تحرير الفتاوىكتاب الإجارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

2809 - قول "المنهاج" [ص 307]: (شرطهما كبائعٍ ومشترٍ) أي: المؤجر والمستأجر، ولم يتقدم ذكرهما، ولكن الإجارة تدل عليهما، وعبارة "التَّنبيه" [ص 122]: (الإجارة بيع تصح ممن يصح منه البيع)، وهي أحسن، لكن قد تفهم عبارته أنَّها بيع للأعيان، وهو وجه، والأصح: أنَّها بيع للمنافع، قال الرافعي: ويشبه ألاَّ يكون هذا خلافًا محققاً 1، أي؛ لأنَّ العين لا يملكها قطعاً والمنفعة يملكها قطعاً، وتبعه في "الروضة" على أن هذا الخلاف لفظي 2، وأورد في "المهمات" له أربع فوائد.
2810 - قول "التَّنبيه" [ص 122]: (وتصح بلفظ البيع) قد يفهم صحتها بلفظ البيع مورداً على العين؛ بأن يقول: بعتكها، وليس كذلك جزمًا، كما صرح به الرافعي 3، وأسقطه في "الروضة" 4، أما إيراده على المنفعة بأن يقول: بعتك منفعتها .. فالأصح: بطلانه أيضاً، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص 307]: (والأصح: انعقادها بقوله: "أجرتك منفعتها"، ومنعها بقوله: "بعتك منفعتها") وقد تناول الصورتين قول "الحاوي" [ص 377]: (لا بعتُ).
واختار السبكي مقابل الأصح في الصورتين، وهو: البطلان في قوله: (أجرتك منفعتها) إلَّا أن يتفق العاقدان على إرادة معنى الإجارة بذلك.
والصحة في قوله: (بعتك منفعتها) نظرًا إلى المعنى.
ولم يتعرض "التَّنبيه" للقبول، ولا بد منه، وقد صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 5، وذكر النووي في "شرح المهذب" أن خلاف المعاطاة يجري في الإجارة، وحكاه عن المتولي وآخرين 6، قال في "التوشيح": ولا أدري هل يختار النووي صحة المعاطاة فيها كما اختاره في البيع أو لا؟ والأظهر: لا، فإنه لا عرف فيها بخلاف البيع.
قلت: منع العرف فيها ممنوع، فالذي استقرت أجرته كبيوت الخانات ونحوها يطرد العرف في إجارتها بالمعاطاة من غير صيغة.

الحديث: 2809 - الجزء: 2 - الصفحة: 259

2811 - قول "المنهاج" [ص 307]: (وهي قسمان: واردة على عين؛ كإجارة العقار ودابة، أو شخصٍ معينين) مراده بالواردة على العين: ما يرتبط بالعين كما مثله، ولا يفهم منه أن مورد الإجارة العين؛ فالصحيح: أن موردها المنفعة كما تقدم، والمعروف في العطف بـ (أو) عَوْدُ الضمير لأحدها، فيؤتى به مفردًا، فكان ينبغي أن يقول: (معين)، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ فعنه أجوبة، فليُجب هنا بما يمكن إتيانه منها.
2812 - قول "التَّنبيه" [ص 126]: (وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة .. جاز بلفظ السلم، فإن عقد بلفظ السلم .. اعتبر قبض الأجرة في المجلس، وإن عقد بلفظ الإجارة .. فقد قيل: يعتبر، وقيل: لا يعتبر) الأصح: الأوَّل، صرح بتصحيحه في "تصحيح التَّنبيه" 7، ونقل في "الروضة" وأصلها تصحيحه عن العراقيين وأبي على والبغوي وغيرهم 8، وهو ظاهر إطلاق "المنهاج" و "الحاوي" اشتراط تسليم الأجرة في المجلس في إجارة الذمة 9، ويشترط أيضاً عدم تأجيلها، وقد صرح به "الحاوي" 10. 2813 - قول "المنهاج" [ص 307]: (ويشترط لكون الأجرة معلومة) قد يفهم المنع فيما إذا كانت معينة مشاهدة إلَّا أنَّها جزاف غير معلومة القدر، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 377]: (بأجرٍ مشاهَدٍ أو معلومٍ في الذمة) وفي "التَّنبيه" [ص 123]: (ولا تجوز الإجارة إلَّا على أجرة معلومة الجنس والقدر والصفة) ثم قال: (وإن عقد على مال جزاف .. جاز، وقيل: فيه قولان) 11، ومراد "المنهاج": أن تكون معلومة؛ إمَّا بالمشاهدة فيما إذا كانت معينة، وإما بمعرفة الجنس والقدر والصفة فيما إذا كانت في الذمة.
قال السبكي: وجزمهم باشتراط العلم بالأجرة يرد ما قاله صاحب "العدة" من جواز الحج بالرزق.
قلت: حكاه عنه الرافعي، وأقره 12، وجزم به في "الشَّرح الصَّغير" و "الروضة" 13 ولعلّه جعالة اغتفر فيها الجهل بالجعل كمسألة العلج، أو إجارة فاسدة يستحق فيها أجرة المثل بالعمل، وقد نقل شيخنا الإسنوي في "التنقيح" نص الشَّافعي على عدم الجواز، ونبه السبكي أيضاً على أن

الحديث: 2811 - الجزء: 2 - الصفحة: 260

ما يقع في هذا الزمان من أنَّه يُجعل لِجُبَاةِ الأموال العشر مما يستخرجونه هو مثل قفيز الطحان، وهو تنبيه حسن، قال: فإن قيل: نظير العشر .. لم تصح إجارة أيضاً، وفي صحته جعالة نظر.
2814 - قول "المنهاج" [ص 307]: (ولو استأجرها لترضع رقيقًا ببعضه في الحال .. جاز على الصَّحيح) هو مفهوم قول "الحاوي" عطفًا على الممتنع [ص 377]: (وجزء محل العمل بعده) وفي "شرح الرافعي": نقل الإمام والغزالي عن الأصحاب المنع؛ لأنَّ العمل لم يقع في خاص ملك المستأجر، وقالا: القياس: الجواز؛ كمساقاة الشريك بشرط زيادة، قال الرافعي: وظاهر المذهب: ما مالا إليه دون ما نقلاه 14. قال شيخنا ابن النقيب: وظاهر المذهب إنَّما يطلق غالباً إذا كان ثم نص يقبل التأويل، وفي "الأم" قبيل (الصلح): لا يجوز كونه أجيراً على شيء هو شريك في مثل: اطحن لي هذه الويبة ولك منها ربع، قال: فإطلاقه يقتضي المنع كما نقلاه؛ فهو ظاهر المذهب، لا ما قاله الرافعي، ثم قال: واختار السبكي: أنَّه إن كان الاستئجار على الكل .. لم يجز، وهو مراد النَّصُّ، أو على حصته فقط .. جاز، وقد صرح به البغوي والمتولي 15. 2815 - قول "المنهاج" [ص 308]: (وكون المنفعة متقومة، فلا يصح استئجار بياع على كلمة لا تُتْعِبُ وإن رَوَّجَتِ السلعة) هو مثل قول "الحاوي" [ص 378]: (لا لكلمة بلا تعب) وهو متناول للإيجاب والقبول وغيرهما، وبه صرح في "الروضة" وأصلها، فقال: على كلمة البيع، أو كلمة تروج بها السلعة ولا تعب فيها 16. وحمل السبكي كلامهم على غير الإيجاب والقبول، وهو مخالف لتصريحهم كما تقدم، وقال محمَّد بن يَحْيَى: هذا في مستقر القيمة في البلد كالخبز واللحم، أما الثياب والعبيد وما يختلف ثمنه باختلاف المتعاقدين؛ فللبياع فيه مزيد نفع .. فيجوز، واستدرك ذلك النووي في "تصحيحه" على قول "التَّنبيه" [ص 123]: (وتصح على كل منفعة مباحة) بلفظ الصواب فقال: والصَّواب: أنَّها لا تصح على منفعة غير متقومة؛ كشم تفاحة وكلمة بياع 17، ويصح إيراده أيضاً على إطلاق "التَّنبيه" جواز التوكيل في البيع والشراء.
ويستثنى منه أيضاً: البيع من معين، وشراء شيء معين؛ لأنَّه غير مقدور عليه، وقال الرافعي بعد نقله مسألة التفاحة عن الغزالي: وكان المنع ناشئ من أن التفاحة لا تقصد للشم، فيكون

الحديث: 2814 - الجزء: 2 - الصفحة: 261

استئجارها كشراء الحبة الواحدة من الحنطة، فإن أكثر .. فالوجه: الصحة؛ لأنهم نصوا على جواز استئجار المسك والرياحين للشم، ومن التفاح ما هو أطيب من كثير من الرياحين 18. وفرق في "المهمات" تبعاً للسبكي: بأن المقصود من المسك والرياحين الشم، ومن التفاح أكل دون الرائحة.
وأُجيب عن إيراد "التصحيح": بأن المقرر في أول البيع أن حبة البر لا منفعة لها، وشم التفاحة وكلمة البياع مثلها.
2816 - قول "التَّنبيه" [ص 123]: (وفي استئجار الكلب للصيد والفحل للضراب والدراهم والدنانير وجهان؛ أظهرهما: أنَّه لا يجوز) فيه أمور: أحدها: قيد في "الروضة" الكلب بكونه معلماً 19، ويوافقه تصريح الشَّيخ أبي حامد بأن غير المعلم لا يجوز استئجاره؛ أي: قطعًا، وهو واضح.
ثانيها: ذكر الصيد مثال، فاستئجاره لحراسة ماشية أو زرع أو درب كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 378]: (وحراسة كلب وصيده) وهما معًا واردان على قول "المنهاج" [ص 308]: (وكلب للصيد).
ثالثها: محل الوجهين في الدراهم والدنانير: ما إذا صرح باستئجارها للتزيين؛ ولذلك قيدها "المنهاج" و "الحاوي" به 20، فإن أطلق .. بطل قطعاً، ولو حذف "الحاوي" القيد .. لكان أولى؛ لأنَّه لا يحكي الخلاف حتَّى يحتاج إلى تقييد محله، بل قد يفهم منه الصحة عند انتفاء التزيين.
وجوابه: أنَّه تصوير للمسألة؛ لأنَّه لا يمكن استئجارها لغير ذلك، وذكر "الحاوي" مع الدراهم الطَّعام 21، والأصح فيه في "الروضة": القطع بالبطلان 22، وصحح في "الشَّرح الصَّغير": طريقة الوجهين.
2817 - قول "المنهاج" [ص 308]: (وكون المؤجر قادراً على تسليمها) و "الحاوي" [ص 378]: (مقدورة التسليم) زاد "المنهاج" [ص 308]: (فلا يصح استئجار آبق ومغصوبٍ) قال الرافعي: كبيعهما 23، قال السبكي: بيع المغصوب من الغاصب جائز، وكذا من غيره إذا قدر على

الحديث: 2816 - الجزء: 2 - الصفحة: 262

انتزاعه في الأصح، وقياسه في الإجارة: مثله إذا لم تتأخر المنفعة عن العقد.
انتهى.
وقد يفهم ذلك من قول "التَّنبيه" [ص 122]: (الإجارة بيع تصح ممن يصح منه البيع) لكنَّه لم يصرح بالمستدرك في البيع، فالإيراد عليه في البابين.
2818 - قول "المنهاج" [ص 308]: (وأعمى للحفظ) محله: في إجارة العين، أما في الذمة .. فيصح، ومن هنا يعلم أنَّه لا يصح استنباط من استنبط من ذلك أن العمى من موانع الحضانة؛ لأنَّه لا يتعين مباشرتها الحضانة بل لها الاستنابة في ذلك، فهي كإجارة الذمة.
2819 - قول "التَّنبيه" في استئجار الأرض للزراعة [ص 123]: (وإن كان بمصر .. لم يجز حتَّى تروى الأرض بالزيادة) يستثنى منه: ما يروى من الزيادة الغالبة؛ كخمسة عشر ذراعاً فما دونها .. فإنَّه تصح إجارته قبل شمول الماء له، كما حكاه في "الكفاية" عن القاضي أبي الطَّيِّب وابن الصباغ والمتولي، وفي "الروضة" وأصلها: ليكن على الخلاف فيما يكفيه المطر المعتاد 24، ومقتضاه: تصحيح الصحة.
قال السبكي: وعلى الصحة يشترط عند الإجارة إمكان التشاغل بالزرع أو أسبابه من تكريم الأرض 25 ونحوه إن احتيج إليه، وإلا .. كفى دخولها في اليد والاستيلاء عليها، وجزم الثلاثة بالبطلان في إجارة أرض للزراعة لا ماء لها دائم ولا معتاد، وقطع به في "أصل الروضة" 26. قال السبكي: ومحله: إذا سكت عن ذكر أنَّه لا ماء لها، فلو قال مع قوله: للزراعة: إنَّه لا ماء لها .. فإطلاق أكثر الأصحاب يقتضي البطلان؛ لذكره الزراعة، وكلام الجوري صريح في الصحة؛ لذكره عدم الماء، وينبغي إن أمكن إحداث ماء بحفر بشر ونحوها .. صح؛ لأنَّ المستأجر دخل على ذلك وهو ممكن، وإن لم يمكن وإنَّما توقّع مجيء مطرٍ أو سيل نادرًا .. فلا، فليعتمد ذلك وإن لم يكن منقولاً، ولكنه مفهوم من كلام بعضهم، وإطلاق أكثرهم يأباه.
انتهى.
ونقل شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشَّافعي في "الأم" في (باب المزارعة): فيما لو أكراه أرضاً بيضاء لا ماء لها على أن يزرعها إن شاء، أو يفعل بها ما شاء .. صح الكراء ولزمه، زَرَعَ أو لم يزرع.
انتهى 27. وظاهره موافقة الجوري، والله أعلم.
2820 - قول "المنهاج" [ص 308]- والعبارة له - و "الحاوي" [ص 379]: (فلا يصح استئجار

الحديث: 2818 - الجزء: 2 - الصفحة: 263

لقلع سن صحيحة) محله: ما إذا لم يستحق قلعها لقصاص، فإن استحق لقصاص .. جاز، وكذا كل عضو سليم.
2821 - قول "المنهاج" [ص 308]: (ولا حائض لخدمة مسجد) محله: في إجارة العين، ويجوز في إجارة الذمة.
2822 - قوله: (وكذا منكوحة لرضاع أو غيره بغير إذن الزوج في الأصح) 28 محله: في منكوحة غيره، وله استئجار زوجته لغير إرضاع ولده، وكذا له في الأصح، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 379]: (ويجوز له ولو لرضاع ولدها).
ويرد عليهما: أن محل هذا: في الحرة؛ فلسيد الأمة أن يؤجرها بغير إذن الزوج، وليس للزوج منعها من المستأجر، وحكى في "التوشيح" عن فتوى والده: أنَّه لا يجوز استئجار العكامين للحج؛ لأنَّ الإجارة وقعت على عينهم للعكم، فكيف يستأجرون بعد ذلك للحج؟ قال: وهي مسألة عمت البلوى بها.
قلت: ليس بين أعمال الحج والعكم مزاحمة، فيمكن فعلها في غير وقت العكم، والعكم لا يستغرق إلَّا زمنه، ففي هذه الفتوى نظر.
2823 - قول "التَّنبيه" [ص 123]: (ولا يصح على منفعة محرمة؛ كالغناء والزمر وحمل الخمر) فيه أمران: أحدهما: الأصح: كراهة الغناء لا تحريمه، وكذا في "المهذب" 29، ويوافقُه عدُّ "التَّنبيه" في (الشهادات) القوال فيمن لا مرؤة له، لا في أهل المعاصي 30، وحمل في "الكفاية" التحريم على ما إذا اقترن به شيء من الآلات المحرمة.
وقال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": في تحريمه في هذه الحالة نظر أيضاً، بل ينبغي تحريم سماع تلك الآلة، ويبقى الغناء على إباحته، قال: ولم يتكلم الرافعي على الاستئجار للغناء، وقد قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على بطلانه 31، وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: إنَّه مذهب الشَّافعي، وقال التاج الفركاح وحمزة ابن يوسف الحموي في "رفع التمويه": إنَّه يصح في الغناء المباح، ويؤيده ما قاله الرافعي عن المتولي: إن استئجار الطيور المسموعة للاستئناس بصوتها جائز، وحينئذ .. فصوت الآدمي أولى، لكنَّه نقل أيضاً عن

الحديث: 2821 - الجزء: 2 - الصفحة: 264

"التهذيب": أنَّه على الخلاف في استئجار النقدين.
انتهى 32. ثانيهما: يستثنى من تحريم حمل الخمر: ما إذا استأجر على حملها للإراقة، وما إذا كانت محترمة .. فإنَّه يجوز الاستئجار على حملها للنقل من موضع إلى آخر.
وأعلم: أن القدرة على التسليم وكون المنفعة مباحة قد يستغنى بأحدها عن الآخر، فاقتصر "المنهاج" و "الحاوي" على الأوَّل 33، و "التَّنبيه" على الثَّاني 34. 2824 - قول "التَّنبيه" [ص 123]: (ولا يجوز إلَّا معجلاً، وبتصل الشروع في الاستيفاء بالعقد) فيه أمران: أحدهما: أن محله: في إجارة العين، أما إجارة الذمة .. فيجوز تأجيل المنفعة فيها، وهو مفهوم قول "الحاوي" عطفًا على الممتنع [ص 378]: (وللزمان القابل في العينية)، وصرح به "المنهاج" فقال [ص 308]: (ويجوز تأجيل المنفعة في إجارة الذمة؛ كـ "ألزمت ذمتك الحمل إلى مكّة أول شهر كذا") وفي هذا المثال نظر؛ ففي "الروضة" وأصلها في (السلم) عن الأصحاب: أنَّه لو قال: إلى أول رمضان .. بطل؛ لأنَّه يقع على جميع النصف الأول، وقال الإمام والبغوي: ينبغي أن يصح، ويحمل على الجزء الأوَّل 35، فالمذكور هنا يوافق ذلك الاحتمال، ومثل في "الروضة" وأصلها هنا بغرة شهر كذا 36، وهو تمثيل صحيح.
ثانيهما: يستثنى من منع تأجيل العينية مسائل: إحداها: أنَّه يجوز إجارة السنة الثَّانية استأجر الأولى في أثنائها على الأصح.
الثَّانية: كراء العقب جائز في الأصح، ومن صورها: أن يؤجر دابة لرجلين ليركبها أحدهما نصف الطريق والآخر النصف الآخر.
الثَّالثة: استئجار عين الشخص للحج قبل أشهره إذا كان لا يتأتى الإتيان به من بلد العقد إلَّا بالسير قبله أو فيها ليحرم من الميقات .. جائز عند خروج النَّاس.
الرابعة: استئجار دار مشحونة بأمتعة يمكن الاشتغال بنقلها في الحال جائز في الأصح في "أصل الروضة" في أول الباب 37، وصحح في آخره: أنَّه إن أمكن تفريغها في مدة ليس لمثلها أجرة .. صح، وإلا .. فلا 38.

الحديث: 2824 - الجزء: 2 - الصفحة: 265

الخامسة: استئجار الأرض للزراعة والماء عليها صحيح في الأصح، مع أنَّه لا شروع، بل ولا رؤية؛ لأنَّ الماء من مصالحها، وقد ذكر "الحاوي" المسائل الثلاث الأوَّل 39، وذكر "المنهاج" الأوليين 40، وذكر "التَّنبيه" الأولى بعد ذلك لا في معرض الاستثناء 41، وتعبير "المنهاج" في الأولى بقوله [ص 308]: (قبل انقضائها) قد يرد عليه ما لو قال أولاً: (أجرتكها سنة، فإذا انقضت .. فقد أجرتك سنة أخرى)، والصحيح فيها: بطلان العقد الثَّاني؛ فإنه صدق في هذه الصورة أنَّه قبل انقضائها، فلو عبر بقوله: (في أثنائها) كما عبرتُ به .. لكان أولى.
وأجيب: بأنه في هذه الصورة ليس بمستأجر الأولى، ويستثنى من كلامهم في هذه الصورة: ما إذا أجر داره سنة ثم باعها في المدة وجوزناه .. فليس للمشتري أن يؤجرها السنة الثَّانية للمستأجر؛ لأنَّه لم يكن بينهما معاقدة، حكاه الرافعي عن "فتاوى القفال"، وأقره 42، وهو على طريقته في أنَّه لو أجرها أولاً لزيد سنة، فأجرها زيد لعمرو، ثم أجرها المالك لعمرو السنة المستقبلة قبل انقضاء الأولى .. لم يجز، وتصح إجارتها لزيد، لكن الذي صدر به الرافعي كلامه وحكاه عن البغوي: منع إجارتها لزيد، وأن إجارتها لعمرو على الوجهين 43، ومقتضاه: ترجيح الصحة، وتعبير "الحاوي" في الثَّانية بقوله [ص 379]: (أو ليركب نصف الطريق ذا ونصفه ذا) قد يفهم تقييدها بأن يكون ذلك لرجلين، وليس كذلك، فلو أجرها لرجل واحد ليركب نصف الطريق ويمشي نصفها .. صح على الأصح، وذكر النصف مثال لا قيد؛ ولهذا عبر "المنهاج" بقوله [ص 308]: (وهو أن يؤجر دابة رجلًا ليركبها بعض الطَّريق، أو رجلين ليركب هذا أياماً وذا أياماً ويبين البعضين، ثم يقتسمان)، وقوله: (أياماً) مثال، وعبارة "الروضة": زماناً، ثم فرع عليه أنَّه إن كان ثم عادة مضبوطة إمَّا بالزمان كيوم ويوم، أو بالمسافة كفرسخ وفرسخ .. حمل عليها، وليس لأحدهما طلب الركوب ثلاثًا والمشي ثلاثاً للمشقة، وإن لم تكن عادة .. فلا بد من البيان ابتداء.
انتهى 44. فعلى هذا محل قول "المنهاج" [ص 308]: (ويبين البعضين) ما إذا لم تكن عادة، وحمل السبكي كلام "الروضة" على أنَّه بعد استقرار الأمر على يوم ونحوه ليس له طلب ثلاث، وقال:

الجزء: 2 - الصفحة: 266

الحق: جواز ما تشارطا عليه إن لم يضر البهيمة، وقال شيخنا ابن النقيب: يحمل كلام "الروضة" على ما إذا كانت العادة يوماً (1). 2825 - قول "التَّنبيه" [ص 123]: (فإن أطلق وقال: "أجرتك هذا شهرًا" .. لم يصح) الأصح: صحته، ويحمل على شهر متصل بالعقد، ومحله: ما إذا أطلق الشهر أو قال: (شهرًا من السنة) ولم يكن بقي فيها غير شهر، فإن قال: (شهرًا من السنة) وبقي فيها أكثر من شهر .. بطل، للإبهام.

فصل [شروط المنفعة]

2826 - كذا في "المنهاج" 46، ولو ذكره قبل قوله: (وكون المنفعة متقومة) كما في "المحرر" 47 ليستوفي شروط المنفعة في فصل مفرد .. لكان أولى؛ فإن المنفعة في الإجارة كالمبيع في البيع، وصار بعض شروط المنفعة في هذا الفصل وبعضها في الفصل الذي قبله، والفصل بين شروط المنفعة لا معنى له.
2827 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فلو جمعهما فاستأجره ليخيطه بياض النهار .. لم يصح في الأصح) 48، قال السبكي: ينبغي أن يكونا إذا أطلق أو ظهر قصد التقدير بهما معًا، فكان قصد العمل وذكر اليوم تعجيلاً .. صح، وكذا إذا كان الثوب صغيراً يفرغ في دون يوم.
انتهى.
ونص الشَّافعي رحمه الله في "البويطي" على الصحة، فقال بعد ذكر الإجارة على خياطة ثوب وبناء دار: وإن شرط عليه أن يأخذ في عمله وسمى الفراغ إلى أجل يمكن أن يعمل مثله .. فذلك أفضل، وإن لم يسم الأجل .. فهو جائز، ويعمل له طاقته حتَّى يفرغ منه، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني.
2828 - قول "المنهاج" [ص 309]: (ويقدر تعليم القرآن بمدة، أو تعيين سور) كذا تعيين آيات بأن يقول: عشر آيات من سورة كذا من أولها أو آخرها، وقيل: يكفي من سورة كذا، وقيل: يكفي وإن لم يعين السورة، والأول أصح، وما ذكره في التعليم من التقدير بمدة هو المصحح في زيادة "الروضة"، والمجزوم به في (الصداق) في "الشرحين" 49، لكن في45

الحديث: 2825 - الجزء: 2 - الصفحة: 267

"الشَّرح الصَّغير" هنا: الأشبه: أنَّه لا يكفي تقديره بمدة.
2829 - قوله: (وفي البناء يبين الموضع، والطول، والعرض، والسمك، وما يُبنى به إن قُدِّرَ بالعمل) 50 قيد في الكل احترز به عما إذا قدر بالزمان .. فإنه لا يحتاج إلى بيان شيء من ذلك.
وأعلم: أن كلام "المنهاج" فيما إذا استأجر بناء ليبنى له، وقول "الحاوي" [ص 379]: (وطول البناء وعرضه وموضعه بارتفاعه وكيفيته حيث كان على السقف أو استأجر للعمل) أراد به: ما إذا استأجر بناء ليبنى له، وما إذا استأجر أرضاً ليبنى فيها؛ ولذلك ذكر الاحتياج إلى كيفية البناء فيما إذا كان على سقف، وهذا إنَّما يحتاج إليه في استئجار أرض للبناء فيها لا في استئجار بناء، وعلى هذا .. فقوله: (أو استأجر للعمل) ناقص، فينبغي أن يضم إليه: (وقدر بالعمل) ليخرج التقدير بالزمان كما تقدم.
2830 - قول "المنهاج" [ص 309]: (ويكفي تعيين الزراعة عن ذكر ما يزرع [في الأرض]) 51 أي: سواء قال: للزراعة، أو لتزرعها؛ أي: ويزرع ما شاء، قال الرافعي: وكان يحتمل أن ينزل على الأقل 52، وهذا الذي بحثه الرافعي قد حكاه الخوارزمي وجهاً، وهو متجه لا سيما في قوله: ليزرعها؛ فإنَّه لا عموم فيه.
2831 - قوله: (وكذا لو قال: "إن شئت فاغرس وإن شئت فازرع" في الأصح) 53 عبارة "المحرر" و "الروضة" وأصلها: (إن شئت فازرعها وإن شئت فاغرسها) 54، قال السبكي: وهو أحسن؛ لاحتمال عبارة "المنهاج" زرع كلها وبعضها، وعلى المصحح ينبغي أن يصور بقوله: (إن شئت فازرع ما شئت أو اغرس ما شئت) بزيادة: (ما شئت)، فإن لم يزدها .. عاد الخلاف في وجوب تعيين ما يزرع.
2832 - قول "التَّنبيه" [ص 123]: (فإن لم يعرف بالصفة لكثرة التفاوت؛ كالمحمل والراكب والصبي في الرضاع .. لم يجز حتَّى يرى) فيه أمور: أحدها: ما ذكره في الراكب من أنَّه لا بد من رؤيته، حكاه في "الروضة" وأصلها عن الجمهور، ثم قال: والأصح: أن الوصف التام يكفي عنها، ثم قيل: يصفه بالوزن، وقيل: بالضخامة والنحافة؛ ليعرف وزنه تخميناً 55، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 309]: (بمشاهدة

الحديث: 2829 - الجزء: 2 - الصفحة: 268

أو وصفٍ تامٍ)، و "الحاوي" فقال [ص 379، 380]: (رؤية، أو ذكر ضخامته أو نحافته) فزاد الجزم بأحد الوجهين في ذكر الوصف التام.
ثانيها: الصَّحيح: أنَّه لا يحتاج إلى رؤية المحمل أيضاً، قال في "أصل الروضة": فإن شاهدها .. كفى، وإلا؛ فإن كانت سروجهم ومحاملهم وما في معناها على قدر وتقطيع لا يتفاحش فيه التفاوت .. كفى الإطلاق، وحمل على معهودهم، فإن لم يكن معهود مطرد .. اشترط ذكر وزن السرج والإكاف والزاملة ووصفها، هذا هو الصَّحيح المعروف.
انتهى 56. وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 380]: (والمحمل سعة وضيقاً وزنةً) ومحله: إذا تفاوتت تفاوتاً فاحشاً كما تقدم، وسوى "المنهاج" بينه وبين الراكب، فقال [ص 309]: (وكذا الحكم فيما يركب عليه من محمل وغيره إن كان له) وهو مخالف لـ "الروضة" من وجهين: أحدهما: أن فيها ذكر الوزن مع الوصف، ولا يؤخذ ذلك من "المنهاج".
الثَّاني: أن في "الروضة" أن محل الاحتياج إلى ذلك: إذا لم يكن معهود مطرد 57، واحترز بقوله: (إن كان له) عما إذا لم يكن له ما يركب عليه .. فإنَّه لا يجب ذكره، ويركبه المؤجر على ما يليق من ذلك.
ثالثها: قد يفهم منه أنَّه لا يحتاج في الاستئجار لإرضاع صبي إلى بيان موضع الرضاع؛ أهو بيته أو بيتها، والمجزوم به في "أصل الروضة" خلافه 58. 2833 - قول "المنهاج" [ص 309]: (ولو شرط حمل المعاليق مطلقًا .. فسد العقد في الأصح) هو معنى قول "الحاوي" [ص 380]: (وتفصيل المعاليق) فالمراد بالإطلاق: ترك التفصيل، وكان ينبغي التعبير بالأظهر؛ لأنَّ في المسألة قولين، أو بالمذهب كما في "الروضة" 59؛ لأنَّ فيها طريقة قاطعة بالفساد.
2834 - قول "المنهاج" [ص 309]: (ويشترط في إجارة العين تعيين الدابة) فيه أمران: أحدهما: أن المراد: إجارتها للركوب، وقد ذكر بعد ذلك إجارتها للحمل، فكان مقيدًا لهذا الإطلاق.
ثانيهما: أن هذه العبارة مشكلة؛ لأنَّ العين هو التعيين، والشيء لا يكون شرطًا في نفسه؛ ولعلّه لم يحترز بالتعيين عن الوصف في الذمة، وإنما أراد به: مقابل الإبهام؛ كإحدى هاتين

الحديث: 2833 - الجزء: 2 - الصفحة: 269

الدابتين، فإنَّها إجارة عين بلا تعيين، فهي باطلة.
2835 - قوله: (وفي إجارة الذمة ذكر الجنس والنوع والذكورة أو الأنوثة) 60 زاد في "أصل الروضة": (ويشترط أن يقول: مهملج، أو بحر، أو قطوف على الأصح؛ لأنَّ معظم الغرض يتعلق بكيفية السير) 61، وعبارة "الحاوي" [ص 380]: (والدابة رؤية، أو ذكر الجنس والنوع وسيرها)، فزاد على "المنهاج" ذكر كيفية السير من هملجة وغيرها، وأهمل ذكر المذكورة أو الأنوثة، و (أو) في كلامه للتنويع، والمراد: الرؤية في إجارة العين وذكر الجنس وما معه في إجارة الذمة، كما أفصح به "المنهاج" 62، وقوله: (والسير والسّرى والمنزل؛ حيث لا عُرْف) 63 ليس معطوفاً على ذكر الجنس وحده، بل على مجموع الأمرين، فهو ثابت في إجارتي العين والذمة؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 309]: (وفيهما - أي: في إجارة العين والذمة - بيان قدر السير ... إلى آخره)، فلو أراد أحدهما مجاوزة المشروط أو النزول دونه لخوف أو خصب .. لم يكن له ذلك إلَّا بموافقة صاحبه، قاله البغوي، وخالفه الرافعي والنووي في الخوف بحثاً 64، ويوافقه تصريح الإمام فيمن استأجر دابة لبلد ليعود راكباً: بأنه إن أقام فيها زيادة على المعهود لخوف .. فحكمه كالمودع المؤتمن؛ أي: حتَّى لا يحسب عليه كما قاله ابن الرفعة، فلو لم يكن الخوف عذرًا .. لحسبت عليه تلك المدة 65. 2836 - قول "المنهاج" [ص 309]: (فإن حضر .. رآه وامتحنه بيده إن كان في ظرف) يخالفه قول "الحاوي" [ص 380]: (والمحمول رؤية، أو حقق القدر، أو امتحن باليد) فخيَّر بين ثلاثة أمور، وذكر "المنهاج" الرؤية إن لم يكن في ظرف، والامتحان إن كان في ظرف، وهو الموافق لكلام الرافعي؛ حيث قال: فإن كان المحمول حاضرًا ورآه المؤجر .. كفى، وإن كان في ظرف .. وجب أن يمتحنه باليد تخميناً لوزنه 66، وأسقط في "الروضة" الامتحان فيما إذا كان في ظرف 67. 2837 - قول "المنهاج" [ص 309]: (وإن غاب .. قُدّر بكيل أو وزن) التقدير بالوزن مطرد سواء أكان موزوناً أو مكيلاً، وبالكيل خاص بما إذا كان مكيلاً.

الحديث: 2835 - الجزء: 2 - الصفحة: 270

2838 - قوله: (وجنسه) 68 عبارة "الروضة": لا بد من ذكر جنسه، ثم قال: فلو قال: مئة رطل مما شئت .. جاز في الأصح، ويكون رضاً منه بأضر الأجناس، فلا حاجة حينئذ إلى بيان الجنس، ثم حكى عن صاحب "الرقم" عن حُذَّاق المراوزة: أن الحكم كذلك ولو لم يقل: مما شئت، قال: وحاصله الاستغناء بالتقدير عن ذكر الجنس، فلو قدر بالكيل، فقال: عشرة أقفزة مما شئت .. فالمفهوم من كلام السرخسي أنَّه لا يغني عن ذكر الجنس؛ للاختلاف ثقلاً وخفة، قال الرافعي: لكن يجوز أن يجعل رضا بأثقل الأجناس كما في الوزن.
انتهى 69. وعلى ذلك مشى "الحاوي" فلم يذكر الجنس مطلقاً 70، لكن صوب النووي قول السرخسي، وفرق بقلة الاختلاف هناك وكثرته هنا 71. 2839 - قول "الحاوي" [ص 380]: (بوصف الدابة في الزجاج) زاد "المنهاج" [ص 309]: (ونحوه)، وهذا الكلام ذكره القاضي حسين والإمام والغزالي 72، وتابعهم الرافعي والنووي 73، ولم يتعرض له الجمهور، كما قال ابن الرفعة، وقوى عدم اشتراطه بحثًا، قال القاضي حسين: وفي معنى الزجاج: ما إذا كان في الطَّريق وحلٌ أو طين.
2840 - قول "الحاوي" [ص 380]: (ولمئة منٍّ مع الظرف) أي: إذا لم يذكر الجنس .. كان الظرف من جملة المئة المن، فلا يحتاج لمعرفته، وقوله: (ومن بُرٍّ دونه) 74 أي: وإن ذكر الجنس؛ كالبر مثلاً .. لم يكن الظرف من الموزون، فلا بد من معرفته إن لم ينضبط، فلو ذكر الجنس وصرح بأن الظرف من الوزن؛ بأن قال: مئة من الحنطة بظرفها .. صح أيضاً، قال الرافعي: كذا ذكروه، لكن إذا اعتبرنا الجنس مع الوزن .. وجب أن يُعرف قدر الحنطة وحدها وقدر الظرف وحده.
انتهى 75. والأصح على ما تقدم: أن الجنس لا بد من الوزن معه، فيكون الأصح: عدم الصحة فيما إذا قال: بظرفها.

الحديث: 2838 - الجزء: 2 - الصفحة: 271

فصلٌ [في بقية شروط المنفعة]

2841 - قول "الحاوي" [ص 379]: (ولا تجوز للقرب) عبارة "أصل الروضة": الشرط الرابع: حصول المنفعة للمستأجر، وأكثر العناية في هذا الشرط بالقرب 76، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذا الشرط - وهو: حصول المنفعة للمستأجر - لا يتحقق، ولا يظهر من كلامهم صورة يحصل منعها بمقتضى هذا الشرط؛ فإن منع الاستئجار للقرب التي لا تدخلها النيابة ليس لعدم حصول المنفعة للمستأجر، بل لأنَّها غير قابلة للنيابة، وهذا الأذان يستأجر عليه الإمام والآحاد والمنفعة الحاصلة به القيام بمصالح الرعية، فأين المنفعة للمستأجر إذا كان من الآحاد، ولو استأجرت شخصاً على حمل قفيز .. فالمنفعة للفقير، والحاصل للمستأجر الأجر، وكذا لو استأجرت مرضعاً لإرضاع طفل لا تلزمك مؤنته.
انتهى.
2842 - قول "المنهاج" [ص 310]: (لا تصح إجارة مسلم لجهاد) يفهم إجارة الذمي له، وهو كذلك، لكن يختص ذلك بالإمام؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 379]: (وللإمام استئجار الذمي للجهاد)، وأفتى شيخنا الإمام البلقيني بفساد الإجارة للمرابطة عوض الجندي كالجهاد.
2843 - قول "المنهاج" [ص 310]: (وتصح لتجهيز ميت ودفنه) الظاهر: أن ذكر الدفن بعد التجهيز من ذكر الخاص بعد العام؛ لدخوله فيه؛ ولهذا اقتصر "الحاوي" على التجهيز 77. 2844 - قولهما: (وتعليم القرآن) 78 أي: ولو فاتحة لمتعين عليه في الأصح، ومحل صحة الاستئجار عليه: ما إذا كان المتعلم مسلماً أو كافراً يرجى إسلامه.
2845 - قول "الحاوي" [ص 379]: (والأذان) يفهم أن الأجرة في مقابلة جميعه، وهو الأصح، وقيل: للحيعلتين، وقيل: لرفع الصوت، وقيل: لرعاية الوقت.
2846 - قوله: (كاستأجرتك في رضاع المرأة) 79، أورد عليه: أنَّه يفهم أن العين - وهي اللبن - هي الأصل الذي تناوله العقد؛ لإفراده عن سائر أنواع الإجارة، والأصح: أن الأصل فعلها، وهو وضع الرضيع في الحجر وتلقيمه الثدي وعصره بقدر الحاجة، وهي الحضانة الصغرى، واللبن يستحق تبعاً.
2847 - قول "المنهاج" [ص 310]- والعبارة له - و "الحاوي" [ص 382]: (ولحضانةٍ وإرضاعٍ

الحديث: 2841 - الجزء: 2 - الصفحة: 272

معًا، ولأحدهما فقط، والأصح: أنَّه لا يستتبع أحدهما الآخر) أرادا هنا: الحضانة الكبرى، وقد فسرها "المنهاج" بقوله [ص 310]: (والحضانة: حفظ صبي وتعهده بغسل رأسه وبدنه وثيابه ودهنه وكحله وربطه في المهد وتحريكه لينام ونحوها)، وقد وقع لشيخنا في "المهمات" هنا اشتباه إحدى الحضانتين عليه بالأخرى.
2848 - قولهما: (ولو استأجر لهما فانقطع اللبن .. فالمذهب: انفساخ العقد في الإرضاع دون الحضانة) (1) قال الرافعي: ولم يفرقوا بين أن يصرح بالجمع بينهما وبين أن يذكر أحدهما ويحكم باستتباعه الآخر، قال: وحسن أن نفرق؛ ففي التصريح يقطع بأنهما مقصودان، وعند ذكر أحدهما هو المقصود والآخر تابع (2). وقال شيخنا الإمام البلقيني فيما إذا استأجر امرأة لإرضاع سخلة: يظهر جوازه، وفي استئجار شاة لإرضاع طفل يظهر منعه.
2849 - قول "الحاوي" [ص 382]: (وعلى المستأجر الخيط والحبر والصبغ، والذرور) (3) تبع فيه "المحرر" (4)، وقد استدرك عليه "المنهاج" فقال [ص 310]: (صحح الرافعي في "الشَّرح": الرجوع فيه إلى العادة، فإن اضطربت .. وجب البيان، وإلا .. فتبطل الإجارة).

فصلٌ [بيان ما على المؤجر والمستأجر]

2850 - قول "التَّنبيه" [ص 124] و "الحاوي" [ص 381]: (إن مفتاح الدار على المكري) أحسن من قول "المنهاج" [ص 310]: (إنَّه يجب تسليمه إلى المكتري) لأنَّه يفهم من الوجوب الإثم بالترك، وليس كذلك، بل غايته أنَّه إذا لم يسلمه له .. ثبت له الخيار كما في العمارة، زاد "الحاوي" [ص 381]: (بلا تجديد) أي: إن ضاع من المكتري .. فليس على المكري تجديده، وهذا مخالف للمجزوم به في "أصل الروضة" أنَّ إبداله من وظيفة المؤجر، فإن لم يبدله .. فللمستأجر الخيار 84، ولعل "الحاوي" أراد بذلك: أنَّه لا يجبر عليه، وخرج بالمفتاح القفل، فلا يجب تسليمه حيث اعتيد الإغلاق به؛ لأنَّ الأصل أن لا تدخل المنقولات في العقد الواقع على العقار، والمفتاح تابع للغلق.80818283

الحديث: 2848 - الجزء: 2 - الصفحة: 273

2851 - قول "المنهاج" [ص 310]: (وعمارتها على المؤجر) زاد "الحاوي" [ص 381]: (بلا كُره) أي: أنَّه لا يجبر على ذلك، وهو مفهوم من قول "المنهاج" [ص 310]: (فإن بادر وأصلحها، وإلا فللمكتري .. الخيار)، ومعنى كونها على المؤجر: أنَّها ليست على المستأجر، ويستثنى من ثبوت الخيار: ما إذا كان الخلل مقارناً للعقد وعلم به المكتري، جزم به في "أصل الروضة" 85، وفيه نظر؛ فإن المستأجر ولو علم بالخلل موطن النَّفس على أن المؤجر يزيله، والضرر يتجدد بمضي المدة، لا سيما والمدة المستقبلة لم تقبض إلى الآن، ففي إلزامه الاستمرار على مصابرة الضرر عسر غير محتمل.
2852 - قول "الحاوي" [ص 381]: (كانتزاع المغصوب) أي: على المؤجر ذلك، لكن لا يكره عليه، قال في "الروضة": وينبغي أن يكون المصحح هنا: وجوب الانتزاع 86. 2853 - قول "المنهاج" [ص 311]: (وتنظيف عرصة الدار عن ثلج وكناسةٍ على المكتري) هو كما قدمناه في العمارة ليس المراد: إلزام المكتري به، وإنَّما المراد: أنَّه ليس على المكري، وقد صرح بذلك في "الروضة" من زيادته 87، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: قد صرح الغزالي في "الوجيز" - وهو العمدة للرافعي في ذلك - بأن المستأجر يلزمه إزالة الثلج الخفيف 88. قلت: هو مثل تعبير غيره بأنه على المستأجر، ومعناه أنَّه من وظيفته، وليس على المؤجر كما في نظائره، والله أعلم.
2854 - قوله: (وإن أجر دابة لركوب .. فعلى المؤجر إكاف وبرذعة) 89 في جمعه بينهما نظر؛ لأنَّه مفسر بها؛ ولهذا لم يجمع بينهما "التَّنبيه" و "الحاوي" 90 ولعلهما نوعان مختلفان، ثم إن ما ذكروه في ذلك محله: في حالة الإطلاق، فلو قال: (أكريتك هذه الدابة عاريةً بلا حزام ولا إكاف ولا غيرهما) .. لم يلزمه شيء.
2855 - قول "المنهاج" [ص 311]: (وعلى المكتري محملٌ ومظلةٌ وغطاءٌ ووطاء وتوابعها) لعله أراد بتوابعها: الحبل الذي يشد به المحمل على البعير أو يشد به أحد المحملين إلى الآخر .. فإنَّه على المكتري.

الحديث: 2851 - الجزء: 2 - الصفحة: 274

2856 - قوله: (والأصح في السرج: أتباع العرف) 91 تبع فيه "المحرر" 92، وليس في "الشرحين" ترجيح 93، واقتصر في "الروضة" على عزو تصحيحه لـ "المحرر" 94، وذكر في "الكفاية" أن السرج داخل في قول "التَّنبيه" [ص 124]: (وما يحتاج إليه للتمكن من الانتفاع .. فهو على المكري) وقال البغوي: ما عدا السرج والإكاف والبرذعة على المؤجر، وكذا الثلاثة في إجارة الذمة، وفي العين على المستأجر، ويضمن إن ركب بغيرها 95، قال الرافعي: وهو كالتوسط في الآلات 96. 2857 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (وما يحتاج إليه لكمال الانتفاع كالدلو والحبل .. فهو على المستأجر) محله: ما إذا استأجر عينه للاستقاء، فإن وردت الإجارة على ذمته .. كانا على المؤجر، وعليه مشى "الحاوي" فقال فيما على المكري [ص 382]: (وفي الذمة الدلو والرشاء في الاستقاء)، ووقع في "تصحيح التَّنبيه" لشيخنا الإسنوي عكس ذلك، فقال: والأصح: وجوب الدلو والحبل في الاستئجار للاستقاء على المؤجر إذا وردت الإجارة على العين، كما ذكره في "الروضة" في أول المسألة الثَّانية في الكلام على الاكتراء للحمل.
انتهى 97. وكذا ذكر في "التنقيح"، وكذا في "التوشيح" لابن السبكي، وهو سبق قلم، والمسألة في "الروضة" في الموضع المذكور على الصواب 98. 2858 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (وعلى المكري الإشالة والحط وإركاب الشَّيخ وإبراك البعير للمرأة) محله: في إجارة الذمة، فإن أكرى عين دابة .. لم يلزمه شيء من ذلك، وقد صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 99، ووقع لشيخنا الإسنوي في "تصحيحه" عكس ذلك، فقال بعد ما تقدم عنه: وفي الإشالة والحط أيضاً هذا التفصيل 100، لكنَّه ذكره في "التنقيح" على الصواب، وفي معنى المرأة: الرجل الضعيف؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 382]: (إعانة الراكب المحتاج) و "المنهاج" بقوله [ص 311]: (إعانة الراكب في ركوبه ونزوله بحسب الحاجة).

الحديث: 2856 - الجزء: 2 - الصفحة: 275

2859 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (وفي كسح البئر وتنقية البالوعة وجهان) الأصح منهما: أنَّه على المستأجر، واختار السبكي مقابله، ومحل الخلاف: إذا امتلأ في أثناء المدة بعد التسليم فارغاً، ففي الابتداء على المؤجر قطعًا، وبعد انتهاء المدة لا يلزم المستأجر قطعًا؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 381]: (وعلى المكري تسليم الدار وبئر الحش والبالوعة خالية، لا إن امتلأ) 101 فاحترز عن الابتداء، ويرد عليه الانتهاء.
2860 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ويثبت الخيار بعيبها) 102 أي: الدابة المعينة، فلو لم يعلم به حتَّى مضت المدة .. فات الخيار وله الأرش، وإن علم به في الأثناء وفسخ وقلنا ينفسخ فيما مضى .. قال السبكي: ينبغي أن يجب الأرش، وإن لم ينفسخ .. قال: فلا أرش للمستقبل، وفيه مضى نظر، زاد "التَّنبيه" [ص 124]: (أو حدث به عيب)، وكذا أطلقه الجمهور، وقال الرافعي والنووي: الوجه: ما ذكره المتولي، وهو المنع من الفسخ في حدوث العيب؛ لأنَّه فسخ في بعض المعقود عليه، بل يأخذ الأرش 103. 2861 - قول "المنهاج" [ص 311]: (ولا خيار في إجارة الذمة، بل يلزمه الإبدال) لم يذكر عدم الانفساخ بالتلف، مع أنَّه مصرح به في "المحرر" 104 اكتفاءً بمنع الخيار بالعيب، ولو صرح به .. لكان أولى، مع أنَّه لو سلم دابة عما في الذمة اختص بها المستأجر .. فله إيجارها، ولا يجوز للمؤجر إبدالها إلَّا برضاه في الأصح.
2862 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (وإن أكل بعض الزاد وقيمته تختلف في المنازل .. جاز له أن يبدله، فإن لم تختلف .. ففيه قولان) الأظهر: جواز إبداله أيضاً، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 311]: (والطعام المحمول ليؤكل يُبدل إذا أُكل في الأظهر) لكن فيه شيئان: أحدهما: أنَّه لم يبين محل الخلاف كما فعل "التَّنبيه" 105. ثانيهما: أنَّ عبارته تقتضي تصوير المسألة بما إذا أكل جميعه مع أن القولين إنَّما هما فيما إذا أكل بعضه، فأمَّا عند أكل جميعه .. فالمسألة ذات وجهين، والصحيح منهما: الإبدال أيضاً، ومشى "الحاوي" على الصَّحيح أيضاً، فقال [ص 382]: (وبُدِّل الطَّعام للأكل)، لكن تقييده بكونه للأكل لا معنى له؛ لأنَّ تقييد "المنهاج" وغيره بذلك إنَّما هو لأنَّه موضع الخلاف، فالمحمول ليصل يُبدل قطعاً، و "الحاوي" لا يحكي الخلاف حتَّى يحتاج إلى القيد، فحكم الصور كلها عنده واحد.

الحديث: 2859 - الجزء: 2 - الصفحة: 276

ثم أعلم: أن محل الخلاف أيضاً: عند الإطلاق، أما لو شرط الإبدال أو عدمه .. اتبع الشرط، واختار السبكي أنَّه إن شرط قدراً يكفيه كل الطَّريق .. لم يُبدل جزماً ما دام الباقي كافياً لبقية الطَّريق، أو قدراً يُعلم أنَّه لا يكفيه .. فله الإبدال.
بقي هنا فرع غريب على منع الإبدال، وهو: أنَّه إذا لم يأكل منه .. فهل للمؤجر مطالبته بتنقيص قدر أكله؟ قال السبكي: ينبغي أن يقال: إن لم يقدّره .. فله ذلك، وإن قدّره .. فالظاهر: أنَّه ليس له ذلك اتباعاً للشرط، ويحتمل أن يجب للعرف، وهو ما أميل إليه.
2863 - قول "الحاوي" [ص 383]: (ونزع الملبوس إن نام) يستثنى: النوم وقت القيلولة على الأصح في الرافعي، قال: وهو ما أورده الأكثرون (1)، وقال النووي: أطلق الأكثرون جواز النوم فيه نهارًا من غير تقييد بالقيلولة (2)، ولعل "الحاوي" أراد: النوم وقت القيلولة بقوله بعده: (والفوقاني للقيلولة والخلوة) (3).

فصل [في تعيين قدر المنفعة]

2864 - قول "الحاوي" [ص 379]: (ويعين قدر المنفعة إمَّا بالزمان وإن طال) شرطه: أن يكون ذلك الزمان تبقى فيه العين المؤجرة غالباً، كما صرح به "التَّنبيه" و "المنهاج" 109، وفرع في "أصل الروضة" على ذلك، فقال: فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة، والدابة عشر سنين، والثوب سنتين أو سنة على ما يليق به، والأرض مئة سنة وأكثر، وحكى الرافعي هذا عن "التهذيب" 110، وظاهر إطلاقهم أنَّه لا فرق في ذلك بين الوقف وغيره، وهو المشهور، قال المتولي: إلَّا أن الحكام اصطلحوا على منع إجارته أكثر من ثلاث سنين؛ لئلا يندرس الوقف، وهذا الاصطلاح غير مطرد، وفي "أمالي السرخسي": أن المذهب: منع إجارة الوقف أكثر من سنة إذا لم تمس إليه حاجة، وهو غريب، ووجهه: عسر تقويم المدة المستقبلة، ومقتضى كلام الروياني في نظيره: أنَّه يشترط أن تكون تلك المدة يحتمل أن يبقى إليها المؤجر والمستأجر، ومقتضى كلام "الروضة": أنَّه لا يشترط ذلك، وينتقل لوارثه، خرجته من كلامهما في تأجيل الثمن، وعدم الاشتراط هو مقتضى إطلاق الأصحاب.106107108

الحديث: 2863 - الجزء: 2 - الصفحة: 277

2865 - قول "التَّنبيه" [ص 123]: (وإن قال: "أجرتك كل شهر بدرهم" .. بطل) يستثنى منه: الاستئجار على الأذان إذا كان المستأجر هو الإمام من مال المصالح .. فلا يفتقر إلى بيان المدة، كما حكاه الرافعي في بابه عن "التهذيب" 111. 2866 - قوله: (وقيل: يصح في الشهر الأول) 112 محله: ما إذا عين الابتداء من الآن، فإن أطلق .. لم يصح قطعًا، كما أفهمه كلام "المهذب" وغيره 113. 2867 - قوله: (وإن استأجر دابة ليركبها .. أركبها مثله) 114 مثال؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 312]: (وللمكتري استيفاء المنفعة بنفسه وبغيره، فيُركب ويسكن مثله، ولا يُسكن حداداً وقصاراً) يعني: والصورة أنَّه ليس كذلك، وعبر "الحاوي" عن هذا بعبارة شاملة لجميع الصور، فقال [ص 382]: (وبدل المستوفي)، وفسره الرافعي: بأنه مستحق الاستيفاء 115. واستشكل بمن استأجر لإركاب عبده أو فقير .. فالعبد والفقير هما المستوفي، والمستحق هو المستأجر، قال السبكي: لا يقال: هما مستوفى به؛ لأنهم قطعوا فيه بالإبدال، ولم يجروا فيه الخلاف في إبدال الرضيع.
انتهى.
وأعلم: أنَّه ذكر في "الروضة" وأصلها من صور المستوفي: ما إذا استأجر دابة لحمل قطن .. فله حمل صوف ووبر، أو لحديد .. [فله رصاص 116] 117. قال في "المهمات": وهو من قسم المستوفى به بلا شك، لكنَّه متَّفقٌ عليه ليس فيه الخلاف الذي في بقية صور المستوفى به.
2868 - قول "المنهاج" [ص 312]: (وما يستوفى به؛ كثوب وصبي عُينّ للخياطة والارتضاع .. يجوز إبداله في الأصح) فيه أمور: أحدها: تبع في هذا الترجيح "المحرر" 118، وكذا في "الشَّرح الصَّغير"، وعليه مشى "الحاوي" 119، لكنَّه لم يرجح في "الكبير" شيئاً، بل نقل في موضع هذا الترجيح عن الإمام والمتولي، وفي موضع مقابله عن العراقيين وأبي على وغيرهم، وتبعه في "الروضة" على هذين

الحديث: 2865 - الجزء: 2 - الصفحة: 278

النقلين 120، ويوافق الترجيح الثَّاني ما سيأتي عن "التَّنبيه" في موت الرضيع: أنَّه ينفسخ العقد على المنصوص 121. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن الأوَّل ليس بالمعتمد في الفتوى، قال: وقد جزم في الكلام على ما يُعتبر تعيينه في الرضاع بأنه يجب تعيين الصبي؛ لاختلاف الغرض باختلافه، وما وجب تعيينه لا يجوز إبداله كالدابة المعينة، وأيضًا: فتجويز الإبدال إن كان بإجبار المرضعة عليه .. فهو من أبعد ما يكون، وإن كان برضاها .. فهو بعيد أيضاً؛ لأنَّه إمَّا معاوضة ولا صائر إليه، وإما مسامحة .. فمقتضى المسامحة: أن لا يحتاج في الابتداء إلى تعيين الرضيع.
انتهى.
ثانيها: حكى الرافعي عن الشَّيخ أبي على: أنَّه قال: محل الخلاف: إذا التزم في ذمته خياطة ثوب معين أو حمل متاع معين، أما لو استأجر دابة معينة لركوب أو حمل متاع .. فلا خلاف في جواز إبدال الراكب والمتاع.
انتهى 122. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك قريباً.
ثالثها: ينبغي أن يقول: (عُيّنا) فإنَّه صفة لثوب وصبي، وإيقاع ضمير المفرد موضع التثنية شاذ.
2869 - قول "التَّنبيه" [ص 125]: (وإن مات الصبي الذي وقعت الإجارة على إرضاعه .. انفسخ العقد على المنصوص) مقتضى عبارة "الروضة" هنا: ترجيح عدم الانفساخ؛ فإنَّه بعد نقل جواز الإبدال عن تصحيح الإمام والمتولي .. قال: والخلاف جارٍ في انفساخ الإجارة بتلف هذه الأشياء في المدة، وميل العراقيين إلى ترجيح الانفساخ، وقالوا: هو المنصوص، والثَّاني: مخرج.
انتهى 123. وهو مقتضى تجويز الإبدال كما تقدم، ويوافق "التَّنبيه" في ذلك ترجيح الانفساخ في الخلع، قال في "أصل الروضة": إنَّه المذهب، والمنصوص في "المختصر" وأكثر الكتب، ورجحه الجمهور 124. 2870 - قوله: (وعليه - أي: المستأجر - مؤنة الرد، وقيل: يجب ذلك على المؤجر) ذكر في "أصل الروضة" أن الأوَّل أقربهما إلى كلام الشَّافعي، وأن الغزالي صحح الثَّاني 125، واقتصر في

الحديث: 2869 - الجزء: 2 - الصفحة: 279

"الشَّرح الصَّغير" على ذكر تصحيح الغزالي، وهو يشعر برجحان الثَّاني، وجزم به في "أصل الروضة" في العارية، فقال فيما إذا استعار من المستأجفي: أن مؤنة الرد على المالك إن رد عليه كما لَوْ ردَّ عليه المستأجر 126، وكذا صحح شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" الثَّاني 127، لما سيأتي عن "المنهاج" وغيره من أن يد المستأجر بعد انقضاء الإجارة يَدُ أمانة 128، وهي مبنية عليها، فالضمان مبني على وجوب مؤنة الرد، وعدمه مبني على عدمه، كما في "الروضة" وأصلها 129، لكن قال السبكي: قد يجمع بينهما بأنها أمانة شرعية، فلا يناقضها وجوب الرد.
انتهى.
قال القاضي أبو الطَّيِّب: ولو شرط عليه الرد .. لزمه بلا خلاف، ومنعه ابن الصباغ، وقال: من لا يوجبه عليه ينبغي ألَّا يجوز شرطه.
قال في "المهمات": وفي "زيادات العبادي" التصريح بالخلاف، فقال: إنَّها فاسدة عندنا؛ يعني: عند المراوزة، خلافًا للإصطخري.
2871 - قوله "المنهاج" [ص 312]: (ويد المكتري يد أمانة مدة الإجارة، وكذا بعدها في الأصح) وكذا في "الحاوي" 130، وليس في كلام الرافعي في "الشَّرح" تصريح بترجيح، وإنَّما بنى هذه المسألة على التي قبلها 131، وزاد في "الروضة" تصحيح "المحرر": عدم الضَّمان 132، وجزم به في "أصل الروضة" في حكم البيع قبل القبض، فعد من الأمانات: المال في يد المستأجر بعد المدة 133. قال السبكي: والحقُّ: أنَّها بعد المدة أمانة شرعية، فإن تلفت عقب انقضاء المدة قبل التمكن من الرد والإعلام .. فلا ضمان، وكذا إذا مضى زمان وقد أمسكها لعُذْرٍ مانع، كما جزم به الماوردي 134. قلت: وكذا جزم به في "الروضة" وأصلها 135، وأخرج حالة العذر عن موضع الخلاف.
قال السبكي: وإن طالبه المالك فامتنع .. كان ضامناً، وإن استنظره فأنظره مختارًا .. كان

الحديث: 2871 - الجزء: 2 - الصفحة: 280

كالمستعير كما قاله الماوردي 136، فيضمن الرقبة دون المنفعة، وإن عرضها المستأجر عليه فلم يقبلها .. فكالوديعة، وإن لم يكن شيء من ذلك وتمكن من الرد .. فهو موضع الوجهين، والأصح: لا يجب الرد.
2872 - قول "المنهاج" [ص 312]- والعبارة له - و "الحاوي" [ص 383]: (ولو ربط دابة اكتراها لحمل أو ركوب ولم ينتفع بها .. لم يضمن إلَّا إذا انهدم عليها اصطبل في وقت لو انتفع لم يصبها الهدم) لابد من تقييده بأن تكون العادة في ذلك الوقت جارية بالانتفاع بها كالنهار؛ للاحتراز عما إذا كان المعهود في تلك الحالة أن تكون تحت السقف كالليل في الشتاء .. فإنَّه لا يضمن، كما في "الروضة" وأصلها 137. قال السبكي: وهل هو ضمان جناية حتَّى لو لم تتلف لم يضمن، أو ضمان يد، فتصير مضمونة عليه؟ الأقرب: الثَّاني، قال: وهذه المسألة لم أرها إلَّا للقاضي حسين، وتبعه الإمام الغزالي، وللنظر فيها مجال، والمتجه: إن نسب في الربط إلى تفريط .. صار ضامناً ضمان يد، وإلا .. فلا، ولا يجعل تركه حقه من الانتفاع موجبًا للضمان، وأمَّا ضمان الجناية .. فضابطه: أن ينسب التلف إلى فعله.
ولو عبر "الحاوي" بالانتفاع .. لشمل الحمل المذكور في "المنهاج" فإنَّه اقتصر على ذى الركوب.
وظاهر إطلاق "التَّنبيه" عدم الضَّمان مطلقًا؛ لأنَّه لم يستثن هذه الصورة.
2873 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولو تلف المال في يد أجير بلا تعد .. لم يضمن إن لم ينفرد باليد؛ بأن قعد المستأجر معه أو أحضره منزله) 138 يقتضي مشاركة الأخير للمالك في اليد في هاتين الصورتين، وكلام الأصحاب يقتضي أن اليد للمالك خاصة، ولا يد للأجير عليها، وهذا التنكيت على عبارة "المنهاج" خاصة.
2874 - قوله في تفسير المنفرد: (وهو: من أجر نفسه مدة معينهً لعملٍ) 139، قال السبكي: ينبغي أن يكون قوله: (مدة معينة) مستغنى عنه وإن ذكره غيره؛ لأنَّ المأخذ كونه أوقع الإجارة على عينه، وقد يقدر بالعمل دون المدة كعكسه، وذكر في "المهمات": أن هذا التعريف

الحديث: 2872 - الجزء: 2 - الصفحة: 281

للمنفرد، وتعريف المشترك بأنه: من التزم عملًا في ذمته لا يؤخذ منهما الحكم في إجارة العين، بل تفسير المشترك يقتضي أنَّه منفرد، وتفسير المنفرد يقتضي أنَّه مشترك، ولم يظهر لي ما ذكره، بل تفسير المنفرد صريح في أن المراد به: إجارة العين.
2875 - قوله "الحاوي" [ص 384]: (ولا أَجْر لعملٍ دون شرطه) أعم من قوله "التَّنبيه" [ص 126]: (وإن أمر غسالاً يغسل ثوباً) وهو في الجعالة، ومن قوله "المنهاج" [ص 312]: (ولو دفع ثوبًا إلى قصارٍ ليقصره، أو خياطٍ ليخيطه) فتلك أمثلة، قال "الحاوي" [ص 384]: (لا إن دخل الحمام) أي: فإنَّه تجب عليه الإجرة، وإن لم يشترط شيئًا، وعلله الرافعي: بأن الداخل مستوف منفعة الحمام بسكونه، بخلاف بقية الصور؛ فإن صاحب المنفعة هو الصارف لها 140، وقال في "الشَّرح الصَّغير": ينبغي أن يكون محله: ما إذا دخل بلا إذن الحمامي، فإن أذن .. فينبغي أن يكون كبقية المسائل، كما قالوا فيمن دخل سفينة بإذن صاحبها حتَّى أتى الساحل، واستثنى مع مسألة الحمامي مسائل أخرى: إحداها: عامل الزكاة؛ فإنَّه يستحق العوض وإن لم يسم، قال الرافعي: إن شاء الإمام بعثه ثم أعطاه أجرة، وإن شاء سمى له، وقال بعضهم.
لا يحتاج إلى استثناء هذه المسألة؛ لأنَّ الأجرة ثابتة له بنص القرآن، فهي مسماة شرعًا وإن لم يسمها الإمام حين البعث.
الثَّانية: عمل القسمة بأمر الحاكم .. فللقاسم الأجرة من غير تسمية، استثناه شيخنا ابن النقيب وغيره 141، وقال في "التوشيح": هو كغيره ولا يستثنى، قال: وتقييد الرافعي الخلاف - فيما لو أمر الشركاء قاسماً ولم يذكروا أجرة كيف تُفَضّ - بما إذا قلنا: يجب أجرة المثل في مثل ذلك، إشارة إلى ما قلناه، وقوله بعده: إن الخلاف - يعني: في كيفية الفض - يجري فيما لو أمر القاضي قاسماً، فقسم قسمة إجبار؛ أي: وقلنا: يجب أجرة المثل في ذلك، واستغنى عن ذكره بتقدمه قُبَيْلَهُ وظهوره.
الثَّالثة: عامل المساقاة إذا عمل ما ليس من أعمالها بإذن المالك .. استحق الأجرة، كما في "الروضة" وأصلها في بابها 142. 2876 - قوله "المنهاج" [ص 312]: (وقيل: إن كان معروفاً بذلك العمل .. فله، وإلا .. فلا، وقد يستحسن)، قال السبكي تفريعاً عليه: ينبغي إن كانت الأجرة معلومة بالعرف .. حمل العقد عليها، وكان العقد صحيحًا كالمعاطاة، وإلا .. فأجرة المثل، وكان فاسدًا.

الحديث: 2875 - الجزء: 2 - الصفحة: 282

2877 - قوله: (فلو تعدى المستأجر؛ بأن ضرب الدابة ... إلى آخره) 143 أمثلة، وإن كانت العبارة تفهم أنَّه تقييد.
2878 - قوله: (أو أركبها أثقل منه) 144 لم يبين هل المستأجر في هذه الصورة ضامن قراراً أو طريقاً؟ والمنقول: أنَّه طريق إن كان الثَّاني عالماً، وقرارٌ إن كان غير عالم، ومحل الشق الثَّاني: ما إذا كانت يد الثَّاني لا تقتضي الضَّمان؛ كالمستأجر ونحوه، فإن كانت تقتضيه؛ كالمستعير .. فالقرار عليه، وإن كان غير عالم، كما أوضحوه في (الغصب).
2879 - قوله: (أو أسكن حداداً أو قصاراً) 145 أي: وهما أشد ضررًا مما استأجر له، ويرد على إطلاق "الحاوي" الضَّمان بالتعدي 146: ما إذا تعدى في الأرض فزرع، أو غرس غير المستحق حيث منعناه .. فإن الأصح من زيادة "الروضة": أنَّه لا يكون ضامنًا للأرض غاصباً لها، بل يضمن الأجرة فقط 147. 2880 - قوله: (وضمن أجر مثل ما زاد) 148 محله في الزائد على ما يقع التفاوت به بين الكيلين؛ فإن ذلك المقدار مغتفر، ولا يرد ذلك على قول "المنهاج" [ص 312]: (ولو اكترى لمئة فحمل مئة وعشرة .. لزمه أجرة المثل للزيادة) لأنَّ الزيادة في الصورة التي ذكرها فوق ما يقع التفاوت به بين الكيلين، فيعلم من تمثيله تقييد المسألة.
2881 - قوله: (وإن تلفت بذلك .. ضمنها إن لم يكن صاحبها معها) 149 لا يختص الضَّمان بأن تتلف بذلك؛ أي: بالحمل، فلو تلفت بسبب غيره .. ضمنها أيضاً؛ ولذلك قال "التَّنبيه" [ص 124]: (وإن حمل عليها أكثر مما شرط فتلفت وهي في يده .. ضمن قيمتها) فأطلق التلف، وهو المفهوم من إطلاق "الحاوي" الضَّمان بالتعدي 150، ولابن كج احتمال أنَّه لا يضمن الكل، وقواه السبكي، وقال: تعديه بالزيادة لا باليد.
2882 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (وإن كان صاحبها معها .. ضمن نصف القيمة في أحد القولين، والقسط في الآخر) الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 151.

الحديث: 2877 - الجزء: 2 - الصفحة: 283

2883 - قول "التَّنبيه" [ص 126]: (وإن دفع إليه ثوبًا فقطعه قميصاً، فقال صاحب الثوب: "أمرتك أن تقطعه قباء فعليك الأرش"، وقال الخياط: "بل أمرتني بقميص فعليك الأجرة" .. تحالفاً على ظاهر المذهب) الأظهر كما قال في "المنهاج" [ص 313]: (تصديق المالك بيمينه، ولا أجرة عليه، وعلى الخياط أرش النقص) وعليه مشى "الحاوي" (1)، ولو عبر "المنهاج" بالمذهب .. لكان أولى؛ ففي المسألة خمسة طرق، لكن أصحها: طريقة القولين، فمشى عليه "المنهاج"، ولم يبين "المنهاج" و "الحاوي" الأرش، وفيه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" (2): أحدهما: ما بين قيمته مقطوعاً وصحيحاً، صحَّحه ابن أبي عصرون، وصححه أيضاً في "المهمات"، وحكاه عن تصحيح الإمام.
والثَّاني: ما بين قيمته مقطوعاً قميصاً ومقطوعاً قباء، واختاره السبكي، وقال: لا يتجه غيره؛ لأنَّ أصل القطع مأذون فيه.
2884 - قول "التَّنبيه" تفريعاً على التحالف [ص 126]: (وهل يلزمه أرش النقص؟ فيه قولان) أصحهما: لا.
وأعلم: أن شيخنا في "المهمات" رجح طريقة القطع بالتحالف، فقال: إنَّها الصواب نقلًا واستدلالاً، ثم بسط ذلك، ونبه أيضاً على أن محله: عند الاتفاق على عقد، وإن كان كلام الرافعي والنووي يقتضي خلافه.

فصلٌ [فيما يفسخ الإجارة]

2885 - قول "المنهاج" [ص 313]: (لا تنفسخ إجارة بعذر) قد يفهم ثبوت الخيار للمعذور، وليس كذلك، فلو قال: (لا تفسخ) .. لكان أولى، كما فعل "الحاوي" حيث قال عطفًا على ما لا يثبت فيه الخيار [ص 386]: (أو ظهر للعاقد عذر)، وهو أحسن من جهة أخرى، وهي أن تعبيره بالعاقد يتناول المستأجر والمؤجر، فهو أعم من قول "المنهاج" في الأمثلة [ص 313]: (ومرض مستأجر دابةٍ لسفرِ) فإن مرض المؤجر فيما إذا كانت غير معينة كذلك، فإنَّه يتعذَّر خروجه معها، وهو من أعمال الإجارة، لكن عبارة "المنهاج" أولاً شاملة، ولا يضر خصوص المثال.
2886 - قول "المنهاج" [ص 313]: (وسفرٍ) مقتضى كلام السبكي ضبطه بإسكان الفاء؛ فإنَّه شرحه152153

الحديث: 2883 - الجزء: 2 - الصفحة: 284

بما إذا استأجر دابة ليسافر عليها، ولا بد من رفقة، وهم السَّفر؛ أي: المسافرون، فتعذر خروجهم.
2887 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (فإن تلفت العين المستأجرة) أعم من قول "المنهاج" [ص 313]: (وتنفسخ بموت الدابة والأجير المعينين)، ومن قول "الحاوي" [ص 385]: (وبتلف معين الدابة والأجير تنفسخ).
2888 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (انفسخت الإجارة فيما بقي دون ما مضى، وقيل: فيما مضى قولان) رجح فيما مضى طريقة القطع بعدم الانفساخ، وحكاها في "الكفاية" عن الأكثرين، وصححها الروياني وغيره، وهو مقتضى كلام "الروضة" وأصلها؛ حيث قالا: إن فيه الطريقين فيمن اشترى عبدين، فقبض أحدهما وتلف الآخر قبل قبضه .. هل ينفسخ في المقبوض؟ والأصح في (باب تفريق الصفقة): القطع بعدم الانفساخ 154، لكن مشى "المنهاج" على طريقة القولين، فقال [ص 313]: (لا الماضي في الأظهر).
ومحل عدم الانفساخ في الماضي إمَّا قطعًا أو على الأظهر: أن يكون التلف بعد القبض بمدة لها أجرة، فإن كان قبله أو بعده بمدة ليس لها أجرة .. انفسخ في الكل، وإذا قلنا بعدم الانفساخ .. فليس له الفسخ أيضاً، كما صحَّحه في "الشَّرح الصَّغير".
2889 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (فإن فسخ .. لزمه أجرة ما مضى) لا يخفى أن محله: أن يكون لمثله أجرة، والواجب أجرة المثل إن قلنا: يرتفع من أصله، والقسط من المسمى إن قلنا: من حينه، والمراد بالعيب هنا: ما يؤثر في المنفعة تأثيراً يظهر به تفاوت الأجرة دون ما يظهر به تفاوت الرقبة.
2890 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا ينفسخ بموت العاقدين) 155 قد يستثنى منه: ما إذا أوصى بداره لزيد مدة عمر زيد، فقبل الوصيَّة، وأجرها زيد، ثم مات في خلالها .. فإن الإجارة تنفسخ، وعند التحقيق لا حاجة إلى استثنائها؛ فإنَّها لم تنفسخ لأجل موت العاقد، بل لانتهاء حقه بموته، كما سيأتي في موت البطن الأوَّل.
وأعلم: أن هذه الصورة هي في "الروضة" كما ذكرته 156، وفيها إشكال؛ لأنَّها وصية على صورة العمرى، وحكمها حكم العمرى في الحياة حتَّى تتأبد وتورث عنه ولا تعود إلى ورثة المعمر، وعبر عنها الرافعي: بأن يوصي بمنفعة داره 157، وفيها نظر أيضاً؛ فإنَّها إباحة لا تمليك، فتمتنع إجارتها كما ذكروه في (الوصيَّة).

الحديث: 2887 - الجزء: 2 - الصفحة: 285

2891 - قول "المنهاج" [ص 313]: (ومتولِّي الوقف) يستثنى منه: ما إذا كان متولي الوقف هو المستحق له، وأجر بدون أجرة المثل - فإنهم صرحوا بأنه يجوز له ذلك - ومات في أثناء المدة .. فقال ابن الرفعة: يظهر فيه الجزم بالانفساخ.
2892 - قوله - والعبارة له - و "الحاوي": (ولو أجر البطن الأوَّل مدة ومات قبل تمامها .. فالأصح: انفساخها) 158 استشكل تصويرها؛ لأنَّ البطن الأوَّل إن شرط له نظر .. فهو متول، وقد سبق أنَّه لا تنفسخ بموته، وإلا .. فلا نظر له إلَّا على قول ضعيف يبعد تفريع المسألة عليه، وصورها ابن الصباغ بأن يكون شرط النظر لكل بطن في حصته، فلا يتعلق بما بعده، لكنَّه استشكل؛ لأنَّه يصير حينئذ كإجارة الصبي المذكورة بعدُ، ويلغو الفرق بينهما، مع أن الأصح: خلافه، واختار السبكي أنَّه ينفسخ إذا أجر بحكم الملك، أو شرط النظر له في حصته فقط، فإن أطلق النظر للموقوف عليه، واقتضى الحال نظر كل في زمنه .. لم ينفسخ؛ لأنَّها صحت بنظر شامل، فلا تبطل بنظر ثان.
2893 - قول "المنهاج" [ص 313]: (فيما لو أجر الولي صبياً مدة لا يبلغ فيها بالسن فبلغ بالاحتلام .. أن الأصح: عدم الانفساخ)، تبع فيه "المحرر" 159، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 385]: (وبلوغ الاحتلام) وليس معطوفًا على الذي قبله، وهو موت البطن الأوَّل؛ فإنَّه استثناء من نفي، فهو مثبت؛ أي: يثبت الانفساخ، وإنَّما هو معطوف على المنفي أولاً، وهو قوله: (لا بموت العاقد) 160 كذا قرره من تكلم عليه، وفي فهم ذلك منه عسر، ونقل الرافعي تصحيح عدم الانفساخ عن صاحب "المهذب" والروياني، وتصحيح الانفساخ عن الإمام والمتولي، ولم يذكر من عنده ترجيحاً 161، فزاد في "الروضة": صحح الرافعي في "المحرر" الثَّاني 162، أي: وهو الانفساخ، وليس كما قال، وإنَّما صحح: عدم الانفساخ، كما مشى عليه "المنهاج"، وينبغي أن تكون صورة المسألة: أنَّه بلغ رشيداً، فلو بلغ سفيهاً .. فهو كالصبي في استمرار الولاية.
قال شيخنا ابن النقيب: كذا يظهر، ولم أر من قيد به 163، واستبعد جماعة التعبير بالانفساخ؛

الحديث: 2891 - الجزء: 2 - الصفحة: 286

لأنَّه يشعر بسبق الانعقاد، وقالوا: الخلاف في تبيّن البطلان لظهور تصرفه في غير ملكه؛ فإنَّه قيل به .. فهو من التَّفريق في الابتداء، وإن قيل بعبارة الجمهور .. فهو من التَّفريق في الدوام، والله أعلم 164. 2894 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (وإن كانت دارًا فانهدمت، أو أرضًا فانقطع ماؤها .. ففيه قولان، أحدهما: ينفسخ، والثَّاني: لا ينفسخ، بل يثبت له خيار الفسخ) الأصح: أنَّها تنفسخ في الأولى دون الثَّانية، وعليه مشى "الحاوي" و "المنهاج" 165، لكنَّه عطفه على ما عبر فيه بالأصح، فاقتضى أن الخلاف وجهان، وليس كذلك؛ فإن النَّصُّ في الأولى الانفساخ، وفي الثَّانية الخيار، فقيل: بتقرير النصين، وقيل: بالقطع فيهما بالخيار، وقيل: بطريقة التخريج، لكن الأظهر من القولين في كل مسألة: ما نص عليه، وهي الطريقة المصححة، وهو مشكل، فإنه إن ظهر الفرق .. فكيف يخرج؟ وإن لم يظهر واحتيج للتخريج .. فكيف يرجح مقتضى النَّصُّ؟ ، وقد وقع لهذا في كلام الرافعي والنووي نظائر، وفيها هذا الإشكال، وعلى كل حال: فكان ينبغي التعبير بالمذهب أو بالأظهر إن اقتصر على طريقة القولين.
لكن قد يجاب عنه: بأن الطرق قد يسلك بها مسلك الأوجه كثيرًا، فإنَّها من تصرف الأصحاب.
ولو هدمها المستأجر .. كان الحكم كذلك، صرح به البغوي، وأمَّا قول الرافعي والنووي في (النكاح): إن المستأجر لو خرب الدار ثبت له الخيار 166 .. فالمراد به: تخريب يحصل به تعييب لا هدم كامل، ومحل ثبوت الخيار في الثَّانية: ما إذا لم يبادر المؤجر لسوق ماء إليها، فإن بادر به .. سقط الخيار؟ ؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 385]: (لا إن بادر التدارك)، لكن عبارة "الروضة" وأصلها: فإن قال المؤجر: (أنا أسوق الماء إليها) .. سقط الخيار 167، ومقتضى هذا اللفظ: الاكتفاء بالوعد بذلك، وهو بعيد كما قال السبكي، قال: وقطع الماوردي ببقاء الخيار عند مجرد الوعد.
قلت: لم يرد الرافعي والنووي الاكتفاء بالوعد الذي ليس بمنجز، فقد قالا قبله: وإنَّما يثبت الخيار إذا امتنعت الزراعة، وبعده: كما لو بادر إلى إصلاح الدار، ومن المعلوم أن الوعد بالإنجاز تمتنع معه الزراعة، وليس كالمبادرة إلى إصلاح الدار.

الحديث: 2894 - الجزء: 2 - الصفحة: 287

2895 - قول "المنهاج" [ص 313]: (وغصب الدابة وإباق العبد يُثبت الخيار) لا يخفى أن ذكر الدابة والعبد مثال، ولذلك قال "الحاوي" [ص 385]: (أو غُصب أو أبق) أي: أيَّ مؤجر كان، ثم فيه أمور: أحدها: لا يخفى أن صورة المسألة في إجارة العين، فإن كان في إجارة الذمة .. فعلى المؤجر الإبدال، فإن امتنع .. استؤجر عليه.
ثانيها: أن محله: ما إذا لم يبادر المؤجر إلى الانتزاع من الغاصب وإحضار الآبق، فإن بادر لذلك ولم تتعطل عليه منفعة .. سقط خياره كما سبق في نظيره.
ثالثها: أن محله: في غصب أجنبي، فلو غصبها المالك، إمَّا بعد القبض، أو بامتناعه من الإقباض الواجب .. فقيل: كالأجنبي، وقيل: ينفسخ قطعًا.
رابعها: أن محله: ما إذا لم يستمر الغصب والإباق حتَّى انقضت المدة، فإن كان كذلك .. فسنذكره بعد.
2896 - قول "التَّنبيه" [ص 124]: (وإن غصبت العين حتَّى انقضت المدة .. فهو كالمبيع إذا تلف قبل القبض، وقد بيناه في البيع)، قال النووي في "التحرير": وقوله: (أتلف) كذا صوابه بالألف، وحذفها خطأٌ يتغير به حكم المسألة، فاحذره 168. قلت: لأنَّ تلف المبيع قبل القبض بآفة ينفسخ به البيع قطعًا، وإتلاف أجنبي له فيه خلاف، هل ينفسخ به البيع، أو يثبت للمشتري الخيار؟ وقد ذكر هو في "أصل الروضة" في هذه الصورة أنَّها مبنية على الخلاف في إتلاف الأجنبي، لكنَّه قال بعده: إن الذي نص عليه الشَّافعي والأصحاب: انفساخ الإجارة وإن كان البناء المذكور يقتضي ترجيح عدم الانفساخ، لكن المذهب: الانفساخ.
انتهى 169. وحينئذ .. يتجه تشبيهها بالتلف لا بالإتلاف، ومن العجب جزم الرافعي والنووي بالبناء مع قولهما: إن الشَّافعي والأصحاب على خلافه، وفرق القاضي حسين بين الإجارة والبيع بفرق ذكره الرافعي في نظيره، وهو: أن المعقود عليه في البيع المال، وهو واجب على الجاني، فيتعدى العقد من العين إلى بدلها، بخلاف الإجارة؛ فإن المعقود عليه فيها المنفعة، وهي غير واجبة على متلفها، إنَّما الواجب المال، فلم يتعد العقد من المنفعة إلى بدلها، وقد يؤخذ من إطلاق "المنهاج" و "الحاوي" ثبوت الخيار خاصة 170، لكن الحق: أنَّهما مسألتان: مطلق الغصب،

الحديث: 2895 - الجزء: 2 - الصفحة: 288

وهي التي تكلما عليها، واستمراره إلى فراغ المدة، وهي التي في "التَّنبيه" 171، لكن كلام السبكي يقتضي دخول مسألة استمرار الغصب إلى آخر المدة في كلام "المنهاج" فإنَّه ذكر مسألة: ما لو كان الغاصب حربيًا أو أبق العبد أو غرقت الأرض في المدة كلها، وقال: يقطع فيها بالانفساخ، ولا وجه للخيار، قال: وممن ذكر مسألة الإباق القاضي أبو الطَّيِّب، ولم أر من قال فيها بالخيار؛ فلذلك أشكل إطلاق "المنهاج"، فيحمل على ما إذا لم تنقص المدة، والظاهر: أنَّه أراد: مسألة الغصب، ومشى فيها على مقتضى البناء، ولفَّ معها مسألة الإباق، فحصل الخلل.
انتهى.
2897 - قول "المنهاج" [ص 314]: (ولو أكرى جمالاً وهرب وتركها عند المكتري .. راجع القاضي ليمونها من مال الجمَّال، فإن لم يجد له مالاً .. اقترض عليه، وله أن يبيع منها قدر النفقة) ظاهره: أنَّه عند فقد مال له غير بين الفرض عليه وبين بيع جزء منها بقدر النفقة، وعبارة "الروضة" تقتضي أن بيع جزء منها إنَّما يكون عند تعذر الفرض، فإنَّه قال بعد ذكر الاستقراض: وإذا لم يجد مالاً آخر .. باع منها بقدر الحاجة؛ لينفق عليها من ثمنه 172، وصرح بذلك شيخنا ابن النقيب، فقال: ومحله - أي: البيع منها - إذا تعذر الفرض 173، وعبارة "التَّنبيه" [ص 125]: (وإن هرب الجمَّال وترك الجمَال وفيها فضل .. بيع ما فضل وأنفق عليها، وإن لم يكن فيها فضل .. اقترض عليه)، ففصل بين أن يكون فيها فضل عن حاجة المستأجر .. فمقدم بيع الفاضل على الفرض، وبين أن يكون بقدر حاجة المستأجر .. فيقترض حينئذ، وهو تفصيل حسن، وينبغي أن يكون إطلاق الرافعي والنووي محمولاً عليه؛ ولعلّه مفهوم من قول "المنهاج" [ص 314]: (فإن لم يجد له مالاً) فإنَّه إذا كان فيها زيادة على حاجة المستأجر .. فقد وجد له مالاً لا تعلق لأحد به، وظاهر كلام "التَّنبيه" أنَّه إذا لم يكن فيها فضل .. يتعين الفرض ولا يباع بعضها، وهو مقتضى كلام "الروضة" كما قدمته 174، ولا يفهم ذلك من عبارة "المنهاج"، وسكت "التَّنبيه" عما إذا لم يكن فيها فضل وتعذر الفرض، والحكم فيها: بيع بعضها بقدر الحاجة، كما اقتضاه إطلاق الرافعي والنووي، وهو موضع ضرورة لا بد منه، وأبهم "التَّنبيه" البائع والمقترض، وهو الحاكم، كما ذكره "المنهاج".
وقوله: (وأنفق عليها) 175 وقول "المنهاج" [ص 314]: (ليمونها) لا يفهم النفقة على

الحديث: 2897 - الجزء: 2 - الصفحة: 289

متعهدها، وقد صرح في "الروضة" وأصلها بنفقة المتعهد لها 176، ولا بد منها، وينبغي أن يحمل قول "التَّنبيه" [ص 125]: (بيع ما فضل) على قدر حاجة النفقة كما صرح به "المنهاج" 177 فقد يكون الفاضل عن حاجة المستأجر زائدًا على حاجة النفقة، فلا معنى لبيع الزائد، فيقيد كلام كل منهما بكلام الآخر.
وأعلم: أن المسألة في أعم من أن تكون الجمال معينة أو في الذمة، وعبارة "التَّنبيه" و "المنهاج" لا تنافي ذلك.
2898 - قول "التَّنبيه" [ص 125]: (ويقبل قوله في النفقة بالمعروف) هو معنى قول النووي في "الروضة" من زيادته: قال أصحابنا: إنَّما يقبل إذا ادعى نفقة مثله في العادة.
انتهى 178. فالمعروف هو المعتاد استدركه على إطلاق الرافعي تصحيح تصديق المنفق.
2899 - قوله: (وإن لم يكن حاكم فأنفق وأشهد .. رجع) 179 لابد مع ذلك من شرط الرجوع، وقد سبق في نظيره من المساقاة، قال الإمام: ولو كان هناك حاكم وعَسُر إثبات الواقعة عنده .. فهو كما لو لم يكن حاكم، وإذا أثبتنا الرجوع في النفقة بغير حاكم .. فالقول في قدرها قول الجمال، وفيه احتمال للإمام 180. 2900 - قول "التَّنبيه" [ص 125]: (وإن هرب المكري والعقد على منفعة) كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: (على منفعته)، وعلى الأوَّل يحتاج أن يقدر معه: (وغيَّبَ ما تستوفى منه المنفعة) فإن مجرد الهرب لا يثبت شيئًا، واحترز بالمنفعة عما إذا قدر بالمدة، وقد ذكره بعد ذلك، قاله في "الكفاية"، وفيه نظر.
وقيل: احترز عما إذا كانت على عين معينة.
ورد: بأنه أيضاً على منفعة تلك العين.
وقيل: عما إذا كانت على عمل.
ورد: بأنه منفعة أيضاً، وقيل: المراد على منفعة له، فهو بمعنى قوله في النسخة الأخرى: (على منفعته).
2901 - قوله فيما إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة: (ولا تستقر الأجرة في هذه الإجارة إلَّا

الحديث: 2898 - الجزء: 2 - الصفحة: 290

بالعمل) 181، الأصح عند الرافعي والنووي: خلافه 182، ولذلك قال "المنهاج" [ص 314]: (ومتى قبض المكتري الدابة أو الدار وأمسكها حتَّى مضت مدة الإجارة .. استقرت الأجرة وإن لم ينتفع، وكذا لو اكترى دابة لركوب إلى موضع وقبضها ومضت مدة إمكان السير إليه، وسواءٌ فيه إجارة العين والذمة إذا سلم الدابة الموصوفة) انتهى.
فسوى بين إجارة العين والذمة سواء قدّرت بعمل أو زمان، وعليه مشى "الحاوي"، وقال ابن الرفعة: ويمكن حمل كلام "التَّنبيه" على ما إذا اعتمد العقد العمل، وكلام غيره على ما إذا اعتمد الدابة 183، أي: والصورة فيهما ورود العقد على الذمة وتقديره بعمل، فقال في الأوَّل: ألزمت ذمتك حملي إلى مكّة على دابة صفتها كذا وكذا، وقال في الثَّاني: استأجرت منك دابة صفتها كذا وكذا تحملني عليها إلى مكّة.
2902 - قول "المنهاج" [ص 314]: (وتستقر في الإجارة الفاسدة أجرة المثل بما يستقر به المسمى في الصحيحة) هو مثل قول "التَّنبيه" [ص 124]: (فإن كانت الإجارة فاسدة .. استقرت أجرة المثل) بعد قوله: (إن الأجرة تستقر بتسليم العين سواء قدرت بمدة أو عمل) 184 ويرد على إطلاقهما التخلية؛ فإنها قبض للعقار في الصحيحة دون الفاسدة، وكذا الوضع بين يديه يكفي في الصحيحة دون الفاسدة.
وأعلم: أن عرض المؤجر وامتناع المستأجر من التسليم إلى انقضاء المدة والزمان تستقر به الأجرة في الصحيحة كالتسلم، وقد يؤخذ هذا من قول "التَّنبيه" [ص 124]: (فسلم العين) فإنَّه اعتبر التسليم الذي هو فعل المؤجر دون التسلم الذي هو فعل المستأجر، ولا يفهم ذلك من "المنهاج" فإنَّه اعتبر القبض، ولا يكتفى بالعرض في الفاسدة، ذكره صاحب "البيان" 185. 2903 - قول "المنهاج" [ص 314]: (ولو أجر عبده ثم أعتقه .. فالأصح: أنَّه لا تنفسخ الإجارة)، قد يتوهم أن الحكم كذلك فيما لو أجر أم ولده ثم عتقت بموته، وهو الذي في "الروضة" وأصلها في (الوقف) عن المتولي في أثناء تعليل 186، لكن في "أصل الروضة" هنا:

الحديث: 2902 - الجزء: 2 - الصفحة: 291

أنَّه على الخلاف فيما لو أجر البطن الأوَّل الوقف ثم مات، قال: وكذا الحكم في إجارة المعلق عتقه بصفة 187. قلت: مقتضى هذا البناء: تصحيح انفساخ الإجارة، وقد تخرج الصورتان بقول "المنهاج" [ص 314]: (أعتقه) فإنَّه لم ينشئ فيهما بعد الإجارة عتقًا.
2904 - قوله: (والأظهر: أنَّه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق) 188 لم يبين في "المحرر" هل الخلاف قولان أو وجهان 189، وتردد في ذلك في "الشَّرح الكبير" 190، ورجح في "الصَّغير": أنَّه وجهان، فتعبير "المنهاج" بالأظهر يخالفه.
2905 - قول "التَّنبيه" في هذه الصورة [ص 125]: (ويلزم المولى للعبد أقل الأمرين من أجرته ونفقته) قال في "الكفاية": هذا الوجه على هذا النعت لم أره فيما وقفت عليه.
قلت: هو الأصح من زيادة "الروضة" تفريعًا على الضعيف، فإنا إذا قلنا بالأظهر: أنَّه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق .. فالأصح: أن نفقته في بيت المال، والثَّاني: أنَّها على سيده، قال في "الروضة": فإن قلنا: إنَّها على السيد .. فوجهان: أحدهما: تجب بالغة ما بلغت، وأصحهما: تجب بأقل الأمرين من أجرة مثله وكفايته 191. فهذا فرع مترتب على عدم الرجوع عليه بالأجرة، فهما مسألتان تكلم "المنهاج" في إحداهما، وهي: الرجوع بالأجرة، و "التَّنبيه" على الأخرى، وهي: المطالبة بالنفقة، وشملهما معًا بالنفي قول "الحاوي" [ص 385]: (بلا خيار ورجوع) وهذا الذي ذكرناه في نفي الأجرة إنَّما هو في إنشاء العتق، فلو أقر بعتق سابق على الإجارة .. عتق، ولا يقبل قوله في فسخها، ويغرم للعبد أجرة مثله، ذكره في "أصل الروضة" عن الشَّيخ أبي على استطراداً قبيل الصداق في اختلاف الزوجين في النكاح 192. 2906 - قول "المنهاج" [ص 314]: (ويصح بيع المستأجرة للمكتري، ولا تنفسخ الإجارة في الأصح) الخلاف راجع إلى الانفساخ، أما البيع: فصحيح قطعاً، كما في "أصل الروضة" 193، وسبقه إليه القفال في "شرح الفروع".

الحديث: 2904 - الجزء: 2 - الصفحة: 292

قال شيخنا ابن النقيب: وقوله في "الوسيط": فالظاهر: الصحة ليس خلافًا في الصحة، بل في انفساخ الإجارة، وهو ظاهر من قوله بعده: وفي وجه تنفسخ الإجارة.
انتهى 194. ونازع في "المهمات" في دعوى القطع، وقال: لم يذكره الرافعي، وتمسك بعبارة "الوسيط"، وقال: إنَّها تشعر إشعاراً ظاهرًا بجريان الخلاف، وصرح به محمَّد بن يَحْيَى في "المحيط" وأبو الخير بن جماعة المقدسي في "شرح المفتاح".
2907 - قول "التَّنبيه" [ص 125]: (وإن باع من غيره .. لم يصح في أحد القولين، ويصح في الآخر) الأظهر: الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" وهي مذكورة فيه في أوائل البيع، قال هناك: (وإن أوجر) 195، ويستثنى من جريان الخلاف مسائل: إحداها: إذا هرب الجمَّال وترك الجمَال المستأجرة .. فإنَّه يباع منها بقدر الحاجة؛ لينفق عليها من ثمنه كما تقدم، قال الرافعي: ولا يُخَرَّج على الخلاف في بيع المستأجر؛ لأنَّه محل ضرورة 196. الثَّانية: إذا كان البيع في ضمن عتق، كما لو قال: أعتق عبدك عني على كذا، فأعتقه عنه وهو مستأجر .. فإنه يصح قطعًا؛ لقوة العتق، حكاه الرافعي في آواخر (العتق) عن "فتاوى القفال"، وارتضاه 197. الثَّالثة: قال شيخنا الإمام البلقيني: ينبغي أن يضاف إلى ما استثنى: ما إذا أذن لعبده في النكاح، فنكح ثم التزم العبد عملاً في الذمة .. ففي "أصل الروضة" في نكاح العبد: أن المتولي قال: المذهب: جواز الالتزام؛ لأنَّه دين في الذمة لا يمنع البيع.
انتهى 198. ويرد على إطلاق الصحة: أن محلها: ما إذا كانت الإجارة مقدرة بمدة، فإن قدرت بعمل؛ كما لو استأجر دابة لركوب إلى بلد كذا .. فذكر أبو الفرج الزاز في "تعليقه" في هذا المثال: أن البيع ممتنع قولًا واحدًا؛ لجهالة مدة المسير، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، ثم قال: وأكثر المصنفين اقتصروا على ما ذكر المصنف، ويتفرع على بيع المستأجر قسمته، فلو ملك نصف دار، فأجره، ثم تقاسم المؤجر والشريك .. قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف فيها على نقل صريح، وفي "فتاوى القاضي حسين" ما يدل عليها، والذي يظهر الصحة من غير رضا المستأجر إن قلنا:

الحديث: 2907 - الجزء: 2 - الصفحة: 293

القسمة إفراز، وينحصر حقه فيما أفرز، وإن قلنا: بيع - وصححناه، وهو الأصح - .. لم ينحصر حق المستأجر فيما صار لآجره بالقسمة، بل يبقى استحقاقه مشاعاً.
2908 - قول "التَّنبيه" في المكتري يكري ما اكتراه قبل القبض [ص 124]: (يجوز من المكري في أصح القولين) مقتضى كلام الرافعي: تصحيح المنع؛ فإنَّه قال: فيه وجهان كالبيع من البائع 199، ومقتضى التشبيه البطلان، وحكى بعد هذا عن البغوي أنَّه قال: فيه وجهان، الأصح: الجواز إن جرى بعد القبض 200، فمفهومه تصحيح المنع قبله، لكن خالفه النووي في الموضع الأوَّل، فقال من زيادته: الأصح: صحة إجارته للمؤجر 201، ثم إن الرافعي والنووي في الموضعين نقلاً الخلاف وجهين، وحكاه الشَّيخ قولين.
2909 - قوله: (وإن أجرها من المستأجر .. جاز في أظهر القولين) 202 رجح الرافعي أن الخلاف وجهان 203. 2910 - قوله: (وإن انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع لم يكن بتفريط من المستأجر .. فقد قيل: يجوز إجباره على قلعه، وقيل: لا يجوز) 204 الأصح: أنَّه لا يجوز، ويلزمه أجرة المثل لما زاد، ومحل هذا: إذا استأجر للزراعة مطلقًا وجوزناه، وهو الأصح، فإن عُيّن ما لا يُستَحصد في تلك المدة .. صح إن شرط القلع بعد مضي المدة، وكذا إن أطلق في الأصح، والأصح: وجوب إبقائه بأجرة المثل، وإن شرط الإبقاء .. فسد للتناقض.
2911 - قوله: (وإن مات الأجير في الحج عنه، أو أحصر قبل الإحرام .. لم يستحق شيئًا من الأجرة، كان كان بعد الفراغ من الأركان .. استحق الأجرة، وعليه دم لما بقي) 205 أعلم أولاً: أن صورة المسألة: أن يرد العقد على عينه، فإن ورد على ذمته .. فالإجارة مستمرة في الأحوال كلها، وقول صاحب "التوشيح": (إن الكلام فيما إذا كانت في الذمة) غلط، والأصح: فيما إذا مات بعد فراغ الأركان وقد بقي عليه شيء من الأعمال كالرمي والمبيت: أن الإجارة تنفسخ فيما بقي، ويرد من الأجرة بقسط ذلك.
وقال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": إن كانت الإجارة على العين .. انفسخت فيما بقي،

الحديث: 2908 - الجزء: 2 - الصفحة: 294

ووجب رد قسطه من الأجرة، ثم يستأجر المستأجر من يفعل عنه، وإن كانت على الذمة .. لم ينفسخ، بل يستأجر من تركته من يقوم بما التزمه، فلا يستقيم حمل كلام الشَّيخ على الذمة، ولا على العين.
قلت: قد عرفت أن صورة المسألة في إجارة العين، وما ذكره الشَّيخ وجه، لكن عبر عنه شيخنا في "تصحيحه" بالصواب 206، فاقتضى إنكار هذا الوجه، وليس بمنكر، فهو موجود مشهور.
2912 - قوله: (وإن مات وقد بقي عليه بعض الأركان .. استحق من الأجرة بقدر ما عمل) 207 ظاهره أن التوزيع على العمل فقط، وهو قول صحَّحه ابن يونس، لكن الذي صحَّحه الرافعي والنووي: أنَّه يوزع عليه وعلى السير 208، وقال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": الصواب فيما إذا مات الأجير في أثناء الحج: أنَّه إن كانت الإجارة على العين .. انفسخت، ولا شيء له.
انتهى 209. وهو مردود؛ فالصحيح: أنَّه يستحق بالقسط، والخلاف في ذلك، والتصحيح في "الروضة" وغيرها 210.


الحديث: 2912 - الجزء: 2 - الصفحة: 295

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل