تحرير الفتاوىصفحات 283-322

كتابُ الصَّلاة

صفحات 283-322

الظل؛ فإنه لا يُطَهِّر قطعاً، كما قاله العراقيون، وقال الخراسانيون: فيه خلاف مرتب (1)، وخرج بالأثر: ما إذا كان للنجاسة جرم كالعذرة؛ فإن الأرض لا تطهر بالشمس والريح قطعاً.
571 - قوله: (وإن كان على ثوبه أو بدنه نجاسة مما لا يدركها الطرف من غير الدماء.. فقد قيل: تصح، وقيل: لا تصح، وقيل: فيه قولان) (2) تقدم نظير هذا الخلاف في الماء، واختلاف التصحيح فيه في بابه (3)، صحح النووي: العفو (4)، والرافعي: عدم العفو (5). 572 - قوله: (ولا تحل الصلاة في ثوب حرير) (6) هذا في حق الرجل والخنثى المشكل، ومع ذلك فالأصح: أنه يصلي فيه إذا لم يجد ساتراً غيره.
573 - قول " الحاوي " في أمثلة ما لا يعفى عنه [ص 166]: (وبيض فيه دم) هذا تفريع على نجاسته، وهو الأصح، ووقع في " شرح الوسيط " للنووي طهارته (7).

فَصْلٌ [في ضابط الكلام المبطل للصلاة]

574 - قول " التنبيه " [ص 36]: (وإن تكلم عامداً.. بطلت صلاته) المراد: كلام البشر بحرفين أو حرف مفهم كـ (قِ) من وقى، وكذا حرف ممدود في الأصح، وقد صرح " الحاوي " بالأمرين بقوله [ص 167]: (وبكلام البشر حرفين وحرف مفهم أو ممدود)، وصرح " المنهاج " بالأمر الثاني بقوله [ص 107]: (تبطل بالنطق بحرفين أو حرف مفهم، وكذا مَدَّةٌ بعد حرف في الأصح)، وفاته التقييد بكلام البشر.
وقد استثنوا بعد ذلك من إبطال الكلام الصلاة: اليسير لنسيان، أو سبق لسان، أو جهل مع قرب العهد بالإسلام.
ويستثنى أيضاً: ما لو أجاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد ناداه في حياته.. فالأصح: لا تبطل، وفي إجابة أحد الوالدين أوجه:

  • تلزم الإجابة ولا تبطل الصلاة.1234567
  • تلزم ولكن تبطل.
  • لا تلزم، وصححه الروياني في " البحر " 1، وقال السبكي في كتاب " بر الوالدين ": المختار: القطع بأنه لا يجيبهما إن كانت الصلاة فرضاً وقد ضاق الوقت، وكذا إن لم يضق؛ لأنها تلزم بالشروع، خلافاً لإمام الحرمين، وإن كانت نفلاً.. وجبت الإجابة إن علم تأذيهما بتركها، ولكن تبطل، وفي " المطلب ": إنه لم ير فيها نقلاً، وقد عرفت النقل فيها.
    ويستثنى أيضاً: تلفظه بالنذر، فلا تبطل به الصلاة على الأصح في " شرح المهذب " لأنه مناجاة 2، قال في " المهمات ": (وقياسه: التعدي إلى الإعتاق والوصية والصدقة وسائر القرب المنجزة) انتهى.
    وقول المصلي لإبليس 3: ألعنك بلعنة الله؛ كما قاله شيخنا الإمام البلقيني، وإنذار مشرف على الهلاك؛ كما صححه في " التحقيق " 4، لكن الأصح في " الشرح " و" الروضة " وغيرهما: البطلان مع وجوبه 5، وتكلمه بكلام لم يسمع لعارض صياح ونحوه على أحد وجهين لوالد الروياني، لكن الأصح: البطلان، وذكرت الفرع؛ لاستغرابه.
    وإذا تكلم عامداً بعد سلامه ناسياً.. فلا تبطل الصلاة، كما ذكره الرافعي في (الصيام) 6، وقد تدخل هذه الصورة في الجهل بالتحريم.
    575 - قول " الحاوي " [ص 167]: (وضحك وبكاء وأنين وتنحنح) ظاهر عبارته: بطلان الصلاة بقليل هذه الأشياء وكثيرها، وليس كذلك، بل هي كالكلام؛ إن ظهر حرفان.. بطلت، وإلا.. فلا، وذكر المتكلمون على " الحاوي " أنها من الكلام، فيأتي فيها ما فيه، وليس في عبارته ما يدل على ذلك، وقد صرح بذلك " التنبيه " في النفخ والنحنحة مع تركه له في الكلام والقهقهة، فقال [ص 36]: (وإن نفخ أو تنحنح ولم يبن منه حرفان.. لم تبطل صلاته) وفي " المنهاج " [ص 107]: (الأصح: أن التنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ إن ظهر به حرفان.. بطلت، وإلا.. فلا) وهو صريح في جريان الخلاف في الكل، وكذا في " المحرر " و" شرحي الرافعي " 7، لكن في " الروضة " و" التحقيق " و" شرح المهذب ": تخصيص الخلاف

بالتنحنح، والجزم في المذكورات معه بذلك 1، ولا معنى له، وقد صرح في " التتمة " بجريان الخلاف في الكل، إلا أنه حكاه قولين.
576 - قول " التنبيه " بعد الكلام والقهقهة [ص 36]: (وإن كان ذلك ناسياً، أو جاهلاً بالتحريم، أو مغلوباً عليه، ولم يطل.. لم تبطل، وإن أطال.. فقد قيل: تبطل، وقيل: لا تبطل) الأصح: البطلان، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 2، لكن صحح السبكي تبعاً للمتولي: أن الكلام الكثير ناسياً لا يبطل، وأيضاً: فكان ينبغي تأخير هذا الفرع عن النفخ والنحنحة؛ ليعود للكل؛ كما فعل " المنهاج " و" الحاوي "، ومراد " التنبيه " بالغلبة عليه هو مرادهما بسبق اللسان، لكن التعبير بالغلبة أعم؛ لأنه يأتي في التنحنح ونحوه، بخلاف سبق اللسان، ثم إن " التنبيه " أطلق أن جهل التحريم عذر، وذلك إنما هو في حق قريب العهد بالإسلام؛ كما ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 3، وفي معناه: الناشئ في بادية بعيدة، كما في نظائره وإن لم يصرحوا به، بل حكى المحب الطبري وجهاً: أنه يعذر من لم يخالط العلماء.
577 - قول " المنهاج " [ص 107] و" الحاوي " [ص 167]: (إنه يعذر في التنحنح للغلبة) محله: إذا كان قليلاً، فإن كثر.. أبطل؛ كما صرح به الرافعي في الضحك 4، والباقي في معناه، وقول " المنهاج " [ص 107]: (وفي تنحنح ونحوه) قالوا: أراد بنحوه: ما ذكر بعده، وهو: الضحك والبكاء والأنين والنفخ، وهذا إن تأتى في الغلبة.. فلا يتأتى في المذكور بعده، وهو: تعذر القراءة.
578 - قولهما أيضاً: (إنه يعذر في التنحنح أيضاً؛ لتعذر القراءة بدونه) 5 محله: في القراءة الواجبة، وهي: (الفاتحة) وبدلها، وقد قيده به في " التحقيق " و" شرح المهذب " 6. قال شيخنا شهاب الدين: (وكذا التشهد الأخير والتسليمة الأولى فيما يظهر) 7. ولم يذكر " التنبيه " العذر في التنحنح بتعذر القراءة.
579 - قول " المنهاج " [ص 107]: (لا الجهر في الأصح) المتبادر إلى الفهم منه: أنه أراد به: الجهر بالقراءة، وذكر في " المهمات ": أنه يتناول كل جهر مأمور به، فيتناول الجهر بالقنوت

وبتكبير الانتقالات؛ حيث احتيج إليه في إسماع المأمومين، قال: إلا أن المتجه في القسم الأخير: أنه عذر، وفيما إذا حصل في أثناء السورة.. الجزم بأنه ليس عذراً؛ لحصول إقامة الشعار بالبعض.
580 - قول " المنهاج " [ص 107]: (ولو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم؛ كـ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ إن قصد معه قراءة.. لم تبطل، وإلا.. بطلت) قال في " الدقائق ": (يفهم منه أربع مسائل، إحداها: إذا قصد القراءة، والثانية: إذا قصد القراءة والإعلام، والثالثة: إذا قصد الإعلام، والرابعة: ألاَّ يقصد شيئاً، فالأولى والثانية لا تبطل الصلاة فيهما، والثالثة والرابعة تبطل الصلاة فيهما، وتفهم الرابعة من قوله: " وإلا.. فلا " 1، كما تفهم الثالثة منها، وهذه الرابعة لم يذكرها " المحرر "، وهي نفيسة لا يستغنى عن بيانها، وسبق مثلها في قول " المنهاج " [ص 78]: " وتحل أذكار القرآن لا بقصد قرآن ") انتهى 2. وما ذكره من البطلان فيما إذا لم يقصد شيئاً ذكره كذلك في " التحقيق " 3، وقال في " شرح المهذب ": (إنه ظاهر كلام " المهذب " وغيره، وينبغي أن يفرق بين أن يكون انتهى في قراءته إليها.. فلا تبطل، وإلا.. فتبطل، قال: ودليل البطلان إذا لم يقصد شيئاً: أنه يشبه كلام الآدمي، وقد سبق عن الإمام وغيره في تحريم قراءة الجنب أن مثل هذا النظم لا يكون قرآناً إلا بالقصد، فإذا أطلق.. لم يحرم) انتهى 4. وقال ابن الرفعة: (كلام " المهذب " منصرف إلى حالة الإعلام لا إلى حالة الإطلاق؛ لأنه قال: إن قصد التلاوة والإعلام.. لم تبطل، ثم عقبه بقوله: " وإن لم يقصد القرآن " أي: مع قصد الإعلام.. بطلت، قال: وما ذكره عن الإمام في الجنب صحيح، ولكن الفرق بينه وبين المصلي: أن كونه في الصلاة قرينة تصرف ذلك إلى القرآن) انتهى.
ومفهوم قول الحاوي [ص 167]: (وبالقراءة والذكر بمجرد التفهيم): عدم البطلان فيما إذا لم يقصد شيئاً، وبه صرح الحموي شارح " الوسيط " والبارزي والقونوي، وهو الظاهر، وكيف يفهم فيها البطلان من عبارة " المنهاج " مع قوله أولاً: (بقصد التفهيم) 5 ثم ذكر ما إذا قصد مع التفهيم قراءة، وما إذا لم يقصد؟ فإذا كان مورد القسمة قصد التفهيم.. فكيف تتناول عبارته ما إذا لم

يقصد شيئاً بالكلية؟ وقد سوى في " الحاوي " بين القراءة والذكر في ذلك، ولم يذكر " المنهاج " الذكر مع القرآن، لكنه عقبه بقوله: (ولا تبطل بالذكر والدعاء، إلا أن يخاطب) انتهى 1. وقد يفهم من هذه العبارة: أن التفصيل المتقدم في القرآن لا يأتي في الذكر، والظاهر: أنه لم يرد هذا، وإنما هذه المسألة مستقلة.
581 - قول " المنهاج " [ص 108]: (ولو سكت طويلاً بلا غرض.. لم تبطل في الأصح) يستثنى منه: ما إذا كان في اعتدال الركوع أو السجود بناءً على أنهما قصيران.. فتبطل الصلاة بتطويلهما بسكوت وغيره، واحترز بقوله: (بلا غرض) عن السكوت ناسياً، ولتذكر شيء نسيه، فالأصح فيهما: القطع بعدم البطلان.
582 - قول " المنهاج " [ص 108] و" الحاوي " [ص 167]: (ويسن لمن نابه شيء: أن يسبح، وتصفق المرأة) فيه أمور: أحدها: أن التنبيه يكون واجباً؛ كإنذار الأعمى، ومستحباً؛ كتنبيه إمامه إذا هم بترك مستحب؛ كالتشهد الأول، ومباحاً؛ كإذنه لداخل، وقد مثل " المنهاج " للثلاثة، فقال [ص 108]: (كتنبيه إمامه، وإذنه لداخل، وإنذاره أعمى) فيرد الواجب والمباح على تعبيرهما بالسنة، وجوابه: أنهما إنما أرادا: التفرقة بين حكم الرجال والنساء بالنسبة إلى التسبيح والتصفيق، ولم يريدا بيان حكم التنبيه.
ثانيها: أن ظاهر كلامهما: تخصيص التصفيق بالمرأة، وليس كذلك، فيسن للخنثى التصفيق أيضاً؛ كما ذكره أبو الفتوح بن أبي عقامة، وقد سلم " التنبيه " من الأمرين؛ لقوله [ص 36]: (سبح إن كان رجلاً، وصفق إن كانت امرأة) فلم يصرح بحكم التسبيح والتصفيق، ولم يعمم التسبيح، ويخص التصفيق بالمرأة، بل جعل التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، فبقي الخنثى مسكوتاً عنه، وقوله: (وإن كلَّمه إنسان أو استأذن عليه) مثال، والضابط: أن ينوبه شيء؛ كما في " المنهاج " و" الحاوي " 2. ثالثها: محل التسبيح: إذا قصد الذكر والإعلام، أو الذكر فقط كما سبق بيانه.
رابعها: قد يفهم منع الرجل من التصفيق والمرأة من التسبيح، وليس كذلك، فيجوز لكل منهما ما يندب للآخر، وفي " الكفاية " وجه في تصفيق الرجل: أن عمدهُ مبطل.
خامسها: قال في " المهمات ": (لك أن تقول: سبق أن المرأة تجهر خالية وبحضرة النساء والمحارم، فلم لا تسبح في هذه الحالة؟ فإن صح ذلك في المرأة.. لزم مثله في الخنثى) انتهى

وهذه الثلاثة ينكت بها على " التنبيه " أيضاً.
583 - قول " المنهاج " [ص 108]: (بضرب اليمين على ظهر اليسار) يشمل الضرب ببطن اليمين على ظهر اليسار، وبظهر اليمين على ظهر اليسار؛ لأنه لم يقيِّد بالظهر إلا في اليسار، وفي " الشرح " و" الروضة ": الاقتصار على الأولى 1، وعبر في " التحقيق " بقوله: (تصفق بظهر كف على بطن أخرى ونحوه، لا بطن على بطن) 2 فتناول كلامه أولاً الضرب بظهر اليمنى على بطن اليسرى وبظهر اليسرى على بطن اليمنى، وقوله: (ونحوه) عكسهما، وهو: الضرب ببطن اليمنى على ظهر اليسرى، وببطن اليسرى على ظهر اليمنى، فهذه أربع صور، والممتنع واحدة، وهي: الضرب ببطن إحداهما على بطن الأخرى، وقال الرافعي في هذه الصورة: لا ينبغي؛ فإنه لعب، ولو فعلته لعباً.. بطلت صلاتها وإن كان قليلاً، فإن اللعب ينافي الصلاة 3. وقال في " شرح المهذب ": (قال أصحابنا: لا تضرب بالبطنين، وإن فعلته على وجه اللعب.. بطلت) 4. وذكر الماوردي أن ظاهر المذهب: التصفيق كيف شاءت ولو ببطن على بطن، خلافاً للإصطخري؛ حيث قال: لا يجوز ذلك 5، وهو ظاهر إطلاق " التنبيه " و" الحاوي " التصفيق، إلا أن " الحاوي " ذكر قبل ذلك بطلان الصلاة إذا كان على وجه اللعب، فمثَّل الفعل الفاحش بما إذا كان للعب؛ كضرب الراحتين.
وذكر النشائي أن قول " التنبيه ": (وصفقت) يشمل التصفيق بباطن الكفين 6. وفيه نظر؛ إذ لا عموم في لفظه حتى يشمل هذه الصورة، وإنما هو مطلق، فظاهر إطلاقه يقتضي ذلك كما قدمته.
584 - قول " المنهاج " [ص 108]: (ولو فعل في صلاته غيرها -أي: غير أفعالها- إن كان من جنسها.. بطلت، إلا أن ينسى) فيه أمران: أحدهما: أنه يستثنى من ذلك: تكرير (الفاتحة) أو التشهد عمداً، فإنه لا يضر على النص، وقد ذكره " التنبيه " 7، وقد يؤخذ من تعبير " المنهاج " بالفعل؛ لأنهما قول.

ثانيهما: أنه يستثنى منه أيضاً: ما لو جلس قبل سجوده جلسة خفيفة؛ أي: لا تزيد على قدر جلسة الاستراحة، فلا تبطل صلاته، قاله الرافعي في سجود السهو 1، ومثله: إذا جلس للاستراحة بعد سجود التلاوة، ولو ركع أو سجد قبل الإمام.. فله العود ثانياً، كما سيأتي في (صلاة الجماعة)، فصدق أنه زاد ركوعاً، ولم تبطل.
ولو نزل من قيامه لحد الراكع لقتل حية ونحوها.. لم يضر، قاله الخوارزمي في " كافيه "، ولو سجد على خشن فرفع رأسه لئلا تنجرح جبهته ثم سجد ثانياً.. فهل تبطل صلاته؟ أو يفصل بين أن يكون تحامل على الخشن بثقل رأسه.. فتبطل بالعود، وإلا.. فلا؟ احتمالان للقاضي حسين يجريان فيما لو سجد على يده ثم رفعها وسجد على الأرض، وكل ذلك وارد على قول " التنبيه " [ص 36]: (وإن زاد ركوعاً، أو سجوداً، أو قياماً، أو قعوداً عامداً.. بطلت صلاته) ولا يردان على " الحاوي "؛ لقوله [ص 168]: (وتعمد زيادة ركن فعلي، لا قعود قصير).
نعم؛ يرد عليه ما ذكرناه من الركوع والسجود، وأيضاً: فليس كل قعود قصير يغتفر، فلو قعد من قيام ثم قام.. بطلت صلاته، لكنها إنما بطلت؛ لكونه قطع القيام ثم عاد إليه، فكأنه أتى بقومتين، قاله الإمام 2. 585 - قول " التنبيه " [ص 36]: (وإن خطا ثلاث خطوات متواليات، أو ضرب ثلاث ضربات متواليات.. بطلت صلاته) كذلك الخطوة الواحدة إذا كانت وثبة فاحشة، وقد صرح بها " المنهاج " و" الحاوي " 3، وكذا الفعل الذي هو على جهة اللعب؛ كضرب الراحتين، وقد صرح به " الحاوي " 4، وأغفله " المنهاج " أيضاً، وظاهر إطلاق " التنبيه ": أن السهو في ذلك كالعمد، وبه صرح " الحاوي " و" المنهاج "، وقال [ص 108]: (في الأصح)، وفي " الروضة ": إنه المذهب، وقطع به الجمهور 5، واختار في " التحقيق " خلافه 6. ويستثنى من كلامهم جميعاً: شدة الخوف، وهو مذكور في بابه.
586 - قول " المنهاج " [ص 108]: (لا الحركات الخفيفة المتوالية؛ كتحريك أصابعه في سُبْحَةٍ أو حك في الأصح) مثل قول " الحاوي " [ص 167]: (لا كتحريك إصبع لسُبْحَة أو حكة) إن حمل الأصبع على الجنس، وإنْ حمل على التوحيد.. فمقتضاه: أن ذلك إنما هو إذا اقتصر على الحك

بأصبع واحد، فلو حك بأكثر منها.. ضر، وهذا بعيد، والتعبير بتحريك الأصابع يقتضي أن ذلك مع إقرار الكف، فلو حرك كفه في الحك ثلاثاً.. بطل، إلا أن يكون به جرب لا يقدر معه على الصبر، قاله الخوارزمي في " الكافي ". 587 - قول " التنبيه " [ص 36]: (وإن أكل عامداً.. بطلت صلاته، وإن كان ناسياً.. لم تبطل) فيه أمران: أحدهما: محل عدم البطلان في النسيان: إذا قل الأكل، فإن كثر.. فالأصح: البطلان، وكذا في الصوم عند الرافعي 1، لكن خالفه النووي فصحح: عدم بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسياً 2، وكأنَّ الفرق: أن للصلاة نظاماً يختل بالأكل، بخلاف الصوم؛ فإنه ليس بعبادة ذات نظام، وإنما هو انفكاك عن أمور معروفة، ومنع بعض شارحي " الوسيط " هذا الفرق، وقال: الصوم أيضاً ذو نظام، وهو: الإمساك من أول اليوم إلى آخره ينخرم بالأكل والشرب، قال في " المطلب ": ويقوي هذا تسوية الفوراني بين الوجهين في الصوم والصلاة، ولم يَبْنِ الصوم على الصلاة كما فعل غيره.
ثانيهما: كذلك العامد إذا جهل التحريم.
وقد سلم " المنهاج " من الأمرين، فقال [ص 108]: (وتبطل بقليل الأكل.
قلت: إلا أن يكون ناسياً أو جاهلاً تحريمه) ولا بد من تقييد جاهل التحريم بكونه قريب الإسلام أو نشأ في بادية بعيدة، فقد ذكره الرافعي في نظير المسألة، وهو: الأكل في الصوم جاهلاً بتحريمه 3، وصرح به في " الكفاية " هنا.
ويرد على عبارتهما: أن الشرب في ذلك كالأكل، وكأنهما تركاه لوضوحه، وسلم " الحاوي " من هذه الإيرادات كلها؛ لقوله في مبطلات الصلاة [ص 168]: (وبالمفطر) لكن يرد عليه على طريقة النووي: أن الأكل الكثير ناسياً لا يفطر مع إبطاله الصلاة، وجوابه: أنه أحال المسألة على الصيام، وقد ذكر هناك تبعاً للرافعي أن الأكل الكثير ناسياً يفطر.
588 - قول " المنهاج " [ص 108]: (فلو كان بفمه سُكَّرَةٌ فبلع ذَوْبَهَا.. بطلت في الأصح) لا يرد على ذلك: أن الأصح في (الأيمان): أنه ليس أكلاً؛ لبنائها على العرف، وقد دخلت هذه الصورة في قول " الحاوي " [ص 168]: (وبالمفطر).
589 - قول " المنهاج " [ص 109]: (ويسن للمصلي إلى جدار، أو سارية، أو عصاً مغروزة،

أو بسط مُصَلًّى، أو خَطَّ قُباَلَتَهُ دفعُ المار، والصحيح: تحريم المرور حينئذ) فيه أمور: أحدها: أنه لم يذكر حكم الصلاة إلى ما ذكره من جدار وما بعده، وكذلك لم يذكره " الحاوي "، وإنما قال [ص 167]: (ونُدب دفع المار إن نصب علامة) ولا شك في استحبابه، فكان ينبغي أن يقال: (تسن الصلاة إلى كذا وكذا، ودفع المار بينه وبينها).
ثانيها: اقتصر في " الروضة " على أن له الدفع 1، وذلك يشعر بإباحته، وبحث في " المهمات " وجوبه؛ لأن المرور محرم وهو قادر على إزالته، وإزالة المنكر واجبة، قال: ولا يخرج على الخلاف في دفع الصائل؛ لأن وجه عدم الوجوب هناك حديث: " كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل " 2. ثالثها: قال في " المهمات ": (المتجه: إلحاق غير المصلي بالمصلي في الدفع، وعبروا بالمصلي نظراً إلى الغالب) انتهى.
وهذا لا تنافيه عبارة " الحاوي " لأنه إنما قال [ص 167]: (ونُدب دفع المار) ولم يقل: إن المصلي هو الدافع.
رابعها: أورد عليه: أن كلامه يقتضي التخيير بين هذه الأمور الخمسة، وأنها في مرتبة واحدة، وليس كذلك، والذي في " الشرح " و" الروضة ": يستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار، أو سارية، أو غيرهما، ولو كان في صحراء.. فينبغي أن يغرز عصاً، أو نحوها، أو يجمع شيئاً من رحله ومتاعه، فإن لم يجد شاخصاً.. خط خطاً أو بسط مصلى 3. قال في " المهمات ": وما اقتضاه كلامه من أنَّ شرط الخشبة المغروزة والمتاع الموضوع: فقد الشاخص.. لم يرد به حقيقته، وإنما جرى على الغالب من حال المسافرين في عدم الجدار ونحوه.
انتهى.
فيكون الجدار والسارية والعصى في مرتبة واحدة، والمصلى والخط في مرتبة، وفي " التحقيق ": فإن عجز عن سترة.. بسط مصلى، فإن عجز.. خط خطاً، فرتب الخط على المصلى 4. قال في " المهمات ": (والحق: أنهما في مرتبة؛ لأن المصلى إنما قيل به قياساً على الخط، فكيف يكون مقدماً عليه؟ ) انتهى.
وعلى ذلك مشى " الحاوي "، فقال بعد الشاخص [ص 167]: (ثم مصلى، أو خطاً) انتهى.

وعندي أن هذا لا يرد على " المنهاج " لأنه لم يتصد لبيان حكم الصلاة إلى هذه الأمور، وإنما ذكر دفع المصلي المار بينه وبينها، والكل سواء في تمكنه من الدفع إذا صلى إليه.
خامسها: لم يبين القدر الذي يكون بين المصلي والسترة، وهو: ثلاثة أذرع فما دونها، كما صرح به " الحاوي " 1، وإطلاق " المنهاج " يقتضي الدفع ولو زادت المسافة على ذلك.
سادسها: لم يبين قدر السترة، ولا " الحاوي "، وهو: ثلثا ذراع، قال في " المهمات ": وسكتوا عن قدر المصلى والخط، والقياس: أنهما كالشاخص.
سابعها: يرد على إطلاقه تحريم المرور: ما إذا كان في الصف المقدم فرجة.. فله المرور بين يدي من خلفه ليسدها، وقد صرح به " الحاوي " بقوله [ص 167]: (لا إن وجد فرجة في الصف السابق) ومقتضى تعليلهم بتقصير أهل الصف بتخلية تلك الفرجة: أنه لو لم يقع منهم تقصير؛ بأن جاء واحد بعد تكميل الصف الأول فجذب واحداً ليصطف معه.. أنه ليس لأحد المرور بين يديهما؛ إذ لا تقصير منهما، وهو محتمل.
ثامنها: مفهوم قوله وقول " الحاوي ": (ويحرم المرور حينئذ) 2 أنه إذا لم ينصب سترة ولا ما في معناها، أو تباعد عنها فوق ثلاثة أذرع.. لم يحرم المرور، ولكنه مكروه كما في " التحقيق " 3، أو خلاف الأولى كما في " الروضة " 4، وقال الخوارزمي في " الكافي ": إنه يحرم المرور في حريمه، وهو قدر إمكان السجود، فإن صح ذلك.. تقيد به إطلاقهما.
تاسعها: ومفهومهما: أنه لا يُندب دفع المار في هذه الصورة، وظاهر عبارة الرافعي: عدم جوازه 5، ولا يلزم من كونه لا يستحب أنه لا يجوز، وقال في " المهمات ": وقياس قول الخوارزمي بتحريم المرور في حريمه: جواز الدفع في حريمه.
عاشرها: ظاهر عبارته وعبارة " الحاوي ": الاكتفاء بالخط على أيّ صفة كان، والمختار في " الروضة ": كونه طولاً إلى جهة القبلة 6، وعبارة " التنبيه " [ص 36]: (وإن مر بين يديه مار وبينهما سترة، أو عصاً بقدر عظم الذراع.. لم يكره، وكذلك إن لم يكن عصاً وخط بين يديه خطاً على ثلاثة أذرع.. لم يكره، وإن لم يكن شيء من ذلك.. كره وأجزأته صلاته)، فلم يذكر حكم الصلاة إلى السترة ولا دفع المار، وإنما ذكر كراهة المرور في صورتين:

إحداهما: إذا مر بينه وبين السترة أو في الخط، وهذه من مفهومه، وهي كراهة تحريم على الصحيح، ويستثنى: ما إذا كان المرور لفرجة في الصف السابق كما تقدم.
الثانية: إذا لم تكن سترة ولا خط، وهو موافق لما قدمناه عن " التحقيق "، ويقيد بكلام الخوارزمي في تحريم المرور في الحريم إن صح، وذكره العصا بعد السترة يحتمل أن يكون من عطف الخاص على العام، ويحتمل أن يريد بالسترة: ما يستر جميع البدن، وعظم الذراع الذي ذكره هو ثلثا ذراع الذي ذكرناه، ولم يعتبر في السترة أن يكون بينه وبينها ثلاثة أذرع اكتفاءً بما ذكره في الخط، وفي معنى الخط: بسط المصلَّى كما تقدم، والله أعلم 590 - قول " التنبيه " [ص 36]: (إنه يكره الالتفات في الصلاة) أي: لغير حاجة، فمع الحاجة.. لا كراهة، كما صرح به " المنهاج " 1، وحد الالتفات: ألاَّ يحول صدره عن القبلة، فإن فعل.. بطلت، وقال المتولي: إن الالتفات حرام.
591 - قول " المنهاج " [ص 109]: (والقيام على رجل) أي: لغير حاجة أيضاً.
592 - قول " التنبيه " [ص 36]: (ولا يصلي وهو يدافع الأخبثين) المراد: مدافعة أحدهما، ولا يشترط اجتماعهما، وقد أوضح " المنهاج " ذلك بقوله [ص 109]: (والصلاة حاقناً أو حاقباً) وفي معناهما: الريح.
593 - وقوله: (ولا يدخل فيها وقد حضر العشاء ونفسه تتوق إليه) 2 مثل قول " المنهاج " [ص 109]: (أو بحضرة طعام يتوق إليه) لكن تعبيره بالطعام أعم من تعبير " التنبيه " بالعشاء، ويرد عليهما: أن الشرب كالأكل، وأن توقان النفس في غيبة الطعام كحضوره، كما قاله في " الكفاية " في (صلاة الجماعة)، وأن محل ذلك في الأخبثين وفي الطعام: إذا اتسع الوقت، فإن ضاق.. فالأصح: الصلاة معه لحرمة الوقت، وتعبيرهما بتوقان النفس يفهم أنه إنما يأكل ما ينكسر به التوقان ولا يستكمل الأكل، وهو ما حكاه الرافعي عن الأئمة 3، والذي قاله النووي في وقت المغرب: أن استكمال العَشَاء هو الصواب 4، وقال ابن عبد السلام في " القواعد ": ينبغي أن تُؤَخَّرَ الصلاة بكل مُشَوِّشٍ يؤخِّرُ الحاكمُ الحُكْمَ بمثله 5. 594 - قول " المنهاج " في المكروهات [ص 109]: (وأن يبصق قِبَلَ وجهه أو عن يمينه) أي:

بل يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، كما قاله في " التنبيه " 1، ومحل ذلك: إذا لم يكن في المسجد، فإن كان في المسجد.. فلا يبصق فيه بحال، وقد صرح بذلك " التنبيه " بقوله [ص 36]: (وإن بدره البصاق وهو في المسجد.. بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد.. بصق عن يساره أو تحت قدمه) أي: اليسرى، وفي " الروضة ": إن البصاق في المسجد خطيئة 2، وفي " التحقيق " و" شرح المهذب ": حرام 3، وقال المحاملي وسليم الرازي والجرجاني والروياني وصاحب " البيان ": إنه مكروه 4، وقال في " الكفاية ": كلام " التنبيه " عام، والحكم خاص بالمصلِّي؛ فإن غيره يخرج من المسجد ولا يبصق في ثيابه، وفيه نظر؛ فإن الضمير في قوله: (بدره) للمصلي، وكذا سائر الأحكام، قال: وقوله: (في غير المسجد) ليس على التخيير؛ ففي الخبر: " عن تلقاء يساره إن كان فارغاً، أو تحت قدمه اليسرى " 5. 595 - قول " المنهاج " [ص 109]: (والمبالغة في خفض الرأس في ركوعه) قال السبكي: تقييده بالمبالغة يدل على عدم الكراهة عند عدمها، وهو خلاف ما دل عليه الحديث وكلام الشافعي والأصحاب.
596 - قولهم: (تكره الصلاة في الحمام) 6 هي كراهة تنزيه، ووقع في " شرح المهذب " في (باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها) أنه لما صحح أن الصلاة في تلك الأوقات على التحريم.. علله بثبوت الأحاديث في النهي، فال: وأصل النهي للتحريم؛ كالصلاة في أعطان الإبل والحمام.
انتهى 7. قال في " المهمات ": وهو سهو، وأجاب عنه في " التوشيح ": بأن معناه: أن أصل النهي للتحريم ما لم يصرفه صارف، لا أن الصلاة في الحمام حرام.
انتهى.
والأصح: أن علة الكراهة كونها مأوى الشياطين، فتكره في المسلخ أيضاً، وصرح به " الحاوي " 8، وفي مكان تحقق طهارته من الحمام، وحكى القمولي وجهين في كراهة الصلاة في

الحمام إذا كانت في داره، وكأن مدرك عدم الكراهة.. أنه ليس فيها داخلون يسلبون خشوعه.
597 - قول " التنبيه " [ص 29]: (وقارعة الطريق) هي: أعلاه، وقيل: صدره، وقيل: ما برز منه، والكل محل كراهة؛ فلذلك أطلق " المنهاج " و" الحاوي " الطريق، ولم يقيداه بقارعته 1، وتبرك الشيخ بلفظ الخبر، وكلامهم يشمل البرية أيضاً، وصححه في " الكفاية "، لكن صحح في " التحقيق ": أن الكراهة في البنيان دون البرية 2. 598 - قول " المنهاج " [ص 109] و" الحاوي " [ص 151]: (والمزبلة) أي: مع بسط طاهر عليها.
599 - قول " الحاوي " [ص 152]: (والعطن) أي: عطن الإبل، كما صرح به " التنبيه " و" المنهاج " 3، وكأنه توهم أن العطن مختص بالإبل، وليس كذلك؛ فإنه يستعمل في غيرها أيضاً، ويرد عليهم: أن مأواها ليلاً كعطنها إلا أنه أخف منه.
600 - وقول " التنبيه " [ص 29]: (ولا تكره في مراح الغنم) وكذا عطنها، وسكت عن البقر، وهي كالغنم؛ كما قاله ابن المنذر في " الإشراف " والمحب الطبري في " الأحكام " 4. 601 - قول " الحاوي " [ص 151]: (والمقبرة) أي: الطاهرة، كما صرح به " المنهاج " 5، وكذا النجسة إذا فُرش عليها طاهر، فإن صلى فيها بلا حائل.. لم تصح، وعليه يحمل قول " التنبيه " [ص 28]: (وإن صلى في مقبرة منبوشة.. لم تصح صلاته).
قال في " المهمات ": والكراهة للنجاسة التي تحته، أو لحرمة الميت، فتختص بما إذا حاذاه، فلو وقف بين الموتى.. لم يكره، لكن ابن الرفعة طرد الكراهة في الصلاة بجانب القبر وإليه، قال: وفيه نظر، ويحتاج إلى نقل، إلا أن يعلل بكونه موضع الشياطين.
انتهى.
ولم أر كونها موضع الشياطين لغيره، وقال في " التوشيح ": ويستثنى: مقبرة الأنبياء عليهم السلام، فإذا كانت أرض ليس فيها إلا نبي مدفون أو أنبياء.. فلا تكره الصلاة فيها، بل يجوز، أفتى به الأخ الشيخ بهاء الدين أبو حامد 6، وعلله: بأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأنهم أحياء في قبورهم يصلون، وعرض على والده فصوبه.
602 - قول " الحاوي " [ص 152]: (والوادي) كذا أطلقه الرافعي، تبعاً للإمام والغزالي، وقال

بعد تعليله بخوف السيل السالب للخشوع: فإن لم يتوقع السيل.. فيجوز أن يقال: لا كراهة، ويحتمل الكراهة لمطلق النهي 1، وقال في " الروضة ": والصواب: ما ذكره الشافعي، وهو اختصاص الكراهة بواد خاص، وهو الذي نام فيه صلى الله عليه وسلم ومن معه حتى فاتت الصبح، وقال: " اخرجوا بنا من هذا الوادي "، وصلى خارجه 2. 603 - قول " التنبيه " [ص 36]: (أو ترك فرضاً من فروضها) أي: فروض الصلاة، وليس عائداً للنية كما قرره ابن الرفعة، وذلك يفهم بطلانها إذا صلاها قاعداً من غير عذر، وفي انعقادها نفلاً وجهان في " الاستذكار " للدارمي.

بابُ سجود السَّهو

604 - قول " المنهاج " [ص 110]: (سجود السهو سنة عند ترك مأمور به، أو فعل منهي عنه) أي: على ما يفصله بعد ذلك، لا كل مأمور ومنهي، فكان ينبغي أن يقول هنا: (على ما سيأتي، أو بشرطه) وبقي ثالث، وهو: فعل فرض متردداً في تأديته، وقد ذكره بعد ذلك.
605 - قوله: (وقد يشرع السجود كزيادة حصلت بتدارك ركن كما سبق في الترتيب) 1 أي: في الركن المعقود له، ومراده بـ (ما سبق): بيان الزيادة، لا السجود؛ فإنه لم يسبق، وذلك من قوله: (وإن سها.. فما بعد المتروك لغو... إلى آخر المسألة) 2 ففي تلك الصور كلها إذا تدارك.. سجد للسهو.
606 - قوله: (إن الأبعاض: القنوت، وقيامه، والتشهد الأول، وقعوده، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والصلاة على الآل حيث سنَنَّاها) 3 أي: وهو في التشهد الأخير على الأصح، وفي الأول على وجه، فهذه ستة، وأهمل سابعاً، وهو: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت، واقتصر " الحاوي " على خمسة، فلم يذكر القيام للقنوت، ولا الصلاة فيه 4، واقتصر " التنبيه " على ثلاثة، وهي: التشهد الأول، والصلاة فيه، والقنوت 5. وفي كلامهم بعد ذلك أمور: أحدها: أن المراد: القنوت في الصبح ووتر النصف الأخير من رمضان، فأما قنوت النازلة: فإنه لا يشرع السجود لتركه ولو قلنا باستحبابه، كما صححه في " التحقيق "، وحكاه في " الروضة " عن تصحيح الروياني 6. وأجيب: بأن قنوت النازلة سنة في الصلاة لا سنة منها؛ أي: بعضها، والكلام في القنوت الذي هو أحد الأبعاض، ولا شك أن الإيراد على اللفظ صحيح.
ثانيها: في تصوير السجود لترك القيام للقنوت، أو القعود للتشهد دونهما عسر، وصورته: أن يسقط استحباب القنوت عنه لكونه لا يحسنه، فيبقى استحباب القيام للقدرة عليه، فإن تركه.. سجد، وكذا القول في القعود للتشهد، قاله في " الكفاية "، لكن قال في " الإقليد ": التحقيق:

أن القيام للقنوت لا يعد في هذه الجملة؛ لأن القنوت يشرع في قيام مشروع لغيره، وهو: ذكر الاعتدال؛ ولهذا لا يقف من لا يعرف القنوت بقدره، والتشهد شرع جلوسه مقصوداً في نفسه؛ ولهذا يجلس من لا يعرف التشهد.
انتهى.
ثالثها: وكذلك في تصوير السجود لترك الصلاة على الآل في التشهد الأخير عسر؛ لأنه إن تذكره قبل السلام.. فليفعله؛ فلم يفت محله، وإن سلم.. فات محل السجود، وصورته: أن يتيقن ترك إمامه له بعد أن سلم إمامه وقبل أن يسلم هو، وذكر له في " المهمات " تصويرين آخرين في كل منهما نظر.
رابعها: المراد من التشهد الأول: اللفظ الواجب في التشهد الأخير دون ما هو سنة فيه، فلا يسجد لتركه، قاله المحب الطبري.
خامسها: ترك كلمة من القنوت كترك كله على خلاف ما يوهمه كلامهم، قاله المحب الطبري أيضاً، قال: وحَكى عن " فتاوى الإمام " احتمالاً أنه إذا أتى بأكثره.. لا سجود، وقياسه: المجيء في كلمة من التشهد، بل هو أولى بذلك.
انتهى.
سادسها: يستثنى من ذلك: ما إذا تركه إمامه لاعتقاد عدم سنيّته، كحنفي ترك قنوت الصبح.. فلا يسجد المؤتم به، قاله القفال في " فتاويه "، وهو على أصله في اعتبار نية الإمام، لكن الأصح: مقالة الشيخ أبي حامد والأكثرين: أن العبرة بنية المقتدي، ومقتضى ذلك أن يسجد، وهو الظاهر.
سابعها: يستثنى من التشهد الأول: ما إذا نوى أربعاً وأطلق، أو قصد أن يتشهد تشهدين؛ فإنه إذا ترك الأول منهما عامداً.. لم يسجد، وكذا ساهياً على الأظهر في " الذخائر " في الكلام على النفل المطلق.
607 - قول " المنهاج " [ص 110]: (ولا تجبر سائر السنن) وهو مفهوم من كلام " التنبيه " و" الحاوي " 1. مقتضى ذلك: البطلان لو سجد لزيادته في الصلاة، وهو كذلك، لكن استثنى البغوي في " فتاويه ": ما إذا كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وفيه نظر؛ لأن من هو كذلك.. لا يعرف مشروعية سجود السهو، ومن عرفه.. عرف محله غالباً، والله أعلم.
608 - قولهما: (إن ما لا يبطل عمده الصلاة.. لا يسجد لسهوه) 2، وهو مفهوم قول " الحاوي " [ص 169]: (وسهو مبطل العمد) يستثنى منه مسائل:

الأولى: لو نقل ركناً قولياً؛ كـ (فاتحة) في ركوع، أو تشهد.. فإن الصلاة لا تبطل بعمده في الأصح، ويسجد لسهوه في الأصح.
وقد صرح " المنهاج " باستثنائها 1، وذكرها " الحاوي " معطوفة على السهو المبطل العمد بقوله [ص 169]: (وبنقل ركن ذِكريّ)، وذكرها " التنبيه " في قوله [ص 36]: (أو قرأ في غير موضع القراءة)، لكنه لم يصرح باستثنائها من هذه القاعدة، ثم إن ذلك لا يختص بالقراءة كما عرفته، لكن تعبير " المنهاج " و" الحاوي " يقتضي اختصاص هذا الحكم بنقل الركن بكماله، وليس كذلك، فلو قرأ بعض (الفاتحة) أو بعض التشهد.. كان الحكم كذلك.
وتعبير " التنبيه " يتناول قراءة بعض (الفاتحة)، وأيضاً: فمقتضى كلامه: السجود ولو لم يكن المقروء ركناً؛ كـ (سورة الإخلاص) مثلاً، وبه صرح في " شرح المهذب " 2، وهذه الصورة ترد على تعبير " المنهاج " و" الحاوي " بالركن 3، ويصح عدها صورة ثانية مستثناة.
ومقتضى إطلاقهما في نقل الركن: أنه لا فرق بين أن يفعله عمداً أو سهواً، وقال في " المصباح ": إنه أصح الوجهين، ودخل في عبارتهما التكبير، قال شيخنا شهاب الدين: وفي البطلان بنقله نظر 4. الثالثة: القنوت قبل الركوع لا يبطل عمده الصلاة، ويسجد لسهوه على الأصح المنصوص؛ كما في زيادات " الروضة " 5 أي: بشرط أن يأتي به على نية القنوت، وإلا فلا.. سجود، قاله الخوارزمي في " الكافي " والمعافى الموصلي.
الرابعة: إذا ترك التشهد الأول ناسياً، وتذكره بعدما صار إلى القيام أقرب، فعاد للتشهد.. فإنه يسجد للسهو؛ كما صرح به " المنهاج " 6، وصححه الرافعي في " المحرر " و" الشرح الصغير " 7، وصحح في " تصحيح التنبيه " و" التحقيق ": أنه يسجد 8، وقال في " شرح المهذب ": صححه الجمهور 9، وأطلق " التنبيه " الخلاف في ذلك فقال [ص 37]: (وإن نهض للقيام في موضع القعود ولم ينتصب قائماً وعاد إلى القعود.. ففيه قولان، أحدهما: يسجد،

والثاني: لا يسجد) ومحله: في السهو، وقد عرفت أن الذي في " المنهاج " السجود إن كان إلى القيام أقرب، وفي " التصحيح " وغيره: عدمه مطلقاً، فلو كان عامداً.. بطلت صلاته إن كان أقرب للقيام، كما في " المنهاج " و" الحاوي " 1 ولم يقيده في " المحرر " بكونه إلى القيام أقرب 2. الخامسة: إذا زاد القاصر على ركعتين سهواً.. فإنه يسجد مع أنه يجوز له زيادتهما، استثناها ابن الصباغ وابن أبي الصيف، واستشكله مجلّي؛ لأن عمد الزيادة لا بنية الإتمام مبطل.
وذكر في " المهمات " صورة سادسة، وهي: تطويل الركن القصير سهواً مع القول بأن عمده لا يبطل.. يسجد لسهوه على الصحيح، وهذه على وجه.
وسابعة، وهي: إذا فرقهم في الخوف أربع فرق وصلى بكل فرقة ركعة، أو فرقتين وصلى بإحداهما ثلاثاً.. فإنه يجوز على المشهور، لكنه يكره ويسجد للسهو؛ للمخالفة بالانتظار في غير موضعه، حكاه في " الروضة " في بابه عن النص 3، وفي استثنائها نظر؛ لأنهم لم يخصوا السجود بحالة السهو، بل العمد كذلك أيضاً، والله أعلم.
609 - قول " المنهاج " [ص 110] و" الحاوي " [ص 169]: (ما أبطل عمده.. سجد لسهوه إن لم يبطل سهوه أيضاً) وهو مفهوم من قول " التنبيه " [ص 36، 37]: (وإن فعل ما لا يبطل عمده الصلاة.. لم يسجد) يستثنى منه: ما إذا تنفَّل على دابة فحوّلها عن صوب مقصده ناسياً مع العود على الفور.. فلا يسجد، كما اقتضاه كلام " الروضة "، وصرح به في " التحقيق " و" شرح المهذب " 4، مع أن عمده يبطل، لكن صحح في " الشرح الصغير ": أنه يسجد [وعزاه في " التوشيح " لـ" الحاوي الصغير "، وقد عرفت أنه لم يصرح به، بل هو كغيره من المختصرات في اندراج هذه المسألة تحت القاعدة التي ذكرها] 5، وقول " المنهاج " [ص 110]: (ككلام كثير في الأصح) إنما يعود الخلاف والتصحيح إلى المثال، لا إلى أصل المسألة.
610 - قول " المنهاج " [ص 110]: (وتطويل الركن القصير يبطل عمده في الأصح) كقول " الحاوي " [ص 168]: (وبتطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين) والمراد: حيث لم يرد الشرع بتطويله، فالوارد بتطويله؛ كالقنوت المشروع، وصلاة التسبيح.. ليس من ذلك، واختار

النووي من حيث الدليل: جواز إطالة الاعتدال مطلقاً 1، ويلزمه ذلك في الجلوس بين السجدتين؛ لصحة الحديث فيهما 2، وقول " المنهاج " [ص 110]: (فيسجد لسهوه) أي: قطعاً إن قيل بالأصح، وإن قيل بمقابله.. فمفهومه المنع، لكن الأصح: السجود أيضاً، وقد تقدم، وقوله: (وكذا الجلوس بين السجدتين في الأصح) 3 كذا في " الروضة " هنا 4، وفي " التحقيق " و" شرح المهذب " في (الجماعة)، لكن صحح فيهما هنا: أنه طويل 5. 611 - قوله فيما لو نسي التشهد الأول وذكره بعد انتصابه: (فإن عاد عالماً بتحريمه.. بطلت، أو ناسياً.. فلا) 6 كان ينبغي أن يقول: (عامداً عالماً بتحريمه) كما في " المحرر " 7 لأن النسيان ليس مقابل العلم بالتحريم، وإنما هو مقابل العمد.
612 - قوله: (الأصح: وجوبه) 8 يعني: العود لمتابعة إمامه، محله كما قال في " شرح المهذب " و" التحقيق ": إذا قام ساهياً 9، فإن قام عمداً.. فالعود مستحب لا واجب 10، كذا أورد شيخنا شهاب الدين 11، وهو غير وارد؛ لأن كلامه إنما هو في القيام سهواً، وقد ذكر القيام عمداً بعد ذلك، ويشكل على المذكور هنا تصريحهم في (صلاة الجماعة) بأن المأموم إذا تقدم بركن عمداً أو سهواً.. يندب له العود ولا يجب، إلا أن يفرق بفحش التقدم هنا.
613 - قوله: (ولو نسي قنوتاً فذكره في سجوده.. لم يعد له، أو قبله.. عاد، وسجد للسهو إن بلغ حد الراكع) 12 بلوغ حد الراكع قيدٌ في السجود للسهو لا في العود، وقد يفهم من عبارته عوده لهما.

614 - قوله: (ولو شك في ترك بعض.. سجد) 1 أي: في ترك بعض معين، فلو شك في أنَّه ترك بعضًا لا بعينه أم لا.. لم يسجد، وقد صرح بذلك "الحاوي" بقوله [ص 169]: (وبشك مفصل فيه).
615 - قول "التنبيه" [ص 36]: (إذا شك في عدد الركعات وهو في الصلاة.. بنى على اليقين وهو الأقل، ويأتي بما بقي ويسجد للسهو) يستثنى من السجود للسهو: ما إذا زال الشك قبل فعل ما منه بد بتقدير، وقد صرح بذلك "الحاوي" بقوله [ص 170]: (ويسجد وإن زال الشك إن فعل ما منه بد بتقدير) و"المنهاج" وقال [ص 111]: (مثاله: شك في الثالثة: أثالثة هي أم رابعة؟ فتذكر فيها.. لم يسجد، أو في الرابعة.. سجد).
واعترض عليه: بأنه بعد فرضها ثالثة كيف يشك أثالثة هي أم رابعة؟ فكان ينبغي أن يقول: (شك في ركعة)، وكذا قوله: (أو في الرابعة) كان ينبغي أن يقول: (أو في التي بعدها) إذ من الجائز أن يتذكر أنَّها خامسة.. فلا يحسن فرضها رابعة.
616 - قول "التنبيه" [ص 36]: (وكذلك إذا شك في فرض من فروضها.. بنى الأمر على اليقين، وهو أنَّه لم يفعل، فيأتي به ويسجد للسهو) استثنى في "الكفاية": النية والتكبير، ولا حاجة إليه؛ لقوله أولًا: (وهو في الصلاة) ومن شك في النية أو التكبير.. فليس في صلاة، ولو شك في السلام.. أتى به ولا سجود، قاله البغوي في "فتاويه"، وعلله: بفوات محله، قال في "الكفاية": فإن قيل: أفهم بقوله: (فرض) أنَّه لو شك في سنة؛ كالتشهد الأول ونحوه.. لا يكون الحكم كذلك.
قلت: المأمور به في الفرض شيئان، وفي السنة أحدهما؛ فإنه إن شك فيه في محله.. أتى به ولا سجود، أو بعد فواته.. سجد ولم يأت به.
انتهى.
قال النشائي: ولا يخفى على المتأمل قوة الإيراد وضعف الجواب 2. وقد سلم من ذلك "الحاوي" بقوله [ص 169]: (والمشكوك كالمعدوم).
617 - قول "المنهاج" [ص 111]: (ولو شك بعد السلام في ترك فرض.. لم يؤثر) مثل قول "الحاوي" [ص 169]: (لا الركن بعد السلام) ويستثنى من ذلك: النية، فإذا شك فيها بعد السلام.. بطلت صلاته، كما في "المهمات" عن "فتاوى البغوي"، وقول "المنهاج" [ص 111]: (على المشهور) ترجيح لطريقة الخلاف، وفي "الروضة": على المذهب 3، وهو

ترجيح لطريقة القطع، والذي ذكره الرافعي ترجيح طريقة الخلاف مع قصر الفصل، وطريقة القطع مع طوله 1، وخرج بتعبيرهم بالفرض: الشروط؛ كالطهارة وغيرها، فإذا شك فيها ولو بعد السلام.. بطلت صلاته على المذهب في "شرح المهذب" 2. 618 - قول "التنبيه" [ص 37]: (وإن سها خلف الإمام.. لم يسجد)، قال في "الكفاية": احترز به عن القدوة الحكمية فيما إذا سهت الفرقة الثانية في صلاة ذات الرقاع، والمزحوم في تخلفه عن الإمام، لكن الأصح: تحمل الإمام سهوه، وقد صرح به "الحاوي" بقوله [ص 170]: (لا لسهوه حال القدوة ولو تخلف) والظاهر: أن الشيخ إنما أراد بكونه خلفه: مطلق القدوة، لا قدرًا خاصا منها، وحينئذ.. فهو كقول "المنهاج" [ص 111]: (وسهوه حال قدوته يحمله إمامه) ويستثنى من كلامهما: ما إذا تبين كون الإمام محدثًا؛ فإن المأموم يسجد لسهو نفسه ولا يحمله عنه الإمام، وقد صرح بذلك "الحاوي" بقوله [ص 170]: (لا إن بان محدثًا فيهما) أي: في كونه لا يسجد لسهو نفسه وفي كونه يسجد لسهو إمامه، واستشكل من جهة أن الصلاة خلف المحدث صلاة جماعة على الصحيح.
619 - قول "المنهاج" [ص 111]: (ولو ذكر في تشهده ترك ركنٍ غير النية والتكبير -أي: تركه بعد القدوة-.. صلى بعد سلام إمامه ركعة ولا يسجد) بقي عليه: إذا شك في ذلك.. فإنه يتداركه بعد سلام الإمام كما لو تيقنه، لكن هل يسجد؟ قال القاضي الحسين: كنت أقول: إنه يسجد؛ لأن ما يأتي به بعد سلام الإمام زيادة في أحد الاحتمالين؛ إذ من الجائز أنَّه لم يتركها، ثم رجعت وقلت: لا سجود عليه؛ لأن المأتي به بعد السلام صدر عن شك حالة القدوة، فلم يسجد اعتبارًا بتلك الحال.
انتهى.
والسجود أظهر، ويوافقه ما في "الروضة" عن "فتاوى الغزالي": أن المسبوق إذا شك في إدراك ركوع الإمام، فتدارك تلك الركعة بعد سلام إمامه.. أنَّه يسجد كما لو شك في عدد الركعات، قال النووي: وهو ظاهر، ولا يقال: يتحمله عنه الإمام؛ لأنه شاك في العدد بعد سلام إمامه، وجزم به في "التحقيق" 3، ويوافقه أيضًا ما ذكره الروياني في "البحر" فيما لو شك المأموم في الجمعة هل صلى ركعة أو ركعتين؟ فقام بعد سلام الإمام ليكمل.. أن القياس: أنَّه يسجد، قال: والشك وإن كان خلف الإمام فإنما تعلق السجود بفعل الركعات بعده 4.

620 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (ويلحقه سهو إمامه) 1 يستثنى منه مسألتان: إحدالما: إذا تبين كون إمامه محدثًا، وقد استثناها "الحاوي" كما تقدم 2. الثانية: إذا علم سبب سجود الإمام وتيقن غلطه في ظنه؛ كما إذا ظن الإمام أنَّه ترك بعضًا والمأموم يتيقن عدم تركه له.. فلا يوافقه إذا سجد، والمسألة مشكلة تصويرًا وحكمًا، أما التصوير: فكيف للمأموم العلم بأن سبب سجود الإمام ظنه ترك ذلك البعض بعينه؟ وأما الحكم: فالأصح: أنَّه إذا ظن سهوًا فسجد ثم تبين عدمه.. سجد ثانيًا لسهوه بالسجود، فإن كان الإمام لم يسه.. فسجوده يقتضي السجود، وقد يقال: لا ترد هذه الصورة على عبارتهم؛ لأنهم علقوا سجود المأموم بسهو الإمام، ولا سهو من الإمام بمقتضى ظن المأموم.
621 - قول "التنبيه" [ص 37]: (وإن سبقه الإمام بركعة فسجد معه) قال في "الكفاية": احترز به عما إذا لم يسجد معه؛ فإنه يسجد قطعًا، وصورته: إذا نوى المسبوق المفارقة قبله، أو تخلفت الطائفة الثانية في صلاة الخوف وسجد للسهو ثم عادت القدوة، وإلَّا.. فتبطل بالتخلف عنه.
622 - قولهما -والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن سها سهوين أو أكثر.. كفاه للجميع سجدتان) لا يرد على ذلك إعادة سجود السهو في صور؛ لأنه لم يتعدد حكمًا، بل صورة فقط؛ إذ العبرة بالمفعول آخر الصلاة، وقد أشار "الحاوي" لتلك الصور بقوله [ص 171]: (ويعيد إن تمم القصر والجمعة ظهرًا، أو ظن سهوًا فبان، وخليفة الساهي السابق) وهي أربع: الأولى: أن يسهو القاصر فيسجد ثم ينوي الإتمام، أو يصل إلى وطنه قبل السلام فيتمها أربعًا ويسجد آخر صلاته.
الثانية: أن يسهوا في الجمعة فيسجدوا ثم يتبين خروج الوقت.. فيتمونها ظهرًا ويسجدون آخرها.
الثالثة: إذا ظن سهوًا فسجد له ثم بان عدمه.. سجد ثانيًا؛ لسهوه بالسجود.
الرابعة: خليفة الإمام الساهي إذا كان مسبوقًا.. يمشي على نظم صلاة إمامه ويسجد موضع سجوده ثم يعيد السجود آخر صلاة نفسه، وكذا المسبوق الذي ليس خليفة يسجد مع الإمام ويعيده آخر صلاته، وقد ذكر "المنهاج" الصورة الثانية والثالثة 3. 623 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج" -: (والجديد: أن محله بين تشهده وسلامه) 4 هذا إذا

كان منفردًا أو مقتديًا بمن يعتقد ذلك، فإن اقتدى بمن يراه بعد السلام.. قال الدارمي: فإن سبقه ببعضها.. أخرج نفسه وتمم لنفسه وسجد، وإلَّا.. فأوجه: أحدها: يخرج نفسه ويسجد.
والثاني: يتبعه في السجود بعد السلام.
والثالث: لا يسلم إذا سلم الإمام، بل يصبر، فإذا سجد.. سجد معه ثم سلم.
قلت؛ والظاهر وجه رابع، وهو: أنَّه إذا سلم الإمام.. سجد هو منفردًا قبل السلام، وهو مقتضى قولهم -والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن ترك الإمام.. سجد المأموم) 1. ويرد على "المنهاج" في تعبيره بالجديد: أن هذا القول هو المنصوص عليه في القديم أيضًا، كما حكاه الشيخ أَبو حامد وصاحب "جمع الجوامع"، والقولان المقابلان له: أحدهما: إن سها بزيادة.. فبعد السلام، أو بنقص.. فقبله، وهو محكي عن اختلاف الحديث، وهو من الجديد.
والآخر: التخيير بينهما، وليس في القديم أيضًا، كما قاله شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني أبقاه الله تعالى، والمصنِّف تابع للرافعي؛ فإنه قال: إن الأول هو الجديد، وإن مقابليه قديمان، ثم هذا الخلاف في الإجزاء على المذهب، وقيل: في الأفضل، هذه عبارة "الروضة" 2، لكن قال الماوردي: إنه لا خلاف بين الفقهاء أنَّه يجوز قبل السلام وبعده، وإنَّما الخلاف في الأَوْلَى 3، وقال في "التتمة": من قال بأنه قبله.. لم يصححه بعده، بخلاف العكس.
624 - قول "التنبيه" [ص 37]: (فإن لم يسجد حتَّى سلم ولم يطل الفصل.. سجد) محله: إذا كان ناسيا، فلو سلم عامدًا عالمًا بالسهو.. لم يسجد، وقد صرح بذلك "المنهاج" بقوله [ص 112]: (فإن سلم عمدًا.. فات في الأصح) وكان ينبغي أن يقول أيضًا: (عالمًا بالسهو)، وهما مفهومان من قول "الحاوي" [ص 169]: (وإن تذكر عقيبه وأراد أن يسجد.. سجد).
625 - قول "المنهاج" [ص 112]: (وإذا سجد.. صار عائدًا إلى الصلاة في الأصح) مقابله: أنَّه لا يصير عائدًا؛ لأن التحلل حصل بالسلام، وصححه صاحب "التهذيب" 4، وفي "النهاية" وجه ثالث: أنَّه يسلم مرة أخرى، ولا يعتد بذلك السلام 5، قال السبكي: والقياس: إما هذا

الوجه، وإما ما قاله صاحب "التهذيب"، أما الحكم بالعود إذا سجد دون ما إذا لم يسجد كما صححه المصنِّف.. ففيه إشكال.
انتهى.
ويحرم العود إليهما إن ضاق الوقت، صرح به البغوي في "فتاويه" في المجمع والقاصر.
626 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (ولو ظن سهوًا فسجد فبان عدمه.. سجد في الأصح) 1 هي عبارة الغزالي 2، قال في "المطلب": وهي تقتضي أن ظن السهو يجوِّز السجود، وليس كذلك.
نعم؛ إن اعتقد أنَّه يُجوِّزهُ ففعله.. لم يبعد أن يأتي فيه الخلاف المذكور، وصورها الإمام بما إذا اعتقد أنَّه سها فسجد 3، وهذا واضح.
627 - قول "التنبيه" [ص 36]: (وإن زاد في صلاته ركوعًا، أو سجودًا، أو قيامًا، أو قعودًا على وجه السهو.. سجد للسهو) يستثنى منه: القعود القصير؛ فإن عمده لا يبطل الصلاة كما تقدم، فلا يسجد لسهوه.
628 - قوله فيما إذا تكلم ناسيًا: (أنَّه يسجد للسهو) 4 محله: في اليسير، فإن كان كثيرًا.. فإنه يبطل الصلاة في الأصح كما تقدم، فلا سجود.
629 - قوله: (وإن ترك إمامه فرضًا.. نوى مفارقته) 5 يقتضي منع انتظاره، وليس كذلك.
630 - قوله: (وإن ترك فعلًا مسنونًا.. تابعه ولم يشتغل بفعله) 6 هذا إذا كان فاحش المخالفة، فإن خف؛ كجلسة الاستراحة والقنوت.. فعله ولحق الإمام، ولا يرد ترك الإمام التسليمة الثانية؛ لانقطاع المتابعة، قاله في "الكفاية".

باب سجود التِّلاوة

631 - قول "الحاوي" [ص 171]: (لا في "ص") أي: ليست من العزائم، فلا يسجد فيها في الصلاة، ويستحب السجود فيها في غير الصلاة، وقد صرح به "المنهاج" 1، وهو مفهوم قول "التنبيه" [ص 35]: (فإن قرأها في صلاة.. لم يسجد، وقيل: يسجد)، وقال في "التصحيح": (الأصح: بطلان صلاة من سجد في صلاته لقراءة "ص") 2 فأفهم أن هذا استدراك عليه، وليس كذلك، بل هو فرع مرتب على ما ذكره، فبطلان الصلاة بالسجود فيها يترتب على منعه، وعدم البطلان يترتب على جوازه، وكذلك "المنهاج" لم يتعرض للبطلان، وإنَّما ذكر التحريم فقط، فقال: (وتحرم فيها في الأصح) 3، فهي كعبارة "التنبيه".
632 - قولهم: (تسن للقارئ والمستمع) 4 فيه أمور: أحدها: أنَّه يدخل فيه مستمع قراءة الجنب والسكران، وفي "فتاوى القاضي الحسين": أنَّه لا يسجد لسماع قراءتهما خلافًا لأبي حنيفة، وقال في "الروضة": تسن للمستمع إلى قراءة المحدث والصبي والكافر على الأصح 5. ثانيها: أنَّه يدخل فيه القارئ أو السامع أول دخوله المسجد قبل أن يصلي التحية، قال السبكي: ولم أرها منقولة، والأقرب: أنَّه يسجد، لكن هل يكون ذلك عذرًا في عدم فوات التحية حتَّى يصليها بعد السجود أو تفوت؟ فيه نظر.
انتهى.
ثاللها: أن لفظ المستمع يخرج السامع، والأصح: استحبابها له، وقد صرح به "المنهاج" 6، لكن في "الروضة": لا يتأكد له تأكدها للمستمع 7. رابعها: يستثنى من كلامهم: ما لو قرأها المصلي في غير محل القراءة؛ كالركوع والسجود.. فلا يسجد.
خامسها: ويستثنى أيضًا: ما لو قرأ آية أو آيتين فيهما سجدة لغرض السجود فقط، وكان ذلك في الصلاة أو في وقت الكراهة.. فقال النووي: مقتضى مذهبنا: أن فيه الوجهين فيمن دخل

المسجد في هذه الأوقات لا لغرض سوى صلاة التحية، والأصح: أنَّه يكره له الصلاة 1، ونازعه شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني فيما إذا كان في الصلاة، وقال: لا نهي في قارئ السجدة في الصلاة ليسجد.
انتهى.
وقال القاضي حسين: لا يستحب له جمع آيات السجود وقراءتها دفعة واحدة من أجل السجود.
انتهى.
وذلك يقتضي جوازه، ومنعه الشيخ عَزَّ الدين بنُ عبدِ السلام، وأفتى ببطلان الصلاة.
ويختص "التنبيه" بأنه يستثنى من قوله: (المستمع): المأموم إذا لم يسجد إمامه، والمصلي إذا استمع قارئًا خارج الصلاة، ولا يرد على "المنهاج" لتصريحه به بقوله [ص 113]: (وإن قرأ في الصلاة.. سجد الإمام والمنفرد لقراءته فقط، والمأموم لسجدة إمامه) ولا "الحاوي" لقوله [ص 171]: (لغير المأموم لقراءته) وغير المأموم هو الإمام والمنفرد، وفهم منه أن المأموم لا يسجد لقراءة نفسه، وقد علم من خارج أنَّه يسجد لسجود إمامه.
633 - قول "المنهاج" [ص 113]: (فإن سجد إمامه فتخلف، أو انعكس.. بطلت صلاته) هذا مع استمراره مأمومًا، فإن أخرج نفسه من الجماعة لأجل السجدة.. فهل هي مفارقة بعذر أم بغيره؟ مقتضى ما في "شرح المهذب": أنَّها بعذر 2. 634 - قوله: (وتكبيرة الإحرام شرط على الصحيح) 3 فيه أمور: أحدها: أنَّه عبر في "الروضة" بالأصح 4. ثانيها: أن تعبيره بالشرط تساهل، وإنما هي ركن.
ثالثها: أنَّه لم يذكر مع ذلك النية مع قوله أولًا: (نوى) فلو عبر بـ (التحرم) كما فعل "الحاوي".. لتناولهما، ولم يذكر "التنبيه" النية بالكلية.
635 - قول "التنبيه" [ص 35]: (وقيل: يتشهد ويسلم، وقيل: يسلم ولا يتشهد، والمنصوص: أنَّه لا يتشهد ولا يسلم) والأصح: أنَّه يسلم ولا يتشهد، وقد ذكر "المنهاج" و"الحاوي" وجوب السلام 5، وفهم عدم التشهد من سكوتهما عنه.
636 - قول "الحاوي" [ص 171]: (ونُدب تكبير الهويِّ) وكذا تكبير الرفع، وقد صرح به "التنبيه" و"المنهاج" 6.

637 - قول "الحاوي" [ص 171]: (ورفع اليدين) أي: في تكبيرة الإحرام فقط، وقد صرحا به 1، ويستثنى من إطلاقهم سجود التلاوة في الصلاة: صلاة الجنازة؛ فإنه إذا قرأ فيها آية سجدة.. لا يسجد فيها قطعًا، ولا بعدها في الأصح.
638 - قول "المنهاج" [ص 113]: (ويقول: "سجد وجهي للذي خلقه... " إلى آخره) قال في "الروضة": ولو قال ما يقوله في سجوده.. جاز 2، وقال في "شرح المهذب": كان حسنًا 3، وقد يفهم ذلك من كون "التنبيه" و"الحاوي" لم يذكرا لها ذكرًا مخصوصًا.
639 - قول "المنهاج" [ص 114]: (ولو كرر آية في مجلسين.. سجد لكل، وكذا المجلس في الأصح) محله: إذا سجد للأولى ثم كرر الآية.. فيسجد ثانيًا، فلو كررها قبل السجود.. اقتصر على سجدة واحدة قطعًا، وقد يرد ذلك على قول "الحاوي" أيضًا [ص 171]: (ويُكَرِّرُ إن تَكَرَّرَ).
640 - قول "المنهاج" [ص 114] و"الحاوي" [ص 171]: (وتسن سجدة الشكر لهجوم نعمة، أو اندفاع نقمة) وزاد في "المحرر": (من حيث لا يحتسب) 4، وكذا في "الشرح" و"الروضة" 5، وهو مفهوم من لفظ الهجوم فَذِكْرُهُ تأكيدٌ وإيضاح، وفي "التنبيه" [ص 35]: (ومن تجددت عنده نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة) فذكر بدل الهجوم الظهور، والظاهر: أنهما بمعنى واحد، والمقصود: الاحتراز من النعم المستمرة؛ كالعافية والإسلام والغنى عن الناس ونحوها، وبنى في "المهمات" على أن الظهور ليس بمعنى الهجوم، وقال: الصواب: عدم التقييد بالظهور؛ فإن عدم ظهور ذلك للناس لا أثر له فيما نحن فيه، وقوله: (استحب له أن يسجد شكرا لله تعالى) 6 زيادة إيضاح توهم وجوب الإضافة لله تعالى، وإلَّا.. فما الفرق بينها وبين كل ما سبق؟ 641 - قول "المنهاج" [ص 114] و"الحاوي" [ص 171]: (أو رؤية مبتلًى أو عاصٍ.
ويظهرها للعاصي لا للمبتلى) فيه أمور: أحدها: أنَّه يفهم أن رؤية المبتلى والعاصي لا تدخل في هجوم اندفاع النقمة، وهو الظاهر، وقد يدعى أن عبارة "التنبيه" تقتضي دخولها فيه؛ لكونه لم يفردها بالذكر.
ثانيها: لو شاركه في ذلك البلاء أو العصيان.. فهل يسجد؟ لم أر من تعرض له، وظاهر

إطلاقهم يقتضي السجود، والمعنى يقتضي عدمه، فيستثنى حينئذ.
ثالثها: تعبير "الحاوي" بالفاسق أولى من تعبير "المنهاج" بالعاصي؛ لإطلاق المعصية على الصغيرة من غير إصرار، ولا يسجد عند رؤية مرتكبها.
رابعها: قيد في "الكفاية" الفاسق بالمتظاهر ناقلًا له عن الأصحاب، وهو ظاهر.
خامسها: في معنى الفاسق: الكافر، وبه صرح الروياني في "البحر" 1، بل هو أولى بذلك.
سادسها: إنما يظهرها للفاسق إذا لم يخف ضررًا، فإن خاف.. أخفى، قاله في "شرح المهذب" 2. سابعها: ذكر القاضي الحسين والفوراني وابن يونس في "شرح التعجيز" أنَّه يظهر للمبتلى إذا كان غير معذور؛ كالمقطوع في السرقة، وبحث في "المهمات" أن المقطوع إن تاب فالسجود على البلية الحاضرة.. فلا يظهر، وإن لم يتب.. سجد وأظهر.
ثامنها: هل يظهرها للفاسق المجاهر المبتلى فى بدنه بما هو معذور فيه؟ يحتمل الاظهار؛ لأنه أحق بالزجر، والإخفاء؛ لئلا يفهم أنَّه على الابتلاء، فينكسر قلبه، ويحتمل أنَّه يظهر ويبين له السبب، وهو الفسق، ولم أر فى ذلك نقلًا.
تاسعها: يرد على التعبير بالرؤية: أنَّه لو حضر المبتلى، أو العاصي في ظلمة، أو عند أعمى، أو سمع سامع صوتهما ولم يحضرا عنده.. فالمتجه كما قال في "المهمات": استحباب السجود أيضًا.
عاشرها: لم يذكر الإظهار في السجود لهجوم نعمة، أو اندفاع نقمة، وفي "الشرح" و"الروضة": إظهارها إذا لم تتعلق النعمة أو البلية بالغير 3، وقال ابن يونس في "شرح التعجيز": عندي أنَّه لا يظهر السجود لتجدد الثروة بحضور الفقير؛ لما فيه من الانكسار، واستحسنه في "المهمات"، وهو موافق لما تقدم.
642 - قول "التنبيه" [ص 35]: (وحكم سجود التلاوة حكم صلاة النفل في استقبال القبلة وسائر الشروط) كذلك سجود الشكر، ولم يذكر "الحاوي" ذلك أيضًا في سجود الشكر، وصرح به "المنهال" فيهما 4.

بابُ صلاة التَّطوّع

643 - قول "التنبيه" [ص 34]: (أفضل عبادات البدن الصلاة) قال النشائي: (لا شك أن محله: فيمن يتصور منه العبادات، فلا ترد الشهادتان) انتهى 1. ووقع في أوائل "وسائل الحاجات" للغزالي أن الدعاء أفضل العبادات، وكأن مراده: من أفضلها، وفي "سنن أبي داوود والتِّرمِذي" وصححه من حديث النعمان بنُ بشير مرفوعًا: "الدعاء هو العبادة" 2. 644 - قوله: (وتطوعها أفضل التطوع) 3 لا يرد على ذلك قول الشَّافعي - رحمه الله -: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة 4؛ لأن طلب العلم فرض كفاية.
645 - قول "المنهاج" [ص 115]: (صلاة النفل قسمان: قسم لا يسن جماعة) لو قال: (يسن فرادى).. كان أحسن؛ فإن السنة: ألاَّ تكون في جماعة وإن جاز بالجماعة بلا كراهة.
646 - قول "التنبيه" في الراتبة [ص 34]: (وأربع قبل الظهر) الأصح: أن راتبتها قبلها ركعتان فقط.
647 - وقوله: (وأربع قبل العصر) 5 الأصح: أنَّه لا راتبة لها قبلها، والخلاف إنما هو في الراتب المؤكد مع أن الجميع سنة، كما أوضحه "المنهاج" 6. وقال في "التصحيح": الأصح: استحباب ركعتين قبل المغرب 7. وأورد عليه: أن كلام "التنبيه" في الراتب المؤكد، وليست الركعتان قبل المغرب من ذلك كما صرح به الرافعي 8، ولذلك لم يذكرهما "الحاوي"، فلا وجه للاستدراك، وفاته أن يستدرك أن راتبة الظهر قبلها ركعتان فقط، وأنه لا راتبة للعصر قبلها كما تقدم، وقد استدرك هذين الأمرين شيخنا الإسنوي في "تصحيحه"، لكنه استدرك مع ذلك الركعتين قبل المغرب 9، فتوجه الاعتراض عليه سواء أقلنا: إن كلام "التنبيه" في مطلق السنة أو في الراتبة المؤكدة خاصة،

وكذلك يتوجه الاعتراض على "تصحيح النووي" على كل حال؛ لأنه إن كان كلام "التنبيه" في مطلق السنة.. فينبغي أن يذكر استحباب أربع بعد الظهر؛ لأن "التنبيه" لم يذكر بعدها سوى ركعتين، وفي "المنهاج" من زيادته [ص 115]: (هما - يعني: الركعتين قبل المغرب - سنة على الصحيح؛ ففي "صحيح البخاري" الأمر بهما)، وقال في "التحقيق": (إنه المختار) 1. وذلك بمقتضى اصطلاحه يقتضي أن الراجح في المذهب خلافه، ثم إن الذي في "صحيح البخاري": "صلوا قبل المغرب"، قال في الثالثة: "لمن شاء" كراهية أن يتخذها الناس سنة 2، أي: طريقة لازمة، وليس في روايته التصريح بالأمر بركعتين.
نعم؛ في "سنن أبي داوود": "صلوا قبل المغرب ركعتين" 3، والمفهوم من لفظ "المنهاج" أنهما عند من استحبهما ليستا من الرواتب كما تقدم عن الرافعي 4، لكونه أخرهما عن تمام الكلام في الرواتب، وقد يقال: عطفهما على أمثلة الرواتب يفهم أنهما منها، ويلزم "الحاوي" ذكرهما عند قوله [ص 173]: (ونُدب زيادة ركعتين قبل الظهر وأربع قبل العصر) وأن يذكر زيادة ركعتين بعد الظهر أيضًا، وفي "شرح المهذب": إنه يستحب ركعتان قبل العشاء 5. 648 - قول "المنهاج" [ص 115]: (وبعد الجمعة أربع، وقبلها ما قبل الظهر) مخالف لقوله في "الروضة": قبلها أربع وبعدها أربع، كذا قاله بنُ القاص وآخرون 6، ويحصل أيضًا بركعتين قبلها وركعتين بعدها، وفي "التحقيق": إنها كالظهر.
انتهى 7. ونص الشَّافعي في "الأم" في اختلاف على وابن مسعود: على أن بعدها أربعًا، وحكى عنه التِّرمِذي في "جامعه": أن بعدها ركعتين 8، وفي "الكافي" للخوارزمي: أن السنة بعدها كهي بعد الظهر ركعتان، ثم ذكر أنَّه روي: (أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بعدها ركعتين)، وروي: (أربعًا)، وروي: (ستًا)، قال: والأفضل: أن يصلي بعدها ستًا آخذًا بالأكثر، ركعتين ثم أربعًا بسلام واحدٍ.
انتهى.
649 - قوله: (ومنه الوتر) 9 أي: من النفل الذي لا يسن جماعة، فهو قسيم الراتبة لا قسم

منها؛ إذ لو كان منها.. لقال: ومنها، وذلك يقتضي تفسير الرواتب بالسنن التابعة للفرائض، وهو الأصح، وعبارة "التنبيه" تقتضي تفسيرها بالسنن المؤقتة؛ حيث قال [ص 34]: (والسنة: أن يواظب على السنن الراتبة مع الفرائض) فإنه دال على صدق اسم الراتبة وإن لم تكن مع الفرائض، وهذا اصطلاح المتقدمين من الأصحاب، وفي عبارته شيء آخر، وهو: أن المواظبة على كل مسنون سنة، فما وجه تخصيص ذلك بالراتبة؟ ومراده: تأكدها على غيرها.
650 - قولهم: (أكثر الوتر: إحدى عشرة ركعة) 1 هو المشهور، وصحح الرافعي في "شرح مسند الشَّافعي": أن أكثره ثلاث عشرة ركعة، قال السبكي: أنا أقطع بأن من أوتر بثلاث عشرة.. جاز وصح وتره، ولكني أحب الاقتصار على إحدى عشرة فما دونها؛ لأن ذلك غالب أحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
651 - قول "التنبيه" [ص 34]: (ويسلم من كل ركعتين) أي: هو الأفضل، وهو معنى قول "المنهاج" [ص 115] و"الحاوي" [ص 172]: (إن الفصل أفضل) لكن الفصل فيما إذا أوتر بثلاث آكد منه فيما إذا أوتر بأكثر من ذلك؛ فإن السبكي قال: إن الوصل في الثلاث مكروه؛ لأن الدَّارَقُطني روى بإسناد رجاله ثقات: "ولا تشبهوا بصلاة المغرب" 2، وفيما عدا الثلاث خلاف الأولى.
652 - قول "المنهاج" [ص 115] و"الحاوي" [ص 172]: (وله الوصل بتشهد، أو تشهدين في الآخرتين) قد يفهم استواءهما، وهو وجه، قال الرافعي: إنه مقتضى كلام كثيرين 3، لكن صحح في "التحقيق": أن الأفضل: تشهد واحد، وقيل: الأفضل: تشهدان 4. 653 - قولهما أيضًا: (ووقته بين صلاة العشاء وطلوع الفجر) 5 وقع في "تعليق القاضي أبي الطيب" أن وقته المختار إلى نصف الليل، أو ثلثه كالفرض، وهذا مناف لقولهم: (إنه يسن جعله آخر صلاة الليل) 6 وقد علم أن التهجد في النصف الثاني أفضل، فكيف يكون تأخيره مستحبًا، ويكون وقته المختار إلى النصف أو الثلث؟ قال شيخنا الإمام سراج الدين: والأقرب حمل ذلك على من لا يريد التهجد.
قلت: ولو حمل على ذلك.. فهو بعيد أيضًا، والله أعلم.

654 - قولهما أيضًا: (ويسن جعله آخر صلاة الليل) 1 يقتضي أنَّه إذا لم يكن له تهجد.. فالأفضل تقديمه، وكذا هو في "الروضة" وأصلها 2، ويوافقه قول "التنبيه" [ص 34]: (ويوتر بعدها -أي: بعد التراويح- في الجماعة، إلَّا أن يكون له تهجد.. فيجعل الوتر بعده)، وقيده في "شرح المهذب" بما إذا لم يثق بالاستيقاظ آخر الليل، فإن وثق به.. فتأخيره أفضل مطلقًا 3. 655 - قولهم - وهو في "الحاوي" في (صفة الصلاة) -: (ويُندب القنوت آخر وتره في النصف الثاني من رمضان) 4 زاد "المنهاج" [ص 116]: (وقيل: كُل السَّنَةِ" واختاره في "التحقيق" 5، وقال في "شرح المهذب": إنه قوي في الدليل؛ لحديث الحسن بنُ على رضي الله عنهما: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر) 6. وقال السبكي: وليس فيه تصريح بأنه في كل السنة.
قلت: هو ظاهر في ذلك، والظهور كاف، والله أعلم.
وظاهر النص كراهته في غير النصف الأخير من شهر رمضان، والأشبه في "الشرح الصغير": عدمها.
656 - قول "المنهاج" [ص 116]: (وهو كقنوت الصبح، ويقول قبله - ثم صحح أنَّه بعده -: "اللهم؛ إنا نستعينك ونستغفرك... " إلى آخره) محل الجمع بينهما: إذا كان منفردًا، أو إمامًا لمحصورين رضوا بالتطويل بهما، هالا.. اقتصر على قنوت الصبح، قاله في "شرح المهذب" في (صفة الصلاة) 7. 657 - قوله: (وأن الجماعة تندب في الوتر عقب التراويح جماعة) 8 معطوف على المصحح، فيكون فيه خلاف، ولم يتعرض له الشارحون، وعبارة "الروضة" تقتضيه 9، لكن خص في "التحقيق" الخلاف بغير رمضان 10، وعبارة "الروضة": إذا استحببنا الجماعة في التراويح..

فتستحب الجماعة في الوتر بعدها 1، ولم يقل الرافعي بعدها، بل قال: تستحب في الوتر أيضًا؛ أي: في رمضان، أما في غيره.. فلا تستحب فيه الجماعة 2، وعبارة "المنهاج" تفهم أنَّه لو صلى التراويح فرادى.. لا يندب الجماعة في الوتر، وكذلك يفهمه قول "التنبيه" [ص 34]: (ويوتر بعدها في الجماعة) لكن عبارة الرافعي المتقدمة تقتضي استحباب الجماعة فيه إذا قلنا باستحبابها في التراويح وإن صلي التراويح فرادى.
658 - قول "التنبيه" [ص 34]: (إن أكثر الضحى: ثمان ركعات) مخالف لقول "المنهاج" [ص 116] و"الحاوي" [ص 172]: (إن أكثره: ثنتا عشرة ركعة) وبالأول قال الجمهور كما حكاه في "شرح المهذب" 3، وبالثاني قال الروياني، وضعفه في "التحقيق" جدًا 4، وفي "الروضة": أفضلها: ثمان، وأكثرها: ثنتا عشرة 5، والرافعي إنما حكاه عن الروياني فقط 6، والحجة على الثمان حديث أم هانئ: (أنَّه عليه الصلاة والسلام يوم الفتح صلى ثمان ركعات وذلك ضحًا) 7، قال السبكي: وليس فيه دليل على أن ذلك أكثرها.
قلت: لكن الأصل في العبادات التوقيف، ولم تصح الزِّيادة على ذلك، وحديث: "وإن صليتها ثنتي عشرة ركعة.. بنى الله لك بيتًا في الجنَّةَ" ضعفه البيهقي 8، وقال الروياني في "الحلية": أكثرها اثنا عشر، وكلما زاد.. كان أفضل، وقال الحليمي: الأمر في مقدارها إلى المصلي كسائر التطوع، وهما غريبان.
659 - قول "الحاوي" [ص 172، 173]: (بين ارتفاع الشمس والاستواء) تبع فيه الرافعي 9، وكذا في "التحقيق" و"شرح المهذب" و"الكفاية" 10، وذهب إليه السبكي، وحكى النووي في "الروضة" عن الأصحاب: أنَّه يدخل وقتها بطلوع الشمس ويستحب تأخيرها إلى ارتفاعها 11، ولم يذكر "التنبيه" و"المنهاج" وقتها؛ كأنهما اكتفيا بلفظها دليلًا على وقتها،

وذكر الماوردي أن وقتها المختار: إذا مضى ربع النهار (1)، وجزم به في "التحقيق" (2)، وعلله الغزالي: بأن لا يخلو كل ربع من النهار عن عبادة (3). 660 - قولهم: (إن تحية المسجد سنة) (4)، قال في "التنبيه" [ص 35]: (إلَّا أن يدخل وقد حضرت الجماعة.. فالفريضة أولى) والمراد: إذا خشي من التشاغل بها فوات فضيلة تكبيرة الإحرام؛ كما ذكره الرافعي في الجمعة (5)، وحكى في "الروضة" عن المحاملي أن التحية تكره في حالين: أحدهما: إذا دخل والإمام في المكتوبة.
وقد عرفت أن الكراهة لا تختص بكونه دخل فى المكتوبة، بل لو قرب وقتها بحيث تفوته تكبيرة الإحرام لو اشتغل بالتحية.. كرهت أيضًا كما تقدم، ولا يختص ذلك بالمكتوبة، وقد ذكر أَبو حامد العراقي في "الرونق": أنَّها تكره أيضًا عند خوف فوات السنة الراتبة، والمراد: كراهة اقتصاره على نية التحية، فأما إذا نوى الراتبة، أو أطلق.. فإنهما يحصلان كما سيأتي، وفي "المهمات" عن كتاب "الوسائل" لأبي الخير سلامة بنُ إسماعيل بنُ جماعة: أنَّه إذا دخل المسجد والإمام يصلي جماعة في نافلة؛ كالعيد.. ففي استحباب ركعتي التحية وجهان، قال: والفرق أن فعل الفريضة في الجماعة أفضل من صلاة النافلة.
قال في "المهمات": وما قالوه في المكتوبة يظهر اختصاصه بما إذا لم يكن الداخل قد صلى، فإن صلى جماعة.. لم تكره التحية، أو فرادى.. فالمتجه: الكراهة.
قال: الثاني: إذا دخل المسجد الحرام.. فلا يشتغل بها عن الطواف.
انتهى (6). ويستثنى أيضًا: الخطيب إذا دخل يوم الجمعة للخطبة.. فلا تستحب له التحية في الأصح، وحكى في "المهمات" عن "المقصود" للشيخ نصر المقدسي: تقييد الاستحباب بمن أراد الجلوس، وهو مقتضى الحديث.

تَنْبِيْهٌ [على سقوط استحباب تحية المسجد]

يسقط استحبابها بالجلوس عمدًا أو نسيانًا مع طول الفصل، فإن جلس ناسيًا وقصر الفصل..123456

صلاها، كما حكاه في "الروضة" عن ابن عبدان، واستغربه، وجزم به في "التحقيق" 1، وذكر في "شرحي المهذب ومسلم" أن كلام الأصحاب محمول عليه.
انتهى 2. 661 - قولهم: (إنها ركعتان) 3 يقتضي منع الزِّيادة عليهما، لكن في "شرح المهذب" جواز الزِّيادة إذا أتى بسلام واحد 4. قال في "المهمات": فإن فصل.. فمقتضى كلامه المنع، والجواز محتمل.
انتهى.
662 - قول "الحاوي" [ص 173]: (وتأدت بالفرض والنفل) يستثنى من" طلاق النفل: الركعة الواحدة، فلا تحصل بها التحية في الأصح، وكذا الجنازة، وسجدة التلاوة والشكر، وقد صرح بذلك كله "المنهاج" 5. 663 - قول "المنهاج" [ص 116]: (وتحصل بفرض أو نفل آخر) أي: سواء نواها أم لا، كما صرح به "الحاوي" 6، وبحث الرافعي تخريجه عند الإطلاق على الخلاف في حصول الجمعة بغسل الجنابة 7، وابن الصلاح عند نيتهما على نية الجنابة والجمعة معًا 8، ورده النووي عليهما؛ بأن غسل الجمعة سنة مقصودة، وأما التحية: فالمقصود منها شغل المكان 9. قال في "المهمات": (والفرق غير واضح، ولو قيل بسقوط الأمر لا بحصول التحية.. لاتَّجَه) انتهى.
664 - قول "الحاوي" [ص 173]: (والراتبة المقدمة تؤخر أداءً) لا يفهم منه أمد تأخيرها، فعبارة "المنهاج" أوضح؛ حيث قال [ص 116]: (ويخرج النوعان بخروج وقت الفرض).
واعلم: أنَّه بفعل الفرض يخرج وقت الاختيار للراتبة المقدمة ويبقى وقت الجواز.
665 - قول "التنبيه" [ص 34]: (ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء.. قضاه في أصح القولين) الإشارة بهذه لما عدا العيد والكسوف والاستسقاء، وقد تعرض في (باب صلاة العيد) لقضائها، وقال في الكسوف: لا يقضي، وفي الاستسقاء: صلوا شكرًا؛ أي: ولا يكون قضاء، واستشكل في "المهمات" الاستسقاء؛ لأن القضاء فرع الفوات، وقد ذكروا في (باب الاستسقاء)

أنهم إذا سقوا قبل الصلاة.. صلوا على المشهور، وأن الخلاف يجري فيما لو لم ينقطع الغيث وأرادوا الصلاة للاستزادة.
انتهى.
وقال في "التوشيح": ويستثنى: من نذر أن يستسقي فسقي.. قال الدارمي في "الاستذكار": عليه أن يستسقي لنفسه، فإن لم يفعل.. فعليه القضاء، وليس عليه الخروج بالناس؛ لأنه لا يملكهم، ويستحب أن يخرج بمن أطاعه منهم ومن ولي له.
انتهى 1. وإناطة "المنهاج" و"الحاوي" القضاء بالنفل المؤقت.. حسن حاضر 2. 666 - قول "التنبيه" [ص 34]: (وأفضل التطوع: ما شرع له الجماعة) أورد عليه: أن لفظ (شرع) كما يحتمل المندوب يحتمل كل جائز، والمراد: الأول، ويستثنى: التراويح؛ فالأصح: أن الرواتب أفضل منها مع مشروعية الجماعة فيها، وقد صرح بذلك "المنهاج" و"الحاوي" 3، فإن قيل: قد بين مراده بقوله: (وهو العيد والكسوف والاستسقاء) 4 فلا يرد التراويح.. قلنا: كيف يصح هذا الحصر مع قوله بعد ذلك: (ويقوم رمضان بعشرين ركعة في الجماعة) 5؟ وأفضلها: العيد، ثم الكسوف، ثم الاستسقاء كما ذكره "الحاوي" 6، وكسوف الشمس أفضل من كسوف القمر، حكاه في "الروضة" عن الماوردي وغيره 7. 667 - قول "التنبيه" [ص 34]: (وفي الوتر وركعتي الفجر قولان، أصحهما: أن الوتر أفضل) يقتضي أن ركعتي الفجر تلو الوتر في الفضيلة، وبه صرح "الحاوي" 8، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور، لكن قال أَبو إسحاق: إن صلاة الليل أفضل من سنة الفجر، وفي "الروضة": إنه قوي؛ لحديث: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل" رواه مسلم 9، فلذلك قال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": إنه المختار 10.

668 - قول "التنبيه" [ص 34] و"الحاوي" [ص 172]: (إنه يقوم رمضان بعشرين ركعة)، قال الحليمي: ومن اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين.. فحسن، قال: والاقتصار على عشرين مع القراءة فيها بما يقرؤه غيره في ست وثلاثين أفضل؛ لفضل طول القيام.
669 - قول "الحاوي" [ص 173]: (ولا حصر للنفل المطلق، فَتَشَهَّد في كل ركعتين أو كل ركعةٍ) تبع فيه الرافعي؛ فإنه جزم به في "المحرر" مع قوله في "الشرح": لم أره إلَّا في "النهاية" وكتب الغزالي 1، وهو ظاهر إطلاق "التنبيه" في قوله [ص 35]: (فإن جمع بين ركعات بتسليمة.. جاز) لأنه لم يفصل في ذلك بين أن يتشهد في كل ركعة أم لا، وقال في "المنهاج" [ص 117]: (الصحيح: منعه في كل ركعة) وكذا يجوز في كل ثلاث أو كل أربع، قاله في "التحقيق" 2، وهو مفهوم من طريق الأولى، وفي وجه: لا يزيد على تشهدين، وقواه في "شرح المهذب" 3، واختاره السبكي.
670 - قول "المنهاج" [ص 117] و"الحاوي" [ص 174]: (ولو نوى عددًا.. فله أن يزيد وينقص بشرط تغيير النية قبلهما) كذا إذا نوى واحدة.. فله أن يزيد بالنية وإن لم تكن الواحدة عددًا.
671 - قول "التنبيه" [ص 35] و"المنهاج" [ص 117]؛ (والثلث الأوسط أفضل من الأول والأخير) أي: إذا قسمه أثلاثًا، وأفضل منه - كما ذكره النووي في كتبه - السدس الرابع والخامس، وهو صلاة داوود عليه السلام 4. 672 - قول "التنبيه" [ص 35]: (وفعله في البيت أفضل من فعله في المسجد) يستثنى منه بعد ما هو مشهور كالعيد ونحوه مسائل: إحداها: النافلة يوم الجمعة كما نص عليه في "الأم" 5، حكاه شيخنا الإمام سراج الدين أمتع الله به، وفي "المهمات" أن الجرجاني في "الشافي" حكاه عن الأصحاب، وعلله بفضيلة البكور.
ثانيها: ركعتا الإحرام، فإذا كان في الميقات مسجد.. فَفِعْلهما فيه أفضل، حكاه في "الروضة" في (الحج) عن الأصحاب 6.

ثالثها: ركعتا الطواف، فيستحب فعلهما في المسجد كما هو مصرح به في بابه، وكلام القاضي أبي الطيب يدل على أن الرواتب في المسجد أفضل، لكن في "شرح مسلم" للنووي: لا خلاف عندنا في استحباب الراتبة في البيت 1، وفي المنذورة وجهان في "الكفاية".
673 - قوله: (ويجوز فعل النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام) 2 وكذا مضطجعًا، لا مستلقيًا على الأصح فيهما.

بابُ صلاة الجماعة

674 - قول "التنبيه" [ص 37]: (الجماعة سنة في الصلوات الخمس، وقيل: هي فرض على الكفاية) صحح الرافعي الأول 1، وعليه مشى "الحاوي" 2، وصحح النووي الثاني 3، وبين "المنهاج" التصحيحين 4، ويرد على عبارة "التنبيه" و"المنهاج" أمور: أحدها: أن محل الخلاف: في المؤداة، فليست الجماعة في المقضية فرض كفاية قطعًا، كذا في زيادة "الروضة" 5، ونازع فيه شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني، وقال: إنه ممنوع، وفيما قاله نظر، وهل هي سنة فيهما؟ حكى الرافعي عن القاضي حسين: أنَّه لا يشرع لها الجماعة 6، وقد تقرر أن معنى قولهم: (لا يشرع): لا يستحب، وقال النووي: إن الجماعة سنة في الفائتة إن لم يصلها خلف مؤداة، فالانفراد أفضل من صلاة المقضية خلف المؤداة، وبالعكس؛ للخروج من الخلاف 7، وفي معنى فعلها خلف مؤداة: فعلها خلف مقضية غيرها؛ لاختلاف النية، واقتضى إطلاق "الحاوي": استحباب الجماعة فيها مطلقًا 8، وهو مخالف لإطلاق الرافعي وتفصيل النووي.
ثانيها: ومحل الخلاف أيضًا: في غير العراة؛ فالخلاف في حقهم في الاستحباب، صحح الرافعي: الاستحباب 9، وعليه إطلاق "الحاوي" 10، وصحح النووي: أن الجماعة والانفراد لهم سيان 11. ثالثها: ومحل الخلاف أيضًا: في غير صلاة المسافر، فقال الإمام: ولا شك أن المسافرين لا يتعرضون لهذا الفرض 12، وجزم به النووي في "التحقيق" 13، لكن قال السبكي: نص

الشَّافعي في "الأم" يرد عليهما؛ فإنه قال: حتَّى لا يخلو جماعةٌ مقيمون ولا مسافرون من أن يصلى فيهم صلاةُ جماعةٍ 1. رابعها: ومحل الخلاف أيضًا: في الأحرار، فليست فرضًا على العبد قطعًا، ذكره في "الكفاية"، وقال شيخنا الإمام جمال الدين في "تصحيحه": إنه الصواب 2، وقال القاضي حسين: للسيد منعه من حضورها، إلَّا ألاَّ يكون له شغل ويقصد تفويت الفضيلة عليه.
ويختص "التنبيه" بأمرين: أحدهما: أنَّه أطلق قول فرض الكفاية، ومحله: في الرجال، كما صرح به "المنهاج" 3، فالجماعة في حق النساء سنة قطعًا، ومع ذلك فلا تتأكد في حقهن كتأكدها في حق الرجال على الأصح، وقد صرح به في "المنهاج"، لكنه أطلق أولًا أنَّها سنة مؤكدة 4، وتعبيره بالرجال يوهم أن الخناثى يتعرضون لهذا الفرض.
قال في "المهمات": والقواعد تاباه، وكلامهم في (الجمعة) يدل عليه؛ فإن الجماعة شرط فيها، وقد صرحوا بعدم وجوبها عليهم.
انتهى.
ثانيهما: أنَّه أطلق الخلاف في أن الجماعة سنة أو فرض كفاية، ومحله: في غير الجمعة، وكذا يرد على "الحاوي" إطلاقه أن الجماعة سنة في أفضل من الراتبة 5، وكأنهما إنما تركا ذلك لوضوحه وتقرره في بابه، وقد صرح به "المنهاج"، ويختص "المنهاج" بأنه أطلق ذكر الفرائض، فدخل في عبارته المنذورة مع أنَّه لا يشرع فيها الجماعة؛ كما صرح به الرافعي في (الأذان) 6، وهذا وارد على إطلاق "الحاوي" أن الجماعة سنة في أفضل من الراتبة 7؛ فإن المنذورة أفضل من الراتبة، ومعنى عدم المشروعية: عدم الاستحباب كما تقدم؛ ولذلك قيد "التنبيه" و"المحرر" الفرائض بالخمس، فخرجت المنذورة 8. 675 - قول "المنهاج" تفريعًا على أن الجماعة فرض كفاية [ص 118]: (فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية) قد يخرج البادية، وفى تعرض أهلها الساكنين بها لهذا الفرض احتمالان للإمام، اختيار النووي منهما: نعم، وقطع الإمام بعدم الفرضية فيما لو قل عدد ساكني قرية،

جارٍ التحميل