحرر" في أن الخلاف قولان 7، وهو الصواب؛ فهما في "الأم" 8، وفي "الروضة" وأصلها: وجهان أو قولان 9.
4560 - قوله: (ولا قصاص في الصورتين، وفي النار وجه) 10 أجراه الأكثرون في الماء أيضاً؛ فلا اختصاص له بالنار.
4561 - قوله: (ولو حفر بئراً فردَّاه فيه آخر.. فالقصاص على المردي فقط) 11 يوهم تعلق القصاص بالحافر لو انفرد، وليس كذلك؛ فالحفر شرط، والشروط لا يتعلق بها قصاص، وعبارة "الروضة" وأصلها: (فالضمان على المردي دون الحافر) 12، وهي أولى.
ولا يخفى أن وجوب القصاص على المردي إذا كانت التردية يحصل منها القتل غالبا.
4562 - قول "التنبيه" [ص 214]: (وإن طرحه في لجة فالتقمه حوت قبل أن يصل إلى الماء.. ففيه قولان، أحدهما: يجب القود، والثاني: لا يجب) الأظهر: الوجوب، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 1، وعبارة "الروضة": على الصحيح المنصوص، وخرج الربيع قولاً: أنه لا قصاص 2.
ومقتضى كلاما "التنبيه": أنه لو كان ذلك بعد وصوله إلى الماء.. وجب قطعًا، وبه يشعر كلام الشيخ أبي حامد وغيره، والصحيح: أنه لا فرق؛ ولذلك أطلقه "المنهاج" و"الحاوي".
وخرج باللجة: ما لو كان غير مغرق.. فلا قصاص قطعًا، وبه جزم "المنهاج" 3، وعليه مشى "الحاوي" 4، لكن لو علم الملقي بالحوت.. كان كالمغرق، صرح به في "الوسيط" واقتضاه كلام الرافعي 5.
وخرج بقولهم: (فالتقمه) ما لو ألقمه فاه.. فيجب القصاص قطعاً.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: قد يكون الماء في نفسه مغرقاً ويمكنه التخلص منه بسباحة وغيرها، فكان ينبغي أن يقول: لا يمكنه التخلص منه في الأغلب كما عبر به الشافعي رضي الله عنه 6.
4563 - قول "المنهاج" [ص 470] و"الحاوي" [ص 553]: (ولو أكره على رمي شاخصٍ علم المكرِه أنه رجلٌ وظنه المكرَه صيدا.. فالأصح: وجوب القصاص على المكرِه) قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه مفرع على وجه مرجوح أن المكرَه كالآلة، والأصح: أنه شريك، قال: فالأصح المعتمد في الفتوى: أنه لا قصاص على المكرِه؛ لأنه شريكُ مخطئٍ، ثم حكاه عن "تعليق القاضي حسين" و"التهذيب" و "النهاية" و"البسيط" 7، ويوافقه كلام "المنهاج" [ص 470]: (فيما إذا أكره بالغ مراهقًا.. فإنه لم يوجب القصاص على البالغ إلا إذا قلنا: عمد الصبي عمد).
4564 - قوله: (أو على صعود شجرة فزلق ومات.. فشبه عمد، وقيل: عمد) 8 قال بالأول
الفوراني والبغوي 1، وعليه مشى "الحاوي" 2، وبالثاني الغزالي 3.
قال شيخنا الإمام البلقيني: والذي عندنا أن الأصح: أنه خطأ محض؛ لأن من الصور التي ذكرها الرافعي: أن يكرهه على صعود سلم أو نزول منحدر فتزلق رجله 4، وهذا ليس بشبه عمد؛ إذ لا مدخل لصعود السلم أو نزول المنحدر في الإهلاك، ولا بصعود الشجرة الصغيرة ولا الطويلة للعارف بذلك، وإنما هذا تولد من قضية سليمة، فهو خطأ محض، ولو قيل: لا يلزم المكره شيء.. لكان له وجه.
4565 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن أمر السلطان رجلاً أن ينزل إلى بئر أو يصعد إلى نخلة لمصلحة فوقع ومات.. وجب ضمانه) قال الرافعي: وجوب الضمان على جعلنا أمر السلطان إكراهاً، وقضية كلام الجمهور تصريحاً ودلالة: أنه ليس بإكراه 5، وصرح في "الشرح الصغير" بأنه الأظهر.
قال في "الكفاية": لو كان هذا هو المأخذ.. لما أوجبه العراقيون؛ لأنهم لم يجعلوا أمره إكراهاً.
4566 - قول "المنهاج" [ص 470]: (أو على قتل نفسه.. فلا قصاص في الأظهر) قال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب: القطع به، ولم أقف على القولين في منصوصات الشافعي، ولا يعرفان إلا في كلام البغوي والخوارزمي 6، وحكاهما أبو الفرج الزاز وجهين، وجعل محلهما: ما إذا خؤفه بمثل ذلك القتل، فإن خوفه بعقوبة فوق القتل؛ كالإحراق والتمثيل.. فهو إكراه، ووافقه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: يشبه أن يكون ذلك إكراهاً، قال شيخنا: وهو غير معتبر؛ لأن نفسه ذاهبة على كل تقدير منه أو من مكرهه.
وسكوت "المنهاج" عن نفي الدية في هذه الصورة مع نفيها في الصورة التي بعدها يشعر بثبوتها هنا، وفي "الروضة" وأصلها: أن عليه نصف الدية إن أوجبنا الضمان على المكره، وجميعها إن لم نضمنه 7.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو مردود، والصواب: عدم وجوبها؛ لعدم الإكراه حقيقة، وبه
صرح القاضي حسين والبغوي 1، وقال الإمام والغزالي: إنه ليس بإكراه في الحقيقة، والقاتل مختار 2، قال شيخنا: وهو واضح لا خفاء به، ومقتضاه: أنه لا يجب عليه كفارة، ولكنه أثم بما جرى منه، وكذا قال في "المهمات": إنه لا يستقيم، قال: والمسألة في "التهذيب" على الصواب، فلما نقلها الرافعي منه.. جعل تفريع أحد القولين للآخر.
4567 - قوله: (وإن قال: "اقتلني وإلا قتلتك".. فالمذهب: لا قصاص، والأظهر: لا دية) 3 فيه أمور:
أحدها: يستثنى من الخلاف: ما إذا قتله دفعًا حيث تعين ذلك.. فلا قصاص ولا دية قطعاً؛ ففي "أصل الروضة" عن الأئمة: أن للمأمور دفع الآمر ولا شيء عليه إذا أتى الدفع على نفسه، قال: فعلى هذا: إذا قتله دفعاً.. ينبغي أن يحكم بأنه لا قصاص ولا دية بلا تفصيل ولا خلاف، وقد أشار إليه أبو الحسن العبادي فقال: إذا قال: (اقتلني وإلا قتلتك) فإن همّ بقتله.. فهو استسلام، وإن قتله.. فهو دفع، ويمكن أن يقال: موضع التفصيل والخلاف ما إذا أمكنه الدفع بغير القتل، وإنما لا يلزمه شيء إذا لم يمكنه الدفع بغيره.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا متعقب؛ فإنه إذا أمكنه الدفع بغير القتل.. لا يتحقق الإكراه، وإنما الذي يظهر أن موضع الخلاف ما إذا قتله بمقتضى الإكراه لا على قصد الدفع عن نفسه كما يدفع الصائل الطالب لنفسه، فهنا لا يلزمه شيء قطعا.
ثانيها: كان ينبغي أن يقول فيهما: على المذهب؛ لأن الخلاف فيهما معاً طريقان، ذكره شيخنا الإمام البلقيني.
ثالثها: لا يختص ذلك بالإكراه، فلو اقتصر على قوله: (اقتلني).. فلا قصاص على المذهب، ولا دية في الأظهر أيضاً.
نعم؛ لو كان الآذن عبداً.. لم يسقط الضمان، وفي القصاص إذا كان المأذون له عبداً وجهان.
4568 - قوله: (ولو قال: "اقتل زيداً أو عمراً ".. فليس بإكراه) 4 قال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: أنه إكراه؛ فإنه لا يتخلص من قتله إلا بقتل واقع على معين، وليس كإكراهه على طلاق إحدى زوجتيه؛ فإنه يمكن أن يقول: أحدهما طالق، فإذا طلق معينة.. كان مختاراً، وهذا اختيار القاضي حسين بعد أن حكى الأول عن الأصحاب، وحكى أبو الحسن العبادي في ذلك وجهين.
فصل [في اشتراك اثنين في فعل مزهق]
4569 - قول "المنهاج" [ص 470]: (وجد من شخصين معاً فعلان مزهقان مذففان؛ كَحَزٍّ وَقَدٍّ، أو لا كقطع عضوين.. فقاتلان) بقي: لو كان أحدهما مذففاً دون الآخر.. قال في "أصل الروضة": قياس ما سنذكره: أن يكون المذفف هو القاتل (1). قال شيخنا الإمام البلقيني: لم يذكر ما يقتضي القياس المذكور؛ فإن المذكور في صورة الترتيب لا دلالة له على صورة المعية؛ فإن التذفيف على معنى الانتهاء إلى حركة المذبوح لا يؤثر ما بعده ولا ما قبله لقطعه أثره، وفي "أصل الروضة" في آخر (الصيد والذبائح) فيما إذا كانت إحداهما مذففة وشككنا في الأخرى هل أثرت أم لا؟ عن القفال: أنهما قاتلان، وعن الإمام: استبعاده، وأن الوجه تخصيص القصاص بصاحب المذففة (2). 4570 - قوله: (ولو قتل مريضاً في النزع وعيشه عيش مذبوح.. وجب القصاص) (3) قد يخالفه قول النووي من زيادة "الروضة" في (الفرائض) عن الأصحاب: أن من صار في حال النزع.. فله حكم الميت (4). وقوله في (الوصية): إن من وصل إلى ذلك في حيّز الأموات (5). وجوابه: حمل ما في الفرائض على من صار إلى تلك الحالة بجراحة، وما في الوصية على ترك الاعتداد بقوله.
فصل [في قتل من ظن كفره]
4571 - قول "المنهاج" [ص 471]: (قتل مسلماً ظن كفره بدار الحرب.. لا قصاص، وكذا لا دية في الأظهر) فيه أمران: أحدهما: صورة المسألة: أن يكون القاتل مسلمة، فلو كان ذمياً لم يستعن به المسلمون.. وجب عليه القصاص على الأرجح المعتمد، كما قال شيخنا الإمام البلقيني، قال: وفي نص الشافعي ما يشهد له.12345
ثانيهما: أنه لا يكفي ظنه كفره، بل لابد من ظن حرابته، فلو ظنه ذمياً.. فقد ذكر في "المنهاج" عقبه [ص 471]: (أنه لو قتل من عهده ذمياً فبان خلافه.. فالمذهب: وجوب القصاص) ولو لم يظن كونه ذمياً ولا حربياً.. وجب القصاص على الأرجح، قاله شيخنا الإمام البلقيني.
واعلم: أن الرافعي قال في ظن كفره: بأن كان عليه زي الكفار أو رآه يعظم آلهتهم 1، فأما كونه عليه زي الكفار: فاقتضى كلام الرافعي في الردة: موافقة الحنفية على أنه ردة، لكن رجح النووي خلافه.
وأما تعظيم آلهتهم: فقد حكاه الرافعي عن البغوي، وأطلقه في "الروضة"، لكن في (باب الردة) أن تعظيم الأصنام بالسجود والذبح ردة 2، وقال في "المهمات": الظاهر أنه على سبيل المثال، وقال شيخنا الإمام البلقيني: قد يحمل على ما إذا كان مكرها على التعظيم والقاتل لا يدري، أو يكون فعل من الخدمة لمواضعها من كنس وغيره ما لا يقتضي كفراً.
4572 - قوله: (أو بدار الإسلام.. وجبا) 3 يستثنى منه: ما إذا كان مع كونه بدار الإسلام في صف أهل الحرب.. فلا قصاص قطعا، ولا دية في الأظهر؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 552]: (في دار الحرب، أو صفّهم).
4573 - قول "المنهاج" [ص 471]: (وفي القصاص قول) شرطه: أن يعهده حربيا، وإلا.. فيجب القصاص قطعاً، بخلاف ما إذا كان بدار الحرب.. فإنه يكفي فيه ظن كونه حربياً وإن لم يعهده كذلك.
4574 - قول "التنبيه" [ص 213]: (وإن قتل حر عبداً أو مسلم ذمياً ثم قامت البينة أنه كان قد أعتق أو أسلم.. ففي القود قولان) الأظهر: الوجوب، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 471]: (أو من عهده مرتداً أو ذمياً أو عبداً أو ظنه قاتل أبيه فبان خلافه.. فالمذهب: وجوب القصاص)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن تعبيره بالمذهب يقتضي ترجيح طريقة القطع في الجميع، وليس كذلك، بل الصحيح في صورة المرتد والذمي والعبد: إثبات القولين، ولم يصر أحد إلى القطع في الجميع، وقوله في "الروضة": (وقيل: يجب القصاص في الجميع) 4 متعقب.
وفيما ذكره شيخنا نظر؛ فالتعبير بالمذهب إنما يقتضي على اصطلاحه أن في المسألة طريقين أو
طرقًا في الجملة، لا على أن الراجح: القطع بما ذكره، وتعبير "التنبيه" بأنه أعتق أو أسلم أحسن من قول "المنهاج" [ص 471]: (فبان خلافه) لصدق هذه العبارة على ما إذا تبين أنه غير الذي عهده بتلك الصفة، ولا خلاف هنا في وجوب القصاص، وتصريحه أيضاً بأن القاتل حر ومسلم أحسن من عبارة "المنهاج" لصدقها على ما إذا كان القاتل عبداً أو ذمياً، ولا إشكال هنا في وجوب القصاص، لحصول المكافأة، ولو كان المقتول على الصفة التي كان يعهده عليها، لكن قول "المنهاج" [ص 471]: (عهده ذمياً أو عبداً) أحسن من قول "التنبيه" [ص 213]: (عبداً أو ذمياً) لأنه تبين أنه حر ومسلم.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: المتجه فيما إذا ظنه قاتلاً بغير عهد: أنه يقتل به قطعاً كما إذا ظنه مرتدًا فلم يكن، وإنما يساوي ما سبق أن يعهده قاتل أبيه ويظن بقاء القصاص عليه، فيتبين سقوط القصاص عنه بعفو وكيله أو شريكه في الإرث.
انتهى.
وأصل هذا في كلام الرافعي، حيث قال: والمفهوم مما أورده - يعني: الغزالي - فيما إذا ظنه حربياً أو مرتداً من غير أن يعهده كذلك، ولم يكن كذلك: القطع بوجوب القصاص، والوجه: التسوية بينهما وبين من ظنه قاتل أبيه، إما في القطع أو إثبات القولين، قال: وقد يرجح القطع بالوجوب فيما إذا قال: تبينت أن أبي كان حياً حين قتلته، مع أن أصل الظن أو الشبهة قائم 1.
4575 - قول "المنهاج" [ص 471]: (ولو ضرب مريضاً جهل مرضه ضرباً يفتل المريض.. وجب القصاص) استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني ما إذا ضربه في تأديب، وحكاه عن "الوسيط" 2.
4576 - قوله: (ويشترط لوجوب الفصاص في الفتيل: إسلامٌ أو أمانٌ) 3 أحسن من قول "الحاوي" [ص 548]: (معصوم بإيمانٍ وأمان) لأن أحدهما كاف، وعبارة "الحاوي" أحسن من وجه آخر؛ لأنه تكلم على الضمان الذي هو أعم وتكلم "المنهاج" على القصاص الذي هو أخص، فلو عبر بالضمان.. لكان أولى، لكنه عقبه بقوله: (فيهدر حربي ومرتد) 4 ولا يخفى أن إهدار المرتد إنما هو على غير مرتد مثله، وسيأتي في كلامهم.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: يشترط في القتيل مع الإسلام والأمان: ألاَّ يكون صائلاً أو قاطع
طريق لا يندفع شره إلا بالقتل.. فهو غير معصوم في تلك الحالة مع أنه مسلم، فإن كان ذميًا.. انتقض عهده بقطع الطريق إن شرط انتقاض عهده به، وإلا.. فلا، وهل ينتقض عهده بالصيال أو يقال: هو مهدر مع بقاء عهده؛ الثاني هو المعتمد؛ وهو مقتضى كلام الشافعي وأصحابه، وأما في الهدنة والأمان.. فمقتضى المنقول: انتقاض عهده وأمانه، ولا يقال في الصائل وقاطع الطريق: إنهما معصومان بالنسبة لغير المصول عليه والمقطوع عليه الطريق، بل هما مهدران مطلقاً إذا تعين قتلهما لدفع شرهما.
وأورد في "المهمات" على الحصر في الإيمان والأمان: ضرب الرق على أسير، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا يرد؛ فإنه صار مالاً للمستحقين المسلمين ومال المسلمين في أمان.
4577 - قول "المنهاج" [ص 471]: (ومن عليه قصاص كغيره) أي: بالنسبة إلى غير مستحق القصاص، أما بالنسبة إليه.. فهدر؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 548]: (كالقاتل، ويد السارق على غير المستحق) وأورد عليهما شيخنا الإمام البلقيني من عليه قصاص؛ لأنه قتل في قطع الطريق، إذا قتله غير المستحق.. لا يقتل به، إلا إن كان مثله في تحتم القتل، وما ذكره "الحاوي" من أن يد السارق معصومة بالنسبة لغير المسروق منه، فإذا قطعها.. قطعت يده، صرح به الماوردي، لكن المجزوم به في "الروضة" وأصلها في (باب السرقة) أنه لا قطع مطلقاً، وهو ظاهر؛ لاستحقاقها القطع 1.
4578 - قول "التنبيه" [ص 220]: (ومن قتل من وجب رجمه بالبينة، أو انحتم قتله في المحاربة.. لم تلزمه الدية) يستثنى منه: ما إذا كان القاتل ذميًا أو مستأمنًا أو زانياً محصنًا.. فعليه القصاص؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 471]: (والزاني المحصن إن قتله ذميٌّ.. قُتل، أو مسلم.. فلا في الأصح) وفيه أمور:
أحدها: لا يختص ذلك بالذمي، بل لو قتله زان محصن.. قتل به في الأصح مع كونه مسلماً، وكذا يقتل به المرتد في الأصح؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 548]: (والزاني المحصن على الذمي ومثله والمرتد).
ثانيها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني من قتل الذمي بالزاني المحصن ما إذا كان الزاني المحصن ذمياً كتابيًا وكان الذمي القاتل له ليس زانياً محصنًا ولا وجب قتله بقطع طريق ونحوه.. قال: فلا يقتل به على المعتمد به، وتعليلهم بأنه لا تسلط له على المسلم ولا حق له في الواجب عليه يدل عليه، قال: والقياس أنه لا فرق بين أن يكون القاتل كتابيًا أو مجوسيًا.
ثالثها: تعبيره بالأصح مخالف لتعبير "الروضة" بالصحيح المنصوص 1، فكان ينبغي أن يقول: (على النص).
رابعها: قال القاضي أبو الطيب: محل الخلاف: إذا قتله قبل أمر الإمام بقتله، فإن كان بعده.. فلا قصاص قطعاً، حكاه عنه في زيادة "الروضة" 2.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وفيه توقف فيما إذا قتله بالسيف بعد أمر الإمام برجمه، أو عين لرجمه جماعة فرجمه غيرهم.
خامسها: صحح النووي في "تصحيح التنبيه": التفصيل بين أن يثبت زناه بالبينة.. فلا يقتل به، أو بالإقرار.. فيقتل به 3.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا اعتماد عليه، والإطلاق هو المعتمد.
نعم؛ لو قتله بعد رجوعه عن الإقرار.. لم يقتل به كما نقل في "أصل الروضة" تصحيحه عن ابن كج 4.
لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: أنه يقتل به، وفي نص الشافعي فيمن قتله بعد أمر الإمام ما يشعر به.
قلت: بل هو صريح فيه؛ فإنه قال: لا شيء على قاتله؛ لأنه لا يحل حقن دم هذا أبداً حتى يرجع عن الإقرار بكلامٍ إن كان.. قضي عليه بماقراره... إلى آخر كلامه 5.
قال شيخنا: أما لو قتله بعد رجوع الشهود.. قتل به جزماً، إلا إذا ظن بقاء شهادتهم.. فهو كظن بقاء الردة، وقد تقدم، قال: فلو قتله قبل أمر الحاكم بقتله ثم رجع الشهود وقالوا: تعمدنا.. فالأقوى الأقيس: أنه يقتل به دون الشهود، ولم يذكروه.
سادسها: محل الخلاف: فيما إذا ثبت زناه ببينة أو إقرار، فلو رآه يزني وعلم أنه محصن.. لم يقتل بلا خلاف، نص عليه كما حكاه شيخنا الإمام البلقيني.
4579 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وفي القاتل: بلوغٌ وعقلٌ) 6 لو قال: (كونه ملتزما للأحكام).. لكان أولى؛ ليدخل الحربي في الضابط، ثم يفصله كما في "الروضة" 7،
وإن كان "المنهاج" قد قال بعد ذلك [ص 472]: (ولا قصاص على حربي) وصرح "الحاوي" بأنه لا قصاص على الحربي ولا كفارة 1.
4580 - قول "التنبيه" [ص 213]: (ويجب على من زال عقله بمحرم، وقيل: فيه قولان (الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: الوجوب، وعبارة "المنهاج" [ص 471]: (والمذهب: وجوبه على السكران) ولا يعرف منه هل الراجح طريقة القطع أو الخلاف؛ ويرد عليه: أن محل الخلاف: في غير المعذور بسكره، أما من أكره على شرب الخمر أو جهل كونها خمراً.. فلا شيء عليه، وأن المتعدي بشرب دواء يزيل العقل كالسكران، ولا يرد ذلك على تعبير "التنبيه".
4581 - قوله: (ولا يجب القصاص على المسلم بقتل الكافر) 2 أعنم من قول "المنهاج" [ص 472]: (فلا يقتل مسلم بذمي) لكنه إذا لم يقتل بالذمي.. فبالمعاهد والحربي أولى.
4582 - قوله: (ويقتل ذمي بذمي وإن اختلفت ملتهما) 3 يقتضي أن الكفر ملل، والمذهب: أنه ملة واحدة، إلا أن يريد: بمقتضى زعمهما.
4583 - قوله: (فلو أسلم القاتل.. لم يسقط القصاص) 4 أي: فيما إذا قتل ذمي ذمياً، وكلامه يقتضي الجزم بذلك؛ فإنه حكى الخلاف في التي بعدها دونها، وكذا في "الروضة" وأصلها 5، لكن فيه وجه في "الكفاية"، ونقله شيخنا الإمام البلقيني قولاً عن رواية الربيع، وقال: لم أر من ذكره، بل ذكر أن الخلاف يأتي أيضًا فيما إذا قتل ذمي مسلما ثم أسلم من الوجه الصائر إلى إسقاط القصاص بالتوبة، وهو في (كتاب قاطع الطريق) فإن الإسلام من أعظم التوبات.
4584 - قوله: (ولو جرح ذمي ذميًّا ثم أسلم الجارح ثم مات المجروح.. فكذا في الأصح) 6 يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في "الروضة" وأصلها 7، لكن حكاه القاضي حسين وغيره قولين، وحكى شيخنا الإمام البلقيني النص على أنه لا يسقط، قال: وإذا كان له قولان في إسلام القاتل.. ففي الجراحة أولى.
ومحل الخلاف: في قصاص النفس، فأما قصاص الطرف: فيجب قطعًا.
4585 - قوله: (وفي الصورتين إنما يقتص الإمام بطلب الوارث) 1 لا يخفى أن محله؛ إذا لم يسلم الوارث.
4586 - قول "التنبيه" [ص 213]: (فإن قتل المرتد ذمياً.. ففيه قولان) الأظهر: وجوب القصاص، وعليه مشى "المنهاج" 2.
4587 - قوله: (وبمرتد) 3 أي: الأظهر: قتل مرتد بمرتد، يقتضي أن الخلاف قولان، وكذا في "المحرر" 4، لكن في "الروضة" وأصلها أنه وجهان 5.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ووهم صاحب "المطلب" فذكر أن الخلاف في ذلك حكاه في "الأم" قولين.
4588 - قول "التنبيه" [ص 213]: (وإن قتل ذمي مرتداً.. فقد قيل: يجب القود، وقيل: لا يجب) الأصح: أنه لا يجب، وعليه مشى "المنهاج" 6، وعبارته تقتضي أن الخلاف فيه قولان، وكذا في "الروضة"، لكن في أصلها قولان أو وجهان 7، وتعبير "التنبيه" يقتضي أنهما وجهان، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الموجود في تصانيف الطريقين.
وقد يفهم من إيجاب القود وجوب الدية إذا عفي على مال أو كان خطأ، والأصح: خلافه؛ لأنه لا قيمة لدمه، وإنما أوجبنا القصاص؛ لأن الذمي يقتله عناداً لا تديُّناً؛ فإنه يعتقده محقون الدم، بخلاف المسلم فقتلناه به زجراً وسياسة.
قال الرافعي: وقد يقال: هذا المعنى إن اقتضى الفرق بين المسلم والذمي في القصاص.. اقتضاه في الدية، فيقال: لا قيمة لدمه في حق المسلم دون الذمي، وليس في التوجيه المذكور ما يوجب الفرق بين القصاص والدية 8.
4589 - قول "المنهاج" [ص 472]: (ولا يقتل حر بمن فيه رق) أحسن من قول "التنبيه" [ص 213]: (ولا يجب القصاص على الحر بقتل العبد) لتناوله المبعض وغيره.
4590 - قول "المنهاج" [ص 472]: (ويقتل قن ومدبر ومكاتبٌ وأم ولدٍ بعضهم ببعض)
و"الحاوي" [ص 567]: (لم يفْضُله لدى الإصابة بإسلام وحرية وأصليَّتهِ) أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أن المكاتب لا يقتل بعبده الذي تكاتب عليه، كما إذا ملك أباه على الأصح في "الروضة" وأصلها، وقال في "الشرح الصغير": الأقوى الوجوب، وقال في "الشرح الكبير": إنه يحكى عن إشارة النص 1، قال البارزي: فلو قال "الحاوي": (لم يفضله بإسلام وحرية وسيادته).. لوافق الأصح، وأما قوله قبل ذلك: (ولو مكاتباً وأباً؛ بأن يشتري المكاتب أباه وقتله) 2 فإنما ذكره لنفي الضمان.
4591 - قول "المنهاج" [ص 472]: (ومن بعضه حر لو قتل مثله.. لا قصاص) و"الحاوي" [ص 569]: (أو اشتركا حرية ورقاً) زاد "المنهاج": (وقيل: إن لم تزد حرية القاتل.. وجب) هذا الوجه قال في "أصل الروضة": إنه أشبههما عند المتقدمين، وبه قال الشيخ أبو حامد والماوردي، قال: وأصحهما عند المتأخرين - وهو اختيار القاضي أبي الطيب -: لا قصاص 3.
قال شيخنا الإمام البلقيني: والمسألة من قاعدة الحصر والإشاعة، فمن حصر الحرية في الحرية والرق في الرق.. حكم بوجوب القصاص، بشرط ألَّا تكون الحرية من القاتل أكثر، ومن أشاع.. منع، والإشاعة هي المعتمد عليها في المذهب في إبطال قاعدة مد عجوة، والمصححة في (البيع) ومجزوم بها في (القراض)، ولكن الأصح في (الفلس) و (الوصية): الحصر.
4592 - قول "التنبيه" [ص 213]: (وإن جنى حر على رجل لا يعرف رقه ولا حريته، فقال الجاني: هو عبد، وقال المجني عليه: أنا حر.. فالقول قول المجني عليه، وقيل: فيه قولان) الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: تصديق المجني عليه، لكن يخالفه ما حكاه في "أصل الروضة" عن "البحر" أنه لو قتل حر من لا يعلم أنه حر أو عبد.. فلا قصاص؛ للشبهة.
4593 - قول "المنهاج" [ص 472]: (ولا بقتل ولد وإن سفل) أخصر وأعم من قول "التنبيه" [ص 213]: (ولا يجب القصاص على الأب والجد ولا على الأم والجدة بقتل الولد وولد الولد) ومع ذلك فلو قال: (ولا بقتل فرع).. لكان أحسن، والمذهب كما في "النهاية": أنه لم يجب القصاص أصلاً، وقيل: وجب ثم سقط 4، فلو قتل منفيه باللعان.. ففي وجوب القصاص عليه وجهان في "أصل الروضة" فيما يحرم من النكاح عن حكاية المتولي 5.
4594 - قول "المحرر": (وكذا لو قتل من يرثه ولد القاتل كما لو قتل زوجة ابنه أو زوجته وله منها ولد) 1 أسقطه في بعض نسخ "المنهاج" وذكره في بعضها.
واعلم: أن عبارة "المنهاج" تقتضي أن الولد لا يكافئ أباه؛ لذكره هذا في فروع المكافأة، وبه قال بعضهم، لكن قال في "البسيط": إنه فاسد، واستدل بأن الولد يكافئ عمه وعمه يكافئ أباه، ومكافئ المكافئ مكافئ.
قال ابن الرفعة: وقوله عليه الصلاة والسلام: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" 2 يدل عليه.
4595 - قول "التنبيه" [ص 213]: (وإن وجب القصاص على رجل فورث القصاص ولده.. لم يستوف) يقتضي أن الولد يرث القصاص الواجب على والده ثم يسقط، والقياس كما قال ابن الرفعة: يقتضي عدم إرثه؛ لأن المسقط قارن سبب الملك وجزم به قبل صدقة المواشي فقال: لا يجب شيء أصلاً، ولا يخفى أن ذكر الرجل مثال.
4596 - قول "المنهاج" [ص 472]: (ويقتل بوالِديهِ) يستثنى منه: والد المكاتب الذي هو ملكه كما تقدم.
4597 - قوله: (ولو تداعيا مجهولاً فقتله أحدهما؛ فإن ألحقه القائف بالآخر.. اقتص، وإلا.. فلا) 3 فيه أمران:
أحدهما: رجح شيخنا الإمام البلقيني: أنه لا يقتص من القاتل بإلحاق القائف بالآخر؛ لأن قول القائف حجة على خلاف القياس، فيقتصر بها على مجرد لحاق النسب؛ كثبوت هلال رمضان بواحد لا يتعدى لحلول الدين ونحوه، وقال: إنه ظاهر نص "الأم"، وبه جزم الماوردي، وهو المعتمد، قال: وقول صاحب "المطلب" فيما إذا رآه القائف قبل القتل هذه لا خلاف فيها؛ أي: في جواز الإلحاق لا في القود.
ثانيهما: أنه دخل في قوله: (وإلا.. فلا) ما إذا ألحقه بثالث، والمجزوم به في "الروضة" وأصلها: وجوب القصاص في هذه الصورة أيضاً 4، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه مردود؛ فإنه لا يثبت بذلك نسب الملحق به، بل يترك حتى يبلغ لو كان حياً وينتسب، وقد تعذر ذلك هنا؛ فلا إلحاق.
4598 - قوله: (ولو قتل أحد الأخوين الأب والآخر الأم معاً.. فلكل واحد قصاص، ويُقَدَّم
بقرعةٍ، فإن اقتص بها، أو مبادراً.. فلوارث المقتص منه قتل المقتص إن لم نُوَرّث قاتلاً بحق، وكذا إن قتلا مرتباً ولا زوجية، وإلا.. فعلى الثاني فقط) 1 فيه أمور:
أحدها: أن المراد: الأخوان الشقيقان؛ ولهذا عرّف الأب والأم، وتمام التصوير أن يكونا حائزين، فلو كان معهما وارث آخر.. لم يتم التفريع المذكور.
ثانيها: لا يخفى أن القرعة عند التنازع، فلو طلب القصاص أحدهما دون الآخر.. أجيب الطالب.
ثالثها: يستغنى عن القرعة أيضاً فيما إذا قطع كل منهما من مقتوله عضواً وماتا بالسراية معاً.. فلكل منهما طلب قطع عضو الآخر حالة قطع عضوه، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، ثم إذا مات الأخوان بالسراية معاً أو مرتباً.. وقع قصاصاً.
رابعها: ويستغنى عنها أيضاً فيما لو قتلاهما معاً في قطع طريق.. فللإمام أن يقتلهما معاً؛ لأنه حد وإن غلب فيه معنى القصاص، لكنه لا يتوقف على الطلب، ذكره شيخنا الإمام البلقيني أيضًا.
خامسها: لوارث المقتص منه قتل المقتص وإن ورثنا القاتل بحق إذا كان محجوباً؛ كأن يكون لذلك الأخ ابن، ذكره في "الروضة، وأصلها 2.
سادسها: قوله: (وكذا إن قتلا مرتباً ولا زوجية) يقتضي أن التقديم بالقرعة هنا أيضاً، لكن الأرجح عند النووي: أنه يبدأ بالقاتل الأول 3، ولكن قال شيخنا الإمام البلقيني: المعتمد عندنا الإقراع، وهو الذي يفتى به؛ لأن تقديم أحد الحقين في الإيجاب لا يوجب التقديم في الاستيفاء؛ فإن من أتلف مال رجل ثم مال آخر وضاق ماله عنهما.. لا يقدم أولهما، وإنما قيل بالأول فيما إذا قتل جماعة؛ لأن ذاته صارت كالمرتهنة بقصاص الأول، وهنا وجب لكل منهما قصاص على صاحبه وهما متنازعان في التقديم.. فتعين الإقراع، ويمكن حمل كلام "المنهاج" على مجرد إيجاب القصاص لكل منهما على الآخر؛ بدليل قوله: (وإلا.. فعلى الثاني).
ثم محل ذلك: في غير قطع الطريق، فأما فيه.. فلا حاجة لإقراع ولا تقديم مبتدئ، وللإمام قتلهما معاً كما تقدم.
سابعها: قوله (وإلا.. فعلى الثاني فقط) أي: كانت الزوجية بين الأبوين قائمة، فهو نفي لنفي الزوجية، وإنما اختص القصاص بالثاني؛ لأن الأول ورث من أمه شيئاً مما ورثته من قصاص أبيه الثابت عليه.. فسقط الكل.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحل هذا: إذا لم يكن هناك مانع من إرث، ومنه الدور، حتى لو تزوج الرجل بأمهما في مرض موته ثم وجد القتل المذكور من الولدين.. فلكل منهما القصاص على الآخر مع وجود الزوجية، وعلى هذا: ففي صورة الدور لو ماتت الزوجة أولاً.. لم يمتنع الزوج من إرثها، فإن كان هو المقتول أولاً.. فكل منهما يستحق القصاص على الآخر، وإن كانت هي المقتولة أوَّلًا.. فالقصاص على الثاني، قال: فليتنبه لذلك؛ فإنه من النفائس.
قال شيخنا المذكور في "حواشيه": ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنهما يوكلان ويقتص وكيلاهما معاً؛ لأن شرط دوام استحقاق كل منهما قتل صاحبه: أن يكون حياً بصفة الاستحقاق عند قتل غريمه، قال: فلو قتلهما الوكيلان معا.. فهل يقع الموقع؛ لم أقف على نقل فيه.
4599 - قول "المنهاج" [ص 473]: (وللولي العفو عن بعضهم على حصته من الدية باعتبار الرؤوس) وقول "الحاوي" [ص 556]: (والرؤوس إن شارك) يستثنى منه: ما إذا كان الضرب بالسياط أو العِصِي الخفيفة، وكانت ضربات كل واحد منهم قاتلة لو انفردت.. فالأظهر: أن التوزيع على عدد الضربات لا الرؤوس، هذه عبارة الرافعي 1، وعبر عنه في "الروضة" بقوله: كانت الضربات كل واحدة منهن قاتلة 2، وهو غير مستقيم؛ لتصويره أولًا أن الضرب بعصي خفيفة، وأيضأ: فلا نظر حينئذ للعدد، بل يقطع باعتبار الرؤوس كما في الجراح.
وإن لم يكن ضرب كل واحد قاتلًا وتواطؤوا وفرعنا على إيجاب القصاص وهو الأصح.. فهل يتوزع على عدد الضربات على الأرجح كالتي قبلها أم على عدد الروس؟ قال شيخنا الإمام البلقيني: القياس الأول.
4600 - قول "التنبيه" [ص 215]: (وإن جرح نفسه وجرحه آخر، أو جرحه سبع وجرحه آخر.. ففيه قولان، أحدهما: يجب القود على الجارح، والثاني: لا يجب) الأصح في الأولى: الوجوب، وعليه مشى "المنهاج" 3، وأما الثانية: فمقتضى كلام "الروضة" وأصلها فيها ترجيح الوجوب أيضاً؛ لأنه حكى فيها طريقين، أشهرهما: طرد القولين في شريك الحربي، والأظهر فيه: وجوب القصاص، والثانية: القطع بعدم القصاص، وصححها القاضي حسين والإمام والغزالي 4.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنها غير صحيحة؛ فقد نص في "الأم" على إيجاب القصاص على شريك السبع.
انتهى.
لكن رجح في "تصحيح التنبيه" عدم وجوبه 1، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 568]: (لا خاطئاً أو سبعاً) والفرض فيما إذا كان جرح السبع يحصل منه الموت غالباً، وإلا.. فشريك شبه العمد، ومحل الطريقين على ما يقتضيه كلام الإمام: أن يقصده السبع، أما لو وقع عليه بلا قصد.. فلا قصاص قطعاً، وقال البغوي: لا فرق 2.
وتعبير "الحاوي" بالخاطئ لغة في المخطئ حكاها أبو عبيدة وغيره، لكن المشهور: أنه فاعل ما لا ينبغي عمداً؛ ولذلك عبر "التنبيه" و"المنهاج" بـ (المخطئ).
4601 - قول "المنهاج" [ص 473]: (ولو داوى جرحه بسم مُذففٍ.. فلا قصاص على جارحه) أي: في النفس، وعليه قصاص الجراحة إن اقتضت القصاص، وإلا.. فأرشها.
4602 - قول "التنبيه" [ص 215]: (وإن جرحه واحد جراحة وداوى هو جرحه بسم غير موح ولكنه يقتل غالباً، أو خاط الجرح في لحم حي.. فقد قيل: لا يجب القود على الجارح، وقيل: على قولين) فيه أمران:
أحدهما: الأصح: طريقة القولين، وأظهرهما: الوجوب، وعليه مشى في الأولى "المنهاج" فقال [ص 473]: (فشريك جارح نفسه، وقيل: شريك مخطىٍ) و"الحاوي"، لكنه أطلق وجوب القصاص فيما إذا شارك مداويًا 3، وهو محمول على ما إذا كان يقتل غالباً وعلم حاله، وقد صرح بهما "المنهاج" 4، وصرح "التنبيه" بالأول كما قد عرفت.
ثانيهما: قال الجيلي: الصواب في التعبير أن يقال: في جلد حيّ؛ إذ لا يخاط على لحم، وقال غيره: إنهم احترزوا باللحم عن الجلد؛ فإنه إذا خاط في جلد حي.. فليس بشريك.
4603 - قول "التنبيه" [ص 215]: (وإن خاط الجرح من له عليه ولاية.. ففيه قولان، أحدهما: يجب القود على الولي والجارح، والثاني: لا يجب على الولي ولا على الجارح) صحح النووي في "تصحيحه": أنه لا قود على الولي، ولم يتعرض للجارح 5، وكلامه في "الروضة" وأصلها يقتضي تصحيح الوجوب على الجارح؛ فإنهما بنياه على ما لو تولاه المجروح، والأصح: الوجوب فيه كما تقدم 6.
وفي "الكفاية": أن النووي صحح أنه لا قصاص على الجارح، وليس كما نقل عنه،
ولا يخفى أن محل الخلاف: ما إذا لم يكن أبا ولا جداً، فإن كان أبا أو جداً.. فلا قود عليه، وفي الضمان وجهان.
4604 - قول "التنبيه" [ص 215]: (وإن اشترك جماعة في قتل واحد.. قتلوا به) محله: ما إذا كان فعل كل منهم لو انفرد لقتل، أما لو كان ضرب كل واحد غير قاتل.. فالأصح: أنهم إن تواطئوا على ذلك.. وجب القصاص، وإلا.. فلا، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (1).
4605 - قول "المنهاج" [ص 473]: (ومن قَتَل جمعاً.. قُتِل بأوّلهم) أي: إن لم يعف، فإن عفى.. قتل بالثاني، وهكذا.
فصل [في تغير حال المجني عليه من وقت الجناية]
4606 - قول "المنهاج" [ص 474]: (جرح حربياً أو مرتداً أو عبد نفسه فأسلم وعتق ثم مات بالجرح.. فلا ضمان) صورته: أن يكون الجارح مسلما أو ذمياً، فإن كان مرتداً.. وجب القصاص كما تقدم، وتجب الدية هنا على الأصح وإن لم تجب في قتل المرتد مرتداً في الأصح، ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 548]: (معقِّبُ تلفِ معصومٍ لدى التلف والإصابة) لأن المرتد ليس معصومًا بالنسبة لمرتد آخر.
4607 - قول "المنهاج" [ص 474]: (وقيل: تجب ديةٌ) يقتضى أنه في مسألة العبد وجه، وهو في "الروضة" قول 2، لكن الرافعي قال: إنه مخرَّج 3، فصح التعبير عنه بكل منهما، وهي دية حر ومسلم مخففة على العاقلة كما في المسألة عقبها، وعبارة "المحرر" تفهم ذلك 4، وأن كونها مخففة على العاقلة يعود للمسألتين، بخلاف عبارة "المنهاج".
4608 - قوله: (ولو رماهما فأسلم وعتق.. فلا قصاص) 5 كان ينبغي أن يقول (رماهم) ليعود الضمير على الحربي والمرتد وعبد نفسه، ولكنه أعاد الضمير على عبد نفسه والكافر بصفتيه، ويرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 567]: (لم يفضله لدى الإصابة بإسلام وحرية) لما عرفته من أنه لا قصاص مع كونه لم يفضله حال الإصابة بواحد منهما.
4609 - قول "المنهاج" [ص 474] (والمذهب: وجوب دية مسلمٍ مخففةٍ على العاقلة) نص1
في "الأم" في صورة المرتد على أنها حالة على الجاني 1، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إنه المذهب، والحربي مثله، وعبد نفسه أولى، ولم يذكر "المنهاج" حكم عبد نفسه؛ لأنه زاده على "المحرر"، وكان ينبغي أن يقول: (مسلم أو حر).
4610 - قولهما فيما لو ارتد المجروح ومات بالسراية: (ويجب قصاص الجرح في الأظهر (2 تبعا فيه الشيخ أبا حامد، ولكن قال شيخنا الإمام البلقيني: ليس بمعتمد، وإنما نص في "الأم" على إيجاب القصاص 3، ومقابله وجه خرجه ابن سريج.
4611 - قول "المنهاج" [ص 474]: (فيستوفيه قريبه المسلم) المراد: وارثه لولا الردة، فيخرج عنه قريبه الذي ليس وارثا، ويدخل فيه ذو الولاء، فكان ينبغي التعبير بذلك.
4612 - قوله: (وقيل: الإمام) 4 يوهم ضعفه، وليس كذلك؛ فقد عزاه ابن كج والماوردي للأكثرين، لكن الرافعي حكى الأول عن الأكثرين 5.
4613 - قول "التنبيه" [ص 213]: (وإن قطع مسلم يد مسلم ثم ارتد المجني عليه ورجع إلى الإسلام ومات ولم يمض عليه في الردة زمان يسري فيه الجرح.. فيه قولان، أصحهما: يجب القود) صحح الرافعي والنووي: أنه لا يجب 6، وعليه مشى"المنهاج" لكنه جعل الوجوب وجهاً فقال: (وقيل: إن قصرت الردة.. وجب) 7 والذي في "الروضة" وأصلها حكايته قولاً.
وضبطُ القصير بما لم يمض في الردة زمان يسري فيه الجرح.. أوضحُ، وتخصيص الخلاف بهذه الحالة طريقة الأكثرين، وأجراهما مطلقاً ابن سريج وابن سلمة وابن الوكيل.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه أصح؛ لأنه نص في "الأم" على القولين فيما إذا جرح ذمي مستامنًا في بلاد الإسلام، ثم لحق المجروح بدار الحرب، ثم رجع إلينا بأمان 8، قال: وهذا زمان طويل، والحمل على أنه كان بجوار دار الحرب ثم عاد إلينا وجدد العهد عن قرب حملٌ بعيد.
4614 - قوله: (وتجب الدية، وفي قول: نصفها) 9 قال الرافعي: قال أكثرهم: موضع
الخلاف ما إذا طالت مدة الإهدار، أما إذا قصرت.. فلا خلاف في وجوب الدية 1، وحكى الإمام طرد الخلاف 2.
4615 - قوله: (ولو جرح مسلم ذميًا فأسلم أو حر عبدًا فعتق ومات بالسراية.. فلا قصاص، وتجب دية مسلم) 3 كان ينبغي أن يقول: (حر) وكذلك قال في "المحرر" 4.
لا يغني عن ذلك في العبد إذا عتق أن يقول: دية مسلم؛ لجواز أن يكون العتيق كافراً.
4616 - قوله: (وهي لسيد العبد) 5 الضمير عائد على دية المسلم، ولكن قد يكون العتيق كافراً كما تقدم، ثم إنه لا يتعين حق السيد في الذمة، بل للجاني العدول إلى قيمتها وإن كانت الإبل موجودة؛ نظرًا إلى أن حق السيد إنما هو في القيمة، هذا هو الذي رجحه الإمام والغزالي 6.
4617 - قوله: (فإن زادت على قيمته.. فالزيادة لورثته) 7 محله: فيما إذا لم يكن للجرح أرش مقدر، فإن كان له أرش مقدر؛ كالموضحة.. فللسيد على أصح القولين أقل الأمرين من الدية ومن نصف عشر قيمة العبد، وكلامه في صورة قطع اليد يقتضيه، فإن لم يكن مقدراً ولكنه تابع لمقدر؛ كالجرح على إصبع مثلاً.. فله الأقل من الدية ومن عشر ناقصاً شيئاً باجتهاد الحاكم؛ لأنه لا يمكن زيادة التابع على المتبوع.
4618 - قوله: (ولو قطع يده فعتق فجرحه آخران ومات بسرايتهم.. فلا قصاص على الأول إن كان حراً، ويجب على الآخرين) 8 فيه أمران:
أحدهما: أنه لا حاجة للتقييد بكونه حراً؛ فإنه فرض المسألة لعود الضمير في قوله: (قطع) على الحر في قوله: (أو حر عبداً).
ثانيهما: لا حاجة لقوله: (فجرحه آخران) فلو جرحه واحد فقط.. وجب عليه القصاص، وإنما أثر تعدد الجناية بعد العتق في الواجب للسيد، ولم يتعرض له "المنهاج"، وفيه قولان في "الأم" و"المختصر"، أصحهما: أن له الأقل من ثلث دية حر ونصف قيمته عبداً، والثاني: له الأقل من ثلث دية حر وثلث قيمته عبداً، واختاره المزني 9.
4619 - قول " التنبيه " [ص 220]: (ومن قتل مسلمًا تترس به المشركون في دار الحرب.. فقد قيل: إن علم أنه مسلم.. وجبت ديته، وإن لم يعلم.. لم تجب) هو الأصح.
فصلٌ [شروط قود الأطراف والجراحات وما يتعلق بها]
4620 - قول " المنهاج " [ص 475]: (يشترط لقصاص الطرف والجرح ما شُرط للنفس) أخصر وأعم من قول " التنبيه " [ص 215]: (ومن لا يجب عليه القصاص في النفس لا يجب عليه القصاص في الطرف... إلى آخره) ومع ذلك فأورد عليه شيخنا الإمام البلقيني أمرين:
اْحدهما: إذا قلع سن من لم يثغَر.. فإنه لا يفسد غالبًا، ومع ذلك إذا بان فساد المنبت.. وجب القصاص على النص كما سيأتي.
ثانيهما: إذا جنى المكاتب على عبده في الطرف.. فله القصاص منه كما نص عليه في " الأم "، سواء تكاتب عليه أم لا، مع أنه لا يقتل به على الأصح كما تقدم 1، قال شيخنا: ولم أر من تعرض لاستثنائهما.
4621 - قول " التنبيه " [ص 224]: (والشجاج في الرأس عشرة) يقتضي أنها لا تأتي في الوجه، لكنه قال بعده: (والموضحة ما توضح العظم في الرأس والوجه) 2 ومقتضاه: أن غيرها لا يأتي في الوجه، وعبارة " المنهاج " [ص 475]: (وشجاج الرأس والوجه عشر) ومقتضاه: إمكان جميعها في الوجه، وهو كذلك بالنسبة للجبهة، ويتصور ما عدا المأمومة والدامغة في الخد وقصبة الأنف واللحي الأسفل.
4622 - قول " التنبيه " [ص 224]: (فالحارصة: ما تشق الجلد ولا تدمي) لم يفصح " المنهاج " بأنها لا تدمي؛ ولعله أشار لذلك بقوله: (ما شق الجلد قليلًا) 3 " وقول " التنبيه " [ص 224]: (والدامية: ما تشق الجلد وتدمي) مثل قول " المنهاج " [ص 475]: (وداميةٌ تدميه) وإن لم يفصح بشق الجلد؛ للزومه لخروج الدم، ويعتبر فيها ألَّا يقطر الدم كما نص عليه الشافعي وأهل اللغة، فإن سال.. فدامعة - بالعين المهملة - وفسر الإمام والغزالي الدامية بالسيلان 4،
وليس بصواب كما قال النووي 1، لكن سبقهما إليه ابن الأعرابي كما حكاه عنه الصيدلاني، وقاله القاضي حسين والجوهري في " الصحاح " في أحد جوابيهما 2.
4623 - قولهما: (والهاشمة: ما تهشم العظم) 3 أي: بعد الإيضاح، وقد أوضحه " التنبيه " بقوله [ص 224]: (وإن ضربه بمثقل فهشم العظم ولم يجرح.. لزمه خمس من الإبل).
4624 - قول " التنبيه " [ص 224]: (والمنقلة: ما لا تبرأ إلا بنقل العظم) قال في " الكفاية ": أي: يُنْقَل ما أزالته الجناية عن موضعه ليرد إلى موضعه كما قال البندنيجي والماوردي 4، أو بنقله عن الرأس بالكلية كما دل عليه كلام " المختصر " فإنه قال: تكسره حتى يتشظى فينقل من عظمه ليلتئم 5، وعبارة " المنهاج " [ص 475]: (ومنقلة تنقله) وعبارة " أصل الروضة ": وهي التي تنقل العظم من موضع إلى موضع، ويقال: هي التي تكسر وتنقل، ويقال: هي التي تكسر العظم حتى يخرج منها فراش العظام، والفراشة: كل عظم رقيق، وفراش الرأس عظام رقاق تلي القحف 6.
4625 - قول " المنهاج " [ص 475]: (ولو أوضح في باقي البدن أو قطع بعض مارنٍ أو أذنٍ ولم يُبِنْهُ.. وجب القصاص في الأصح) فيه أمور:
أحدها: أنه يقتضي أن الخلاف في ذلك وجهان، وهو في " الروضة " وأصلها في الأخيرتين قولان وفي الأولى وجهان 7، لكن نص في " الأم " و" المختصر " في الأولى على إيجاب القصاص، ومقتضى كلام " الأم " أنه اتفاق 8.
ثانيها: سيأتي من كلام شيخنا الإمام البلقيني أن الأكثرين على أنه لا قصاص في الأليتين وإن أوضح العظم، قال: فيمكن استثناؤه من الإيضاح، ويمكن ألَّا يستثنى؛ لأنه ليس بإيضاح كامل، ولانفراد الأليتين بحكم مستقل.
ثالثها: لا معنى للتقييد بما إذا لم يُبِنْه؛ فإنه لو أبانه.. وجب القصاص أيضًا بخلافٍ، وعبر عنه في " الروضة " بقوله: على الصحيح 9.
ولو بقي معلقًا بجلدة فقط.. وجب القصاص أو كمال ديته كما في " الروضة " وأصلها؛ لأنه أبطل فائدة العضو، ثم إذا انتهى القطع في القصاص إلى تلك الجلدة.. حصل القصاص، ثم يراجع أهل الخبرة في تلك الجلدة، وتفعل مصلحته من قطع أو ترك 1.
4626 - قوله: (ويجب في القطع من مفصل حتى في أَصل فخذٍ ومنكبٍ إن أمكن بلا إجافةٍ، وإلا.. فلا على الصحيح) 2 أطلق موضع الخلاف، وهو مقيد بما إذا أجاف الجاني بقطعه من الفخذ أو المنكب، وقال أهل النظر: يمكن أن يجاف مثل تلك الجائفة بلا زيادة، كذا في " الروضة " وأصلها، وفي " الروضة ": إن هذا الوجه شاذ 3، وفيه نظر؛ فقد حكاه في " النهاية " عن الأصحاب في الطرف 4.
4627 - قول " المنهاج " [ص 475]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 574]: (وكذا أليان وشفران في الأصح) فيه أمران:
أحدهما: نقل الإمام الاتفاق على أنه لا قصاص في الأليتين 5، وفي " التتمة ": إنه المذهب، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المعتمد عند الأكثرين.
ثانيهما: أنه جعل الخلاف في الشفرين وجهين، وقد نص في " الأم " على إيجابه 6، وجزم به "التنبيه " 7.
4628 - قول " المنهاج " [ص 475]: (وله قطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر) فيه أمور:
أحدها: قيده شيخنا الإمام البلقيني بأن يحصل بالكسر انفصال العضو، قال: وقد ذكر بعده ما يدل عليه في قوله: (ولو كسر عضده وأبانه) 8 قال: فلو حصل الكسر من غير انفصال.. فليس له أن يقطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر، لكن في " الحاوي " [ص 570]: (وأقرب مفصل بالهشم) وشرحه في " التعليقة " بأنه لو هشم عظم ساعده أو ساقه.. قطع من الجاني اليد من الكوع ورجله من الكعب، ولا يقطع من المرفق والركبة، وتبعه القونوي، وهو مخالف لما ذكره شيخنا من التقييد بانفصال العضو، والله أعلم.
ثانيها: عبارته وعبارة " الحاوي " تقتضي أنه إذا كسر عظم العضد.. لا يمكن من قطع الكوع، وسيأتي في " المنهاج " تصحيح الجواز، لكن صحح شيخنا الإمام البلقيني مقابله كما سيأتي.
ثالثها: قد يفهم من قولهما: (أقرب مفصل) 1 أنه يعتبر إتحاده، وليس كذلك، فلو كسر العظم من نفس الكوع.. فله التقاط الأصابع وإن تعددت المفاصل كما جزم به في " الروضة " وأصلها 2.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وفيه نظر، قال: ولو أراد أن يلقط الأنامل العليا أو التي قبلها.. فهل يجيء فيه الخلاف في العدول من المرفق إلى الكوع، أم يقطع هنا بالمنع؛ لأنه تعددت المفاصل؟ ولنا مندوحة عن ذلك بأن يقطع من أصول الأصابع، هذا محتمل، والأرجح: الأول.
4629 - قول " المنهاج " فيما لو قطعه من كوع فالتقط أصابعه [ص 476]: (والأصح: أن له قطع الكف بعده) كذا حكاه في " الروضة " وأصلها عن البغوي، لكنه حكى عن الإمام فيما لو قطع الجاني من المرفق فقطعه المجني عليه من الكوع، ثم أراد بعده قطع المرفق.. أنّا لا نسعفه بذلك أصلًا، قال: وجعله في " التهذيب " على وجهين؛ أي: المتقدم ذكرهما، قال الرافعي: ولا بد من التسوية بين الصورتين 3.
قال شيخنا الإمام البلقيني: والأصح: أنه لا يمكن من ذلك في الصورتين، ويعضده أنه لو كسر الجاني العضد فقطعه المجني عليه من الكوع ثم أراد العود إلى المرفق.. لم يمكن منه جزمًا.
4630 - قوله فيما لو كسر عضده: (فلو طلب الكوع.. مُكِّن في الأصح) 4 قال في " المحرر ": إنه رجح 5، وحكاه في " الروضة " وأصلها عن البغوي 6، وقال في " الشرح الصغير ": إن مقابله أولاهما، وقال في " الروضة " وأصلها: إن إيراد الروياني وغيره يشعر بترجيحه 7.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وما ذكره في " المحرر " و" المنهاج " أرجح.
4631 - قول " التنبيه " [ص 219]: (وإن كان لطمه حتى ذهب الضوء.. فعل به مثل ذلك)
شرطه: أن تكون تلك اللطمة تذهب الضوء غالبًا؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 476]: (ولو لطمه لطمة تذهب ضوءه غالبًا فَذَهَبَ.. لطمه مثلها) وكذا حكاه الرافعي عن نص " الأم "، ونسبه في " المهذب " إلى بعض الأصحاب، ثم قال: ويحتمل ألَّا يقتص باللطمة، واستحسنه الرافعي، وجعله البغوي وجهًا وصححه 1.
ثم محل القصاص بها: ما إذا ذهب من العينين، فلو ذهب من إحداهما.. لم يلطم؛ لاحتمال أن يذهب منهما، وقول " المنهاج " [ص 476]: (فإن لم يذهب.. أُذهِبَ) أي: إن أمكن، وإلا.. أخذت الدية، وصرح به " التنبيه " 2.
4632 - قول " المنهاج " [ص 476]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 559]: (والسمع كالبصر يجب القصاص فيه بالسراية) حكاه في " أصل الروضة " عن تصحيح الإمام نقلًا ومعنى 3، ونص الشافعي على خلافه فقال: ولا قود في ذهاب السمع؛ لأنه لا يُوصِّل إلى القود فيه 4، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: هو المعتمد، وبه جزم في " المهذب "، ولا توقف فيه 5.
4633 - قول " المنهاج " [ص 476]: (وكذا البطش والذوق والشم في الأصح) و" الحاوي " [ص 564]: (والحواس والبطش) قال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح في الثلاثة: أنه لا قصاص فيها؛ لأنه لا مقر لها ولا حد لها يوقف عليه، فهي كالسمع الذي نص على أنه لا قصاص فيه، وجزم في " المهذب " بأنه لا قصاص في الشم، وهذا واضح لا توقف فيه.
انتهى 6.
وقال الإمام: ولا يبعد إلحاق الكلام بالحواس، فيكون أولى من البطش 7.
بابُ كيفيّة القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه
4634 - قال شيخنا الإمام البلقيني: الترجمة غير مطابقة للمذكور في الباب، والمطابق له (باب المماثلة في القصاص ومستوفيه والاختلاف بين الجاني وخصمه).
قلت: كيفية المماثلة فيه والاختلاف فيه إنما يكون بين الجاني وخصمه، فكلا العبارتين مؤد للغرض، والله أعلم.
4635 - قول " المنهاج " [ص 477]: (ولا زائدٌ بزائدٍ في محلٍّ آخر) مفهومه: قطعه به إذا كان في محله، ويستثنى منه: ما إذا كانت زائدة الجاني أتمّ؛ بأن يكون لها ثلاث مفاصل ولزائدة المجني عليه مفصل أو مفصلان، فلا يقطع بها؛ لأنه أعظم من تفاوت المحل.
قال في " أصل الروضة ": نقلوه عن النص 1.
4636 - قول " التنبيه " [ص 216]: (ولا زائد بأصلي) محله: ما إذا لم يكن في محل الأصلي، فإن كان في محله.. أخذ به من غير أرش.
4637 - قول " المنهاج " [ص 477]: (ولا يضر تفاوت كِبَرٍ وطولٍ وقوةِ بطشٍ في أصليٍّ، وكذا زائدٌ في الأصح) يستثنى منه: ما إذا كانت أصابع إحدى يديه وكفها أقصر من الأخرى.. فلا قصاص في القصيرة إذا قطعها صاحب اليد المستوية مع الأخرى؛ لأنها ناقصة، وفيها دية ناقصة حكومة، حكاه في " أصل الروضة " عن البغوي، وأقره 2.
قولهم: (بوجوب القصاص في الموضحة) 3 محله: ما إذا كان على رأس المجني عليه الجناية شعر، فإن لم يكن.. لم يُمَكَّنْ من القصاص؛ لما فيه من إتلاف شعر لم يتلفه الجاني، نص عليه في " الأم " 4، واقتصر عليه في " الروضة " وأصلها 5، لكن ذكر الماوردي: أنا نحلق موضع الشجة من رأس الجاني قبل إيضاحها سواء كان على رأس المجني عليه شعر أم لم يكن 6، وظاهر نصه في " المختصر " يدل عليه 7.
قال ابن الرفعة: وطريق الجمع بين النصين: أن يحمل الأول على ما إذا كان عدم الشعر برأس
المشجوج لفساد منبته، والآخر على ما إذا لم يكن لأجل ذلك، بل كان محلوقًا.
4638 - قول " المنهاج " [ص 477]: (ولو زاد المقتص في موضحة على حقه.. لزمه قصاص الزيادة) محله: ما إذا لم تكن الزيادة باضطراب المقتص منه، فإن كانت باضطرابه.. فلا ضمان، فلو قال: تولدت باضطرابك، وأنكر.. ففي المصدق منهما وجهان بلا ترجيح في " الروضة " 1.
قال شيخنا الإمام البلقيني: الأرجح: تصديق المقتص منه، ثم إنه إنما يقتص في الزيادة بعد اندمال موضحته التي في رأسه.
4639 - قوله: (ولو أوضحه جمعٌ.. أوضح من كل واحد مثلها، وقبل: قِسْطُهُ) 2 فيه أمور:
أحدها: كان ينبغي التعبير بقوله: (ولو اشترك جمع في موضحة) لصدق عبارته بما إذا انفرد كل واحد بإيضاح جزء، ولا خلاف هنا في إيضاح كل بقدر موضحته.
ثانيها: محل الوجه بالقسط: ما إذا أمكن، وإلا.. تعين الأول، ذكره شيخنا الإمام البلقيني بحثًا، وهو واضح.
ثالثها: مقتضاه: أن الخلاف وجهان، وكذا في " المحرر " 3، وهو في " الروضة " وأصلها احتمالان للإمام بلا ترجيح، ونقلا عن البغوي القطع بالأول 4، وحكى شيخنا الإمام البلقيني الأول عن نص " الأم " 5.
رابعها: قد يتوهم منه ترجيح أنه إذا آل الأمر للدية.. وجب على كل واحد دية موضحة كاملة، وهو الذي رجحه الإمام، لكن الذي قطع به البغوي إيجاب القسط، وصوبه شيخنا الإمام البلقيني، وحكاه عن قطع الماوردي، وقال: إنه مقتضى نص " الأم " فإنه جعله كالنفس، والنفس لا تتعدد ديتها فكذلك الموضحة، ووقع في " الروضة " عن كل من الإمام والبغوي عكس ما نقلناه عنه، وهو غلط، وذكره الرافعي على الصواب.
4640 - قولهما: (ولا نقطع صحيحة بشلاء) 6 محمول على اليد والرجل، أما الذَّكر.. فقد صرحا به بعد ذلك، وأما الأنف والأذن.. فأصح القولين: أنه يؤخذ الصحيح منهما بالمستحشف، وهو الأشل، وقد ذكره في " التنبيه " 7، لكن نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني
وقال: إنه غير معتمد، قال: والصحيح في (الديات): أنه إذا جنى على أذن فاستحشفت.. لزمته ديتها، وإن قطع مستحشفة.. لزمته حكومة، فكيف يستقيم أخذ الصحيحة بها؟ ويرد ذلك على " المنهاج " بتقدير العموم في كلامه على مقتضى تصحيح " الروضة " و" التنبيه " 1، والله أعلم.
واعلم: أنه يستثنى من ذلك أيضًا: ما إذا كانت النفس مستحقة الإزهاق للمجني عليه.. فلا منع حينئذ من أخذ الصحيحة بالشلاء ولا الشلاء بالصحيحة وإن لم تنحسم العروق، ويطرد ذلك في جميع صور رعاية المماثلة في الأطراف، فتؤخذ حينئذ كاملة الأصابع بناقصتها أو فاقدتها، ذكره الرافعي في كيفية المماثلة 2.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وخرجت على ذلك أنه تقطع اليمين باليسار إذا كان فاقد اليسار، قال: وقد يتوقف في هذا، والأرجح: المنع.
4641 - قول " المنهاج " [ص 477]: (فلو فعل.. لم يقع قصاصًا، بل عليه ديتها، فلو سرى.. فعليه قصاص النفس) محله: ما إذا لم يأذن الجاني، فإن أذن في قطعها فسرى إلى النفس.. فلا قصاص في النفس، ثم إن كان الجاني قال: (اقطع) وأطلق.. كان القاطع مستوفيًا، ولا شيء عليه، وإن قال: (اقطعها عوضًا عن يدك أو قصاصًا).. فوجهان، قطع البغوي بأن عليه نصف الدية وله الحكومة؛ لأنه لم يبدلها مجانًا، والثاني: لا شيء على المجني عليه، وكان الجاني أدى الجيد عن الرديء وقبضه المستحق، كذا في " الروضة " وأصلها 3.
لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب إجراء الخلاف في الصور الثلاث، والأصح فيها: أنه لا يقع قصاصًا.
4642 - قول " التنبيه " [ص 216]: (وتؤخذ الشلاء بالصحيحة) قال في " المنهاج " [ص 478]: (إلا أن يقول أهل الخبرة: " لا ينقطع الدم ").
4643 - قوله: (والصحيح: قطع ذاهبة الأظفار بسليمتها) 4 يقتضي جريان خلاف فيه، ولا وجه له، ولم يحكه غيره، وعبارة " المحرر ": (والظاهر أن سليمة الأظفار لا تقطع بالتي لا أظفار لها وتقطع هي بالسليمة) 5 فلزم من تقديم " المنهاج " الثانية على الأولى هذا الخلل،
والأقيس كما قال شيخنا الإمام البلقيني: أن له حكومة الأظفار، قال: ولم أر من تعرض له.
4644 - قوله: (دون عكسه) 1 حكاه الرافعي عن العراقيين وغيرهم، ونسب إلى النص 2، وقال الإمام على سبيل الاحتمال: القياس جريان القصاص وإن عدمت الأظفار 3، وجزم به في " الوجيز " 4، وترك المنقول الظاهر.
وحكى شيخنا الإمام البلقيني النص عن " الأم "، ولفظه: (وإذا قطع الرجل أنملة الرجل ولا ظفر للمقطوع أنملته فسأل القصاص.. لم يكن له ذلك) 5 فكان ينبغي أن يقول: (على النص)، وتعبير " المنهاج " بـ (ذاهبة الأظفار) كتعبير " الوسيط " بـ (مقلوعة الأظفار) 6 ومقتضاه: زوالها بعد وجودها.
قال في " المطلب ": ولفظ النص: (وإن لم يكن له أظفار) وفيه تخريج الإمام، ولا يلزم من إجراء القصاص في التي لم يخلق لها أظفار إجراؤه في التي خلقت أظفارها وأزيلت، ويشهد له التفرقة بين قلة البطش من أصل الخلقة وبالجناية، قال: نعم؛ حكى القاضي الحسين في " تعليقه " النص في حالة قلع الأظفار.
قلت: وقد قدمت لفظ النص: (ولا ظفر للمقطوع) وهو صادق بما إذا كان فقده أصليًا وعارضًا، والظاهر أنه لا فرق، والله أعلم.
4645 - قوله: (وفي قلع السن قصاصٌ، لا في كسرها) 7 حكاه الرافعي عن البغوي وغيره، قال: وحكى ابن كج عن نصه في " الأم " أنه إذا كسر بعض سنه وقال أهل الخبرة: يمكن استيفاؤه بلا زيادة ولا صَدْع في الباقي.. اقتص منه، وقطع به في " المهذب ". انتهى 8.
وحكاه في " الكفاية " عن الماوردي أيضًا، وحكى شيخنا الإمام البلقيني هذا النص في " الأم "، ولفظه: (وإذا كسر الرجل من الرجل من نصفها.. سألت أهل العلم؛ فإن قالوا: يقدر على كسرها من نصفها بلا إتلاف لبقيتها ولا صدع.. أحد، وإن قالوا: لا يقدر على ذلك.. لم أحده) 9، قال شيخنا: وهذا هو الثابت عن رسول الله صلى الله وسلم في قصة الرُّبَيِّع لما كسرت
ثنية امرأة.. فأمر عليه الصلاة والسلام بكسر ثنيتها 1، والمذهب: القطع به.
4646 - قولهم - والعبارة لـ " التنبيه " -: (فإن قلع سن صغير لم يثغر.. لم يجز أن يقتص حتى يؤيس من نباتها) 2 أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني أمرين:
أحدهما: لو قلعها استصلاحًا لا جناية ثم بان فساد المنبت.. لم يجب القصاص؛ لأنه منزل منزلة الخطأ، ولا قصاص في خطأ ولا شبه عمد.
ثانيهما: أن مقتضاه: أنها لو عادت ناقصة.. لا قصاص، لكن إذا قلنا بإيجاب القصاص في كسر السن - وهو النص كما تقدم -.. اقتص هنا فيما زاد على قدر الناقصة إن أمكن، ويشترط في القصاص في السن شروط:
أحدها: ألَّا تصل في الصغر إلى حد تبطل به منفعتها بحيث لاتصلح للمضغ، فالتي هي كذلك.. لا تقلع بها سن فيها منفعة.
ثانيها: ألَّا يكون فيها نقص ينقص به أرشها؛ كأن يكون ثناياه كرباعيته أو انقص أو إحدى ثنيتيه أنقص من أختها.. فلا تقلع بها سن ليست كذلك، بناءً على أنه لا يكمل فيها الأرش، وهو قول الأكثرين.
ثالثها: ألَّا تكون مضطربة اضطرابًا شديدًا بهرم أو مرض أو جناية غير القالع.. فلا يقلع بها إلا مثلها.
رابعها: أن يكون السن التي يقتص منها مثغورة، فلو قلع بالغ لم يثغر سن مثغور بالغ.. فقال شيخنا الإمام البلقيني: قواعد المذهب تقتضي عدم القصاص؛ لأنها ليست عضو قصاص، والمنقول في " أصل الروضة " عن ابن كج: تخيير المجني عليه بين الأرش والقصاص بلا أرش، وعن أبي الفرج الزاز، التخيير بين القصاص في الحال بشرط أنه لا حق له فيما يعود وبين الصبر إلى أن يصير مثغورًا 3، قال شيخنا: والتحقيق أنه ليس له سوى الأرش؛ لعدم المماثلة.
فإن سقطت ونبتت أخرى قبل أخذ الأرش.. فهل له القصاص لحصول التساوي أم لا لعدم وجوبه حالة الجناية؟ يحتمل تخريجه على الخلاف فيما لو قطع يد شلاء ثم شلت يده، والأرجح فيها: ثبوت القصاص، ويحتمل الفرق بأن اليد كانت هناك موجودة ولكن تبدلت صفتها، ويحتمل أن تكون هذه أولى بالقصاص من صورة الشلل.
انتهى.
وقول " المنهاج " [ص 478]: (ولا يُستوفى له في صغره) غير محتاج إليه؛ فسيأتي في قوله
(ويُنتظر غائبهم وكمال صبيهم) 1 فلو مات قبل بلوغه.. اقتص وارثه في الحال، ولو مات قبل اليأس وقبل تبين الحال.. فلا قصاص، وفي الدية وجهان.
4647 - قول " التنبيه " [ص 216]: (ولا تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة الأصابع) قد يفهم منع القصاص وتعين الدية، وليس كذلك؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 478]: (ولو قطع كاملٌ ناقصةً؛ فإن شاء المقطوع.. أخذ دية أصابعه الأربع، وإن شاء.. لقطها).
4648 - قوله: (والأصح: أن حكومة منابتهن تجب إن لقط لا إن أخذ ديتهن) 2 موافق لتعبير " الروضة " في الحالة الأولى بالأصح، لكنه مخالف لتعبيره في الثانية بالصحيح 3، ونص الشافعي على الحالة الأولى؛ فكان ينبغي التعبير فيها بالنص.
4649 - قوله: (وأنه تجب في الحالين حكومة خمس الكف) 4 أي: حالة اللقط وحالة أخذ الدية، والذي في " الروضة " وأصلها الجزم في الأولى بالوجوب والتعبير في الثانية بالصحيح 5.
وحكى شيخنا الإمام البلقيني عن نص " الأم " إيجاب الحكومة بالنسبة لجميع الكف 6، ونازع شيخنا في إيجاب حكومة خمس الكف، وقال: الواجب خمس الحكومة لا حكومة الخمس؛ لأن حكومة خمس الكف أقل من خمس الحكومة، والواجب في صورة اللقط حكومة كاملة أربعة أخماسها عن منبت أصابعه التي قطعت من المجني عليه، ووقع في " المحرر " و" الروضة " وأصلها حكومة خمسها الذي يقابل منبت أصبعه الباقية 7، قال شيخنا: وهو وهم، والصواب: منبت أصبعه الثانية؛ لأن الحكومة تجب لحق المجني عليه، والنظر إلى كفه لا إلى كف الجاني، وأما في صورة أخذ الدية.. فقد دخلت أربعة أخماس الحكومة في دية الأصابع الأربع، فبقي له خمس الحكومة.
4650 - قوله: (ولو قطع كفًا بلا أصابع.. فلا قصاص إلا أن تكون كفه مثلها) 8 إن حمل على حالة الجناية؛ اقتضى أنه لو سقطت أصابع الجاني بعد الجناية.. لم يقطع كفه، وليس كذلك؛ فالمذهب: ثبوت القصاص، وإن حمل قوله: (يكون) على تصير.. أمكن، ويؤخذ منه ما وجد كذلك بطريق الأولى، لكنه بعيد.
4651 - قوله: (ولو قطع فاقد الأصابع كاملها.. قطع كفه وأخذ دية الأصابع) (1) في " أصل الروضة " أن ابن كج حكاه عن النص (2).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف عليه منصوصًا، والتحقيق: أنه لا يأخذ دية الأصابع كاملة، بل يأخذها ناقصة حكومة الكف ويقطع الكف؛ لئلا يؤدي إلى أخذ زيادة على ما يستحقه؛ فإن دية الأصابع تستتبع الكف.
4652 - قوله: (ولو شلت إصبعاه فقطع يدًا كاملة؛ فإن شاء.. لقط الثلاث السليمة وأخذ دية إصبعين) (3) يقتضي الاكتفاء بذلك مع أنه بقي له ثلاثة أخماس حكومة الكف، وقد يفهم ذلك مما تقدم فيما لو قطع كامل ناقصة.
فصلٌ [في الاختلاف]
4653 - قول " التنبيه " في (باب الدعوى والبينات) [ص 262]: (وإن قطع ملفوفًا فادعى الولي أنه قتله وادعى الضارب أنه كان ميتًا.. ففيه قولان، أصحهما: أن القول قول الضارب) الأصح: تصديق الولي، وعليه مشى " المنهاج " 4، وفيه أمور:
أحدها: قد يفهم من ترجيح تصديق الولي إيجاب القصاص، وقد قال النووي من زيادته: تجب الدية دون القصاص، ذكره المحاملي والبغوي، وقال المتولي: هو على الخلاف في استحقاقه بالقسامة 5، والأصح فيه: المنع، لكنه ذكر في " أصل الروضة " في آخر (باب الشهادة على الدم) نفي القصاص عن الشيخ أبي حامد، وإيجابه عن السرخسي والقاضي أبي الطيب وغيرهما 6، وذلك يفهم نقل إيجاب القصاص عن الأكثرين، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني تفريعًا على هذا القول.
ثانيها: رجح شيخنا الإمام البلقيني تصديق الجاني، وحكى عن الماوردي أن الربيع تفرد بنقل مقابله، وعن القاضي أبي الطيب أنه نسبه للقديم، قال: وممن صحح تصديق الجاني الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق في " التنبيه " والروياني، قال: ولم أجد في123
تصنيف من الطريقين تصحيح ما صححه الرافعي والنووي.
ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: محل الخلاف: فيما إذا عُهدت للملفوف حياة، وإلا.. فالمصدق الجاني قطعًا كالسقط.
رابعها: ظاهر قول " المنهاج " [ص 479]: (بيمينه) الاكتفاء بيمين واحدة، وبه صرح ابن الصباغ، وليس كذلك، بل لا بد من خمسين يمينًا، قاله شيخنا الإمام البلقيني.
4654 - قول " التنبيه " [ص 217]: (وإن اختلفا في الشلل؛ فإن كان ذلك في عضو ظاهر.. فالقول قول الجاني، وإن كان في عضو باطن.. فالقول قول المجني عليه، وقيل: فيهما قولان) محل تصديق الجاني في العضو الظاهر: إذا أنكر أصل السلامة، فإن ادعى حدوث الشلل.. فالقول قول المجني عليه أيضًا؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 479]: (فالمذهب: تصديقه إن أنكر أصل السلامة في عضو ظاهر، وإلا.. فلا) وأورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أن الراجح في المسألة طريقة القولين، إلا في تصديق الجاني في إنكار أصل السلامة في عضو ظاهر؛ فإن الأصح: القطع به، فتصديق المجني عليه في حدوث النقص وفي العضو الباطن ليس مقطوعاً به، وإنما هو على أصح القولين، ولا يرد ذلك عليه؛ لأن تعبيره بالمذهب لا يدل على ترجيح طريقة القطع بما ذكره، وإنما يدل على أن في المسألة طريقين أو طرقًا في الجملة، والله أعلم.
4655 - قوله: (أو يديه ورجليه فمات وزعم سراية، والولي اندمالًا ممكنًا أو سببًا.. فالأصح: تصديق الولي) 1 فيه أمور:
أحدها: كان ينبغي التعبير بالنص دون الأصح؛ فإنه المنصوص في " الأم " و" المختصر " 2.
ثانيها: أنه لم يتعرض ليمين الولي، وقد قطع الأكثرون باعتبارها، وذكر ابن الصباغ والروياني وغيرهما أنه إن مضت مدة طويلة لا يمكن أن تبقى الجراحة فيها غير مندملة.. فالقول قوله بلا يمين، وإن أمكن الاندمال وعدمه.. فلا بد من يمين.
قال الرافعي: ويشبه أن يقال: ليس لمدة الاندمال ضبط، وقد تبقى الجراحة سنين، فلا بد من اليمين، وهو الذي في " التهذيب " وغيره 3، وأسقط في " الروضة " هذا البحث.
ثالثها: أن محل تصديقه فيما إذا ذكر سببًا: ما إذا عينه أو لم يعينه وأمكن الاندمال في المدة، فإن لم يعينه ولا أمكن الاندمال.. لم يصدق، قاله الصيدلاني، وكلام الإمام يقتضي ترجيحه 4.