تحرير الفتاوىصفحات 678-717

1660 - قول "التنبيه" [ص 87]: (باب ما يتم به البيع)، قال في "الكفاية": إنها ترجمة زائدة على ما في الباب؛ لأن الأمور المعتبرة في البيع: الصيغة، والعاقد، والمعقود عليه، مع أن هذا الأمر الثالث إنما هو مذكور في الباب الذي يليه.
وأجيب عنه: بأن المقصود في البيع: المعقود عليه، فكان غيره بالتتمة أليق.
1661 - قول "المنهاج" [ص 210]: (شرطه: الإيجاب، والقبول) موافق لاختيار الرافعي في "شرحيه" أن الصيغة والعاقد والمعقود عليه ليست أركانًا 1، لكن الظاهر: أنَّها أركان، وهو الذي في "شرح المهذب" تبعًا للغزالي 2، وسواء جعلنا الصيغة شرطًا أو ركنًا.. فيستثنى من اعتبارها: البيع الضمني؛ كقوله: أعتق عبدك عني بألفٍ، فلا يعتبر فيه إيجاب وقبول، بل يكفي الالتماس والجواب، وهذا وارد على "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا، وقد ذكروه في بابه، والمختار: صحة البيع بالمعاطاة فيما يعد فيه بيعًا، والأحسن في الترتيب: تقديم العاقد، ثم المعقود عليه، ثم الصيغة، وبدأ في "المنهاج" و"الحاوي" بالصيغة، ثم العاقد، ثم المعقود عليه 3، وبدأ في "التنبيه" بالعاقد، ثم الصيغة، ثم المعقود عليه 4. 1662 - قول "التنبيه" [ص 87]: (بعتك أو ملكتك) أحسن من قول "المنهاج" [ص 210]: (وملكتك) بالواو، وهما معا أحسن من قول "الحاوي" [ص 259]: (بعت) فإن في تعبيرهما بكاف الخطاب إشارة إلى مسألة الوكيل في الشراء، فإنه المخاطب بالإيجاب، فلو قال: (بعت موكلك).. لم يصح، بخلاف وكيل قبول النكاح، وأيضًا: فلو قال المشتري لصاحب السلعة: (بعت هذا بكذا)، فقال: (بعت) بغير كاف الخطاب.. فقيل: لم يصح، قاله شيخنا جمال الدين في "شرح المنهاج"، لكن لو قال المتوسط بينهما: (بعت هذا بألف)، فقال: (بعت أو نعم).. فالأصح: أنَّه إيجاب صحيح، وهذه الصورة قد ترد على قول "التنبيه" [ص 87]: (وهو أن يقول البائع، ويقول المشتري).
1663 - قول "الحاوي" [ص 259]: (وشريت) تبع فيه الرافعي وغيره 5، لكن اختار السبكي أنَّه كناية.

1664 - قوله: (واشتر) 1 كذا صححه في "شرح المهذب"، وأطلق في "الروضة" وجهين 2. 1665 - قوله: (ولو مع: "إن شئت") 3 يقتضي بإطلاقه أنَّه لا فرق بين أن يقدمها على الإيجاب أو يؤخرها عنه، وقد قال السبكي: إن الصحة إنما هي فيما إذا أخرها، فقال: بعتك إن شئت، فلو قدمها فقال: (إن شئت بعتك).. بطل قطعًا؛ لأن مأخذ الصحة أن المعلق تمام البيع لا أصله، فالذي من جهة البائع - وهو إنشاء البيع - لا يقبل التعليق، وتمامه - وهو القبول - موقوف على مشيئة المشتري، وبه يكمل حقيقة البيع.
انتهى.
ومقتضى عبارة "الحاوي": انحصار الإيجاب في الألفاظ التي ذكرها، وهي: (بعت وشريت وملكت واشتر)، ثم ذكر بعد ذلك (نعم) في جواب بعت، ثم ذكر لفظ الهبة، وذكر شيخنا جمال الدين في "شرحه" ألفاظًا نقل بعضها واستنبط بعضها؛ كقوله: وليتك، وأشركتك، وصالحتك بشرطه، وعوضتك، وهذا لك، وعقدت معك، والتقرير، والترك بعد انفساخ العقد، وكذا لفظ السلم في الأصح.
قلت: الأصح: البطلان في لفظ السلم، وقد ذكره "الحاوي" 4، واقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على (بعت) و (ملكت) 5، ولم يحصرا الإيجاب فيهما.
1666 - قول "الحاوي" في عد صيغ الإيجاب [ص 259]: (اشتر) وفي صيغ القبول: (بِعْنِي) فيه نظر؛ فإن الأول ليس إيجابًا، وإنَّما يقوم مقامه، والثاني ليس قبولًا، وإنَّما يقوم مقامه.
1667 - قوله في القبول: (ونعم لجواب بعت واشتريت) 6 إنما يكون نعم قبولًا في جواب اشتريت، وأما في جواب بعت.. فهي إيجاب، فكان ينبغي ذكرها مع الإيجاب.
وجوابه: أن لفظ (نعم) يقوم مقام الإيجاب مرة ومقام القبول أخرى، فأخرها عن أمثلتهما جميعًا، ويرد على حصره ألفاظ القبول فيما ذكره قول المشتري: رضيت؛ فإنه يكفي، كما ذكره القاضي أَبو الطيب والروياني 7. 1668 - قوله: (وإن باع مال الطفل من نفسه، وعكسه) 8 أي: يجب القبول، كذا صححه

في "شرح المهذب" 1، وهو ظاهر إطلاق "التنبيه" و"المنهاج"، وأطلق في "الروضة" وجهين 2، قال الإمام: وموضعهما في القبول ما إذا أتى بلفظ مستقل، كقوله: اشتريت لطفلي، أو اتهبت له، أما إذا قال: قبلت البيع والهبة.. فلا يمكن الاقتصار عليه بحال، حكاه عنه الرافعي في (الهبة)، وأقره 3، وحكى الماوردي ثالثًا: أنَّه لا حاجة للفظ، بل ينعقد بالرضا 4، قال في "المهمات": وهو قوي.
1669 - قول "المنهاج" [ص 210]: (ويجوز تقدم لفظ المشتري) أي: في غير لفظ قبلت؛ فإنه لا يجوز تقديمه، كما صرح به الإمام 5، لكن في "الشرح" و"الروضة" في التوكيل في النكاح: صحة العقد به مع تقدم هذا اللفظ 6. ويسثنى أيضًا: لفظ (نعم) إذا قبل بها، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 259]: (ونعم لجواب بعت واشتريت) فإنه يفهم عدم الاكتفاء به إذا لم يتقدمه أحد اللفظين.
1670 - قول "المنهاج" [ص 210]: (ولو قال: "يعني"، فقال: "بعتك".. انعقد في الأظهر)، كذا نقلهما في "الوسيط" منصوصين 7، وصوبه في "المهمات"، لكن صحح في "الروضة" و"شرح المهذب" تبعًا لـ"الشرح الصغير" أنهما وجهان 8، وقد يفهم من عبارته وعبارة "التنبيه": البطلان في قول البائع: اشتر مني، والأصح فيه: الصحة، كما ذكره في "الحاوي"، وقد تقدم 9. 1671 - قول "المنهاج" [ص 210] و"الحاوي" [ص 259]: (وينعقد بالكناية) أي: مع النية، ويستثنى: بيع الوكيل الذي شرط عليه فيه الإشهاد؛ فإنه لا ينعقد بالكناية جزمًا، لكن في "الوسيط": الظاهر في هذه الصورة: الصحة عند توفر القرائن 10، وأقره الرافعي والنووي 11، لكن أنكره في "المطلب" فقال: إنه مخالف لكلام الأئمة، وقول "المنهاج" [ص 210]:

(كـ "جعلته لك بكذا" في الأصح) يتعلق بقوله: (وينعقد بالكناية)، لا بالمثال الذي ذكره، فلو قدمه كما في "المحرر" 1.. لكان أحسن، ثم محل الوجهين كما قال الإمام وأقره الرافعي والنووي: ما إذا عُدمت القرائن 2، فإن توفرت وأفادت التفاهم.. وجب القطع بالصحة 3، ولم يذكر "التنبيه" انعقاد البيع بالكناية، فيرد عليه.
ويرد على حصر "الحاوي" الكناية في الألفاظ التي ذكرها قوله: (سلطتك عليه) كما صححه النووي 4، وقوله: (باعك الله) كما في زيادة "الروضة" عن "فتاوى الغزالي" 5، والكتابة، فيصح بها البيع إذا كتب إلى غائب، فإن كتب لحاضر.. فوجهان، قال السبكي: ينبغي أن يكون أصحهما: الصحة.
1672 - قول "المنهاج" [ص 210]: (ويشترط ألَّا يطول الفصل) أي: بحيث يشعر بالإعراض عن القبول، ومقتضاه: اغتفار الفصل اليسير، ويخالفه قول "الحاوي" [ص 259]: (بلا فصل)، لكنه محمول على أن المراد: الفصل الطويل 6، وقول "المنهاج" [ص 210]: (بين لفظيهما)، لو قال: (بين الإيجاب والقبول).. لكان أحسن؛ لئلا ترد الكتابة وإشارة الأخرس.
1673 - قول "الحاوي" [ص 259]: (وتخلل كلام أجنبي) مفتضاه: عدم الانعقاد ولو كان يسيرًا، وبه صرح في "شرح المهذب" 7، وصححه الرافعي في (النكاح) 8، لكنه صحح في (الطلاق والخلع): أنَّه لا يضر اليسير 9. 1674 - قول "المنهاج" [ص 210]: (وأن يَقْبَلَ على وفق الإيجاب) أي: في المعنى، ولا يشترط اتفاق اللفظ، فلو قال: (بعتك)، فقال: (اشتريت).. صح؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 259]: (موافق في المعنى)، ومقتضى كلامهما: البطلان فيما لو قال: بعتك بألف، فقال: قبلت نصفه بخمس مئة ونصفه بخمس مئة، لكن في "التتمة": إنه يصح، واستشكله الرافعي: بأنه أوجب عقدًا فقبل عقدين 10، قال في "شرح المهذب": والأمر كما قال

الرافعي من الإشكال، لكن الظاهر: الصحة 1. قال في "المهمات": وإنَّما ساق الرافعي مقالة "التتمة" مساق الأوجه الضعيفة، ومقتضى كلامهما: البطلان أيضًا فيما لو باعه بألف فقبله بألف وخمس مئة، وبه جزم الرافعي في (كتاب الوكالة والخلع) 2، لكنه حكى هنا عن "فتاوى القفال" الصحة، واستغربه 3، والذي في أوائل "فتاوى القفال": الجزم بالبطلان، لكنه أعاد المسألة بعد ذلك بيسير، وقال فيها: جاز أن يوجد البيع مرة أخرى، وكأنه أشار بذلك إلى التفاء بوجود القبول على وفق الإيجاب مرة أخرى من غير إعادة الإيجاب، فلم يقف الرافعي على كلامه الأول، ووقف على أول الثاني ذاهلًا عن تتمته، قاله في "المهمات"، قال: وإذا قلنا بالصحة.. صح بالألف فقط، ولغا ذكر الخمس مئة، كما أشار إليه الإمام 4. 1675 - قول "المنهاج" [ص 210]: (وإشارة الأخرس بالعقد كالنطق) ذكر في "الدقائق" أنَّه زاد على "المحرر" لفظة: (بالعقد) ليحترز عن إشارته في الصلاة وبالشهادة، فليس لها حكم النطق فيهما في الأصح.
انتهى 5. ويلتحق بهاتين الصورتين ما إذا حلف الأخرس أنَّه لا يتكلم، فأشار إشارة مفهمة.. فالأصح: أنَّه لا يحنث، لكن ذكر السبكي أن هذه الزِّيادة مضرة؛ لأن الفسخ في ذلك كالعقد، قال غيره: وكذا الدعوى والإقرار إشارته بهما كالنطق، وذكر الشيخ فخر الدين محمد بنُ على المصري: أنَّه يحتاج أن يزيد فيه، فيقول: (كالنطق فيه)، وإلا.. يلزمه أن يكون قبول الأخرس البيع في الصلاة كقبوله بالنطق، فتبطل صلاته.
1676 - قول "المنهاج" [ص 210]: (وشرط العاقد: الرشد، وعدم الإكراه بغير حق) ذكر في "الدقائق" أنَّه أصوب من قول "المحرر": (يعتبر في المتبايعين التكليف) لأنه يرد عليه ثلاثة أشياء، أحدها: أنَّه ينتقض بالسكران؛ فإنه يصح بيعه على المذهب مع أنَّه غير مكلف كما تقرر في كتب الأصول، والثاني: أنَّه يرد عليه المحجور عليه لسفهٍ؛ فإنه لا يصح بيعه مع أنَّه مكلف، والثالث: المكره بغير حق؛ فإنه مكلف لا يصح بيعه، قال: ولا يرد واحد منها على "المنهال".
انتهى 6.

وقد اعترض عليه بأمور: أحدها: أن ما ذكره من صحة بيع السكران مع أنَّه غير مكلف كلامان متنافيان لا يمكن اجتماعهما.
فالأول للفقهاء: صححوا تصرفاته النافعة له والمضرة به حتَّى ما يوجب الحد، ولا معنى للتكليف سوى هذا.
والثاني لأهل الأصول؛ قالوا: إنه غير مكلف، فلا أثر لتصرفاته عندهم لا النافعة ولا المضرة، فخلط النووي طريقة الفقهاء بطريقة الأصوليين.
ثانيها: أن الشَّافعي رضي الله عنه نص على أنَّه مكلف، فقال: وهذا - أي: السكران - آثمٌ مضروبٌ على السُّكْرِ غَيْرُ مرفوع عنه القَلَمُ.
انتهى 1. وهو خلاف ما قاله النووي من أنَّه غير مكلف.
ثالثها: أن السفيه والمكره لا يردان على عبارة "المحرر" أيضًا؛ لأن معنى قوله: (ويعتبر في المتبايعين التكليف) أنَّه لا بد في كل بيع منه؛ أي: من التكليف، وهذا صحيح، ولا يلزم عكسه، وهو اعتبار بيع كل مكلف، لكن التعرض لهما أحسن، لكن لا يردان على "المحرر".
واعترض على تعبير المنهاج بـ (الرشد) بأمور: أحدها: أنَّه يخرج السكران أيضًا كما أخرجه قيد التكليف عند الأصوليين، إلَّا أن يفرض في سكر لا يخرجه عن الرشد لجهل أو إكراه، وهو نادر.
ثانيها: أنَّه يرد عليه الفاسق؛ فإن بيعه صحيح، وليس برشيد؛ إذ الرشد صلاح الدين والمال.
ثالثها: أورد عليه أيضًا من طرأ سفهه بعد فك الحجر عنه؛ فإنه لا بد من إعادة الحجر عليه على الصحيح، فإذا باع قبل إعادة الحجر.. صح مع أنَّه ليس برشيد.
رابعها: أن عبارته تتناول الصبي؛ فإنه وصفه بالرشد في قوله في الصيام: (أو صبيانٍ رشداء) 2 مع أنَّه لا يصح بيعه، أورده الشيخ فخر الدين المصري، وقال: ولو قال: (شرطه: أن يكون مختارًا غير محجور عليه).. لم يرد شيء.
واعترض على هذه العبارة: بأن السكران يصح بيعه ولا يتحقق أنَّه مختار، والمكره بحق يصح بيعه وليس بمختار، فالأحسن أن يقال: غير مكره بباطل ولا محجور، وعبر "التنبيه" بقوله [ص 87]: "لا يصح البيع إلَّا من مطلق التصرف غير محجور عليه).
ويرد عليه: عدم الإكراه بغير حق، وذكر في "الكفاية": أن مقتضى كلامه: تحقق الرشد،

حتَّى لو جهل رشده.. لا يصح، قال: ولم أره لأحد.
قلت: في اقتضاء عبارته لذلك نظر، وتعبير "المنهاج" بالرشد أقرب إلى اقتضاء ذلك من تعبير "التنبيه" بعدم الحجر، ولم يذكر "الحاوي" شيئا من هذه الشروط للعاقد.
وأجيب عنه: بأنه أهمل التكليف؛ لذكره له في الحجر، والاختيار؛ لتعرضه له في الطلاق.
1677 - قول "المنهاج" [ص 210]: (وعدم الإكراه بغير حق) فيه أمران: أحدهما: يستثنى منه: ما لو أكره المالك رجلًا على بيع مال نفسه فباع.. فإنه يصح، كما قاله القاضي حسين في (كتاب الطلاق)، وهو الأصح في نظيره من الطلاق، ولو أكره أجنبي الوكيل على بيع ما وكل فيه.. فأصح احتمالي أبي العباس الروياني عنده: البطلان، والثاني: الصحة.
ثانيهما: صوّر في "الروضة" الإكراه بحق بأن توجه عليه بيع ماله لوفاء دين عليه أو شراء مال أسلم إليه فيه، فأكرهه الحاكم عليه.. فإنه يصح بيعه وشراؤه 1، وقال السبكي: كان بعض شيوخنا يصوره بمن أمر عبده بالبيع، فامتنع، فأكرهه.. فإنه يصح؛ لأنه من الاستخدام الواجب، ورده شيخنا جمال الدين رحمه الله بإلزام الإبطال فيما إذا قال: بع عبدي وإلَّا قتلتك؛ إذ لا استخدام له عليه مع أنَّه يصح كما تقدم؛ لكونه أبلغ في الإذن، فكأنه ليس إكراهًا، بل هو إذن مؤكد.
قال شيخنا الإمام شهاب الدين بنُ النقيب: وفي الرد نظر؛ فإن قوله: (بع عبدي وإلَّا.. قتلتك) إكراه بغير حق، لا طريق إلى تصحيح البيع فيه إلَّا كونه إذنًا مؤكدًا، وأما هنا: فإنه إكراه بحق وعلة حَقّيَّتِه الاستخدام، فالمعلل هنا: كونه بحق، وصحة البيع مرتبة عليه، والمعلل هناك: صحة البيع؛ لكونه مأذونًا فيه، فافترقا.
انتهى 2. وصورّه بعضهم: بما إذا أسلم عبدِ لكافر محجور عليه.. فإن الحاكم يجبر الولي على بيعه، وذكر شيخنا جمال الدين من صوره: ما إذا أذن شخص لعبد غيره في بيع ماله، قال: فللسيد إكراهه على بيعه.
1678 - قولهما - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن باع عبدًا مسلمًا من كافر.. بطل البيع في أصح القولين) 3 فيه أمور: أحدها: أن هذا إنما هو فيما إذا اشتراه لنفسه، فإن اشتراه لمسلم.. صح إن سمى الموكل، وكذا إن نواه، وقلنا: يقع الملك أولًا للموكل، وهو الأصح، ويشكل: بمنع توكيل المسلم كافرًا في قبول نكاح مسلمة.

ثانيها: أنَّه يلتحق ببيعه لكافر بيعه لمسلم يشتريه بطريق الوكالة لكافر.. فلا يصح، ولا ترد الصورتان على "الحاوي" لتعبيره بقوله [ص 260]: (وإسلام من يُشْتَرى له) فبين أن النظر للمُشْتَرَى له لا لمن يباشر الشراء كما اقتضته عبارتهما.
ثالثها: أفهم كلامهما صحة بيع المرتد من الكافر، وكذا أفهمه كلام "الحاوي"، وهو ظاهر قول الرافعي والنووي: إن الخلاف فيه كالوجهين في قتله بالذمي؛ لأن الأصح: قتله به 1، لكن صحح في "شرح المهذب": أنَّه لا يصح بيعه له؛ لبقاء علقة الإسلام 2. را بعها: بيع بعضه ككله، والهبة والوصية كالشراء، وقد ذكرهما "الحاوي" 3. خامسها: يستثنى من ذلك: ما إذا كان يعتق عليه.. فإنه يصح في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" 4، وصحح في "شرح المهذب": القطع به، ثم قال: وقيل: على القولين.
انتهى 5. فحكى طريقة الخلاف قولين، وهي في "المنهاج" وجهان، وذكره "الحاوي" أيضًا بقوله [ص 260]: (ومسلم لا يعتق بعده).
وقد يقال: إن هذا الكلام يتناول ثلاث صور: شراء القريب: وقوله: أعتق عبدك المسلم عني بعوض أو بغير عوض، فأجابه.
وإذا أقر بحرية مسلم في يد غيره ثم اشتراه؛ لأنه يعتق في الصور الثلاثة بعد الشراء.
وقد يقال: إنما تناول كلامهما الصورة الأولى فقط، فترد الثانية والثالثة، وفي "الروضة" من زيادته: قال المحاملي في "اللباب": لا يدخل عبدِ مسلم في ملك كافر ابتداءً إلَّا في ست مسائل: إحداها: بالإرث.
والثانية: يسترجعه بإفلاس المشتري.
الثالثة: يرجع في هبته لولده.
الرابعة: إذا رد عليه بعيب.
الخامسة: إذا قال لمسلم: أعتق عبدك عني، فأعتقه وصححناه.
السادسة: إذا كاتب عبده الكافر، فأسلم العبد، ثم عجز عن النجوم.. فله تعجيزه، قال

النووي: وهذه السادسة فيها تساهل؛ فإن المكاتب لا يزول الملك فيه ليتجدد بالتعجيز.
وترك سابعة، وهي: ما إذا اشترى من يعتق عليه، والله أعلم 1. قال في "المهمات": وافقه عليه ابن الرفعة في "المطلب" وغيره، وهو عجب 2! فقد تركا مسائل كثيرة تزيد على ثلاثين مسألة: إحداها: أن يرجع إليه بتلف مقابله قبل القبض، وفي معناه: ما إذا أتلفه متلف.. فإنا نُخير البائع، فإذا خيرناه، فاختار الفسخ.. عاد الملك إلى البائع الكافر.
الثانية: أن يبيع الكافر عبدًا مسلمًا بثوب، ثم يجد بالثوب عيبًا.. فله أن يرد الثوب ويسترد العبد على الصحيح، كما ذكره الرافعي والنووي في هذا الباب 3. الثالثة: إذا تبايع كافران عبدًا كافرًا، فأسلم العبد قبل القبض.. فإن المشتري يثبت له الخيار إذا قلنا: يمتنع عليه قبضه، كذا قاله الإمام، وامتناع القبض قد صححه الرافعي والإمام 4، فإذا فسخ.. فقد دخل المبيع المسلم في ملك البائع الكافر.
الرابعة: إذا باع الكافر العبد المسلم لمسلم بشرط الخيار للمشتري.. فإن الصحيح: أن الملك لمن له الخيار، وبالفسخ يدخل في ملك الكافر.
الخامسة: أن يتبايع كافران كافرًا بشرط الخيار للبائع، فيُسلم العبد.. فانه يدخل في ملك الكافر بانقضاء خيار البائع.
السادسة: أن يرده عليه لا بالعيب، بل لفوات شرط كالكتابة والخياطة ونحوهما، ولو قيل: بأنه يمتنع على المشتري رده بالعيب إذا وقع الإسلام في يده.. لكان متجهًا؛ لما حدث عنده من السبب المقتضي لرفع يده ويد أمثاله من الكفار عنه.
السابعة: إذا اشترى ثمارًا بعبد كافر، فأسلم، ثم اختلطت الثمار وفسخ العقد كما هو مقرر في بابه.
الثامنة: إذا كان للكافر عبدِ مسلم مغصوب، فباعه ممن يقدر على انتزاعه، فعجز قبل قبضه.. فإن للمشتري أن يفسخ، ومثله: ما إذا باعه وهو غير مغصوب، فغصب قبل قبضه.
التاسعة: إذا باعه من مسلِم رآه قبل العقد، ثم وجده المسلم متغيرًا عما كان.. فله الفسخ.
العاشرة: أن يبيعه لمسلم وماله غائب في مسافة القصر.. فللكافر الفسخ؛ لتضرره بالصبر إلى إحضار الثمن.

الحادية عشر: أن يبيعه بصبرة من طعام، ثم يظهر أن تحتها دَكَّةً أو غيرها.. فله الفسخ؛ لأنه كالتدليس.
الثانية عشر: أن يبيع العبد المسلم لمسلم، ثم يتقايلا.. فلا يجوز إن جعلنا الإقالة بيعا، وإن جعلناها فسخًا - وهو الصحيح -.. فعلى الوجهين في الرد بالعيب كما قاله الرافعي 1. الثالثة عشر: أن يجعل الكافر عبده المسلم رأس مال سلم، أو يجعل عبده الكافر كذلك، ثم يسلم العبد، وينقطع المسلم فيه.. فإن الفسخ جائز، وحينئذ.. فيعود المسلم إلى ملك الكافر على قياس ما سبق من المسائل.
الرابعة عشر: أن يُقرض عبده الكافر، فيُسلم العبد في يد المقترض.. فيجوز للمقرض الكافر أن يرجع فيه كما جوزنا له الرجوع في الهبة على ما سبق، بل أولى؛ لأن القرض وُضِع للرجوع في شيء؛ إما العين المُقْرَضَة أو مثلها، بخلاف الهبة؛ فإنها لم توضع لذلك، بل الغالب على الواهبين وإن كانوا أصولًا عدم الرجوع.
وهذه المسألة إنما تستثنى إذا فرعنا على أن ما لا مثل له يرد مثله صورة، وعلى أن المقترض يجوز له أن يرجع في عين ما أعطاه، وهو الصحيح فيهما، ولو أسلم في ملك الكافر، فأقرضه لمسلم، أو وهبه لولده المسلم.. فمقتضى إطلاقهم الأمر بإزالة الملك: أنَّه يكفي ذلك، وحينئذ.. فلا يختص جواز الرجوع بالمثال المتقدم.
نعم؛ في الاكتفاء بهما نظر ظاهر، ويحتمل التفاء، ويمنع الرجوع.
الخامسة عشر: ذكرها الرافعي في (الرَّهْن): إذا ورث الكافر عبدًا مسلمًا أو كافرًا فأسلم في يده، شم باعه، ثم ظهر دين على التركة، أو حدث بردّ مبيع بعيب ونحوه، فلم يقض الوارث الدين.. فإن الأصح: فسخ البيع فيه، ويعود إلى ملك الوارث متعلقًا به الدين 2. السادسة عشر: أن يتوكل في شراء كافر معين أو غير معين، فاشتراه، ثم أسلم، وظهر أنَّه معيب، وأخر الوكيل الرد، فلم يرد المالك أيضًا.. فإنه يقع عن الوكيل كما أوضحوه في (باب الوكالة)، وحينئذ.. فقياس ما سبق من الصور عوده إلى الكافر.
السابعة عشر: أن يشتري العامل الكافر عبيدًا للقراض ثم يقسمان بعد إسلامهم.. فإن قياس المذهب: صحته، وحينئذ.. فيدخل المسلم في ملكه؛ لأن العامل لا يملك حصته إلَّا بالقسمة.
الثامنة عشر: أن يجعله أجرة أو جعلًا، ثم يقتضي الحال فسخ ذلك بسبب من الأسباب.
التاسعة عشر: إذا التقط ملتقط شخصًا محكومًا بكفره بشرطه المعروف وهو إما عدم التمييز،

أو في وقت النهب أو الغارة فأسلم، ثم أثبت كافر أنَّه كان ملكه.. فإنه يرجع فيه؛ فإنهم صرحوا بأن التملك بالالتقاط كالتملك بالقرض.
العشرون: أن يقف على كافر أمة كافرة، فَتُسْلِم، ثم تأتي بولد من نكاح أو زنا.. فإنه يكون مسلمًا تبعًا لأمه، ويدخل في ملك الكافر؛ لأن نِتَاج الموقوفة ملك للموقوف عليه على الصحيح.
الحادية والعشرون: أن يوصي لكافر بما تحمله أمته الكافرة من زوجها الكافر، فيقبل الموصى له الوصية بشرطه، ثم تسلِم الجارية، وتأتي بولد.
الثانية والعشرون: أن يتزوج المسلم بأمة لكتابي؛ فإنه يصح على الصحيح بالشروط المعروفة، وحينئذ: فإذا أتت بولد.. فإنه يكون مسلما مملوكا لسيد الأمة، وهكذا لو نكحها وهو كافر ثم أسلم.
الثالثة والعشرون: إذا وطئ الكافر جارية مسلمة لولده، أو لولده فيها البعض، وأولدها.. فإنها تنتقل إليه، وتصير مستولدة له، ذكره الرافعي والنووي 1. الرابعة والعشرون: إذا وطئ مسلم أمة لكافر على ظن أنَّها زوجته الأمة.. فالولد مسلم مملوك للكافر، سواء كان الواطئ حرًا أو عبدًا.
الخامسة والعشرون: أن يصدق الكافر زوجته عبدًا كافرًا، فيسلم العبد، ثم يقتضي الحال رجوعه أو بعضه إلى الزوج؛ إما بطلاق أو بفسخ عيب، أو إعسار، أو إسلام، أو فوات شرط، أو بالتحالف.
السادسة والعشرون: أن يخالع الكافر زوجته الكافرة على عبدِ كافر، فيسلم، ثم يقتضي الحال فسخ الخلع فيه إما بعيب، أو فوات شرط، أو غيرهما.. فإنه يرجع إلى الكافرة.
السابعة والعشرون: إذا أسلم عبد الكافر بعد أن جنى جناية توجب ما لا يتعلق برقبته، وباعه بعد اختيار الفداء، فتعذر تحصيل الفداء، أو تأخر لإفلاسه، أو غيبته، أو صبره على الحبس.. فإنه يفسخ البيع، ويعود إلى ملك سيده الكافر، ثم يباع في الجناية، كما قاله الأصحاب 2. الثامنة والعشرون: إذا حضر الكفار الجهاد بإذن الإمام، وكانت الغنيمة أطفالًا أو نساء أو عبيدًا، فأسلموا بالاستقلال أو بالتبعية، ثم اختار الغانمون التملك.. فقياس المذهب أن للإمام أن يرضخ للكفار مما وجد؛ لتقدم سبب الاستحقاق، وهو حضور الوقعة، وحصول الاختيار المقتضي للملك على الصحيح.
التاسعة والعشرون: أن يكون بين كافرين أو مسلم وكافر عبيد مسلمون، أو بعضهم مسلم

وبعضهم كافر، فيقتسمون، وقلنا: القسمة إفراز.. فقياس المذهب: يقتضي الجواز، وحينئذ.. فيدخل المسلم أو بعضه في ملك الكافر.
الثلاثون: أن يعتق الكافر نصيبه من عبدِ مسلم؛ فإن الباقي يدخل في ملكه، ويُقَوّم عليه، كما نقله في (البيع) من "شرح المهذب" عن البغوي، وأقره عليه 1. الحادية والثلاثون: إذا أسلمت أمة الكافر، ثم ولدت من غيره بنكاح أو زنا قبل زوال ملكه.. فإنه يدخل في ملكه.
الثانية والثلاثون: أن يكاتب الكافر عبده المسلم أو الكافر، فيسلم، ثم يشتري المكاتب عبدًا مسلمًا، أو تأتي أمته المسلمة بولد من نكاح أو زنا، ثم يعجز نفسه.. فإن أمواله تدخل في ملك السيد، ومن جملتها المسلم الذي اشتراه، وأولاد أمته.
الثالثة والثلاثون: أن تسلم مستولدته، ثم تأتي بولد من نكاح أو زنا.. فإنه يكون مملوكا له، ويثبت له حكم أمه.
انتهى كلام "المهمات".
وقد أهمل ما إذا أقر بحرية مسلم في يد غيره، ثم اشتراه، فليست هذه الصورة فيما ذكره النووي عند حصره الصور هنا، ولا فيما زاده شيخنا عليه مع أن الرافعي والنووي ذكراها هنا.
واستثنى في "الحاوي" من هذه المسائل: الإرث، والاسترداد بعيب أو إقالة 2. 1679 - قول "التنبيه" [ص 90]: (ويصح في الآخر، ويؤمر بإزالة الملك عنه) يرد عليه الكتابة؛ فإنها تكفي على الأصح أو الأظهر، وليس فيها إزالة ملك، وقد ذكرها "الحاوي" 3. 1680 - قول "الحاوي" [ص 260]: (والمودعِ) أي: لا يشترط إسلامه، فيجوز إيداع العبد المسلم عند الكافر.
قال السبكي: وفيه إشكال من جهة وضع يده عليه، لا سيما إذا كان صغيرًا، قال: والذي لا أشك فيه أنَّه لا يجوز إيداع المصحف عنده.
انتهى.
والإعارة كالإيداع.
1681 - قوله: (والمستأجر) 4 أي: لا يشترط إسلامه، ثم قال: (ويؤمر الكافر بإزالة ملكه عنه؛ ككتابته) قد يفهم أنَّه لا يؤمر بأن يزيل ملكه عن المنافع؛ بأن يؤجره مسلمًا، والأصح في "شرح المهذب": خلافه 5.

فرع: [لو حملت أمة كافرة من كافر فأسلم] أمة كافرة حملت من كافر، فأسلم.. فالحمل مسلم، فيحتمل أن يؤمر مالك الأمة الكافرة بإزالة ملكه عن الأم إن قلنا: الحمل يعطى حكم المعلوم، قاله في "البحر" 1. 1682 - قوله: (وتفريق المستولدة والمدبر) 2 محله: في المدبر إذا دَبَّرَه قبل إسلامه؛ فإنه لا يباع، بل يحال بينهما، فلو دبره بعد إسلامه.. لم يكف، ويباع، وقد أوضح "المنهاج" الصورتين في (التدبير) 3. 1683 - قول "الحاوي" [ص 261]: (إن امتنع - أي: الكافر من إزالة ملكه، أو الكتابة حيث أُمر بها - بِيع) أي: بثمن المثل، فإن لم يجد مشتريًا به.. صبر، وحيل بينهما، ويستكسب له، وتؤخذ نفقته منه.
1684 - قول "المنهاج" [ص 210، 211]: (ولا يصح شراء الكافر المصحف والمسلم في الأظهر) ينبغي أن يتعلق قوله: (في الأظهر) بالأخيرة فقط؛ فإن الأصح: القطع بأنه لا يصح شراؤه المصحف، وفرق الرافعي: بأن العبد يمكنه الاستغاثة ودفع الذل عن نفسه 4، وفرق الماوردي: بأن المصحف أكثر حرمة؛ بدليل حرمة مسه على المحدث 5، وفرق في "الأم": برجاء عتق العبد 6. وينبني على هذه الفروق بيع العبد الصغير، وبيع غير المصحف مما منعناه، والله أعلم.
والعبرة بمن يُشْتَرَى له لا بمن يباشر الشراء كما تقدم في شراء المسلم، وبذلك عبرة "الحاوي" 7، وفي معنى المصحف: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكره "الحاوي" 8، خلافًا للماوردي؛ فإنه لم يلحقه بالمصحف، كذا ذكره هنا، واقتصر الرافعي والنووي على حكايته عنه 9، لكنه فَصّل في عقد الذمة فقال: إن كان المذكور في كتب الحديث صفته وسيرته.. فيجوز قطعًا، وإن كان فيها كلامه من أمره ونهيه وأحكامه.. ففي المنع وجهان 10.

قال العراقيون: وكتب الفقه التي فيها آثار السلف لها حكم المصحف في هذا، قال السبكي: الأحسن: إطلاق المنع من بيع كتب العلم للكافر وإن خلت عن الآثار؛ تعظيمًا للعلم الشرعي، قال ولده شيخنا القاضي تاج الدين: وقوله: (تعظيمًا للعلم الشرعي) يفيد جواز بيعهم كتب علوم غير شرعية، وينبغي المنع من بيع ما يتعلق منها بالشرع؛ ككتب النحو واللغة وأمثالها.
انتهى.
وقال النووي: الخلاف في بيع العبد والمصحف والحديث والفقه إنما هو في صحة العقد مع أنَّه حرام بلا خلاف 1. واعترضه في "المهمات" في نفي الخلاف بالنسبة إلى كتب الفقه؛ بأن في "الإيضاح" للصيمري: فأما إذا اشتروا كتب الفقه والطب والنحو.. فلا حرج عليهم، وزعم بعض أصحابنا أن النصراني إذا ابتاع كتاب "المزني".. كان كمن ابتاع مصحفًا، والصحيح: خلافه.
انتهى.
1685 - قول "المنهاج" [ص 211]: (ولا الحربي سلاحًا) وفي وجه: يصح مع التحريم، قال في "الوسيط": إنه منقاس 2. قال الروياني: ويؤمر بإزالة الملك عنه 3، وصرحوا في صلاة الخوف بأن الترس والدرع ليسا من السلاح، وهو مقتضى قولهم في السَّلَب: كدرع وسلاح، لكن كلام الإمام يقتضي أنَّه منه؛ فإنه استدل على بيع السلاح ورهنه من الذِّمِّيُّ: بأنه عليه الصلاة والسلام توفي ودرعه مرهونة عند يهودي 4، فدل على أنَّه يسمى سلاحًا، ويظهر ترجيحه هنا؛ فإنهم يستعينون به على قتالنا.
1686 - قول "التنبيه" [ص 90]: (وإن باع العصير ممن يتخذ الخمر، أو السلاح ممن يعصي الله تعالى به، أو باع ماله ممن أكثر ماله حرام.. كره) فيه أمور: أحدها: أن قوله: (ممن يتخذ الخمر) أي: شأنه كذلك، فلو تحقق أنَّه يتخذه خمرًا.. حرم في الأصح في "الروضة" 5، وقيل: لا، وعليه الأكثرون، كما في "التتمة" و"البحر"، ونص عليه في "الأم" 6، وفي "المنهاج" في البيوع المنهي عنها [ص 217]: (وبيع الرّطَبِ والعِنَبِ لعَاصِرِ الخَمْرِ)، قال السبكي: ولا أستحضر فيه نهيًا خاصًا، لكن روى التِّرمِذي: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها... ) الحديث 7.

وجه الاحتجاج: أن العاصر كالبائع في أن كلًا منهما مُعين على معصية مظنونة، فال: والمأخذ يقتضي أن تسليمه إليهم حرام، وذلك يقتضي فساد البيع، والأصحاب جزموا بصحته.
ثانيها: الأصح في "شرح المهذب": أنَّه إذا تحقق عصيانه بالسلاح.. حرم أيضًا 1. ثالثها: يستثنى من العصاة: أهل الحرب؛ فبيع السلاح لهم حرام بالإجماع، وباطل على المشهور كما تقدم 2، وقد يقال: إن بين عبارة "التنبيه" و"المنهاج" عمومًا وخصوصًا؛ فإن الحربي قد يعصي به وقد لا يعصي، والعاصي قد يكون حربيًا وقد لا يكون.
رابعها: يستثنى من مسألتي العصير والسلاح: ما إذا كان ليتيم، وأراد الولي البيع، وهناك اثنان بدل أحدهما أكثر من الآخر، لكن يقصد جعله خمرًا أو آلة للقتل المحرم.. فهل يبيع منه أو من باذل الأقل؟ فيه احتمالان للروياني 3. خامسها: يستثنى من المسألة الثالثة: إذا تحقق أخذ الحرام.. فإنه يحرم.
سادسها: مفهومه: أنَّه لا كراهة إذا لم يكن أكثر ماله حرام؛ بأن استوى الحرام والحلال، أو كان أكثره حلالًا، وليس كذلك، بل يكره مطلقا إذا لم يتحقق أخذ الحرام؛ ولعله إنما خص الأكثر بالذكر؛ لمخالفة شيخه أبي حامد؛ فإنه قال في صورة الأكثر: بالتحريم، وتبعه الغزالي في "الإحياء" 4. سابعها: يستثنى منه: إذا علم حل ما يأخذه.. فإنه لا كراهة حينئذ ولو كان أكثر ماله حرامًا، والكراهة إنما هي مع الاشتباه، والله أعلم.
1687 - قولهم: (إن للمبيع شروطًا، فذكروا: الطهارة، والنفع، وإمكان التسليم، والمِلْك، والعلم) 5 فيه أمور: أحدها: قال السبكي: الذي يتحرر منها الملك والمنفعة، فلا شرط له غيرهما، وأما اشتراط الطهارة: فمستفاد من المِلْك؛ لأن النجس غير مملوك، وأما القدرة على التسليم والعلم به: فشرط في العاقد، وكذا كون الملك لمن له العقد.
ثانيها: قال في "المهمات": هذه الشروط التي ذكروها موجودة في حَرِيمِ 6 المِلْك، مع أنَّه

لو باعه وحده.. لم يصح، حكاه الرافعي في (الإحياء) عن العبادي، وأقره 1. ثالثها: اعترض في "المطلب" على حصرها في خمسة: بأن للرِّبَوِيَّاتِ شروطًا أخرى.
1688 - قول "المنهاج" [ص 211]: (طهارة عينه) وقول "التنبيه" [ص 88]: (ولا يجوز البيع إلَّا في عين طاهرة) يرد على مفهومه: متنجس لا يطهر بالغسل؛ فإنه طاهر العين ولا يصح بيعه كما ذكراه بعد ذلك، وأفهم كلامهما: أن امتناع بيعه متفرع على اشتراط طهارة العين، وليس كذلك؛ فإنه طاهر العين ومع ذلك لا يصح بيعه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 262]: (طاهر، أو يَطْهر بالغسل) فلم يعتبر طهارة عينه، وإنَّما اعتبر ألاَّ يكون نجسًا نجاسة لا تطهر بالغسل.
1689 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وكذا الدهن في الأصح) أي: لا يمكن تطهيره.
مقابله: أنَّه يمكن تطهيره؛ بأن يوضع على قلتين أو يصب عليه ماء يغمره، ثم يحرك حتَّى يصل إلى جميعه، وظاهر كلامه: صحة البيع إذا قلنا به، والأصح - تفريعًا عليه أيضًا -: المنع، ويشكل الفرق بينه وبين الثوب المتنجس؛ حيث صح بيعه قطعًا، والأصح: أن الماء المتنجس لا يصح بيعه.
والمسألة مكررة في "المنهاج" فإنها مذكورة في النجاسات 2، وكلامه يقتضي أن غير الدهن من المائعات لا يمكن تطهيره قطعًا، وهو المعروف، لكن في "الشرح الصغير": إنه لا يبعد طرد الخلاف في سائر المائعات؛ لأن إيصال الماء إلى أجزائها بالصّبِّ والتحريك ممكن، والغسالة طاهرة على الأصح، فلا يضر بقاؤها.
انتهى.
قال في "المهمات": وهو ضعيف؛ لأنه إن كان الماء قليلًا.. فلا يرد على جميع أجزائه إلَّا وهو متغير؛ لاختلاطه به، بخلاف الدهن، وإن كان كثيرًا جدًا بحيث يزول اسم المائع.. خرج عن المقصود؛ فإن الغرض أن يطهره ويبيعه على حاله.
انتهى.
وقول "المنهاج" [ص 211]: (الدهن) أعم من قول "التنبيه" [ص 88]: (الزيت النجس).
1690 - قول "التنبيه" [ص 88]: (ويجوز بيع الثوب النجس) أي: إن لم يستتر بالنجاسة، فإن استتر بها.. خرج على بيع الغائب 3. 1691 - قول "التنبيه" [ص 88]: (ولا يصح إلَّا فيما فيه منفعة) مثل قول "المنهاج" [ص 211]: (الثاني: النفع) والمراد: منفعة مباحة شرعًا؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 261]: (في منتفعٍ به شرعًا).

1692 - قولهما: (لا يصح بيع الحشرات) 1 يستثنى منه: العَلَق؛ فيصح بيعه على الأصح؛ لمنفعة امتصاص الدم.
1693 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وكل سَبُعٍ لا ينفع) أعم من قول "الحاوي" [ص 261]: (لا يصيد) ومن قول "التنبيه" [ص 88]: (لا تصلح للاصطياد) لأن المنفعة قد تكون لغير الصيد؛ كالقتال على الفيل وحراسة القرد.. فيصح بيعها لذلك.
1694 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وآلة اللهو) أي: المُحَرّم، وسيأتي في (الشهادات).
1695 - قوله: (وقيل: يصح في الآلة إن عُدَّ رِضَاضُها مالًا) 2 يفهم أنَّه إذا لم يُعّد مالًا؛ كمزمار صغير من قصب.. يمتنع جزمًا، وهو المعروف، وفيه وجه شاذ في "شرح المهذب" 3. 1696 - قول "الحاوي" في المنتفع به [ص 261]: (والبناء على السقف، وبهدمه يَغْرَم للفُرْقَة) محله: إذا كان الهدم قبل البناء، فإن كان بعده.. فالمذهب: أنَّه لا يلزمه إعادته، فلا قيمة للفرقة إلَّا بالهدم قبل البناء، وإن أطلقه "الحاوي".
1697 - قول "المنهاج" [ص 211]: (إمكان تسليمه) فيه أمران: أحدهما: كان ينبغي التعبير ب (القدرة) بدل الإمكان، كما في "التنبيه" و"الحاوي" وسائر كتب الرافعي والنووي 4، فإنه لا يلزم من ثبوت إمكانه القدرة عليه؛ فإن الشيء قد لا يكون مستحيلًا، ومع ذلك فلا يتمكن الشخص منه.
ثانيهما: وكان ينبغي أيضًا التعبير بالتسلُّم - بضم اللام - لا بالتسليم؛ ليشمل مسألة بيع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه وتسلمه، والتسليم فعل البائع، ذكره في "المطلب"، وهذا وارد على "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا.
1698 - قولهما: (إنه لا يصح بيع العبد الآبق) 5 فيه أمران: أحدهما: إن ظاهر كلامهما منع بيعه مطلقًا، وهو المشهور، وفي وجه: أنَّه إن عرف موضعه وعلم أنَّه يصل إليه إذا أراد.. صح، واستحسنه الرافعي 6، وفي "الروضة" وأصلها: لو باع الآبق ممن يسهل عليه رده.. ففيه الوجهان في المغصوب 7، ومقتضاه: تصحيح الصحة، وكذا

صححه في "شرح المهذب" 1، ومشى عليه في "الحاوي" فقال [ص 262]: (والآبق، إلَّا أن يقدر المشتري على قبضه)، لكن رده شيخنا الإمام البلقيني، وقال: المذهب: أنَّه لا يجوز، والفرق بينه وبين المغصوب: أن المغصوب تحت يد شخص عليه عهدته، بخلاف الآبق؛ فإنه ليس تحت يد أحد، قال: فإن كان تحت يد شخص.. صار قريبًا من صورة الغصب.
ثانيهما: ذكر الثعالبي أنَّه لا يُطْلَق الآبق إلَّا على عبدِ ذهب من غير خوفٍ، ولا كدٍّ في العمل، فإن ذهب لذلك.. فهو هارب 2، فكان ينبغي التعبير بعبارة جامعة للنوعين، وهذا وارد على "الحاوي" أيضًا.
1699 - قول "المنهاج" و"الحاوي" في المغصوب: (إنه لو باعه لقادر على انتزاعه.. صح) 3 قال في "المطلب": ينبغي البطلان فيما لو كانت قدرة المشتري تحتاج إلى مؤنة، وقول "المنهاج" [ص 211]: (على الصحيح) عبر في "الروضة" بالأصح 4، فلو كان البائع قادرًا على انتزاعه.. انعقد قطعًا، قال في "المطلب": إلَّا إذا كان فيه كلفة.. فينبغي أن يكون فيه ما في بيع السمك في البركة، والأصح: عدم الصحة، قال: وهذا عندي لا مدفع له، وقد استشكل في "المهمات" المنع من بيع الضال والآبق والمغصوب: بأن إعتاقهم جائز، وقد صرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه منفعة إلَّا حصول الثواب بالعتق؛ كالعبد الزمن.. صح بيعه، وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح على الصحيح، ويكون قبضًا، قال: فلم لا صح بيع هؤلاء إذا كانوا زَمْنَى، بل مطلقًا؛ لوجود منفعةٍ من المنافع التي يصح لها الشراء.
انتهى.
قلت: الزمن ليست فيه منفعة قد حيل بين المشتري وبينها، بخلاف المغصوب ونحوه، والله أعلم.
1700 - قول "التنبيه" [ص 88]: (كالطير الطائر) أعم من قول "الحاوي" [ص 262]: (لا حمام البرج الخارج) لكن يستثنى منه: النحل، فالأصح: صحة بيعه خارج الكوارة إذا كان معلومًا.
1701 - قول "المنهاج" [ص 211]: (ولا يصح بيع نصفٍ معينٍ من الإناء والسيف ونحوهما) أي: مما تنقص قيمته بكسره أو قطعه كثوب نفيس، وقد صرح به في "التنبيه" 5، وتعبير "الحاوي" بقوله [ص 262]: (وبعض معيّن ينقص بالفصل) يشمل الجميع، قال النووي: فطريقه

أن يقطعه مالكه قبل ذلك، ثم يشتريه منه، فيصح جزمًا.
انتهى 1. وفي إباحة ذلك نظر، وفي الثوب وجه: أنَّه يصح، قال به صاحب "التقريب" والقاضي أَبو الطيب والماوردي وابن الصباغ 2، واختاره السبكي، وقال: قد يكون له فيه غرض صحيح.
انتهى.
وقال الرافعي: القياس: طرده في الإناء والسيف 3. 1702 - قول "المنهاج" [ص 211]: (ويصح في الثوب الذي لا ينقص بقطعه في الأصح) عبر في "الروضة" بالمذهب، وقال: وبه قطع الجمهور 4. 1703 - قول "التنبيه" [ص 88]: (إنه لا يصح بيع المرهون) أي: بغير إذن مرتهنه، كما صرح به "المنهاج" 5، ويرد عليهما: أن ذلك إنما يمتنع بعد القبض، ولغير المرتهن، فلو باعه للمرتهن.. صح، وهذا الأخير قد يفهم من تجويز "المنهاج" بيعه بإذن المرتهن، والمسألة مكررة في (كتاب الرَّهْن) فيهما 6. 1704 - قول "التنبيه" [ص 88]: (وفي العبد الجاني قولان، وقيل: إن كانت الجناية خطأ.. لم يجز قولًا واحدًا، وإنَّما القولان في جناية العمد، وقيل: إن كانت الجناية عمدًا.. جاز قولًا واحدًا، وإنَّما القولان إذا كانت الجناية خطأ) الأصح: الطريقة الثالثة، والأصح من القولين: البطلان، لكن التعبير بالخطأ عبارة ناقصة، فلو كانت الجناية شبه عمدٍ، أو عمدًا لا قصاص فيه، أو فيه قصاص وعُفي على مال.. فهو كما لو كانت خطأ، وقد تناول هذه الصور قول "المنهاج" [ص 211]: (ولا الجاني المتعلق برقبته مالٌ في الأظهر)، وقول "الحاوي" [ص 262]: (وجانٍ تعلق الأرش برقبته)، ثم في كلامهم أمور: أحدها: أن محل المنع: إذا بيع بغير حق الجناية.
ثانيها: أن محله أيضًا: إذا استغرق المال قيمته، أو زاد، فإن نقص.. ففي "المطلب": يشبه أن يخرج على الخلاف في أن الدّين إذا تعلق بالتركة، وقلنا: هو كتعلق أرش الجناية.. هل يمنع التصرف في الكل، أو في قدره فقط؟ ثالثها: أن محل الخلاف: أن يبيعه وهو موسر، فإن باعه معسرًا.. بطل جزمًا، وقيل: بالقولين.

رابعها: ومحل الخلاف أيضًا: أن يبيعه قبل اختيار الفداء، فلو باعه بعد الفداء.. صح قطعًا، أو قبله ولكن بعد اختياره.. فقال البغوي: يصح أيضًا، حكاه عنه الرافعي والنووي، وأقراه 1، لكن مقتضى إطلاق الماوردي: أنَّه على الخلاف 2، قال السبكي: وهو الحق؛ لأن اختيار الفداء قبل الفداء يصح الرجوع عنه، والبغوي ممن يوافق على ذلك.
انتهى.
وقد حكى الإمام الاتفاق على أن له الرجوع عنه 3. 1705 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وكذا تعلق القصاص) أي: برقبته، فإن تعلق بعضوه.. صح بيعه قطعًا، كما سيأتي في (باب الخيار) في قوله: (كقطعه بجنايةٍ سابقةٍ) 4، وقوله: (في الأظهر) 5 الأصح: القطع به، فكان ينبغي التعبير ب (المذهب).
1706 - قول "التنبيه" [ص 88]: (ولا يجوز بيع ما يبطل به حق آدمي؛ كالوقف وأم الولد) جوّز القفال بيع أم الولد من نفسها فقال: إنه الظاهر، حكاه عنه الرافعي في بابه، وأقره 6. وفي كتاب "الخصال" لأبي بكر الخفاف: أنَّه لا يجوز بيع أم الولد إلَّا عند أربع خصال: المرهونة؛ أي: إذا كان معسرًا، وأن يكون الوطء في غير ملكه وتلده في ملكه، وأن يكون وطؤه بعد أن حجر عليه فيها، وأن تحمل منه وهو مكاتب.. فيجوز له بيعها بعد عتقه.
انتهى.
1707 - قول "المنهاج" [ص 211]: (الرابع: الملك لمن له العقد) هذا الضابط ذكره في "الوجيز"، فتبعه الرافعي والنووي 7. ويدخل فيه: المالك، والوكيل، والولي، والقاضي في الممتنع، وملتقط الحيوان ونحوه، والظافر بغير جنس حقه.
وقصدوا إخراج بيع الفضولي، وليس خارجًا، بل داخل؛ فإن العقد يقع للمالك موقوفًا على إجازته عند من يقول به، ذكر هذا الإيراد في "المطلب" عن بعضهم، وهو ظاهر، وقد سلم من هذا الإيراد "الحاوي" بقوله [ص 262]: (يَلِيهِ العاقد) فخرج الفضولي العاقد؛ إذ ليس له عليه ولاية، و"التنبيه" بقوله [ص 88]: (ولا يجوز بغ ما لا يملكه إلَّا بولاية أو نيابة) وليس الفضولي ولي المالك، ولا نائبه، فتعبيرهما أحسن من تعبير "المنهاج".

1708 - قول "المنهاج" [ص 211]: (فبيع الفُضُوليِّ باطل) كذلك شراءه، وقد صرح به في "الحاوي" 1، وقوله: (بعين مال غيره) 2 كذا إذا اشتراه بثمن في ذمة غيره؛ بأن قال: اشتريت لفلان بألف في ذمته، وهو مفهوم من طريق الأولى؛ إذ لا سبيل له على ذمته بحال، وكذا لو اقتصر على قوله: اشتريت لفلان بألف، ولم يضف الثمن إلى ذمته، كما رجحه في "الوسيط" 3، لكن في "الروضة" وأصلها وجهان بلا ترجيح: هذا 4، والوقوع عن المباشر 5، وكذا "التنبيه" لم يذكر سوى البيع 6، ولو عبروا بـ (العقد).. لشمل البيع والشراء.
1709 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وفي القديم: موقوف؛ إن أجاز مالكه.. نَفَذَ، وإلَّا.. فلا) فيه أمور: أحدها: أنَّه نص عليه في الجديد أيضًا، ذكره الجويني في "السلسلة" في (القضاء)، وسليم في "المجرد" والروياني كلاهما في (القراض) 7، ونص عليه في "الأم" في (الغصب) 8، كما حكاه في "المطلب"، ونص في "البويطي" على تعليقه على صحة حديث عروة البارقي 9، ونَقْلُ "الروضة" عن نص "البويطي" الصحة موقوفًا.. مردود، وإنَّما فيه التعليق، قال النووي: والقديم قوي في الدليل 10. ثانيها: أن المراد: على القديم بالموقوف الملك، وأما الصحة: فناجزة، قاله الإمام 11، ويوافقه تصريح"المحرر " بأنه ينعقد موقوفًا 12، ولا معنى للانعقاد إلَّا الصحة.
ثالثها: المراد بالمالك في قوله: (إن أجاز مالكه): مالك التصرف فيه حال العقد، فلو باع

فضولي مال الطفل، ثم بلغ وأجاز.. لم ينفذ، وإنَّما ينفذ بإجازة الولي، وكذا لو باع ملك الغير، ثم ملكه البائع وأجاز.. لم ينفذ.
1710 - قول "المنهاج" [ص 211]: (ولو باع مال مُوَرِّثهِ) أعم من قول "الروضة": (مال أبيه) 1 ومثله: لو باع عبده الآبق أو المكاتب فبان راجعًا أو فاسخًا للكتابة، وقد تناولهما قول "الحاوي" [ص 262]: (وإن ظَنّ عَدَمَهَا) أي: عدم الولاية عليه، فهي أعم وأحسن، ولو باع شيئًا ظنه لغيره فبان له.. جزم الإمام بالصحة 2؛ لأن الجهل في تلك الصور استند إلى أصل، وهو بقاء ملك المورث، فبطل على قول، ولو زوج أمة أبيه، فبان ميتًا.. جرى الخلاف، ومقتضاه: تصحيح الصحة.
واستشكل لأجل الاحتياط في البضع، وقد قالوا: لو تزوج الخنثى امرأة.. بطل ولو بأن رجلًا، وكذا لو تزوج من يظن أنَّها مُحَرّمة عليه فبانت حلالًا.
1711 - قول "المنهاج" [ص 211]: (صح في الأظهر) يقتضي أن الخلاف قولان، وهو المشهور، وصوبه في "المهمات"، وحكاه جماعة وجهين، وصححه النووي في المسح على الخفين من "شرح المهذب" 3، وذكر الشيخ أَبو حامد أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في الباطن، وأما في الظاهر: فإنه مؤاخذ به.
1712 - قوله: (الخامس: العلم به) 4 أي: لا من كل وجهٍ، بل جنسًا وصفةً وقدرًا، واستثنى بعضهم من ذلك صورًا: إحداها: لو اختلط حمام برج بآخر.. فلأحدهما البيع من صاحب الآخر في الأصح مع الجهل.
الثانية: إذا باع صاعًا من صُبْرَةٍ مجهولةٍ.. فإن المبيع واحد مبهم.
الثالثة: لو باع المال الزكوي بعد الوجوب.. فإن الأصح: البطلان في قدر الزكاة، والصحة في غيره وهو مجهول العين.
1713 - قوله: (وكذا إن جُهلت في الأصح) 5 حكاه الرافعي عن النص، قال: وهو الأظهر في المذهب على ما حكاه المعتبرون، ولكن القياس: البطلان كما لو فرقها وباع واحدًا منها 6.

1714 - قوله: (ولو باع بِمِلءِ ذا البيت حنطةً... إلى آخره) 1 لو علم قدر ذلك قبل العقد.. صح، ويكون صورة الصحة في مسألة الفرس أن يقول: بمثل ما باع، أو يقصد المثلية، وإلَّا.. ففيه الخلاف في قوله: (أوصيت له بنصيب ابني) كما ذكره الرافعي في (الوصية) 2. وقوله: (بملء) كذا في "المحرر" مجرور بالحرف 3، فيكون من صور الثمن، والذي في "الروضة" وأصلها: (ملء) منصوب، ولا حرف معه 4، فيكون من صور المبيع، وهو أحسن؛ لأن الكلام فيه، وصورته: إذا كان الثمن في الذمة، كما يمتنع في السلم كذلك ما إذا قال: بعتك بملء هذا الكوز من هذه الدراهم.. فلا يظهر إلَّا الصحة كالمثمن؛ فإنه لو قال: بعتك ملء هذا الكوز من هذه الحنطة.. صح في الأصح؛ لإمكان الاستيفاء به قبل التلف، ففي الثمن أولى، كما قاله ابن الرفعة وغيره، وقد فهم ذلك من قول "الحاوي" [ص 263]: (والقدر في الذمة) فإنه يدل على أنَّه إنما يشترط العلم بالقدر إذا كان في الذمة، فإن كان معينًا.. فلا، وكذا في "الشرح" و"الروضة" ما كان في الذمة من العوضين اشترط كونه معلوم القدر 5. 1715 - قول "المنهاج" [ص 212]: (ولو باع بنقدٍ) كذا لو باع بعرض وغلب في البلد نوع منه.. فالأصح: تنزيله عليه، مثل: أن يبيعه ثوبًا بصاع حنطة، والمعروف في البلد نوع منها، فلو عبر بـ (الثمن) بدل (النقد).. لكان أشمل.
1716 - قوله: (وفي البلد نقدٌ غالبٌ) 6 يندرج فيه ما لو كان في البلد دراهم عددية ناقصة الوزن؛ كالمسعودية بمكة، أو زائدة، والأصح: تنزيل العقد عليها، ولو غلبت الفلوس.. حمل العقد عليها أيضًا، وفي "فتاوى البغوي": أنَّه لو باع بوزن عشرة دراهم فضة، ولم يبين أمضروبة هي أم تبر؟ بطل العقد؛ لتردده بينهما، ولا يحمل على النقد الغالب؛ ولعل تعبير "المنهاج" بـ (النقد) دون الدراهم والدنانير لهذا.
وقوله: (أو نقدان لم يَغْلِبْ أحدهما.. اشترط التعيين) 7، كذا أطلقه الرافعي والنووي، وصوّره في "البيان" بما إذا اختلفت قيمتهما، وإلَّا.. فأصح الوجهين: أنَّه لا يجب التعيين، وجزم به الرافعي في نظيره من الصحاح والمُكَسّرة 8.

1717 - وقوله: (اشترط التعيين) 1 أي: باللفظ، فلو عينا بالنية.. لم يكف، ويكفي ذلك في نظيره من الخلع في الأصح 2، وأيضًا فالأصح: أنَّه إذا قال من له بنات: زوجتك بنتي، ونويا واحدة.. الصحة، فيحتاج إلى الفرق.
1718 - قوله: (ولو باعها بمئة درهمٍ كُلَّ صاعٍ بدرهمٍ.. صح إن خرجت مئة، وإلَّا.. فلا على الصحيح) 3 يقتضي ضعف الخلاف، وأنه وجهان، وعبر في "الروضة" بالأظهر 4، فهو يخالفه من وجهين.
1719 - قول "التنبيه" [ص 88]: (وفي بيع الأعيان التي لم يرها المشتري قولان) يقتضي القطع بالبطلان في التي لم يرها البائع، وهي طريقة، والأصح: طرد القولين فيها أيضًا، وهو مقتضى قول "المنهاج" [ص 212]: (والأظهر: أنَّه لا يصح بيع الغائب) لأن إطلاقه يتناول الغائب عن البائع وعن المشتري، لكن مقتضاه: القطع بأنه لا يصح بيع الحاضر إذا لم يُرَ، وهي طريقة، والأصح: طرد القولين في الحاضر أيضًا، وهو المجزوم به في "الشرح" و"الروضة" 5، وهو مقتضى عبارة "التنبيه".
1720 - قول "المنهاج" [ص 212]: (والثاني: يصح) أي: إذا وصفها، كما صرح به "التنبيه" 6، والمراد بالوصف: ذكر الجنس والنوع فقط؛ كالفرس العربي والعبد الحبشي، فلو كان له من نوع اثنان.. تعين الوصف بما يُمَيّز، وقيل: يشترط مع الجنس والنوع وصفها؛ كالدعوى، وقيل: كالسلم، وقيل: يكفي ذكر الجنس، وقيل: لا يشترط شيء، فيصح: بعتك ما في كمي.
1721 - قولهما على هذا القول: (إنه يثبت الخيار عند الرؤية) 7 قد يقتضي أنَّه لا يثبت قبلها لا الفسخ ولا الإجازة، والأصح: نفوذ الأول دون الثاني، وقد يفهم من قول "التنبيه" [ص 88]: (إذا رآها)، وقول "المنهاج" [ص 212]: (عند الرؤية) أن الخيار يتقيد بحالة الرؤية على الفور، والأصح: أنَّه يمتد ما دام في المجلس.
1722 - قول "التنبيه" [ص 88]: (ويثبت للمشتري الخيار إذا رآها) قد يخرج البائع، فيقتضي

أنه لا يثبت له الخيار عند الرؤية إذا لم يكن رآها، وقد صححه في "أصل الروضة" موهماً أنه عند الرافعي، وليس كذلك 1، فقد أطلق الرافعي هنا وجهين من غير ترجيح، لكنه صحح في الكلام على شراء الأعمى: ثبوت الخيار له 2، وهو مقتضى إطلاق "المنهاج" في قوله [ص 212]: (ويثبت الخيار عند الرؤية).
ويستثنى من اشتراطهم الرؤية مسألتان: إحداهما: بيع الفقاع في كوزه صحيح على الأصح، لمشقة رؤيته.
ثانيهما: الأعمى يصح أن يشتري نفسه من سيده؛ لأنه لا يجهل نفسه، بل البصير لا يرى وجه نفسه.
1723 - قول "المنهاج" [ص 212]: (وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد، دون ما يتغير غالباً) فيه أمران: أحدهما: إذا احتمل التغير وعدمه على السواء.. فالأصح: الصحة، ومفهوم "المنهاج" فيها متدافع؛ فإن مفهوم أول كلامه: البطلان، ومفهوم آخره: الصحة، ومقتضى عبارة "الحاوي": الصحة؛ حيث قال [ص 264]: (لا قبله إن غلب تغيره) أي: لا يكفي الرؤية قبل العقد إن غلب التغير، فمفهومه أنها تكفي إذا غلب عدم التغير أو استوى الاحتمالان، وقول "التنبيه" [ص 88]: (فإن رآها قبل العقد وهي مما لا يتغير.. جاز) لا يفهم منه الحكم في صورة الاستواء، إلا أن بعضهم قال: إن قوله: (وهي مما لا يتغير) أي: غالباً، وحينئذ.. فيكون مفهومه البطلان في صورة الاستواء، وهو خلاف الأصح؛ ولهذا أورده عليه النووي وشيخنا الإسنوي في "تصحيحهما" 3. ثانيهما: قال الماوردي: صورة الاكتفاء بالرؤية السابقة: أن يكون ذاكراً لأوصفها حالة البيع، فلو نسيها.. فهو كمن لم ير 4، وقال في "شرح المهذب": إنه غريب، ولم يتعرض له الجمهور 5. قلت: لكن تبعه الروياني فيه 6، وجزم به في "الكفاية"، وقال النشائي: إنه ظاهر النص 7.

1724 - قول "المنهاج" [ص 212]: (أو كان صِوَاناً للباقي خِلقةً) كذا قيد تبعاً لـ"المحرر" الصوان بكونه خِلقة؛ ليحترز به عن جلد الكتاب 1، فإن رؤيته لا تكفي، لكنه ينتقض بالخشكنان 2، فإنه يصح بيعه مع أن قشره صوان غير خلقي، وفي "شرح المهذب": يصح بيع الخشكنان قطعاً وإن لم يدل قشره على باطنه؛ لأنه صوان له 3، وذكر بعضهم أنه ينتقض أيضاً بالفقاع 4، فيصح بيعه كما صححه النووي، والحق: أن هذه الصورة لا ترد هنا؛ لأن المبيع هو نفس الفقاع، وليس كوزه داخلاً في البيع، وإنما يستثنى من اشتراط الرؤية كما قدمته، وَلِمَا ذكرناه من النقض لم يقيد "الحاوي" الصوان بكونه خِلقةً، وكذا لم يذكر هذا القيد في "الروضة" وأصلها 5. 1725 - قول "المنهاج" [ص 212]: (ويصح سَلَمُ الأعمى) أي: بشرط كون رأس المال موصوفاً في الذمة، ثم يحضر في المجلس، فإن كان معيناً.. لم يصح، وإذا صح سلمه.. لم يصح قبضه في الأصح، بل يوكل.

بابُ الرِّبا

1726 - قول "التنبيه" [ص 90]: (فمتى باع شيئاً من ذلك بجنسه.. حرم فيه التفاضل والنَّساء والتفرق قبل التقابض) فيه أمور: أحدها: أنه لا يلزم من تحريم هذه الأمور عدم صحة العقد عند وجود أحدها، وذلك مفهوم من تعبير "المنهاج" بالاشتراط و"الحاوي" بعدم الانعقاد 1، لكن لا يفهم من عبارتهما تحريم تعاطي ما خلا منها؛ ففي كلا التعبيرين نقص، والتعبير الكامل: اشترط كذا وكذا، وحرم تعاطي ما خلا منه.
ثانيها: كذا عبر "المنهاج" و"الحاوي" أيضاً بالتقابض 2، ولو عبروا بـ (القبض منهما).. لكان أحسن؛ لأنه يشترط القبض لا الإقباض، فلو كان العوض معيناً، فاستقل بقبضه.. كفى.
ثالثها: يرد عليه وعلى "المنهاج" أيضاً: أن التخاير في معنى التفرق، فلو تخايرا في المجلس قبل التقابض.. بطل العقد، ذكره "الحاوي" 3 وصححه في "الروضة" وأصلها هنا 4، لكنهما قالا فيما ينقطع به الخيار: لو تقابضا في الصرف، ثم أجازا في المجلس.. لزم العقد، فإن أجازاه قبل التقابض.. فوجهان: أحدهما: تلغوا الإجازة، فيبقى الخيار.
والثاني: يلزم العقد، وعليهما التقابض، وصححه في "شرح المهذب" 5، ولم يتعرضا للمذكور هنا من البطلان.
1727 - قول "المنهاج" [ص 213]: (والطعام ما قُصِدَ للطُّعْمِ اقتياتاً اْو تَفَكُّهاً أو تداوياً) فيه أمور: أحدها: قوله: (قُصد للطعم) أي: للآدميين، لا للجن والبهائم.
ثانيها: لو حذف قوله: (للطعم).. لجاز.
ثالثها: عبارة "الروضة": (ما يُعد للطعم غالباً تقوتاً أو تأدماً أو تفكهاً أو غيرها) 6، فأسقط "المنهاج" التقييد بالغلبة والتأدم، وسيأتي في (الأيمان) أن الطعام يتناول القوت والفاكهة والأدم

والحلوى، ولم يذكروا التداوي؛ لأن العرف لا يقتضيه، فمأخذ البابين مختلف.
رابعها: أورد على الضابط: الماء؛ فإنه ربوي في الأصح، وقد يدعى دخوله في قوله: (تقوتاً)، وفيه نظر.
1728 - قول "التنبيه" [ص 91]: (وكل شيئين جمعهما اسم خاص؛ كالتمر المعقلي والبرني.. فهما جنس واحد) يستثنى من ذلك: البطيخ الأصفر مع الأخضر - وهو الهندي - فهما جنسان في الأصح، وقد ذكره "التصحيح" 1، وزيت الزيتون مع زيت الفجل، والتمر المعروف مع التمر الهندي أجناس على المذهب، وقد ذكر "الحاوي" الأولين بقوله [ص 266]: (والزيت والبطيخ يخالف زيت الفجل والهندي).
1729 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (وما جُهِلَ يُرْعَى فيه عادة بلد البيع) 2 ثم حكى "المنهاج" بقية الأوجه، ومحلها: إذا لم يكن أكبر جرماً من التمر، فإن كان أكبر.. فالاعتبار فيه بالوزن، لا بِعَادةِ بلد البيع ولا غيرها، حكاه في "الروضة" وأصلها عن المتولي، وجزم به في "الشرح الصغير" وكذا في "الكبير" في آخر الباب، فقال: ثم المعيار في الجوز الوزن؛ لأنه أكبر جرماً من التمر 3. ونقل السبكي ضبط محل الوفاق: بما زاد على جرم التمر عن القفال والقاضي حسين أيضاً، قال: وقال الجُوريُّ: محل الخلاف: فيما كاله قوم ووزنه قوم، أما ما اتفقوا فيه على شيء.. فهو أصله؛ كالسكر لم يكن بالمدينة، واتفق الناس على وزنه، وأغرب ابن أبي الدم، فحكى وجهاً عن أبي إسحاق: أن السكر مكيل.
انتهى.
1730 - قول "التنبيه" [ص 90]: (فأما الذهب والفضة: فإنه يحرم فيهما الربا بعلة واحدة، وهي أنهما قيم الأشياء)، قال في "شرح المهذب": أنكره القاضي أبو الطيب وغيره على من قاله من أصحابنا؛ لأن الأواني والتبر والحلي يجري فيها الربا، وليس مما يقوم بها، قال: والعبارة الصحيحة عند الأصحاب - وهي التي نقلها الماوردي وغيره عن النص -: كونها جنس الأثمان غالباً.
انتهى 4. ويرد ذلك على قول "المنهاج" [ص 213]: (والنقد بالنقد كطعامٍ بطعامٍ) لأن النقد خاص بالمضروب، فيخرج عنه الأواني والتبر والحلي والسبائك، وقد سلم من ذلك "الحاوي" بقوله [ص 264]: (وجوهَرَي الثّمَنِيَّةِ).

1731 - قول "المنهاج" [ص 213]: (فلو باع جزافاً تخميناً.. لم يصح)، وقول "الحاوي" [ص 264]: (فيبطل بيع صبرةٍ بصبرةٍ جزافاً) أي: مع اتحاد الجنس؛ فإنَّ بيع صبرة حنطة بصبرة شعير جزافاً صحيح، وقول "المنهاج": (تخميناً) يحتمل أن يدل على البطلان في الجزاف بلا تخمين من طريق الأولى، ويحتمل أنه احترز به عما إذا علما تماثل الصبرتين، ثم تبايعا جزافاً.. فإنه يصح، كما حُكي عن القاضي الحسين، ولا يحتاج في قبضها إلى كيل، وعلى هذا الاحتمال الثاني ترد هذه الصورة على عبارة "الحاوي".
1732 - قول "المنهاج" [ص 213]: (وقد يُعتبر الكمال أولاً) عُدَّ من مشكلاته؛ لعسر الاهتداء للمراد به، والظاهر: أنه أراد به: إدخال عصير الرطب والعنب؛ فإنه يباع بعضه ببعض متماثلاً، ولا يتوقف الحال على الكمال الأخير، وهو صيرورته تمراً وزبيباً، ذكره السبكي وقال: فكأنه قال: يعتبر الكمال ولو أولاً.
انتهى.
ويدخل في ذلك اللبن أيضاً؛ فإنه كامل في أول أحواله، وهو الحليب، ورجح شيخنا جمال الدين: أنه أشار به للعرايا؛ فإن اعتبار الجفاف في التماثل وإن وجد لكنه لم يوجد آخراً؛ أي: عند الجفاف، وإنما وجد أولاً؛ أي: في حال الرطوبة، فيباع حال رطوبته بمثله إذا جف، فقوله: (وقد يعتبر الكمال) أي: الجفاف.
1733 - قول "المنهاج" [ص 213]: (فلا يباع رُطَبٌ بِرُطَبٍ ولا بتمرٍ) يستثنى منه: العرايا، وقد صرح باستثنائها هنا "التنبيه" فقال [ص 91]: (ولا رطْبِهِ بيابِسِهِ إلا في العرايا) واستثناها "الحاوي" معنى فقال بعد اعتبار الجفاف في الثمار: (والعرايا... رخصة) 1، وذكرها "المنهاج" في آخر (باب الأصول والثمار) 2. 1734 - قول "التنبيه" [ص 91]: (وإن كان مما لا يكال ولا يوزن.. ففيه قولان، أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعضر، والثاني: يجوز إذا تساويا في الوزن) صحح النووي في "التصحيح": الأول 3. وأُورِد على إطلاقه: الجوز والبيض؛ فإن الأصح: الجواز فيهما مع عدم الكيل والوزن.
وأجيب عنه: بأن معيارهما الوزن، وفيه نظر؛ لأن المراد: أنهما لا يوزنان عادة، ثم محل القولين: فيما لا يجفف؛ كالقُثَّاء 4 ونحوه، فأما ما يجفف؛ كالبطيخ الذي يفلق وحب الرمان

الحامض.. فإنه يباع بعضه ببعض جافاً على الصحيح؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 214]: (وما لا جفاف له كالقثَّاء والعنب الذي لا يَتَزَبَّبُ لا يباع أصلاً، وفي قول: تكفي مماثلته رطباً) ففرض القولين فيما لا جفاف له، ومع ذلك ففيه أمور: أحدها: أن المراد: أنه لا يباع بعضه ببعض رطباً، وفي تعبيره بقوله: (لا يباع أصلاً) إيهام.
ثانيها: أنه قد يفهم أنه لو جفف على ندور.. لا يباع جافاً، قال السبكي: والأقيس: الصحة.
ثالثها: يستثنى من كلامه: الزيتون؛ فإنه لا يجفف، ومع ذلك فيجوز بيع بعضه ببعض، كما جزم به في "الوسيط"، وحكاه الإمام عن صاحب "التقريب"، ووافقوه عليه 1. 1735 - قول "المنهاج" [ص 214]: (وفي اللبن: لبناً أو سمناً أو مخيضاً) وقول "الحاوي" [ص 265]: (كاللبن والسمن والمخيض) في جعلهما المخيض قسيماً للبن نظر؛ فإنه قسم منه، وجواز بيع اللبن باللبن وارد على قول "التنبيه" [ص 91]: (ولا رطْبهِ برطْبِهِ).
1736 - قول "التنبيه" [ص 91]: (ولا مطبوخِهِ بمطبوخِهِ) أَحسن منه قول "المنهاج" [ص 214]: (ولا تكفي مماثلة ما أثّرت فيه النار بالطبخ أو القلي أو الشي، ولا يضر تأثير تمييزٍ كالعسل والسمن) وقول "الحاوي" [ص 265]: (ومعروض النار لا للتمييز) وقد دخل في عبارتهم: بيع السكر والفانيذ والقَنْد والدِّبس بمثله 2، والأصح: منعه، لكن صحح في "التصحيح": صحة السلم فيها، وقال: إن نارها لطيفة 3. واستشكل الفرق بينهما، إلا أن يفرق بضيق باب الربا.
ويجوز بيع الماء المغلي بمثله، صرح به الإمام 4. 1737 - قول "الحاوي" [ص 265]: (والجوز واللوز وزناً) فيه أمران: أحدهما: أن هذا إذا كانا جافين.
الثاني: ما ذكره في اللوز وجه حكاه صاحب "البحر" 5، والذي جزم به الرافعي: أنه يباع اللوز باللوز كيلاً 6.

1738 - قول "المنهاج" [ص 214]: (وإذا جَمَعَتِ الصفقة ربوياً من الجانبين... إلى آخره) فيه أمور: أحدها: أنه يخرج ما إذا تعددت الصفقة؛ وذلك يكون بتفصيل الثمن؛ بأن جعل الدرهم مقابلاً بالدرهم والمدّ بالمدّ؛ فهنا يصح، ويكون بتعدد البائع أو المشتري، وفي هاتين لا يصح أيضاً، فيرد على مفهوم عبارته وعبارة "الحاوي" 1، ولا يرد ذلك على "التنبيه" فإنه قال [ص 92]: (وما حرم فيه الربا لا يباع الجنس الواحد بعضه ببعض... إلى آخره)، فتناول تعدد العاقد واتحاده، كذا أورد، وهو ضعيف؛ لأنه متى كان البائع للدرهم كير البائع لمد العجوة.. فلا شك في صحته وإن كان البائعان باعا مجموع الأمرين، فلم تخرج الصفقة الواحدة عن اشمالتها على ربوي من الجانبين ومع أحدهما جنس آخر.
ثانيها: قوله: (ربوياً من الجانبين) لا بد من تقييد الربوي من الجانبين بكونه جنسا واحداً، فيقول: (جنساً ربوياً)، وإلا.. ورد عليه بيع ذهب وفضة بحنطة فقط، أو بشعير فقط، أو بهما وما أشبه ذلك؛ فإنه يجوز مع دخوله فيما ضبط به المنع؛ ولذلك عبر "المحرر" بقوله: (وإذا اشتملت الصفقة على جنس واحد من أموال الربا من الجانبين) 2 و"التنبيه" بقوله [ص 92]: (لا يباع الجنس الواحد بعضه ببعض) و"الحاوي" بقوله [ص 266]: (وإن جمع عقد جنساً ربوياً في طرفيه).
ثالثها: قوله: (واختلف الجنس) ليس المراد: الجنس الربوي المعتبر وجوده من الجانبين؛ فإن ذاك متحد كما تقدم، وإنما المراد: اختلف جنس المبيع؛ بأن يكون مع الربوي جنس آخر كما يظهر ذلك من مثاله، ولو عبر بقوله: (واختلف المبيع جنساً).. لاستقام، وأوضح من ذلك قول "التنبيه" [ص 92]: (ومع أحد العوضين جنس آخر)، وقول "الحاوي" [ص 266]: (واختلاف الجنس)، لكن تقييد "التنبيه" الجنس الآخر بقوله [ص 92]: (يخالفه في القيمة) يفهم أنه لو باع مد عجوة ودرهماً بمدّي عجوة، وقيمة المد درهم.. صح، قال في "الكفاية": ولم أعثر على ما يوافقه، والمنقول في الرافعي وغيره: المنع؛ فإن التقويم تخمين، والجهل بالمماثلة كحقيقية المفاضلة.
نعم؛ إن عُلم اتحاد القيمة بأن كان المدان من نخلة والدرهمان من ضرب واحد.. ففيه وجه مشهور، وفي حمل كلام الشيخ عليه بعد.
انتهى 3.

وقال ابن الصلاح في "فتاويه": هو وصف لازم لاختلاف الجنس؛ لأن اختلاف الجنس مظنة اختلاف القيمة، فمهما وجد اختلاف الجنس.. مَنَعْنَا وإن قضى المقومون باتفاق القيمة؛ لأن التقويم أمر مظنون 1. رابعها: قوله: (منهما) وكذا من أحدهما، وعليه يدل تمثيله بمد ودرهم بمدين أو درهمين.
خامسها: لا فرق في الجنس الآخر بين أن يكون ربوياً أم لا، وهو مقتضى إطلاق "التنبيه" و"المنهاج"، لكن لو مثَّلا بدرهم وثوب بدرهم وثوب أو درهمين.. لكان أولى؛ لأن تمثيلهما قد يفهم أنه يعتبر في الجنس الآخر كونه ربوياً.
سادسها: يشترط كون الجنس الآخر مقصوداً؛ فإن الأصح: الصحة فيما إذا باع داراً فيها بئر ماء عذب بمثلها، وقلنا: إن الماء ربوي؛ لأنه تابع، وكذلك لو باع داراً بذهب، فظهر فيها معدن ذهب، بخلاف بيع دار مُوّهت بذهب تمويهاً يحصل منه شيء بذهب.. فإنه لا يصح، وقد صرح بذلك "الحاوي" 2، وهذا وارد على "التنبيه" أيضاً؛ فإنه لم يذكره، ويحتمل أنه احترز عنه بقوله: (يخالفه في القيمة) 3 فإنه إذا كان تابعاً لغيره.. فهو غير متقوم ولا منظور إليه، وما ذكرناه في بيع دار بذهب فظهر فيها معدن ذهب هو الذي صححه الرافعي والنووي هنا 4، لكنهما قالا فيما يدخل تحت لفظ الدار من الألفاظ المطلقة: لا يجوز من جهة الربا 5. قال البارزي: ويمكن أن يقال: الأول: إذا لم يعلم أن فيها معدناً، والثاني: إذا علم.
وقال في "المهمات": ليس بين الصورتين فرق إلا أن الأولى: فرضها عند عدم العلم، ولا أثر للجهل بالمفسد في باب الربا مطلقاً.
سابعها: قوله: (أو النَّوع؛ كصحاحٍ ومُكَسَّرَةٍ) 6 لو مثَّل: بـ (المعقلي والبرني).. لكان أحسن؛ فإن الصحة والتكسير اختلاف صفة لا اختلاف نوع، وإن كان اختلاف الصفة مضراً.. فيحمل النوع في عبارته على ما ليس بجنس؛ ليشمل اختلاف الصفة، فيصح التمثيل؛ ولذلك مثل "التنبيه" للنوع بمثالين القاساني والنيسابوري والصحيح والقراضة.
ثامنها: يشترط كون قيمة المكسر أقل من الصحيح، وإلا.. لم يضر، وهذا يرد على "التنبيه" أيضاً.

تاسعها: يشترط تميز أحد النوعين عن الآخر، فلو باع صاعاً من رديء وجيد مخلوطين بمثله أو جيد أو رديء.. جاز؛ لأن التوزيع عند التمييز، وهذا وارد على "التنبيه" أيضاً، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 266]: (مع تمييز أحد النوعين عن الآخر).
عاشرها: ذكر صاحب "التتمة" أنه إذا باع مداً ودرهماً بمدين.. بطل في المد المضموم إلى الدرهم وفيما يقابله من المدين، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة؛ ولذلك في جميع صوره قال الرافعي: ويمكن تنزيل إطلاقهم عليه 1. قال السبكي: وفيه نظر؛ لأن التقسيط لو اعتبر هنا.. لصح فيما إذا اتفقت القيمة؛ أي: فيما إذا كان المدان من نخلة واحدة والدرهمان من ضرب واحد، والرافعي موافق للجمهور على المنع منه.
انتهى.
وقال في "المطلب": وجه عدم تخريج هذه القاعدة على تفريق الصفقة: أن التفريق إنما يكون عند فوات شرط بعض المعقود عليه، وهنا الفساد للهيئة الاجتماعية كالعقد على خمس نسوة؛ فإنه يبطل في الكل.
انتهى.
وما ذكره المتولي تبعه عليه الروياني في "البحر" 2، قال السبكي: والعبارة المحررة: أن تجمع الصفقة جنساً ربوياً من الجانبين، ويختلف العوضان، أو أحدهما جنساً أو نوعاً أو صفة، وإن شئت قلت: أن يبيع ربويًّا بجنسه ومع أحدهما غيره، سواء أكانت المغايرة في الجنس أم النوع أم الصفة، وسواء أكان المضموم ربوياً أم غيره.
انتهى.
ويرد على ما ذكره: أنه لا بد من تقييده بكونه مقصوداً، ولا بد من التقييد عند اختلاف الصفة باختلاف القيمة كما تقدم.
ومن الفروع الغريبة الداخلة في هذه القاعدة: لو كان لبنته مئة درهم، فقال لغيره: زوجتك بنتي وملكتك هذه المئة بهاتين المئتين لك.. فالبيع والصداق باطلان، كما نقله الرافعي في الباب الثاني من أبواب الصداق عن نصه في "الأم" 3. 1739 - قول "التنبيه" [ص 92]: (ولا يباع نوعان مختلفا القيمة من جنس بنوع واحد منه متفق القيمة) في قوله: (مختلفا القيمة) ما تقدم في قوله: (يخالفه في القيمة) 4، وتقييده النوع الآخر بكونه متفق القيمة ليس شرطاً، بل ذكره لدفع توهم اشتراط اختلافهما كالنوعين، وقال

النووي في "نكته": اتفاق القيمة زيادة لا فائدة فيها.
1740 - قول "التنبيه" [ص 92]: (وفي بيعه بحيوان كير مأكول قولان) أظهرهما: المنع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 1. 1741 - قول "التنبيه" [ص 92]: (ولا يجوز بيع اللبن بشاة في ضرعها لبن) أطلق اللبن، والمراد: لبن شاة أما إذا كان لبن إبل أو بقر، وقلنا: الألبان أجناس وهو الأظهر.. ففيه قولا الجمع بين مختلفي الحكم، والأصح: الجواز.
ونظير المسألة: بيع بيض بدجاجة فيها بيض، كذا في "الروضة" وأصلها 2، وحكى الماوردي فيها قولين مبنيين على أن الحمل هل يأخذ قسطاً من الثمن أم لا؟ فيبطل على الأول دون الثاني، والفرق بينه وبين بيع لبن بشاة في ضرعها لبن حيث جزموا هناك بالبطلان: قُدْرَةُ صاحب اللبن علي أخذه، فهو كالموجود، فيقابل بقسط من الثمن قطعا، بخلاف البيض؛ فإنه كالحمل؛ لأنه لا يقدر على أخذ كل منهما، والله أعلم 3. 1742 - قوله: (وإن اصطرف رجلان وتقابضا، ووجد أحدهما بما قبض عيباً؛ فإن وقع العقد على العين ورده.. انفسخ البيع، ولم يجز أخذ البدل) 4 كونه لا يجوز أخذ البدل مفهوم من قوله: (انفسخ العقد)، والقصد به: التنبيه على تعين النقد بالتعيين خلافاً لأبي حنيفة 5. 1743 - قوله: (وإن كان على عوض في الذمة.. جاز أن يرده، ويطالب بالبدل قبل التفرق، وبعد التفرق قولان، أحدهما: أنه يرده ويأخذ بدله) 6 هو الأصح، لكن يشترط: قبض البدل في مجلس الرد، قال في "الكفاية": ومقتضى كلامه: أن له خيار الفسخ وبه صرح القاضي أبو الطيب، لكن ينبغي إذا جُوّز أخذ البدل.. خلافه؛ لبقاء المبيع في الذمة كالمسلم فيه، وبه صرح المتولي وابن التلمساني في "شرحه".

بابُ البيوع المنهيّ عنها الباطلة

1744 - قول "المنهاج" في عَسبِ الفَحْلِ [ص 215]: (فيحرم ثمن مائه، وكذا أجرته في الأصح) يقتضي أن الخلاف في الإجارة وجهان، وصرح بذلك "التنبيه" في (باب الإجارة) 1، وكذا هو في "الروضة" و" الشرحين" 2، وحكاهما في "المحرر" قولين 3، والأول هو المعتمد.
1745 - قول "التنبيه" في (باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز) [ص 89]: (وبيع حَبَل الحَبَلة في قول الشافعي، وهو أن يبيع بثمن إلى أن تحبل هذه الناقة، وتلد، ويحبل ولدها) اعترض عليه: بأن المنقول عن الشافعي: ويلد ولدها 4، وكلاهما باطل؛ للجهالة، وما ذكره الشيخ هو في "الصحيحين" عن ابن عمر 5. 1746 - قوله: (ولا يجوز تعليق البيع على شرط) 6 استثني منه: ما إذا قال: إن كان ملكي.. فقد بعتكه؛ فإنه يصح كما في "زوائد العمراني" في (الوكالة).
1747 - قول "المنهاج" [ص 215]: (والملامسة؛ بأن يلمس ثوباً مطوياً ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، أو يقول: "إذا لمسته.. فقد بعتكه") فسرها الشافعي، وتبعه الرافعي في كتبه والنووي في "الروضة" بأن يلمس ثوباً مطوياً، فيقول صاحبه: بعتكه بشرط قيام لمسك مقام نظرك 7، وفيه مخالفة لما في "المنهاج"، وجزم "التنبيه" بالتفسير الثاني، فقال [ص 89]: (وهو أن يقول: "إذا لمسته.. فقد وجب البيع") ومعناه: انعقد، ولا يصح أن يكون المراد: لزم؛ لكونه ذكره مثالاً لتعليق البيع على شرط.
1748 - قول "المنهاج" [ص 215]: (وبيع الحصاة؛ بأن يقول: "بعتك من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه"، أو يجعلا الرمي بيعاً، أو "بعتك ولك الخيار إلى رميها") فيه أمران:

أحدهما: أن قوله ثانياً: (بعتك) معطوف على قوله أولاً: (بعتك)، وفصل بينهما بقوله: (يجعلا)، فلو قدّمه عليه.. لكان أولى، وإذا أخره عنه.. فكان ينبغي أن يزيد فيه لفظة: (يقول) ليصح عطفه على (يجعلا)، وينتظم المعنى.
ثانيهما: قوله: (ولك الخيار) مثال، فلو قال: (ولي الخيار).. كان كذلك، وكذا لو قال: (لزيد الخيار) فيما يظهر.
1749 - قوله: (ولو اشترى زرعاً بشرط أن يحصده البائع، أو ثوباً ويخيطه.. فالأصح: بطلانه) 1 فيه أمران: أحدهما: أنه ينبغي على اصطلاحه التعبير بالمذهب؛ فإن المرجح في "الروضة": القطع بالبطلان، وقيل: قولان 2، فاقتصر "المنهاج" على طريقة الخلاف، وهي ضعيفة، وحكاها وجهين، وهي قولان.
ثانيهما: عبر "المحرر" بقوله: (بشرط أن يخيطه) 3 كما في الزرع، وعبر "المنهاج" في كل منهما بعبارة؛ تنبيهاً على جواز كل منهما في كل منهما، قال في "شرح المهذب": سواء قال: على أن يحصده أم ويحصده، وقال أبو حامد: لا يصح الأول قطعاً، وفي الثاني الخلاف 4. 1750 - قول "التنبيه": في المقبوض ببيع اقترن بشرط فاسد [ص 90]: (وإن هلك عنده.. ضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف) يقتضي وجوب القيمة وإن كان المبيع مثلياً، وكذا أطلقه الرافعي، وصرح به الماوردي 5، والذي حكاه غيرهم: أن هذا في المتقوم، أما المثلي: ففيه المثل، ويوافقه قول "الحاوي" [ص 268]: (وحيث فسد لو قبض المشتري.. فهو كالمغصوب).
1751 - قول "التنبيه" [ص 90]: (وإن كانت جارية فوطئها.. لزمه المهر وأرش البكارة إن كانت بكراً) المهر اللازم فيما إذا كانت بكراً: مهر بكر كما ذكره الرافعي والنووي هنا 6، وقالا في (الجنايات): مهر ثيب 7، قالا في (الغصب): وهو ما رجحوه 8، وصححا في الرد

بالعيب: وجوب مهر بكر فقط، واندراج الأرش فيه 1. 1752 - قوله: (فإن أولدها.. فالولد حر) 2 محله: إذا جهل المشتري، أو كان العوض مقصوداً، بخلاف الدم والميتة.
1753 - قوله: (وإن وضعته ميتاً.. لم يلزمه قيمته) 3 أي: بغير جناية، فإن كان بجناية.. وجبت الغرة على عاقلة الجاني، وعلى المشتري الأقل من قيمته يوم الولادة لو كان حياً، والغرة، ويطالب به المالك من شاء منهما.
1754 - قوله: (وإن شرط ما فيه مصلحة للعاقد؛ كخيار الثلاثة والأجل والرهن والضمين.. لم يفسد العقد) 4 فيه أمور: أحدها: أن كلامه يقتضي جواز الاسترسال في اشتراط ما فيه مصلحة للعاقد، وقد صرح الإمام بأنه ممتنع، بل يتبع فيه توقيف الشارع كالخيار وما في معناه 5، فإن هذه الأشياء في المعاملات كالرخص في العبادات.
ثانيها: يشترط في كل من الأجل والمرهون والضامن أن يكون معلوماً؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 267]: (ومعلوم أجل ورهن وكفيل)، و"المنهاج" [ص 216]: (والأجل والرهن والكفيل المُعَيَّنَاتِ) ولو قال: (المعينين) تغليباً للعاقل، وهو الكفيل.. لكان أولى، وتعبير "الحاوي" بـ (العلم) أحسن من تعبير "المنهاج" بـ (التعيين) فإنه يكفي في الرهن الوصف بصفات السلم، وحينئذ.. يكون معلوماً وليس معيناً، وقالوا في الكفيل: إن المعتبر المشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف، وفيه احتمال للرافعي، وجعل الاكتفاء بقوله: (موسر ثقة) أولى من مشاهدة من لا يعرفه 6. ثالثها: يشترط فيها أيضاً: أن يكون الثمن في الذمة، كما صرح به "المنهاج" 7، واقتصر "الحاوي" على قوله [ص 267]: (بالثمن) ولم يقيده بكونه في الذمة، ولا بد منه، بل لو عكس واقتصر على ذكر الذمة من غير تقييد بالثمن، فقال: (لعوضٍ في الذمة).. لكان أشمل؛ لتناوله المبيع في الذمة، مثل: اشتريت منك صاع بُرّ في ذمتك صفته كذا، فيصح اشتراط الثلاثة فيه،

وذلك يرد على قول "المنهاج" أيضًا [ص 216]: (الثمن في الذمة).
رابعها: أطلق الثلاثة اشتراط الأجل، وقال الروياني: لو أجل الثمن ألف سنة.. بطل العقد؛ للعلم بأنه لا يعيش هذه المدة 1، قال الرافعي: فعلى هذا يشترط في صحة الأجل: احتمال بقائه إليه 2. قال النووي: لا يشترط احتمال بقائه إليه، بل ينتقل إلى وارثه، لكن التأجيل بألف سنة وغيرها مما يبعد بقاء الدنيا إليه فاسد 3. قلت: إنما ينتقل إلى الوارث مؤجّلاً إذا كان الذي مات هو البائع، أما إذا مات المشتري.. فإنه يحل الدين ويسقط الأجل، فأيّ فائدة في أجل يقطع بسقوطه قبل انتهائه؟ ! خامسها: لو قال: (صح الشرط).. كان أحسن من قوله: (لم يفسد العقد) فإنه لا يلزم من عدم فساد العقد صحة الشرط.
سادسها: لا بد من تقييد الرهن بأن يكون غير المبيع، فلو شرطا رهنه.. لم يصح على المذهب؛ لأنه لم يدخل في ملك المشتري إلا بعد الشرط؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 267]: (ورهن غير المبيع)، ولم يتعرض "المنهاج" أيضاً لذكر ذلك هنا.
1755 - قول "التنبيه" [ص 90]: (وإن شرط العتق في العبد.. لم يفسد العقد) فيه أمور: أحدها: لا يلزم من كون العقد لا يفسد أن يصح الشرط؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 216]: (فالمشهور: صحة البيع والشرط)، وهو مفهوم من قول "التنبيه" [ص 90]: (فإن امتنع من العتق.. أجبر عليه).
ثانيها: تناول كلامه ما إذا شرط مع العتق الولاء للبائع، والبيع في هذه الصورة باطل، وقد ذكرها "المنهاج"، إلا أنه عطفها على ما عبر فيه بالأصح 4، فاقتضى أن الخلاف فيها وجهان، وعبر في "الروضة" بقوله: المذهب، وبه قطع الجمهور 5، ولم يتعرض لها "الحاوي"، فهي واردة عليه أيضاً.
ثالثها: وتناول كلامه أيضاً ما إذا شرط إعتاقه بعد شهر مثلاً، والأصح فيها: البطلان، وقد ذكرها "المنهاج" و"الحاوي" 6.

رابعها: يستثنى من كلام الثلاثة: ما إذا شرط إعتاقه عن البائع.. فالعقد باطل، كما صرح به في "شرح المهذب" و"المطلب" (1)، وما إذا اشترى أباه بشرط إعتاقه.. فإنه يبطل قطعاً؛ لتعذر الوفاء به؛ فإنه يعتق قبل إعتاقه، قاله القاضي حسين، وللنووي فيه احتمال (2). خامسها: قد تتناول عبارتهم ما لو باع عبداً بشرط أن يبيعه بشرط الإعتاق، أو بشرط أن يعلق عتقه بصفة، والأصح في الصورتين: البطلان.
سادسها: ظاهر كلام "التنبيه" و"المنهاج": أنه لا بد من شرط عتق جميع العبد، فلو باع بعض عبد بشرط إعتاقه.. لم يصح، وحكي ذلك عن صاحب "المعين" اليمني، لكن مقتضى قول "الحاوي" [ص 267]: (وعتق المبيع) يقتضي الصحة في هذه الصورة.
سابعها: قوله: (فإن امتنع من العتق.. أجبر عليه) (3) ظاهره: أنه يحبس لأجله إن امتنع، وهو احتمال للإمام، وله احتمال آخر: أنه كالمولي، فيعتقه القاضي في قولٍ كما يُطَلِّق (4)، وهو المذكور في "تعليق القاضي الحسين" و"التتمة".

فَائِدَةٌ [بيع الرقيق بشرط العتق]

قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": بيع الرقيق بشرط العتق إنما استفيد من حديث بريرة 5، وقد كانت مكاتبة، فعلى هذا.. يجوز بيع المكاتب بشرط العتق، رضي بالبيع أم لم يرض، أما إذا رضي.. فقد نص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث" وغيره 6، وأمّا إذا لم يرض.. فلأنه عليه الصلاة والسلام أجاز لعائشة شراء بريرة، ولم يعتبر رضاها، ولم يجيء في الحديث بيع غير المكاتب بشرط العتق، ومحل الحديث لا يخرج، وهو قريب من العموم الوارد على سبب؛ فإن السبب لا يُخرج كما في "الولد للفراش"؛ فإن السبب كان في أمه.
انتهى.
1756 - قول "المنهاج" [ص 216]: (ولو شرط مقتضى العقد كالقبض والرد بالعيب.. صح)1234

أي: العقد؛ ولذلك اقتصر "التنبيه" على قوله [ص 90]: (لم يفسد العقد)، وهو مفهوم قول "الحاوي" عطفاً على البطلان [ص 267]: (أو بشرط فيه غرض لا يوجبهُ).
وأما الشرط: ففي كلام أبي الطيب والمحاملي ما يقتضي صحته أيضاً، ويكون مُؤكداً لمقتضى العقد، وقد يفهم ذلك من تعبير "المنهاج"، وقال الرافعي وغيره: إنه لا يضر ولا ينفع 1، وقال الإمام: الشرط هو ما اقتضى زيادة على مقتضى العقد 2، قال السبكي: وهو بحث لفظي.
1757 - قول "التنبيه" [ص 90]: (وإن شرط ما سوى ذلك مما ينافي موجب العقد، وليس فيه مصلحة للعاقد.. لم يصح العقد) أورد عليه: ما إذا شرط ما لا غرض فيه؛ كشرط ألاَّ يأكل إلا الهريسة، أو لا يلبس إلا الحرير؛ فإنه يلغو ولا يفسد العقد به، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 3، وحكاه الرافعي عن الإمام والغزالي، ثم قال: لكن في "التتمة": أنه لو شرط ما يقتضي التزام ما ليس بلازم؛ كما لو باع بشرط أنه يصلي النوافل.. فإنه يفسد العقد؛ لأنه أوجب ما ليس بواجب، قال الرافعي: وقضية هذا فساد العقد في مسألة الهريسة والحرير.
انتهى 4. ونص في "الأم" على البطلان فقال: (فإذا باع الرجلُ الرجلَ العبد على ألاَّ يبيعه من فلان، أو على أن يبيعه من فلانٍ، أو على ألاَّ يستخدمه، أو على أن يُنفق عليه كذا وكذا، أو على أن يخارجه.. فالبيع كله فيه فاسد)، حكاه في "المهمات" وغيرها 5. واختار ابن الصلاح وابن الرفعة في قوله: (لا يأكل) أن يُقرأ بالتاء - ثالثة الحروف - خطاباً للمشتري؛ فإنه حينئذ لا غرض فيه ألبتة، وأما إذا قرئ بالياء - آخر الحروف -.. فقد ينازع في عدم الغرض، ويتخيل فيه الإفساد؛ لأنه ينفع العبد، فأشبه شرط إعتاقه 6. 1758 - قوله: (وان باع جارية وشرط حملها.. ففيه قولان) 7 فيه أمران: أحدهما: الأصح: الصحة، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 8. ثانيهما: ذكر الجارية مثال، فكل حيوان كذلك، وعبر "المنهاج" بالدابة 9، وهو مثال

جارٍ التحميل