تحرير الفتاوىصفحات 203-242

كتابُ الصَّلاة

صفحات 203-242

367 - كان ينبغي لـ" المنهاج " أن يقول عقبه

###: (باب مواقيت الصلاة) كما فعل " التنبيه ". 368 - قول " التنبيه " في وقت الظهر [ص 24]: (وآخره: إذا صار ظل كل شيء مثله) أي: سوى ظل استواء الشمس، كما صرح به " المنهاج " 1، وهو مفهوم من قول " الحاوي " [ص 149]: (وقت الظهر: بين الزوال وزيادة الظل مثله) فإنه يدل على أن المعتبر: الظل الزائد على ظل الاستواء، فلا عبرة بظل الاستواء، ولم يذكروا للظهر وقت اختيار، وهو: ما بعد الفضيلة إلى آخر الوقت.
وقال القاضي: وقته: إذا صار الظل مثل نصفه.
369 - قول " التنبيه " [ص 24]: (والعصر، وأول وقته: إذا صار ظل كل شيء مثله وزاد عليه أدنى زيادة) قال في " الكفاية ": (ظاهره مع ما تقدم: أن هذه الزيادة فاصلة بين الوقتين، وهو وجه) انتهى.
وهذا الوجه يرد على قول " الروضة ": (وأما العصر: فيدخل وقتها بخروج وقت الظهر بلا خلاف) انتهى 2. وعبارة الشافعي -رضي الله عنه- كعبارة الشيخ 3، فقيل: هذه الزيادة فاصلة بين الوقتين، وقيل: هي من وقت الظهر.
وحمل النص على أن وقتها لا يكاد يعرف انقضاؤه إلا بها، وقيل: إنها من وقت العصر، وهو الأصح؛ ولذلك لم يذكر هذه الزيادة " المنهاج " و" الحاوي ". 370 - قول " التنبيه " [ص 24]: (وآخره: إذا صار ظل كل شئ مثليه، ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز إلى الغروب) يوهم السامع أولاً أنه لا يمتد إلى الغروب، وكذا كلامه في وقت العشاء والصبح، فلو ذكر وقت الجواز أولاً ثم الوقت المختار.. لزال هذا التوهم؛ كما قال " المنهاج " [ص 90]: (ويبقى حتى تغرب، والاختيار: ألا تؤخر عن مصير الظل مثلين)، وبنحوه عبر " الحاوي " 4، وقد أطلقوا أن من مصير الظل مثليه إلى الغروب وقت جواز، وهو قسمان: جواز بلا كراهة إلى الاصفرار، وبكراهة إلى الغروب.

371 - قول " التنبيه " في المغرب [ص 24، 26]: (ولا وقت لها إلا وقت واحد في أظهر القولين، وهو بمقدار ما يتوضأ ويستر العورة ويؤذن ويقيم) فيه أمور: أحدها: ما صححه من تضييق وقت المغرب مشى عليه " الحاوي " 1، وحكاه النووي في " شرح المهذب " عن الجمهور، لكنه رجح مقابله، وهو: امتداده إلى مغيب الشفق الأحمر، فقال فيه: إنه الصحيح 2، وفي " الروضة ": إنه الصواب 3، وفي " التحقيق " و" التصحيح ": إنه المختار 4، وفي " المنهاج " [ص 90]: (إنه أظهر)، لكنه جعله قديماً مع أنه ليس قديماً محضاً؛ لأن الشافعي في " الإملاء " -وهو من الجديد- علق القول به على ثبوت الحديث، وقد ثبتت فيه أحاديث عديدة 5. ثانيها: التعبير بالوضوء عبر به " المنهاج " و" الحاوي " أيضاً 6، وفي " النهاية " و" شرح المهذب " التعبير بالطهارة 7، وهو شامل للغسل والتيمم وإزالة النجاسة.
ثالثها: التعبير بستر العورة عبر به " المنهاج " أيضاً 8، وفي " الحاوي " [ص 149]: (وستر) ولم يقيد ذلك بالعورة، فالظاهر: أنه محمول على عبارتهما، وقد يقال: أراد: ستر البدن مطلقاً؛ فإنه مطلوب في الصلاة، وقد عبر الماوردي في " الإقناع " وسليم في " المجرد " والشيخ نصر في " المقصود " بلبس الثياب 9، واستحسنه شيخنا في " المهمات " لتناوله التعمم والتقمص والارتداء ونحوها؛ فإنه مستحب للصلاة.
رابعها: اعتبر "المنهاج " و" الحاوي " مع ذلك قدر خمس ركعات 10؛ أي: الفرض وركعتان بعده، وقد صحح النووي: استحباب ركعتين قبل المغرب 11، فينبغي اعتبار سبع لا خمس.
خامسها: يعتبر مع ما ذكروه: أكل لقم يكسر بها حدة الجوع، قاله الرافعي 12، وقال النووي

في " شرح المهذب ": (الصواب: أنه لا ينحصر الجواز في أكل لقم؛ ففي " الصحيحين ": " إذا قدم العشاء.. فابدأوا به قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم ") 1. وقال شيخنا في " المهمات ": (المتجه: اعتبار الاجتهاد في القبلة، لكونه شرطاً، قال: وفي اعتبار مدة المضي للجماعة نظر).
سادسها: المعتبر في الركعات: الوسط المعتدل، قاله الرافعي 2، وقال القفال: يعتبر في حق كل إنسان الوسط من فعل نفسه، واستحسنه في " المهمات "، وقال: إنه يصلح أن يكون شرحاً لكلام الرافعي، فليحمل عليه.
سابعها: قوى في " شرح المهذب ": الأخذ بالعرف في خروج وقت المغرب 3. 372 - قولهما: (وله أن يستديمها إلى أن يغيب الشفق) 4 هذا شيء اختصت به المغرب، فلها وقت ابتداء ووقت استدامة، فله المد ولو حكمنا بخروج الوقت، ولا يتخرج على الخلاف في الإتيان ببعض الصلاة في الوقت وبعضها خارجه، ولو مد إلى ما بعد مغيب الشفق.. خرج على الخلاف فيما لو مد غيرها حتى خرج الوقت، فيجوز على الأصح بلا كراهة.
372 - قولهم: (إن وقت العشاء: بمغيب الشفق) 5 يستثنى: بلاد لا يغيب فيها الشفق؛ لقصر الليل فيها، فوقت عشائهم: أن يمضي بعد الغروب زمن يغيب فيه شفق أقرب البلاد إليهم.
373 - قول " التنبيه " [ص 26]: (وآخره: إذا ذهب ثلث الليل في أحد القولين، ونصفه في الآخر) الأول هو الأصح في " المنهاج " وسائر كتب الرافعي والنووي 6، إلا في " شرح مسلم " فإنه صحح: امتداده إلى النصف 7. 374 - قولهم: (إن وقت الجواز إلى الفجر) 8 أي: مع كراهة، كما صرح به الروياني في "البحر" 9. 375 - قول " المنهاج " [ص 90]: (والصبح: بالفجر الصادق) تقييده هنا بالصادق وإهماله في

خروج وقت العشاء قد يفهم أنه لا يعتبر هذا الوصف هناك، وليس كذلك، بل وقت العشاء إنما يخرج بالصادق الذي يدخل به وقت الصبح، فلو عكس فوصفه به أولاً وأطلقه ثانياً بلام العهد ليعود إليه.. لكان أولى، وقد وصفه به " الحاوي " أولاً 1، وقال " التنبيه " في الموضعين [ص 26]: (الفجر الثاني).
376 - قولهم: (إن وقت الجواز إلى طلوع الشمس) 2 أي: بلا كراهة إلى الحمرة، وبكراهة إلى الطلوع.
377 - قولهما: (يكره أن يقال للعشاء: عتمة) 3 كذا جزم بكراهته أيضاً في زيادة " الروضة " و" التحقيق " 4، وحكى في " شرح المهذب " عن المحققين: أنه خلاف المستحب 5. 378 - قول " المنهاج " [ص 91]: (يكره الحديث بعدها) أي: بعد فعلها، وذلك يشمل: ما إذا جمعها تقديمًا مع المغرب.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (ولم أره مصرحاً به نقلاً، قال: ومفهومه: أنه لا يكره قبل فعلها وإن كثر، وفيه نظر، ولو قيل: إنه بالكراهة أولى؛ لزيادة المحذور بتأخير العشاء على القول بأفضلية التقديم.. لكان له وجه ظاهر) انتهى.
379 - قوله: (إلا في خير) 6 ويستثنى أيضاً: الحاجة، ذكره في " الروضة " 7. 380 - قولهم: (إن الأفضل: تقديم الصلاة في أول الوقت، إلا في الإبراد بالظهر بشروطه) 8 يستثنى مع ذلك مسائل أخر: الأولى: المقيم بمنى يندب له تأخير الظهر وتقديم الرمي عليه، حكاه في " شرح المهذب " في بابه عن نص الشافعي واتفاق الأصحاب 9. الثانية: المسافر إذا كان سائراً وقت الأولى، فإن تأخيرها إلى الثانية أفضل، وقد ذكرها " التنبيه " و" المنهاج " في بابها 10.

الثالثة: من يدافعه الحدث، أو حضره طعام يتوق إليه، وغير ذلك من الأعذار المذكورة في الجماعة.. فالأفضل: التأخير؛ ليزول العذر.
الرابعة: إذا تيقن الماء آخر الوقت.
الخامسة: إذا تيقن السترة آخره، وقد ذكرهما " الحاوي " في التيمم 1، وذكر " التنبيه " و" المنهاج " مسألة الماء فقط 2. السادسة: المريض الذي لا يقدر على القيام أول الوقت ويعلم قدرته عليه آخره.
السابعة: المستحاضة ذات التقطع ترجو انقطاعه آخر الوقت.
الثامنة: المنفرد الذي يعلم حضور الجماعة آخر الوقت إذا قلنا باستحباب التأخير له.
التاسعة: إذا كان يوم غيم.. فيستحب له أن يؤخر الصلاة حتى يتيقن الوقت، أو لا يبقى إلا وقت لو أخر عنه أمكن خروج الوقت، كما حكاه النووي في " شرح المهذب " عن الأصحاب 3. العاشرة: الواقف بعرفة يستحب له تأخير المغرب؛ ليجمعها مع العشاء وإن كان وقت الأولى نازلاً.
الحادية عشر: المعذور في ترك الجمعة يستحب له تأخير الظهر إلى اليأس من الجمعة إذا أمكن زوال عذره، وقد ذكرها الثلاثة في بابها 4، وأورد في " الكفاية " على " التنبيه ": أن ظاهره: أنه لو شرع فيها أوله واستدام حتى سلم في آخره.. لم يكن مستحباً، قال القاضي: ولا خلاف أنه مستحب، ومثله: قول " المنهاج " [ص 91]: (ويسن تعجيل الصلاة لأول الوقت) وكلامهما محمول على أن المراد: تقديم ابتدائها والتعجيل به، لا جميعها، ولا يرد ذلك على " الحاوي " لأنه بين أن التعجيل الذي استحبه هو: أن يشتغل بأسباب الصلاة كما دخل الوقت 5. 381 - قول " الحاوي " [ص 149]: (بأن يشتغل بأسباب الصلاة كما دخل الوقت)، قال صاحب " الذخائر ": وكذا لو اشتغل بالأسباب قبل الوقت وأخر الصلاة بعده بقدر الأسباب.. فإنه ينال الفضيلة أيضاً.
382 - قول " التنبيه " [ص 26]: (إلا الظهر في الحر لمن يمضي إلى جماعة) المعتبر: شدة الحر، كما عبر به " المنهاج " و" الحاوي " 6، وقد عبر به في " المهذب " 7، وعبر عنه شيخنا

الإسنوي في " تصحيحه ": بالصواب 1، فاقتضى أنه لا خلاف فيه، قال في " المنهاج " [ص 91]: (والأصح: اختصاصه ببلد حار، وجماعة مسجد يقصدونه من بُعْدٍ) وكذا قال " الحاوي " [ص 150]: (بقطر حار لطالب الجماعة في المسجد يأتي الناس من بُعْدٍ) فزاد: اشتراط بلد حار، والقصد من بُعْدٍ.
ولفظ المسجد في كلامهما خرج مخرج الغالب، والمراد: موضع الاجتماع للصلاة، فتعبير " التنبيه " بالمضي إلى جماعة أحسن؛ لعمومه.
وأفهم بقوله: (يمضي) نفي استحبابه لمن يصلي في بيته ولو في جماعة، وكذا أفهمه قول " المنهاج ": (وجماعة مسجد)، وقول " الحاوي ": الطالب الجماعة في مسجد).
ويشترط أيضاً: ألا يكون له كنّ يمشي فيه، وقد أهمله " المنهاج " و" الحاوي " أيضاً.
وأجيب: بأنه يفهم من اعتبار شدة الحر، ورجح السبكي: عدم اختصاصه بالبلد الحار، وقال: شدة الحر كافية، وعبارة " الروضة ": (ولو قربت منازلهم من المسجد أو حضر جماعة في موضع لا يأتيهم غيرهم.. لا يبردون على الأظهر) 2 فجعل الخلاف في هذه قولين.
383 - قول " المنهاج " [ص 91]: (ومن جهل الوقت.. اجتهد بِوِرْدٍ ونحوه)، وقول " الحاوي " [ص 150]: (وتحرى الوقت) محل الاجتهاد: ما إذا لم يخبره ثقة عن علم، فإن أخبره عن علم بمشاهدة؛ كقوله: رأيت الفجر طالعاً أو الشمس غاربة.. لزمه قبوله ولا يجتهد، وقد صرح به " التنبيه "، فقال [ص 26]: (ومن شك في دخول الوقت فأخبره ثقة عن علم.. عمل بقوله ولم يجتهد) وقد يقال: لا يرد ذلك على " المنهاج " لأنه متى أخبره ثقة عن علم.. فهو غير جاهل بالوقت، ومقتضى كلام " التنبيه " العمل بقول المخبر عن علم ولو أمكنه هو العلم، وهذا مقتضى كلام " شرح المهذب " فإن فيه: أنه لو كان في ظلمة وأمكنه الخروج ورؤية الشمس.. فالصحيح: جواز الاجتهاد 3، لكن صرحوا في القبلة بأنه لا يعتمد الخبر عن علم إلا إذا تعذر علمه 4، فيحتاج إلى الفرق بينهما، وقد يفرق بتكرر الأوقات فيعسر العلم كل وقت، بخلاف القبلة؛ فإنه إذا علم عينها مرة واحدة.. اكتفى به بقية عمره ما دام مقيماً بمكة، فلا عسر.
وفي " الكفاية " عن الماوردي: أنه متى أمكنه العلم.. لا يعمل بقول المخبر عن علم 5. ومقتضى كلام " المنهاج ": تحتم الاجتهاد ومنع التقليد.

وصرح به " التنبيه " بقوله [ص 26]: (وإن أخبره عن اجتهاد.. لم يقلده) ويستثنى من ذلك: الأعمى، والبصير العاجز عن الاجتهاد، فلهما تقليد من أخبرهما عن اجتهاد، وقد استدركه في " التصحيح "، فقال: (والأصح: أن للأعمى والبصير العاجز عن الاجتهاد في الوقت تقليد من أخبر عنه باجتهاد) 1 أي: للأعمى وإن أمكنه الاجتهاد، والبصير بشرط العجز.
وقد صرح " الحاوي " بمسألة الأعمى، فقال [ص 150]: (والأعمى تحرى أو قلد) وترد عليه مسألة البصير العاجز كما ترد على " التنبيه " و" المنهاج ". وأجيب عنهم: بأنها مفهومة من قولهم: (يجتهد) 2 فإنه لا يجتهد إلا القادر، وإذا لم يجتهد.. لم يبقى إلا التقليد، ويرد عليهم جميعاً: ما صححه النووي: من أن للبصير تقليد المؤذن الثقة البصير العارف بالوقت صحواً وغيماً 3، وصحح الرافعي: أنه يقلده في الصحو دون الغيم 4، ولا شك أنه يوم الصحو مشاهد، فهو مخبر عن علم، والأخذ بقوله ليس تقليداً، فلا إيراد عليهم على تصحيح الرافعي، وذكر القاضي حسين والمتولي: أنه يجوز أن يعتمد على صياح الديك المجرب إصابته.
384 - قول " المنهاج " [ص 91]: (فإن تيقن صلاته قبل الوقت.. قضى في الأظهر) محلهما: إذا لم يعلم إلا بعد خروج الوقت، أما إذا أدرك الوقت.. صلاها فيه أداء جزماً، وقوله: (في الأظهر) كذا في " التحقيق " 5، وعبر في " الروضة " بالمشهور 6. 385 - قول " المنهاج " [ص 91]: (ويبادر بالفائت) أي: ندباً على الصحيح إن فاتت بعذر، وحتماً على الأصح إن فاتت بغير عذر، ولذلك قال " الحاوي " في تارك الصلاة بنوم أو نسيان [ص 200]: (قضى موسعاً)، وقول " التنبيه " [ص 26]: (وقيل: إن فاتت بغير عذر.. لزمه قضاؤها على الفور) هو الأصح.
386 - قولهما- والعبارة ل " التنبيه "-: (والأولى: أن يقضيهما مرتباً، إلا أن يخشى فوات الحاضرة.. فيلزمه البداة بها) 7 كذا عبر الرافعي أيضاً بالفوات 8، وظاهره: أنه لو كان إذا قدم

الفائتة أدرك من الحاضرة ركعة في الوقت، وقلنا بالأصح: إن الكل أداء.. يقدم الفائتة، وقد صرح به ابن الرفعة، وفيه نظر؛ لأنهم: قالوا يحرم إخراج جزء من الصلاة عن الوقت على المذهب وإن كان الكل أداء، واعتبر في " الروضة " ضيق وقت الحاضرة لا خشية فواتها 1، وهو أحسن؛ فإنه متى كان لو قدم الفائتة خرج جزء من الحاضرة عن الوقت وإن قل.. فقد ضاق وقت الحاضرة، واستثنى ابن يونس في " النبيه " من تقديم الأولى: أن تقام الحاضرة جماعة فيقدمها على الأولى، وسبقه إلى ذلك البغوي في " فتاويه "، والغزالي في " الإحياء " 2، ونقله الروياني عن والده، وأنه قال: يستحب له إعادة الحاضرة خروجاً من الخلاف 3، وذكر في " الروضة " من زيادته: أنه يرتب أيضاً، ويصليها منفرداً، وعلله: بأن الترتيب مختلف فيه، والقضاء قبل الأداء مختلف في جوازه.. فاستحب الخروج من الخلاف 4. 387 - قولهم: (وتكره الصلاة في الأوقات المعروفة) 5 هي كراهة تحريم، كما نص عليه الشافعي في " الرسالة " 6، نقله في " المهمات "، وهو الأصح في " الروضة "، و" شرحي المهذب والوسيط " 7، وصحح في " التحقيق ": أنها كراهة تنزيه، وكذا في (الطهارة) من " شرح المهذب " 8، وذكر في " الحاوي ": أنها تبطل؛ أي: لا تنعقد 9. وظاهره: عدم انعقادها ولو قيل بكراهة التنزيه، وهو الذي في " شرح الوسيط " تبعاً لابن الصلاح 10، واستشكله شيخنا في " المهمات " وغيره: بأنه كيف يباح الإقدام على ما لا ينعقد؟ وهو تلاعب، ولا إشكال فيه؛ لأن نهي التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة.. يضاد الصحة؛ كنهي التحريم، كما هو مقرر في الأصول.
وحاصله: أن المكروه لا يدخل تحت مطلق الأمر، وإلا.. يلزم كون الشيء مطلوباً منهياً، ولا يصح إلا ما كان مطلوباً.
وقد عد " المنهاج " الأوقات ثلاثة: عند الاستواء، وبعد الصبح حتى ترتفع الشمس، وبعد

العصر حتى تغرب 1، وعدها في " التنبيه " و" الحاوي " خمسة، وعليه مشى الأكثرون ومنهم الرافعي حتى في " المحرر ": بعد الصبح، وبعد العصر، وعند الطلوع إلى الارتفاع، والاصفرار إلى الغروب، والاستواء 2. وقال في " شرح المهذب ": (إن عدها خمسة أجود؛ لأن من لم يصل الصبحَ حتى طلعت الشمس، أو العصرَ حتى غربت 3.. يكره له التنفل) 4. وهذا لا يفهم من عدها ثلاثة، وعدها الدارمي سبعة، فزاد اثنين فيهما وجهان، وهما: بعد طلوع الفجر إلى صلاته، وبعد الغروب إلى صلاتها.
388 - قول " المنهاج " [ص 91]: (وبعد الصبح والعصر) أحسن منه قول " التنبيه " [ص 37]: (بعد صلاة الصبح وصلاة العصر) وأحسن منهما قول " الحاوي " [ص 152]: (بعد فرض الصبح والعصر) وهذا مرادهما، وحينئذ.. فقد تناول إطلاقهم ما إذا صلى العصر في وقت الظهر جمعًا.. فإنه يكره النفل بعدها، كما حكاه البندنيجي عن نص الشافعي والأصحاب، كما في " الكفاية " في (باب صلاة المسافر)، ولا اعتبار بفتيا العماد ابن يونس: أن له التنفل في هذه الصورة، والظن به أنه لو رأى هذا النقل.. لم يُفْتِ بذلك.
389 - قولهما: (ولا يكره فيها ما له سبب) 5 أي: متقدم أو مقارن، فإن تأخر؛ كالإحرام، والاستخارة.. فيكره في الأصح.
ومقابله قوي، كما في " شرح المهذب " 6، وقد صرح في " الحاوي " بمسألة الإحرام، فقال [ص 151]: (وتكره صلاة لا سبب لها؛ كالإحرام) فمثل بها لما لا سبب له، وكأن مراده: لا سبب لها موجود؛ فإن ركعتي الإحرام لهما سبب ولكن لم يوجد إلى الآن.
390 - قول " المنهاج " في أمثلة ما له سبب [ص 91]: (وتحية) أي: إن دخل لا يقصدها، فإن دخل ليصلي التحية فقط.. فالأصح: المنع، قال الرافعي: (كما لو تعمد تأخير الفائتة ليقضيها في هذه الأوقات) انتهى 7. فيستثنى هذا من الفوائت أيضاً، وهاتان الصورتان تردان أيضاً على إطلاق " التنبيه "

و" الحاوي " أن له أن يفعل فيها ما له سبب، ولو نذر صلاة.. فله فعلها في هذه الأوقات، ولو نذر الصلاة في هذه الأوقات.. انعقد نذره إن قلنا: تنعقد صلاته، ثم الأولى أن يصلي في وقت آخر، كذا في " الشرح " و" الروضة " (1)، وفي " الحاوي " في هذه الثانية أوجه: أحدها: يبطل نذره، والثاني: يصح ويصلي؛ لأنها بالنذر صارت ذات سبب، والثالث: يصح ويصلي في وقت آخر (2). 391 - قول " المنهاج " [ص 91]: (وسجدة شكر) أي: وتلاوة، كما في " المحرر " (3)، واقتصر في " التنبيه " على سجود التلاوة (4). قال الروياني: (ولو قرأ آية السجدة في وقت جواز الصلاة، ثم سجد في الوقت المنهي عنه.. لم يجز) (5). 392 - قول " التنبيه " [ص 37]: (ولا يكره شيء من هذه الصلاة في هذه الساعات بمكة) لا يختص ذلك بها، بل سائر الحرم كذلك على الأصح، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص 91]: (وإلا في حرم مكة)، و" الحاوي " فقال [ص 151]: (لا بالحرم)، ثم الاستثناء في حق من يطوف، أما غيره: ففيه وجهان في " الاستذكار " للدارمي.
انتهى.
وهما كالوجهين فيمن لم يحضر الجمعة يوم الجمعة، وذكر المحاملي في " المقنع ": أن الصلاة في هذه الأوقات بحرم مكة.. خلاف الأولى، حكاه عنه في " المهمات ".

فصْلٌ [لا يجب قضاء الصلاة على الكافر بعد إسلامه]

393 - قول " التنبيه " [ص 24]: (وأما الكافر إن كان أصلياً.. فلا تجب عليه) كيف يجتمع هذا مع قول أصحابنا في الأصول: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ 6 وجوابه: أن المراد: نفي وجوب القضاء بعد الإسلام، بدليل قوله بعده: (وإن كان مرتداً.. وجبت عليه) 7 والمراد: القضاء، فقول " المنهاج " [ص 91]: (ولا قضاء على الكافر)12345

أحسن، لتصريحه بالمراد من غير إيهام.
394 - قولهما: (إنه يجب القضاء على المرتد) 1 يستثنى منه: زمن الحيض، فلا تقضي المرتدة زمن الحيض، بخلاف زمن الجنون؛ لأن ترك الصلاة في الحيض عزيمة، وفي الجنون رخصة، وقد صرح به في " الحاوي " فقال [ص 151]: (وقضى المرتد مع زمن الجنون لا الحيض).
395 - قولهما: (ويؤمر الصبي بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر) 2 فيه أمور: أحدها: قال النووي في " شرح المهذب " معترضاً على اقتصاره في " المهذب " أيضاً على الصبي: لو قال: (الصبي والصبية).. لكان أولى؛ لأنه لا فرق بينهما بلا خلاف.
انتهى 3. ولذلك عبر في " الحاوي " بالطفل 4، وهو شامل لهما، لكن نقل ابن حزم في أوائل " المحلى ": أن لفظ الصبي في اللغة يتناول الذكر والأنثى 5، فلا اعتراض إذًا، وفي قول النووي: (إنه لا فرق بينهما بلا خلاف) نظر؛ فإن في " الكفاية " خلافا في علة الضرب، فقيل: لأنه سن يحتمل الضرب، فلا فرق بينهما، وقيل: يحتمل البلوغ، فعلى هذا تضرب الصبية لتسع، وبه صرح الماوردي في " الحاوي " 6. ثانيها: لا بد مع السبع من التمييز، ذكره في " شرح المهذب " و" التحقيق " 7، وهو ظاهر، وقال ابن الفركاح في " الإقليد ": إن المناط التمييز، وإن التقدير في الحديث بالسبع.. إنما هو لوقوع التمييز في هذا السن غالبًا، وإن من ميز.. يؤمر ويضرب، وقد حكى القاضي أبو الطيب هذا عن بعض الأصحاب، قال في " المهمات ": (وأحسن ما قيل في التمييز هنا: أن يصير الطفل بحيث يأكل ويشرب ويستنجي وحده).
ثالثها: المراد: استكمال السبع والعشر، كما صرح به الشيخ نصر المقدسي في " المقصود ". رابعها: الآمر له بذلك الولي أباً، أو جداً، أو وصياً، أو قيماً من جهة الحاكم، قاله في " شرح المهذب " 8، قال في " المهمات ": (وفي معناه: الملتقط، ومالك الرقيق، وكذا

المودع، والمستعير، ونحوهما فيما يظهر).
خامسها: قال المحب الطبري: (لا يقتصر في الأمر على مجرد صيغته، بل لا بد معه من التهديد).
وهذه التنبيهات التي بعد الأول تأتي في كلام " الحاوي " أيضاً.
396 - قول " المنهاج " [ص 91]: (إنه لا قضاء على ذي جنون، أو إغماء) وكذا نحوهما؛ كالمبرسم والمعتوه، فقول " التنبيه " [ص 24]: (ومن زال عقله بجنون أو مرض) أعم، ويستثنى من كلامهما: من جن في الردة؛ فانه يقضي زمن جنونه أيضاً، وقد صرح به " الحاوي " كما تقدم 1، وهو داخل في قولهما: (إنه يجب القضاء على المرتد) 2، واقتصارهما على هذين الوصفين يفهم خطاب النائم بالصلاة، ويؤيده قول " التنبيه " بعده [ص 24]: (ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت إلا نائم)، لكن في " الذخائر ": أن من زال عقله بالنوم وطبق الوقت.. فهو غير مخاطب بتلك الصلاة، وصار بعض الفقهاء إلى تكليف النائم في بعض الأحكام، ثم قال: فإن قيل: فلم أوجبتم القضاء عليه؟ قلنا: للأمر الجديد.
انتهى.
وفهم من اقتصارهما أيضاً على هذين الوصفين: الوجوب على من شرب ما ظنه مسكراً فزال عقله، وإليه أشار في " المهذب " 3، وصرح به في " التتمة "، وأورد في " الكفاية " على قول " التنبيه ": (ومن زال عقله بجنون): أنه يفهم أنه إذا حصل بتسببه.. لا يجب، وذكره القاضي احتمالاً، ورجحه الإمام 4، والذي في الرافعي: الوجوب 5، بمعنى القضاء بعد الإفاقة، وقد يدعى خروج هذه الصورة من كلامه؛ كما أن السكر خارج من كلامه، فأي فرق بين العاصي بالسكر والعاصي بالدواء حتى يخرج الأول فقط؛ وعبارة " المنهاج " في ذلك مثل " التنبيه ". 397 - قول " المنهاج " [ص 91]: (إنه يجب القضاء على السكران) أي: مختاراً بلا حاجة إذا علم كونه مسكراً، أو إن ظن أن ذلك القدر لا يسكر لقلته، فمان شرب دواءً مسكراً للحاجة أو لم يعلم أنه مسكر.. فكالجنون.
ويستثنى من السكر: زمن الحيض، فلا يجب قضاؤه، وهو داخل في قوله: (إنه لا يجب القضاء على الحائض) 6، ولو طرأ على السكر جنون.. لم يقض إلا ما ينتهي إليه السكر غالباً في

الأصح، وقد استثناهما في " الحاوي " بقوله [ص 151]: (والسكران غيرهما) أي: غير زمن الجنون والحيض.
398 - قول " التنبيه " [ص 24]: (ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت إلا نائم، أو ناس، أو معذور بسفر، أو مطر؛ فإنه يؤخرها بنية الجمع، أومن أكره على تأخيرها) فيه أمور: أحدها: المراد بالنائم: من استغرق الوقت بالنوم، أو نام غلبة، أو ظن أنه يستيقظ قبل خروج الوقت، فإن دخل عليه الوقت وظن أنه لا يستيقظ قبل خروجه.. حرم النوم، وكذا إن استوى الأمران، كما أفتى به ابن الصلاح والسبكي 1، ومن ظن قبل دخول الوقت أنه إن نام استغرق الوقت.. فالمنقول: أنه لا يحرم، وفيه نظر.
ثانيها: الأصح: امتناع التأخير بالمطر.
ثالثها: تصوير التأخير بالإكراه مشكل؛ فإن كل حالة تنتقل لما دونها إلى إمرار الأفعال على القلب، وهو شيء لا يمكن الإكراه على تأخيره، وهو بفعله غير مؤخر، وحمله في " شرح المهذب " على الإكراه على التلبس بمناف 2، وكان القاضي الإمام زين الدين البلفيائي يقول: المراد: أكره على أن يأتي بها على غير الوجه المجزي من الطهارة ونحوها، ولا يكون الإكراه عذراً في الإجزاء؛ لندوره كالتيمم في الحضر، أو يكره المحدث على تأخيرها عن وقتها ويمنعه من الوضوء في الوقت، فيكون في معنى من لا ينتهي إليه النوبة في البئر إلا بعد خروج الوقت؛ فإنه يكون عذراً في التأخير على النص، وقال شيخنا تاج الدين السبكي في " التوشيح ": قد يقال: المكره قد يدهش حتى عن الإيماء بالطرف ويكون مؤخراً معذوراً، كالمكره على الطلاق لا تلزمه التورية إذا اندهش قطعاً، وإن لم يندهش على الأصح، بخلاف من أُلقي في الماء وهو يحسن السباحة فتركها، ولا مانع.. فلا قصاص ولا دية على الأصح، فإن قلت: المكلف لا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتاً.. قلت: الدهشة مانعة من ثبوت عقله في تلك الحالة.
انتهى.
رابعها: قال في " التصحيح ": (الصواب: أنه يُعْذَر في تأخير الصلاة عن وقتها من جهل وجوبها من غير تفريط في التعلم؛ كمن أسلم بدار الحرب وتعذرت هجرته، أو نشأ منفرداً ببادية ونحوها) انتهى 3. ويعذر أيضاً: فيما إذا أخر لخوف فوات الوقوف بعرفة، كما صححه في " الروضة " خلافاً

للرافعي 1، وصحح ابن عبد السلام: أنه يصلي صلاة شدة الخوف 2. ويعذر أيضاً: العاري إذا كان بينه وبين العراة نوبة وعلم أنها لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت على قولي، الأصح خلافه.
ويرد أيضاً: تأخير المغرب للجمع بالنسك على رأي.
وأجاب عنه في " الكفاية ": بأنه ليس في طريق العراقيين، وهو حاكيها.
وعن المسألتين قبله: بأن التأخير فيهما واجب عند من رآه، وليس مما نحن فيه.
ويعذر أيضاً: في التأخير للاشتغال بإنقاذ الغريق، ودفع الصائل على نفس أو مال، والصلاة على ميت خيف انفجاره، ذكره القاضي صدر الدين موهوب الجزري.
399 - قول " التنبيه " في زوال العذر [ص 26]: (وإن كان بدون ركلعة.. ففيه قولان) الأصح: اللزوم أيضاً، لكنه أطلق دون الركعة، والخلاف إنما هو فى التكبيرة فما فوقها؛ ولذلك عبر " المنهاج " و" الحاوي " بالتكبيرة 3. نعم؛ للجويني احتمال في بعضها 4. 400 - قول " التنبيه " [ص 26]: (وفي الظهر والمغرب قولان، أحدهما: يلزم بما يلزم به العصر والعشاء) هذا هو الأصح.
401 - قوله: (والثاني: يلزم بقدر خمس ركعات) 5 أي: أو أربع وتكبيرة على الأصح، فجزمه هنا في صلاتي الجمع باعتبار ركعة، وحكاية الخلاف فيما سبق لا نعلم له موافقاً عليه؛ لأن الخلاف في الجميع.
واعلم أنه يشترط في الوجوب بإدراك ركعة أو تكبيرة: استمرار السلامة حتى يمضى زمن الطهارة وتلك الصلاة، ولم يتعرض له في " التنبيه " و" المنهاج "، وذكره في " الحاوي " بقوله [ص 150]: (وخلا من الموانع ما يسعه والطهارة) وهو شامل لما عليه من وضوء، أو غسل، أو إزالة نجاسة.
قال في " المهمات ": (والقياس: اعتبار وقت الستر، ولو قيل باعتبار زمن التحري في القبلة.. لكان متجهاً) انتهى.
402 - قولهما -والعبارة لـ" التنبيه "-: (ومن أدرك من وقت الصلاة قدر ما يؤدي فيه الفرض ثم

جن، أو كانت امرأة فحاضت.. وجب عليهما القضاء) (1) يشترط مع ذلك: أن يدرك قدر الطهارة إن لم يمكن تقديمها كالتيمم وطهارة دائم الحدث، وإلا.. فلا، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 151]: (بالطهارة إن لم يمكن تقديمها) والمعتبر: أخف ما يمكن حتى قصراً للمسافر، وقد ذكره في " الحاوي " فقال [ص 151]: (أخف فرضه) وعبارة " التنبيه " هذه أحسن من قول " المنهاج " [ص 92]: (ولو حاضت أو جن أول الوقت) فإن وجود ذلك في أثنائه كذلك، واعلم أن الأولى من صلاتي الجمع تلزم بإدراك أول وقت الثانية كما سبق في آخره، فلو حذف " المنهاج " لفظ (الآخر) في قوله [ص 92]: (والأظهر: وجوب الظهر بإدراك تكبيرة آخر العصر).. لدل على هذه، وإلا.. فقد يتوهم من قوله هنا: (وجبت تلك) (2) أن الوجوب يختص بها مطلقًا، وإنما المراد: بالنسبة إلى الثانية، نبه عليه السبكي، وقد ذكر في " الحاوي " هذه الصورة بقوله [ص 150]: (كأن خلا من وقت الأخيرة ما يسعهما) أي: يسع الفرضين، فإنهما يجبان.
قال البارزي: هذا هو المفهوم من النقل، وينبغي أن يكفي ما يسع أحد الفرضين والطهارة، ويؤول قوله: (ما يسعهما) على ما يسع الفرض والطهارة، وقال في " توضيحه الكبير ": ينبغي أن يعتبر هنا أيضاً لوجوبهما قدر الطهارة إن لم يمكن تقديمها؛ كما يعتبر فيما إذا خلا من وقت الأخيرة بقدر تكبيرة ولا يكفي فيها قدر فرض واحد، بل لا بد من زمان يسع الفرضين، والمفهوم من الكتاب والرافعي: التفرقة (3)، ولا يظهر اتجاهه، قال: والأولى: أن يعتبر فيها قدر ما يسع الفرضين مع الطهارة، وقال القونوي: لك أن تقول: لم يعتبر هناك قدر الطهارة من الوقت، بل خلو زمن بعده يسع الفرض والطهارة.
انتهى.

فصلٌ [في بيان الأذان والإقامة]

403 - قولهم: (الأذان والإقامة سنة) 4 أي: سنة كفاية تحصل بفعل البعض؛ كابتداء السلام.
404 - قولهما: (في الصلوات المكتوبة) 5 أحسن من تعبير " الحاوي " بـ (الفرض) 6 لأنه123

قد يتناول المنذورة وصلاة الجنازة، مع أنه لا يؤذن لهما ولا يقام وإن كان هذا هو مراده.
405 - قول " المنهاج " [ص 92]: (ويقال في العيد ونحوه: الصلاة جامعة) المراد بنحوه: كل نفل تشرع له الجماعة، وقد صرح به في " الحاوي " فقال [ص 155]: (ولنفل فيه الجماعة: الصلاة جامعة).
406 - قول " المنهاج " [ص 92]: (والجديد: ندبه للمنفرد) كذا في " المحرر " 1، وظاهره: أنه لا يكون فرض كفاية في حقه، وأطلق في " الشرح " و" الروضة " مشروعيته، ولم يتعرضا لتقييدها بالندب 2، وظاهر إطلاقه -تبعاً لـ" المحرر "-: [مشروعية] 3 أذان المنفرد وإن بلغه أذان غيره، وصرح بتصحيحه في " التحقيق " و" شرح الوسيط " 4، لكن صحح في " شرح مسلم ": أنه لا يؤذن إن سمع أذان غيره 5، ومسألة أذان المنفرد مأخوذة من إطلاق " التنبيه " و" الحاوي ". 407 - قول " المنهاج " -والعبارة له- و" الحاوي ": (ويرفع صوته إلا بمسجد وقعت فيه جماعة) 6 يندرج تحته: المنفرد، وبه صرح الإمام 7، لكن المشهور في الرافعي في المنفرد: إسماع نفسه 8، ويحتمل في عبارة " المنهاج " عوده للمنفرد فقط، بل هو أقرب فيها، فيكون الإيراد عليها أشد.
408 - قول " التنبيه " [ص 27]: (ومن فاتته صلوات أو جمع بين صلاتين.. أذن وأقام للأولى وحدها، وأقام للتي بعدها في أصح الأقوال) فيه أمران: أحدهما: قوله: (في أصح الأقوال) يريد: أن مجموع ما ذكره أصح الأقوال؛ فإنه لا خلاف في الإقامة للكل، ولا في نفي الأذان لما بعد الأولى، والخلاف إنما هو في الأذان للأولى، فالقديم: أنه يؤذن لها، وصححه الشيخ 9 والنووي، فقال في " المنهاج " [ص 92]: (إنه أظهر، والجديد: لا يؤذن لها) وصححه الرافعي 10، وعليه مشى " الحاوي "، فقيد سنية الأذان

بالأداء 1، والثالث: إن رجى جماعة.. أذن، وإلا.. فلا، وقولنا: إنه لا خلاف في نفي الأذان لما بعد الأولى.. محله: فيما إذا قضاها على الولاء، فأما إذا فرقها.. ففي الأذان لكل منهما الأقوال، وعلى ذلك يحمل قول " المنهاج " [ص 92]: (وإن كلان فوائت.. لم يؤذن لغير الأولى).
408/ 1 - قول " الحاوي " [ص 153]: (لا إن قدم فائتة) أي: على الحاضرة، فلا يؤذن للحاضرة، قال في " الروضة " عن الأصحاب: إلا أن يؤخرها إلى زمن طويل.. فيؤذن لها 2، وهذه الصورة ترد على فرض " التنبيه " و" المنهاج " المسألة في الفوائت؛ فقد عرف أنها تأتي في فائتة وحاضرة إذا قدم الفائتة.
ثانيهما: صورة الجمع بين صلاتين: أن يجمع بينهما جمع تأخير ويقدم الأولى، فيقيم لكل منهما ولا يؤذن للثانية جزماً، وفي الأذان للأولى الأقوال، فإن قدم الثانية.. فالمذهب: أنه يؤذن لها دون الأولى، كما صححه في " التحقيق " 3، وقد ذكرها في " الحاوي " بقوله [ص 153]: (وللأخرى في التأخير إن قدمها) وعبارة الرافعي: إذا أخر الأولى إلى وقت الثانية.. أقام لكل واحدة ولا يؤذن للثانية، وفي الأذان للأولى الأقوال في الفائتة.
انتهى 4. فحملها صاحب " الحاوي " على ما إذا قدم الأولى؛ فلذلك قال فيما إذا قدم الثانية: (أنه يؤذن لها) 5، والله أعلم.
409 - قول " التنبيه " [ص 27]: (وتقيم المرأة، ولا تؤذن) أحسن من قول " المنهاج " [ص 92]: (ويندب لجماعة النساء الإقامة، لا الأذان) فإنه يفهم أن المرأة المنفردة لا تقيم، وليس كذلك، وقد تفهم عبارة " التنبيه " صحة إقامة المرأة للرجال، وليس كذلك، بخلاف عبارة " المنهاج " لقوله: (لجماعة النساء) فهي من هذه الجهة أحسن، والمفهوم من كلام " الحاوي " مثل " التنبيه " فإنه اعتبر الرجل في الأذان دون الإقامة 6. 410 - قول " المنهاج " [ص 93] و" الحاوي " [ص 153]: (إن الأذان مثنى) أي: معظمه؛ فإن (لا إله إلا الله) في آخره مرة، والتكبير في أوله أربع.
411 - قول " الحاوي " [ص 155]: (إن الإقامة فرادى) زاد في " المنهاج " [ص 93]: (إلا لفظ

الإقامة) أي: فإنه مثنى، ويستثنى أيضاً: التكبير أولها وآخرها؛ فإنه مثنى، لكن لما كان على نصف لفظه في الأذان.. فكأنه مفرد، وكل تكبيرتين في الأذان يأتي بهما المؤذن بنفس واحد، بخلاف بقية ألفاظه؛ فإنه يأتي بكل كلمة بنفس.
412 - قول " التنبيه " [ص 27]: (يخفض صوته بالشهادتين) قال في " الكفاية ": ظاهره: ركنية ذلك، وهو وجه أو قول، والصحيح: خلافه، وصرح في " المنهاج " و" الحاوي " باستحبابه 1، وعبارة " المنهاج ": (ويسن الترجيع فيه)، وقال في " التحرير " و" شرح المهذب ": هو أن يأتي بالشهادتين سراً 2، وعكسه الماوردي وغيره، وهو المذكور في " شرح مسلم " 3، وجعله الرافعي: مجموع الإتيان بهما سراً وجهراً، وتبعه في " الروضة " 4. 413 - قول " المنهاج " [ص 93] و" الحاوي " [ص 154]: (والتثويب في الصبح) هو كما في " التنبيه ": أن يقول بعد الحيعلة: (الصلاة خير من النوم) مرتين 5، وصحح في " الروضة ": القطع بسنيته 6، وهو المنصوص في القديم و" البويطي " و" الإملاء " 7، واقتصر الرافعي على حكايته عن القديم، وجعل المسألة مما يفتى فيها على القديم، ونص في الجديد على كراهته، وعلَّلَه: بأن أبا محذورة لم يحكه، وقد صح أنه حكاه 8، كما صححه ابن حبان، فصار مذهبه 9، وإطلاقهم شامل لأذاني الصبح، وصححه في " التحقيق " 10، وقال البغوي في " التهذيب ": (إن ثوب في الأول.. لا يثوب في الثاني على الأصح) 11. وأقره في " الروضة " تبعاً للرافعي 12، وشامل لأذان الثانية إذا قلنا به، وبه صرح ابن عجيل اليمني نظراً إلى أصله.
414 - قول "المنهاج " [ص 93] و" الحاوي " [ص 154]: (إنه يسن أن يؤذن قائماً للقبلة) يقتضي

أن الإقامة ليست كذلك، وهو مردود، وقد صرح في " التنبيه " باستقبال القبلة في الإقامة، فقال [ص 27]: (وأن يؤذن ويقيم على طهارة، ويستقبل القبلة)، وأطلق في " المنهاج " استقبال القبلة، ومحله: في غير الحيعلتين، أما فيهما: فإنه يلتفت يميناً وشمالاً، كما صرح به في " التنبيه " و" الحاوي " 1، لكن قول " التنبيه " [ص 27]: (فإذا بلغ الحيعلة.. التفت يميناً وشمالاً) يحتمل أن يريد: في كل حيعلة، وأن يريد: كون حيعلة الصلاة يميناً وحيعلة الفلاح شمالاً، وهو الأصح، وصرح به في " الحاوي " فقال [ص 27]: (ملتفتاً يمينه في حي على الصلاة، ويساره في الفلاح).
415 - قول " التنبيه " -والعبارة له- و" الحاوي ": (وأن يؤذن على موضع عال) 2 يخرج: الإقامة، ويستثنى منه: إذا كان المسجد كبيراً تدعو الحاجة فيه إلى الإعلام.
416 - قول " التنبيه " [ص 27]: (وأن يجعل إصبعيه في صماخي أذنيه) لو لم يضف الصماخ إلى الأذن.. لما ضره، فإن الصماخ لا يكون لغيره كما أن السن لا يكون إلا في الفم؛ ولذلك قال في " الحاوي " [ص 27]: (إصبعاه في صماخيه)، واقتضى كلامهما: أنه لا يستحب ذلك في الإقامة، وبه صرح الروياني 3، وليست هذه المسألة ولا التي قبلها في " المنهاج ". 417 - قول " التنبيه " عطفاً على المستحبات: (وألاَّ يقطع الأذان بكلام ولا غيره) يشمل ما لو طال الفصل، وهو طريقة العراقيين، لكن الأصح: البطلان، وصرح به في " المنهاج " فقال [ص 93]: (ويشترط ترتيبه، وموالاته، وفي قول: لا يضر كلام وسكوت طويلان) فيه أمور: أحدها: أن محل القولين: في الطويل، أما السكوت اليسير.. فلا يضر جزماً، بل ولا يندب الاستئناف، وكذا إن تكلم يسيراً.. لا يضر كما جزموا به، وتردد فيه الجويني عند رفع الصوت به 4. ثانيها: ومحلهما أيضاً: ألا يفحش، فإن فحش بحيث لا يعد مع الأول أذانًا.. بطل.
ثالثها: الإقامة كالأذان في ذلك، وهذا يرد على " التنبيه " هنا، وعلى قوله بعد ذلك: (ولا يجوز الأذان إلا مرتباً) 5، بل قال في " الأم ": (إن الكلام فيها أشد من الكلام في الأذان، قال: فإن تكلم فيهما أو سكت فيهما سكوتاً طويلاً.. أحببت أن يستأنف، ولم أوجبه) 6، وفي

" التحقيق ": (لو تكلم يسيراً في الإقامة.. ندب استئنافها) 1، وتردد بعضهم في جريان هذا القول في الإقامة؛ أي: بل يُقطع فيها بالبطلان مع الطول، وذكر في " الحاوي " الترتيب والموالاة في الأذان، ولم يذكرهما في الإقامة 2، وقد عرفت أنه لا فرق في ذلك بينهما.
418 - قول " التنبيه " عطفاً على المستحبات [ص 27]: (وأن يكون ثقة) قال في " الكفاية ": أفهم أن غير الثقة يصح أذانه، ويشمل الكافر، ولا خلاف في منعه، وقد صرح في " المنهاج " و" الحاوي " باشتراط الإسلام، والتمييز، والذكورة 3، وأهملا رابعاً، وهو: كونه عالماً بالمواقيت إن كان راتباً، ذكره في " شرح المهذب " 4، وقد يعتذر عن " التنبيه ": بأنه أفهم اشتراط الإسلام بقوله [ص 26، 27]: (إن الأذان سنة أو فرض كفاية) لاختصاصهما بالمسلم.
419 - قول " التنبيه " [ص 27]: (وأن يؤذن ويقيم على طهارة) قال في " الكفاية ": (ظاهره: الكراهة للمتيمم وإن أباح تيممه الصلاة؛ لأنه على غير طهر عند الشافعي) انتهى.
وفيه نظر؛ لأن التيمم طهارة وإن لم يرفع الحدث، وفي أوائل الرافعي: ألا ترى إلى قول الشافعي: طهارتان؟ فأنى يفترقان، انتهى 5. إلا أن يدعى أن المفهوم من إطلاق الطهارة: الوضوء.
نعم؛ قول " المنهاج " [ص 93] و" الحاوي " [ص 155]: (وبكره للمحدث) يتناول المتيمم ودائم الحدث؛ فإنهما محدثان وإن استباحا الصلاة، لكن التعليل: بأن المصلي إذا حضر لا يجد أحداً.. يدفع ذلك.
420 - قول " التنبيه " [ص 27]: (وهو أفضل من الإمامة) كذا صححه النووي في " المنهاج " وغيره، وعزاه للأكثرين، وحكى عن الشافعي: كراهة الإمامة 6، واعترض عليه: بأن الشافعي عقب نصه على كراهة الإمامة، قال: وإذا أم.. انبغى أن يتقي ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإن فعل.. رجوت أن يكون أحسن حالاً من غيره.
انتهى 7. وهو يدل على أفضلية الإمامة إذا قام بحقوقها، وصحح الرافعي: أن الإمامة أفضل 8، ومشى

عليه في " الحاوي " 1، ورجحه السبكي، واستشكل بعضهم تصحيح النووي أفضلية الأذان مع موافقته الرافعي على تصحيح أنه سنة، وتصحيحه فرضية الجماعة، فكيف يفضل سنة على فرض؟ 2 وقال بعضهم: الخلاف في تفضيل مجموع الأذان والإقامة على الإمامة، فلا يلزم تفضيل الأذان وحده عليها، وهذا ظاهر كلام " الكفاية "، لكن كلام الجمهور يقتضي أن النظر بين الأذان وحده وبين الإمامة.
421 - قول " التنبيه " [ص 27]: (ولا يجوز قبل دخول الوقت إلا الصبح؛ فإنه يؤذن لها بعد نصف الليل) فيه أمور: أحدها: تعبيره بالجواز يقتضي تحريم الأذان قبل دخول الوقت لغير الصبح، وليس صريحاً في أنه لو وقع.. غير معتد به، إلا أن يقال: الأصل فيما وجب في العبادة: أن يكون شرطًا فيها، وقول " المنهاج " [ص 93]: (وشرطه الوقت) يقتضي أنه لو وقع قبل الوقت.. لا يعتد به، وليس فيه تحريمه.
ثانيها: ما ذكره من الأذان لها بعد نصف الليل، صححه النووي في كتبه 3، وصحح الرافعي في " شرحيه ": أنه يدخل وقت الأذان لها في الشتاء لسُبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سُبع 4، ومشى عليه " الحاوي " 5، وضعفه النووي، وقال: إن قائله اعتمد حديثا باطلاً محرفاً، قال: وهو على خلاف عادته في التحقيق 6، واعتمد في " التهذيب " السبع، ولم يفرق بين صيف وشتاء 7، وقال في " المحرر ": في آخر الليل 8، فعدل عنه في " المنهاج " إلى قوله [ص 93]: (من نصف الليل) وتوهم أنه بمعناه، فقال في " الدقائق ": (قول " المنهاج ": " إنه يصح الأذان للصبح من نصف الليل " أوضح من قول غيره: " آخر الليل ") انتهى 9. وتوهم غيره أن مراد الرافعي في " المحرر ": التفصيل الذي ذكره في " شرحيه "، والحق: أنه ليس موافقاً لواحد منهما، وإنما مقتضاه: الأذان لها وقت السحر قبيل طلوع الفجر، وهو الذي

صححه القاضي حسين والمتولي، وقطع به البغوي 1، وصححه السبكي، وقال: إن ما عداه ضعيف.
ثالثها: قال في " الكفاية ": إن كلامه يفهم أنه إذا أذن لها قبله.. لا يؤذن بعده، وليس كذلك، وفيما ذكره نظر؛ فإن الاستثناء إنما هو من الجواز، ولا يلزم منه أنه إذا جاز قبله.. لا يشرع بعده.
422 - قول " المنهاج " [ص 93]: (ويسن مؤذنان للمسجد؛ يؤذن واحد قبل الفجر، وآخر بعده) فيه أمور: أحدها: أنه يقتضي أنه لا تسن الزيادة عليهما، وهو كذلك، لكن لا نقول: إنه يسن عدم الزيادة، إلا أن الرافعي قال: يستحب ألاَّ يزيد على أربعة 2، قال النووي: كذا قاله أبو على الطبري، وأنكره كثيرون، وقالوا: ضابطه: الحاجة والمصلحة، فإن كانت في الزيادة على الأربعة.. زاد، وإن رأى الاقتصار على اثنين.. لم يزد، وهو الأصح المنصوص 3. ثانيها: أنه يفهم أنهما لا يؤذنان دفعة واحدة، بل واحد بعد واحد، وهو كذلك، فإذا كان للمسجد مؤذنان أو مؤذنون: فإن اتسع الوقت.. ترتبوا بالرضى أو بالقرعة، وإلا.. أذنوا متفرقين في أقطاره إن اتسع، وإلا.. أذنوا مجتمعين إن لم يُهوّشوا، وإلا.. أذن واحد بالرضى أو بالقرعة، وقد أشار في " الحاوي " لبعض ذلك بقوله [ص 155]: (وترتب المؤذنون إن وسع الوقت).
ثالثها: فإن لم يكن للمسجد إلا مؤذن واحد.. أذن قبل الوقت وأعاد فيه، فلو اقتصر على أذان واحد.. فالأفضل: أن يؤذن بعد الفجر، قاله الرافعي والنووي 4، وقال ابن الصباغ: قبله.
423 - قولهم -والعبارة لـ " التنبيه "-: (ويستحب لمن سمعه أن يقول كما يقول المؤذن، إلا في الحيعلة.. فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله) 5 فيه أمور: أحدها: زاد في " المنهاج " [ص 93]: (وإلا في التثويب، فيقول: صدقت وبررت)، قال في " الكفاية ": لحديث ورد فيه، ولم يذكره، ولم يقف عليه 6.

ثانيها: زاد في " التنبيه " [ص 27]: (ويقول في كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض) وقد رواه أبو داوود في! سننه " بدون قوله: (ما دامت السماوات والأرض) 1، وادعى بعضهم أن ظاهر عبارة " المنهاج " يقتضي أنه لا تشرع الإجابة في الإقامة مطلقاً، وليس كذلك، وفيما ادعاه نظر.
ثالثها: يستثنى أيضاً: قول المؤذن: ألا صلوا في رحالكم، فذكر في " المهمات ": أن القياس: أن يجيبه: بلا حول ولا قوة إلا بالله.
رابعها: تناول كلامهم من هو في صلاة، والأصح: أنه لا يستحب له الإجابة، بل تكره، وفي " قواعد ابن عبد السلام ": لا يجيب وهو في (الفاتحة)، وفي غيرها قولان 2، وفي الرافعي: لو أجاب في خلال (الفاتحة).. استأنفها 3. خامسها: وتناول كلامهم أيضاً: المجامع، وقاضي الحاجة، وإنما يجيبان بعد فراغهما، وهذا يفهم من قولهم في (الاستطابة): (ولا يتكلم (4. سادسها: وتناول كلامهم أيضاً: الجنب، والحائض، وبه جزم الرافعي والنووي 5، وخالفهما السبكي، فقال: إنهما لا يجيبان، لحديث: " كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " 6، وحديث: (كان يذكر الله على كل أحيانه) 7، إلا الجنابة، قال ابنه في " التوشيح ": ويمكن أن يتوسط فيقال: تجيب الحائض لطول أمدها، فيلزم لو منعت خلو كثير من الأزمنة عن الذكر، ولو منعت.. لمنعت المستحاضة، والغالب دوام الاستحاضة، وذلك حرج عظيم؛ ولذلك لنا قول: أن الحائض تقرأ القرآن، ولا كذلك الجنب؛ ولأن الحائض لا سبيل لها إلى التطهر ما لم ينقطع الدم، بخلاف الجنب، إذ يمكنه إزالة المانع، والحديثان لا يدلان على غير الجنابة، وليس الحيض في معناها؛ لما ذكرت.
انتهى.
= الرملي عن اعتراض الدميري على ابن الرفعة: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ.
انتهى، وفيه إشارة إلى اختياره استحبابه فتأمل وقال النجم في (صدقت وبررت): لا أصل لذلك في الأثر، قال: وكذلك قول كثير من العوام للمؤذن مطلقاً: صدقت يا ذاكر الله في كل وقت.. لا أصل له فاعرفه.
انظر " التلخيص الحبير " (1/ 211)، و" نهاية المحتاج " (1/ 422)، و" كشف الخفاء " (28/ 2/ 1592).

سابعها: وتناول كلامهم أيضاً: من سمع مؤذنا بعد أن أجاب مؤذنا قبله، قال النووي: ولم أر فيه نقلاً لأصحابنا، وفيه خلاف للسلف، واختار أن أصل الفضيلة: لا يختص بالأول، ولكنه آكد 1، ووافقه ابن عبد السلام في غير أذاني الصبح والجمعة، وقال فيهما: يجيب على السواء، وقال الرافعي في كتاب " الإيجاز في أخطار الحجاز ": خطر لي أنه إن كان صلى في جماعة.. فلا يجيب ثانياً؛ لأنه غير مدعو بهذا الأذان.
ثامنها: وتناول كلامهم أيضاً: الترجيع، ولا نقل فيه، وللنووي فيه احتمالان: واختار: أنه يجيب فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " فقولوا مثل ما يقول " ولم يقل: مثل ما سمعتم 2، وأفتى القاضي شرف الدين بن البارزي: بأنه مستحب إن سمعه.
تاسعها: ظاهره: أنه يأتي عقب كل حيعلة بحولقة، فيكون أربعاً، وهو ظاهر إطلاقهم، وهو الذي في " شرح المهذب "، ونقله عن " حلية الروياني " وغيرها، وقال: إنه أصح الوجهين 3، وحكى في " الكفاية " عن " تلخيص الروياني " احتمالين، فاختلف النقل عنه.
424 - قول " التنبيه " [ص 27]: (وأن يقول بعد الفراغ منه: اللهم، رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) فيه أمور: أحدها: مقتضاه: اختصاص هذا الذكر بالمؤذن، وليس كذلك، بل يشاركه فيه السامع؛ ولهذا قال في " المنهاج " [ص 93]: (ولكلٍّ) أي: من المؤذن والسامع.
ثانيها: يستحب أن يقدم على هذا الذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرح به في " المنهاج " 4، وينبغي أن يضم إليه السلام أيضاً.
ثالثها: قوله: (والدرجة الرفيعة) ذكرها في " الشرح " و" الروضة " و" المحرر " 5، وليست في كتب الحديث، وأنكرها في " الإقليد " فلذلك حذفها في " المنهاج "، وكان ينبغي حذفها من " الروضة " أيضاً، وليست في بعض نسخ " التنبيه ". رابعها: قوله: (وابعثه المقام المحمود) كذا ذكره في " الشرح " و" المحرر " 6، فعدل عنه

في " الروضة " و" المنهاج " إلى قوله: (مقاماً محموداً) بالتنكير؛ لأنه ثبت كذا في الصحيح، وموافقة لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، قاله في " الدقائق " (1). ولا شك أنه بالتنكير أشهر، وهو الذي في " صحيح البخاري " (2)، لكن رواية المقام المحمود بالتعريف رواها ابن حبان في " صحيحه " عن شيخه ابن خزيمة (3). 425 - قول " التنبيه " [ص 27]: (وإذا لم يوجد من يتطوع بالأذان.. رزق الإمام من يقوم به) فيه أمران: أحدهما: يستثنى منه صورتان: أحدهما: إذا كان المتطوع فاسقاً.. فالصحيح: أن للإمام أن يرزق أميناً.
الثانية: إذا كان غير المتطوع أحسن صوتاً منه.. فالأصح: جواز رزقه إذا رآه.
ثانيهما: أنه يفهم أنه إذا أمكن جمع أهل البلد في مسجد من مساجدها.. أن الإمام يخص من يؤذن فيه بالرزق؛ لأنه تقوم به الكفاية، والأصح في " الروضة ": أنه يعمها؛ لئلا تتعطل (4). 426 - قوله: (فإن استأجر عليه.. جاز) (5) أي: إذا لم يجد متطوعاً كما سبق، ويفهم منه: اعتبار بيان المدة كما في سائر الإجارات، والأصح: خلافه إن كان من بيت المال، فإن استأجر الإمام من ماله أو آحاد الناس.. فالأصح: اشتراطه.

فصْلٌ [من شروط الصلاة استقبال الكعبة]

427 - قولهما: (استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة) 6 لو عبَّرا بالكعبة كما فعل في " الحاوي " 7.. لكان أحسن؛ لأن فيه بيان القبلة المأمور بها، وقيد " المنهاج " ذلك بصلاة القادر؛ ليحترز به عن العاجز؛ كمريض عجز عمن يوجهه إلى القبلة، ومربوط على خشبة، وغريق على لوح يخاف من استقباله الغرق، ومن خاف من نزوله عن دابته على نفسه أو ماله أو12345

انقطاعاً عن رفقته.. فيصلي على حسب حاله ويعيد.
قال في " الكفاية ": وجوب الإعادة دليل الاشتراط؛ أي: فلا يحتاج إلى التقييد بالقادر؛ فإنها شرط للعاجز أيضاً، بدليل القضاء؛ ولذلك لم يذكره في " التنبيه " و" الحاوي "، لكن قال السبكي: لو كان شرطاً.. لما صحت الصلاة بدونه، ووجوب القضاء لا دليل فيه.
428 - قولهما: (إلا في شدة الخوف، وفي النافلة في السفر) 1 عبر في " الحاوي " عن الأول بقوله [ص 156]: (شُرِط لصلاة الأمن) وليس وافياً بالمقصود؛ لأن ضد الأمن الخوف، وليس ترك الاستقبال جائزاً في كل خوف، وإنما هو في شدة الخوف فقط، فتعبيرهما أولى، ويستثنى من شدة الخوف: ما إذا أمن وهو راكب؛ فإنه لا يستدبر القبلة، فإن استدبرها.. بطلت صلاته بالاتفاق، كما قاله في " الروضة " 2، ولم يحتج في " الحاوي " إلى ذكر نافلة السفر هنا؛ لكونه ذكرها بعد ذلك.
ويرد عليهما: أنهما أطلقا ذكر السفر، والمراد به: المباح ذو المقصد المعين، وقد ذكر في " الحاوي " الثاني، فقال [ص 157]: (من له مقصد معين) ويرد عليه الأول، ويختص " التنبيه " بأن محل ذلك: إذا لم يمكنه الاستقبال، فإن أمكنه؛ بأن صلى في هودج أو سفينة.. وجب عليه الاستقبال، وقد ذكره " المنهاج " بقوله [ص 94]: (فإن أمكن استقبال الراكب في مرقد، وإتمام ركوعه وسجوده.. لزمه)، و" الحاوي " بقوله [ص 157]: (لا في سفينة وهودج) ويستثنى من كلامه: ملاح السفينة الذي يسيرها؛ فإنه يتنفل إلى جهة مقصده، كما صرح به أصحاب " العدة " و" الحاوي " و" البحر " 3، وقال في " الروضة ": لا بد منه، وجزم به في " التحقيق " 4، وصحح في " الشرح الصغير ": أنه كغيره، ولم يصرح في " المنهاج " بمسألة السفينة حتى تستثنى هذه الصورة من كلامه، لكنها -أعني: السفينة- في معنى ما ذكره من المرقد، ويشترط أيضاً: ترك الفعل الكثير بلا حاجة؛ كالركض والعدو بلا عذر، ولم يذكراه، وقد ذكره " الحاوي " بقوله [ص 158]: (أو عدى أو أعدى بغير عذر).
429 - قول " التنبيه " [ص 29]: (فإن كان ماشياً أو على دابة يمكن توجيهها إلى القبلة.. لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود) فيه أمران: أحدهما: لفظ الإمكان لا يستلزم السهولة، والعبرة بها وباستقبال الراكب لا بتوجيهه الدابة؛

ولهذا عبر في " المنهاج " و" الحاوي " بسهولة الاستقبال 1. ثانيهما: قال النووي في " تصحيحه ": (والصواب: أنه لا يشترط في المتنفل راكبًا الاستقبال في الركوع والسجود) 2. قال شيخنا جمال الدين في " تصحيحه ": (وتعبيره بالصواب ممنوع؛ فإن في " الكفاية " و" شرح المهذب " وجهين) 3. قلت: وجه الاشتراط حكاه القاضي أبو الطيب، وذكره الروياني والبندنيجي أيضاً 4، لكن النووي لما حكاه في " شرح المهذب " قال: إنه باطل لا أصل له 5، فإذا كان عنده غير ثابت.. استقام لفظ الصواب على رأيه.
430 - قول " التنبيه " [ص 29]: (فإنه يصليها حيث توجه) قد يقتضي أنه لا يجوز له الانحراف عن جهة توجهه ولو إلى القبلة، وكذا قول " الحاوي " [ص 157]: (إنَّ صوب السفر بدل في النفل) إلا أن يقال: إن قوله: (إنه بدل) يفهم أنه لو استقبل الأصل، وهو القبلة.. جاز، وقد صرح به في " المنهاج " فقال [ص 94]: (ويحرم انحرافه عن طريقه إلا إلى القبلة)، وفي " فتاوى القاضي حسين ": إذا ركب الحمار معكوسًا فصلى إلى القبلة.. يحتمل وجهين: أحدهما: يجوز؛ لأنه استقبل، والثاني: لا؛ لأن قبلته وجه دابته وطريقه، والعادة لم تجر بركوب الحمار معكوساً.
انتهى.
وهذا الاحتمال الثاني غريب، ويستثنى من كلام " التنبيه " و" المنهاج ": من انحرف زمناً يسيراً ناسيًا، أو خطأً، أو لجماح الدابة، أو عروض الريح للسفينة، وقد صرح به في " الحاوي " فقال [ص 157، 158]: (وإن استدبر ناسياً، أو خطأً، أو للجماح.. سجد للسهو إن قَصُر) ولو عبر بالانحراف.. لكان أعم من الاستدبار، وقد حمل البارزي في " توضيحه الكبير " قول " الحاوي ": (سجد للسهو) على الأخيرة فقط، وهي صورة الجماح، لكنه في صورة النسيان قد صححه الرافعي في " الشرح الصغير "، ونص عليه الشافعي كما نقله الخوارزمي في " الكافي " 6، وهو الظاهر من كلامهم في صورة الخطأ أيضاً، فالأولى: حمل كلامه على الثلاثة، وإنما حمل البارزي كلامه على صورة الجماح فقط؛ لأن المنصوص -كما حكاه في

" الشرح " و" الروضة "- في صورة النسيان: أنه لا يسجد 1، وصرح بتصحيحه في " شرح المهذب " 2، خلاف ما تقدم تصحيحه عن " الشرح الصغير ". وقول " الحاوي " في المسألة [ص 158]: (لا إن كثرت) أي: لا تبطل صلاته فيما إذا وطئ على نجاسة إذا كثرت النجاسة في طريقه، ولا بد من تقييده بكونها يابسة، ومع ذلك فالذي ذكره " الحاوي " احتمال للإمام، حكاه عنه الرافعي، ولم يحك غيره 3، لكن قال في " التحقيق ": (ولا يكلف ماش الاحتياط في التصون، فإن تعمدها.. بطلت، وفيما إذا كانت يابسة لا معدل عنها احتمال) 4. 431 - قول " المنهاج " [ص 94] و" الحاوي " [ص 158]: (إنه لو صلى فرضاً على دابة وهي واقفة.. جاز) قال في " المحرر ": (وهي واقفة معقولة) 5، قال في " الدقائق ": (الصواب: حذفه) 6، ولم يقيد به في " الشرح " و" الروضة " 7، وقولهما: (أو سائرة.. فلا) 8 يستثنى منه: ما لو خاف من النزول انقطاعاً عن الرفقة، أو على نفسه، أو ماله.. فإنه يصلي عليها الفرض بالإيماء كما تقدم ويعيد.
432 - قول " التنبيه " [ص 29]: (ومن صلى في الكعبة أو على ظهرها وبين يديه سترة متصلة.. جازت صلاته) أحسن من قول " المنهاج " [ص 95]: (أو على سطحها مستقبلاً من بنائها ما سبق.. جاز) لأنه يخرج بالبناء إذا استقبل شجرة فيها، أو جمع شيئاً من ترابها، أو حفر حفرة فنزل فيها، وكل ذلك داخل في قول " التنبيه " [ص 29]: (وبين يديه سترة متصلة)، وكذا في قول " الحاوي " [ص 156]: (وجزئها) بل قد يقال: إنه أحسن؛ لأن العصا المغروزة تدخل في السترة المتصلة ولا تدخل في جزئها، مع أنها لا تكفي، لكن قيل: إن المتصلة هي المثبتة أو المسمرة، فلا يتناول حينئذ المغروزة.
وقدر السترة: ثلثا ذراع؛ كما صرح به في " المنهاج " و" الحاوي " 9.

433 - قول " التنبيه " [ص 29]: (والفرض في القبلة: إصابة العين، فمن قرب منها.. لزمه ذلك بيقين) وهو معنى قول " المنهاج " [ص 95]: (ومن أمكنه علم القبلة.. حرم عليه التقليد والاجتهاد)، وكذا قال " الحاوي " [ص 156]: (يقيناً)، ويستثنى من كلامهم: من هو بمكة إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصلي؛ كالجبل.. فله الاجتهاد، ولا يكلف الرقي فوقه ليرى الكعبة، وكذا إن كان الحائل حادثاً؛ كالأبنية في الأصح، كذا في " الشرح " و" الروضة " 1، لكن نص في " البويطي " على الإعادة 2، وأقل مراتبه: حمله على الحائل الحادث، وفي " النهاية " عن العراقيين: لو بنى حائلاً مغ المشاهدة بلا حاجة.. لم تصح صلاته بالاجتهاد؛ لتفريطه 3، وحمل في " الكفاية " القرب في كلام " التنبيه " على داخل المسجد، والبعد على خارجه، وليس في اللفظ ما يدل عليه.
434 - قول "التنبيه" [ص 29]: (ومن بعد عنها.. لزمه ذلك بالظن في أحد القولين) هو الأصح، والظن إما بالخبر، أو الاجتهاد، أو التقليد، وتخصيصه في " الكفاية " بالاجتهاد ليس بجيد.
435 - قول " الحاوي " [ص 156]: (ثم بقول عدل) أي: يخبر عن علم، كما صرح به في " التنبيه " و" المنهاج " 4 كأن يقول: أنا أشاهد الكعبة وهي هنا، والمراد: عدالة الرواية، حتى يكفي خبر العبد والمرأة، وعبر في " التنبيه " و" المنهاج " بالثقة 5. 436 - قول " التنبيه " [ص 29]: (وإن رأى محاريب المسلمين في بلد.. صلى إليها ولم يجتهد) فيه أمور: أحدها: خرج بالبلد: القرية الصغيرة، لكن إن نشأ بها قرون من المسلمين، وسلم محرابها من الطعن.. فهي كالبلد، كما ذكره في " النهاية " 6، وكذلك يعتمد المحراب إذا كان في طريق مطروق، كما ذكره البغوي 7. ثانيها: لعل المراد بالرؤية: العلم؛ حتى يعتمده الأعمى، ومن في ظلمة بالمس، قال في " الكفاية ": وكذا إذا أخبر عدل أنه رأى جماعة من المسلمين اتفقوا على هذه الجهة، وإخبار صاحب المنزل.. فيعتمده ولا يجتهد.

ثالثها: ظاهره: أنه لا يجتهد فيها بالتيامن والتياسر، وهو وجه، والأصح: جوازه، وللسبكي احتمالان في وجوبه، ذكرهما في مصنف له في هذه المسألة، ومال إلى الوجوب، قال: ثم إذا اجتهد وجوباً أو جوازاً وظهر له الحق قطعأ أو ظناً.. فلا يسوغ له التقليد أصلاً.
انتهى.
نعم؛ كلامه على إطلاقه في محراب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ويعني بمحرابه: مكان صلاته؛ فإنه لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام محراب؛ أي: طاق، وكذلك قال النووي في " التحقيق ": (وكل موضع صلى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وضبط موقفه تعيّن، ولا يجتهد فيه بتيامن ولا تياسر) 1، وقال في " الحاوي " [ص 156، 157]: (لا في محراب الرسول عليه السلام يمنة ويسرة، وفي محراب المسلمين جهة) ويرد عليه: القرية الصغيرة إذا لم تنشأ بها قرون من المسلمين؛ فإنه لا يعتمد محرابها كما تقدم مع أنها داخلة في قوله: (محراب المسلمين).
رابعها: لم يتعرض في " المنهاج " لذكر المحاريب، وهو في معنى خبر الثقة الذي ذكره، قال في " الروضة ": (قد يكون الخبر صريح لفظ، وقد يكون دلالة؛ كالمحراب المعتمد) انتهى 2. وفي كلام بعض الأصحاب تسميته تقليداً، وتردد في ذلك السبكي فقال: يحتمل أن يكون تقليداً، ويحتمل أن يقال: إنه بمنزلة الخبر.. فلا يجتهد فيه، قال: ويظهر أثر الاحتمالين في العارف بأدلة القبلة، هل يجوز له الاجتهاد فيها أو لا؟ إن قلنا: بمنزلة الخبر.. لم يجز، وإن قلنا: إنه تقليد.. جاز، قال: بل قد يقال بوجوبه؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً، قال: والأظهر: توسط، وهو: أنه في الجهة بمنزلة الخبر؛ ولهذا اتفقوا على أنه لا يجوز الاجتهاد في الجهة، ولا كذلك في التيامن والتياسر؛ فلذلك نوجبه فيه.
انتهى.
437 - قول " المنهاج " [ص 95]: (فإن فقد وأمكن الاجتهاد.. حرم التقليد) وفي معناه قول " التنبيه " [ص 29]: (وإن كان في برية واشتبهت عليه القبلة.. اجتهد في طلبها بالدلائل) وقول " الحاوي " [ص 156]: (ثم للبصير باجتهاد) ويستثنى من كلامهم: ما إذا ضاق الوقت عن الاجتهاد، فالأصح: أنه لا يجتهد، بل يصلي على حسب حاله ويعيد.
438 - قول " التنبيه " [ص 29]: (ومن صلى بالاجتهاد.. أعاد الاجتهاد للصلاة الأخرى) وقول " المنهاج " [ص 95]: (ويجب تجديد الاجتهاد لكل صلاة تحضر على الصحيح)، وعبر في " الروضة " بالأصح 3، هو في الفرض، أما النفل: فله صلاته بالأول قطعاً؛ ولذلك قال في

" الحاوي " [ص 156]: (لكل فرض) وقد يقال: إنه مفهوم من ذكر " التنبيه " الصلاة معرفة، قال في " الكفاية ": وحيث يُقَلِّدُ.. فإعادة التقليد كإعادة الاجتهاد.
439 - قول " التنبيه " [ص 29]: (فإن لم يعرف الدلائل أو كان أعمى.. قلد بصيراً يعرف) فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يشمل ما إذا قدر على التعلم، والأصح في هذه الصورة: أنه لا يقلد بناء على وجوب التعلم كما سأذكره، فلعل المراد: العجز عن تعلم الأدلة، وقد عبر به في " المنهاج " و" الحاوي " 1. ثانيهما: لا بد في البصير الذي يقلده من أن يكون ثقة، كما صرح به في " المنهاج " 2، واعتبر في " الحاوي " أن يكون مكلفاً عدلاً 3، ولم يذكر في " المنهاج " التكليف؛ لأن لفظ الثقة يشمله؛ إذ لا وثوق بقول صبي ولا مجنون، واعتذر في " الكفاية " عن كون " التنبيه " لم يذكر كونه ثقة: بأنه يعرف من اعتباره في الإخبار من باب أولى.
440 - قول " المنهاج " [ص 95]: (وإن قدر.. فالأصح: وجوب النعلم فيحرم التقليد) وهو مفهوم من اشتراط " الحاوي " في التقليد العجز عن التعلم، وتبعا في ذلك الرافعي 4، ومقابله وجهان: أحدهما: أن التعلم فرض كفاية.
والثاني: التفرقة بين أن يريد سفراً أم لا، واختاره النووي في " الروضة " 5، وصححه في " شرح المهذب " و" التحقيق " 6. قال السبكي: وينبغي أن يكون مراده: سفرأيغلب فيه ذلك، أما الركب الكبير كالحجيج.. فهو كالبلد؛ لكثرة العارفين فيه.
441 - قولهما -والعبارة لـ" المنهاج "-: (ومن صلى بالاجتهاد فتيقن الخطأ.. قضى في الأظهر) 7 فيه أمور: أحدها: صورة المسألة: أن يتيقن الخطأ معيناً، كما في " الحاوي " 8، أما إذا لم تتعين

الصلاة التي أخطأ فيها؛ كأن صلى أربع صلوات إلى أربع جهات، فإنه يتيقن الخطأ في بعضها لكن لا يعينها.. فلا إعادة، وهو مفهوم من قول " المنهاج " بعد ذلك [ص 95]: (حتى لو صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد.. فلا قضاء).
ثانيها: دخل في كلامهما: تيقن الخطأ في الجهة، وفي التيامن أو التياسر دون الجهة، وصرح به في " الحاوي " 1، وهو الذي حكاه الروياني 2، وخصه الماوردي بالخطأ من جهة إلى جهة، وقال: إنه إذا أخطأ العين إلى الجهة.. لا قضاء، ونص عليه في " الأم " 3. ثالثها: زاد في " الحاوي " [ص 158]: (أو تيقنه مخبر المقلد) وهو داخل في تعبير " التنبيه " و"المنهاج " بالاجتهاد؛ لأنه شامل لاجتهاد نفسه إن كان مجتهداً، واجتهاد مقلَّده إن لم يكن مجتهداً.
رابعها: تناول كلامهما وكلام " الحاوي ": ما إذا لم يتيقن معه الصواب، وهو الأصح، ورجح في " الكفاية ": المنع، وحكاه عن جماعة.
خامسها: المراد باليقين هنا: ما يمتنع معه الاجتهاد، فيدخل فيه خبر الثقة عن معاينه.
442 - قولهم -والعبارة لـ" المنهاج "-: (وإن تغير اجتهاده.. عمل بالثاني ولا قضاء) 4، قال في " الكفاية ": عن القاضي: أن محله: إذا كان أقوى من الأول، فإن كان أضعف.. فكالعدم، أو مثله.. فكالمتحير يصلي إلى ما شاء منهما ويقضي الثانية فقط.
انتهى.
ولا يحتاج إلى هذا التقييد؛ لأن الظن لا يتغير إلا بالأوضح والأقوى، وقد ذكر الرافعي في " الشرح " هذا القيد فيما إذا تغير اجتهاده قبل الصلاة، وأطلق ذلك في تغيره بعدها، ونقل عن البغوي: التقييد به فيما إذا تغير في أثنائها، وأنه قال فيما إذا استويا: أتم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة، وناقشه الرافعي: بأن الأضعف لا يتغير به الاجتهاد، وقضية المساوي التوقف، فلا يكون الصواب ظاهراً له.
انتهى 5. وهو بحث صحيح، لكنه يرد عليه في تقييده التغير قبلها بذلك، وحذف في " الروضة " بحث الرافعي هذا، وقال في " شرح المهذب ": المشهور: إطلاق الوجهين 6.

بابُ صفة الصّلاة

443 - قول " المنهاج " [ص 96]: (أركانها ثلاثة عشر) كذا في " المحرر " 1، وجعلها في " التنبيه " ثمانية عشر، فزاد: الطمأنينة في الركوع، والاعتدال، والسجود، والجلوس بين السجدتين، ونية الخروج من الصلاة 2، وجعلها في " الروضة " و" التحقيق " سبعة عشر 3؛ لأن الأصح: أن نية الخروج لا تجب، وجعلها في " الحاوي " أربعة عشر، فزاد: الطمأنينة، إلا أنه جعلها في الأركان الأربعة ركناً واحداً 4، والخلاف بينهم لفظي، فمن لم يعد الطمأنينة ركناً.. جعلها في كل ركن كالجزء منه وكالهيئة التابعة له، ومن عدها أركاناً.. فذلك لاستقلالها وصدق اسم السجود ونحوه بدونها، وجعلها أركاناً؛ لتغايرها باختلاف محلها، ومن جعلها ركناً واحداً.. فلكونها جنسا واحداً.
444 - قول " المنهاج " [ص 96]: (فإن صلى فرضاً.. وجب قصد فعله) الضمير في قوله: (فعله) يعود إلى الصلاة لا إلى الفرض؛ لأن من قصد فعل الفرض.. فقد قصد الفرضية بلا شك، فلا يحسن قوله بعد ذلك: (والأصح: وجوب نية الفرضية) 5، وقد سلم من هذا الإيهام " التنبيه " بقوله [ص 30]: (وينوي الصلاة) و" الحاوي " بقوله [ص 159]: (ركن الصلاة: نية فعلها) لكن فات " التنبيه " أن يذكر أن الأصح: وجوب نية الفرضية؛ ولعل مختاره: عدم الوجوب، فقد صححه الروياني 6، واختاره في " المرشد ". 445 - قول " المنهاج " [ص 96] و" الحاوي " [ص 159]: (إنه تجب نية الفرضية في الفرض) يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين البالغ والصبي، وهو الذي في " الشرح " و" الروضة " 7، لكن في " شرح المهذب ": أن الصواب: أن الصبي لا يشترط في حقه نية الفرضية، وصححه في " التحقيق " 8، ورجحه السبكي والإسنوي، ودخل في الفرض: فرض الكفاية؛ كصلاة الجنازة، وبه صرح الرافعي في (الجنائز) 9، والمنذورة، وقد نقله في " الكفاية " عن بعضهم.

446 - قول " المنهاج " [ص 96]: (دون إضافة إلى الله) استشكل تصويره؛ لأن فعل الفرضية لا يكون إلا لله، فلا ينفك قصد الفرضية عن نية الإضافة إلى الله تعالى 1. 447 - قوله: (وأنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه) 2 وقول " الحاوي " [ص 159]: (وإن خالف الأداء والقضاء) استشكله الرافعي؛ لأنه إن قصد حقيقته.. فتلاعب، وإلا.. فيصح جزماً 3. قال النووي: وهو إلزام صحيح، ومرادهم بالصحة: إذا كان معذوراً بغيم ونحوه 4، أي: فظن بقاء الوقت فنوى الأداء أو خروجه فنوى القضاء فبان خلافه، أما مع العلم بالحال.. فلا يصح قطعاً.
448 - قول " التنبيه " [ص 30]: (فإن كانت نافلة غير راتبة.. أجزأته نية الصلاة) اعترضه النووي في " تصحيحه " فقال: (والصواب: أن النافلة التي ليست راتبة ولها سبب؛ كالكسوف، والاستسقاء، وصلاة الطواف -إذا قلنا: هي سنة- وغيرها.. لا تصح إلا بتعيين النية) وتبعه شيخنا الإسنوي في " تصحيحه " 5. وأجيب عنه: بأن اصطلاح المتقدمين أن الراتبة: ما لها وقت سواء توابع الفرائض وغيرها، كما ذكره الرافعي في صلاة التطوع، وقال في (التيمم): من المؤقتة: صلاة الكسوف والاستسقاء، فذات السبب على هذا راتبة 6. وهي داخلة في قول " التنبيه " [ص 30]: (وينوي الصلاة بعينها إن كانت الصلاة مكتوبة أو سنة راتبة) فلا ترد على قوله: (فإن كانت نافلة غير راتبة) وكذلك قال في " الكفاية ": عبر الشيخ عن السنن المقيدة بالراتبة.
فإن قلت: قد قال في (صلاة التطوع): (ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء.. قضاه) 7 وما له سبب.. لا يقضي، فدل على أنه ليس من الراتبة عنده.
قلت: بل هذا يبين أن الراتبة عنده كل مؤقتة؛ للإشارة بـ (هذه)، فإنه أخرج باسم الإشارة الكسوف والاستسقاء المتقدم ذكرهما، وإلا.. لقال: من السنن الراتبة ولم يذكر الإشارة، ومشى

في " المنهاج " على أن ذات السبب ليست من المؤقتة، فقال [ص 96]: (والنفل ذو الوقت أو السبب كالفرض فيما سبق) أي: من إيجاب نية الفعل والتعيين، ويحتمل أن ذات السبب عنده من المؤقتة، ولكنه عطفها عليها إيضاحاً، وعبر " الحاوي " بعبارة تشملهما فقال [ص 159]: (مع التعيين في المعين) ويستثنى من إيجاب التعيين في ذات السبب: تحية المسجد، وسنة الوضوء، فيكفي فيهما نية الفعل كما في " الكفاية " في الأولى، وفي " الإحياء " في الثانية 1. قال النشائي: (وينبغي طرده في ركعتي الإحرام والطواف إذا لم نوجبهما، لحصول المقصود بكل صلاة) انتهى 2. وقد عرفت تصريح النووي في ركعتي الطواف باشتراط التعيين، وذكر في " الحاوي " من أمثلة المعين: الأضحى 3، ومنه يفهم أنه لا تكفي نية العيد؛ لاشتراكه بين الأضحى والفطر، وبحث الشيخ عز الدين بن عبد السلام الاكتفاء بذلك فيهما، لاستوائهما في الصفات كالكفارة 4. 449 - قول " المنهاج " [ص 96]: (وفي نية النفلية الوجهان) كذا في " المحرر " و" الروضة " بالتعريف 5، أي: الوجهان في اشتراط نية الفرضية في الفرض، وكشط المصنف في نسخته من " المنهاج " الألف واللام، وصحح عليه؛ لأن فيهما إيهام تصحيح اشتراطهما، وقد صحح من زيادته خلافه، وصوب في " الروضة " و" شرح المهذب ": الجزم به 6. 450 - قوله: (ويكفي في النفل المطلق نية فعل الصلاة) 7 يقتضي أن نية النفلية لا تشترط هنا جزماً، وكذا قال الرافعي: لم يذكروا فيه الخلاف المتقدم، ثم بحث مجيئه 8، لكن حكى في " المهمات " عن صاحب " التقريب ": أن الصلاة لا تصح إلا مع التعرض للفرض أو النفل.
451 - قول " التنبيه " [ص 30]: (والتكبير أن يقول: " الله أكبر "، أو " الله الأكبر "، لا يجزئه غير ذلك) يرد عليه: أن الأصح: أنه يجزئ أيضاً: (الله الجليل أكبر)، وقد صرح به في " المنهاج " 9، وفي معناه: (عز وجل)، وغير ذلك من الصفات التي لا يطول بها الفصل،

ولذلك عبر " الحاوي " بقوله [ص 159]: (وإن تخلل يسير ذكر، أو وقفة) فعبارته أعم وأحسن، ومثَّل الماوردي الفصل اليسير بقوله: (الله لا إله إلا هو أكبر) مع أن الفاصل أربع كلمات 1، وقال الشاشي: لا اعتبار عندي بطول الفصل وقصره، بل بالانتظام، فمتى أفاد التكبير بأن يكون أكبر خبراً عنه.. انعقد.
انتهى 2. وهو غريب، وما ذكره " الحاوي " من أنه لا يضر تخلل الوقفة اليسيرة.. مخالف لإطلاق الرافعي أنه تضر الوقفة 3، وكذا قال في " شرح المهذب " 4، ثم قال: نعم؛ قال العجلي: يجوز بقدر ما يتنفس فقط.
452 - قول " التنبيه " [ص 30]: (ومن لا يحسن التكبير بالعربية.. كبر بلسانه) قد يفهم تعين لسانه؛ أي: لغته، والأصح: أن جميع اللغات إذا عجز عن العربية سواء، فيخير بينها، وقد سلم من ذلك " المنهاج " بقوله [ص 96]: (ومن عجز.. ترجم) و" الحاوي " بقوله [ص 160]: (والترجمة للعاجز)، لكن الظاهر: أن المراد بلسانه: ما يحسنه، فلا إيراد، وقد يفهم من عبارة " التنبيه " و" المنهاج " أنه لا يؤخر الصلاة؛ ليتعلم التكبير عند اتساع الوقت، وليس كذلك، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 160]: (ويؤخر له)، وقد يقال: قول " المنهاج " [ص 96]: (ومن عجز) أي: عن التكبير بالعربية والتعلم الآن.
453 - قول " التنبيه " [ص 30]: (فإذا انقضى التكبير.. حط يديه) يقتضي أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، وينهيه مع انتهائه، وهو الذي صححه في " شرح المهذب "، ونقله عن نصه في " الأم " 5، لكن صحح في " الروضة " تبعاً للرافعي: أنه لا استحباب في الانتهاء 6، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 96]: (والأصح: رفعه مع ابتدائه) وكذا في " الحاوي " [ص 163]: (وسن رفع اليدين مع التحرم) ولم يتعرضا للانتهاء، وصحح البغوي: أنه يرفع غير مكبر، ثم يكبر وهما قارتان، ثم يرسلهما بعد فراغه، واختاره السبكي 7. 454 - قول "التنبيه" في رفع اليدين [ص 30]: (ويفرق أصابعه) قيده الرافعي فقال: تفريقاً وسطاً 8،

والمشهور في " شرح المهذب "، وصححه في " التحقيق ": خلافه 1. 455 - قوله: (حط يديه) 2 ظاهره: الحط الكلي، والأصح في " الروضة ": إرسالهما إلى الصدر 3. 456 - قوله: (وتكون النية مقارنة للتكبير) 4، وقول " المنهاج " [ص 96]: (ويجب قرن النية بالتكبير) حقيقة المقارنة: انطباق كل طرف على طرف، وهو وجه بعيد؛ لأن النية عرض لا تنقسم، فلا أول لها ولا آخر، والأصح: أنه توجد النية مع أول التكبير وتستمر إلى آخره، ثم قيل: الاستمرار: استحضارها، وقيل: توالي أمثالها؛ ولذلك عبر في " الحاوي " بقوله [ص 159]: (مقرونة بكل التكبير) فاعتبر مقارنة مجموع النية لكل التكبير، وصحح الرافعي في (الطلاق): الاكتفاء بمقارنة النية لأول التكبير 5، واختار النووي في " شرح المهذب " تبعاً للإمام والغزالي في " الإحياء ": الاكتفاء بالمقارنة العرفية عند العوام، بحيث يعد مستحضراً للصلاة 6، وقال السبكي: هو الصواب، وعليه نزل بعضهم كلام الشافعي رضي الله عنه.
457 - قول " التنبيه " في (صفة الصلاة) [ص 30]: (إذا أراد الصلاة.. قام إليها) إنما يتعين القيام في صلاة الفرض، وفي حق القادر عليه، كما أوضحه في (باب صلاة المريض) 7، وصرح به " المنهاج " هنا فقال [ص 96]: (الثالث: القيام في فرض القادر)، وأطلق " الحاوي " ركنية القيام، ولم يقيد ذلك بالفرض 8، لكنه علم من ذكره حكم النفل بعد ذلك.
وقال بعضهم في عبارة " التنبيه ": لعل مراده بالقيام: التوجه؛ ليشمل العاجز 9، وحكى الروياني في " البحر " وجهين في أنه هل تجوز صلاة الصبي قاعداً مع القدرة على القيام -يعني: في الفرض-؟ وصحح: المنع 10، فعلى مقابله يعتبر لتعين القيام شرط ثالث، وهو: كونه في صلاة البالغ، وأورد بعضهم على عبارة " المنهاج ": من يحتاج في مداواته إلى استلقاء يستغرق وقت صلاته فأكثر؛ لنزول الماء في عينه أو غير ذلك وهو يقدر على القيام؛ فإن الأصح: جواز

تركه (1)، وقد ذكره " التنبيه "، فقال [ص 140]: (وإن كان به وجع العين، فقيل: إن صليت مستلقياً.. أمكن مداواتك، وهو قادر على القيام.. احتمل أن يجوز له ترك القيام، واحتمل ألَّا يجوز)، والأصح: الجواز كما تقدم، وهذان الاحتمالان وجهان مشهوران للأصحاب، وقد حكاهما في " المهذب " وجهين (2)، وعبر " الحاوي " بقوله [ص 160]: (ولرمد يبرأ به) وتعبير " التنبيه " بوجع العين أولى؛ لأن أهل الصناعة لا يسمون نزول الماء في العين رمداً، وسواء عبر بوجع العين أو الرمد.. فالحكم لا يختص به، فلو كانت به جراحة يمكن علاجها مع إدامة الاستلقاء دون غيره.. كان الحكم كذلك، وحكى النووي في " نكته ": أن الذي في نسخة المصنف من " التنبيه ": (وجع) بدون ذكر العين، فتناولت عبارته هذه الصورة.
وأجيب عن " المنهاج ": بأن هذا عاجز؛ لأجل العذر؛ لضرورة التداوي (3)، فتناوله كلامه، وقد يفهم من كلام " التنبيه " أنه لو قيل له: إن صليت قاعداً أمكنت مداواتك.. جاز القعود قطعاً، وكذا قال إمام الحرمين (4)، لكن قال الرافعي: مفهوم كلام غيره أنه على الوجهين (5).

فائدة [فيما لو استطاع الصلاة قائماً منفرداً، أو مع الجماعة قاعداً]

في " الروضة " من زيادته عن الشافعي والأصحاب: أنه لو قدر أن يصلي قائماً منفرداً، وإذا صلى مع الجماعة احتاج أن يصلي بعضها من قعود.. فالأفضل: الانفراد، فإن صلى مع الجماعة وقعد في بعضها.. صحت.
انتهى 6. وقال أبو الخير المقدسي في " شرح المفتاح ": يتعين الانفراد، ولا يجوز له ترك القيام؛ لأن القيام فرض والصلاة في الجماعة نافلة، والفرض أولى من النافلة.
458 - قول " التنبيه " [ص 40]: (إذا عجز عن القيام.. صلى قاعداً) يرد عليه: ما إذا قدر على حد الراكعين فقط، فالصحيح: أنه يقف كذلك، ولا يصلي قاعداً، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 7، وقد يقال: هو قيامه فلا يرد عليه، وقال في " الكفاية ": أفهم بتعبيره بالعجز:12345

نفي تمكنه مطلقاً، وليس كذلك، قال في " شرح المهذب ": قال أصحابنا: والمعتبر: المشقة الظاهرة 1، وهذا يرد على " المنهاج " أيضاً في تعبيره بالعجز، وعبر " الحاوي " بقوله [ص 160]: (ثم انحنى ولو كالراكع، ثم قعد) ولم يبين السبب المجوز للانتقال للانحناء والقعود.
459 - قول " التنبيه " [ص 40]: (ويقعد متربعاً في أحد القولين، ومفترشاً في الآخر) الخلاف في الأفضل، والأصح: أنه يقعد مفترشاً، وقد صرح " المنهاج " بالأمرين فقال [ص 97]: (قعد كيف شاء، وافتراشه أفضل من تربعه في الأظهر) وخص الماوردي ذلك بالرجل، وقال: إن الأولى للمرأة: التربع في قعودها؛ لأنه أستر لها 2. 460 - قول " الحاوي " [ص 164]: (وكره الإقعاء) فسره في " المنهاج " بقوله [ص 97]: (بأن يجلس على وركيه ناصباً ركبتيه) وهذا تفسير أبي عبيدة، وحكي عنه: أنه زاد فيه: وضع يديه بالأرض، وهذا الإقعاء مكروه في جميع الصلاة.
وأنكر بعضهم قوله: (على وركيه) لتوهمه أن الورك هو الفخذ، وليس كما توهم، بل الورك أصل الفخذ، فمعنى الجلوس على وركيه ونصب ركبتيه: أن يلصق أليته بالأرض وينصب فخذيه وساقيه وركبتيه، كذا حرره السبكي من كتب اللغة.
ومن الإقعاء نوع يستحب بين السجدتين عند ابن الصلاح والنووي، وهو: أن يفرش رجليه ويضع أليتيه على عقبيه، وجعله الرافعي أحد الأوجه في تفسير الإقعاء المكروه، وفسر البيهقي المستحب: بأن يضع أطراف أصابعه بالأرض وأليتيه على عقبيه، وفي " البويطي " نحوه، وظاهره: نصب قدميه، لا قوسهما 3. 461 - قولهما: (وإن عجز عن القعود.. صلى مضطجعاً لجنبه الأيمن) 4 كون الاضطجاع على الجنب الأيمن مستحب، فلو صلى مضطجعاً لجنبه الأيسر.. جاز؛ ولذلك أطلق " الحاوي " ذكر الجنب ولم يقيده بالأيمن 5. 462 - قول " التنبيه " [ص 40]: (ويومئ بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه) لا يكفي مجرد كونه أخفض، بل لا بد من الانحناء غاية الممكن؛ لأنه أقرب إلى الواجب

الأصلي، وقد صرح به " الحاوي " 1، ولم يتعرض " المنهاج " لذكر الإيماء بالكلية.
463 - قول " التنبيه " [ص 40]: (فإن عجز عن ذلك.. أومأ بطرفه ونوى بقلبه) فيه أمران: أحدهما: أنه يوهم ترك الاستلقاء إذا قدر عليه، وليس كذلك، وقد ذكره " المنهاج " بقوله [ص 97]: (فإن عجز.. فمستلقياً) وهو من زيادته على " المحرر " من غير تمييز، و" الحاوي " بقوله [ص 160]: (ثم يستلقي).
ثانيهما: أنه قد يوهم أنه إذا عجز عن الإيماء.. لا يجب عليه إمرار الأركان على قلبه، وهو وجه، والأصح: الوجوب؛ ولذلك قال في " الحاوي " [ص 160]: (ثم بطَرْفِهِ، ثم يجري الأركان على قلبه) ولم يتعرض في " المنهاج " بعد الاستلقاء لذكر الإيماء بالطرف، ولا النية بالقلب.
464 - قول " التنبيه " [ص 40]: (فإن قدر على القيام في أثناء الصلاة، أو القعود.. انتقل إليه) يستثنى منه: ما لو قدر على القيام بعد الرفع من الركوع والفراغ من الطمأنينة؛ فإنه لا يلزمه الانتقال إليه ليسجد في الأصح؛ لئلا يطول الاعتدال، وهو ركن قصير.
وما لو قدر في ركوعه قبل الطمأنينة.. فإنه يرتفع إلى حده ولا ينتصب؛ لما فيه من زيادة الركوع، وفي " الحاوي " [ص 160]: (فإن خف في الركوع قبل الطمأنينة.. يرتفع إلى حده)، وأورد عليه: أن اقتصاره على الركوع يوهم أنه إذا خف في الاعتدال قبل الطمأنينة.. لا يلزمه الانتصاب، وليس كذلك؛ فإنما لا ينتقل إذا كانت القدرة بعد الطمأنينة كما تقدم، وقد ذكرها " الحاوي " بعد ذلك بقوله [ص 161]: (وقام ليركع ويقنت، لا ليسجد)، وإنما قصد " الحاوي " بذكر مسألة القدرة في الركوع قبل الطمأنينة: أنه يرتفع إلى حد الراكعين فقط، ولا ينتصب، بخلاف القدرة في الاعتدال قبل الطمأنينة؛ فإنه ينتصب، فلا إيراد عليه.
465 - قولهم: (إنه يسن بعد التحرم دعاء الاستفتاح) 2 يستثنى منه: المسبوق إذا أدرك الإمام في غير القيام ولو في الاعتدال، أو أدركه في القيام وخاف فوت (الفاتحة).. فإنه لا يأتي به، فلو سلم الإمام عقب تحرمه قبل أن يقعد.. أتى به، وينبغي أن يقال: (كل مُصَلٍّ إذا خاف خروج الوقت لو أتى بدعاء الاستفتاح.. لا يأتي به)، ولم أر من تعرض له، ولم يبين " المنهاج " و" الحاوي " بماذا يستفتح، وبينه في " التنبيه "، وهو: (وجهت وجهي) إلى (وأنا من

جارٍ التحميل