"المنهاج" و "الحاوي" 1، فلا يجوز أمان أهل ناحية وبلدة، وضابطه: ألاَّ ينسد به باب الجهاد في تلك الناحية، قال الإمام: ولو أمن مئة ألف من المسلمين مئة ألف من الكفار.. فكل واحد لم يؤمّن إلا واحداً، لكن إذا ظهر انسداد أو نقصان.. فأمان الجميع مردود 2، قال الرافعي: ولك أن تقول: إن أمنوهم معاً.. فرد الجميع ظاهر، وإن آمنوا متعاقبين.. فينبغي أن يصح أمان الأول فالأول إلى ظهور الخلل، على أن الروياني ذكر أنه لو أمّن كل واحد واحداً.. جاز وإن كثروا حتى زادوا على عدد أهل البلدة 3، قال النووي: المختار: أنه يصح أمان المتعاقبين إلى أن يظهر الخلل، وهو مراد الإمام.
انتهى 4.
وفي النكاح عن الغزالي: أن كل عدد لو اجتمعوا في صعيد لعسُر على الناظر عددهم بمجرد النظر؛ كالألف.. فغير محصور، وإن سهل؛ كالعشرة والعشرين.. فمحصور؛ وبين الطرفين أوساط يلحق بأحدها بالظن، وما وقع فيه الشك.. استفتي فيه القلب 5.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": النظر إلى القلة والكثرة لا إلى الحصر وغيره، والرجوع في القلة والكثرة إلى العرف، هذا على مقتضى ما قاله الأصحاب، والأرجح عندنا: الجواز من غير تقييد بما ذكروه، لكن لا يصل إلى ما يتعلق بالولاية العامة، قال: ولم يقيد الشافعي أمان الآحاد من حر وعبد بالمحصور.
ثانيها: أنه لم يذكر سوى تحريم قتله مع أنه يفيد أيضًا منع الاسترقاق والمفاداة، وقد يفهم ذلك من إطلاق "المنهاج" و"الحاوي" صحة تأمينه، ومن تصريحهما بأنه لا يدخل في الأمان ما معه من أهله وماله إلا بالشرط 6.
ثالثها: يستثنى منه: من تامينه يضر المسلمين كجاسوس، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 7.
رابعها: يستثنى من كلام الثلاثة: الأسير، فلا يجوز للآحاد أمانه ولا المنّ عليه كما جزم به في "الروضة" وأصلها 8، وقيده الماوردي بغير الذي أسره، فيجوز للذي أسره تامينه إذا كان باقياً في
يده لم يقبضه الإمام، كما يجوز قتله، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقد يمنع جواز قتله، فيترتب عليه منع أمانه.
خامسها: يستثنى منه أيضًا: المرأة؛ ففي عقد الأمان لها استقلالًا وجهان في "أصل الروضة" بغير ترجيح 1، وقياسه: جريانه في العبد، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المعتمد عندنا الجزم بجواز عقد الأمان للمرأة والعبد استقلالاً.
5342 - قول "التنبيه" [ص 233]: (ومن أمنه أَسِير قد أطلق باختياره.. حرم قتله) مخالف لقول "الحاوي" [ص 611]: (لا الأسير) و"المنهاج" [ص 523]: (ولا يصح أمان أسير لمن هو معهم في الأصح) ومحل الخلاف: في المختار، فلو كان مكرهاً.. لم يصح قطعاً، وذلك مفهوم من اشتراطه أولًا الاختيار؛ ولذلك قال شيخنا الإسنوي في "تصحيح التنبيه": الأصح: بطلان أمان الأسير الذي قد أُطلق من الحبس والقيد وبقي عندهم ممنوعا من الخروج، وإن كان أمانه باختيار، على عكس ما في "التنبيه" لأنه مقهور في أيديهم.
وقال النشائي في "نكته": الأسير نوعان:
أحدهما: أسير الدار، وهو الذي أُطلق من القيد والحبس، وأمنوه على أن لا يخرج من دارهم فبقي فيها عاجزأ عن الخروج، وهي مسألة "التنبيه"، وقوله: (باختياره) متعلق بقوله: (أمنه) فيصح أمانه كما صرح به في "الكفاية"، وإن حكى أن بعضهم أطلق الخلاف.
الثاني: أسير القيد أو الحبس الذي قد أخرجه الشيخ بقوله: (قد أطلق) كما صرح به في "الكفاية"، والأصح: أنه لا يصح أمانه، وهذا هو النوع الذي في الرافعي كما أشار إليه في "الكفاية"، فليت المستدرك فهمه 2.
قلت: فإن صح ذلك.. ورد على إطلاق "المنهاج" و"الحاوي"، وقبلهما الرافعي، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل تصحيح بطلان أمانه: ما إذا لم يكن في أمان ممن هو في أسره، فإن كان في أمان منه.. صح أمانه إياه إذا صدر منه مع معرفته وجه النظر، وفي كلام الرافعي ما يقتضيه؛ فإنه 3 وجّه المنع بأنه مقهور في أيديهم؛ لا يعرف وجه النظر والمصلحة، وبأن الأمان يقتضي أن يكون المؤمّن آمنّا، والأسير في أيديهم ليس بآمن 4، وصرح الماوردي بذلك فقال بعد حكايته عن الشيخ أبي حامد: أنه إذا أمن غير مكره.. صح، وإن لم يكن في أمان منه..
لم يصح أمانه؛ لأن الأمان ما اقتضى التساوي فيه.
5343 - قول "المنهاج" [ص 523]: (ويصح بكل لفظ يفيد مقصوده) قسمه في "أصل الروضة" إلى صريح؛ كأجَرْتُكَ، أو أنت مُجَار، أو أمَّنتك، وأنت آمنٌ، أو في أماني، أو لا بأس عليك، أو لا خوف عليك، أو لا تخف، أو لا تفزع، وقال الماوردي: هما كناية، أو قال بالعجمية: مترس، وإلى كناية؛ كقوله: أنت على ما تحب، أو كن كيف شئت، ولا بد في الكناية من نية، ومنها الكتابة، ولا بد فيها من نية 1.
5344 - قول "المنهاج" [ص 523]: (ويشترط علم الكافر بالأمان) تبع فيه القاضي والبغوي 2، ونازع شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: لم يعتبره الشافعي ولا العراقيون، والسنة الصحيحة ترده، والمعتبر علم المسلمين لا علم ذلك الكافر، ومن العجيب ما ذكره الإمام والرافعي: أنه لو قتله المؤمّن قبل علمه بالأمان.. جاز 3.
5345 - قوله: (وكذا - أي: يبطل الأمان - إن لم يقبل في الأصح) 4 و"الحاوي" [ص 611]: (بقبولٍ) نازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إنه مخالف لمقتضى نصوص الشافعي رضي الله عنه؛ فإنه لم يعتبر القبول، ولما عليه السلف والخلف، قال: ولم أجد اعتباره في كلام العراقيين ومن تبعهم.
وقال شيخنا ابن النقيب: الذي في "الروضة" و"الشرحين": قال الإمام: فيه تردد، قال الإمام: والرأي الظاهر اشتراط قبوله، وبه قطع الغزالي، واكتفى البغوي بالسكوت؛ فإطلاق "المنهاج" الوجهين والتصحيح فيه نظر؛ فإن أصله تردد للإمام، والترجيح بحث له، والغزالي فرعه له، والمنقول ما في "التهذيب".
انتهى 5.
5346 - قول "المنهاج" [ص 523]: (وتكفي إشارة مفهمة للقبول) لا معنى لتقييده بالقبول؛ فالإيجاب كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 611]: (ولو إشارة مفهمة فيهما) وفي معنى الإشارة: ما إذا بدتْ عليه مخايل القبول، كما صرح به الإمام 6.
5347 - قول "المنهاج" [ص 523]: (ويجب ألَّا تزيد مدته على أربعة أشهر) و"الحاوي" [ص 611]:
(أربعة أشهر) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه يقتضي أن أمان الآحاد لا بد من تقييده بهذه المدة فما دونها، وهذا لم يقله الشافعي ولا أحد من أصحابه القدماء، وإنما التبس ذلك على بعضهم، فخلط أمان الإمام بأمان الآحاد، وقد قال الماوردي في أمان الآحاد: إنه ليس له تقدير مدته، وينظر الإمام فيه، فإن كان من المصلحة إقراره.. أقرّه على الأمان، وقرر له مدة مُقامه 1.
5348 - قول "المنهاج" [ص 523]: (وفي قول: يجوز ما لم تبلغ سنة) يقتضي أن بلوغه سنة محل قطع بالمنع، وكذا هو في "الروضة" وأصلها في الهُدنة 2، لكن الرافعي هنا أدخل السنة في الخلاف 3، فأصلحه في "الروضة" من غير تمييز، وعبر بالصواب كما هنا 4.
5349 - قوله: (ولا يجوز أمان يضر بالمسلمين كجاسوسٍ) 5 و"الحاوي" [ص 611]: (لا جاسوساً) يقتضي أن شرط الأمان: انتفاء الضرر دون ظهور المصلحة، وبه صرح في "أصل الروضة" 6، لكن قال القاضي حسين في " تعليقه ": قال أصحابنا: إنما يجوز إذا اتصل بالمصلحة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو الأرجح في النظر، ثم لا يخفى أن ذلك في أمان الآحاد، أما أمان الإمام.. فلا يجوز إلا بالنظر للمسلمين، نص عليه.
5350 - قول "المنهاج" [ص 523]: (وليس للإمام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة) لا يختص ذلك بالإمام؛ فالمؤتمن له من الآحاد كذلك؛ ولذلك قال في "أصل الروضة": هو لازم من جهة المسلمين 7، وقال القاضي حسين: هو لازم من جهة المؤمن، لا يجوز له نبذه إلا بعذر.
5351 - قوله: (ولا يدخل في الأمان ماله وأهله بدار الحرب، وكذا ما معه منهما في الأصح إلا بشرط) 8 و"الحاوي" [ص 611]: (بأهل ومال معه إن شُرط) فيه أمور:
أحدها: كونه لا يدخل في الأمان أهله وماله بدار الحرب ذكره في "النهاية" 9، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أره لأحد قبله، ونصوص الشافعي تقتضي بإطلاقها حصول الأمان في المال حيث كان، وكذلك كلام أصحاب الطريقين.
ثانيها: كونه لايدخل في الأمان ما معه منهما إلا بشرط أطلق تصحيحه في
"الروضة" 1 أيضًا، وقال في "المحرر" و"الشرح الصغير": إنه رُجح 2، ولم ينقل الترجيح في "الشرح الكبير" إلا عن الإمام، وقال: وفيه مزيد نورده في خاتمة الكتاب 3، والذي ذكره هناك وجهان بلا ترجيح، ثم قال: وفي "البحر" تفصيل حسن، وهو أنه إذا أطلق الأمان.. يدخل فيه ما يلبسه من ثياب، وما يستعمله في حرفته من الآلات، وما ينعقد في مدة الأمان؛ للعرف الجاري بذلك، أو مركوبه إن كان لا يستغني عنه، ولا يدخل غير ذلك 4، وقال الرافعي في أثناء الباب وتبعه في "الروضة": لو دخل كافر دارنا بأمان أو ذمة.. كان ما معه من المال والولد في أمان، فإن شرط الأمان فيهما.. فهو تأكيد 5.
وقال في "المهمات": إن الراجح: الدخول مطلقًا، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص البويطي أنه قال: ومن أعطي أماناً على نفسه.. فهو اَمن على نفسه وماله، قال شيخنا: وهذا النص يتناول ما حضر وما غاب في دار الحرب وغيرها، قال: وفي "الأم" في "سير الواقدي": (وإذا قَدِمَ الحربي دار الإسلام بأمان فمات.. فالأمان لنفسه وماله، ولا يجوز أن يُؤخذ من ماله شيء، وعلى الحاكم أن يرده إلى ورثته حيث كانوا) 6، قال شيخنا: والمراد بما معه: ما في دار الإسلام وإن لم يكن معه، وبالأهل: صغار أولاده، وأما زوجته.. فلا تدخل، إلا إذا صرح بذكرها.
ثالثها: كلامهما يقتضي أنه لا يدخل بالشرط إلا ما معه، وليس كذلك، بل يدخل بالشرط ما بدار الحرب إذا كان ذلك من الإمام أو من يقوم مقامه بالولاية العامة، حكاه في "أصل الروضة" عن الماوردي، وأقره 7.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعندنا يدخل في الإطلاق من أمان الآحاد؛ فعند الشرط أولى.
رابعها: مقتضى إطلاقهما أن الأهل والمال مقيدان بمدة أمان النفس، وليس كذلك؛ فقد ذكر الماوردي أن أمانه على ماله غير مقدر، وفي ذريته وجهان، قال شيخنا: والأرجح: أنه لا يتقدر في الذرية؛ إذ لا جزية عليهم.
خامسها: تعبير "الحاوي" بقوله [ص 611]: (أهل ومال) أحسن من تعبير "المنهاج" [ص 523، بـ (ماله وأهله) لأنه يخرج عنه ما إذا كان معه مال لغيره، وقد ذكر الربيع أنا لا نتعرض له في ماله ولا في مال غيره الذي معه.
5352 - قول "التنبيه" [ص 231]: (من لا يقدر على إظهار الدين في دار الحرب وقدر على الهجرة.. وجب عليه أن يهاجر) أحسن من تعبير "المنهاج" [ص 524] بـ (دار الكفر) لأنه يدخل في تعبيره بلد الهُدنة؛ فهي دار كفر، إلا أن أهلها ليسوا أهل حرب، وقد ذكر شيخنا الإمام البلقيني: أنه لا تجب الهجرة منها؛ لأن شرط رد الرجال المسلمين إليهم، وردُّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل وأبا بصير - على معنى أنه مكنهم منها - دليلٌ على أنه لا تحرم الإقامة في بلد الهدنة لمن لا يقدر على إظهار دينه.
انتهى
وعليه يدل تعبير "التنبيه" بدار الحرب، واستثنى شيخنا أيضًا من كلامهما: ما إذا كان في مقامه مصلحة للمسلمين، قال: فلا يجب عليه الهجرة، وتجوز له الإقامة، بل ترجح على الهجرة؛ فقد قيل: إن إسلام العباس كان قبل بدر، وكان يكتم إسلامه، ويكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتقوى به المسلمون، وكان يحب الهجرة، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مقامك بمكة خير" 1.
5353 - قولهما: (ومن قدر على إظهار الدين.. استحب له أن يهاجر) 2 محله: ما إذا لم يرج ظهور الإسلام هناك بمقامه، فإن رجا.. فالأفضل أن يقيم، وإن قدر على الامتناع في دار الحرب والاعتزال.. وجب عليه المقام بها؛ لأن موضعه دار الإسلام، فلو هاجر لصار دار حرب.. فيحرم ذلك، حكاه في زيادة "الروضة" عن الماوردي، وأقره 3.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه معتمد، قال: وذكر الماوردي: أنه إذا تساوى حاله في المقام والهجرة؛ بأن لم يرج بهجرته نصره المسلمين ولا بمقامه ظهور الإسلام.. فهو بالخيار بين المقام والهجرة 4، قال شيخنا: وفيه نظر؛ فالهجرة إلى دار الإسلام أرجح.
5354 - قول "المنهاج" [ص 524]: (ولو أطلقوه على أنهم في أمانه.. حرم - أي: اغتيالهم - فإن تبعه قوم.. فليدفعهم) كذلك عكسه، وهو: ما إذا شرطوا أنه في أمان منهم ولم يستأمنوه.. فيحرم عليه اغتيالهم؛ لأن الأمان لا يكون في أحد الطرفين، وقد اقتصر "الحاوي" على الثانية،
فقال [ص 614]: (وقتل تابعه دفعاً لا غيراً إن أمّنُوه) واستثنى الشافعي رضي الله عنه في "الأم" من ذلك: ما إذا قالوا: قد أمناك ولا أمان لنا عليك 1، وهو يدل على أن الأمان قد يكون من جانب واحد، والذي في "المحرر": ما إذا أمنوه وأمنهم، وفي بعض نسخه عطفه ب (أو)، فيكون فيه التصريح بالمسألتين 2.
5355 - قول "المنهاج" [ص 524]: (ولو شرطوا ألَّا يخرج من دارهم.. لم يجز الوفاء) لا يخفى أن محله: فيما إذا لم يقدر على إظهار دينه هناك؛ لكونه سبق قريبًا أن الهجرة للقادر على إظهار دينه مستحبة.
5356 - قوله: (ولو عاقد الإمام علجاً يدل على قلعة وله منها جارية.. جاز) 3 فيه أمور:
أحدها: أن العلج هو: الكافر الغليظ الشديد كما في "أصل الروضة" 4 فالتقييد به يقتضي أنه لا يصح هذا العقد مع مسلم، وبه صرح "الحاوي" فقال [ص 613]: (وإن دل علج لا مسلم)، وهو الذي صححه الإمام 5، لكن ذهب العراقيون إلى الجواز؛ ولهذا أطلق "التنبيه" قوله [ص 234]: (ويجوز أن يشرط لمن دله على قلعة جعلاً) لكنه قال بعده: (فإن كان المجعول له كافراً.. جاز أن يجعل له جعلاً مجهولاً) 6 فدل على أنه لا يجوز أن يجعل للمسلم جعلاً مجهولاً، وهو موافق لتصحيح الإمام، وذكر شيخنا الإسنوي في "التنقيح": أن الأصح في "الروضة": قول العراقيين، وأشار النشائي وصاحب "التوشيح" إلى توهيمه في ذلك، وأن التصحيح ليس في "الروضة" 7، لكن كلامه في "الروضة" وأصلها فى (الغنيمة) يقتضيه؛ فإنه بعد أن ذكر أن النفل زيادة مال على سهم الغنيمة مثل للنفل بامور: منها المذكور هنا 8، وقد علم أن السهم لا يكون إلا لمسلم؛ فيلزم من إطلاقه وتعبيره بالسهم جوازه مع المسلم.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه الأصح، وعليه مشى شيخنا الإسنوي في "تصحيح التنبيه" 9، قال الإمام: والوجهان مفرعان على تجويز استئجار المسلم للجهاد، وإلا.. فلا
تصح هذه المعاملة مع مسلم، ولا يستحق أجرة المثل 1.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وما قاله ممنوع؛ فإن هذا ليس من الاستئجار للجهاد في شيء، وإنما هذا نظير من يستأجره الإمام من المسلمين؛ لدلالة الطريق إلى الكفار، وذلك جائز.
ثانيها: المراد: الدلالة على قلعة بعينها كما صوره في "الروضة" وأصلها، وكلام الثلاثة يقتضي جوازه على قلعة مبهمة، وذكر شيخنا الإسنوي في "التنقيح": أن كلام "التنبيه" في قلعة مبهمة.
انتهى.
فلو ذكرها مبهمة في قلاع معينة.. فكلام شيخنا في "تصحيح المنهاج" يميل إلى الجواز؛ لقلة الغرر في ذلك.
ثا لثها: تعبير "المنهاج" [ص 524] و"الحاوي" [ص 613] ب (الجارية) مثال، وتعبير "التنبيه" [ص 234] ب (الجعل) حسن؛ لشموله.
5357 - قول "المنهاج" [ص 524]: (فإن فتحت بدلالته.. أعطيها) المراد: أن يفتحها من شارطه، فلو فتحها طائفة أخرى بالطريق التي دلنا عليها.. فلا شيء له؛ لأنه لم يجر معهم شرط؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 613]: (وفتحنا به لا غيرنا) وأن يكون الفتح عنوة، فلو فتحت صلحاً.. فقد ذكرها "الحاوي" بعد ذلك فقال [ص 613]: (وإن شرط زعيمها أمان أهله وهي منه، ولم يرض واحد بعوض.. رُدّ ورد إلى مامنه) وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل هذا: ما إذا كانت الجارية ملكاً لصاحب القلعة، فإن لم تكن ملكاً له.. فكيف يكون له أخذ العوض عن شيءٍ ليس في ملكه، والذي ينبغي في هذه الحالة: أن تسلم للدليل، ولا شيء لصاحب القلعة.
انتهى.
ولا يرد ذلك على تعبير "التنبيه" لأنه قال [ص 234]: (وإن فتحت صلحاً فامتنع صاحب القلعة من تسليم الجارية وامتنع المجعول له من قبض قيمتها.. فسخ الصلح) فلم يذكر في عبارته أخذ صاحب القلعة عوضاً عن الجارية، لكن تعبير "الحاوي" [ص 613] ب (العوض) أعم من تعبير "التنبيه" [ص 234] ب (القيمة)، وعبر ابن يونس في "النبيه" ب (البدل)، وقال في "التنويه": هو أولى من القيمة؛ ليتناول غيرها من جواري القلعة؛ فإنه لو رضي بها.. جاز كما في "المهذب" 2.
5358 - قول "المنهاج" [ص 524]: (أو بغيرها.. فلا في الأصح) وهو مفهوم لفظ "الحاوي" المتقدم، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ممنوع، بل ظواهر نصوص الشافعي رضي الله
عنه وإطلاق الأصحاب الاستحقاق، وهو الصواب، والرافعي إنما نقل هذا الترجيح في "شرحه" عن ابن كج 1.
5359 - قول "الحاوي" [ص 613]: (وقيمتها إن ماتت) أي: بعد الظفر؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 524]: (أو بعد الظفر قبل التسليم.. وجب بدلٌ).
5360 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن ماتت قبل الفتح.. ففيه قولان، أحدهما: يدفع إليه قيمتها، والثاني: لا شيء له) الأظهر: الثاني كما في "المنهاج" 2، وكذا في الرافعي، ورجح في " أصل الروضة" طريقة القطع به 3، ولولا تقييدنا كلام "الحاوي" بما بعد الظفر 4.. لتناول هذه الصورة، ورجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": القطع بوجوب البدل عكس المرجح في "الروضة"، وقال: إنه المنصوص في "الأم" و"المختصر"، وليس له نص يخالفه.
5361 - قول "المنهاج" [ص 524]: (وإن أسلمت.. فالمذهب: وجوب بدل) يتناول إسلامها قبل العقد وبعده، سواء أكان قبل الظفر أم بعده؛ ولذلك أطلق "الحاوي" إسلامها 5، واستثنى شيخنا في "تصحيح المنهاج" من ذلك مسألتين: إحداهما: أن تسلم قبل العقد، ويعلم بذلك، وبأنها قد فاتته.. فلا شيء له؛ لأنه عمل متبرعاً.
ثانيهما: أن يسلم بعد العقد والظفر.. ففي "الروضة" وأصلها بناؤه على شراء الكافر عبداً مسلماً إن جوزناه.. سلمناها إليه، ثم يؤمر بإزالة الملك، وإن لم نجوزه.. لم تسلم إليه 6.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا البناء عندنا مردود؛ بل يستحقها قطعاً؛ لأنه استحقها بالظفر وقد كانت إذ ذاك كافرة، فلا يرتفع ذلك بإسلامها كما لو ملكها ثم أسلمت، ولكن لا تسلم إليه، بل يؤمر بإزالة الملك كما لو أسلم العبد الذي باعه المسلم للكافر قبل القبض، ولكن هناك يقبضه له الحاكم، وهنا لا يحتاج إلى قبض.
انتهى.
ويوافق ذلك تقييد "التنبيه" إسلامها بكونه قبل الفتح 7.
5362 - قول "المنهاج" [ص 524]: (وهو أجرة مثل، وقيل: قيمتها) فيه أمور:
أحدها: إنما ذكر في "المحرر" هذا الخلاف فيما إذا ماتت، وكذا في "الروضة" وأصلها 1، فذكره في إسلامها غير مطابق لأصله.
ثانيها: ذكر الإمام أن إيجاب أجرة المثل مبني على أنه مضمون ضمان عقد، وقيمتها مبني على ضمان اليد 2، وتبعه في "المحرر" 3، فمشى عليه "المنهاج"، لكنه قال في "الشرح" وتبعه في "الروضة": هكذا قاله الإمام، ولكن الأظهر من قولي الصداق: وجوب مهر المثل، والموجود لجمهور الأصحاب هنا قيمة الجارية 4، وعليه مشى "التنبيه" فقال [ص 234]: (وإن فتحت عنوة وأسلمت الجارية قبل الفتح.. دفع إليه قيمتها) و"الحاوي" فقال [ص 613]: (وقيمتها إن ماتت أو أسلمت) ونص عليه في "الأم" في آخر (سير الواقدي) فقال: (وإن كانت الجارية قد أسلمت قبل أن يُظفر بها.. فلا سبيل إليها، ويعطى قيمتها، كأن ماتت.. عُوِّض منها بالقيمة) 5 حكاه في "المهمات"، وقال: كأن الرافعي حالة تصنيف "المحرر" لم يستوعب المسألة من الشرح، بل نظر أوائلها فقط.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن المعتمد القطع به، قال: والسبب في امتناع مجيء أجرة المثل هنا: أن هذه المعاملة سومح فيها للحاجة إلى نكاية الكفار والفتح على المسلمين، فنظر فيها إلى الذي انصب قصد الدال إليه، وهو الجارية؛ فحيث غرمنا عوضها.. فهو قيمتها؛ لأن الدال إنما يشترط شيئاً زائداً كثيراً على أجرة مثله في العادة، فإذا تخيل أنه لا يحصل له إلا أجرة مثله.. يفر وفات المقصود.
ثالثها: قوله: (وقيل: قيمتها) يقتضي أنه وجه، وهو في "المحرر" قول 6، ولهذا وقع في بعض نسخ "المنهاج": (وفي قول).
رابعها: قال في "أصل الروضة": محل الخلاف: إذا كانت جارية معينة، فإن كانت مبهمة ومات كل من فيها من الجواري وأوجبنا البدل.. فيجوز أن يقال: يرجع بأجرة المثل قطعاً؛ لتعذر تقويم المجهول، ويجوز أن يقال: تسلم إليه قيمة من تسلم إليه قبل الموت 7.
5363 - قول "التنبيه" [ص 234]: (فإن كان المجعول له كافراً.. جاز أن يجعل له جعلاً مجهولاً)
محله: فيما إذا كان من القلعة، فإن كان مما في أيدي المسلمين.. لم يجز أن يكون مجهولاً؛ للقدرة على نفي الجهالة، وتقدم أن الراجح: جواز الجعل المجهول من القلعة ولو مع مسلم.
5364 - قوله: (وإن حاصر قلعة فنزل أهلها على حكم حاكم.. جاز، ويجب أن يكون الحاكم حراً مسلماً ثقة من أهل الاجتهاد) 1 ظاهره أن المراد: الاجتهاد في الأحكام الشرعية: وقد قال الرافعي: أطلقوا أنه يشترط كونه عالماً، وربما قالوا: فقيهاً، وربما قالوا: مجتهداً، قال الإمام: ولا أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي؛ ولعلهم أرادوا: التهدِّي إلى طلب الصلاح وما فيه النظر للمسلمين.
انتهى 2.
ولهذا قال "الحاوي" [ص 613]: (بصير بمصالح القتال) ويشترط فيه أيضًا: الذكورة، والبلوغ، والعقل، وقد ذكرها "الحاوي" 3، وقد تستنبط من كونه من أهل الاجتهاد.
5365 - قول "التنبيه" [ص 234]: (فإن حكم بعقد الذمة.. لم يلزم، وقيل: يلزم) الأصح: الثاني، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 613]: (وبالجزية.. أُجبر).
5366 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن حكم بقتل الرجال ورأى الإمام أن يمن عليهم.. جاز) قد يفهم جواز استرقاقهم، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 613]: (وبه - أي: بالقتل - لم يُرق) وهذا أسير يجوز قتله والمن عليه والاسترقاق.
5367 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن أسلموا بعد الحكم.. سقط القتل وبقي الباقي) صوره القاضي أبو الطيب بما إذا حكم بقتل الرجال وسبي الذرية وأخذ الأموال، ويجوز أن يكون مراده: سقط القتل إن كان قد حكم به، وبقي الباقي إن كان المحكوم به غير القتل، وكذا صور الجيلي والنووي في "نكته"، وعبارة "الحاوي" [ص 613]: (ويُرق المحكوم به إن أسلم).
5368 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن مات الحاكم قبل الحكم.. رُدوا إلى القلعة) محله: ما إذا لم يتفقوا على حاكم غيره.
5369 - قوله فيما إذا غلب الكفارُ المسلمين على أموالهم وغنمت: (وإن لم يعلم حتى قسم.. عوّض صاحبها من خمس الخمس) 4 المراد بصاحبها: من وقعت في سهمه، وليس المراد به: مالكها كما في قوله أولاً: (فإن استرجعت.. وجب ردها على أصحابها) 5 فإن المراد هناك: ملاكها.
باب (1) عقد الذمة وضرب الجزية
5370 - كذا في "التنبيه" 2، وحذف ابن يونس في "النبيه" ضرب الجزية؛ لأنها من موجبات عقد الذمة، فلا يترجم بها بابه، واقتصر "المنهاج" على الجزية 3.
5371 - قول "المنهاج" [ص 525]: (صورة عقدها: "أقركم بدار الإسلام أو أذنت في إقامتكم على أن تبذلوا جزية وتنقادوا لحكم الإسلام") فيه أمور:
أحدها: عبارة "المحرر" و"الروضة" وأصلها: (أقررتكم) 4 بصيغة الماضي، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يكفي المضارع، إلا أن يقصد به العاقد الحال والمستقبل؛ لانسلاخه عن معنى الوعد.
ثانيها: لا يختص ذلك بدار الإسلام؛ فقد يقرهم بالجزية في دار حرب؛ ولذلك لم يقيده "الحاوي" بدار الإسلام، وحينئذ.. فيجب الذب عنهم إن اتصلت دارهم بدار الإسلام أو شرط الذب عنهم، وإلا.. فلا.
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يتعرض فيه لعصمة الدماء، ولا بد منه في عقد الجزية، وقد ذكره في "الأم".
انتهى.
ولم يتعرض لذلك في "الحاوي" أيضاً.
رابعها: أطلق دار الإسلام، ولا ينبغي إطلاقه في العقد، بل يقيد بغير الحجاز وإن ذكر ذلك في الأحكام، لكن الشأن في ذكره في العقد؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 615، 616]: (إذن الإمام ونائبه القرار في غير مكة والمدينة واليمامة وقُراها كالوَجّ والطائف) كذا وقع في "الحاوي": (الوج) بألف ولام؛ وهي عجمة، وصوابه: (وج) بحذفها كما نطق به في (الحج).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": فإن قيل: فإذا أطلق ولم يستثن.. يفسد العقد أو يفسد الإطلاق ويتقيد بغير الحجاز؟
قلنا: هذا محتمل، والأرجح: الثاني.
خامسها: مقتضاه: أنه لو ضم إلى ذلك: ما شئت أو ما شاء الله أو ما شئتم.. لم يصح، وهو في الأوليين كذلك، ويصح في الثالثة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 615، 616]: (مطلقاً أو ما شاء، لا الإمام).1
سادسها: مقتضى هذا التعبير: اختصاصه بلفظ الخطاب، وليس كذلك، فلو عقد لغائبين فرضوا بذلك عند بلوغ الخبر.. جاز، وكلام الشافعي رضي الله عنه يدل له؛ ولذلك لم يعبر "الحاوي" بلفظ الخطاب.
سابعها: أطلق هو و"التنبيه" بذل الجزية، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا بد من اشتراط القيام بها رأس كل سنة من العقد؛ لئلا يؤدي إلى الجهالة بوقت استحقاق الأداء.
انتهى.
ويوافقه قول "الحاوي" [ص 616]: (كل سنة) وظاهره اشتراط ذكر ذلك في العقد، وقال شيخنا: ويحتمل على بعد أن لا يحتاج إلى ذكره، وينزل العقد عليه.
ثامنها: أطلق الثلاثة الانقياد لأحكام الإسلام، وهو مقيد في النص بما رأيناه يلزمهم، وقيده في "المهذب" بحقوق الآدميين في الحقوق والمعاملات وغرامات المتلفات 1، وفي "النهاية": قال العراقيون: المراد بإجراء الأحكام: أنهم إذا فعلوا ما هو محظور في دينهم.. فيجري حكم الله تعالى عليهم إذا كان لا يتعلق بدعوى؛ كما لو زنا أحدهم وثبت زناه عند حاكمنا.. فإنه يقيم عليه الحد ولا حاجة لرضاه، وهذا حسن، ولم أر للمراوزة خلافه، فأما ما يستحلونه: فمنقسم للخمر وغيره.. فلا يقيم عليهم حدًا لشرب كان رضوا بحكمنا... إلى آخر كلامه 2.
5372 - قول "المنهاج" [ص 525]: (والأصح: اشتراط ذكر قدرها) فيه أمران:
أحدهما: أنه يفهم قوة مقابله، وهو الصحة والتنزيل على الأقل، وليس كذلك، بل هو ضعيف، وقد استبعده في "النهاية" 3.
ثانيهما: أنه يفهم أنه لا خلاف في اشتراط الانقياد لأحكام الإسلام، وليس كذلك، بل فيه خلف ذكره القاضي حسين والإمام 4.
5373 - قوله: (ولا يصح مؤقتاً) 5 يستثنى منه: ما لو قال: ماشئتم.. فإنه يصح كما تقدم، وقد ذكره "الحاوي" 6.
5374 - قول "المنهاج" [ص 525] و"الحاوي" [ص 616]: (ويشترط لفظ قبول) لذا يكفي الاستيجاب والإيجاب؛ بأن يقول: قرّرني، فيجيبه.
قلت: لو قال: سألتك أن تؤمنني على كذا فأمنه.. كان كافياً كما ذكره الشافعي، وفي معناه:
أن تقررني، قال شيخنا في"تصحيح المنهاج": وليس قوله: سألتك أن تبيعني استيجاباً فدل على أن المقصود هنا ما يدل على الرضا وإن لم يكن قبولاً في غيره.
5375 - قول "المنهاج" [ص 525]: (ولو وُجد كافرٌ بدارنا فقال: "دخلت لسماع كلام الله تعالى" أو "رسوله" أو "بأمان".. صُدّقَ) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله: فيما إذا ادعى ذلك قبل أن يصير في قبضة الإمام، فإن صار في قبضته أسيراً.. فلا يصدق إلا ببينة، قال الروياني: وما اشتهر أن الرسول آمِنٌ.. هو في رسالة فيها مصلحة المسلمين من هدنة وغيرها، فإن كان في وعيد وتهديد.. فلا، ويتخير فيه بين الخصال الأربع كالأسير.
وقال النووي: ليس ما ادعاه بمقبول، والصواب: أنه لا فرق، وأنه آمن مطلقاً 1.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو المعتمد؛ فإن رسولَي مسيلمة حضرا بكتابه وليس فيه مصلحة للمسلمين، وقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل.. لضربت أعناقكما" رواه البيهقي 2.
5376 - قوله: (وعليه الإجابة إذا طلبوا، إلا جاسوساً نخافه) 3 قال الرافعي: فلو خاف غائلتهم وأن ذلك مكيدة.. لم يجبهم 4، ولعله المراد بقوله: (إلا جاسوساً نخافه) واستثنى مع ذلك أموراً:
أحدها: الأسير الكامل يتخير فيه الإمام بين الأمور الأربعة ولا تجب عليه إجابته لعقد الجزية كما نص عليه في "الأم"، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، والأظهر في "أصل الروضة" في هذه الصورة: تحريم القتل دون الاسترقاق 5، ومقتضاه: أنه لا يجب تقريره بالجزية، وتردد شيخنا في جواز إجابته لذلك، ثم رجح: أنه إن كان له من يحارب عنه؛ كملك له جيش أو مطاع صاحب عشيرة.. جاز تقريره؛ لأن له قوة في المعنى، وإلا.. فلا، قال: ولم أر من تعرض له.
ثانيها: ظاهر كلام الأصحاب أن الذمي إذا انتقض عهده كذلك تفريعاً على الأظهر أنه كالأسير، ورجح شيخنا: أنه أولى بأن لا يجاب إلى الجزية من الأسير؛ لزيادته عليه بنقضه العهد، ولو اطلعنا على حربي دخل دارنا بغير أمان فبذل الجزية.. وجب قبولها على المذهب في "أصل الروضة" 6، ورجح شيخنا: أنه لا يجب إجابته، بل لا يجوز، إلا إذا كان له بعشيرته قوة كما تقدم في الأسير.
ثالثها: إذا نزل أهل قلعة على حكم حاكم فحكم بالقتل أو الإرقاق.. لم يجب تقريرهم بالجزية لو طلبوا، وهل للإمام تقريرهم؟ تردد فيه شيخنا، وقال: لم أره منقولًا، والأرجح هنا: الجواز؛ لأنهم في قوة؛ بدليل أنهم إذا لم يتم الأمر.. يردون إلى قلعتهم.
5377 - قوله: (ولا تعقد إلا لليهود والنصارى والمجوس وأولاد من تهود أو تنصر قبل النسخ أو شككنا في وقته) 1 فيه أمور:
أحدها: اعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأنه كلام لا يظهر منه المقصود، وصواب العبارة: (ولا تُعقد إلا ليهودي أو نصراني أو مجوسي إن دخل هو أو أحد أصوله في التهود أو التنصر قبل النسخ... إلى آخره) وعبارة "التنبيه" مثلها؛ فإنه قال [ص 237]: (ويجوز أن يعقد لليهود والنصارى والمجوس ولمن دخل في دين اليهود والنصارى ولم يعلم هل دخل قبل النسخ والتبديل أو بعده) بخلاف عبارة "الحاوي" فإنه قال [ص 615]: (زعم التمسك بكتاب كالمجوس لم يعلم اختيار 2 جده حين نُسِخ) فجعل ذلك قيداً لا معطوفاً على ما تقدم.
ثانيها: يرد عليهم جميعًا: إذا تهود الأصل أو تنصر قبل النسخ لكن انتقلت ذريته عن دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن أو قبله.. فلا تعقد لهم جزية كما نص عليه في "الأم" 3.
ثالثها: دخل في تعبير "المنهاج" بالأولاد و"الحاوي" (بالجد) ما إذا كان الداخل في التهود أو التنصر قبل النسخ أباً له أو أماً، وهو مقتضى قول "المنهاج" الآتي [ص 525]: (ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني على المذهب) لكن عبارة "الروضة" وأصلها: دخل آباؤهم 4، وهكذا في نص الشافعي 5، ومقتضاه: أنه لو دخل الأب في التنصر بعد النسخ ودخلت الأم فيه قبله.. لم يقر المتولد منهما بالجزية، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه المعتمد في الفتوى.
رابعها: لم يذكر "التنبيه" و "المنهاج" إلا التهود والتنصر قبل النسخ دون التمجس؛ لأنه لم ينتقل أحد من العرب إلى المجوسية، ولو ذكر ليعرف حكمه.. لكان أحسن، وقد تناولته عبارة "الحاوي" المتقدمة، وعبارة الشافعي رضي الله عنه تتناوله أيضاً.
خامسها: ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن الشافعي رحمه الله إنما علق ذلك على نزول الفرقان لا على النسخ، وهو المعتمد؛ لتأخر النسخ في الأحكام عن البعثة.
سادسها: ظاهر قولهم: (بعد النسخ) أن التهود بعد بعثة عيسى عليه السلام لا يقر بالجزية،
وهو الأصح في "الروضة" وأصلها 1، لكن نص في "الأم" على اعتبار الدخول قبل نزول الفرقان مطلقاً 2.
سابعها: الأصح: تقرير الداخل بعد التبديل مطلقاً، وذكر "التنبيه" له مع النسخ يفهم خلافه؛ ولهذا اقتصر "المنهاج" و"الحاوي" على النسخ.
5378 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ومن تمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام.. فقد قيل: يعقد لهم، وقيل: لا يعقد لهم) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 525]: (وكذا زاعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داوود عليهم السلام) وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 615]: (زعم التمسك بكتاب)، وقال الماوردي بعد ذكر الوجهين: وإطلاقهما عندي غير صحيح، والواجب اعتبار كتابهم، فإن تضمن تعبداً وأحكاماً يكتفي به أهله عن غيره.. كان كالتوراة والإنجيل في ثبوت حرمته وإقرار أهله، وإلا.. لم يجز إقرارهم عليه 3، وهو المفهوم من تعبير "التنبيه" بالدين؛ لأنه لا يمكن التمسك بدين إلا بعد معرفة أحكامه.
5379 - قول "المنهاج" [ص 525]: (ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني على المذهب) لا يخفى أن محله: ما إذا اختار دين أهل الكتاب، فإن اختار التوثن.. لم يقر، وإن لم يختر شيئاً.. فهل نقول: لا يعقد له حتى يختار دين أهل الكتاب، أو طلبه عقد الجزية اختيار لدين أهل الكتاب؟
قال شيخنا في "تصحيحه": هذا محتمل، والأرجح: الأول، ولم أَرَ مَنْ تعرض لذلك، وتقدم أن نصوص الشافعي على اعتبار الآباء، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أجد له نصاً شاهداً لجواز تقرير من أبوه وئني وأمه كتابية بالجزية ويوافق ما ذكره شيخنا: قول "التنبيه" [ص 237]: (ولا يعقد لمن ولد بين وثني وكتابية، وفيمن ولد بين كتابي ووثنية قولان، أصحهما: أنه يعقد له) فجعل الثانية محل الخلاف، وقطع في الأولى بالمنع.
5380 - قوله: (وأما السامرة والصابئة.. فقد قيل: يجوز أن يعقد لهم، وقيل: لا يجوز) 4 المذهب في "أصل الروضة": أنهم إن خالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم.. فليسوا منهم، وإلا.. فمنهم، وهكذا نص عليه، وعليه يحمل النصان الآخران، وهذا فيما إذا لم يكفرهم اليهود والنصارى، فإن كفروهم.. لم يقروا قطعاً، فإن أشكل أمرهم.. ففي تقريرهم احتمالان ذكرهما الإمام، الأصح: الجواز 5.
5381 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ولا يؤخذ من امرأة) كذلك الخنثى، كما صرح به "المنهاج" 1، ويدل عليه تعبير "الحاوي" بالذكر، فلو بانت ذكورة الخنثى.. ففي الأخذ منه للسنين الماضية وجهان، قال النووي: ينبغي تصحيح الأخذ 2، وجزم به في شرح "المهذب" في (نواقض الوضوء) 3.
وقال في "المهمات": ينبغي تصحيح عكسه؛ فإنه لو دخل حربي دارنا وبقي سنة ثم اطلعنا عليه.. لا نأخذ منه شيئاً لما مضى على الصحيح؛ لعدم التزامه، فهذا أولى؛ لتحققنا الأهلية هناك دون هنا.
قلت: لعل صورته أن يكون صدر معه عقد جزية في حال إشكاله، ثم تبين بظهور حاله صحة العقد كما لو عقد النكاح بخنثيين ثم بانت ذكورتهما، وقد أشار لذلك شيخنا الإمام البلقيني.
5382 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ولا عبد) كذلك المبعض؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 525]: (ومن فيه رق) ويوافقه تعبير "الحاوي" بالحر 4.
5383 - قول "الحاوي" [ص 616]: (دون زمن الجنون المتقطع) محله: ما إذا كثر زمنه، فإن قل؛ كساعة من شهر.. فلا عبرة به؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 525]: (فإن تقطع جنونه قليلاً؛ كساعة من شهر.. لزمته، أو كثيراً؛ كيوم ويوم.. فالأصح: تلفيق الإفاقة، فإذا بلغت سنة.. وجب) وفرض "التنبيه" الخلاف أيضاً في الكثير فقال: (وإن كان منهم من يجن يوما ويفيق يوماً.. فالمنصوص: أنه تؤخذ منه الجزية آخر الحول، وقيل: تلفق أيام الإفاقة، فإذا بلغ قدرها حولاً.. وجبت عليه الجزية وهو الأظهر) 5، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والذي نقوله: أن جنونه أياماً في أثناء الحول لا يؤثر، ويجب عليه جميع الجزية، ولا يحسب له نظير أيام الجنون من السنة الثانية كما نص عليه، فإن أكثر التقطع.. قضي بموجب النص الآخر، والأرجح: اعتبار التلفيق، وليس في عبارة "التنبيه" و"المنهاج" ولا غيرهما ضابط القليل والكثير، وظاهر كلامهما في الكثير التعليق على الأيام التي بلغت سنة، فتكون عددية، وليس كذلك، وإنما هي سنة هلالية، ومهما كان فيها من أيام الجنون يحسب ويؤخذ بقدره من الإفاقة التي بعدها، فإذا كان في السنة الهلالية سبعة أشهر ناقصة وخمسة تامة.. فالناقصة خارجة من البين، ويلفق أيام الجنون من السنة التي بعدها، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: ليس هذا كالأشهر المنكسرة، فينكسر
الجميع؛ لأن الأشهر هناك أجل والأجل هنا سنة، فلا يكون التلفيق من الأشهر مقتضياً لانكسارها.
5384 - قولهما: (فيما لو بلغ ابن ذمي وبذلها.. عقد له) 1 يتناول ما إذا بلغ سفيهاً، وفيه تفصيل، حاصله أن للسفيه أن يعقد بدينار بغير زيادة، وأن عقده إنما يكون عند إباء وليه، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وعبارة "أصل الروضة": المذهب: أنه لا يصح عقد السفيه والولي بالزيادة 2.
5385 - قول "التنبيه" [ص 237، 238]: (وفي الشيخ الفاني والراهب قولان، وفي الفقير الذي لا كسب له قولان، أحدهما: لا تجب عليه، والثاني: تجب، ويطالب به إذا أيسر) الأظهر في الكل: الوجوب، وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" 3، وصرح به "المنهاج" فقال [ص 526]: (والمذهب: وجوبها على زَمِنٍ وشيخٍ هرمٍ وأعمىً وراهبٍ وأجيرٍ وفقيرٍ عجز عن كسبه، فإذا تمت سنة وهو معسر.. ففي ذمته حتى يوسر) وفي تعبيره في الفقير بالمذهب نظر؛ فليس فيه إلا قولان، كذا في "الروضة" وأصلها 4، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ومحل الخلاف في الشيخ ونحوه: إذا لم يكن ذا رأي، فإن كان ذا رأي.. فإنه تضرب عليه الجزية قولاً واحداً، وقد قيد محل الخلاف بذلك الشيخ أبو حامد والقاضي حسين.
5386 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ويُمنع كل كافر من استيطان الحجاز) لو عبر بالمقام كما في "التنبيه" 5، أو بالإقامة كما في "الروضة" 6، أو بالقرار كما في "الحاوي" 7، أو بالسكنى كما عبر به الشافعي رضي الله عنه 8.. لكان أولى؛ فإن الاستيطان أخص منها، ولا يتقيد الحكم به، فمطلق الإقامة كذلك، ثم محل هذا في غير حرم مكة، فأما حرم مكة.. فيمنعون من دخوله مطلقاً، وقد ذكره الثلاثة بعد ذلك.
5387 - قولهما: (وهو مكة والمدينة واليمامة وقُرَاها) 9 وعبارة "التنبيه" [ص 238]: (ومخاليفها)، وهي عبارة الشافعي رضي الله عنه 10، وهي بمعناها.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن الضمير في قوله: (وقراها) يعود على الحجاز، وهذه بلاد الحجاز لا نفس الحجاز، وفيما ذكره نظر، والظاهر عوده على مكة والمدينة واليمامة، وأن قراها من نفس الحجاز، ويوافق ذلك قول "الحاوي" [ص 616]: (في غير مكة والمدينة واليمامة وقراها) فإنه ليس في كلامه ذكر الحجاز حتى يتخيل عود الضمير إليه، وأيضاً فالحجاز مذكر فكيف يعاد عليه الضمير مؤنثًا؟ !
5388 - قول "المنهاج" [ص 526]: (وقيل: له الإقامة في طرقه الممتدة) كان ينبغي التعبير عنه بما بين البلاد مما ليس موضع إقامة عادة؛ فإن الطرق الممتدة لا يجوز إقامة أحد بها، لا مسلم ولا كافر، ومحل هذا الوجه: في الذمي وفي غير الحرم؛ فإن الكلام ليس فيه؛ بدليل ذكره بعد ذلك.
5389 - قولهما - والعبارة لـ"التنبيه" -: (فإن أذن لهم في الدخول لتجارة أو رسالة.. لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام) 1 المراد: غير يومي الدخول والخروج؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 616]: (ومن إقامة الحجاز مدتها) أي: مدة الإقامة، والثلاثة غير يومي الدخول والخروج، وليست مدة إقامة، ثم محل ما ذكروه في التجارة: في الذمي، أما الحربي.. فلا يمكن من دخول الحجاز للتجارة، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وحكى نصاً للشافعي يقتضيه، قال: وعلى مقتضاه جرى الأصحاب، ودخل في عبارتهم المرأة؛ فهي في ذلك كالرجل، وقد نص عليه، وقل من ذكره، ولو تنقل من قرية إلى قرية وأقام بكل واحدة ثلاثاً.. لم يمنع، وقد يفهم كلامهم خلافه.
5390 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ويمنع دخول حرم مكة، فإن كان رسولاً.. خرج إليه الإمام أو نائب يسمعه) هو المراد يقول "الحاوي" [ص 616]: (وللرسولِ خرجَ سامعٌ).
5391 - قولهم: (فإن دُفن.. نُبِشَ وأُخرج) 2 محله: ما لم يتقطع، فإن تقطع.. لم ينبش كما قاله الجمهور ونص عليه الشافعيَ 3، وفي "الكافي" للخوارزمي بعد ذكر هذا: وقيل: قال الشافعي في موضع: إن أمكن النبش وجمع عظامه.. نُبِش ورمي عظامه إلى الحل.
5392 - قول "المنهاج" [ص 526]: (وإن مرض في غيره من الحجاز وعظُمت المشقة في نقله.. تُرك) عبارة "الحاوي" [ص 616]: (لا إن مرض وشق نقله) فاعتبر مطلق المشقة لا عظمها، والأول هو الموافق لتعبير "الروضة"، وقوله: وجواب جمهور الأصحاب أنه لا ينقل مطلقاً 4، أي: مع عظم المشقة في نقله، وإن كانت عبارته توهم خلاف ذلك، وترد هذه
المسألة على إطلاق "التنبيه" أنهم يمنعون من المقام في الحجاز.
5393 - قول "المنهاج" [ص 526]: (فإن مات وتعذر نقله.. دفن هناك) محله: في الذمي، فأما الحربي.. فلا يجب دفنه، بل في وجه: لا يجوز، وتغرى الكلاب عليه، فإن دفن؛ فلئلاَّ يتأذى الناس بريحه، فهذا يوارى مواراة الجيف، والمرتد كالحربي.
واحترز بتعذر نقله عما إذا مات في طرف الحجاز.. فإنه ينقل، قال الرافعي: وأطلق أكثرهم أنه يدفن فيه، وقال البغوي: إن أمكن نقله قبل التغير.. نقل، وإلا.. فلا، وقال الرافعي: إنه تفصيل جيد (1).
5394 - قول "التنبيه" [ص 239]: (ولا يدخلون سائر المساجد إلا بإذن) أورد عليه: أنه إن أراد بسائر: الجميع.. انتقض بالمسجد الحرام؛ فإنهم لا يدخلون بإذن ولا غيره، وإن أريد به: الباقي.. فلم يتقدم لغيره من المساجد ذكر ليكون هذا باقيه.
وأجيب عنه: بأن المراد: الباقي، وقد دخل المسجد الحرام في عموم الحرم، وإنما يجوز الإذن؛ للحاجة، لا للأكل والشرب، وجلوس الحاكم إذن إن كان له خصومة.
5395 - قوله: (وإن كان جنباً.. فقيل: لا يمكن من اللبث في المسجد، وقيل: يمكن) (2) الثاني هو الأصح.
فصل [في الجزية]
5396 - قولهما: (أقل الجزية دينار) 3 قال الرافعي: هذا هو المنصوص الموجود في كتب الأصحاب، قال الغزالي تبعاً للإمام: أو اثنا عشر درهماً نقرة خالصة مصكوكة، يتخير الإمام بينهما، قال الإمام: ولم يقابل الدينار في غيرها إلا بعشرة، قال: ورأيت في كلام الأصحاب أن الأصل الدينار ولا يقبل الدراهم إلا بالقيمة كالسرقة، قال: وهو متجه، ولولا قضاء عمر رضي الله عنه بالترديد بينهما.. لما كان للدرهم وجه، والأخبار كلها ذاكرة للذهب 4. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كلامه يقتضي أن الذهب متعين لصحة العقد، وليس كذلك؛ فإن العقد يجوز على المتقومات والمثليات إذا كانت قيمتها لا تنقص عن دينار خالص12
مضروب، وقد قال الشافعي رضي الله عنه فيما حكاه البيهقي: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على حلل يؤدّونها إليه، فدل صلحه إياهم على غير الدنانير أنه يجوز ما صولحوا عليه 1، وهو مقتضى كلام الأصحاب في صورة تضعيف الصدقة، وسيأتي ذكرها.
وقول "الحاوي" [ص 616]: (بقدر دينار وأكثر) يحتمل أن يشير به إلى ما ذكره الإمام والغزالي من التخيير بينه وبين اثني عشر درهماً، وإلى ما ذكره شيخنا من جوازه على ما كان قيمته ديناراً من أي شيء كان، والأول أقرب؛ لاعتياده متابعة الغزالي، والثاني مقتضى لفظه.
واستثنى شيخنا في "تصحيح المنهاج" من ذلك مسألتين:
إحداهما: أن في "أصل الروضة" في صورة تضعيف الصدقة عند ذكر الإشكال الثاني: أنه وإن وفى المأخوذ بدينار لكل رأس.. فربما كان فيهم من لا يملك مالاً زكويًّا، فيكون قد قرر بلا جزية، ولا يجوز وإن بذل غيره أكثر من دينار، كما لو قال واحد: خذوا مني عشرة دنانير على أن لا جزية على تسعة معي.. أن الأكثرين أجابوا عنه بأن المأخوذ من أصحاب الأموال الزكوية مأخوذ عنهم وعن الآخرين، ولبعضهم أن يلتزم عن نفسه وعن غيره، وغرضنا تحصيل دينار عن كل رأس، وقال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن فيه تقرير بعضهم بلا مال، وأُجري الوجهان فيما لو التزم واحد عشرة دنانير عنه وعن تسعة 2، قال شيخنا: لكن نص في "الأم" على أن أحداً من رجالهم لا يكون خلياً من الجزية 3، وهو شاهد لأبي إسحاق، فالاستثناء على الأول، ونظير ذلك مصالحتهم وهم في بلادهم على أداء الخراج، وضرب ذلك على أراضيهم.
الثانية: إذا افتتح الإمام أرضاً عنوة أو صلحاً على أن الأرض للمسلمين، فساقى أهلَها على الشجر وما يتبعها.. فإنه يجوز أن يقيموا في تلك الأرض سنين بلا جزية، أو بجزية منطوية مع الشطر من التمر والزرع في مقابلة العمل، ولا يشترط في هذه الجزية أن تبلغ ديناراً لكل رأس، قال شيخنا: وذلك يستنبط من قضية خيبر، وقد أشار الشافعي رضي الله عنه إليه 4، وهو متعيّن لا بد منه، ولم ينقل عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن صاحبيه رضي الله عنهما أنهم أخذوا منهم غير ما صدرت عليه المعاملة، فمن ادعى أخذ الجزية منهم.. فعليه البيان، وحكى شيخنا ما في "أصل الروضة" عن "البحر" عن ابن أبي هريرة: أنه أسقط الجزية عن أهل خيبر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ساقاهم، وجعلهم خولاً، وقول "البحر" هذا شيء تفرد به، والمساقاة معاملة
لا تقتضي إسقاط الجزية 1، ثم قال شيخنا: خيبر من الحجاز؛ فإقامة اليهود فيها متعذرة في زماننا، وكلام ابن أبي هريرة هو في أولئك الذين صدرت معهم المعاملة، فهو قريب مما قررناه.
انتهى.
ويمكن أن يندرج في عبارة "التنبيه" و"المنهاج" ما إذا صولحوا صلحاً فاسداً.. فلا يجب المسمى، بل دينار، وهذا هو المنقول في "أصل الروضة"، لكن حكى شيخنا عن النص: أنه ليس له أن يأخذ من أحد منهم إلا ما صالحه عليه، ثم حكى نصاً آخر لفظه: (دعاهم إلى أن يعطوا الجزية على ما يصلح) 2 وهذا موافق لـ"الروضة"، ثم رجح شيخنا حمل الأول على ما إذا كان المسمى ناقصاً عن دينار، والثاني على ما إذا زاد عليه، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
5397 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ويستحب للإمام مماكسةٌ حتى يأخذ من متوسطٍ دينارين وغنيٍّ أربعاً) فيه أمور:
أحدها: المراد: المماكسة حتى يعقد على صفة التوسط بدينارين وعلى صفة الغنى بأربعة، فيأخذ عند تمام الحول منهم ما عقد عليه إن وجدت الصفة آخر الحول؛ فإن الاعتبار بوقت الأخذ لا بوقت العقد، حكاه في "أصل الروضة" عن النص 3، ونقل ابن الرفعة عن الأصحاب: أنه ليس للعاقد إذا قدر على العقد بمئة دينار أن ينقص منها دانقاً.
ثانيها: قال الإمام: محل المماكسة: إذا لم يعلم الكافر جواز الاقتصار على دينار، فإن علم.. تُطلب 4 الزيادة استماحة 5، فإن امتنعوا من بذل ما زاد على دينار.. وجب تقريرهم بالدينار، وهو معنى قول "الحاوي" [ص 617]: (فإن منع.. قَبِلَ).
ثالثها: يستثنى من المماكسة: السفيه؛ فإنه لا يعقد له بأكثر من دينار كما تقدم، ويستثنى ذلك أيضاً من قول "التنبيه" [ص 237]: (وأكثره ما وقع عليه التراضي) ولذلك قال "الحاوي" [ص 617]: (وله أن يماكس لا لسفيهٍ) لكنه قال قبل ذلك: (بدينار وأكثر) 6 ولم يقيده، فلو ذكر القيد هناك.. لكان أحسن.
5398 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ولو عقدت بأكثر ثم علموا جواز دينارٍ.. لزمهم ما التزموه، فإن أبوا.. فالأصح: أنهم ناقضون) فيه أمور:
أحدها: أنه يقتضي تخصيص الخلاف في النقض بما إذا علموا ذلك بعد العقد، وكذا في "الروضة" وأصلها 1، ولم يقيده بذلك في "التهذيب"، وإنما فرضه في امتناعهم عن الزيادة 2، ولهذا قال "الحاوي" [ص 617]: (فإن زاد.. لم ينفع الندم) إلا أنه لم يتعرض للنقض.
ثانيها: كان ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص في "الأم" 3، أو (على الصحيح) إن لم يطلع على النص؛ لأن الخلاف ضعيف ولا سيما مع العلم.
ثالثها: محل ذلك: في غير المدفوع باسم الصدقة؛ ففي "أصل الروضة": وإذا شرط ضعف الصدقة، وزاد على دينار، ثم سألوه إسقاط الزيادة وإعادة اسم الجزية.. أجيبوا على الصحيح 4.
قلت: ويمكن أن يكون محل ذلك بالنسبة إلى السنة المستقبلة، أما ما استقر واجبه.. فلا يغير، والله أعلم.
رابعها: قد يفهم من النقض تخير الإمام فيه بين الأمور الأربعة كما سيأتي، وهو كذلك، لكن لو عاد وطلب العقد بدينار.. أجبناه، قال في "أصل الروضة": هكذا ذكره البغوي، وأطلق الإمام أنه لا يغتال، فإن طلب التجديد بدينار.. أجيب 5، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" مثل مقالة البغوي عن النص.
5499 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ولو أسلم ذمي أو مات بعد سنين.. أخذت جزيتهن من تركته) أي: في صورة الموت، وتؤخذ في صورة الإسلام منه، فسكت عن حكم أحد التصويرين، وعبارة "التنبيه" [ص 238]: (ومن مات منهم أو أسلم بعد الحول.. أخذ منه جزبة ما مضى) فقد يقال: أجاب عن الصورتين؛ لأن الأخذ من تركته أخذ منه، وقد يقال: ذكر جواب الإسلام دون الموت عكس "المنهاج"، وأحسن "الحاوي" بقوله [ص 617]: (وإن مات أو أسلم أو جن.. أخذ لما مضى) فضم إليهما الجنون، وذكر حكم الكل.
ثم محل الأخذ من تركته: ما إذا كان له وارث، وإلا.. فتركته كلها فيء؛ فلا معنى لأخذ الجزية منها، ولو كان له وارث غير مستغرق.. أخذ من نصيب الوارث ما يتعلق به من الجزية، وسقطت حصة بيت المال.
5400 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ويُسوَّى بينها وبين دين آدمي على المذهب) كذا في "الروضة" وأصلها 1، وعبارة "الحاوي" [ص 617]: (ويسوَّى بالديون)، وكذا في "المحرر" 2، ومقتضى الأولى: تقديم الزكاة عليها، ومقتضى الثانية: تسويتهما.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن الأول أظهر؛ فتكون عبارة "المنهاج" أحسن، ثم إن كان كلامهما في صورة الموت.. اقتضى تقديم دين الآدمي عليهما قطعاً في حالة حجر الفلس، والمنصوص في "الأم" و"المختصر": الاستواء؛ حيث قال في الإعسار بالجزية: (فالسلطان غريم من الغرماء، ليس بأحق بماله من غرمائه ولا غرماؤه منه) 3، وإن كان كلامهما فيهما.. فهو مخالف لقوله في (الأيمان): إن الخلاف لا يجري في المحجور عليه بفلس، بل يقدم حق الآدمي ويؤخر حق الله تعالى 4.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والظاهر حمل كلامه على الموت، وكذا صورها في "الروضة" تبعاً لـ"الشرح"، ويقاس عليه صورة الحجر بالفلس ويختص كلام "الروضة" في (الأيمان) بحقوق الله تعالى التي على التراخي؛ ككفارة اليمين؛ حيث لا تعدي يقتضي الفورية، فأما الواجبة على الفور؛ كالزكاة والجزية.. ففيها الخلاف، والمذهب: التسوية بين الجزية وديون الآدميين في حالتي الموت وحجر الفلس.
5401 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ومن مات أو أسلم في أثناء الحول.. فقد قيل: يؤخذ منه لما مضى، وقيل: فيه قولان، أحدهما: أنه لا يجب عليه شيء، والثاني: يجب لما مضى بقسطه وهو الأصح) الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: الوجوب بالقسط كما ذكره؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 526]: (أو في خلال سنة.. فقسطٌ، وفي قول: لا شيء) وهو داخل في عبارة "الحاوي" المتقدمة؛ فإن قوله: (أخذ لما مضى) يتناول السنة الكاملة وبعضها، وقوله بعد ذلك: (لا القسط من أهل الجزية) 5 أي: ليس للإمام أخذ القسط في أثناء الحول ممن لم يطرأ عليه موت ولا إسلام ولا جنون، بل هو مستمر على أهلية الجزية، فلو حجر عليه بفلس في أثناء السنة.. فمقتضى كلامهم: أنه لا يؤخذ منه ذلك الوقت القسط، وهو الجاري على القواعد، لكن نص في "الأم" على الأخذ، فقال: (وإن فلسه لأهل دينه قبل تحول الحول عليه.. ضرب مع
غرمائه بحصة جزيته لما مضى عليه من الحول) 1 حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: هذا فرع حسن لم أر من تعرض له.
5402 - قول "الحاوي" [ص 618]: (وأخذ لحيته، وضرب لهازمه مطأطأ الرأس في الأداء) تبع فيه الرافعي، وعبارة "المنهاج" في اختصاره لـ"المحرر": (وتؤخذ بإهانةٍ، فيجلس الآخذ ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره، ويضعها في الميزان، ويقبض الآخذ لحيته، ويضرب لهزمته) 2 ثم اعترضه "المنهاج" فقال [ص 527]: (هذه الهيئة باطلة، ودعوى استحبابها أشد خطأ) وقال في "الروضة": لا نعلم لها أصلاً معتمداً، وإنما ذكرها طائفة من الخراسانيين، وقال الجمهور: تؤخذ برفق كالديون، فالصواب: الجزم بأنها باطلة مردودة على مخترعها، فلم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الخلفاء الراشدين، وقد قال الرافعي في أول (كتاب الجزية): الأصح عند الأصحاب: تفسير الصَّغَار بالتزام الأحكام.
انتهى 3.
ونص عليه الشافعي فقال: (ولم أسمع مخالفاً في أن الصَّغَار أن يعلو حكم الإسلام على حكم الكفر) 4 وعلى ذلك مشى "التنبيه" فقال [ص 237]: (ويؤخذ ذلك منهم برفق كما تؤخذ سائر الديون)، وهنا أمور:
أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل هذا: في غير ما أخذت فيه الجزية باسم الصدقة؛ فتلك لا يأتي فيها الوجهان؛ لأنهم أنفوا من اسم الجزية.. فبالأولى أن يأنفوا من هذا الفعل، ولم أر من تعرض لذلك هنا، ولا بد منه.
ثانيها: قوله: (فيجلس الآخذ) أي: المسلم؛ فإنه لا يكون المستوفي لها إلا مسلماً سواء قلنا بهذه الطريقة أم لا، بل لا يكون إلا عدلاً، ذكره شيخنا أيضاً، وقال: لم أر من تعرض له، وقوله: (ويضعها في الميزان) أي: في الموزونات، فلو أحضر ثوباً أو غيره.. وضعه في يد الآخذ أو حيث يأمره به، وقوله: (ويقبض لحيته) فلو لم يكن له لحية.. هل يقبض من مجمع اللحيين؟ لم يتعرضوا له، قال شيخنا أيضاً: والظاهر أنه لا يقبض شيئاً؛ لأن قبض ذلك ليس بإهانة في العرف، بخلاف اللحية، وقوله: (ويضرب لهزمتيه) هما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، ومقتضاه: أنه يضرب في كل لهزمة ضربة، وهو مقتضى قول "الحاوي" [ص 618]: (وضرب لهازمه) قال الرافعي: ويشبه أن يكفي الضرب في أحد الجانبين، ولا يراعى الجمع
بينهما 1، قال شيخنا أيضاً: والظاهر أنه يضربه بالكف مفتوحاً.
ثالثها: قول "المنهاج": (ودعوى استحبابها أشد خطاً) كان ينبغي أن يقول: (بطلاناً) ويزيد: (ودعوى إيجابها أشد) ولم يبين هل هي محرمة أو مكروهة؟ قال شيخنا ابن النقيب: ولم أر من تعرض له، ومقتضى أنها كسائر الديون: تحريمُها 2.
5403 - قول "المنهاج" [ص 527]: (وكله مستحب، وقيل: واجب، فعلى الأول: له توكيل مسلم بالأداء، وحوالته عليه، وأن يضمنها) فيه أمور:
أحدها: أنه يقتضي جواز توكيل ذمي على الوجهين، وكذا قول "الحاوي" [ص 618]: (ويتوكل فيه المسلم) لكن قال الإمام: الوجه طرد الخلاف في توكيل ذمي 3.
ثانيها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": التحقيق صحة التوكيل على الثاني أيضاً، ولكن لا يمكن الوكيل من الدفع، وفائدته فيما لو أسلم الموكل.. فقد سقطت عنه الإهانة، فيؤدي وكيله حينئذ.
ثالثها: قال شيخنا أيضاً: تصح الحوالة جزماً، ثم المحال عليه يحيل بذلك على المحيل بدين آخر ثبت عليه، والضمان أولى بالصحة؛ لأنه لا يمنع مطالبة الأصيل.
5404 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ويجوز أن يشرط عليهم بعد الدينار ضيافة من يمر بهم من المسلمين) و"الحاوي" [ص 617]: (ويزيد ضيافة المسلم المارّ) فيه أمران:
أحدهما: أنه يستحب ذلك مع الإمكان كما صرح به "المنهاج" 4.
ثانيهما: أن محل الضيافة على الغني والمتوسط، دون الفقير في الأصح كما ذكره "المنهاج" أيضاً 5، وكان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" 6.
5405 - قوله: (وقيل: يجوز منها) 7 تختص الضيافة على هذا الوجه بأهل الفيء، حكاه الرافعي عن الروياني 8، وأسقطه في "الروضة".
5406 - قولهم: (ويذكر عدد الضيفان) 9 يقتضي أنه لا حصر لذلك، ويوافقه قول "أصل
الروضة": ثم إن تساووا في الجزية.. تساووا في الضيافة، وإن تفاوتوا.. فاوت بينهم؛ فيجعل على الغني ضيافة عشرين مثلاً، وعلى المتوسط عشرة، ثم قال: ولو شرط عدد الضيفان على جميعهم، وقال: يضيفون في كل سنة ألف مسلم.. قال الروياني: يكفي ذلك، ثم هم يوزعونها، أو يتحمل بعضهم عن بعض 1.
لكن حكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن النص في "الأم" أنه قال: (وعلى الموسع أن ينزل كل من مر به ما بين ثلاثة إلى ستة لا يزيدون على ذلك، وعلى الوسط أن ينزل كل من مر به رجلين وثلاثة لا يزيد عليهم) 2.
5407 - قولهما: (رجالاً وفرساناً) 3 لم يذكره "الحاوي"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا معنى له؛ لأن الأضياف لا يختلف عددهم ولا حالهم بكونهم رجالاً وفرساناً، وإنما الذي يتعلق بالفرسان علف دوابهم، وقد ذكره بعد ذلك.
5408 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ويبين قدر الطعام والأدم) و"المنهاج" [ص 527، - والعبارة له - و"الحاوي" [ص 617، 618]: (وجنس الطعام والأدم، وقدرهما) قيده الشافعي رضي الله عنه بأنه يكون من نفقة عامة أهله؛ مثل الخبز والخل والزيت والجبن واللبن والحيتان والبقول المطبوخة 4، وقال الماوردي: جنسه غالب قوتهم وأدمهم، وقدر الأدم: أكثره أربعة أرطال، وأقله رطلان، والثلاثة وسط، وقدر الأدم معتبر بالعرف الغالب 5.
5409 - قول "المنهاج" [ص 527]: (ولكل واحدٍ كذا) لو حذف الواو.. لكان أولى؛ لأنه بيان لما تقدم.
5410 - قولهم: (والعلف) 6 يقتضي أنه يشترط بيان جنسه وقدره، وليس كذلك؛ فيكفي الإطلاق، ويحمل على التبن والحشيش، ولا يجب الشعير إلا مع التصريح به، وإن ذكره.. بيّن قدره، ولا يعلف لكل واحد سوى دابة واحدة كما نص عليه 7.
5411 - قول "المنهاج" [ص 527]: (ومنزل الضيفان؛ من كنيسةٍ وفاضل مسكن) يقتضي تخصيص الإنزال بمن عليه الضيافة، وهم الأغنياء والمتوسطون، وليس كذلك؛ فقد نص الشافعي
رضي الله عنه على أنهم إذا كثروا.. أنزلهم أهل الحاجة في فضل مساكنهم، وليست عليهم ضيافة 1، وكذا قال في "الروضة": أو من بيوت الفقراء الذين لا يضيفون 2، ولا يرد ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" لإطلاقهما الضيافة كما تقدم.
5412 - قولهم: (ولا يزاد على ثلاثة أيام) 3 هذا هو المشهور من نصوص الشافعي رضي الله عنه 4، لكن له نص آخر يدل على أنه يجوز اشتراط أكثر من ثلاث، وفي "أصل الروضة" بعد ذكره عدم الزيادة على ثلاث: وقال ابن كج: يشترط على المتوسط ثلاثة أيام، وعلى الغني ستة، وقال الإمام: إذا حصل التوافق على الزيادة.. فلا منع 5.
5413 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ويقسم ذلك على عددهم وعلى قدر جزاهم) أي: على عددهم إن استوت جزاهم، وإلا.. فعلى قدرها.
5414 - قوله: (ويجوز أن يضرب الجزية على الأراضي - أي: على ما يخرج منها من ثمر وزرع - وعلى مواشيهم) 6 أي: الزكوية فيأخذها باسم الزكاة مضاعفة؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 618]: (ويضعف الزكاة بدله) أي: بدل الدينار، و"المنهاج" [ص 527]: (ويُضَعِّف عليهم الزكاة؛ عن خمسة أبعرة: شاتان، وخمس وعشرين: بنتا مخاضٍ، وعشرين ديناراً: دينارٌ، ومئتي درهم: عشرة وخُمُسُ المعشرات) أي: إن سقيت بلا مؤنة، وإلا.. فعشرها، وهنا أمران:
أحدهما: إنما يقتصر على التضعيف إذا وفى الحاصل بقدر دينار لكل رأس، وإلا.. زاد إلى ثلاثة أضعاف وأكثر، ويجوز الاقتصار على قدر الزكاة أو أقل إذا حصل الوفاء بالدينار؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 619]: (فزاد إن نقص عن دينار لكل، ويُنصف إن وفى) واستحب جماعة زيادة شيء على قدر الصدقة؛ لإسقاط اسم الجزية، واستبعد الإمام المنع؛ لما فيه من التشبيه بالمسلمين في المأخوذ، وحط الصَّغَار بلا غرض مالي 7.
ثانيهما: إن أريد: تضعيف الزكاة في كل شيء.. استثني منه زكاة الفطر، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يتعرض لها عمر رضي الله عنه في التضعيف ولا الشافعي ولا أحد من
الصحابة، وإن أريد: في الأموال التي ذكرها "المنهاج".. ورد عليه زكاة التجارة والمعدن والركاز؛ فقد نص في "الأم" و"المختصر" على تضعيفها عليهم 1، وإن أريد: مطلق الأموال الزكوية.. اقتضى عدم الأخذ من المعلوفة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو بعيد، ولم أره في كلام الشافعي ولا أصحابه، واقتضى اطراد سائر أحكام الزكاة فيه، وفي كثير منها نظر وبُعْد.
5415 - قول "المنهاج" [ص 527]: (ولو وجب بنتا مخاض مع جبران.. لم يُضَعِّف الجبران في الأصح) فيه أمور:
أحدها: صورة ذلك: أن يكون واجبه بنتي لبون؛ لكون إبله ستة وثلاثين، فيفقدهما، فله النزول إلى بنتي مخاض مع دفع الجبران، والصعود إلى حقتين مع أخذه، فظهر أنه لم يجب بنتا مخاض عيناً.
ثانيها: قد يفهم من قوله: (لم يضعف الجبران) وكذا قول "الحاوي" [ص 618]: (لا الجبران) أنه يؤخذ مع بنتي مخاض جبران واحد، وهو شاتان أو عشرون درهماً، وليس كذلك، والمراد: أن يؤخذ جبرانان بلا تضعيف، فيؤخذ مع كل رأس شاتان أو عشرون درهماً، فكان ينبغي أن يقول: (مع جبرانين.. لم يضعَّفا) وقد وقع في "الروضة " وأصلها هنا تخليط لا يفهم معه المراد؛ سببه سقوط شيء من المسودة 2.
ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص على ذلك في "الأم" 3، وبتقدير عدم الاطلاع عليه.. فيعبر بالصحيح؛ لأن مقابله ضعيف جداً، قال في "الوسيط": إنه غلط 4.
رابعها: مقتضى كلامه: أن الخيرة في ذلك للمالك كما في الزكاة، لكن نص الشافعي هنا على أن الخيرة للإمام 5، فقد يكون موافقاً لذلك القول، وقد يفرق باتهام الكافر، فلم يفوض الأمر إلى خيرته.
5416 - قول "المنهاج" [ص 527]: (ولو كان بعض نصاب.. لم يجب قسطه في الأظهر) يفهم تخصيصهما بما نقص عن نصاب، وليس كذلك، بل يجريان في الأوقاص التي بين النصب أيضاً، ومحله: فيما إذا لم يخالط غيره، فإن خلط عشرين شاة بعشرين لآخر.. أخذ منه شاة؛ لأن الخلطة تقتضي على كل واحد نصف شاة، فضعفنا ذلك، وكان ينبغي التعبير بالمشهور؛ لأن مقابله ضعيف جداً.
فصل [جملة من أحكام عقد الذمة]
5417 - قول "المنهاج" [ص 527]: (يلزمنا الكف عنهم، وضمان ما نتلفه عليهم نفساً ومالاً) يرجع ذكر النفس والمال إلى الكف والضمان، لكن الكف لا يختص بالمال، فنكف عن خمرهم وخنازير أيضاً إذا لم يظهروها؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 619]: (ويأمن نفساً ومالاً وزوجة وطفلاً وخمراً).
5418 - قول "التنبيه" [ص 239]: (وعلى الإمام حفظ من كان منهم في دار الإسلام) كذا لو انفردوا ببلد بجوارنا في الأصح؛ ولهذا أطلق "الحاوي" قوله [ص 620]: (وندفع عنه الكافر إن لم نشترط عدمه) و"المنهاج" [ص 527]: (ودفع أهل الحرب عنهم، وقيل: إن انفردوا ببلد.. لم يلزمنا الدفع) وهذا الوجه مقيد بأمور:
أحدها: إن انفردوا ببلد في جوار دار الإسلام؛ فإن كانوا في وسط دار الحرب.. لم يجب الذب عنهم قطعاً.
الثاني: أن يجري العقد مطلقاً، فإن جرى بشرط أن يذب عنهم أهل الحرب.. وجب الوفاء بالملتزم، وفيه احتمال للإمام 1.
الثالث: ألاَّ يمر أهل الحرب بشيء من دار الإسلام، ومحل إطلاق "الحاوي": أنه إذا شرط عدم الدفع عنهم.. لم يجب ما إذا انفردوا عن المسلمين وعن أهل الحرب ببلد ولم يكن ممر من يقصدهم من أهل الحرب على المسلمين، فإن لم ينفردوا ببلد، أو انفردوا وكان ممر أهل الحرب القاصدين لهم على المسلمين.. لم يصح الشرط ولا العقد، وهو مفهوم من قوله في الجهاد: (وإن دخلتْ ولو خراب دار الإسلام.. فُرض على كل قوي) 2 لأن أهل الذمة إذا كانوا في بلاد الإسلام، أو في موضع يمر أهل الحرب على دار الإسلام.. فلا بد وأن يدخل من يقصدهم دار الإسلام.
5419 - قول "المنهاج" [ص 528]: (ونمنعهم إحداث كنيسة في بلد أحدثناه) فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: ما كان للتعبد، فإن كان لنزول المارة.. فقال الماوردي: يجوز إن كانت لعموم الناس، فإن قصروها على أهل دينهم.. ففيه وجهان 3.
ثانيهما: قالوا مع منع الإحداث: لا ينقض ما يوجد فيها الآن من ذلك إذا لم يعرف إحداثه؛
لاحتمال أنه كان في قرية أو برية فاتصلت بالعمارة.
5420 - قوله: (وما فتح عنوة.. لا يحدثونها فيه، ولا يُقرُّون على كنيسة فيه في الأصح) 1 سبقه إلى تصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي، وقطع به جمع من المراوزة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولكنه مخالف لنص "الأم" و"المختصر" فإنه قال بعد ذكر الكنيسة: (إنما يصالحهم على ذلك في بلادهم التي وجدوا فيها، ففتحوها عنوة أو صلحاً) 2، قال: وممن صحيح جواز التقرير على الكنيسة القائمة في صورة الفتح عنوة الماوردي 3، وقال الروياني في "الكافي": وإن فتحها المسلمون عنوة.. يجوز للإمام إقرار الكفار فيها باستطابة أنفس الغانمين، وإقرارهم على مالهم من البيع والكنائس من غير أن يحدثوا غيرها كما فعل عمر رضي الله عنه في أرض العراق، وغلط من قال بخلافه.
5421 - قول "الحاوي" [ص 620]: (وتُبقَّى في بلدنا إن شُرط) المراد ببلدنا هنا: ما فتح صلحاً على أن يكون للمسلمين وهم يسكنونه بخراج، وأجحف في الاختصار في تعبيره عن ذلك، وأوضحه "المنهاج" بقوله [ص 528]: (أو صلحاً بشرط الأرض لنا وبشرط إسكانهم وإبقاء الكنائس.. جاز) ومفهومهما: أنهم لو صولحوا على إحداث الكنائس في البلد المذكور.. لم يجز، وبه صرح الماوردي 4، لكن في "أصل الروضة" عن الروياني وغيره جوازه 5.
5422 - قول "المنهاج" [ص 528]: (أو لهم.. قُرَّرَتْ، ولهم الإحداث في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" 6.
5423 - قول "الحاوي" [ص 620]: (ويرمُّ ويعيد) أي: حيث جوز الإبقاء، وإنما ذكر هو جواز الإبقاء حيث فتح؛ ليكون لهم أو لنا وهم يسكنونه، ولم يتعرض لتقريرها في بلد الإسلام، فلا يفهم منه جواز الرم والإعادة مطلقاً.
5424 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ولا يمنعون من إعادة ما استهدم منها، وقيل: يمنعون) ظاهره مواففة ما حكاه شيخنا عن النص والماوردي والروياني من جواز تقريرها فيما فتح عنوة 7؛ لأن إعادة ما استهدم فرع جواز التقرير، وقد يقال: إنما كلامه فيما فتح صلحاً، وقال السبكي في
تصنيف له سماه "كشف الدسائس": الصواب: أن الضمير في كلامه يعم المسألتين؛ أي: مسألة ما إذا تهدم بعض كنيسته.. هل يمنع من ترميمها؟ وما إذا انهدمت كنيسة.. هل يمنع من إعادتها؟ قال في "التوشيح": وحاصل اختياره في مصنفاته في هدم الكنائس أنه لا يجوز التمكين من الترميم رأساً، وقال في قول الرافعي: لا منع من إعادتها إذا استرمت 1: أن الشيخ أبا حامد قد حكى الخلاف في ذلك، وليس مجزوماً به، بل مختلف فيه، والحق المنع، وقال في تعبير الرافعي وغيره بالجواز: أن فيه تسمحاً، والمراد: عدم المنع؛ فإن الجواز حكم شرعي، ولم يرد الشرع بإباحة بقاء الكنائس، وادعى أن الأمة مجمعة على أنا لا نأذن في ذلك، قال: وفرق بين الإذن وعدم الاعتراض، وقال في قول "المنهاج" [ص 528]: (ولهم الإحداث في الأصح) أن فيه أيضاً تجوزاً، ومراده: عدم المنع، قال: وعبارة "المحرر" سالمة من ذلك 2 ومن تمام تحقيقاته: أنه ادعى أن من جوز الترميم والإعادة بما تهدم نفسه لا بآلات جديدة، قال: وذلك هو مدلول لفظ الإعادة والترميم، وطالب من يدعي خلاف ذلك بنقل عن واحد من علماء الشريعة، قال: وبالجملة: مشهور مذهبنا: التمكين، والحق عندي خلافه، قال في "التوشيح": ومن واضحات أدلته: قول عمر رضي الله عنه في شروطه: ولا يجدد ما خرب منها، قال: فهذا يقتضي عدم تجديد ما خرب من الكنائس، سواء أكان الذي خرب كنيسة بجملتها أم بعض كنيسة.
انتهى.
وقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": التحقيق في ذلك ما صححه الماوردي: أنه إن صارت دارسة.. فلا تعاد؛ لما فيه من معنى الإنشاء، وإن بقي منها جدران وآثار.. أعيدت 3.
5425 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ويمنعون أن يعلوا على المسلمين في البناء) المراد: جيرانهم المسلمون، لا كل مسلم؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 528]: (ويمنعون وجوباً - وقيل: ندباً - من رفع بناء على بناء جارٍ مسلمٍ) وكذا قيده "الحاوي" بالجار 4، والمنع لحق الدين، فلا يجوز برضا الجار.
5426 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ولا يمنعون من المساواة، وقيل: يمنعون) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 5، لكن حكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص "الأم" الاستحباب فقط، وعبارته: (وأحب أن يجعلوا بناءهم دون بناء المسلمين
بشيء) 1، قال شيخنا أيضاً: ومحل ما أطلقوه من منع الرفع والمساواة: فيما إذا كان بناء المسلم مما يعتاد للسكنى، فلو كان قصيراً لا يعتاد للسكنى؛ لأنه لم يتم بناؤه، أو لأنه هدمه، أو انهدم إلى أن صار كذلك.. لم يمنع الذمي من بناء جداره على أقل ما يعتاد السكنى؛ لئلا يتعطل عليه حق السكنى الذي عطله المسلم باختياره، أو تعطل عليه لإعساره، ثم إن بناه المسلم دونه مما لا يعتاد للسكنى.. لم يكلفه النقض عن أقل المعتاد؛ فإما أن يرفع بناءه أو يترك بناء الذمي بحاله.
5427 - قول "المنهاج" عطفاً على ما عبر فيه بالأصح [ص 528]: (وأنهم لو كانوا بمحلة منفصلة.. لم يُمنعوا) عبر عنه في "الروضة" بالصحيح 2.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو مخالف لظاهر النص في "الأم" و"المختصر" حيث قال: (ولا يحدثون بناء يطيلون به بناء المسلمين) 3 ولم يفرق بين المتصل والمنفصل، ثم قال في "الأم": (وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين.. لم يمنعهم إحداث كنيسة ولا رفع بناء) 4، قال شيخنا: يدل على منعهم من الرفع في دار الإسلام ولو كانوا منفردين بمحلة أو قرية، وهذا هو المعتمد في الفتوى.
قلت: إذا كان المراد: الرفع على بناء الجار.. فكيف يتصور ذلك في القرية المنفردة ولا جيران فيها؟ ! بل كيف يتصور في المحلة المنفصلة ولو كانت في البلد؟ ! لأن لفظ الانفصال يدل على أنه لا ملاصق لهم من شيء من الجوانب، وقد قال في "أصل الروضة": كطرف من البلد منقطع عن العمارة.
انتهى 5.
فإن لاصقت دور البلد من أحد جوانبها.. اعتبرنا في ذلك الجانب ألاَّ يرتفع فيه بناء أهل الذمة على بناء من يجاورهم من المسلمين دون بقية الجوانب؛ إذ لا جار لهم فيها، والله أعلم، وأفتيت بمنع بروز الذمي في البحر والخلجان ونحوهما على جار له مسلم؛ لما فيه من الاطلاع على عورة المسلم، والتعظيم عليه، وهو المعنى المعتبر في منع الإعلاء، بل قياس منع المساواة في البناء: منع المساواة في البروز، وفيه بعد، والله أعلم.
5428 - قول "التنبيه" [ص 238]: (وإن ملكوا داراً عالية.. أقروا عليها) قد يفهم أنه لو انهدمت.. كان له إعادتها كما كانت، وليس كذلك، بل يمنع من الرفع ومن المساواة في الأصح، وحيث يقرون عليها يمنعون من طلوع سطوحها إلا بعد تحجيره، وإن لم يؤمر المسلمون بتحجير
أسطحتهم، ويمنع صبيانهم من الإشراف وإن لم يمنع صبيان المسلمين من ذلك، حكاه في "الكفاية" عن الماوردي 1.
5429 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ويركبون البغال) و"الحاوي" [ص 620]: (ويركب لا الخيل) يفهم جواز ركوب النفيس من البغال، وبه صرح "المنهاج" 2، وقال في "أصل الروضة": قطع به كثيرون، وحكى المنع منها عن الفوراني والإمام والغزالي 3.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": البغال في هذا الزمان لا يركبها في الغالب إلا أعيان المسلمين أو من يتشبه بهم؛ فيمنع أهل الذمة من ذلك، لا توقف عندنا في الفتوى بذلك، ولم يتعرض الشافعي رضي الله عنه للتصريح بذلك، وإنما قال في "الأم" و"المختصر": (وأن يفرقوا بين هيئاتهم في اللباس والمركب وبين هيئات المسلمين) 4 وكلام الشافعي هذا شاهد لنا بالمنع من ركوب البغال النفيسة.
5430 - قول "المنهاج" [ص 528] و"الحاوي" [ص 620]: (ويركب بركاب خشب) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هو في ركاب خسيس، فأما الركاب من الخشب النفيس الذي جرت عادة أعيان المسلمين بالركوب.. فيمنعون منه.
5431 - قول "التنبيه" [ص 238]: (عَرْضاً) أي: يجعل رجليه من جانب، قال في "أصل الروضة": وعن الشيخ أبي حامد: أن لهم الركوب على الاستواء، ويحسن أن يتوسط بين أن يركب إلى مسافة قريبة من البلد أو إلى مسافة بعيدة 5.
قال في "التوشيح": وينبغي ألاَّ يسامح إلا إذا بعد، وليس كالمسافر سفراً طويلاً؛ حيث يقصر من حين مفارقة البنيان، انتهى.
وفي "أصل الروضة": عن ابن كج: أن هذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصغار.. فلا يلزمون الصَّغار كما لا جزية عليهم 6، لكن ذكر في تمييز اللباس: أن النساء يؤخذن بالغيار وشد الزنار 7 والتمييز في الحمام 8، فعلى هذا: الإلزام بهذا الصغار مطلق بلا استثتاء.
5432 - قولهما: (ويُلجؤون إلى أضيق الطرق) 1 عبر عنه "الحاوي" بقوله [ص 620]: (وترك صدر الطريق) أي: بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار، ثم محل ذلك مع الزحمة، وإلا.. فلا حرج، وظاهر قول "الحاوي" [ص 620]: (وترك صدر الطريق) يخالفه.
5433 - قولهما: (ولا يصدر في مجلس) 2 محله: ما إذا كان فيه مسلم.
5434 - قول "المنهاج" [ص 528] و"الحاوي" [ص 620]: (ويؤمر بالغيار) قد يفهم أن لبسه كله غيار، وليس كذلك؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 238]: (ويلزمهم أن يتميزوا عن المسلمين في اللباس، فإن لبسوا قلانس.. ميزوها عن قلانس المسلمين بالخرق) وعبارة "أصل الروضة": وهو أي: الغيار أن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكون الخياطة على الكتف دون الذيل، هكذا أطلق، ويشبه أن يقال: لا يختص بالكتف، والشرط الخياطة في موضع لا يعتاد، وإلقاء منديل ونحوه كالخياطة، ثم الأولى باليهود: العسلي وهو الأصفر، وبالنصارى: الأزرق أو الأكْهَبْ، ويقال له: الرمادي، وبالمجوس: الأسود والأحمر.
انتهى 3.
قال شيخنا: وما ذكره من إلقاء منديل ونحوه ممنوع؛ لعدم استقراره، وما ذكره من الأولى لا دليل عليه.
5435 - قول "المنهاج" [ص 528]: (والزنار فوق الثياب) محله: في الرجل، أما المرأة.. فتشده تحت الإزار كما صرح به "التنبيه" 4، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" وغيره، وحكى عن الشيخ أبي حامد أنها تجعله فوق الإزار، قال: على الأول، وأشار بعضهم إلى اشتراط ظهور شيء منه 5، وقال النووي: هذا لا بد منه، وإلا.. فلا يحصل كثير فائدة 6.
قلت: وهو لا ينافي قول من قال: تشده تحته، فيصدق مع ظهور بعضه أنه مشدود تحت الإزار، والجمع بين الزنار والغيار تأكيد؛ فللإمام الاقتصار على شرط أحدهما.
5436 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ويكون في رقابهم خاتم من رصاص أو نحاس أو جرس يدخل معهم الحمام) قد يفهم أنه يكون في رقابهم دائمًا حتى في الحمام، والذي في "الحاوي" [ص 620]: (وفي الحمام جُلجلاً أو خاتم حديد في عنقه)، وعبارة "المنهاج" [ص 528]: (وإذا دخل حماماً فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه.. جُعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه).
وقوله: (ونحوه) منصوب عطفاً على قوله: (خاتم)، وقول "التنبيه": (أو جرس) هو بالرفع عطفاً على خاتم، وقد أفصح عن ذلك قول "الحاوي" [ص 620]: (جلجلاً أو خاتم حديد) ومراد "المنهاج": إذا تجرد بحضور المسلمين.
5437 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ويكون في عنقها خاتم يدخل معها الحمام) مبني على جواز دخولها الحمام مع المسلمات، والأصح: المنع منه.
5438 - قولهم: (ويمنعون من إظهار خمر وخنزير وناقوس) 1 لا يخفى أن محله ما إذا كانوا في أمصار المسلمين، فإن كانوا في قرية يملكونها منفردة.. لم يمنعوا من ذلك كما نص عليه في "الأم" 2، وصرح به "التنبيه" بعد ذلك.
5439 - قول "المنهاج" [ص 528]: (ويُمنع من إسماع المسلمين شركاً وقولهم في عزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد، ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا.. لم ينتقض العهد) يحتمل أن يكون معناه: شُرط عليهم ألاَّ يفعلوها، وأن يكون معناه: شرط انتقاض العهد بها، ولا إشكال في الأولى، وبنى الإمام الثانية على التأقيت؛ إن صح.. صح وانتقض بها، وإلا.. فباطل من أصله 3.
قال الرافعي: والحكاية عن الأصحاب عدم الانتقاض وفساد الشرط ويتأبد العقد، ويحمل ذلك على التخويف 4.
ورد شيخنا في "تصحيح المنهاج" تخريج الإمام؛ لموافقته في زناه بمسلمة على جريان الخلاف، ومنه: أنه إن شرط الانتقاض.. انتقض، وإلا.. فلا، ولم يذكر فيه الإمام تخريجه على تأقيت عقد الذمة، وكيف يتخرج على التأقيت مع أن الشرط قد لا يوجد فيستمر عقد الذمة؟
قال شيخنا: وتبع الرافعي في الحكاية عن الأصحاب الإمام والغزالي، ومقتضى نص "الأم": أنه إذا شرط عليهم فيها الانتقاض.. عمل بمقتضى الشرط؛ فإنه قال في صورة كتاب جزية: (وعلى أن أحداً منكم إن ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله عز وجل أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به.. فقد برئت منه ذمة الله، ونقض ما أعطى عليه الأمان، وحل ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ودماؤهم، ثم قال: وعلى أن ليس لكم أن تظهروا في شيء من أمصار المسلمين الصليب، ولا تعلنوا بالشرك، ولا تبنوا كنيسة، ولا تضربوا بناقوس، ولا تظهروا قولكم بالشرك
في عيسى ابن مريم ولا غيره لأحد من المسلمين، ثم قال: فإن غيرتم أو بدلتم.. فذمة الله بريئة منكم) 1 قال شيخنا: وحكى الماوردي في ذلك قولين.
انتهى.
وقال شيخنا ابن النقيب: سيأتي أن في ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء طرقاً؛ فذكر الله أولى بذلك، وهذه الأمور تتضمن ذكره تقدس وتعالى بالسوء؛ فلا يتمشى ما ذكروه هنا من إلحاق ذلك بإظهار الخمر، إلا إذا قلنا بالطريقة الآتية، وهي: أن السوء الذي يتدينون به لا ينقض قطعاً 2.
5440 - قول "المنهاج" [ص 528] و"الحاوي" [ص 620]: (وينتقض بالقتال) أي: إن لم يكن لهم فيه شبهة كما تقدم ذكره في قتال البغاة.
5441 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن امتنعوا من أداء الجزية أو التزام أحكام الملة.. انتقض عهدهم) 3 كذا أطلقوه، وخصه الإمام في الامتناع من الجزية بالقادر، أما العاجز إذا استمهل.. فلا ينقض، قال: ولا يبعد أخذها من الموسر قهراً ولا ينتقض، ونخص قولهم بالمتغلب المقاتل، ورأى في الامتناع من الالتزام أنه إن امتنع منها هارباً.. فلا، أو راكناً إلى قوة وعدة.. دُعي إلى الانقياد، فإن قاتل.. انتقض بالقتال، وأسند ذلك لمن قدمه، فحكى عن القاضي حصْر النقض في القتال 4.
ونقل ابن كج قولين في منع إجراء الأحكام، وقد يفهم من تعبير "الحاوي" عن التزام أحكام الملة بالتمرد موافقة الإمام في عدم الانتقاض بالامتناع منها هارباً، وقد يفهم من تعبير "التنبيه" و"المنهاج" في الامتناع من الجزية بضمير الجمع، وفي الزنا بضمير الإفراد: أن الواحد لو امتنع من أدائها مع التزامها.. لا ينقض عهده، وهو ما عزاه الرافعي للماوردي 5.
وقال في "الكفاية": ذكره الإمام احتمالاً بعد نقله عن الأصحاب الانتقاض، وعبارة "الحاوي" [ص 620]: (وينتقض بالقتال، ومنع الجزية) ثم قال: (وبشرطه إن زنا بمسلمة) 6 فهي شاملة للقتال والمنع من الآحاد.
5442 - قول "التنبيه" [ص 239]: (وإن زنا أحد منهم بمسلمة، أو أصابها بنكاح، أو آوى عيناً للكفار، أو دل على عورة المسلمين، أو فتن مسلماً عن دينه، أو قتله، أو قطع عليه الطريق؛
نظر: فإن لم يكن شرط ذلك في عقد الذمة.. لم ينتقض العهد، وإن شرط عليهم.. فقد قيل: ينتقض عهدهم، وقيل: لا ينتقض عهدهم) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 1، والمراد: اشتراط انتقاض العهد بها كما أفصح به "المنهاج"، وهو معنى قول "الحاوي" [ص 620]: (وبشرطه) أي: بشرط الانتقاض، وفي "أصل الروضة": أصحهما: لا ينتقض، ثم قال: وهل المعتبر في الشرط الامتناع منه أم الانتقاض به؟ صرح الإمام والغزالي بالثاني، وكثيرون بالأول، ولا يبعد أن يتوسط فيقال: إن شرط الانتقاض.. فالأصح: الانتقاض، وإلا.. فالأصح: خلافه 2.
قال في "المهمات": وهذا الترجيح الأخير منافٍ لتصحيحه الانتقاض مع الشرط؛ ولهذا لم يذكر الرافعي ذلك التصحيح، بل حكى عن طائفة الانتقاض، وعن آخرين المنع، ثم ذكر هذا الترجيح، وهو توسط بينهما، فأخذ في كل حالة يقول طائفة 3، وهنا أمور:
أحدها: لا يخفى في الزنا إقامة الحد، فلو رجم لإحصانه وفرعنا على الانتقاض.. فهل يصير ماله فيئاً؟ وجهان، بَيَّضَ في "الروضة" لبيان أصحهما 4، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأصح، بل الصواب: أنه يصير فيئاً.
ثانيها: المراد: الزنا بمسلمة مع علمه بإسلامها حالة الزنا، والقياس: أن لواطه بغلام مسلم كذلك.
ثالثها: المراد: إصابة المسلمة بنكاح عقده عليها حال إسلامها حالة الإصابة، فلو عقد على كافرة ثم أسلمت بعد الدخول فأصابها في العدة.. لم ينقض عهده؛ فقد يسلم فيستمر نكاحه؛ فأمره أخف.
رابعها: زاد في "أصل الروضة" بعد قوله: (فتن مسلماً عن دينه): ودعاه إلى دينهم 5، وقال في "المهمات": صدره يقتضي أنه لا بد من انتقال المسلم عن الإسلام، وآخره يقتضي الاكتفاء بدعائه إليه، فهل المعتبر الأول أو الثاني؟
قلت: لا نسلم أن قوله: (فتن مسلماً عن دينه) يقتضي حصول الردة، وإنما المراد: دعاؤه إليه فبيّن بقوله: (ودعاه إلى دينهم) المراد بقوله: (فتن مسلماً) للاحتراز عما لو أراه نصرانية افتتن هو بها وارتد بسببها عن دينه، فلو قال: (فإن دعاه إلى دينهم).. لكان أولى، وقد عبر
"الحاوي" بقوله [ص 620]: (ودعا المسلم إلى دينه) وهي عبارة وافية بالمقصود مع اختصار؛ فهي أحسن من تعبير "التنبيه" و"المنهاج" بـ (فتن المسلم عن دينه) 1.
خامسها: مقتضى تقييد "التنبيه": أنه لو قتل ذمياً أو قطع عليه الطريق.. لم يكن كذلك، وأقره عليه النووي في "تصحيحه" 2، لكن عبر "الحاوي" بقوله [ص 620]: (وقطع الطريق، وقتل موجب القصاص) وكذا عبارة "الروضة" وأصلها 3، وهو متناول لفعل ذلك مع الذمي، وقيد في "الأم" و"المختصر" قطع الطريق بكونه على مسلم 4، وفي معناه: القتل أيضاً.
5443 - قول "التنبيه" [ص 239]: (وإن ذكر الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو دينه بما لا يجوز.. فقد قيل: ينتقض عهده، وقيل: إن لم يشرط.. لم ينتقض، وإن شُرط.. فعلى الوجهين) الأصح: الطريقة الثانية، والأصح في الشرط: الانتقاض، وجمع "المنهاج" بين هذه المسألة والتي قبلها، وقال فيهما: (الأصح: أنه إن اشترط انتقاض العهد بها.. انتقض، وإلا.. فلا) 5 وأطلق محل الخلاف، وكذا في "الأم" و"المختصر" 6، وصحح في "أصل الروضة" أن محله: فيما إذا ذكره بما لا يتدين به، فأما ما يتدين به.. فلا ينتقض به.
ظهاره قطعاً 7، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 620، 621]: (وسب الرسول عليه السلام وذكر مخالف دينهم).
وقال في "التوشيح": لا ينبغي أن يفهم من عدم الانتقاض أنه لا يقتل؛ فإن ذلك لا يلزم، وقد حقق ذلك الوالد رحمه الله في كتاب "السيف المسلول على من سب الرسول صلى الله عليه وسلم"، وصحح: أنه يقتل وإن قلنا بعدم انتقاض العهد.
انتهى 8.
5444 - قول "التنبيه" [ص 239]: (ومن فعل ما يوجب نقض العهد.. رد إلى مأمنه في أحد القولين، وقُتل في الحال في القول الآخر) فيه أمور:
أحدها: أن محل الخلاف: فيمن انتقض عهده بغير قتال، وقد ذكر ذلك "المنهاج" فقال [ص 528]: (ومن انتقض عهده بقتال.. جاز دفعه وقتاله) وعبارة "أصل الروضة": فلا بد من دفعهم والسعي في استئصالهم 9، وهي أحسن؛ فإنه لا يُقتصر بدفعهم وقتالهم على الجواز، بل هو
واجب، وقد تقدم أن الجهاد عند دخول طائفة من أهل الحرب دار الإسلام فرض عين، ولا فرق بينها وبين التي كانت لها ذمة ثم انتقضت.
ثانيها: لو كان ذلك ينبذ العهد.. فالأصح: القطع بالرد إلى مأمنه، وقد ذكره "المنهاج" 1.
ثالثها: الأظهر: القول الثاني، ولا يتعين القتل، بل يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، لكن لو أسلم قبل الاختيار.. امتنع الرق، وقد ذكر ذلك "المنهاج" و"الحاوي" 2، وحمله 3 شيخنا في "تصحيح المنهاج" على غير صورة القتال، فإن قاتلونا.. جرى عليهم حكم غيرهم من الأسراء في أنه لا يمتنع إرقاق من أسلم منهم قبل اختيار الإمام فيه، ويشكل على عدم تبليغه المأمن أن الذي حكاه الرافعي عن ابن كج والروياني وغيرهما تبليغ المهادن والداخل بأمان المأمن إذا انتقض عهده مع أن حق الذمي آكد منه 4، والفرق مشكل.
رابعها: يستثنى من تخيير الإمام فيه: ما إذا طلب تجديد العهد.. فيجب إجابته إلى عقد الذمة، ولا يجوز قتله، ذكره الرافعي في (حد السرقة) 5.
5445 - قول "التنبيه" [ص 239]: (ويجعل الإمام على كل طائفة منهم رجلاً يكتب أسمائهم) يشترط كونه مسلماً.