تحرير الفتاوىصفحات 798-804

ثالثها: الأصح: تصديق مدعي الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 1. رابعها: يستثنى من هذه القاعدة مسائل: الأولى: إذا باع ذراعًا من أرض وهما يعلمان ذرعانها، فادعى البائع أنه أراد ذراعًا معينًا حتى يفسد العقد، وادعى المشتري الإشاعة ليصح.. فأرجح الاحتمالين في "الروضة": تصديق البائع 2. الثانية: إذا اختلفا في أن الصلح وقع على الإنكار أو مع الاعتراف.. فأنه يصدق مدعي الإنكار على الصواب، كما قاله في "الروضة" من زياداته 3؛ لأنه الغالب.
الثالثة: لو قال المشتري: (ما رأيت المبيع)، فقال البائع: (بل رأيته).. ففي "فتاوى الغزالي": أن القول قول البائع 4، قال الرافعي: ولا ينفك هذا عن خلاف 5، قال النووي: هذه مسألة اختلافهما في مفسد للعقد، وفيها الخلاف المعروف، والأصح: أن القول قول مدعي الصحة، وعليه فرعها الغزالي 6، وقال في "المهمات": إنه مردود نقلًا وبحثًا؛ فقد ذكر الشيخ أبو على والشيخ أبو محمد والقاضي حسين والمتولي والروياني والجرجاني وغيرهم: أن القول قول المشتري؛ لأنه أعلم بنفسه، فعلى هذا تستثنى هذه من القاعدة.
الرابعة: عكسه، قال المشتري: (رأيت المبيع)، وأنكر البائع، فذكر البغوي والعمراني في "فتاويهما": تصديق البائع، وقال القفال في "فتاويه": إن سُمع من البائع إقرار بالبيع مطلقًا.. لم يلتفت لقوله، وإن لم يسمع منه إلا كذلك.. فقد أقر بالبيع، ولكن وصل به ما يبطل إقراره، فيخرج على القولين، قال: والحكم في عكسه كما ذكرنا.
الخامسة: قال السيد: كاتبتك وأنا مجنون أو محجور عليَّ، وعرف للسيد ذلك.. صدق، كما ذكره الرافعي في بابه 7، فلو ادعى اتحاد النجم، وادعى المكاتب تعدده.. فحكى الرافعي عن البغوي: تصديق السيد أيضًا، ورأى النووي طرد الخلاف 8. السادسة: قال الجرجاني في "الشافي": فيما إذا قال المشتري: بعتني هذا العصير وهو

خمر، وقال البائع: بل عصير وصار خمرًا.. أن القول قول مدعي الفساد، ولكن الرافعي جعلها على الخلاف 1. السابعة: قال الروياني: إذا كان في يد المشتري خل فقال: باعنيه خمرًا، وصار عندي خلًا، وقال: ما بعته إلا خلًا.. فالقول قول المشتري، قال السبكي: وهو أشكل من قول الجرجاني.
خامسها: قال السبكي: للاختلاف في الصحة والفساد مراتب: الأولى: أن يجري في صفة المعقود عليه، مثل أن يقول: الذي وقع العقد عليه حرُّ الأصل أو أم ولد أو ملك غير البائع.. فالذي جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين: أن القول قول البائع، وجعلوه أصلًا قاسوا عليه أحد الوجهين؛ لأن قول مدعي الفساد لم يعتضد بأصل، فاعتضاد قول مدعي الصحة بالظاهر سالم من المعارض، لكن الجرجاني قال ما نقلناه عنه، وجعله الرافعي على الخلاف، وأظن ذلك تفقهًا منه لا نقلًا، ولا يظهر فرق بين ذلك والاختلاف في ملك المبيع إلا أن الموجود في يد البائع خمر، ودعوى كونه كان عند العقد عصيرًا على خلاف الظاهر، بخلاف الحرية وعدم ملك المبيع ليس معنا دليل عليه، وملاحظة هذا يقتضي الجزم بقبول دعوى الفساد أو ترجيحه، وهو خلاف مقتضى ترجيح الرافعي.
الثانية: أن يختلفا في صفة العقد والمفسد زائل بحيث لو لم يوجد.. لصح العقد؛ كالاختلاف في شرط أجل مجهول أو خيار مجهول أو زائد على الثلاث، وكل شرط يقتضي انضمامه للعقد فساد العقد.. فهذا محل الخلاف، والأصح: قبول قول مدعي الصحة.
الثالثة: أن يختلفا في شيء يكون وجوده شرطًا لصحة العقد؛ كالرؤية، فذكر مسألة الرؤية.

بابٌ العبد المأذون

1958 - كذا ترجم في "التنبيه" 1، وفيه أمور: أحدها: أنه حذف الجار والمجرور؛ للعلم به، والتقدير: المأذون له.
ثانيها: أن الترجمة بذلك أعم من ترجمة الشافعي له بمداينة العبيد؛ لأن الباب ليس مقصورًا على المداينة فقط، كما نبه عليه الرافعي 2، ولهذا ترجم في "الروضة" بمعاملات العبيد 3. ثالثها: تبع "المنهاج" الشافعي رضي الله عنه في وضعه هذا الباب هنا 4، وقدمه "الحاوي" على (اختلاف المتبايعين)، كما في "الروضة" وأصلها 5، وأخره "التنبيه" إلى بعد (القراض) 6، لمشاركته له في تحصيل الربح بالإذن في التصرف، فمقصودهما واحد.
رابعها: لو عبروا بالرقيق.. لكان أولى؛ ليتناول الأمة على أن ابن حزم الظاهري ذكر أن لفظ العبد يتناول الأمة 7، والله أعلم.
1959 - قول "المنهاج" [ص 235]- والعبارة له - "والحاوي" [ص 285]: (العبد إن لم يؤذن له في التجارة.. لا يصح شراؤه بغير إذن سيده في الأصح) حكى الماوردي وأبو الطيب مقابله - وهو الصحة - عن الجمهور 8، قال السبكي: وفي النفس منه - أي: من تصحيح الفساد - شيء، ومن يلتزم تصحيح ما عليه الأكثر ينبغي أن يصحح الصحة هنا، ولا سيما لم ينهض دليل قوي على فساده.
1960 - قول "المنهاج" [ص 235]: (ويسترده البائع سواءٌ كان في يد العبد أو سيده) كان ينبغي أن يقول: (سواءٌ أكان في يد العبد أم سيده)، فحذف الهمزة وأتى بـ (أو) موضع (أم).
1961 - قول "التنبيه" [ص 120]: (إذا كان العبد بالغًا رشيدًا.. جاز للمولى أن يأذن له في التجارة)، قال النشائي في "نكته": لم أر التصريح باعتبار رشده إلا في "التنبيه"، ولا يقال: هو مفهوم من علة صحة العبارة؛ فإن كل مكلف صحيح العبارة لا سيما من لم يحجر عليه بعد رشده.
انتهى 9.

وحُكي عن الماوردي أنه صرح باعتبار رشده أيضًا، واعتُرض على "التنبيه": بأنه يشمل من بلغ رشيدًا وطرأ عليه السفه في المال، ولا بد من إنشاء حجر عليه على الأصح في الحر، والظاهر: أن العبد مثله، فإذا أذن له سيده قبل إنشاء حجر.. صح تصرفه مع أنه غير رشيد.
قلت: لا يحتاج لإنشاء حجر على العبد، بل يُكتفى بالحجر العام المستمر، والله أعلم.
1962 - قوله: (فإن أذن له في التجارة.. لم يملك الإجارة، وقيل: يملك ذلك في مال التجارة ولا يملك في نفسه) 1 الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"، فمنعا إجارة نفسه 2، ومفهومه: جواز إجارة غيره، ويستثنى من منع إجارة نفسه: ما إذا أذن له السيد فيه.. فإنه يجوز.
1963 - قول "المنهاج" [ص 235]: (ولا يأذن لعبده في التجارة) أي: بغير إذن السيد، فإن أذن له السيد.. جاز، وقد ذكره "الحاوي" 3، ومحل المنع أيضًا في الإذن: في التجارة مطلقًا، فلو أذن لعبده في تصرف خاص.. صح عند الإمام والغزالي 4، وعليه مشى "الحاوي" 5، ومقتضى كلام البغوي منعه 6، وليس في "الروضة" وأصلها تصريح بترجيح 7. 1964 - قول "المنهاج" [ص 235]: و"الحاوي" [ص 285]: (ولا ينعزل بإباقه) أي: فله التصرف في البلد الذي أبق إليه، ويستثنى منه: ما إذا خص السيد الإذن ببلدة.
1965 - قول "المنهاج" [ص 235]: (ومن عَرَفَ رق عبدٍ.. لم يعامله حتى يعلم الأذن) ينبغي أن يقول: (رق شخص) لأن العبد معلوم الرق، أما من لا ترف حريته ولا رقه.. فأصبح القولين: جواز معاملته، ومحلهما: في غير الغريب، أما الغريب: فيجوز جزمًا، للحاجة، قاله في "المطلب"، والمراد بعلم الإذن: ظنه؛ فإن البينة إنما تفيد الظن، وفي "المحرر" و"الروضة": (حتى يعرف) 8. 1966 - قوله: (ولا يكفي قول العبد) 9 أي: في أنه مأذون، أما من علم أنه مأذون، فقال:

(حجر عليّ سيدي).. لم تجز معاملته ولو قال السيد: لم أحجر عليه في الأصح؛ لأنه العاقد، وهو يقول: إن العقد باطل، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 286]: (وفي الحَجْر قولُهُ وإن جحده السيد).
1967 - قول "المنهاج" [ص 235] و"الحاوي" [ص 286]: (بسماع سيِّده أو بينةٍ أو شيوعٍ بين الناس) يقتضي أنَّه لا يجوز بخبر عدل واحد، قال السبكي: وينبغي أن يجوز؛ لأنه يحصل الظن وإن كان لا يكفي عند الحاكم.
1968 - قول "المنهاج" [ص 235]: (فإن باع مأذون له وقبض الثمن، فتلف في يده، فخرجت السلعةُ مستحقةً.. رجع المشتري ببدلها على العبد) أي: ببدل العين، وهو سهو، والذي في "الروضة" و"المحرر": (ببدله) 1 أي: بدل الثمن، وهو الصواب.
1969 - قوله: (وله مطالبة السيد أيضًا، وقيل: لا، وقيل: إن كان في يد العبد وفاءٌ.. فلا، ولو اشترى سلعةً.. ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلاف)، ثم قال: (ولا يتعلق دين التجارة برقبته، ولا ذمة سيده) 2 فما ذكره من أن دين التجارة لا يتعلق بذمة السيد مخالف لقوله قبله: إن السيد يطالب ببدل الثمن التالف فى يد العبد وبثمن السلعة التى اشتراها أيضًا، وقد وقع الموضعان كذلك في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 3، واقتصر "الحاوي" على الموضع الأول فقال [ص 286]: (وطولب بالديون [وإن عتق؛ كالعامل والوكيل] 4 برب المال).
قال في "المطلب": ولا يجمع بينهما بحمل الأول على مجرد المطالبة، والثاني على بيان محل الدفع؛ فإن الوجه الثالث المفصل يأبى ذلك.
قال السبكي والإسنوي: وسبب وقوع هذا التناقض أن المذكور أولًا هو طريقة الإمام 5، وأشار في "المطلب" إلى تضعيفها، وثانيًا هو طريقة الأكثرين ممن وقفت على كلامهم، فجمع الرافعي بينهما 6، فلزم منه ما لزم، وحمل شيخنا الإمام البلقيني قولهم: (إن دين التجارة لا يتعلق بذمة السيد) على أن المراد: بسائر أمواله.
1970 - قول "التنبيه" [ص 120]: (وما يلزم من دين التجارة يجب قضاؤه من مال التجارة، فإن بقي شيء.. اتبع به إذا عتق) يقتضي أنَّه لا يتعلق بما يكسبه قبل الحجر من احتطاب ونحوه،

والأصح: خلافه، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 1، ويقتضي أيضًا أن السيد لا يطالب به، وقد عرفت ما فيه.
1971 - قول "التنبيه" [ص 121]: (وإن اشترى من يعتق على مولاه بغير إذنه.. لم يصح الشراء في اْصح القولين) قال شيخنا الإمام البلقيني: هذا التصحيح مخالف لما صححه الشَّافعي؛ فإنه ذكر في "الأم" في (باب دعوى الولد) في ذلك قولين، ثانيهما: أنَّه يعتق عليه، وقال: وهذا أصح القولين، وبه آخذ.
انتهى 2. ومحلهما: إذا أذن له في شراء العبيد، فإن لم يأذن له في ذلك.. لم يصح قطعًا، قاله صاحب "المعين"، وفيه نظر.
1972 - قوله: (وإن اشترى أباه - أي: أبا السيد - بإذنه.. صح الشراء، وعتق عليه إن لم يكن عليه - أي: على العبد - دين، وإن كان عليه دين.. ففي العتق قولان) 3 أصحهما في "تصحيح التنبيه": أنَّه لا يعتق 4، وليس في "الروضة" وأصلها تصحيح، وفي "المطلب" في (باب القراض) عن الأصحاب: أن فيه الخلاف في عتق الراهن، وأشار إليه الرافعي أيضًا بتشبيهه بالمرهون 5. قال في "المهمات": فيكون الصحيح: التفصيل بين الموسر وغيره، ولا يتجه غيره، ولو قال: (وإن اشتراه).. لكان أحسن، ليعود الضمير على المذكور أولًا، وهو من يعتق على مولاه، فيكون أعم وأبعد من الإيهام، على أن قوله: (أباه) ليس في نسخة المصنف كما قيل.
1973 - قول "الحاوي" [ص 287]: (وإتلافه الوديعة) أي: و"ما يؤدي بدل الوديعة عند إتلافه إياها من كسبه ومال التجارة.
اعترض عليه: بأنه إن كان الاستيداع بإذن السيد - وهو الذي يشعر به كلامه -.. فالمنقول: أنَّها وديعة عند السيد، فالضمان عليه؛ لأنه بإبقائها في يده مسلط له على الإتلاف، وإن كان بغير إذنه.. تعلق الضمان برقبته على الأصح، وبذمته على وجه، ولا تعلق له بالكسب، ففي أي صورة يتعلق الضمان بالكسب ومال التجارة؟ وأجيب عنه: بأن قياس تعلقه بالذمة عند عدم الإذن تعلقه بالكسب عند وجوده؛ لأن الإمام

وغيره أطلقوا أن ما وجب برضا صاحب الحق وإذن السيد يتعلق بالذمة والكسب 1، وإن قلنا: يتعلق بالرقبة عند عدم الإذن.. فيحتمل أن يقول هنا: يتعلق بالكسب؛ لأن العدول إلى الرقبة عند عدمه لفقد شيء يتعلق به غيرها، وقد وجدنا هنا الكسب، وليس من شرط التعلق به إذن السيد في الإتلاف، ألا ترى أن الذي اشتراه العبد فاسدًا أو صحيحًا يتعلق بالكسب، ولم يأذن السيد في إتلافه، ويحتمل أن يقال: يتعلق بالرقبة، ذكره السبكي، وقال: فقد ظهر لكلام "الحاوي" محمل على حال، وقد أشكل على جماعة.
انتهى.
1974 - قوله: (ويسري) 2 أي: إذا وَهْب للمأذون جزء بعض السيد - كأبيه وابنه - فقبل.. فإنه يسري، كذا ذكره الرافعي في أثناء العتق، واستشكله النووي، وقال: ينبغي المنع؛ لدخوله في ملكه قهرًا كالإرث 3، وكذا صحح: عدم السراية في "الروضة" وأصلها في (الكتابة)، وحكيا السراية وجها في "الوسيط" 4. قال في "المهمات": والصواب: السراية؛ لأن قبول العبد كقبوله شرعًا؛ ولهذا صححوا: أن السيد يحلف على البت حيث حلف على نفي فعل عبده؛ وعللوه: بأن فعله كفعله.
1975 - قولهما: (وإن ملكه السيد مالًا.. لم يملكه في أصح القولين) 5 احترزا بتمليك السيد عما لو ملكه أجنبي؛ فإنه لا يملكه بلا خلاف، كما ذكره الرافعي 6، لكن صرح بإجراء القولين في تمليك الأجنبي أيضًا الماوردي والقاضي الحسين 7. 1976 - قول "التنبيه" [ص 121]: (ولا يبيع بنسيئة) محله: إذا دفع السيد إليه مالًا، فإن قال: اتجر بجاهك.. فله البيع والشراء في الذمة وبالأجل والرهن والارتهان، فإن فضل في يده مال.. فهو كالذي دفعه له السيد، والله أعلم 8.

جارٍ التحميل